تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار - ج4

- محمد بن عبد الله ابن بطوطة المزيد...
327 /
3

[المجلد الرابع‏]

الفصل الرابع عشر الجنوب الهندي- جزر مالديف- سيلان- البنغال‏

من دهلي إلى كول و أسر ابن بطوطة بها من كول إلى دولةآباد من دولةأباد إلى بلاد المليبار: بلاد الأبزار! الذهاب إلى مدينة قالقوط محاولة الذّهاب إلى الصين و فشلها ...

جزائر ذيبة المهل (المالديف) ابن بطوطة بجزر مالديف و وقوفه بها على النقش التاريخي جزيرة سيلان ...

عند ما هاجمه 12 مركبا و سلبوه!

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

الجنوب الهندي‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

ذكر سبب بعث الهدية للصين و ذكر من بعث معي و ذكر الهدية.

و كان ملك الصين قد بعث إلى السلطان مائة مملوك و جارية و خمسمائة ثوب من الكمخا منها مائة من التي تصنع بمدينة الزّيتون، و مائة من التي تصنع بمدينة الخنسا، و خمسة أمنان من المسك، و خمسة أثواب مرصعة بالجوهر، و خمسة من التراكش مزركشة، و خمسة سيوف، و طلب من السلطان أن يأذن له في بناء بيت الأصنام الذي بناحية جبل قراجيل‏ (1) المتقدم ذكره، و يعرف الموضع الذي هو به بسمهل، بفتح السين المهمل و سكون الميم و فتح الهاء، و إليه يحج أهل الصين، و تغلّب عليه جيش الإسلام بالهند فخرّبوه و سلبوه.

فلما (2) وصلت هذه الهدية إلى السلطان كتب إليه بأن هذا المطلب لا يجوز في ملّة الإسلام إسعافه، و لا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلّا لمن يعطي الجزية، فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه، و السلام على من اتبع الهدى. و كافأه‏ (3) عن هديته بخير منها، و ذلك مائة فرس من الجياد مسرجة ملجمة، و مائة مملوك و مائة جارية، من كفار الهند مغنّيات و رواقص، و مائة ثوب بيرميّة، و هي من القطن و لا نظير لها في الحسن، قيمة الثوب منها مائة دينار (4)، و مائة شقة من ثياب الحرير المعروفة بالجزّ (5)، بضم الجيم و زاي، و هي التي يكون حرير إحداها مصبوغا بخمسة ألوان و أربعة، و مائة ثوب من الثياب المعروفة بالصّلاحية، و مائة ثوب‏

____________

(1) يعلّق بيكينگام‏(Beckingham) الذي تصدّى لترجمة الجزء الرابع من الرحلة بعد وفاة الأستاذ گيب:

إنه لا يوجد أثر لحد الآن حول أخبار هذه السفارة في المراجع الصينية و لا الهندية. و نحن نقول: إنه يمكن أن تعتبر معلومة ابن بطوطة حول الموضوع معلومة أصيلة يعتمد عليها سيما و ابن بطوطة شاهد عيان ...

و تعتبر هذه الفقرة من رحلة ابن بطوطة اسهاما جديدا في كتابة التاريخ الدولي للإسلام و علاقته بالديانات و العقائد المجاورة حيث نرى المكاتبات بين ملوك الاسلام و ملوك البوذية حول موضوع يتعلق بحرية ممارسة الشعائر و ما يتصل بها من ظروف و صروف.

(2) عرّف يول‏Yule سمهل هذه و كأنّها(Sambhal) التي توجد في روهيل خانذ(Rohilkhand) - ابن بطوطة ذكر السّنبل على أنها الاقليم الذي تقع فيه مدينة بذاون (III، 136) يذكر بيكينگام أنه لم يعثر على بقايا بوذية هناك و ان الدّين هناك كان على ما يبدو معدوما بالمرة في القرن الرابع عشر. علاوة على هذا نذكر أن ملك الهند السلطان محمد كان قد استولى على الناحية في حملته القراجيلية في اتجاه آخر نحو ناگاركوNagarkot ، و هكذا فإن من الصعب أن نتصور ان سمهل توجد على مقربة من الهيمالايا.

Yule H cathay and THe Way Thither. New ediion, LOndon 3191- 61, 4 Vols.

(3) نسجل هنا حرص ابن بطوطة على ذكر نص جواب سلطان الهند على رسالة أمبراطور الصّين حول هذا الموضوع الهام في العلاقات بين الإسلام و الديانات الأخرى و هذه اللقطة كما أسلفنا تأكيد بيّن لكونها أي الرحلة تعتبر مصدرا من مصادر التاريخ الدولي ...

(4) البيرميّ تعبير مستعمل يطلق على ثوب هندي أبيض، و قد ورد ذكره كذلك من قبل الكاتب البرتغالي دوارت بربوزا(Duarte Barbosa) في بداية القرن السادس عشر، و يتعلق الأمر على ما يظهر بالثوب الحريري المنسوب إلى داكا(DACCA) : العاصمة الحالية لبنغلاديش ...

(5) انواع من قماش ناعم متقزح اللّون حريريّ النسيج.

8

احتفال بأمير مغولي في البلاط- تصوير جداري رسم يمثل الاحتفال بأحد السفراء- تصوير جداري بقاعة الأعمدة الأربعين‏

9

من الشّيرين باف‏ (6)، و مائة ثوب من الشان باف‏ (7)، و خمسمائة ثوب من المرعز، مائة منها سود، و مائة بيض، و مائة حمر، و مائة خضر، و مائة زرق، و مائة شقّة من الكتان الرّومي، و مائة فضلة من الملف، و سرّاجة (8) و ستّ من القباب، و أربع حسك من ذهب، و ست حسك من فضة منيّلة، و أربعة طسوت من الذّهب ذات أباريق كمثلها، و ستة طسوت من الفضة، و عشر خلع من ثياب السلطان مزركشة، و عشر شواش من لباسه، إحداها مرصعة بالجوهر و عشرة تراكش مزركشة، و أحدها مرصّع بالجوهر، و عشرة من السيوف، أحدها مرصع الغمد بالجوهر، و دشت بان‏ (9) و هو قفّاز مرصع بالجوهر، و خمسة عشر من الفتيان.

و عيّن السلطان للسّفر معي بهذه الهدية الأمير ظهير الدين الزّنجاني‏ (10)، و هو من فضلاء أهل العلم، و الفتى كافور الشّربدار، و إليه سلمت الهدية، و بعث معنا الأمير محمد الهروي‏ (11) في ألف فارس ليوصلنا إلى الموضع الذي نركب منه البحر، و توجه صحبتنا أرسال ملك الصين، و هم خمسة عشر رجلا يسمى كبيرهم ترسي و خدامهم نحو مائة رجل و انفصلنا في جمع كبير و محلة عظيمة، و أمر لنا السلطان بالضيافة مدة سفرنا ببلاده.

و كان سفرنا في السابع عشر لشهر صفر سنة ثلاث و أربعين‏ (12) و هو اليوم الذي اختاروه للسفر لأنهم يختارون للسفر من أيام الشهر ثانيه أو سابعه أو الثاني عشر أو السابع عشر أو الثاني و العشرين أو السابع و العشرين! فكان نزولنا في أول مرحلة بمنزل تلبت‏ (13)، على مسافة فرسخين و ثلث من حضرة دهلي، و رحلنا منه إلى منزل أو، و رحلنا منه‏

____________

(6) نوع رفيع من القطن ...

(7) شان باف‏(ShAna -BAF) هي على ما يبدوا ثوب شفاف من القطن يسمى سينابافي‏(SIN -ABAFFI) عند وارثيما(WARTHEMA) الرحالة الايطالي في بداية القرن السادس عشر.

(8) السّراجة الخيمة الكبيرة الفسيحة. انظرII ، 369III 44- 251- 352- 415- 438

(9) يبدوا أن كلمة دشتبان و هي كلمة فارسية صوابها دستبان بالسين.

(10) ظهير الدّين الزنجاني وصفه ابن بطوطة (III، 145) بأنه كان كبير المنزلة عند السلطان، كلمة الشرب دار تعنى الساقي و النّديم. ابن بطوطةIII 145

(11) الهروي: نعته (III، 121) بالكتوال و هي تعني بالأردو صاحب الحصن أو رئيس الشرطة.

(12) التاريخ يوافق 22 يوليه 1342 بيد أن هناك مشاكل تتعلق من جهة بالتسلسل التاريخي، و بخط السير من جهة أخرى. الأمر الذي يفرض علينا تقديم التاريخ الهجري سنة واحدة، و هكذا فإن المناسب هو تاريخ 17 صفر 742 الموافق 2 غشت 1341.

(13) تلبب‏(Tilpat ذكرها ابن بطوطة (III 391) على أنها تبعد عن العاصمة بسبعة أميال، و قد ذكرها هنا على أنها تقع على مسافة فرسخين و ثلث الفرسخ ...

10

إلى منزل هيلو (14)، و رحلنا منه إلى مدينة بيانة (15)، و ضبط اسمها بفتح الباء الموحدة و فتح الياء آخر الحروف مع تخفيفها و فتح النون، مدينة كبيرة حسنة البناء مليحة الأسواق.

و مسجدها الجامع من أبدع المساجد و حيطانه و سقفه حجارة، و الأمير بها مظفر ابن الداية، و أمه هي داية السلطان، و كان بها قبله الملك مجير بن أبي الرجاء أحد كبار الملوك، و قد تقدم ذكره‏ (16)، و هو ينتسب في قريش و فيه تجبّر، و له ظلم كثير قتل من اهل هذه المدينة جملة، و مثّل بكثير منهم، و لقد رأيت من أهلها رجلا حسن الهيئة قاعدا في أسطوان منزله و هو مقطوع اليدين و الرجلين.

و قدم السلطان مرة على هذه المدينة فتشكى الناس من الملك مجير المذكور فأمر السلطان بالقبض عليه و جعلت في عنقه الجامعة، و كان يقعد بالدّيوان بين يدي الوزير، و أهل البلد يكتبون عليه المظالم، فأمره السلطان بإرضائهم فأرضاهم بالأموال ثم قتله بعد ذلك.

و من كبار أهل هذه المدينة الامام العالم عزّ الدين الزبيري من ذرية الزبير بن العوام رضي الله عنه، أحد كبار الفقهاء الصلحاء، لقيته بكاليور عند الملك عز الدين البنتاني‏ (17) المعروف بأعظم ملك.

ثم رحلنا من بيانة فوصلنا إلى مدينة (18) كول، و ضبط اسمها بضم الكاف، مدينة حسنة ذات بساتين و أكثر أشجارها العنبا، و نزلنا بخارجها في بسيط أفيح، و لقينا بها الشيخ الصالح العابد شمس الدين المعروف بابن تاج العارفين، و هو مكفوف البصر معمّر، و بعد ذلك سجنه السلطان و مات في سجنه، و قد ذكرنا حديثه‏ (19).

____________

(14) أو وهيلو لم يقع تحديدهما بصفة مرضية، على الطريق الذي يربط دهلي بعليكرةALigarh .

(15) بيانة تقع على نحو 38 كيلومترا غرب عليگره ... و نذكر هنا أنه توجد مدينة (البيّانة) بالأندلس- ابن بطوطة (IV؛ 370)- و يذكر مزيك‏Mzik أن كلام ابن بطوطة يقتضي أنه حتى الآن يتحرك في الجانب الغربي لجومناJumna .

(16) يراجع (ج‏III ، 230) كما تراجع صفحة 318 حيث الحديث عن مجير الدّين بن أبي الرجاء ...

(17) الملك عز الدّين هذا يحيى بندات أعطى لقب اعظم ملك من لدن السلطان الذي منحه إقطاعا يحمل اسم ساتگاون‏(Satgaon) ، و قد أكدت هذه المعلومات من قبل المؤرخين، و قد تركت ساكتگاون لفخر الدّين البنغالي و سيرد ذكر عزّ الدّين منعوتا باعظم أمير لمدينة جنديري‏IV ، 41، كما سيرد ذكر عز الدّين الزبيري في نفس المساق.

(18) كول: علگره‏(ALIGARH) الحالية في إقليم يحمل نفس الاسم كان في الاصل اسما لحصن، انظر ج‏III 307.

(19) يراجع ج‏II ص 308.

11

ذكر غزوة شهدناها بكول‏

و لما بلغنا إلى مدينة كول بلغنا أن بعض كفار الهنود حاصروا بلدة الجلالي‏ (20) و أحاطوا بها و هي على مسافة سبعة أميال من كول فقصدناها، و الكفار يقاتلون أهلها، و قد أشرفوا على التّلف، و لم يعلم الكفار بنا حتى صدقنا الحملة عليهم، و هم في نحو ألف فارس و ثلاثة آلاف راجل، فقتلناهم عن آخرهم و احتوينا على خيلهم و أسلحتهم، و استشهد من أصحابنا ثلاثة و عشرون فارسا و خمسة و خمسون راجلا، و استشهد الفتى كافور الساقي الذي كانت الهدية مسلمة بيده، فكتبنا إلى السلطان بخبره، و أقمنا في انتظار الجواب.

و كان الكفار في أثناء ذلك ينزلون من جبل هنالك منيع فيغيرون على نواحي بلدة الجلالي، و كان أصحابنا يركبون كلّ يوم مع أمير تلك الناحية ليعينوه على مدافعتهم.

ذكر محنتي بالأسر و خلاصي منه، و خلاصي من شدة بعده، على يد وليّ من أولياء الله تعالى‏

و في بعض تلك الأيام ركبت في جماعة من أصحابي و دخلنا بستانا نقيل فيه و ذلك فصل القيظ، فسمعنا الصياح، فركبنا و لحقنا كفارا أغاروا على قرية من قرى الجلالي، فاتبعناهم فتفرقوا و تفرق أصحابنا في طلبهم، و انفردت في خمسة من أصحابي، فخرج علينا جملة من الفرسان و الرجال من غيضة هنالك ففررنا منهم لكثرتهم و اتبعني نحو عشرة منهم، ثم انقطعوا عني إلا ثلاثة منهم و لا طريق بين يدي، و تلك الأرض كثيرة الحجارة فنشبت يدا فرسي بين الحجارة، فنزلت عنه و اقتلعت يده وعدت إلى ركوبه.

و العادة بالهند أن يكون مع الانسان سيفان: أحدهما معلق بالسّرج، و يسمى الرّكابي، و الآخر في التركش، فسقط سيفي الركابي من غمده و كانت حليته ذهبا فنزلت فأخذته و تقلدته و ركبت و هم في أثري، ثم وصلت إلى خندق عظيم فنزلت و دخلت في جوفه فكان آخر عهدي بهم.

ثم خرجت إلى واد في وسط شعراء ملتفة في وسطها طريق فمشيت عليه و لا أعرف منتهاه فبينا أنا في ذلك خرج عليّ نحو أربعين رجلا من الكفار بأيديهم القسّي فأحدقوا بي و خفت أن يرموني رمية رجل واحد إن فررت منهم، و كنت غير متدرع، فألقيت بنفسي إلى الأرض و استأسرت، و هم لا يقتلون من فعل ذلك، فأخذوني و سلبوني جميع ما عليّ، غير جبة و قميص و سروال و دخلوا بي إلى تلك الغابة فانتهوا بي إلى موضع جلوسهم منها على حوض ماء بين تلك الاشجار و أتوني بخبز ماش، و هو الجلبّان، فأكلت منه و شربت من الماء.

____________

(20) الجلالي‏(JALALI) مدينة صغيرة على بعد 17 ك. م شرق عليگره.

12

و كان معهم مسلمان كلّماني بالفارسية، و سألاني عن شأني، فأخيرتهما ببعضه و كتمتهما أني من جهة السلطان، فقالا لي: لا بد أن يقتلك هؤلاء أو غيرهم، و لكن هذا مقدّمهم و أشارا إلى رجل منهم، فكلّمته بترجمة المسلمين و تلطفت له، فوكل بي ثلاثة منهم:

أحدهم شيخ و معه ابنه، و الآخر أسود خبيث، و كلّمني أولئك الثلاثة، ففهمت منهم أنهم أمروا بقتلي، فاحتملوني عشيّ النهار إلى كهف، و سلط اللّه على الأسود منهم حمّى مرعدة، فوضع رجليه عليّ و نام الشيخ و ابنه! فلما أصبح تكلموا فيما بينهم و أشاروا إليّ بالنزول معهم إلى الحوض و فهمت أنهم يريدون قتلي فكلمت الشيخ و تلطفت إليه فرقّ لي، و قطعت كمّي قميصي و أعطيته أياهما لكي لا يأخذه أصحابه فيّ إن فررت.

و لما كان عند الظهر سمعنا كلاما عند الحوض فظنوا أنهم أصحابهم، فأشاروا إليّ بالنّزول معهم، فنزلنا و وجدنا قوما آخرين فأشاروا عليهم أن يذهبوا في صحبتهم فأبوا، و جلس ثلاثتهم أمامي و أنا مواجه لهم و وضعوا حبل قنّب كان معهم بالأرض، و أنا أنظر إليهم، و أقول في نفسي: بهذا الحبل يربطونني عند القتل، و أقمت كذلك ساعة ثم جاء ثلاثة من أصحابهم الذين أخذوني فتكلموا معهم، و فهمت أنهم قالوا لهم: لأي شي‏ء ما قتلتموه؟ فأشار الشيخ إلى الأسود كأنّه اعتذر بمرضه! و كان أحد هؤلاء الثلاثة شابا حسن الوجه، فقال لي:

أ تريد أن أسرحك؟ فقلت: نعم، فقال: اذهب. فأخذت الجبّة التي كانت علي فأعطيته إياها و أعطاني مقيّرة بالية عنده، و أراني الطريق فذهبت و خفت أن يبدو لهم فيدركونني، فدخلت غيضة قصب و اختفيت فيها، إلى أن غابت الشمس، ثم خرجت و سلكت الطريق التي أرانيها الشاب، فأفضت بي إلى ماء فشربت منه، و سرت إلى ثلث الليل فوصلت إلى جبل فنمت تحته فلما أصبحت سلكت الطريق فوصلت ضحى إلى جبل من الصخر عال فيه شجر أمّ غيلان و السدر، فكنت أجني النبق فأكله حتى أثّر الشوك في ذراعي أثارا هي باقية به حتى الآن! ثم نزلت من ذلك الجبل إلى أرض مزدرعة قطنا و بها أشجار الخروع، و هنالك باين، و البائن عندهم: بئر متسعة جدا مطوية بالحجارة، لها درج ينزل عليها إلى ورد الماء، و بعضها يكون في وسطه و جوانبه القباب مر، الحجر و السقايف و المجالس، و يتفاخر ملوك البلاد و أمراؤها بعمارتها في الطرقات التي لا ماء بها، و سنذكر بعض ما رأيناه منها فيما بعد (21)، و لما وصلت إلى البائن شربت منه و وجدت عليه شيئا من عساليج الخردل قد سقطت‏

____________

(21) انظر ما يأتي‏IV ، 84- 85 حول المقيرة انظر المقدمة.

13

لمن غسلها فأكلت منها و ادّخرت عليه شيئا من عساليج الخردل قد سقطت لمن غسلها فأكلت منها و ادّخرت باقيها، و نمت تحت شجرة خروع.

فبينما أنا كذلك إذ ورد البائن نحو أربعين فارسا مدرعين، فدخل بعضهم إلى المزرعة، ثم ذهبوا، و طمس الله أبصارهم دوني، ثم جاء بعدهم نحو خمسين في السّلاح و نزلوا إلى البائن، و أتى أحدهم إلى شجرة إزاء الشجرة التي كنت تحتها، فلم يشعر بي.

و دخلت إذ ذاك في مزرعة القطن و أقمت بها بقية نهاري، و أقاموا على البائن يغسلون ثيابهم و يلعبون، فلما كان الليل هدأت أصواتهم، فعلمت أنهم قد مرّوا أو ناموا فخرجت حينئذ و اتبعت أثر الخيل، و الليل مقمر، و سرت حتى انتهيت إلى باين آخر، عليه قبة فنزلت إليه و شربت من مائه و أكلت من عساليج الخردل التي كانت عندي، و دخلت القبة فوجدتها مملوءة بالعشب مما يجمعه الطير فنمت بها، و كنت أحس حركة حيوان في تلك العشب أظنه حيّة فلا أبالي بها لما بي من الجهد، فلما أصبحت سلكت طريقا واسعة تفضي إلى قرية خربة و سلكت سواها فكانت كمثلها و أقمت كذلك أياما، و في بعضها وصلت إلى أشجار ملتفة بينها حوض ماء و داخلها شبه بيت و على جوانب الحوض نبات الأرض كالنّجيل. و غيره فأردت أن أقعد هنالك حتى يبعث الله من يوصلني إلى العمارة.

ثم إني وجدت يسير قوة فنهضت على طريق وجدت بها أثر البقر و وجدت ثورا عليه بردعة و منجل، فإذا تلك الطريق تفضي إلى قرى الكفار فاتبعت طريقا أخرى فأفضت بي إلى قرية خربة و رأيت بها أسودين عريانين فخفتهما و أقمت تحت أشجار هنالك فلما كان الليل دخلت القرية و وجدت دارا في بيت من بيوتها شبه خابية كبيرة يصنعونها لاختزان الزّرع، و في أسفلها نقب يسع منه الرجل فدخلتها و وجدت داخلها مفروشا بالتبن و فيه حجر جعلت رأسي عليه و نمت.

و كان فوقها طائر يرفرف بجناحيه أكثر الليل، و أظنه كان يخاف فاجتمعنا خائفين و أقمت على تلك الحال سبعة أيام من يوم أسرت، و هو يوم السبت و في السابع منها وصلت إلى قرية للكفار عامرة، و فيها حوض ماء و منابت خضر، فسألتهم الطعام، فأبوا أن يعطوني، فوجدت حول بئر بها أوراق فجل، فأكلته، و جئت القرية فوجدت جماعة كفار لهم طليعة، فدعاني طليعتهم فلم أجبه، و قعدت إلى الأرض، فأتى أحدهم بسيف مسلول و رفعه ليضربني به، فلم التفت إليه لعظم ما بي من الجهد، ففتشني فلم يجد عندي شيئا فأخذ القميص الذي كنت أعطيت كمّية للشيخ الموكل بي.

14

و لما كان في اليوم الثامن اشتدّ بي العطش، و عدمت الماء و وصلت إلى قرية خراب فلم أجد بها حوضا، و عادتهم بتلك القرى أن يصنعوا أحواضا يجتمع بها ماء المطر فيشربون منه جميع السنة، فاتبعت طريقا فأفضت بي الى بئر غير مطوية، عليها حبل مصنوع من نبات الأرض، و ليس فيه آنية يستقى بها فربطت خرقة كانت على رأسي في الحبل، و امتصصت ما تعلق بها من الماء، فلم يروني، فربطت خفي و استقيت به، فلم يفروني فاستقيت به ثانيا فانقطع الحبل، و وقع الخف في البئر فربطت الخف الآخر و شربت حتى رويت، ثم قطعته فربطت أعلاه على رجلي بحبل البئر، و بخرق وجدتها هنالك فبينما أنا أربطها و أفكر في حالي إذ لاح لي شخص فنظرت إليه فإذا رجل أسود اللّون بيده إبريق و عكّاز، و على كاهله جراب، فقال لي: سلام عليكم فقلت له: عليكم السلام و رحمة الله و بركاته، فقال لي بالفارسية: جيكس معناه: من أنت؟ فقلت له: أنا تائه! فقال لي: و أنا كذلك، ثم ربط إبريقه بحبل كان معه و استقى ماء فأردت أن أشرب، فقال لي: اصبر! ثم فتح جرابه فأخرج منه غرفة حمّص أسود مقلو مع قليل أرز، فأكلت منه و شربت، و توضأ و صلّى ركعتين و توضأت أنا وصليت، و سألني عن اسمي فقلت: محمد، و سألته عن اسمه فقال لي: القلب الفارح فتفاءلت بذلك و سررت به، ثم قال لي: بسم الله! ترافقني؟ فقلت:

نعم، فمشيت معه قليلا، ثم وجدت فتورا في أعضاءي، و لم أستطع النهوض، فقعدت، فقال لي: ما شأنك؟ فقلت له: كنت قادرا على المشي قبل أن ألقاك فلما لقيتك عجزت، فقال:

سبحان الله اركب عنقي! فقلت له: إنك ضعيف و لا تستطيع ذلك، فقال: يقوّيني الله، لا بد لك من ذلك، فركبت على عنقه، و قال لي: أكثر من قراءة: حسبنا الله و نعم الوكيل، فاكثرت من ذلك.

و غلبتني عيني فلم أفق إلا لسقوطي على الأرض فاستيقظت و لم أر للرجل أثرا، و إذا أنا في قرية عامرة فدخلتها فوجدتها لرعية الهنود، و حاكمها من المسلمين، فأعلموه بي فجاء إليّ فقلت له: ما اسم هذه القرية؟ فقال لي: تاج بوره‏ (22)، و بينها و بين مدينة كول حيث أصحابنا فرسخان، و حملني ذلك الحاكم إلى بيته فأطعمني طعاما سخنا و اغتسلت و قال لي: عندي ثوب و عمامة أودعهما عندي رجل عربي مصري من أهل المحلّة التي بكول، فقلت له:

هاتهما ألبسهما إلى أن أصل إلى المحلة، فأتى بهما فوجدتهما من ثيابي كنت قد وهبتهما لذلك العربي لما قدمنا كول فطال تعجبي من ذلك!

____________

(22) تاج بورة(TAJPUR) تقع على نحو خمس كيلو ميترات شمال غرب عليگرة، و قد ظهرت في خريطة عن المواقع الأثرية الهامة ... لجمال م صدّيقي‏ALigarh :Snippets from the Past كراسة نشرت بتعاون مع الكونگرس التاريخي الهندي عليكره: عام 1975- الآية حسبنا الله و نعم الوكيل من سورة آل عمران رقم 173 و اللفظ في سورة المائدة و الثوبة.

15

و فكرت في الرجل الذي حملني على عنقه، فتذكرت ما أخبرني به ولي الله تعالى أبو عبد الله المرشدي حسبما ذكرناه في السفر الأول‏ (23)، إذ قال لي: ستدخل أرض الهند و تلقى بها أخي دلشاد، و يخلصك من شدة تقع فيها، و تذكرت قوله لما سألته عن اسمه فقال:

القلب الفارح و تفسيره بالفارسية دلشاد، فعلمت أنه هو الذي أخبرني بلقائه و أنه من الأولياء و لم يحصل لي من صحبته إلا المقدار الذي ذكرته.

و كتبت تلك الليلة إلى أصحابي بكول معلما لهم بسلامتي فجاءوا إلي بفرس و ثياب، و استبشروا بي و وجدت جواب السلطان قد وصلهم، و بعث بفتى يسمى بسنبل الجامدار عوضا من كافور المستشهد، و أمرنا أن نتمادى على سفرنا، و وجدتهم أيضا قد كتبوا للسلطان بما كان من أمري و تشاءموا بهذه السفرة لما جرى فيها عليّ و على كافور، و هم يريدون أن يرجعوا، فلما رأيت تأكيد السلطان في السّفر، أكدت عليهم و قوى عزمي، فقالوا ألا ترى ما اتفق في بداية هذه السفرة و السلطان يعذرك، فلنرجع إليه أو نقيم حتى يصل جوابه، فقلت لهم: لا يمكن المقام و حيث ما كنا أدركنا الجواب.

فرحلنا عن كول و نزلنا بورج بوره‏ (24) و به زاوية حسنة فيها شيخ حسن الصورة و السيرة يسمى بمحمد العريان لانه لا يلبس عليه إلا ثوبا من سرته إلى أسفل و باقي جسده مكشوف و هو تلميذ الصّالح الولي محمد العريان القاطن بقرافة مصر، نفع الله به.

حكاية هذا الشيخ‏

و كان من أولياء الله تعالى قائما على قدم التجرد يلبس تنّورة، و هو ثوب يستر من سرته إلى أسفل، و يذكر أنه كان إذا صلّى العشاء الآخرة أخرج كل ما بقى بالزاوية من طعام و ادام و ماء و فرق ذلك على المساكين و رمى بفتيلة السراج، و أصبح على غير معلوم.

و كانت عادته أن يطعم أصحابه عند الصباح خبزا وفولا فكان الخبازون و الفوّالون يستبقون إلى زاويته فيأخذ منهم مقدار ما يكفي الفقراء، و يقول لمن أخذ منه ذلك: أقعد حتى يأخذ أول ما يفتح به عليه في ذلك اليوم قليلا كثيرا.

و من حكايته أنه لما وصل قازان ملك التتر إلى الشام بعساكره و ملك دمشق ما عدا قلعتهما، و خرج الملك الناصر إلى مدافعته و وقع اللقاء على مسيرة يومين من دمشق بموضع‏

____________

(23) يراجع ج‏I ، 47 الجام دار: تعني بالفارسية حامل الكاس و سيذكر سنبل و سينعته بالملك‏V ، 95.

(24) بورج بورة(Burjpur) على بعد من 16 ك. م في‏(MAINPUR) بين عليكره و كانّوج.

16

يقال له: قشحب، و الملك الناصر إذ ذاك حديث السن لم يعهد الوقائع، و كان الشيخ العريان في صحبته فنزل، و أخذ قيدا فقيد به فرس الملك الناصر لئيلا يتزحزح عند اللقاء لحداثة سنة، فيكون ذلك سبب هزيمة المسلمين، فثبت الملك الناصر و هزم التتر هزيمة شنعاء قتل منهم فيها كثير و غرق كثير بما أرسل عليهم من المياه، و لم يعد التتر إلى قصد بلاد الاسلام بعدها (25)، و أخبرني الشيخ محمد العريان المذكور تلميذ هذا الشيخ أنه حضر هذه الوقيعة و هو حديث السن.

و رحلنا من برج بوره و نزلنا على الماء المعروف باب سياه‏ (26)، ثم رحلنا إلى مدينة قنوج‏ (27)، و ضبط اسمها بكسر القاف و فتح النون و واو ساكن و جيم، مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة الأسعار كثيرة السكّر، و منها يحمل إلى دهلي، و عليها سور عظيم، و قد تقدم ذكرها، و كان بها الشيخ معين الدين الباخرزي أضافنا بها، و أميرها فيروز البدخشاني من ذرية بهرام جور (28) صاحب كسرى، و يسكن بها جماعة من الصلحاء الفضلاء المعروفين بمكارم الأخلاق يعرفون بأولاد شرف جهان، و كان جدهم قاضي القضاة بدولة أباد و هو من المحسنين المتصدقين و انتهت الرئاسة ببلاد الهند إليه.

حكاية قاضي القضاة

يذكر أنه عزل مرة عن القضاء و كان له أعداء فادعى أحدهم عند القاضي الذي ولي بعده، أنّ له عشرة آلاف دينار قبله و لم تكن له بيّنة و كان قصده أن يحلّفه فبعث القاضي عنه، فقال لرسوله: بما ادعى عليّ؟ فقال: بعشرة آلاف دينار، فبعث إلى مجلس القاضي عشرة آلاف، و سلّمت للمدّعي.

____________

(25) يتعلق الأمر بمعركة مرج الصّفّار التي وقعت يوم ثاني رمضان 702- 21 ابريل 1303 لقد كان قازان المغولي إيلخان فارس اجتحاح سوريا و احتل لفترة مدينة دمشق، و قد دافع السلطان المملوكي الناصر ملك مصر عن البلاد و هزم المغول الذين كان يقودهم قطلو شاه و الأمير جوبان و ليس الإيلخان- و يبدو أن قشحب تحريف لكلمة كشاف حيث التحق قطلو بايلخان. و لا ننسى أنه بمناسبة هذا النصر بعث سلطان مصر لسلطان المغرب ببعض الهدايا التي غنمها في معركته ضد التتر: 20 اكديشا 20 اسيرا- تشكيلة من طبولهم و اسلحتهم علاوة على الفيل و الزرافة ...

و قد قدم لنا المقريزي وصفا مفصلا لتلك المعركة و لكن من غير أن يشير لما حكاه ابن بطوطة هنا الأمر بدائع الزهور 1982 ج 1، 413 ... دائرة المعارف الإسلامية، مادةMARDJ AL SSUFAR

(26) آب سياه يعني" النهر الأسود" كاليندي‏(Kalindi) : احد روافد الكانج.

(27) قنوج‏(Kanauj) تقع على الساحل الأيمن للكانج في إقليم‏(Fatehgarh)

(28) يخلط ابن بطوطة بين بهرام جور الملك الساساني لفارس في القرن الخامس و بين الجنرال بهرام جوبان الذي ثار على كسرى برويز-Beckingham :The travels IV P . 784

17

و بلغ خبره السلطان علاء الدين و صح عنده بطلان تلك الدعوى، فأعاده إلى القضاء و أعطاه عشرة آلاف.

و أقمنا بهذه المدينة ثلاثا، و وصلنا فيها جواب السلطان في شأني بأنه إن لم يظهر لفلان أثر فيتوجّه وجيه الملك قاضي دولة آباد عوضا منه! ثم رحلنا من هذه المدينة فنزلنا بمنزل هنول، ثم بمنزل وزير بور ثم بمنزل البجالصة (29) ثم وصلنا إلى مدينة موري‏ (30)، و ضبط اسمها بفتح ميم و واو وراء و هي صغيرة و لها أسواق حسنة، و لقيت بها الشيخ الصالح المعمر قطب الدين المسمى بحيدر الفرغاني، و كان بحال مرض فدعا لي و زوّدني رغيف شعير، و أخبرني أن عمره ينيف على مائة و خمسين، و ذكر لي أصحابه أنه يصوم الدّهر و يواصل كثيرا و يكثر الاعتكاف، و ربما أقام في خلوته أربعين يوما يقتات فيها بأربعين تمرة في كلّ يوم واحدة.

و قد رأيت بدهلي الشيخ المسمى برجب البرقعي دخل الخلوة بأربعين تمرة فأقام بها أربعين ثم خرج و فضل معه منها ثلاث عشرة تمرة! ثم رحلنا و وصلنا إلى مدينة مره‏ (31)، و ضبط اسمها بفتح الميم و سكون الراء و هاء، و هي مدينة كبيرة أكثر سكانها كفار تحت الذّمة، و هي حصينة و بها القمح الطيب الذي ليس مثله بسواها، و منها يحمل إلى دهلي، و حبوبه طوال شديدة الصفرة ضخمة، و لم أر قمحا مثله إلا بأرض الصين! و تنسب هذه المدينة إلى المالوة (32) بفتح اللام، و هي قبيلة من قبائل الهنود ضخام الأجسام عظام الخلق حسان الصور، لنسائهم الجمال الفائق، و هن مشهورات بطيب الخلوة و وفور الحظ من اللّذة، و كذلك نساء المرهتة (33) و نساء جزيرة ذيبة المهل‏ (34)!

____________

(29) يلاحظ مزيك‏MZIK بأنه من الصعب جدّا أن تحدد الطريق التي سلكها ابن بطوطة من قنوج إلى گاليور ... لا توجد اسماء لها شبه بهنول و لا وزير بور أو البجالصة بالاقليم الذي اجتازه ابن بطوطة- و سيذكر ابن بطوطة گاليور على أنه زارها بيد أنه لم يذكر كيف وصلها فلعلها اختلطت عنده بزيارة أخرى. 781.Beckingham P

(30) من الممكن أن يكون القصد إلى أمري‏(UMRI) التي تقع على مقربة من بهند(BHIND) في الإقليم الذي يحمل نفس الاسم ...

(31) حول رجب البرقعي يراجع ج‏863 -763 ,I حيث نجده مبعوثا بهدية من الملك إلى الخليفة و عن مدينة مرة فإن مزيك‏Mzik يقترح علينا فكرة احتمال تحريف كلمة موه‏(MAUH) إلى مره.

(32) مالوة قبيلة تقع شمال غربيّ الإقليم الحالي الذي يحمل اسم ماديا برادش-(MADHYA PRA -DESH) و الذي يقع جنوب دهلي- انظر الخريطة ...

(33) المرهته: يكتبها ابن بطوطة هكذا بتقديم الراء على الهاء و الامر بالعكس على ما يبدو، نسبة إلى إقليم مهرشطرا(MAHARASHTRA) الذي ينفتح على بومباي الواقعة على بحر العرب انظر ج‏III 182 تعليق 93.

(34) هي جزر مالديف آتية الذكر.

18

ثم سافرنا إلى مدينة علابور (35)، و ضبط اسمها بفتح العين و لام و الف و باء موحدة مضمومة و واو و راء، مدينة صغيرة أكثر سكانها الكفار تحت الذمة، و على مسيرة يوم منها سلطان كافر اسمه قتم بفتح القاف و التاء المعلوة، و هو سلطان جنبيل بفتح الجيم و سكون النون و كسر الباء الموحدة و باء مد و لام، الذي حاصر مدينة كيالير، و قتل بعد ذلك‏ (36).

حكاية الأمير قتم‏

كان هذا السلطان الكافر قد حاصر مدينة رابري‏ (37)، و هي على نهر الجون، كثيرة القرى و المزارع، و كان أميرها خطّاب الأفغاني، و هو أحد الشجعان، و استعان السلطان الكافر بسلطان كافر مثله يسمى رجو، بفتح الراء و ضم الجيم، و بلده يسمى سلطان بور (38)، و حاصرا مدينة ربري فبعث خطّاب إلى السلطان يطلب منه الإغاثة فأبطأ عليه المدد و هو على مسيرة أربعين من الحضرة، فخاف أن يتغلب الكفار عليه فجمع من قبيلة الأفغان نحو ثلاثمائة، و مثلهم من المماليك و نحو أربع مائة من سائر الناس، و جعلوا العمائم في أعناق خيلهم! و هي عادة أهل الهند إذا أرادوا الموت و باعوا نفوسهم من الله تعالى، و تقدّم خطّاب و قبيلته و أتبعهم سائر الناس، و فتحوا الباب عند الصبح و حملوا على الكفار حملة واحدة و كانوا نحو خمسة عشر ألفا فهزموهم، باذن الله، و قتلوا سلطانيهم قتم و رجو، و بعثوا برأسيهما إلى السلطان و لم ينج من الكفار إلا الشّريد.

ذكر أمير علابور و استشهاده‏

و كان أمير علابور بدر الحبشي من عبيد السلطان، و هو من الأبطال الذين تضرب بهم الأمثال، و كان لا يزال يغير على الكفار منفردا بنفسه فيقتل و يسبى حتى شاع خبره و اشتهر أمره و هابه الكفار، و كان طويلا ضخما ياكل الشاة عن آخرها في أكلة! و أخبرت أنه كان يشرب نحو رطل و نصف من السمن بعد غذائه على عادة الحبشة

____________

(35) علابور حاليا هي‏(ALAPUR) قرية جنوب شرق گواليور(Gwalir) على بعد نحو 7 ك. م منها و يذكرMzik أن هناك موقعا جغرافيا آخر يحمل نفس الاسم على بعد 73 ك. م. غربي شمال گواليور الذي يبعد عن الطريق من قنوج.

(36) يتعلق الامر، على ما يبدو بأمير دولبورDHAULPUR مدينة واقعة بين أگرا و گواليور على شامبل، و من هنا جاءت كلمة جنبيل في نصّ ابن بطوطة.

(37) رابري: يتعلق الامر، على ما يبدوا، بمدينة رابّري‏(RAPRI) التي تقع على نهر يامونا(Yamuna) .

(38) توجد عدة مواقع تحمل اسم سلطان‏بور، و من ذلك موقع اقليم يحمل نفس الاسم في جنوب شرقي لكنوو(LUCKNOW) .

19

ببلادهم! و كان له ابن يدانيه في الشجاعة، فاتفق أن غار مرة في جماعة من عبيده على قرية للكفار فوقع به الفرس في مطمورة و اجتمع عليه أهل القرية فضربه أحدهم بقتّارة، و القتّارة بقاف معقود و تاء معلوة، حديدة شبه سكة للحرث يدخل الرجل يده فيها فتكسو ذراعه و يفضل منها مقدار ذراعين، و ضربتها لا تبقي، فقتله بتلك الضربة و قاتل عبيده أشد القتال فتغلبوا على القرية، و قتلوا رجالها و سبوا نساءها و ما فيها و أخرجوا الفرس من المطمورة سالما فأتوا به ولده فكان من الاتفاق الغريب أنه ركب الفرس و توجّه إلى دهلي فخرج عليه الكفار فقاتلهم حتى قتل و عاد الفرس إلى أصحابه فدفعوه إلى أهله فركبه صهر له فقتله الكفار عليه أيضا! ثم سافرنا إلى مدينة كاليور، و ضبط اسمها بفتح الكاف المعقود و كسر اللّام و ضم الياء آخر الحروف و واو و راء، و يقال فيها أيضا كيالير، و هي مدينة كبيرة لها حصن منيع منقطع في رأس شاهق على بابه صورة فيل، و فيال من الحجارة و قد مر ذكره في اسم السلطان قطب الدين‏ (39)، و أمير هذه المدينة أحمد بن سيرخان فاضل كان يكرمني أيام إقامتي عنده قبل هذه السفرة.

و دخلت عليه يوما و هو يريد توسيط رجل من الكفار فقلت له: بالله لا تفعل ذلك، فاني ما رأيت أحدا قط يقتل بمحضري! فأمر بسجنه و كان ذلك سبب خلاصه.

ثم رحلنا من مدينة كاليور إلى مدينة برون‏ (40)، و ضبط اسمها بفتح الباء المعقودة و سكون الراء و فتح الواو و آخره نون، مدينة صغيرة للمسلمين بين بلاد الكفار، أميرها محمد بن بيرم التركي الأصل، و السباع بها كثيرة، و ذكر لي بعض أهلها أن السبع كان يدخل إليها ليلا و أبوابها مغلقة فيفترس الناس حتى قتل من أهلها كثيرا و كانوا يعجبون في شأن دخوله. و أخبرني محمد التّوفيري من أهلها، و كان جارا لي بها أنه دخل داره ليلا و افترس صبيا من فوق السرير، و أخبرني غيره أنه كان مع جماعة في دار عرس فخرج أحدهم لحاجة فافترسه فخرج أصحابه في طلبه فوجدوه مطروحا بالسوق و قد شرب دمه و لم يأكل لحمه.

و ذكروا أنه كذلك فعله بالناس.

____________

(39) يراجع ج‏III ص 194 حيث ردد ذكر صورة الفيل المنحوت من الحجر على باب الحصن، و عليه صورة فيال ...

(40) برون‏(PARWAN) القصد على ما يبدو- إلى نرور(NARWAR) في ولاية گواليور(Gwalior) التي كانت، حسب المسجل الهندي- إحدى المحطات الخصبة على الطريق الذي يربط بين دهلي و دكّان‏(Deccan) الخريطة العصرية توحي كذلك بمكان يحمل اسم بروي‏PARWAI على بعد 52 ميلا شمال شرق نرورNARWAR , و03 ميلا جنوب گواليور

Gibb: Selections; P. 363 N 5- Beckingham. IVP. 787 N. 44

20

و من العجب أن بعض الناس أخبرني أن الذي يفعل ذلك ليس بسبع و إنما هو أدمي من السّحرة المعروفين بالجوكية يتصور في صورة سبع، و لما أخبرت بذلك أنكرته، و أخبرني به جماعة و لنذكر بعضا من أخبار هؤلاء السحرة.

ذكر السّحرة الجوكية (41)

و هؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب، منها أن أحدهم يقيم الأشهر لا يأكل و لا يشرب، و كثير منهم تحفر لهم حفر تحت الأرض و تبنى عليه، فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء، و يقيم بها الشهور، و سمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة! و رأيت بمدينة منجرو رجلا من المسلمين ممن يتعلّم منهم قد رفعت له طبلة و أقام بأعلاها لا يأكل و لا يشرب مدة من خمسة و عشرين يوما و تركته كذلك، فلا أدري كم أقام بعدي.

و الناس يذكرون أنهم يركّبون حبوبا يأكلون الحبة منها لأيام معلومة أو أشهر فلا يحتاج في تلك المدة إلى طعام و لا شراب و يخبرون بأمور مغيبة و السلطان يعظمهم و يجالسهم، و منهم من يقتصر في أكله على البقل و منهم من لا يأكل اللحم و هم الاكثرون، و الظاهر من حالهم أنهم عودوا أنفسهم الرياضة و لا حاجة لهم في الدنيا و زينتها، و منهم من ينظر إلى الإنسان فيقع ميتا من نظرته، و تقول العامة: إنه إذا قتل بالنظر و شق عن صدر الميت وجد دون قلب! و يقولون: أكل قلبه، و أكثر ما يكون هذا في النّساء، و المرأة التي تفعل ذلك تسمى كفتار!

حكاية [امرأة كفتار]

لما وقعت المجاعة العظمى ببلاد الهند بسبب القحط و السلطان ببلاد التّلنك‏ (42) نفّذ أمره أن يعطى لأهل دهلي ما يقوتهم بحساب رطل و نصف للواحد في اليوم، فجمعهم الوزير، و وزع المساكين منهم على الأمراء و القضاة ليتولّوا إطعامهم فكان عندي منهم‏

____________

(41) هؤلاء السّحرة المدعوون بالجوكية هم بالذات الذين سمع بهم ابن خلدون في المقدمة، (طبعة دار الكتاب اللبناني: ص‏998 -898 ) و الكلمة من أصل سنسكريتي‏(Jogin) المأخوذ نفسه من كلمة(Yoga) "Joug " التي ظهرت في أوربا منذ سنة8921 ثم‏Jogue :3551 و عام‏IOGHI -5751 ، هكذا يكون ابن بطوطة من أوائل الذين تحدثوا عن الجوكية-

(42) بلاد التّلنك ... تيلينگاناTilingama مملكة هندية بين گودافاري و بين نهر كريشنا بعاصمتها-WA RANGAL يراجع ج‏III 192.

21

خمسمائة نفس فعمّرت لهم سقائف في دارين و أسكنتهم بها، و كنت أعطيتهم نفقة خمسة أيام في خمسة أيام، فلما كان في بعض الأيام أتوني بمرأة منهم، و قالوا: إنها كفتار و قد أكلت قلب صبيّ كان إلى جانبها، و أتوا بالصبي ميّتا، فأمرتهم أن يذهبوا بها إلى نائب السلطان فأمر باختبارها و ذلك بأن ملأوا أربع جرات بالماء و ربطوها بيدها و رجليها و طرحوها في نهر الجون فلم تغرق، فعلم أنها كفتار! و لو لم تطف على الماء لم تكن بكفتار، فأمر بإحراقها بالنّار و أتى أهل البلد رجالا و نساء فأخذوا رمادها و زعموا أنه من تبخر به أمن في تلك السنة من سحر كفتار!

حكاية [سحر الجوكية]

بعث إلي السلطان يوما و أنا عنده بالحضرة فدخلت عليه و هو في خلوة و عنده بعض خواصه و رجلان من هؤلاء الجوكية و هم يلتحفون بالملاحف و يغطّون رؤوسهم لأنهم ينتفونها بالرماد كما ينتف الناس أباطهم. فأمرني بالجلوس فجلست، و قال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة فأرياه ما لم يره! فقالا: نعم، فتربع أحدهما ثم ارتفع عن الأرض حتى صار في الهواء فوقنا متربعا، فعجبت منه، و أدركني الوهم فسقطت إلى الأرض! فأمر السلطان أن أسقي دواء عنده فأفقت و قعدت و هو على حاله متربع، فأخذ صاحبه نعلا من شكارة كانت معه فضرب بها الأرض كالمغتاظ فصعدت إلى أن علت فوق عنق المتربّع و جعلت تضرب في عنقه و هو ينزل قليلا حتى جلس معنا، فقال لي السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النّعل، ثم قال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن ياتوا بأعظم مما رأيت! فانصرفت عنه و أصابني الخفقان و مرضت حتى أمر لي بشربة أذهبن ذلك عني.

و لنعد لما كنا بسبيله، فنقول: سافرنا من مدينة برون إلى منزل أمواري، ثم إلى منزل كجرّا (43) و به حوض عظيم طوله نحو ميل و عليه الكنائس فيها الأصنام، قد مثّل بها المسلمون، و في وسطه ثلاث قباب من الحجارة الحمر على ثلاث طباق و على أركانه الأربعة أربع قباب، و يسكن هنالك جماعة من الجوكية و قد لبّدوا شعورهم و طالت، حتى صارت في طولهم و غلبت عليهم صفرة الألوان من الرياضة، و كثير من المسلمين يتبعونهم ليتعلموا منهم، و يذكرون أن من كانت به عاهة من برص أو جذام يأوي إليهم مدة طويلة فيبرأ بإذن الله تعالى.

____________

(43) أمواري‏Amouary لم نصل إلى تحديد موقعها ... أما كجرّا فإن القصد على ما يبدوا إلى خجره‏(khajuraho) التي تقع على بعد 27 ميلا شرقي اقليم‏CHHATARPUR ، و 25 ميلا شمال غربي بنّا(BANNA) بالرغم من المنعرجات الظاهرة في خط الرحلة، و إنّ الوصف الذي قدمه ابن بطوطة يتفق مع الوصف الذي يوجد عن هذا الموقع في التقارير الهندية

Gibb: Selec. P. 363 N. 5 Bekingham: Travel 4 P. 097.

22

و أول ما رأيت هذه الطائفة بمحلة السلطان طرمشيرين ملك تركستان، و كانوا نحو خمسين فحفر لهم غار تحت الأرض، و كانوا مقيمين به لا يخرجون إلا لقضاء حاجة.

و لهم شبه القرن يضربونه أول النهار و آخره و بعد العتمة، و شأنهم كله عجب و منهم الرجل الذي صنع للسلطان غياث الدين الدامغاني سلطان بلاد المعبر حبوبا يأكلها تقوية على الجماع‏ (44)، و كان من أخلاطها برادة الحديد، فأعجبه فعلها فأكل منها أزيد من مقدار الحاجة فمات، و ولي ابن أخيه ناصر الدين فأكرم هذا الجوكي و رفع قدره! ثم سافرنا إلى مدينة جنديري‏ (45)، و ضبط اسمها بفتح الجيم المعقود و سكون النون و كسر الدال المهمل و ياء مد وراء مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يسكنها أمير أمراء تلك البلاد عز الدين البنتاني، بالباء الموحدة ثم النون ثم التاء المثناة مفتوحات ثم ألف و نون، و هو المدعوا بأعظم ملك. و كان خيّرا فاضلا يجالس أهل العلم، و ممن كان يجالسه الفقيه عز الدين الزّبيري و الفقيه العالم وجيه الدين البياني، نسبة إلى مدينة بيانة التي تقدم ذكرها (46) و الفقيه القاضي المعروف بقاضي خاصّة، و إمامهم شمس الدين، و كان النائب عنه على أمور المخزن يسمى قمر الدين، و نائبه على أمور العسكر سعادة التّلنكي من كبار الشجعان، و بين يديه تعرض العساكر و أعظم ملك لا يظهر إلا في يوم الجمعة أو غيرها نادرا.

ثم سرنا من جنديري إلى مدينة ظهار، و ضبط اسمها بكسر الظاء المعجم، و هي مدينة المألوة أكبر عمالة تلك البلاد، و زرعها كثير خصوصا القمح، و من هذه المدينة تحمل أوراق التنبول إلى دهلي و بينهما أربعة و عشرون يوما.

و على الطريق بينهما أعمدة منقوشة عليها عدد الأميال فيما بين كلّ عمودين فإذا أراد المسافر أن يعلم عدد ما سار في يومه و ما بقى له إلى المنزل أو إلى المدينة التي يقصدها قرأ النقش الذي في الأعمدة فعرفه! و مدينة ظهار اقطاع للشيخ ابراهيم الذي من أهل ذيبة المهل.

____________

(44) سياتي عند الحديث عن غياث الدّين كلام أيضا حول هذه الحبوب التي تزيد في قوة الجماع‏IV ، 199- 200. و حول ابن أخيه ناصر الدين انظر ج.IV ، 202- 203

(45) تقع مدينة جنديري‏Tchendiri في إقليم گونا(Guna) قلعة مهمة فتحت في فترة علاء الدين الخلجي و حول أعظم ملك- عز الدّين البنتاني انظر ج‏IV ص 6.

(46) يعني ج‏IV ص 5 و قد تقدم ذكر ظهار ج‏III ، 329 و لكن من غير أن يحددها و ينبغي أن يكون القصد إلى‏DHAR ، و يلاحظ مزيك‏(Mzik) أن ابن بطوطة كان عليه أن يمر عبرUjjAIN قبل أن يصل‏DHAR .

23

حكاية [بطيخ الشيخ ابراهيم‏]

كان هذا الشيخ إبراهيم قدم على هذه المدينة و نزل بخارجها فأحيى أرضا مواتا هنالك و صار يزدرعها بطيخا فتأتى في الغاية من الحلاوة ليس بتلك الأرض مثلها و يزرع الناس بطيخا فيما يجاوره فلا يكون مثله، و كان يطعم الفقراء و المساكين فلما قصد السلطان إلى بلاد المعبر (47) أهدى اليه هذا الشيخ بطيخا فقبله و استطابه رأقطعه مدينة ظهار، و أمره أن يعمّر زاوية بربوة تشرف عليها فعمرها أحسن عمارة و كان يطعم بها الوارد و الصادر، و أقام على ذلك أعواما ثم قدم على السلطان، و حمل إليه ثلاثة عشر لكّا، فقال: هذا فضل مما كنت أطعمه الناس، و بيت المال أحق به، فقبضه منه و لم يعجب السلطان فعله لكونه جمع المال و لم ينفق جميعه في اطعام الطعام! و بهذه المدينة أراد ابن اخت الوزير خواجة جهان‏ (48) أن يفتك بخاله و يستولي على أمواله و يسير إلى القائم ببلاد المعبر فنمى خبره إلى خاله فقبض عليه و على جماعة من الأمراء و بعثهم إلى السلطان فقتل الأمراء ورد ابن أخته إليه، فقتله الوزير.

حكاية [ابن أخت الوزير و جاريته‏]

و لما رد ابن أخت الوزير إليه أمر به أن يقتل كما قتل أصحابه و كانت له جارية يحبها فاستحضرها و أطعمها التّنبول و أطعمته و عانقها مودعا ثم طرح للفيلة، و سلخ جلده و ملى تبنا، فلما كان من الليل خرجت الجارية من الدار فرمت بنفسها في بئر هنالك تقرب من الموضع الذي قتل فيه فوجدت ميتة من الغد فأخرجت و دفن لحمه معها في قبر واحد، و سمى ذلك قبور عاشقان، و تفسير ذلك بلسانهم قبر العاشقين.

ثم سافرنا من مدينة ظهار إلى مدينة أجين، و ضبط اسمها بضم الهمزة و فتح الجيم و ياء نون، مدينة حسنة كثيرة العمارة و كان يسكنها الملك ناصر الدين بن عين الملك من الفضلاء الكرماء العلماء، استشهد بجزيرة سندابور حين افتتاحها، و قد زرت قبره هنالك، و سنذكره‏ (49)، و بهذه المدينة كان سكنى الفقيه الطبيب جمال الدين المغربي الغرناطي الأصل.

____________

(47) تمت حملة السلطان على بلاد المعبر في عام 735- 1335 انظر ج‏I ، 426 و انظر ج‏III - 45- 58 144- 212- 214- 227- 245- 234- 218- 411

(48) خواجة جهان: لقب منح من لدن السلطان لأحمد ابن إياس و توجد عدة أماكن تتعلق به. انظر التعليق السابق ص 47

(49) يلاحظ أن ابن بطوطة لم يف بوعده في الحديث عن القبر، و سنرى‏IV ، 68 نفس الحال بالنسبة للأمير هريب ... و عن افتتاح المسلمين لجزيرة سندابور التي يسميها المسلمون‏God - يراجع ج‏IV ص 106- 107- عن جمال الذين الغرناطي انظر ج، 293-III 272.

24

ثم سافرنا من مدينة أجين إلى مدينة دولة أباد (50) و هي المدينة الضخمة العظيمة الشأن الموازية لحضرة دهلي في رفعة قدرها و اتساع خطتها، و هي منقسمة ثلاثة أقسام:

أحدها دولة أباد و هو مختص بسكنى السلطان و عساكره، و القسم الثاني يسمى الكتكة، (51)، بفتح الكافين و التاء المعلوة التي بينهما، و القسم الثالث قلعتها التي لا مثل لها و لا نظير في الحصانة، و تسمى الدّويقير، بضم الدال المهمل و فتح الواو و سكون الياء و قاف معقود مكسور و ياء مد وراء، و بهذه المدينة سكنى الخان الأعظم قطلوخان‏ (52) معلّم السلطان، و هو أميرها و النائب عن السلطان بها، و ببلاد صاغر و بلاد التّلنك و ما أضيف إلى ذلك، و عمالتها مسيرة ثلاثة أشهر عامرة كلّها لحكمه و نوابه فيها.

و قلعة الدّويقر التي ذكرناها في قطعة حجر في بسيط من الأرض‏ (53)، قد نحتت و بنى بأعلاها قلعة يصعد إليها بسلّم مصنوع من جلود و يرفع ليلا و يسكن بها المفردون و هم الزمّاميون‏ (54) بأولادهم، و فيها سجن أهل الجرائم العظيمة في جبوب بها و بها فيران ضخام أعظم من القطوط و القطوط تهرب منها و لا تطيق مدافعتها لأنها تغلبها! و لا تصاد إلا بحيل تدار عليها، و قد رأيتها هنالك فعجبت منها.

حكاية [فيران تأكل الرجال‏]

أخبرني الملك خطّاب الأفغاني‏ (55) أنّه سجن مرة في جب بهذه القلعة يسمى جب الفيران، قال: فكانت تجتمع عليّ ليلا لتأكلني فأقاتلها، و ألقى من ذلك جهدا، ثم إني رأيت في النوم قائلا يقول لي: اقرأ سورة الإخلاص مائة الف مرة، و يفرج الله عنك، قال: فقرأتها فلما أتممتها أخرجت.

____________

(50) دولة أباد:DEOGIRI ديوجير القديمة (دويقير عند ابن بطوطة) و قد وصف حصن ديوجير في السجل الجغرافي الهندي ... و قد كان فتح من لدن المسلمين عام 693- 1294 و اعترافا من السلطان محمد ابن تغلق بأهميته كقاعدة لحماية الجنوب الهندي اعطاه اسم دولة أباد ... و اقتنع باعتباره كعاصمة عام 727- 1327 ... و قبل وفاة السلطان استولى عليه قائد تمرد على الحكم و استقل عن دهلي إلى أن ظهر الامبراطور أكبر 1575 م 983 ه.

(51) كتكة تعني باللغة السّنسكرية: المعسكر الملكي.

(52) هناك طائفة من المراجع التي تتعلق بقطلو خان و خاصةIII ، 143 و ما يليها أما عن صاغر فسياتي الحديث عنها ج‏IV ص 52 و عن بلاد التّلين:(Telingama) يراجع ج‏III 192 ...

(53) بني هذا البرج على صخرة مخروطة من علو 50 ميتر في العلو- الأكمة التي ينتصب عليها تقوم تقريبا على علو مائتي ميتر على شكل عمودي و تجاور السهل راجع التعليق 50 سالف الذكر.

(54) القصد إلى الجنود المسجّلين على الزّمام الخاص بالجيش.

(55) تقدم ذكر الأفغاني كحاكم في رابري ج‏IV ص 29، سورة الإخلاص أقصر سورة في القرآن رقم 112.

25

و كان سبب خروجي أن الملك ملّ كان مسجونا في جب يجاورني فمرض و أكلت الفيران أصابعه و عينيه فمات فبلغ ذلك السلطان، فقال: أخرجوا خطّابا لئلا يتفق له مثل ذلك، و إلى هذه القلعة لجأ ناصر الدين بن الملك ملّ المذكور و القاضي جلال حين هزمهما السلطان‏ (56).

و أهل بلاد دولة أبادهم قبيل المرهتة الذين خص الله نساءهم بالحسن و خصوصا في الأنوف و الحواجب، و لهن من طيب الخلوة و المعرفة بحركات الجماع ما ليس لغيرهن‏ (57)، و كفار هذه المدينة أصحاب تجارات و أكثر تجاراتهم في الجوهر، و أموالهم طائلة، و هم يسمون الساهة (58)، و احدهم ساه بإهمال السين و هم مثل الأكارم بديار مصر (59).

و بدولة أباد العنب و الرمان و يثمران مرتين في السنة، و هي من أعظم البلاد مجبى و أكبرها خراجا لكثرة عمارتها و اتساع عمالتها.

و أخبرت أن بعض الهنود التزم مغارمها و عمالتها جميعا، و هي كما ذكرناه، مسيرة ثلاثة أشهر بسبعة عشر كرورا، و الكرور مائة لكّ، و اللّك مائة ألف دينار و لكنه لم يف بذلك فبقى عليه بقية و أخذ ماله و سلخ جلده.

ذكر سوق المغنين‏

و بمدينة دولةأباد سوق للمغنّين و المغنيات تسمى طرب أباد، من أجمل الأسواق و أكبرها، فيه الدكاكين الكثيرة، كلّ دكان له باب يفضي إلى دار صاحبه، و للدار باب سوى ذلك! و الحانوت مزين بالفرش، و في وسطه شكل مهد كبير تجلس فيه المغنية أو ترقد، و هي متزيّنة بأنواع الحلي و جواريها يحركن مهدها.

و في وسط السوق قبّة عظيمة مفروشة مزخرفة يجلس فيها أمير المطربين بعد صلاة العصر من يوم كلّ خمسين، و بين يديه خدامه و مماليكه و تأتي المغنيات طائفة بعد أخرى فيغنين‏

____________

(56) تقدم الحديث عن هذا الموضوع ج‏III ص 362- 363 و يعتقد مهدى حسين ان ابن بطوطة غادر الهند قبل هذا التمرد ...

(57) يعلّق الأمير مولاي العباس في مخطوطته الخاصة الموجودة بالخزانة الملكية على هذه الفقيرة بقوله:

«اطعمنا الله من هذه النعمة»!! هذا و قد علّق بيكينگام على الموضوع مؤكدا أن رحّالة آخرين يشاطرون ابن بطوطة الرأي حول معرفة المهرتيات بأساليب الجماع ...! (يراجع‏IV ، 29 تعليق 33)

(58) اسمهم بالسنسكرتية سارنها فاها و سانتها فاها و ينطقها أهل سيلان ساتناهه أو ساتياهه- النّعيمي.

(59) أفرد التجبيبي وصفا دقيقا لمسالك الحج من قوص إلى عيذاب، و معلوم مركز المدينتين في تجارة آسيا و الهند التي كانت منتظمة في تلك الفترة بواسطة تجار عدن الذين كانوا يعرفون عند المصريين بالأكارم و لهم خان يخصهم في مدينة قوص التي كانت بحق مركزا تجاريا و علميا متميزا على ما أسلفناه عند الحديث عن قوص و عيذاب، (I)، 116،III ، 251، التجبيبي: مستفاد الرحلة و الاغتراب تحقيق عبد الحفيظ منصور، مصدر سابق.

26

الطرب و الغناء- عن فن التصوير عند العرب- وزارة الاعلام- بغداد 1973

27

بين يديه و يرقصن إلى وقت المغرب ثم ينصرف و في تلك السوق المساجد للصلاة، و يصلي الئمة فيها التّراويح في شهر رمضان، و كان بعض سلاطين الكفار بالهند إذا مر بهذه السوق ينزل بقبتها، و يغني المغنيات بين يديه، و قد فعل ذلك بعض سلاطين المسلمين أيضا.

ثم سافرنا إلى مدينة نذربار (60)، و ضبط اسمها بنون و بذال معجم مفتوحين و راء مسكن و باء موحدة مفتوحة و ألف و راء، مدينة صغيرة يسكنها المرهتة و هم أهل الاتقان في الصنائع و الأطباء و المنجمون، و شرفاء المرهتة هم البراهمة و هم الكتريون‏ (61) أيضا، و أكلهم الأرز و الخضر و دهن السمسم، و لا يرون بتعذيب الحيوان و لا ذبحه و يغتسلون للأكل كغسل الجنابة، و لا ينكحون في أقاربهم إلا فيمن كان بينهم و بينه سبعة أجداد، و لا يشربون الخمر و هي عندهم أعظم المعايب و كذلك هي ببلاد الهند عند المسلمين، و من شربها من مسلم جلد ثمانين جلدة، و سجن في مطمورة ثلاثة أشهر لا تفتح عليه إلا حين طعامه، ثم سافرنا من هذه المدينة إلى مدينة صاغر، و ضبط اسمها بفتح الصاد المهمل و فتح الغين المعجم و آخره راء، و هي مدينة كبيرة على نهر كبير يسمى أيضا صاغر (62) كإسمها، و عليه النواعير، و البساتين فيها العنبا و الموز و قصب السّكّر، و أهل هذه المدينة أهل صلاح و دين و أمانة، و أحوالهم كلها مرضية و لهم بساتين فيها الزوايا للوارد و الصادر، و كل من يبني زاوية يحبس البستان عليها و يجعل النظر فيه لأولاده، فإن انقرضوا عاد النظر للقضاة.

و العمارة بها كثيرة و الناس يقصدونها للتبرك بأهلها و لكونها محررة من المغارم و الوظائف. ثم سافرنا من صاغر المذكورة إلى مدينة كنباية (63)، و ضبط اسمها بكسر الكاف و سكون النون و فتح الباء الموحدة و ألف و ياء آخر الحروف مفتوحة، و هي على خور من البحر و هو شبه الوادي تدخله المراكب، و به المد و الجزر و عاينت المراكب به مرساة في الوحل حين الجزر فإذا كان المد عامت في الماء.

____________

(60) حول نذربار(NANDURBAR) يلاحظ أن ابن بطوطة غادر دولة أباد في الاتجاه الذي ورد منه، و يفترض أن السفارة الهندية كانت تقصد إلى قالقوط عن طريق البر بيد أنّ ابن بطوطة علم و هو في دولة أباد أن السفر ربّما لا يكون آمنا و قد يتعرض للخطر سيما و أن ما يصحب السفارة من هدايا ثمين جدّا ...

(61) يتعلق الأمر بالكثترين و هو طائفة انحدرت من‏(Kshatryas) و هي فرقة تختلف عما سواها من الفرق القديمة في المجتمع الهندي.Enthoven :The Tribes and Castes of Bombay .

(62) القصد بصاغر إلى‏(Songarh) في سافلة النهر الذي هو طابتي‏(TAPTI) ، و قد عوضت صاغر بعد القرن السادس عشر سورات‏SURAT - راجع التعليق 52.

(63) كان على ابن بطوطة أن يصل إلى كنبايةCambay في النصف الأول من شهر أكتوبر عام 1341 جمادى الأولى 743 ه و من المهم أن نذكر هنا أن إفادات باربوزا (بداية القرن 16) أكّدت ما ورد في ابن بطوطة من الأهمية التي كانت لميناء هذه المدينة قبل أن يأفل نجمها.

28

و هذه المدينة من أحسن المدن في إتقان البناء و عمارة المساجد، و سبب ذلك أن اكثر سكانها التّجار الغرباء فهم أبدا يبنون بها الديار الحسنة و المساجد العجيبة و يتنافسون في ذلك، و من الديار العظيمة بها دار الشريف السامريّ الذي اتفقت لي معه قضية الحلواء و كذّبه ملك النّدماء (64)، و لم أر قط أضخم من الخشب الذي رأيته بهذه الدار، و بابها كأنه باب مدينة، و الى جانبها مسجد عظيم يعرف باسمه و منها دار ملك التجار الكازروني، و إلى جانبها مسجده، و منها دار التاجر شمس الدين كلاه دوز و معناه خياط الشواشي.

حكاية [الثلاثة المخالفين‏]

و لما وقع ما قدمناه من مخالفة القاضي جلال الأفغاني أراد شمس الدين المذكور و الناخوذة إلياس، و كان من كبار أهل هذه المدينة، و ملك الحكماء الذي تقدم ذكره‏ (65)، على ان يمتنعوا منه بهذه المدينة، و شرعوا في حفر خندق عليها إذ لا سور لها فتغلب عليهم و دخلها و اختفى الثلاثة المذكورون في دار واحدة و خافوا أن يتطلع عليهم فاتفقوا على أن يقتلوا أنفسهم، فضرب كل واحد منهم صاحبه بقتّارة، و قد ذكرنا صفتها (66)، فمات اثنان منهم، و لم يمت ملك الحكماء.

و كان من كبار التجار أيضا بها نجم الدين الجيلاني و كان حسن الصورة كثير المال و بنى بها دارا عظيمة و مسجدا ثم بعث السلطان عنه و أمّره عليها و أعطاه المراتب‏ (67). فكان ذلك سبب تلف نفسه و ماله.

و كان أمير كنباية حين وصولنا اليها مقبل التلنكي، و هو كبير المنزلة عند السلطان‏ (68). و كان في صحبته الشيخ زاده الأصبهاني نائبا عنه في جميع أموره، و هذا الشيخ له أموال عظيمة و عنده معرفة بأمور السلطنة، و لا يزال يبعث الأموال إلى بلاده و يتحيل في الفرار، و بلغ خبره إلى السلطان و ذكر عنه أنه يروم الهروب فكتب إلى مقبل أن يبعثه على البريد و أحضر بين يدي السلطان و وكّل به، و العادة عنده أنه متى وكّل بأحد فقلّما ينجو! فاتفق هذا الشيخ مع الموكّل به على مال يعطيه إياه و هربا جميعا، و ذكر لي أحد الثقات أنه رآه في ركن مسجد بمدينة قلهات‏ (69)، و أنه وصل بعد ذلك إلى بلاده و حصل على أمواله و أمن مما كان يخافه.

____________

(64) يراجع ج‏III ص 422- 423.

(65) يراجع ج‏III صفحة 362 إلى 372.

(66) فعلا كان ذلك في ج/IV ص 31.

(67) تراجع الفقرة الخاصة باستقبال الغرباء و تخصيصهم بالولايات و المراتب ج‏III - 97- 98- 222- 229 233- 239- 243- 274- 298- 334- 427

(68) يراجع ج‏III صفحة 362- 372.

(69) قلهات تقع في عمان، ج.II - 225- 226- 236.

29

حكاية [الأعورين‏]

و اضافنا الملك مقبل يوما بداره فكان من النادر أن جلس قاضي المدينة، و هو أعور العين اليمنى، و في مقابلته شريف بغدادي شديد الشبه به في صورته و عوره، إلا أنه أعور اليسرى! فجعل الشريف ينظر إلى القاضي و يضحك، فزجره القاضي، فقال له: لا تزجرني فاني أحسن منك، قال: كيف ذلك؟ قال لأنك أعور اليمنى و أنا أعور اليسرى! فضحك الأمير و الحاضرون و خجل القاضي و لم يستطع أن يرد عليه، لأن الشرفاء ببلاد الهند معظّمون أشدّ التعظيم.

و كان بهذه المدينة من الصالحين الحاج ناصر من أهل ديار بكر و سكناه بقبة من قباب الجامع دخلنا إليه و أكلنا من طعامه، و اتّفق له لما دخل القاضي جلال مدينة كنباية حين خلافه أنه أتاه، و ذكر للسلطان أنه دعا له، فهرب لئيلا يقتل كما قتل الحيدري‏ (70).

و كان بها أيضا من الصالحين التاجر خواجة إسحاق، و له زاوية يطعم فيها الوارد و الصادر، و ينفق على الفقراء و المساكين، و ماله على هذا ينمّي و يزيد كثرة.

و سافرنا من هذه المدينة يعني كنباية إلى بلدة كاوي‏ (71)، و هي على خور فيه المد و الجزر و هي من بلاد الريّ جالنسي الكافر و سنذكره، و سافرنا منها إلى مدينة قندهار (72) و ضبط اسمها بفتح القاف و سكون النون و فتح الدال المهمل و هاء و الف و راء، و هي مدينة كبيرة للكفار على خور من البحر.

ذكر سلطانها (قندهار)

و سلطان قندهار كافر اسمه جالنسي‏ (73) بفتح الجيم و اللام و سكون النون و كسر السين المهمل، و هو تحت حكم الاسلام و يعطي لملك الهند هدية كلّ عام، و لما وصلنا إلى قندهار خرج إلى استقبالنا و عظّمنا أشد التعظيم و خرج عن قصره فأنزلنا به، و جاء إلينا من‏

____________

(70) يراجع ج‏III 310- 311. حول ديار بكر راجع‏II - 131

(71) كاوي (القصد إلى‏Kava قبالة كنباية على الشاطئ الجنوبي لمصب نهر ماهي‏(MAHI) .

(72) قندهار(GANDHAR) ميناء هامّ كان في ذلك العهد، على مصب نهر ذانذار(DHANDAR) أوDHADAR مباشرة جنوب كاوي. انظر الخريطة جنوب ولاية الكجرات.

(73) جالنسي‏Jalansi هذا الاسم يتفق مع اسم لقبيلة تحمل اسم راجبوت‏(RAjPUT) و هم: جهالاس‏(JHALAS) و هناك علم ظهر في هذه الفترة من التاريخ ضمن لائحة لملوك ميروار(MERWAR) جنوب شرق راجستان‏(RADJASTAN) . بيد أن ماروار توجد في الشمال أكثر، و توجد مفصولة عن قندهار(GANDHAR) بالجزرات تحت هيمنة دهلي على ذلك العهد،Stephane II ,581 -Gibb -Selections ;P .363 N .01 .

30

عنده من كبار المسلمين، كأولاد خواجة بهرة (74)، و منهم الناخودة ابراهيم له ستة من المراكب مختصة له، و من هذه المدينة ركبنا البحر.

ذكر ركوبنا البحر (75)

و ركبنا في مركب لابراهيم المذكور يسمى الجاكر، بفتح الجيم و الكاف المعقودة، و جعلنا فيه من خيل الهدية سبعين فرسا، و جعلنا باقيها مع خيل أصحابنا في مركب لأخي ابراهيم المذكور يسمى منورت، بفتح الميم و نون و واو مد و راء مسكن و تاء معلوة، و أعطانا جالنسي مركبا جعلنا فيه خيل ظهير الدين و سنبل و أصحابهما، و جهز لنا بالماء و الزاد و العلف و بعث ولده في مركب يسمى العكيري، بضم العين المهمل و فتح الكاف و سكون الياء و راء، و هو شبه الغراب، الا أنه أوسع منه، و فيه ستون مجذافا و يسقّف حين القتال حتى لا ينال الجذافين شي‏ء من السّهم و لا الحجارة، و كان ركوبي أنا في الجاكر و كان فيه خمسون راميا و خمسون من المقاتلة الحبشة، و هم زعماء هذا البحر، و اذا كان بالمركب أحد منهم تحاماه لصوص الهنود و كفارهم.

و وصلنا بعد يومين إلى جزيرة بيرم‏ (76)، و ضبط اسمها بفتح الباء الموحدة و سكون الياء و فتح الراء، و هي خالية و بينها و بين البر أربعة أميال فنزلنا بها و استقينا الماء من حوض بها، و سبب خرابها أن المسلمين دخلوها على الكفار فلم تعمر بعد! و كان ملك التجار الذي تقدم ذكره أراد عمارتها و بنى سورها، و جعل بها المجانيق و أسكن بها بعض المسلمين.

ثم سافرنا منها و وصلنا في اليوم الثاني إلى مدينة قوقة، و هي بضم القاف الأولى و فتح الثانية، و هي مدينة كبيرة عظيمة الأسواق‏ (77) أرسينا على أربعة أميال منها بسبب‏

____________

(74) البهرة يكوّنون إلى اليوم جماعة تنتمي للاسلام في الكجرات و بومباي و يمتازون بنشاطهم التجاري الفائق و بتنظيمهم الدقيق لحياتهم الاجتماعية حسبما ما وقفت عليه بالعيان عندما حضرت مهرجانا دينيا لهم في بومباي أبريل 1975. و إذا كانت فرقة البهرة التي بالكجرات و بومباي تنتمي إلى الاسماعيلية فإن هناك فرقة أخرى من أهل السنة، و هم في شمال كونكان‏Bekingham Konkan .

(75) تم الإبحار كما نرى من مرسى قندهار الذي كان يحتل مكانة كبيرة من هذا الخليج الشهير بتاريخه عبر العصور بما في ذلك عمليات القرصنة التي كانت تشهدها بعض جزره ... و يذكر ابن بطوطة أن من جملة المراكب مركبا يشبه السفينة التي تحمل في اللسان العربي اسم الغراب ج اغربة: نوع من المراكب السريعة الحركة و تختص عادة بخفر السواحل و ابلاغ البريد.

التازي: الأسطول المغربي عبر التاريخ، مجلة البحث العلمي 39 نونبر 1982.

(76) جزيرة بيرم‏(PIRAM) أوPerim على مقربة من مدخل خليج كنباية، كانت معقلا مشهورا للقراصنة قبل أن يغير عليها السلطان محمد ابن تغلق و يدمّرها.

(77) تقع‏Goga شمال بيرم على الساحل الغربي لخليج كنباية ... و يلاحظ انها لم تكن على طريق ابن بطوطة من قندهار إلى گوا و لكن السفينة قصدتها اما لغرض تقني أو انها اضطرت لذلك مجاراة للرياح ...

31

الجزر، و نزلت في عشاري مع بعض اصحابي حين الجزر لأدخل اليها فوحل العشاري في الطين، و بقى بيننا و بين البلد نحو ميل فكنت لما نزلنا في الوحل أتوكأ على رجلين من أصحابي، و خوّفني الناس من وصول المد قبل وصولي اليها و أنا لا أحسن السباحة، ثم وصلت إليها وطفت باسواقها، و رأيت بها مسجدا ينسب للخضر و إلياس (عليهما السلام)، صليت به المغرب، و وجدت به جماعة من الفقراء الحيدرية مع شيخ لهم ثم عدت إلى المركب‏ (78).

ذكر سلطانها

و سلطانها كافر يسمى دنكول بضم الدال المهمل و سكون النون و ضم الكاف و واو و لام، و كان يظهر الطاعة لملك الهند و هو في الحقيقة عاص، و لما أقلعنا عن هذه المدينة وصلنا بعد ثلاثة أيام إلى جزيرة سندابور و ضبط اسمها بفتح السين المهمل و سكون النون و فتح الدال المهمل و الف و باء موحدة و واو مد و راء، و هي جزيرة في وسطها ست و ثلاثون قرية (79)، و يدور بها خور و اذا كان الجزر فماؤها عذب طيب، و إذا كان المد فهو ملح أجاج، و في وسطها مدينتان إحداهما قديمة من بناء الكفار، و الثانية بناها المسلمون عند استفتاحهم لهذه الجزيرة الفتح الأول، و فيها مسجد جامع عظيم يشبه مساجد بغداد عمّره الناخودة حسن والد السلطان جمال الدين محمد الهنوري، و سياتي ذكره و ذكر حضوري معه لفتح هذه الجزيرة الفتح الثاني إن شاء الله‏ (80)، و تجاوزنا هذه الجزيرة لما مررنا بها و رسينا على جزيرة صغيرة قريبة من البر (81) فيها كنيسة و بستان و حوض ماء و وجدنا فيها أحد الجوكية.

حكاية هذا الجوكي‏

و لما نزلنا بهذه الجزيرة الصغرى وجدنا بها جوكيا مستندا إلى حائط بدخانة، و هي بيت الاصنام، و هو فيما بين صنمين منها و عليه أثر المجاهدة فكلّمناه فلم يتكلم، و نظرنا: هل معه طعام فلم نر معه طعاما، و في حين نظرنا صاح صيحة عظيمة فسقطت عند صياحه‏

____________

(78) حول الحيدرية يراجع ج‏II ص 6 و ج‏III ص 79.

(79) سندابورSandbur أو سندابور كانت اسما يطلق على جزيرة و خليج گواGoa المعروفين عند التجار الأقدمين المسلمين ... و قد كانوا افتتحوها عام 712- 1312 و تداولت عليها الأيدي من هذا الطرف أو ذاك ج.II - 177- 254

(80) ج‏IV ص 68- 69 ... و كذا صفحة 106- 107 من هذا الجزءIV .

(81) القصد إلى جزيرة أنجيديف‏(ANDJIDIV) التي تقع على بعد 100 ك. م جنوب گوGoa ، و الجدير بالذكر هنا أن فاسكوا دي كاما الذي يذكرانه زار الجزيرة عام 1498 ترك لنا وصفا مشابها، الأمر الذي يؤيد مصداقية الرحالة المغربي ...

32

نموذج من الفن التصويري عند العرب، تذكرنا بالكثير من المشاهد التي يصفها اين بطوطة في رحلته مشهد المركب من إحدى مقامات الحريري (446- 516- 12221104)

33

جوزة من جوز النارجيل بين يديه، و دفعها لنا فعجبنا من ذلك و دفعنا له دنانير و دراهم، فلم يقبلها و أتيناه بزاد فردّه.

و كانت بين يديه عباءة من صوف الجمال مطروحة فقلّبتها بيدي فدفعها لي، و كانت بيدي سبحة زيلع‏ (82) فقلّبها في يدي فأعطيته إياها، ففركها بيده و شمها و قبّلها، و أشار إلى السماء ثم إلى سمت القبلة، فلم يفهم أصحابي إشارته، و فهمت أنا عنه أنه أشار أنّه مسلم يخفي إسلامه من أهل تلك الجزيرة، و يتعيش من تلك الجوز، و لمّا وادعناه قبلت يده فأنكر أصحابي ذلك ففهم إنكارهم فأخذ يدي و قبّلها و تبسّم و أشار لنا بالانصراف فانصرفنا و كنت آخر أصحابي خروجا، فجذب ثوبي فرددت رأسي إليه، فأعطاني عشرة دنانير، فلما خرجنا عنه قال لي أصحابي: لم جذبك؟ فقلت لهم: أعطاني هذه الدنانير، و أعطيت لظهير الدين ثلاثة منها و لسنبل ثلاثة، و قلت لهما: الرجل مسلم، ألا ترون كيف أشار إلى السماء؟ يشير إلى أنه يعرف الله تعالى، و أشار إلى القبلة يشير إلى معرفة الرسول (عليه السلام) و أخذه السبحة يصدّق ذلك، فرجعا لما قلت لهما ذلك إليه، فلم يجداه و سافرنا في تلك الساعة.

و بالغد وصلنا إلى مدينة هنور (83)، و ضبط اسمها بكسر الهاء و فتح النون و سكون الواو و راء، و هي على خور كبيرة تدخله المراكب الكبار، و المدينة على نصف ميل من البحر و في أيام البشكال، و هو المطر، يشتد هيجان هذا البحر و طغيانه فيبقى مدّة أربعة أشهر لا يستطيع أحد ركوبه إلا للصيد فيه، و في يوم وصولنا إليها جاءني أحد الجوكية من الهنود في خلوة و أعطاني ستة دنانير، و قال لي: البرهمي بعثها إليك، يعني الجوكي الذي أعطيته السبحة و أعطاني الدنانير فأخذتها منه و أعطيته دينارا منها فلم يقبله و انصرف، و أخبرت أصحابي بالقضية و قلت لهما: إن شئتما نصيبكما منها، فأبيا، و جعلا يعجبان من شأنه، و قالا لي: إن الدنانير الستة التي أعطيتنا إياها جعلنا معها مثلها و تركناها بين الصنمين حيث وجدناه، فطال عجبي من أمره و احتفظت بتلك الدنانير التي أعطانيها.

و اهل مدينة هنّور شافعية المذهب، لهم صلاح و دين و جهاد في البحر و قوة، و بذلك عرفوا حتى أذلهم الزمان بعد فتحهم لسندابور، و سنذكر ذلك، و لقيت من المتعبدين بهذه المدينة الشيخ محمد الناقوري أضافني بزاويته. و كان يطبخ الطعام بيده استقذارا للجارية

____________

(82) الزيلع: ضرب من صغار الودع، الصدف ... و هناك (زيلع): العلم الجغرافي: عاصمة البربرة التي تقدم الكلام عنها ج‏II - 180. حول بدخانة يراجع ج.III - 151

(83) هنور(HONAVAR) تقع في إقليم كانارا(KANARA) عند مصب نهر شاراواتي‏(SHARAVATI) .

34

و الغلام! و لقيت بها الفقيه اسماعيل معلم كتاب الله تعالى و هو ورع حسن الخلق كريم النفس و القاضي بها نور الدين عليّا و الخطيب، و لا أذكر اسمه.

و نساء هذه المدينة و جميع هذه البلاد الساحلية لا يلبس المخيط، (84) إنما يلبسن ثيابا غير مخيطة تحتزم إحداهن بأحد طرفي الثوب و تجعل باقية على رأسها و صدرها، و لهن جمال و عفاف، و تجعل إحداهن خرص ذهب في أنفها (85). و من خصائصهن أنهنّ جميعا يحفظن القرآن العظيم، و رأيت بالمدينة ثلاثة عشر مكتبا لتعليم البنات و ثلاثة و عشرين لتعليم الأولاد و لم أر ذلك في سواها.

و معاش أهلها من التجار في البحر و لا زرع لهم، و أهل بلاد المليبار يعطون للسلطان جمال الدين في كلّ عام شيئا معلوما خوفا منه لقوته في البحر، و عسكره نحو ستة آلاف بين فرسان و رجالة.

ذكر سلطان هنّور.

و هو السلطان جمال الدين محمد بن حسن‏ (86) من خيار السلاطين و كبارهم، و هو تحت حكم سلطان كافر يسمى هريب، سنذكره‏ (87)، و السلطان جمال الدين مواظب للصلاة في الجماعة، و عادته أن يأتي إلى المسجد قبل الصبح فيتلو في المصحف حتى يطلع الفجر فيصلي أول الوقت ثم يركب إلى خارج المدينة، و ياتي عند الضحى فيبدأ بالمسجد فيركع فيه ثم يدخل إلى قصره و هو يصوم الأيام البيض‏ (88) و كان أيام إقامتي عنده يدعوني للافطار

____________

(84) هذا الثوب هو الذي يعرف إلى الآن باسم الصّاري‏(LESARI) .

(85) ما يسمى ناث‏(NATH) يجعلنه يسار الأنف ...

(86) محمد بن حسن شخصية لم نقف لها على ذكر لها فيما توفر لدينا من مصادر و هي تنتسب على ما يترجح لدينا إلى فريق من النواتية المسلمين الذين تمكنوا من بعض النقاط الساحلية: گوا، و هنور الخ.

(87) يقول ابن بطوطة هنا أنه سيتحدث عن هريب هذا و هو الوعد الذي لم يتحقق على نحو وعد به قبل عندما وعد بالحديث عن قبر الملك ناصر الدّين ابن عين الملك‏(54 ,IV) فهل كانت تلك الفقرات و هذه مما أتت عليه عمليات الإيجاز التي قام بها ابن جزي؟! مهما يكن فإن هذا السلطان الذي لم يذكره مرة أخرى تم التعريف به مع هارهارا نريبّا لا(5731 -0431) )HARIHARA -NRIPALA( حفيد هنّانريبّا(HONNA -NRIPA) الذي كان جنرالا عند فرابا لّا الثالث‏(VIRA BALLALA III) ، سلطان هاوزالا

Hoysala Ibn Battuta, voyages. T, III P. 391 Note 78 Trad de l`arabe de D. S. 8581. INTROD. et notes de Stephane Yerasimos, EDIT. la Decouverte, PARIS 0991.

(88) القصد بالأيام البيض إلى يوم 13- 14- 15 من الشهر القمري التي كان النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يصومها ...

35

معه فاحضر لذلك و يحضر الفقيه علي و الفقيه اسماعيل فتوضع أربع كراسي صغار على الأرض فيقعد على أحدها و يقعد كل واحد منا على كرسي.

ذكر ترتيب طعامه‏

و ترتيبه أن يوتي بمائدة نحاس يسمونها خونجة (89) و يجعل عليها طبق نحاس يسمونه الطّالم، بفتح الطاء المهمل و فتح اللام، و تاتي جارية حسنة ملتحفة بثوب حرير فتقدّم قدور الطعام بين يديه، و معها مغرفة نحاس كبيرة فتغرف بها من الأرز مغرفة واحدة و تجعلها في الطّالم و تصب فوقها السمن، و تجعل مع ذلك عناقيد الفلفل المملوح و الزّنجبيل الأخضر و الليمون المملوح و العنبا، فيأكل الانسان لقمة و يتبعها بشي‏ء من تلك الموالح، فإذا تمت الغرفة التي جعلتها في الطالم غرفت غرفة أخرى من الأرز و أفرغت دجاجة مطبوخة في سكرجة فيوكل بها الأرز أيضا فإذا تمت المغرفة الثانية غرفت و أفرغت لونا آخر من الدجاج توكل به، فإذا تمت ألوان الدجاج أتوا بألوان من السّمك فيأكلون بها الأرز أيضا، فإذا فرغت ألوان السمك أتوا بالخضر مطبوخة بالسمن و الألبان فيأكلون بها الأرز، فإذا فرغ ذلك كلّه أتوا بالكوشان و هو اللبن الرائب و به يختمون إطعامهم فإذا وضع علم أنه لم يبق شي‏ء يوكل بعده، ثم يشربون على ذلك الماء السخن لأن الماء البارد يضرّ بهم في فصل نزول المطر.

و لقد أقمت عند هذا السلطان في كرة أخرى أحد عشر شهرا لم آكل خبزا، إنما طعامهم الأرز و بقيت أيضا بجزائر المهل و سيلان و بلاد المعبر و المليبار (90) ثلاث سنين لا آكل فيها إلا الأرز حتى كنت لا استسغيه إلا بالماء.

و لباس هذا السلطان ملاحف الحرير و الكتان الرقاق يشدّ في وسطه فوطة، و يلتحف ملحفتين إحداهما فوق الأخرى و يعقد شعره و يلف عليه عمامة صغيرة، و إذا ركب لبس قباد و التحف بملحفتين فوقه، و تضرب بين يديه طبول و أبواق يحملها الرجال.

و كانت إقامتنا عنده في هذه المرة ثلاثة أيام و زوّدنا و سافرنا عنه، و بعد ثلاثة أيام وصلنا إلى بلاد المليبار بضم الميم و فتح اللام و سكون الياء آخر الحروف و فتح الباء الموحدة

____________

(89) الكلمة بالفارسية(KHWANTCHEH) و اختصرت و عرّبت إلى خوان بمعنى الصّحن أو السّماط و هي العبارة التي اختارتها اليوم الخطوط الملكية المغربية للتعبير عن قائمة الطّعام‏(menu) . و الطّلم: يضم الطاء و تسكين اللّام: باللغة العربية ما يبسط عليه الخبر.

(90) بلاد المليبار(Moulaibar) المعروفة بإنتاج الأبزار(le poivre) : الفلفل الأسود كما يسميه المشارقة .. و تتفق اليوم مع ولاية كيرالا: إحدى ولايات الهند 22 ... و تستدل الهند أحيانا على حدودها التاريخية بما يرويه ابن بطوطة!

36

و ألف و راء، و هي بلاد الفلفل، و طولها مسيرة شهرين على ساحل البحر من سندابور إلى كولم، و الطريق في جميعها بين ظلال الأشجار، و في كل نصف ميل بيت من الخشب فيه دكاكين يقعد عليها كلّ وارد و صادر، من مسلم أو كافر و عند كل بيت منها بئر يشرب منها، و رجل كافر موكل بها، فمن كان كافرا يسقاه في الأواني و من كان مسلما يسقاه في يديه و لا يزال يصب له حتى يشير له أو يكف، و عادة الكفار ببلاد المليبار أن لا يدخل المسلم دورهم و لا يطعم في آنيتهم، فإن طعم فيها كسّروها أو أعطوها للمسلمين، و إذا دخل المسلم موضعا منها لا يكون فيه دار للمسلمين، طبخوا له الطعام و صبّوه له على أوراق الموز و صبّوا عليه الإدام، و ما فضل عنه يأكله الكلاب و الطير.

و في جميع المنازل بهذا الطريق ديار المسلمين ينزل عندهم المسلمون فيبيعون منهم جميع ما يحتاجون إليه، و يطبخون لهم الطعام، و لولاهم لما سافر فيه مسلم، و هذا الطريق الذي ذكرنا أنّه مسيرة شهرين ليس فيه موضع شبر فما فوق دون عمارة، و كلّ إنسان له بستانه على حدة و داره في وسطه و على الجميع حائط خشب، و الطريق يمر في البساتين فإذا انتهى إلى حائط بستان كان هناك درج خشب يصعد عليها و درج آخر ينزل عليها و درج آخر ينزل عليها إلى البستان الآخر، هكذا مسيرة الشهرين! و لا يسافر أحد في تلك البلاد بدابّة و لا تكون الخيل إلا عند السلطان، و أكثر ركوب أهلها في دولة على رقاب العبيد أو المستأجرين، و من لم يركب في دولة مشى على قدميه كائنا من كان، و من كان له رحل أو متاع من تجارة و سواها اكترى رجالا يحملونه على ظهورهم فترى هنالك التاجر و معه المائة فما دونها أو فوقها يحملون أمتعتهم، و بيد كلّ واحد منهم عود غليظ له زجّ حديد، و في أعلاه مخطاف حديد، فإذا أعيا و لم يجد دكّانة يستريح عليها ركز عوده بالأرض و علّق حمله منه، فإذا استراح أخذ حمله من غير معين و مضى به.

و لم أر طريقا آمن من هذا الطريق، و هم يقتلون السارق على الجوزة الواحدة، فإذا سقط شي‏ء من الثمار لم يلتقطه أحد حتى ياخذه صاحبه! و أخبرت أن بعض الهنود مرّوا على الطريق فالتقط أحدهم جوزة، و بلغ خبره إلى الحاكم فأمر بعود فركز في الأرض و بري طرفه الأعلى و أدخل في لوح خشب حتى برز منه، و مدّ الرجل على اللوح و ركز في العود و هو على بطنه حتى خرج من ظهره و ترك عبرة للناظرين! و من هذه العيدان على هذه الصورة بتلك الطرق كثير ليراها الناس فيتعظوا، و لقد كنا نلقى الكفار بالليل في هذه الطريق فإذا رأونا تنحوا عن الطريق حتى نجوز، و المسلمون أعزّ الناس بها غير أنهم كما ذكرناه لا يؤاكلونهم و لا يدخلونهم دورهم.

37

كيف يحمل الناس على الدّولة

38

و في بلاد المليبار اثنا عشر سلطانا من الكفار (91)، منهم القوي الذي يبلغ عسكره خمسين ألفا، و منهم الضعيف الذي عسكره ثلاثة آلاف، و لا فتنة بينهم البتّة، و لا يطمع القوي منهم في انتزاع ما بيد الضعيف، و بين بلاد أحدهم و صاحبه باب خشب منقوش فيه اسم الذي هو مبدأ عمالته، و يسمونه: باب أمان فلان، و إذا فرّ مسلم أو كافر بسبب جناية من بلاد أحدهم و وصل باب أمان الآخر أمن على نفسه، و لم يستطع الذي هرب عنه أخذه و إن كان القوي صاحب العدد و الجيوش. و سلاطين تلك البلاد يورثون ابن الأخت ملكهم‏ (92) دون أولادهم، و لم أر من يفعل ذلك إلا مسوّفة أهل اللثام و سنذكرهم فيما بعد (93)، فإذا أراد السلطان من أهل بلاد المليبار منع الناس من البيع و الشراء أمر بعض غلمانه فعلق على الحوانيت بعض أغصان الأشجار بأوراقها فلا يبيع أحد و لا يشتري ما دامت عليها تلك الأغصان.

ذكر الفلفل‏

و شجرات الفلفل‏ (94) شبيهة بدوالي العنب، و هم يغرسونها إزاء النارجيل فتصعد فيها كصعود الدوالي إلا أنها ليس لها عسلوح و هو الغزل كما للدوالي، و أوراق شجره تشبه‏

____________

(91) في الحقيقة نجد المؤرخين في بلاد المعبر و المليبار التي تقع جنوب جبل دلّى‏(Delly) استطاعوا أن يعدو- في القرن الثامن عشر- أكثر من ثمانية عشر سلطانا، الأربعة الأساسيون الذي كانوا في عهد ابن بطوطة و استمروا فيما بعد: آل كولاتّيري:(Kolattiri) أصحاب كانّانور(Cannanor) شمال قاليقوط، و السّامريون‏Zamorin أصحاب قاليقوط و آل راجا أصحاب كوشان‏(Cochin) جنوب قاليقوط، و أصحاب كولم التي يسمونها(Quilon) جنوب كوشان، و بين هؤلاء و أولئك و في أخريات البلاد تلتئم سلسلة لإمارات صغيرة أدّى التنافس فيما بينها للتدخل البرتغالي 900- 1495! أحمد زين الدّين المعبري المليباري: تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين تحقيق محمد سعيد الطريحي مؤسسة الوفاء بيروت 1405- 1985.

(92) التنظيم الاجتماعي يأخذ بعين الاعتبار الانتساب للام وحده و قد تردد ذكر مثل هذا عند حديث المؤرخين عن بعض قبائل إفريقيا أنظر مادة (عادة) في دائرة المعارف الاسلامية- و أنظر التاريخ الدبلوماسي للمغرب ج 5، ص 17.

(93) مسّوفة قبيلة من البربر كانت تتمركز في غرب الصحراء يتميزون بنظامهم الاجتماعي المبنيّ على أنّ مرجعية النسب إلى الأم و ليس إلى الأب على ما يذكر، يراجع (IV، 388)، هذا و عوض اللثام الذي هو الصواب نجد في بعض النسخ: الشام!

(94) الفلفل:(Poivre) هو بالذات الذي يخصّ في المغرب باسم الأبزار، و لا يعرف في بلادنا باسم الفلفل، انما الفلفل هو النبات المعروف، و ينعت الفلفل في بعض بلاد المشرق بالفلفل الأسود تمييزا له عن الفلفل:

النبات، و معلوم أن بلاد الابزار هي المليبار ...! هذا و كلّ النسخ تذكر عسلون بالنون و هو تحريف لكلمة عسلوج بالجيم التي تعني نفس ما تعنيه الكلمة العربية: الغزل (ج. غزول)(Vrille) و هي العروق اللينة التي تنطلق من الدالية أو اللّواية أو العليق لتشتبك بنحو الشجرة و الجدار و تكون بمثابة خيوط (تغزل) الدالية بما جاورها، و الكلمة من دقائق اللغة العربية المستعملة من لدن ابن بطوطة ... انظر لسان العرب مادة عسلج- دوزي مادة غزل.

39

آذان الخيل، و بعضها يشبه أوراق العلّيق، و يثمر عناقيد صغارا حبّها كحبّ أبي قنينة (95) إذا كانت خضرا، و إذا كان أوان الخريف قطفوه و فرشوه على الحصر في الشمس، كما يصنع بالعنب عند تزبيبه و لا يزالون يقلّبونه حتى يستحكم يبسه و يسودّ ثم يبيعونه من التجار، و العامة ببلادنا يزعمون أنهم يقلونه بالنار! و بسبب ذلك يحدث فيه التكريش، و ليس كذلك، و إنما يحدث ذلك بالشمس، و لقد رأيته بمدينة قالقوط يصبّ للكيل كالذّرة ببلادنا.

و أول مدينة دخلناها من بلاد المليبار مدينة أبي سرور (96)، بفتح السين، و هي صغيرة على خور كبير كثيرة أشجار النّارجيل، و كبير المسلمين بها الشيخ جمعة المعروف بأبي ستة أحد الكرماء، أنفق أمواله على الفقراء و المساكين حتى نفدت.

و بعد يومين منها وصلنا إلى مدينة فاكنور (97)، و ضبط اسمها بفتح الفاء و الكاف و النون و آخره راء، مدينة كبيرة على خور، بها قصب السكّر الكثير الطيب الذي لا مثل له بتلك البلاد، و بها جماعة من المسلمين يسمّى كبيرهم بحسين السلاط، و بها قاض و خطيب، و عمّر بها حسين المذكور مسجدا لاقامة الجمعة.

ذكر سلطانها

و سلطان فاكنور كافر اسمه باسدو (98)، بفتح الباء الموحدة و السين المهمل و الدال المهمل و سكون الواو، و له نحو ثلاثين مركبا حربية، قائدها مسلم يسمى لولا، و كان من المفسدين يقطع بالبحر و يسلب التجار، و لما أرسينا على فاكنور بعث سلطانها إلينا ولده فأقام بالمركب كالرهينة، و نزلنا إليه فأضافنا ثلاثا بأحسن ضيافة تعظيما لسلطان الهند و قياما بحقه و رغبة فيما يستفيده في التجارة مع أهل مراكبنا.

و من عادتهم هنالك أن كل مركب يمر ببلد فلا بد من إرسائه بها و إعطائه هدية لصاحب البلد يسمونها حق البندر، و من لم يفعل ذلك خرجوا في اتباعه بمراكبهم و أدخلوه المرسى قهرا و ضاعفوا عليه المغرم، و منعوه عن السفر ما شاءوا.

____________

(95) حار المعلقون في البحث عن معنى أبي قنينة و الكلمة معروفة في شمال المغرب الذي ينتسب إليه ابن بطوطة و هو نبات يكثر في المناطق الجبلية يستعمل حبه لعدة أغراض على ما قلناه في المقدمة ...

(96) مدينة أبي سرور:(BARCELORE) التي تنتج الأرز حسب باربوزا،BARBOSA و قد أنشأ الهولانديون هنا فيما بعد وكالة تجارية. و لا وجود للمدينة اليوم.

(97) فاكّنّور هي‏(BACCANORE) القرية التي تحمل حاليا اسم‏(BARKUR)

(98) كانت المنطقة في ذلك العهد محكومة من لدن دولة آل ألوبّا(ALUPA) حليفة هاوزالا(HOYSALA) .

سالفة الذكر، كان السلطان هوكولا سيخارا الوبّاندرا- دوفا الثاني‏(Kulasekhar Alupendra Deva II) حوالي سنة 1335- 1354 صاهر هاوّزالا فيرابالّا الثالث‏Hoysala vira Ballala III - هناك نقش بتاريخ 745- 1345 يثبت حكمه في باراكورو(BARAKURU) .

40

و سافرنا منها فوصلنا بعد ثلاثة أيام إلى مدينة منجرور (99)، و ضبط اسمها بفتح الميم و سكون النون و فتح الجيم و ضم الراء، و واو و راء ثانية، مدينة كبيرة على خور يسمى خور الذّنب، بضم الدال المهمل و سكون النون و باء موحدة، و هو أكبر خور (100) ببلاد المليبار و بهذه المدينة ينزل معظم تجار فارس و اليمن، و الفلفل و الزنجبيل بها كثير جدا.

ذكر سلطانها

و هو من أكبر سلاطين تلك البلاد، و اسمه رام دو (101) بفتح الراء و الميم و الدال المهمل و سكون الواو، و بها نحو اربعة آلاف من المسلمين يسكنون ربضا بناحية المدينة، و بما وقعت الحرب بينهم و بين أهل المدينة فيصلح السلطان بينهم لحاجته إلى التجار، و بها قاض من الفضلاء الكرماء شافعي المذهب يسمى بدر الدين المعبري و هو يقرئ العلم صعد الينا إلى المركب و رغب في النزول إلى بلده، فقلنا حتى يبعث السلطان ولده يقيم بالمركب، فقال: إنما فعل ذلك سلطان فاكنور لانه لا قوة للمسلمين في بلده، و أما نحن فالسلطان يخافنا فأبينا عليه إلا إن بعث السلطان ولده، فبعث ولده كما فعل الآخر، و نزلنا اليهم و أكرمونا إكراما عظيما و أقمنا عندهم ثلاثة أيام.

ثم سافرنا إلى مدينة هيلي‏ (102)، فوصلنا بعد يومين، و ضبط اسمها بهاء مكسورة و ياء مد و لام مكسورة، و هي كبيرة حسنة العمارة على خور عظيم تدخله المراكب الكبار، و إلى هذه المدينة تنتهي مراكب الصين و لا تدخل الّا مرساها و مرسى كولم، و قالقوط.

____________

(99) منجرور هي‏(MANGALORE) جنوب كانارا(Kanara) و شمال جبل دلّي‏Delly , و قد ورد ذكرها عند وارثيما(Warthema) عندما قال إنه يوسق منها سنويا 60 سفينة من الأرز ... و قد نصّ ابن بطوطة على أنها كانت ملتقى تجاريا دوليا كما نرى.

(101) رام دو(Ram Deo) من المعروف أن منجرور أو منگالور كانت جزءا كذلك من ممتلكات آل‏(ALUPA) ، و كانت في أغلب الأحيان عاصمة لفرع من الدولة، و لكنه لا يعرف في تلك الفترة أي شخص كان يحكم في هذه المدينة.

(102) تحدّث عدد من المؤلفين عن هيلي‏(ELI) و يروي ماركوبولو عن الفلفل الاسود (الأبزار) الذي ينبت بها بكثرة و كذا الزنجبيل‏(GINGEMBRE) ، كما تحدث عنها نيكولو كونتي‏N .Conti في القرن 15 أما باربوزا فلم يتحدث في بداية القرن 16 الا عن «جبل إيلي»(DELY) ... و ان وصف ابن بطوطة المتعلق بالخور العظيم يمكّن من تحديد المكان في مادايي‏(MAdayi) الواقعة بالخور العظيم حاليا على بعد ثمانية أميال جنوب جبل ديلي‏

Gibb: Ibn Battuta in Asia and Africa- P. 463. Note 41.( DELLY )

41

و مدينة هيلي معظمة عند المسلمين و الكفّار بسبب مسجدها الجامع، فإنه عظيم البركة مشرق النور (103)، و ركاب البحر ينذرون له النذور الكثيرة، و له خزانة مال عظيمة تحت نظر الخطيب حسين، و حسن الوزان كبير المسلمين و بهذا المسجد جماعة من الطلبة يتعلمون العلم و لهم مرتبات من مال المسجد، و له مطبخة يصنع فيها الطعام للوارد و الصادر و لإطعام الفقراء من المسلمين بها.

و لقيت بهذا المسجد فقيها صالحا من أهل مقدشو (104) يسمى سعيدا، حسن اللقاء و الخلق يسرد الصوم، و ذكر لي أنه جاور بمكة أربع عشرة سنة و مثلها بالمدينة و أدرك الأمير بمكة أبا نمّى‏ (105)، و الامير بالمدينة منصور بن جمّاز و سافر في بلاد الهند و الصين.

ثم سافرنا من هلي إلى مدينة جرفتّن‏ (106)، و ضبط اسمها بضم الجيم و سكون الراء و فتح الفاء و فتح التاء المعلوة و تشديدها و آخره نون، و بينها و بين هيلي ثلاثة فراسخ، و لقيت بها فقيها من اهل بغداد كبير القدر يعرف بالصّرصرى‏ (107) نسبة إلى بلدة على مسافة عشرة أميال من بغداد في طريق الكوفة، و اسمها كإسم صرصر التي عندنا بالمغرب، و كان له أخ بهذه المدينة كثير المال له أولاد صغار أوصى إليه بهم، و تركته آخذا في حملهم إلى بغداد،

____________

(103) يرجع أصل دول المعبر إلى جد واحد شيرومان بيرومال‏(Cheruman Perumal) الذي اعتنق الاسلام ... ثم قام بأداء مناسك الحج حيث أدركه أجله في مكة، و قبل وفاته بعث برسول من الغز هو دينار مالك ت 591- 1195 ليحمل المواطنين على اعتناق الإسلام، فزار دينار الجزر الكبرى لبلاد المعبر و قام- (رحمه اللّه)- ببناء عدد من المساجد كان منها مسجد مدايي‏(MADAYI) أحد المساجد الثلاثة المعروفة هناك، هذا المسجد الذي يحمل دائما كتاريخ للبناء عام 518- 1124 و يتفق في أغلب الظن مع المسجد الذي ذكره ابن بطوطة. هذا و نذكر هنا أن القصد إلى دينار ملك و ليس إلى مالك ابن دينار كما ورد عند الشيخ أحمد زين الدين المعبري المليباري المتوفى بعد 991- في تاليف تحفة المجاهديين في أحوال البرتغاليين، تقديم و تحقيق و تعليق محمد سعيد الطريحي، ص 226- 228 دائرة المعارف الاسلامية مادة دينار مالك. د. التازي: رسالة إلى محمد سعيد الطّريحي مجلة (الموسم) العدد 369- أكاديمية الكوفة- هولاندا.

(104) حول مقدشو- ج‏II 180- 191.

(105) حول أبي نمى، أنظر ج‏I ، 360.

(106) لعل القصد بجرفتّن إلى كنانورCANNANORE التي يقول عنها وارثيما(WARTHEMA) في بداية القرن السادس عشر: إنّه بمينائها يتم انزال الخيول التي يؤتى بها من بلاد فارس ... انظر الخريطة و انظر ما نقله‏BEKINGHAM عن يول و مزيك و گيب ج‏IV ، 810 تعليق 36.

(107) أول المراحل من بغداد نهر صرصر، و عليه مدينة صرصر، تجري فيه السفن، و بين مدينة صرصر و بغداد تسعة أميال، و هي مدينة عامرة ... و لها جسر من مراكب يعبر الناس عليه"- الادريسي: نزهة المشتاق، طبعة نابولي، ج 6، ص 668 أما صرصر المغرب فهو جبل: أنظر كتاب (المشترك وضعا و المفترق صقعا) لياقوت الحموي (ت 626) ص 282(De Wustenfeld) .

42

و عادة اهل الهند كعادة السودان لا يتعرضون لمال الميّت و لو ترك الآلاف، و إنما يبقى ماله بيد كبير المسلمين حتى يأخذه مستحقه شرعا.

ذكر سلطانها

و هو يسمى بكويل‏ (108)، بضم الكاف، على لفظ التصغير و هو من أكبر سلاطين المليبار، و له مراكب كثيرة تسافر إلى عمان و فارس و اليمن، و من بلاده ده فتّن و بد فتّن و سنذكرهما.

و سرنا من جرفتّن إلى مدينة ده فتّن‏ (109)، بفتح الدال المهمل و سكون الهاء، و قد ذكرنا ضبط فتّن، و هي مدينة كبيرة على خور كثيرة البساتين، و بها النارجيل و الفلفل و الفوفل و التنبول، و بها القلقاص‏ (110) الكثير، و يطبخون به اللحم، و أمّا الموز فلم أر في البلاد أكثر منه بها و لا أرخص ثمنا.

و فيها البائن‏ (111) الأعظم طوله خمسمائة خطوة و عرضه ثلاثمائة خطوة و هو مطوى بالحجارة الحمر المنحوتة و على جوانبه ثمان و عشرون قبة من الحجر، في كل قبة أربع مجالس من الحجر، و كل قبة يصعد إليها على درج حجارة، و في وسطه قبّة كبيرة من ثلاث طبقات في كلّ طبقة أربع مجالس.

و ذكر لي أن والد هذا السلطان كويل هو الذي عمر هذا البائن، و بإزائه مسجد جامع للمسلمين و له أدراج ينزل منها اليه فيتوضأ منه الناس و يغتسلون، و حدثني الفقيه حسين أن‏

____________

(108) هذه المملكة الأولى للمليبار التي تبتدى‏ء من الشمال و التي هي نفس هيلي عند ماركوبولو و هي بالذات مملكة آل كولاتري‏(KOLLATIRI) إحدى العائلات القوية في الساحل، و بما أننا لا نتوفر على لائحة للملوك الذين تعاقبوا على الحكم هناك فإننا لا نستطيع أن نتعرف على اسم السلطان الذي كان يحكم أثناء مرور ابن بطوطة. هذا و نذكر مرة أخرى بأن اللقلب الذي كان يعرف به الحاكمون لبلاد المعبر هو لقب السامري:(Le Zamorin) .

(109) هذه المدينة عرفت ب فالارباطّانام‏(VALARPATTANAM) التي توجد، مع ذلك، على بعد خمسة أميال شمال كانّانور على الساحل الجنوبي للوادي الذي يحمل نفس الاسم.

(110) القلقاص و يرسمه ابن البيطار بالسين في كتاب الجامع لمفردات الأدوية و الأغذية أروم كولوكازيا-(ARUMCOLOCASIA) : نبات تستعمل أوراقه اللينة كخضرة في الطعام ...

(111) البائن أو(WAIIN) يعني الصهريج و قد ورد في ترجمة الامبراطور بابور(BABUR) في القرن الخامس عشر بقلمه: «بنيت بئرا واسعا مغطّى، مقياسه عشرة على عشرة بدرج في داخله، معروف تحت اسم واين‏(WA`IN) ،"

43

الذي عمر المسجد و البائن أيضا هو أحد أجداد كويل و أنه كان مسلما (112) و لإسلامه خبر عجيب، نذكره.

ذكر الشجرة العجيبة الشأن التي بإزاء الجامع‏

و رأيت إزاء الجامع شجرة خضراء ناعمة تشبه أوراقها أوراق التين إلا أنها لينة و عليها حائط يطيف بها، و عندها محراب صليت فيه ركعتين، و اسم هذه الشجرة عندهم درخت الشهادة، و درخت بفتح الدال المهمل و الراء و سكون الخاء المعجم و تاء معلوة، و أخبرت هنالك أنه إذا كان زمان الخريف من كل سنة تسقط من هذه الشجرة ورقة واحدة بعد أن يستحيل لونها إلى الصفرة، ثم إلى الحمرة و يكون فيها مكتوبا بقلم القدرة (لا إلاه إلا الله محمد رسول الله)، و أخبرني الفقيه حسين و جماعة من الثقات أنهم عاينوا هذه الورقة، و قرأوا المكتوب الذي فيها، و أخبرني أنه إذا كانت أيام سقوطها قعد تحتها الثقات من المسلمين و الكفار، فإذا سقطت أخذ المسلمون نصفها، و جعل نصفها في خزانة السلطان الكافر، و هم يستشفون بها للمرضى.

و هذه‏ (113) الشجرة كانت سبب إسلام جد كويل الذي عمّر المسجد و البائن فانه كان يقرأ الخط العربي فلما قرأها، و فهم ما فيها أسلم و حسن إسلامه، و حكايته عندهم متواترة.

و حدثني الفقيه حسين أن أحد أولاده كفر بعد أبيه و طغى و أمر باقتلاع الشجرة من أصلها فاقتلعت و لم يترك لها أثر، ثم إنها نبتت بعد ذلك و عادت كأحسن ما كانت عليه و هلك الكافر سريعا.

ثم سافرنا إلى مدينة بدفتّن‏ (114)، و هي مدينة كبيرة على خور كبير و بخارجها مسجد بمقربة من البحر يأوي اليه غرباء المسلمين لانه لا مسلم بهذه المدينة، و مرساها من‏

____________

(112) يتعلّق الأمر، على ما يظهر بأحد المساجد التي بناها دينار مالك و الذي يوجد إلى الآن.

انظر تاليف الشيخ أحمد ابن زين الدين المعبري المليباري المتوفى بعد سنة 991 ه: تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين، سالف الذكر.

(113) تتحدث (مالاباركازيتير(MALABAR GAZETTEER) عن حالات علاج بالسحر بواسطة نقوش رسمت على أوراق التنبول، و هناك أسطورة تتعلق بشجرة ذات كرامات توجد في جبل ديلي‏(DELLY) سالف الذكر و الأسطورة ظلت تتردد إلى أواخر القرن التاسع عشر.

(114) بدفتّن هي: دارمابّاطّانام‏(DARMAPATTANAM) (مكان الرحمة) الموجودة على جزيرة كوّنها التقاء مجاري نهر تيلّيشيري‏(TELLICHERRY) و نهر أنجاراكاندي‏(ANJARAKANDI) ، شمال مدينة ثيليشيرّي‏(TELLICHERRY) ، و حسب ما ورد في أقوال ابن بطوطة فإن هذه المدينة يظهر أنها أيضا كانت ملكا في تلك الفترة لال كولّاتّيري‏(KOLLAttIRI) بيد أن أطراف البلاد كانت تكون مملكة كوطايام‏(KOTTAYAM) التي سيصبح لها فيما بعد منفذ على البحر عن طريق هذه المدينة:

دارماباطام‏(DARMAPATTAM) . المسجد المتحدث عنه لا شك و أنه كذلك من المساجد التي بناها دينار مالك، و لكنه لا يوجد له أثر الآن ... يراجع التعليق 103.

44

أحسن المراسي و ماؤها عذب، و الفوفل بها كثير و منها يحمل للهند و الصين و أكثر أهلها براهمة و هم معظمون عند الكفار مبغضون في المسلمين و لذلك ليس بينهم مسلم.

حكاية [مسجد بدفتّن‏]

أخبرت أن سبب تركهم هذا المسجد غير مهدوم أن أحد البراهمة خرب سقفه ليصنع منه سقفا لبيته فاشتعلت النار في بيته فاحترق هو و أولاده و متاعه! فاحترموا هذا المسجد و لم يعرضوا له بسوء بعدها و خدموه و جعلوا بخارجه الماء يشرب منه الصادر و الوارد، و جعلوا على بابه شبكة لئلا يدخله الطير.

ثم سافرنا من المدينة بدفتّن إلى مدينة فندرينا (115)، و ضبط اسمها بفاء مفتوح و نون ساكن و دال مهمل و راء مفتوحين و ياء آخر الحروف، مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين و أسواق، و بها للمسلمين ثلاث محلات، في كل محلة مسجد، و الجامع بها على الساحل و هو عجيب له مناظر و مجالس على البحر، و قاضيها و خطيبها رجل من أهل عمان و له أخ فاضل، و بهذه البلدة تشتو مراكب الصين ...

ثم سافرنا منها إلى مدينة قالقوط

و جالكا ليكوت خذ ذي الفائدة* * * لعام تسعة و ستّ زائدة

و باع فيها و اشترى و حكما* * * و السامري برطله؟ و ظلما

و صار فيها مبغض الاسلام‏* * * و الناس في خوف و في اهتمام‏

و انقطع المكي عن أرض السامري‏* * * و شدّ جردفون للمسافر

و هو الذي قد قهر المغاربة* * * و اندلس في حكمه مناسب!!

(116)، و ضبط اسمها بقافين و كسر اللام و ضم‏

____________

(115) فندرينا هي‏(Pantalayini) پانطالاييني الحالية و هي لافلاندريناLa flandrina التي زارها أودريك دوبّوردونون في نفس الفترة التي زارها ابن بطوطة، هذا و يلاحظ أن ابن بطوطة قام ابتداء من دار مابّاطّانام بطفرة تخطّى فيها 40 ك. م. مكنته من أن يتجاوز مملكتين: مملكة إيروفاليناد(Iruvalinad) ، بين تيليشيري‏(Tellichery) و ما هي‏(Mahe) حيث ستنشأ الوكالة التجارية الفرنسية فيما بعد، و مملكة كاداطّانادKadattanad بين أودية ماهي‏(MAHE) و كوطّا(Kotta) حيث كان المركز هو باداگارا(BADAGARA) . بيد أنه لا يعرف تاريخ لميلاد هاتين المملكتين اللتين ظلتا خاضعتين ل كولّاتيري‏(Kollatiri) . يمكن أن يكون ذلك تمّ بعد مرور ابن بطوطة. بانطالايني مقرّ المملكة القديمة پاياناد(Payanad) ، كانت جزءا من هذه الفترة تابعا لممتلكات السامريين‏(Les Zamorins) حكام قالقوط.

المسجد الرئيسي هو من مؤسسات دينار مالك و ليس مالك بن دينار. انظر دائرة المعارف الاسلامية دينار مالك و انظر التعليق السابق رقم 103- 112- 114.

(116) قالقوط يعتبر ميناؤها أكثر أهمية في شمال المليبار بين بانطالاييني‏(Pantalayini) و كولم. و هناك مملكتان أخريان تابعتان للسامري صاحب قاليقوط، يحتلان أطراف البلاد: بّايورمالا(Payormala) و كورمبراناد:(Kuru M Branad) . هذا و عن وصول البرتغاليين في حملتهم الثانية إلى كاليكوت التي كانت أهمّ موانى المليبار قال ابن ماجد:

و جالكا ليكوت خذ ذي الفائدة* * * لعام تسعة و ستّ زائدة

و باع فيها و اشترى و حكما* * * و السامري برطله؟ و ظلما

و صار فيها مبغض الاسلام‏* * * و الناس في خوف و في اهتمام‏

و انقطع المكي عن أرض السامري‏* * * و شدّ جردفون للمسافر

و هو الذي قد قهر المغاربة* * * و اندلس في حكمه مناسب!!

ذ. التازي: ابن ماجد و البرتغال: محلة البحث العلمي العدد 36، 1406- 1986.

45

القاف الثاني و آخره طاء مهمل، و هي إحدى البنادر العظام ببلاد المليبار، يقصدها أهل الصين و الجاوة، و سيلان، و المهل، و أهل اليمن و فارس و يجتمع بها تجار الآفاق. و مرساها من أعظم مراسي الدنيا (117).

ذكر سلطانها

و سلطانها كافر يعرف بالسّامري‏ (118) شيخ السّن، يحلق لحيته كما يفعل طائفة من الروم، رأيته بها، و سنذكره إن شاء الله، و أمير التجار بها إبراهيم شاه بندر (119) من أهل البحرين فاضل ذو مكارم يجتمع اليه التجار و يأكلون في سماطه، و قاضيها فخر الدين عثمان فاضل كريم، و صاحب الزاوية بها الشيخ شهاب الدين الكازروني، و له تعطى النّذور التي ينذر بها أهل الهند و الصين للشيخ أبي إسحاق الكازروني‏ (120)، نفع الله به، و بهذه المدينة الناخودة مثقال الشهير الاسم صاحب الأموال الطائلة و المراكب الكثيرة لتجارته بالهند و الصين و اليمن و فارس، و لمّا وصلنا إلى هذه المدينة خرج إلينا إبراهيم شاه بندر، و القاضي و الشيخ شهاب الدين و كبار التجار و نائب السلطان الكافر المسمّى بقلاج، بضم القاف و آخره جيم، و معهم الأطبال و الانفار و الأبواق و الأعلام في مراكبهم، و دخلنا المرسى في بروز عظيم ما رأيت مثله بتلك البلاد، فكانت فرحة تتبعها ترحة، و أقمنا بمرساها و به يومئذ ثلاثة عشر من مراكب الصين، و نزلنا بالمدينة و جعل كل واحد منا في دار، و أقمنا ننتظر زمان السفر إلى‏

____________

(117) ورد وصف وارثيما(Warthema) للمدينة بأن البحر يرتطم على منازلها، و أنه لا يوجد فيها ميناء، بيد أن هناك واديا عند مدخل البحر ...

(118) السّامري ما يسميه البرتغاليون‏(Le Zamorin) ، ربما كانت الكلمة آتية من أصل مالوي،Samutisi : ملك البحر، لقب- كما أشرنا- يحمله السلاطين الاكثر أهمية في المليبار، الحكم كان يتعاقب فيما بين الاخوة، و تنتقل السلطة إلى أول ولد من الاخت الكبرى كما قلناه سابقا (أنظر التعليق 92). هذا و أما السامري في القرآن الكريم (سورة طه 85/ 87- 95) فالقصد إلى رجل ينتمي إلى السامرة: أجدى قبائل بني إسرائيل من قوم موسى فتن قوم موسى أثناء غيبته و صنع لهم عجلا تصدر منه اصوات غريبة بفعل الرياح و دعاهم إلى عبادته فعبدوه و لما رجع موسى كشف عن حيلته و نفاه. مجمع اللغة العربية (القاهرة): معجم ألفاظ القرآن 1409- 1489.

(119) شاه بندر يعني رئيس الميناء. على نحو النواتية(Navaiyats) في كانارا(Kanara) (أنظر تعليق 86)، آل مابّيلا(Mappila) - و هم مسلمون، و غالبا ما يكونون عربا مولّدين من أصل هندي- هم الذين يهيمنون شيئا فشيئا على القوة الاقتصادية في المليبار. عائلة علي رجا تبوأت الحكم في كانّنورCannanore ابتداء من القرن السادس عشر.

(120) حول الكازروني- انظر ج‏II 89.

46

الصين ثلاثة أشهر و نحن في ضيافة الكافر (121)، و بحر الصين لا يسافر فيه الا بمراكب الصين و لنذكر تربيبها.

ذكر مراكب الصّين‏

و مراكب الصين ثلاثة أصناف: الكبار منها تسمى الجنوك، واحدها جنك‏ (122)، بجيم معقود مضموم و نون ساكن، و المتوسطة تسمى الزّو (123)، بفتح الزاي و واو، و الصغار يسمّى أحدها الككم، (124) بكافين مفتوحين، و يكون في المركب الكبير منها اثنى عشر قلعا فما دونها إلى ثلاثة، و قلعها من قضبان الخيزران منسوجة كالحصر، لا تحطّ ابدا و يديرونها بحسب دوران الريح، و إذا أرسوا تركوها واقفة في مهب الريح.

و يخدم في المركب منها ألف رجل منهم: البحرية ستمائة و منهم أربعمائة من المقاتلة تكون فيهم الرماة و أصحاب الدّرق و الجرخية و هم الذين يرمون بالنفط و يتبع كل مركب كبير منها ثلاثة النصفى و الثلثى و الربعى، و لا تصنع هذه المراكب الا بمدينة الزّيتون من الصين، أو بصين كلان، و هي صين الصين‏ (125)، و كيفية إنشائها أنهم يصنعون حائطين من الخشب يصلون ما بينهما بخشب ضخام جدا موصولة بالعرض و الطول بمسامير ضخام، طول المسمار منها ثلاث أذرع فإذا التأم الحائطان بهذا الخشب صنعوا على أعلاهما فرش المركب الأسفل و دفعوهما في البحر، و اتموا عمله و تبقى تلك الخشب و الحائطان موالية للماء، ينزلون إليها فيغتسلون و يقضون حاجتهم.

و على جوانب تلك الخشب تكون مجاذيفهم و هي كبار كالصواري يجتمع على أحدها العشرة و الخمسة عشر رجلا و يجذفون وقوفا على أقدامهم و يجعلون للمراكب أربعة ظهور،

____________

(121) كان على ابن بطوطة أن يصل إلى قالقوط حوالي أوائل جمادى الثانية 742 منتصف نونبر 1341، و قد بقي في قالقوط إذن إلى منتصف يبراير 1342 يعني إلى بداية شهر رمضان من عام 742. هذا و ينبغي أن نقف قليلا مع الحكمة التي ردّدها ابن بطوطة و التي تجري مجرى المثل: «بحر الصّين لا يسافر فيه الا بمراكب الصين»!

(122) جنك‏(JONQUE) أصل الكلمة من اللغة الجاوية جونك‏Djonk .

(123) الزّو، من المحتمل أن تكون الكلمة من أصل صيني‏(SAO) أو(TSAO) و هي زاوو(DHAO) الحالية، أو(DHOW) ، التي تستعمل ابتداء من عدن إلى ماليزيا، عبارة عن سفينة لها صاريان و شراعان مثلّثان في الشكل.

(124) الككم: الكلمة من أصل صيني هواهانگ‏Hoq -Hang و يقترح يول أن يكون ككم تحريفا لكلمة ايطالية قديمة كوكاCOcca . هذا و كلمة النفط من أصل فارسي، مادّة قاريّة زفتية ...

(125) صين كلان أو صين الصين:Guangzhou (كانطون) على ما سنرى و قد زرتها عام 1988 (IV، 256 ت 36) انظر ملحق المراسلات ...

47

و يكون فيه البيوت و المصاري‏ (126) و الغرف للتجار، و المصرية منها يكون فيها البيوت و السنداس، و عليها المفتاح يسدها صاحبها، و يحمل معه الجواري و النساء، و ربّما كان الرجل في مصريته فلا يعرف به غيره ممن يكون بالمركب حتى يتلاقيا إذا وصلا إلى بعض البلاد، و البحرية يسكّنون فيها أولادهم، و يزدرعون الخضر و البقول و الزنجبيل في أحواض خشب.

و وكيل المركب كأنه أمير كبير، و إذا نزل إلى البر مشت الرماة و الحبشة بالحراب و السيوف و الأطبال و الأبواق و الأنفار أمامه، و إذا وصل إلى المنزل الذي يقيم به ركّزوا رماحهم عن جانبي بابه و لا يزالون كذلك مدة إقامته.

و من أهل الصين من تكون له المراكب الكثيرة يبعث بها وكلاءه إلى البلاد، و ليس في الدنيا أكثر أموالا من أهل الصين.

ذكر أخذنا في السفر إلى الصين و منتهى ذلك.

و لما حان وقت السفر إلى الصين جهّز لنا السلطان السامري جنكا من الجنوك الثلاث عشرة التي بمرسى قالقوط، و كان وكيل الجنك يسمى بسليمان الصفدي الشامي، و بيني و بينه معرفة، فقلت له: أريد مصرية لا يشاركني فيها أحد لأجل الجواري، و من عادتي أن لا أسافر إلا بهن، فقال لي: إن تجار الصين قد اكثروا المصاري ذاهبين و راجعين، و لصهري مصرية أعطيكها لكنها لا سنداس فيها، و عسى أن تمكن معاوضتها، فأمرت أصحابي فأوسقوا ما عندي من المتاع، و صعد العبيد و الجواري إلى الجنك، و ذلك في يوم الخميس، و أقمت لأصلي الجمعة و ألحق بهم، و صعد الملك سنبل و ظهير الدين مع الهدية، ثم إن فتى لي يسمّى بهلال أتاني غدوة الجمعة، فقال: إن المصرية التي أخذنا بالجنك ضيقة لا تصلح، فذكرت ذلك للنّاخودة فقال: ليست في ذلك حيلة، فإن أحببت أن تكون في الككم ففيه المصاري على اختيارك، فقلت: نعم، و أمرت أصحابي فنقلوا الجواري و المتاع إلى الككم و استقروا به قبل صلاة الجمعة.

و عادة هذا البحر أن يشتد هيجانه كلّ يوم بعد العصر فلا يستطيع أحد ركوبه، و كانت الجنوك قد سافرت و لم يبق منها إلا الذي فيه الهدية و جنك عزم أصحابه على أن يشتوا بفندرينا، و الككم المذكور، فبتنا ليلة السبت على الساحل لا نستطيع الصعود إلى الككم و لا

____________

(126) المصاري جمع مصرية، و هي في الاصطلاح المغربي دويرة صغيرة تكون ملحقة بالدّار الكبرى، و الكلمة نسبة إلى مصر لأن تصميمها الأول أخذه صاحبه، على ما يظهر، عن مصر على نحو «الصقلبية» في المغرب التي يأتي اسمها من الصقالبة الذين كانوا يسكنون بها ... السنداس في الاصطلاح المغربي يعني المرحاض و ما أشبهه د. سليم النعيمي: ألفاظ من رحلة ابن بطوطة، مجلة المجمع العلمي العراقي 1974

48

يستطيع من فيه النزول إلينا، و لم يكن بقي معي إلا بساط أفترشه، و أصبح الجنك و الككم يوم السبت على بعد من المرسى، و رمى البحر بالجنك الذي كان أهله يريدون فندرينا فتكسر، و مات بعض أهله و سلم بعضهم.

و كانت فيه جارية لبعض التجار عزيزة عليه فرغب في إعطاء عشرة دنانير ذهبا لمن يخرجها و كانت قد التزمت خشبة في مؤخر الجنك فانتدب لذلك بعض البحرية الهرمزيين فأخرجها، و أبى أن يأخذ الدنانير، و قال: إنما فعلت ذلك لله تعالى، و لما كان الليل رمى البحر بالجنك الذي كانت فيه الهدية فمات جميع من فيه! و نظرنا عند الصباح إلى مصارعهم، و رأيت ظهير الدين قد انشق رأسه و تناثر دماغه، و الملك سنبل قد ضربه مسمار في أحد صدغيه و نفذ من الآخر، و صلينا عليهما و دفنّاهما!!! و رأيت‏ (127) الكافر سلطان قالقوط، و في وسطه شقة بيضاء كبيرة قد لفّها من سرّته إلى ركبته، و في رأسه عمامة صغيرة و هو حافي القدمين، و الشطر بيد غلام فوق رأسه، و النار توقد بين يديه في الساحل، و زبانيته يضربون الناس لئلا ينتهبوا ما يرمي البحر.

و عادة بلاد المليبار أن كل ما انكسر من مركب يرجع ما يخرج منه للمخزن إلا في هذا البلد خاصة فان ذلك يأخذه أربابه و لذلك عمرت و كثر تردد الناس اليها (128). و لما رأى أهل الككم ما حدث على الجنك رفعوا قلعهم و ذهبوا و معهم جميع متاعي و غلماني و جواري، و بقيت منفردا على الساحل ليس معي إلا فتى كنت اعتقته، فلما رأى ما حلّ بي ذهب عني! و لم يبق عندي إلا العشرة الدنانير التي أعطانيها الجوكي، و البساط الذي كنت أفترشه، و أخبرني الناس أن ذلك الككم لا بد له أن يدخل مرسى كولم فعزمت على السفر إليها و بينهما مسيرة عشر في البر أو في النهر أيضا لمن أراد ذلك، فسافرت في النهر و اكتريت رجلا من المسلمين يحمل لي البساط.

و عادتهم اذا سافروا في ذلك النهر أن ينزلوا بالعشى فيبيتوا بالقرى التي على حافتيه، ثم يعودوا إلى المركب بالغدو فكنا نفعل ذلك، و لم يكن بالمركب مسلم الا الذي اكتريته، و كان يشرب الخمر عند الكفار إذا نزلنا و يعربد عليّ فيزيد تغيّر خاطري! و وصلنا

____________

(127) ينبغي أن نقف قليلا مع هذه المحنة التي اعترضت طريق ابن بطوطة و هو في بداية مهمته الدبلوماسية حيث نراه يشاهد زميله و رفيقه في المهمة: ظهير الدين و قد انشقّ رأسه و تناثر دماغه و الملك سنبل يضربه مسمار يدخل من أحد صدغيه ليخرج من الجهة الأخرى، إنه طالع نحس لا يبشر بالخير ...!!

(128) يشير ابن بطوطة هنا إلى قاعدة أو مبدأ فقهي دوّلي نص عليه فقهاؤنا في مصنفاتهم، و يتعلق الأمر بحماية تركة الأجنبي المتوفى. و الطريف في استنتاج ابن بطوطة أنه يرى في هذا التشريع ما يشجع الناس على قصد تلك البلاد للاستثمار فيها! التازي، التاريخ الدبلوماسي للمغرب ج 5 ص 235 تعليق 3.

49

في اليوم الخامس من سفرنا إلى كنجي كري، و ضبط اسمها بكاف مضموم و نون ساكن و جيم و ياء مد و كاف مفتوح و راء مكسور و باء، و هي بأعلى جبل هنالك يسكنها اليهود (129) و لهم أمير منهم و يؤدون الجزية لسلطان كولم.

ذكر القرفة و البقّم‏

و جميع الأشجار التي على هذا النهر أشجار القرفة (130) و البقّم، و هي حطبهم هنالك، و منها كنا نقد النار لطبخ طعامنا في ذلك الطريق.

و في اليوم العاشر وصلنا إلى مدينة كولم‏ (131) و ضبط اسمها بفتح الكاف و اللام و بينهما واو، و هي أحسن بلاد المليبار، و أسواقها حسان، و تجّارها يعرفون بالصّوليين‏ (132) بضم الصاد، و لهم أموال عريضة، يشتري أحدهم المركب بما فيه و يوسقه من داره بالسلع، و بها من التجار المسلمين جماعة، كبيرهم علاء الدين الأوجي من أهل أوه، من بلاد العراق‏ (133)، و هو رافضي و معه أصحاب له على مذهبه، و هم يظهرون ذلك، و قاضيها فاضل من أهل قزوين‏ (134)، و كبير المسلمين بها محمد شاه بندر، و له أخ فاضل كريم اسمه تقي الدين، و المسجد الجامع بها عجيب عمّره التاجر خواجة مهذّب‏ (135). و هذه المدينة أول ما يوالي الصين من بلاد المليبار، و إليها يسافر أكثرهم و المسلمون بها أعزة محترمون.

____________

(129) عن الجاليات اليهودية في كيرالا يراجع كتاب‏

J. B. Segal: A History of The Jews of cochin, London 3991

. حيث يقول الأستاذ سيگال: من المعقول أن تحدد مع قسم من الوادي الذي يحمل اسم كانجيرابّوزها في شرق جزيرة شينّمنگلام‏Chennamangalam حيث كان هناك اقدم استقرار لليهود ...

(130) يتعلق الأمر بالقرفة البرية في بلاد المعبر و هي من نوعية أقل جودة من القرفة التي توجد في سيلان- و البقّم: الشجر المعروف بشجر البرازيل‏(BRAZIL) . فعلا هو شجر من إمريكا الوسطى يحتوي خشبه على مادة ملونة تستعمل في الصباغة ... و قد تحدث عنه كذلك ماركوپولو.

(131) كولم هي التي تحمل عند الغرب اسم‏qUILON : مدينة نعتت أيضا من لدن ماركوبولو على أنها مهمة، و كذلك عند فارثيماVarthema و باربوزاBabosa .

(132) الصّوليون‏(CHulia) هو الاسم الذي أعطى سواء في سيلان أو في بلاد المعبر (المليبار) للمسلمين الشيعة و لا ندرى أصل هذه التسمية و ربما أعطيت للمسلمين بصفة عامة.

(133) القصد إلى عراق العجم يعني فارس، هذا و يلاحظ أن معظم سكان المنطقة اليوم من أهل السنّة ...

(134) قزوين تقع شمال إيران و في شالوس منها قضّيت يوم 15 يونيه عام 1979. و يصادف ذكرى ميلادي.

(135) الواقع التاريخي أن الذي عمّر كولم بالمسجد هو دينار مالك ... و يبدو أن التاجر خواجة انما قام ببعض أعمال ترميمية بالمسجد.

50

ذكر سلطانها

و هو كافر يعرف بالتّيروري‏ (136)، بكسر التاء المعلوة و ياء مد و راء و واو مفتوحين و راء مكسور و ياء، و هو يعظّم المسلمين و له أحكام شديدة على السرّاق و الدّعار.

حكاية [العراقي القتيل‏]

و مما شاهدت بكولم أنّ بعض الرماة العراقيين قتل آخر منهم، و فر إلى دار الآوجي، و كان له مال كثير و أراد المسلمون دفن المقتول فمنعهم نواب السلطان من ذلك، و قالوا: لا يدفن حتى تدفعوا لنا قاتله فيقتل به، و تركوه في تابوته على باب الآوجي حتى انتن و تغيّر فمكنهم الأوجي من القاتل، و رغب منهم أن يعطيهم أمواله و يتركوه حيا فأبوا ذلك و قتلوه و حينئذ دفن المقتول.

حكاية [رجل قتل بحبة عنبة]

أخبرت أن سلطان كولم ركب يوما إلى خارجها و كان طريقه فيما بين البساتين، و معه صهره زوج بنته، و هو من أبناء الملوك، فأخذ حبّة واحدة من العنبة سقطت من بعض البساتين و كان السلطان ينظر إليه فأمر به عند ذلك فوسّط و قسم نصفين و صلب نصفه عن يمين الطريق و نصفه الآخر عن يساره و قسمت حبة العنبة نصفين فوضع على كل نصف منه نصف منها و ترك هنالك عبرة للناظرين‏ (137)!!

حكاية [قتل مغتصب سيفا]

و مما اتفق نحو ذلك بقالقوط أن ابن أخي النائب عن سلطانها غصب سيفا لبعض تجار المسلمين فشكا بذلك إلى عمه فوعده بالنظر في أمره، و قعد على باب داره، فإذا بابن أخيه متقلّد ذلك السيف، فدعاه، فقال: هذا سيف المسلم؟ قال: نعم! قال: اشتريته منه؟

قال:: لا؟ فقال لأعوانه: أمسكوه، ثم أمر به فضربت عنقه بذلك السيف!

____________

(136) على نحو ما أشرنا اليه في التعليق 131 فان كولم‏Quilon كانت منذ القدم كانت مركزا تجاريا هاما لبضائع الصين، و قد ورد ذكرها عند التجار العرب و الفرس كذلك منذ القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي تحت اسم كولم ملاي، و لم تلبث أن انهارت كمنافستها قالقوط في القرن السادس عشر ... هذا و يرى يول‏Yule أن الاسم الذي اورده ابن بطوطة لسلطان كولم: التّيروري يمكن أن يكون من أصل تاميل سنسكري:(Tiru -Pati) بمعنى السيد المقدس‏Yule :Cathay IV .P .:04 -Holy Lard .

(137) تعتبر السرقة في بلاد المليبار من الكبائر بعد قتل البراهمة و بعد تناول الخمور ...

51

و أقمت بكولم مدة بزاوية الشيخ فخر الدين ابن الشيخ شهاب الدين الكازروني شيخ زاوية قالقوط، فلم أتعرف للككم خبرا، و في أثناء مقامي بها دخل إليها أرسال ملك الصين الذين كانوا معنا، و كانوا ركبوا في أحد تلك الجنوك فانكسر أيضا فكساهم تجار الصين و عادوا إلى بلادهم و لقيتهم بها بعد.

و ارادت أن أعود من كولم إلى السلطان لأعلمه بما اتفق على الهدية (138) ثم خفت أن يتعقب فعلي، و يقول: لم فارقت الهدية؟ فعزمت على العودة إلى السلطان جمال الدين الهنّوري و أقيم عنده حتى أتعرف خبر الككم، فعدت إلى قالقوط و وجدت بها بعض مراكب السلطان، فبعث فيها أميرا من العرب يعرف بالسيد أبي الحسن و هو من البرد دارية (139)، و هم خواص البوابين، بعثه السلطان بأموال يستجلب بها من قدر عليه من العرب من أرض هرمز و القطيف‏ (140) لمحبته في العرب، فتوجهت إلى هذا الامير و رأيته عازما على أن يشتو بقالقوط، و حينئذ يسافر إلى بلاد العرب فشاورته في العودة إلى السلطان، فلم يوافق على ذلك! فسافرت في البحر من قالقوط، و ذلك آخر فصل السفر فيه فكنا نسير نصف النهار الأول ثم نرسوا إلى الغد، و لقّينا في طريقنا أربعة أجفان مخزونة فخفنا منها ثم لم يعرضوا لنا بشرّ! و وصلنا إلى مدينة هنّور (141) فنزلت إلى السلطان و سلمت عليه فأنزلني بدار، و لم يكن لي خديم و طلب مني أن أصلّي معه الصلوات، فكان أكثر جلوسي في مسجده، و كنت أختم القرآن كلّ يوم، ثم كنت أختم مرتين في اليوم، ابتدي القراءة بعد صلاة الصبح فاختم عند الزوال و أجدد الوضوء و أبتدى‏ء القراءة فأختم الختمة الثانية عند الغروب، و لم أزل كذلك مدة ثلاثة أشهر و اعتكفت منها أربعين‏ (142) يوما.

____________

(138) هذا من المواقف الغير المعتادة في حياة و سلوك ابن بطوطة، فقد عوّدنا على عدم التردد في اتخاذ القرار، و على الأخذ بالأحوط في الموضوع، و هكذا فقد كان عليه أن يبلغ الحقيقة في الوقت المناسب للسلطان الذي وضع فيه ثقته، و ليكن ما يكون!!

(139) البرد دراية أصل العبارة(PARDE -DAR) الحاجب السلطاني‏III 280.

(140) يلاحظ أن ابن بطوطة لم يضبط القطيف على نحو ما عند ياقوت في معجم البلدان بفتح القاف و قد مرّ بنا أنه ضبطها(II ,247) بضم القاف ...

(141) كان على ابن بطوطة أن يصل- في اتجاه الشمال- إلى هونفر(Honavar) حوالي أواسط شهر أبريل 1342- ذي القعدة 742 حتى يبلغ مجموع أيام مقامه لدى هذا السلطان أحد عشر شهرا على ما يذكره جمال الدّين محمد بن حسن- انظر التعليق (86).

(142) ملازمة المسجد و الاعتكاف في مثل هذه الظروف يترجم عن الوضع الدقيق الذي وجد ابن بطوطة نفسه فيه بعد مصرع رفاقه في السفارة و بعد تفريطه في الهدايا الملكية، و بعد أن نصحه الحاجب أن لا يعود لدهلي!، و هكذا أخذنا نسمع عن انقطاعه بل و عن التغير الشامل لمسلكه في الحياة ... بعد أن لفّته الحيرة و لم يعد يدري ما ذا سيكون غده؟!

52

ذكر توجهنا إلى الغزو و فتح سندابور

و كان السلطان جمال الدين قد جهز اثنين و خمسين مركبا سفرية برسم غزو سندابور، و كان وقع بين سلطانها و ولده خلاف، فكتب ولده إلى السلطان جمال الدين أن يتوجه لفتح سندابور و يسلم الولد المذكور، و يزوجه السلطان أخته‏ (143)، فلمّا تجهزت المراكب ظهر لي أن أتوجه فيها إلى الجهاد ففتحت المصحف أنظر فيه فكان في أول الصفحة: يذكر فيها اسم الله كثيرا و لينصرن الله من ينصره، فاستبشرت بذلك، و أتى السلطان إلى صلاة العصر، فقلت له: أريد السفر فقال: إذا تكون أميرهم، فأخبرته بما خرج لي في أول المصحف فأعجبه ذلك، و عزم على السفر بنفسه و لم يكن ظهر له ذلك قبل، فركب مركبا منها و أنا معه، و ذلك في يوم السبت فوصلنا عشيّ الاثنين إلى سندابور، و دخلنا خورها فوجدنا أهلها مستعدّين للحرب و قد نصبوا المجانيق، فبتنا عليها تلك الليلة.

فلما أصبح ضربت الطبول و الانفار و الأبواق و زحفت المراكب، و رموا عليها بالمجانيق، فلقد رأيت حجرا أصاب بعض الواقفين بمقربة من السلطان، و رمى اهل المراكب أنفسهم في الماء و بأيديهم الترسة و السيوف، و نزل السلطان إلى العكيرى، و هو شبه الشلّير (144)، و رميت بنفسي في الماء في جملة الناس، و كان عندنا طريدتان مفتوحتي المواخر، فيها الخيل، و هي بحيث يركب الفارس فرسه في جوفها و يتدرّع و يخرج ففعلوا ذلك، و أذن الله في فتحها و أنزل النصر على المسلمين، فدخلنا بالسيف و دخل معظم الكفار في قصر سلطانهم، فرمينا النار فيه فخرجوا و قبضنا عليهم، ثم إن السلطان أمّنهم ورد لهم نساءهم و أولادهم و كانوا نحو عشرة آلاف و أسكنهم بربض المدينة و سكن السلطان القصر و أعطى الديار بمقربة منه لأهل دولته، و أعطاني جارية منهن تسمى لمكي فسميتها مباركة (145)، و أراد زوجها فداءها فأبيت! و كساني فرجية مصرية وجدت في خزائن الكافر، و أقمت عنده بسندابور من يوم فتحها و هو الثالث عشر لجمادى الأولى إلى منتصف شعبان‏ (146)، و طلبت منه الإذن في السفر، فأخذ عليّ العهد في العودة إليه!

____________

(143) حول سندابور حيث توجد جزيرة (گوا) راجع التعليق السابق رقم 79 ... يظهر أن خلافا شبّ بين حاكم الجزيرة و بين ولده أدّى إلى استنجاد هذا الأخير بالسلطان جمال الدين ضدّ والده، تلقاء أن يسلم الأمير الولد، و أن يتزوج بنت السلطان المسلم- الآية: (و لينصرن الله من ينصره) السورة 22/ الآية 40.

(144) يذكر دوزي في معجمه أن العكيرى نوع من السفن الشراعية الكبرى، و يذكر الشلّير على أنه نوع من الفلك ...

(145) سمّاها كذلك طلبا للفأل الحسن سيما و نحن نعرف عن وضعه الحرج بعد كل الذي تعرض له من محن و فتن ...

(146) يعني منذ 15 أكتوبر 1342 إلى منتصف يناير 1343.