رحلة ابن خلدون‏

- عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون المزيد...
560 /
3

[مقدمات التحقيق‏]

رحلة ابن خلدون 1352- 1401 عارضها بأصولها و علق حواشيها محمّد بن تاويت الطنجي حرّرها و قدّم لها: نوري الجرّاح‏

4

يشرف على هذه السلسلة:

نوري الجرّاح‏

5

[مقدمة السويدي‏]

«... و أخبرني القاضي برهان الدين أن تيمور لنك سأله عنّي، و هل سافرت مع عساكر مصر أو أقمت بالمدينة، فأخبره بمقامي بالمدرسة حيث كنت، و بتنا تلك الليلة على أهبة الخروج إليه، فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، و أذكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول، و بلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت البادرة على نفسي، و بكرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب، و طلبت الخروج أو التدلي من السوّر، لما حدث عندي من توهمات ذلك الخبر، فأبوا عليّ أولا، ثم أصخوا لي، و دلّوني من السور، فوجدت بطانته عند الباب، و نائبه الذي عيّنه للولاية على دمشق، و اسمه شاه ملك، من بني جفطاي أهل عصابته، فحيّيتهم و حيّوني، و فديت و فدّوني، و قدّم لي شاه ملك، مركوبا، و بعث معي من بطانة السلّطان من أوصلني إليه.»

نص الرحلة ص‏

«و لما قرب سفر تيمور لنك و اعتزم علم الرحيل عن الشام، دخلت عليه ذات يوم، فلما قضينا المعتاد، التفت إليّ و قال: عندك بغلة هنا؟ قلت نعم، قال حسنة؟ قلت نعم، قال و تبيعها؟ فأنا أشتريها منك، فقلت: أيدك الله! مثلي لا يبيع من مثلك، أنّما أنا ءخدمك بها، و بأمثالها لو كانت لي، فقال: أنا أردت أن أكافئك عنها بالإحسان، فقلت: و هل بقي إحسان وراء ما أحسنت به، اصطنعتني، و أحللتني من مجلسك محلّ خواصتك، و قابلتني من الكرامة و الخير بما أرجو الله أن يقابلك بمثله، و سكت و سكت و حملت البغلة- و أنا معه في المجلس- إليه، و لم أرها بعد.».

نص الرحلة ص‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

استهلال‏

تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب و رحّالة عرب و مسلمين جابوا العالم و دوّنوا يوميّاتهم و انطباعاتهم، و نقلوا صورا لما شاهدوه و خبروه في أقاليمه، قريبة و بعيدة، لاسيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، و محاولة التعرّف على المجتمعات و النّاس في الغرب، و الواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق و المستشرقين الذين ملؤوا دروب الشّرق، و رسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية و الفرنسية و الألمانية و الإيطالية، و ذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم و العلم، و من منطلق المستأثر بالأشياء، و المتهيّئ لترويج صور عن «شرق ألف ليلة و ليلة» تغذّي أذهان الغربيين و مخيّلاتهم، و تمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري و العسكري لهذا الشرق. و لعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية و الفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك.

فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي‏

8

لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري و الفكري.

على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر و تأويله، كانت دافعا و محرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، و هو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع و الأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا و استكشافا، و تعود و معها ما تنقله و تعرضه و تقوله في حضارته و نمط عيشه و أوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، و لينبعث في المجتمعات العربية، و للمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له و متحمّس لأفكاره و صياغاته، و بين معاد للغرب، رافض له، و مستعدّ لمقاتلته.

و إذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق و الشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري و الأيروسيّ و العجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب و العالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسلة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة و الصناعيّة، و تطوّر العمران، و مظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش و البناء و الاجتماع و الحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، و بالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، و إنما، أساسا، من باب طلب العلم، و استلهام التجارب، و محاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، و اقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها.

هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب و حضارته، و هي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة و حداثتها من‏

9

موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، و التّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.

إن أحد أهداف هذه السّلسلة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، و الأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، و الانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول و الناس و الأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، و مخزنا للقصص و الظواهر و الأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها.

أخيرا، لابد من الإشارة إلى أن هذه السّلسلة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، و للمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، و استعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، و هي إلى هذا و ذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض و في قارّاته الخمس، و تجمع إلى نشدان معرفة الآخر و عالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب و المسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء و المفكرون و المتصوفة و الحجاج و العلماء، و غيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية و الإسلامية.

محمد أحمد خليفة السويدي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدّمة

لم ينل كاتب في العربيّة ما ناله ابن خلدون من مكانة و شهرة، و لم يحظ عالم في التاريخ و الاجتماع بما حظي به هذا العلامة من قراءة و بحث و جدال حول أعماله، لا سيّما مقدمته التي تجمع حركة الفكر العربيّ على اعتبارها فتحا فكريا و أساسا متقدما لعلم الاجتماع.

لكن هذا الكتاب لابن خلدون، و هو عمل قائم في ذاته، بالشكل الذي أراده له واضعه، ظلّ طوال الوقت ملحقا بكتاب «العبر»، و متواريا في ظلّه المديد، و لم تتبلور صورته كتابا مستقلا إلا بجهود العالم المغربي محمد ابن تاويت الطنجي المتوفى سنة 1963، و الذي صرف نحوا من عشر سنوات في تحقيقه و مقابلة مخطوطاته العديدة مع المصادر و المظانّ المعاصرة له و السابقة عليه، بما في ذلك تعليق هوامشه التي يمكن أن نعدّها، من دون مبالغة، السّراج الذي أنار جوانب العمل، و كشف غوامضه، و ربطه بالمحيط الثقافيّ لعصره و بالأصول المعرفية التي خرج منها ابن خلدون بفكره البصير.

ذكره المستشرق كارل بروكلمان في كتابه «تاريخ الأدب العربي» بصفته ترجمة ذاتية» Autobiographie «و جزءا من كتاب «العبر». و اختلط عليه الأمر، عندما ذكر الكتاب في مكان آخر معتبرا أنه لمؤلّف مجهول.

و لئن كان جزء من الكتاب بمثابة ترجمة شخصيّة، فإن الجزء الأكبر منه‏

12

عبارة عن رسائل، و يوميات صاحب «المقدمة» خلال أسفاره و رحلاته المتكررة ما بين المغرب و الأندلس، و رحلته إلى المشرق العربي، نحو مصر أولا، فالجزيرة العربية لقضاء فريضة الحج، ثم الحج إلى بيت المقدس، و أخيرا رحلته المثيرة إلى دمشق أثناء غزو التتار للمدينة سنة 803 ه 1400. و بالتالي فهو «تعريف»- سيرة ذاتية، و كتاب «رحلة» معا. ظل صاحبه يضيف إليه و يبدّل في نسخه حتى أواخر أيام حياته. و من هنا، من كثرة الإضافة إلى النّسخ، فضلا عن ارتباط الكتاب بكتاب آخر، تسبب ابن خلدون لقرائه بتلك الحيرة من أمر الكتاب و هويّته المستقلّة.

و يتضمّن الكتاب أيضا، أخبار تولّيه المناصب و عزله عنها في المشرق العربي، و ما لعبه من أدوار في السياسة و القضاء، و ما تضلّع به من أدوار في الوساطة بين سلاطين المشرق و سلاطين المغرب، و بين أهل دمشق و تيمورلنك لأيام قبل وقوعها في قبضة التتار.

هناك من يصنف هذه الرحلة في عداد الرحلات الفهرسية التي يتوخى أصحابها من الترحال التعريف بالأعلام من علماء و شيوخ و سلاطين و رجالات دولة، و من بين هؤلاء الحسن الشاهدي في كتابه «ادب الرحلة بالمغرب في العصر المريني» المطبوع في الرباط سنة 1990. و لا نتفق مع هذا الرأي، فالرحلة تشمل ما هو أبعد من ذلك، و يجوز أن ينطبق هذا التوصيف على مستوى منها، خصوصا في القسم الأول الذي ضم مادونه ابن خلدون عن جولاته و أسفاره في المغرب، و بين المغرب و الأندلس.

II

فرغ ابن تاويت الطنجي من كتابة مقدّمة هذا الكتاب في 6 رجب سنة 1370 ه- 12 أبريل سنة 1951 م في القاهرة، و هي سنة طبع الكتاب، ليقدّم للقارى‏ء العربي المفتاح الأول لمعرفة شخصية ابن خلدون. و ها هو يخرج الكتاب، و للمرة الأولى، كما أراده مؤلّفه أن يكون: كتابا مستقلا. و رغم أن أجزاء أساسية من هذا الأثر نشرت في القاهرة مرتين، سنة 1864، و سنة 1906، إلا أن عمل ابن تاويت كان من الدقّة العلميّة و الإشراق الفكري، بحيث أعاد بناء الكتاب بناء جديدا، استدرك معه كلّ التغييرات و الإضافات و الشّروح و الملاحظات التي دوّنها ابن خلدون، على مدار

13

سنوات، و وزّعها على النّسخ المختلفة للكتاب، و هي كثيرة، فاختلفت باختلافها، و تعدّدت بتعدّدها، و كلّها تقع في باب استدراك العالم القلق فكره، و المفكّر النّاقد، الذي لا يستثني من ممارسته النقدية، مراجعة نظرته الخاصّة و أحكامه و آراءه. ليأتي ابن تاويت فيمرّ عليها كلّها (النسخ و اختلافاتها) مرور عالم متأنّ، و باحث يتطلع إلى الأكمل، فلا يرضى، بدوره، عن عمله حتى يراه أقرب في صياغته الأخيرة، من الصورة التي ربّما طمح إليها ابن خلدون. لقد فحص ابن تاويت الاختلافات في النّسخ المختلفة من مخطوطات الكتاب فحصا دقيقا، فثبّتها في مواضعها من نسخة أخيرة أراد لها أن تكون المرجع الجامع الذي لا جدال في اشتماله على كلّ ما نثره ابن خلدون هنا و هناك من جديد و مختلف في النّسخ التي نسخها بنفسه أو تلك التي أشرف على نسخها لتكون لهذا السلطان، أو ذاك الأمير، أو هذا العالم، ليخلص، من ثمّ المحقّق الفذّ إلى النسخة التي بين أيدينا من الكتاب.

و يهمنا أن نشير، هنا، إلى أن ما وقف عليه ابن تاويت من اختلاف في النّسخ المتعدّدة للعمل ليس مصدره اختلاف الأشخاص المرسلة إليهم النّسخ و حسب، و إنما أيضا، التطوّر الذي طرأ على فكر ابن خلدون و اتّساع آفاق ثقافته و نضج تأملاته مع تقدّم الزّمن، فكانت (الإضافات- الاستدراكات) مع كلّ نسخة جديدة تحمل رؤى و أفكارا جديدة، و إعادة نظر في المسائل تكشف عن وعي متجدّد و فكر خلّاق.

III

من المؤسف أنّنا لا نملك ترجمة وافية لمحقّق هذا الكتاب، و حسب عبد الله الجراري في كتابه «التأليف و نهضته بالمغرب في القرن العشرين، من 1900 إلى 1972»، كانت نشأة محمد بن تاويت الطنجي في بلده طنجة نشأة علمية. و في الأربعينات شدّ رحاله نحو الشرق، فوصل إلى القاهرة على سبيل تحقيق بعض الكتب. و هناك عقد صلات وثيقة مع طه حسين و أحمد أمين و أمين الخولي و غيرهم من كبار المفكّرين و الكتاب المصريين. و تمكّن من إقامة صلات مهمّة بالأوساط العلميّة، و لقي اعترافا بعلمه وسعة ثقافته، و لم يلبث أن حاز تقدير الحياة الثقافيّة العربيّة في مصر لما قام به من جهود في تحقيق بعض المخطوطات العربيّة القديمة،

14

و بينها هذا الكتاب، و لما تمّ نشره من كتب تحت إشرافه.

و قد شارك ابن تاويت في نشاط معهد المخطوطات العربيّة التابع لجامعة الدول العربية و كان أول من فهرس محتويات المعهد من المخطوطات.

في أواسط الخمسينات اختارته جامعة أنقرة أستاذا بها لخبرته النادرة بالتّراث العربي المخطوط، فانتقل الطنجي إلى تركيا، حيث عمل أستاذا في المعهد الإسلامي في استانبول. و هناك قام بتحقيق «جذوة المقتبس» لأبي عبد الله الحميدي (ت.

884 ه. 1095 م) و الجذوة، كما ينبّه الجراري، عبارة عن تراث أندلسي احتوى مجموعة مهملة من تراجم رجالات الفردوس تقع في عشرة أجزاء حديثة. و يرجّح المصدر نفسه أن يكون من أكبر الحوافز على البحوث القيّمة التي قدّمها الطنجي وجوده بين مجلّدات مكتبات استانبول يجول بين الدفاتر و الأوراق و الخروم كمنقّب يغوص في مختلف الأبحاث، و هو ما زاد في علمه و تطلّعه للبحث أكثر فأكثر في كنوز التراث.

من آثاره العلميّة أيضا إلى جانب تحقيق «رحلة ابن خلدون» الذي نظنّ أن عمله عليه بدأ في طنجة، ثم انتقل معه إلى مصر، و تركيا، و أتمّه في القاهرة، حيث كتب له المقدّمة، تحقيق «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت حوالي 311 ه 926 م)، و قد قام بالاشتراك مع العلامة علال الفاسي بتحرير و تقويم نصّ «مختصر العين» لأبي بكر بن الحسن الزبيدي (ت 379 ه 998)، و التعليق على حواشيه و التقديم له. و تحقيق و تقديم كتاب «الإعلام بحدود قواعد الإسلام» لأبي الفضل عياض اليحصبي السبتي (ت. 544 ه 1149 م). و يحسب له، في إطار نشاطه العلمي، عنايته بالجزء الأول من كتاب القاضي عياض «ترتيب المدارك، و تقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك» و قد عارضه بأصوله و علّق حواشيه و قدّم له، و لم يظهر هذا العمل إلى النور إلا بعد وفاته.

و لعلّ من بين أسباب سفر ابن تاويت إلى المشرق، في ما يشبه الانخلاع من المغرب، و إقامته في مصر و تركيا، شعورا بالإحباط لا نعرف مصدره، لكنّ إشارة وردت في ترجمة الجراري له تجعلنا نستنتج ذلك: «... و قد يكون هذا (أي سفره) لأنه لم يجد بغيته الثقافيّة تتحقّق ببلده المغرب. و للبحر متسع من الأرض».

15

و لا يختلف ابن تاويت في إيثاره الهجرة إلى المشرق على البقاء في المغرب عن ابن خلدون نفسه الذي اكتشف أن الإقامة بالمغرب باتت مستحيلة بسبب القلاقل السياسية، و في عام 784 ه 1382 تعلل بالحج و غادر المغرب إلى غير رجعه.

و إن كان ابن خلدون قد صرف السنوات الأخيرة من عمره في القاهرة متقلبا في المناصب الفقهية و السياسية، قبل أن ينقطع نهائيا إلى الفيوم و يتوفى هناك سنة 808 ه 1405، فإن ابن تاويت أمضى سنواته الأخيرة عالما منقطعا إلى العلم في استانبول حيث توفي و دفن هناك.

IV

ينبّهنا ابن تاويت إلى مسألة بالغة الأهمية، و لعلّها أن تكون من بين دوافع صاحب «المقدمة» لكتابة التعريف بنفسه، مفادها أن «رأي ابن خلدون في نفسه، و رأي معاصريه فيه، بمصر بوجه خاص، لا يكادان يلتقيان». و لا يتوقف ابن تاويت عند هذه المسألة فيتوسّع فيها، لكنّه يكتفي بالإشارة. إنما يمكن للقارى‏ء أن يفيد من ملاحظات المحقّق في هوامش الكتاب بصدد بعض الحوادث و المواقف التي عرضت لابن خلدون، فذكرها على نحو، و أوردها غيره من المؤرخين المعاصرين له على نحو مختلف.

V

المتتبّع لمسار رحلة ابن خلدون يكتشف أنها تنقسم، بالضرورة إلى قسمين كبيرين، الأول: رحلاته في بلاد المغرب (تونس، الجزائر، الأندلس، المغرب الأقصى)، و الثاني: رحلته المشرقية. ففي أول سنة 753 ه كان انطلاقه من تونس وصولا إلى مدن و أماكن شتى في الجزائر، فزار بلاد هوارة، أوبّة، تبسّة، قفصة، بسكرة، البطحاء، بجاية. ثم نحو الأندلس عبر سبتة، فرضة المجاز، جبل الفتح، فغرناطة، و إشبيلية، و إلبيرة، ساحل المرية، حيث كان هناك في منتصف سنة 766.

ثم العودة عبر الطريق نفسها، مرورا ببجاية، أحياء يعقوب بن علي. ليرتحل إلى بسكرة ثانية، ثم نراه يتجول بين القطفا، المسيلة، الزّاب، البطحاء، هنين، وصولا

16

إلى تلمسان التي كانت حاضرة علمية بارزة. و سوف يتكرّر مرات عديدة ظهور ابن خلدون في المدن و الأماكن المذكورة آنفا، لا سيّما بسكرة (على تخوم الصحراء الجزائرية)، و كذلك تلمسان، إلى أن يعود إلى المغرب الأقصى سنة 774 صارفا نحو سبع سنوات في ذلك الشطر من بلاد المغرب في حركة نشطة، تارة لنيل العلم على أيدي كبار علماء عصره، و الخطابة و التدريس، و أخرى في مناصب علميّة و وساطات شبه رسميّة، في فترات من حكم المرينيين شهدت دسائس و صراعات لم يكن ابن خلدون بعيدا عنها، و كاد أحيانا أن يكون ضحيّة لها، لا سيّما في عهد أبي عنان في فاس الذي ناداه ليلتحق بمجلسه العلمي بعدما ذاع صيته في تونس خلال فترة انضمامه إلى حضرة أبي الحسن المريني الذي جمع العلماء من حوله في مجلس معتبر. و معروف أنّ نهاية فترة أبي عنان، و هو السلطان نفسه الذي رعى ابن بطوطة، شهدت ظهور عدد من المتنازعين على السلطة، و هي فترة قضاها ابن خلدون معتقلا في السجن بسبب انخراطه في اللّعبة السياسيّة، بكل ما كان يميّزها من مكائد و دسائس و مؤامرات شارك المؤرّخ في بعضها لصالح أبي سالم المريني صاحب بجاية الذي ثار على السلطان أبي عنان يحاول الاستقلال ببلده، لكنّه لم يستقلّ بها إلا بعد وفاة أبي عنان، فدخلها و في ركابه ابن خلدون الذي أفرج عنه سنة 760 ه.

VI

و بالعودة إلى الشطر المغربي من رحلة ابن خلدون نراه يغادر بسكرة يوم المولد النبوي، سنة 774 متجها نحو مليانة، و من هناك يقصد فاس، و يتنقّل بينها و بين آسفي على البحر الأطلسي، قبل أن يقوم برحلة أخرى إلى الأندلس، يعود بعدها إلى تلمسان، فالبطحاء، فمنداس، فقسنطينة (في الجزائر). و عند هذا الحدّ من جولاته المغربية، نجده يصل تونس، ثم يعبر إلى تبسّة الجزائرية، و تكون تونس مرة أخرى آخر محطة له قبل شروعه في رحلته نحو المشرق.

VII

وصل ابن خلدون إلى مرسى الإسكندرية يوم عيد الفطر من سنة 784، و حلّ في‏

17

القاهرة في أول ذي القعدة من السّنة نفسها. و في منتصف رمضان سنة 789 غادر مرسى الطور، على الجانب الشرقي من بحر السويس متّجها إلى الديار المقدّسة لقضاء فريضة الحجّ، عبر ميناء ينبع، و في ثاني ذي الحجة وصل إلى مكّة، فقضى فريضة الحج، و عاد إلى مصر عبر ينبع الميناء، و مرّ بساحل القصير، و مدينة قوص (قاعدة الصّعيد). و وصل إلى القاهرة في شهر جمادى الأولى من سنة 790 ه. و في سنة 802 سافر إلى بلاد الشام حاجا إلى بيت المقدس. و لعلّه لم يكن ليخطر في باله أن يعود مرّة أخرى إلى هذه البلاد بالطّريقة التي تمّت بها. ففي سنة 803 شدّ الرّحال إلى الشام في ركاب الجيش المتهيّئ للمدافعة عنها في وجه تيمور لنك و جيشه.

فوصل إلى غزّة و منها إلى دمشق.

و بعد فترة عصيبة قضاها في دمشق، عاد إلى مصر عبر غزّة فوصلها في شعبان من سنة 803 ه، بعد أن شهد حادثا تاريخيا دراماتيكيا سيكون له أبلغ الأثر على المشرق العربي برمّته، ألا و هو سقوط دمشق في يد التّتار و احتلالها و التنكيل بأهلها كما سنعرض لاحقا.

و الواقع أن سيرة ابن خلدون في المشرق العربي، كما يتّضح في هذا الكتاب، تنطوي على شي‏ء غير قليل من الالتباس في بعض جوانبها، و لا يطمح تحقيق ابن تاويت لهذا الكتاب إلى رفع الالتباس عن هذه السّيرة، بمقدار ما يحاول أن يكون أمينا لرواية ابن خلدون لسيرته الذاتية، و دقيقا ما استطاع في تخريج يوميّات رحلته بين مغرب العالم الإسلامي و مشرقه.

على أن الفرق و الاختلاف بين رواية ابن خلدون و روايات آخرين للوقائع نفسها، إنما نجد نموذجا له في واقعة لقاء ابن خلدون بتيمور لنك. فالمؤرّخ الذي وصل إلى دمشق الشام سنة 803 قادما من مصر في صحبة السلطان الملك الناصر فرج في عهد الخليفة العباسي المتوكّل على الله، كان و سلطانه يسابقان التّتار إليها، و حين دخلها السلطان ضرب خيامه و أبنيته بساحة قبّة يلبغا. و حسب رواية ابن خلدون فقد يئس تيمور لنك من اقتحام المدينة، و ظلّ الطّرفان في حالة استعداد و ترقّب و رصد أكثر من شهر. تجاول العسكران خلالها ثلاث مرات أو أربع، من دون أن تكون الغلبة لطرف، لكنّ خبرا جاء من مصر عن وقوع فتنة هناك جعل الملك النّاصر ينسحب من المدينة

18

بعسكره، و يسارع إلى مصر للحفاظ على ملكه، تاركا دمشق تحت الحصار.

و إذا كانت واقعة سقوط هذه المدينة العظيمة تحت سيوف التّتار هي واحدة من الوقائع الأكثر شؤما في تاريخها، لما شهدته خلال ذلك من فظائع تقشعرّ لها الأبدان، فإنّ هذه المصادفة ستشكّل علامة فارقة في حياة ابن خلدون. و لعلّ هذا العلامة الكبير ما كان ليخطر في باله يوما أن يلعب دور الوسيط بين المدينة و تيمور لنك الذي نصب خيمته تحت أسوارها و ضرب الحصار عليها، فدافعت المدينة عن نفسها متّحدة إلى أن بدأت بوادر الفرقة تدبّ بسبب خلاف بين القلعة المدافعة عنها و بعض القضاة الذين يئسوا من إمكان استمرار المدينة في الصمود، إثر انسحاب السلطان الناصر فرج منها، و خافوا على أنفسهم و على رعاياهم من مذبحة لا تبقي أحدا في دمشق، فآثروا تسليم المدينة. لكنّ أهل القلعة رفضوا الاستسلام لتيمور لنك و عساكره و قرّروا مواصلة الدفاع.

هنا يبرز دور ابن خلدون الذي طلب من القضاة الذين اجتمعوا في مدرسة العادلية، و شكّلوا بحضوره و فدا للقاء تيمور، و بحث صيغة الاستسلام، أن يساعدوه على الخروج معهم. و بالفعل، فإنّ ابن خلدون سيتدلّى من السور و يخرج من المدينة المحاصرة بعد عودة الوفد من اللقاء الأول له مع تيمور. رأس الوفد القاضي برهان الدين بن إبراهيم بن محمد بن مفلح، و كان يجيد إلى جانب اللغة العربية، اللغتين التركية و الفارسية.

يذكر ابن خلدون في يوميّاته عن هذه المحنة أنه خلال اللقاء الذي دار بين القضاة الدمشقيين و تيمور سأل الأخير عن ابن خلدون بالاسم، و ما إذا كان فرّ مع الفارّين إلى القاهرة أم بقي في المدينة؟ فقيل له: لا، لم يخرج، و هو موجود في المدرسة العادليّة حيث يقيم. و يذكر ابن خلدون أن تيمور أحسن لقاء الوفد، و كتب له الرّقاع بالأمان، وردّ أعضاءه إلى المدينة بوعود و آمال عراض، إذا ما أمكنهم إقناع المدافعين بالكفّ عن الأعمال الحربيّة و فتح الأبواب لجيشه.

في تلك الليلة بات ابن خلدون على أهبة الخروج للقاء تيمور لنك، و لما علم المدافعون عن المدينة بأخبار الوفد و المفاوضات دارت سجالات واسعة بين الدّاعين إلى الصّمود و القتال، و بين القائلين بالاستسلام. و وقعت شجارات يذكر المؤرخ أحدها

19

بقوله: «فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع، و أنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول (أي الاطمئنان إلى وعود التتار)». و هنا يعبّر ابن خلدون عن خشيته على نفسه من أذى الرافضين الاستسلام. و على الأرجح أن المؤرخ لم ينم تلك الليلة، و في الفجر سيكون عند السور. يقول: «... و بكّرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب، و طلبت الخروج أو التدلّي من السور، لما حدث عندي من توهّمات ذلك الخبر، فأبوا عليّ أولا، ثم أصحوا، و دلّوني من السّور، فوجدت بطانته يقصد تيمور- عند الباب، و نائبه الذي عيّنه للولاية على دمشق». و كان هذا التتاريّ يدعى شاه ملك، يصف ابن خلدون لقاءه به على النحو التالي: «فحيّيتهم و حيّوني، و فدّيت و فدّوني، و قدّم لي شاه ملك، مركوبا، و بعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه.». ثم أنزل ابن خلدون في خيمة مجاورة لخيمة تيمور لنك، إلى أن أذن له بالدخول. فسأله عن سبب وجوده في المشرق، فأجابه: فرض الحج. ثم سأله عن ظروف تولّيه القضاء المالكي في مصر، فأجابه عن سؤاله، و عند ما سأله عن ابنه، و عرف منه أنه كاتب للملك الأعظم في المغرب الجواني، إذ ذاك سأله تيمور عن المغرب، و عن موقع طنجة و سبتة و فاس و سجلماسة، فحدّدها له. لكن تيمور عاد فطلب منه أن يضع كتابا حول بلاد المغرب يحدّد له فيه أقاصيها و أدانيها و جبالها و أنهارها و قراها و أمصارها حتّى كأنه يشاهدها، فكتب له مختصرا في جغرافية المغرب يقع في 12 من الكراريس، كما قال. و صار يدخل عليه، حتى بعد أن اجتاح تيمور المدينة.

أما موضع الخلاف في الرّواية فهو ما كان من طلب ابن خلدون السفر إلى مصر.

يقول العلامة في متن رحلته:

«ثم دخلت عليه يوما آخر فقال لي: أتسافر إلى مصر؟ فقلت أيّدك الله، رغبتي إنما هي أنت، و أنت قد آويت و كفلت، فإن كان السّفر إلى مصر في خدمتك فنعم، و إلا فلا بغية لي فيه، فقال لا، بل تسافر إلى عيالك و أهلك».

و يقابل ابن تاويت هذا المفصل من رواية ابن خلدون برواية من تاريخ ابن شهبة الذي أوردها على النحو التالي: قال تيمور لابن خلدون: «تهيأ حتى تذهب معي إلى بلادي، فقال له: في مصر من يحبني و أحبه، و لا بدّ لك من قصد مصر في‏

20

هذه المرّة أو في غيرها، و أنا أذهب و أهيئ أمري، و أذهب في خدمتك، فأذن له في الذّهاب إلى مصر، و أن يستصحب معه من شاء.».

أيّ الروايتين هي الأصح؟

بصرف النظر عن الجواب فإنّ الفصل المتعلّق بلقاء تيمور لنك يعتبر وثيقة تاريخيّة مهمّة، يمكن قراءتها في مستويات عدّة، ففي جانب من النصّ تتجلّى لغة ابن خلدون الموضوعيّة الخالية من أي مبالغة، و البعيدة عن الحماسة؛ لغة تقرير و رصد و إخبار. و على رغم أنها أقرب إلى سرديّات أدب الرحلة منها إلى الدرس و التحليل العلمي الذي طبع آثار ابن خلدون كعالم اجتماع و مؤرخ، فإنّ ما يسرده في رحلته عن هذا اللقاء يترك المجال واسعا، و بحرّية كبيرة، أمام التكهّن و التحليل و القراءة المعاصرة. فهو لم يصمت عمّا وسم شخصه من خضوع خلال اللقاء، و لا هو سكت عن محاولته استمالة تيمور لنك عن طريق الخطاب و الهديّة. ففي خطابه زيغ و مواربة و تدليس و استعمال للخرافة لم يعهد عنه في كتاباته أو في نظرته إلى الأشياء، لا سيّما عند ما يمثّل ابن خلدون الشوق للقاء من كتبت له الأقدار أن يلتقي به، على حدّ تعبيره. أما الهديّة: المصحف، و السجّادة و القصيدة و علب الحلوى التي أهداها لتيمور، فهي توحي بما هو أكثر من تصرّف الخائف من طاغية، و بما قد يعتبر تحيّة و ترحابا. إنها في تلك اللحظة العصيبة بالنّسبة إلى مدينة محاصرة فعلة غريبة شيئا ما من عالم هو قاض و فقيه و مؤرّخ له مكانته في ديار الإسلام، لا سيّما بإزاء ما قام به، و ما كان يتوقّع أن يقوم به سفّاح يطوّق مدينة و يتأهّب للانقضاض عليها كتيمور لنك.

هنا في هذا النصّ القيّم، في ما يعكسه من أحوال شخصيّة لعالم كبير، في برهة غير شخصيّة أبدا، و ما يحمله من دلالات استثنائيّة في حركة الكاتب و المثقّف باتجاه الغازي العدوّ، يمكننا أن نقف على نموذج في سلوك المثقّف، لا نغامر في إطلاق توصيف جازم في رخاوته، لكنّنا ندعو، أقلّه، إلى التأمّل فيه، في سياق الضرورة القائلة بأهمية إعادة النظر و البحث في جذور الأشياء لفهم ظواهر حديثة تتعلّق بموقف المثقّف من الطاغية أكان أهليا أم غريما خارجيا و عدوا غازيا له سمعة كتلك التي أسبغتها على تيمور لنك أعماله الوحشيّة بحقّ الإنسان و المدنيّة في التّاريخ.

21

إنّ ما يضاعف من قوة المفارقة في سلوك ابن خلدون خلال ذلك اللقاء التاريخي في دمشق، أنه عالم مستنير رصد البعد المتحضّر في سلوك الناس و المجتمعات!

لكن هل يجوز محاكمة مواضعات الماضي بلغة الحاضر؟ على الأرجح لا. و ما رحلة ابن خلدون و يوميّاته التي هي بمثابة ترجمة ذاتية و مذكّرات حافلة بالأحداث و الوثائق و الإشارات المتعلّقة بعالم كبير، غير شهادة على عصر سادته الحروب و هيمنت عليه أعمال الطّغاة بصفتها فتوحات؛ و أعمالا مشروعة لأقوياء يغيّرون مجرى التّاريخ. و قد يأسرون ضيوفهم الأسرى بخصالهم العجيبة و شخصيّاتهم المتألّهة، فيصبحون ملك أيديهم!

VIII

بذل محمد بن تاويت الطنجي جهودا غير عاديّة في تحقيق هذا الكتاب وفق منهج صارم ألزم نفسه به. و هو كما أوضح في شرحه لمنهجه: «كان البحث عن أصول الكتاب المخطوطة، وصلتها بالمؤلف من أولى خطوات تحقيق هذا المنهج، و الذي أقصده بهذه الصّلة، أن تكون النسخة مخطوطة المؤلف، أو مقروءة عليه تحمل دليلا على هذه القراءة، أو مكتوبة عن نسخته مباشرة أو بواسطة معارضة عليها إلخ ...».

استطاع المحقق خلال عمله في فهرسة المخطوطات بين القاهرة و استنبول العثور على مخطوطتين للرحلة، يقول: «أخطأت عين الزمان- و هو الحديد البصر- نسختين من هذا الكتاب، كلتاهما كانت نسخة المؤلف، و حفظت المكتبات المختلفة نسخا عديدة منه و مختلفة، و بفضل ذلك استطعت أن أخرج الكتاب.».

إحدى النّسخ الكاملة التي اعتمد ابن تاويت عليها في تحقيق الرّحلة أرشده إليها البروفيسور التركي المقيم اليوم في ألمانيا فؤاد سيزكين، و يصفه ب «تلميذ نجيب»، و يشكره على ما أسدى إليه من خدمة بإرشاده إلى هذه النسخة بقوله: «لا أحب أن أنسى أن الفضل في الالتفات إلى هذه النسخة يعود إلى الصديق الكريم العالم التركي الشاب فؤاد سزكين، فله خالص شكري.». و يرجّح ابن تاويت «أن أحدا لم يعرف أنّها النّسخة الكاملة من هذا الكتاب ..». و يجدر هنا أن نذكر أن سيزكين المقيم اليوم في ألمانيا، يعتبر عالما حجّة في الأدب الجغرافي، و له فضل كبير على‏

22

الثقافة العربية بما جمعه و حققه من نصوص جغرافية عربية و أخرى تنتمي إلى أدب الرحلة.

و حول النصّ و أخطاء اللّغة و عمل المحققين و ما يجوز و ما لا يجوز في التحقيق، يطرح ابن تاويت سؤالا أساسيّا مهمّا، و يجيب عنه، هو: «ما الذي يجب أن نفعل إذا مازلّت بالكاتب القدم، فأخطأ، في كتابته، جادة متن اللّغة، أو اشتقاقها، أو أخطأ في الإعراب؟ أ نملك أن نعدّل في النصّ، و نثبته على حسب ما تقرّره القواعد؟ و أين الحصانة التي تتمتع بها نصوص المؤلفين حينذاك؟. و الجواب عندي: نعم نملك ذلك ما دام المؤلف قد اختار أن يكتب باللغة الفصيحة، و تقيّد بقواعدها الصّارمة، و ما دمنا على يقين من أن مخالفته لهذه القواعد لا منفذ في مواطن اختلافها يبيح قبولها أو الإغضاء عنها بوجه.».

و يتساءل المحقق هل إن المؤلف لو كان حيّا و روجع من قبل قارئ بأخطاء و مخالفات في اللغة «كان سيصرّ على خطئه الذي لا يقبل التأويل؟ أم أنّه كان يسارع إلى الاعتذار، ثم إلى إقامة ما كان قد أخطأ فيه؟».

و استنادا إلى جوابه الخاص عن سؤاله عمد المحقق إلى تدقيق اللّغة و تنقيتها من الأخطاء التي لا لبس فيها، في المتن، و أشار إلى الخطأ في الحاشية.

أما في ما يتّصل بالحقائق و الموضوعات و المعلومات التاريخيّة التي تتطرّق إليها الرّحلة، فقد عمد المحقق إلى مقارنتها بالأصول و المصادر التاريخية المعاصرة، و رجع إلى عشرات المؤلفات التاريخية ليفحص دقّة ابن خلدون في تعامله مع حقائق التاريخ التي لا جدال فيها، فاستشار هذه الكتب، و استعان بها «في التنبيه على ما انحرف فيه المؤلف عن الصراط المستقيم».

و قد عارض ابن تاويت نصّ ابن خلدون بأصوله المباشرة، و حدّد هذه الأصول «في مجموعات تنتسب إلى أصول قديمة الصدور عن المؤلف، و متوسطة، و حديثة؛ و غير المباشرة، و هي كتب التراجم و التاريخ و غيرها مما نقل عنها ابن خلدون أو نقلت عنه، أو تناولت ما تناوله من موضوعات».

و في ما يتّصل بضبط الأمكنة بين أسمائها القديمة و أسمائه الحديثة عمل على الخرائط العصريّة، ليحدّد هذه الأماكن، فابن خلدون شأنه في ذلك شأن كل الرّحالة

23

القدامى ذكر أمكنة مرّ بها لم تعد تحمل الأسماء نفسها. فعمد المحقق في مرات عديدة إلى ذكر الاسم العربي للمكان إلى جانب اسمه بالحروف اللاتينيّة، كما يرد في المصوّرات الجغرافيّة، و وضع إزاءه موقع المكان على خطي الطّول و العرض، محدّدا بالدرجات و الدقائق. و قد لجأ المحقّق إلى ذلك رغبة منه في أن يترك أوضح صورة ممكنة للمكان في ذهن القارئ.

و لا يهمل المحقّق أن يشير إلى عجزه مرّات عن تحديد بعض أمكنة الرّحلة، على رغم أن أكثر هذه الأماكن أمكن تحديدها بحيث لم يعد من العسير على قارئ اليوم الاهتداء إليها عن طريق المصوّرات الجغرافيّة العصريّة.

IX

يعتقد ابن تاويت أن الصورة التي رسمها ابن خلدون لنفسه لم ترق لمعاصريه من مشارقة مصر «فصنعوا له صورة تختلف عمّا قاله عن نفسه أشدّ الاختلاف».

انطلاقا من هذا الاكتشاف في الفرق بين الصورتين المكتوبة بقلمه، و تلك التي رسمت له من جانب أهل مصر الذين حلّ ابن خلدون في ظهرانيهم، و تسلّم مناصب عليا لديهم، أخذ المحقّق على عاتقه مهمّة فحص الفرق، معتبرا أن هناك حاجة ملحّة «إلى نوع من العناية خاص، يقصد فيه الوقوف عند مواطن الاختلاف هذه، التي اعتبرت في ما بعد منافذ واسعة تسرّبت منها ألوان من النّقد شملت الكثير من نواحي حياة ابن خلدون، بل كادت- بما اتّسعت- أن تمسّ الثّقة بما يرويه.». و يضيف ابن تاويت: «لذلك عرضت ما يقوله ابن خلدون في هذا الكتاب، على كتب أخرى تناولت الموضوع نفسه بالحديث، و أثبتّ نصّها من غير تصرّف فيه ليؤيّد رواية ابن خلدون أو ينقضها، و بذلك أصبح مصدر الحكم لابن خلدون أو عليه غير بعيد عن متناول النّاقد النّزيه.». و في هذا السياق نشير إلى أغناطيوس كراتشكوفسكي الذي يشكك بالقيمة العلمية لآراء ابن خلدون في الاجتماع، و ضعف ملاحظاته الجغرافية.

و الأرجح أنّ نزاهة المحقق و إنصافه الحقيقة في عمله على هذا النص لقيا كل تقدير من جانب أساتذته و أصدقائه من كبار العلماء و الكتاب في مصر، الذين تحمسوا

24

لمشروعه و لدأبه و إخلاصه العلمي، لا سيما من خصّهم بالشّكر في مقدّمته، و هم طه حسين و أحمد أمين، و أمين الخولي، و هؤلاء العلماء الثّلاثة يعترف لهم ابن تاويت بالفضل في رعاية العمل و إسداء النّصح، و إبداء الملاحظات القيّمة التي عادت بفوائد جمّة على العمل في تحقيق هذه الرّحلة، لتخرج بالصورة التي جاءت عليها.

تجدر الإشارة إلى أننا اعتمدنا في إخراج هذه الطبعة على الطبعة اليتيمة من الكتاب المنشورة سنة 1951 في دار المعارف في القاهرة، و ألحقنا بها ما أورده المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي عن الرّحلة و صاحبها، لما في ذلك من فائدة علميّة تضي‏ء هذا الجانب من آثار ابن خلدون. و حاولنا في تحرير هذه الطبعة تخليصها من كل ما ورد من أخطاء الطبعة الأولى، و هي في غالبيّتها طباعيّة، و حافظنا على الصّيغة التي خلص إليها ابن تاويت، و قد قارنّاها بأصولها كما وردت في ذيل كتاب «العبر»، كلّما جدّ سبب، و هو ما جعلنا نقف في كل مرّة على طبيعة الفروق و الخيارات التي لجأ إليها المحقّق، عند ما كان يضطر إلى الاختيار بين لفظة أو تعبير هنا، و غيرهما هناك، في النّسخ المختلفة للكتاب، ما يجعلنا متأكّدين من القيمة الاستثنائيّة لهذا العمل في صيغته الأخيرة.

و مما يحسن ذكره، هنا، أخيرا، أنني كنت قرأت هذه الرحلة، كغيري، في ذيل كتاب «العبر» بصفتها جزءا منه، و إن كانت له بنيته الخاصة و قوامه المستقل، كما أسلفنا في هذا التمهيد، و لم أعلم بتحقيق ابن تاويت إلا متأخرا، خلال إحدى زياراتي إلى المغرب، و قد أدهشني أن هذه الطبعة الصادرة في القاهرة، و التي عثرت عليها في مكتبة صغيرة في الدار البيضاء، كانت نسخة من طبعة يتيمة تكاد تكون مجهولة في المشرق العربي. و لعل نفادها و عدم قيام أحد بطبعها ثانية، هما ما جعلها خارج التداول، و أدخلها في ليل النسيان.

نوري الجرّاح أبو ظبي في 11/ سبتمبر 2002

25

مسار الرحلة

الانطلاق من تونس أول سنة 753 ه

* بلاد هوارة

* أوبّة

* تبسّة

* قفصة

* بسكرة

* البطحاء

* بجاية

* سبتة فرضة المجاز

* جبل الفتح‏

* غرناطة

* إشبيلية

* إلبيرة

* ساحل المرية، منتصف سنة 766

26

* بجاية

* أحياء يعقوب بن علي، ثم الارتحال إلى بسكرة

* القطفا

* المسيلة

* الزّاب‏

* البطحاء

* هنين‏

* تلمسان‏

* المعقل‏

* زغبة

* البطحاء

* أحياء حصين‏

* المسيلة

* بسكرة

* تلمسان‏

* بسكرة

* القطفة

* بسكرة

* أبّدة

العودة إلى المغرب الأقصى‏

* من بسكرة يوم المولد الكريم، سنة 747 ه.

* مليانة

* أحياء العطّاف‏

27

* إلى المغرب على طريق الصحراء

* رأس العين، مخرج وادي زا.

* جبل دبدو

* فاس‏

* ساحل أسفي‏

* كرسيف‏

* فاس‏

* جبل الفتح‏

* الأندلس‏

* بهنين‏

* تلمسان‏

* البطحاء

* منداس‏

* أحياء أولاد عريف قبلة جبل كزول‏

* قلعة ابن سلامة، من بلاد بني توجين.

* الدّوسن من أطراف الزّاب سنة 780 ه.

* التّل‏

* بفرفار

* قسنطينة

* سوسة

* تونس في شعبان من السّنة 780 ه.

* تبسة، وسط تلول إفريقية

* تونس‏

* ضيعة الرّياحين 184 ه.

28

الخروج من المرسى و التوجه إلى مصر

* مرسى الإسكندرية يوم الفطر

* القاهرة أول ذي القعدة 784 ه.

* مرسى الطور، بالجانب الشرقي من بحر السويس منتصف رمضان سنة 789 ه.

* ينبع‏

* مكة (ثاني ذي الحجة).

* الينبع‏

* ساحل القصير

* مدينة قوص (قاعدة الصّعيد).

* مصر، القاهرة جمادى سنة 790 ه.

* القدس‏

* بيت لحم‏

* غزّة

* مصر

* غزّة في منتصف شهر المولد الكريم من سنة 803 ه.

* الشام‏

* شقحب‏

* دمشق‏

* قرية عرايا.

* صفد

* غزّة

* مصر في شعبان من سنة 803 ه.

29

مقدمة المحقق‏

حينما اخترت «مقدمة ابن خلدون موضوعا لدراستي، وجب عليّ أن أعرف ابن خلدون مؤلفها، و كانت معرفته عن طريق حديثه عن نفسه من أهم ألوان هذه المعرفة و أوكدها؛ و من هنا قرأت هذا الكتاب طلبا لمعرفة ابن خلدون، فعرفته منه على الصورة التي أراد أن يتصوره عليها الناس. ثم قرأت بعد ذلك ما كتبه عنه معاصروه و من تبعهم، فوجدت صورة أخرى غير التي عرفتها منه، و عدت إلى ابن خلدون مرة أخرى و في ذهني عنه صورتان؛ صورته كما رأى نفسه، أو كما أراد أن يراه الناس، تأنّق في صنعها، و استمسك بظلالها و ألوانها. و صورته كما رآه معاصروه، أو كما أرادوا أن يروه، و يراه معهم الناس، عرف ابن خلدون أكثر معالمها فنكرها في ألم و ترفّع؛ و هو اختلاف يثير الرغبة في تعرّف أسباب الموافقة و دواعي الخلاف‏ (1).

و هكذا قدّر لي أن أقرأ الكتاب قراءة مقارنة، رغبة في الوصول إلى معرفة أقرب صور ابن خلدون إلى الحقيقة.

و عزّ عليّ أن تضيع قراءتي لهذا الكتاب، و هو المفتاح الأول لمعرفة شخصية ابن‏

____________

(1) رأي ابن خلدون في نفسه، و رأي معاصريه فيه بمصر بوجه خاص، لا يكادان يلتقيان، و القول في بيان أقربهما إلى الحق أوسع من أن يعالج في مثل هذا المقام.

30

خلدون، فاستعنت بالله على إخراجه كاملا إلى حيّز الوجود (2).

و أخذت أتمثّل المنهج الذي يجب أن أتبعه في تحقيقه و نشره بين الناس، و لم يلبث أن وضحت معالمه مجملة في كلمات: «أن يخرج النصّ كما أراده مؤلفه أن يكون»؛ كلمات خفيفة الوقع على الألسن، و لكنها عند وزنها في ثقل الجبال.

*** و كان البحث عن أصول الكتاب المخطوطة، وصلتها بالمؤلف من أولى خطوات تحقيق هذا المنهج، و الذي أقصده بهذه الصلة، أن تكون النسخة مخطوطة المؤلف، أو مقروءة عليه تحمل دليلا على هذه القراءة، أو مكتوبة عن نسخته مباشرة أو بواسطة معارضة عليها إلخ.

و ليس تحقيق هذه الصّلة بالأمر اليسير الهيّن، فالزمان- بحوادثه- قد ألحق بالجمهرة من عيون هذا التراث الإسلامي ما لا نجهله من ألوان التبديد و الإفناء، و لكن الله الكريم شاء أن لا تضيع مني في هذا السبيل الخطوات؛ فقد أخطأت عين الزمان- و هو الحديد البصر- نسختين من هذا الكتاب، كلتاهما كانت نسخة المؤلف، و حفظت المكتبات المختلفة نسخا عديدة منه و مختلفة، و بفضل ذلك استطعت أن أخرج الكتاب معتمدا على المجموعة التالية منها.

نسخ الكتاب و اختلافها:

و الكتاب يقع في آخر كتاب: «العبر»، و قد عرف عن ابن خلدون أنه كانت تصدر عنه نسخ من كتابه ما بين الحين و الحين؛ يهديها إلى الملوك و الوزراء تارة، و يأخذها عنه الطلبة الدارسون تارة أخرى.

فلقد أهدى- و هو بالمغرب- النسخة الأولى من كتابه لأبي العباس الحفصي ملك تونس‏ (3)، و حينما رحل إلى مصر أهدى نسخة أخرى إلى الملك الظاهر برقوق (فيما

____________

(2) طبع القسم الكبير من هذا الكتاب مرتين: الأولى بآخر كتاب «العبر» و ذلك في سنة 1284 بمطبعة بولاق، و الثانية على حاشية «المقدمة» بالمطبعة الخيرية بمصر سنة 1322 ه.

(3) انظر ص 240 من هذا الكتاب.

31

بين سنتي 784 و 791)، و هذه النسخة هي التي سمّاها بكتاب «الظاهري»، ثم بعث من مصر في سنة ثالثة، لتوضع في خزانة الكتب التي بجامع القرويين بفاس، وقفا على طلبة العلم‏ (4)، و كان الملك حينذاك أبا فارس عبد العزيز المريني (796- 799)، و لذلك قدم الكتاب باسمه‏ (5).

و كل واحدة من هذه النسخ تختلف عن سابقتها صدورا عن المؤلف، بما كان يضيفه إلى الكتاب من ملحقات، و يدخله على أبوابه و فصوله من تعديلات.

و من هنا كانت نسخ الكتاب جميعه أوجز كلما كانت أقدم صدورا عن المؤلف، و كلما كانت حديثة العهد بالمؤلف كانت أكثر تفصيلا للحوادث و أوسع. و «المقدمة»، و «لتاريخ»، و هذا الجزء في هذا الحكم سواء.

و لست أعرف عدد النسخ التي صدرت عن المؤلف من كتابه هذا على وجه التحديد، غير أنه من اليسير- استنادا إلى ما وصل إلينا من نسخة- أن يردّ ما وجد منها بالمقارنة- بينها- إلى أمهات ثلاث:

1- أم قديمة الصدور عن المؤلف، و هي موجزة.

2- و متوسطة تزيد قليلا عن سابقتها، و تنقص الكثير من التفصيلات عن التي تليها.

3- ثم حديثة العهد بالمؤلف، و يمتد حديثه فيها، و تعديله بالزيادة و النقص و غيرهما

____________

(4) لا تزال أجزاء من هذه النسخة محفوظة بجامع القروبين بفاس، و انظر مقدمة ابن خلدون ص 7 طبع بولاق، و في المجلة الأسيوية

J. Asiatique: Juillet- Septembre 3291, P. 161- 681

صيغة «التحبيس» التي أقرها ابن خلدون، و وقّع عليها بخطه.

(5) المعروفون بأبي فارس عبد العزيز من الملوك الثلاثة، اثنان من بني مرين هذا ثانيهما و إليه كان الإهداء، و هما معا من ملوك المغرب؛ و الثالث حفصى من ملوك تونس؛ و هذا الاشتراك في الاسم و الكنية قد توقف بسببه الشيخ نصر الهوريني في تعيين المهدى إليه. كما أضل صاحب الاستقصا، فجعل الإهداء لغير من كان له.

و انظر الاستقصا 2/ 129، 140- 141، و مقدمة ابن خلدون ص 5 بولاق.

32

إلى ما قبل وفاته بشهور.

و يقوم هذا التصنيف على أن هناك أمّا أولى لهذه النسخ جميعا، و هي التي قدمها ابن خلدون لأبي العباس الحفصي بتونس‏ (6)، و عنها يتفرع سائر الأصول التي تتمثل في مجموعات يسهل تصور انحدارها عن أصولها و أمهاتها من الرسم التالي.

*** و الأصل الحديث من هذه الأصول هو الذي بقى بين يدي ابن خلدون حتى الأيام الأخيرة من حياته، فظل التنقيح يلاحقه، و حياة ابن خلدون- بما امتدت- تضيف إليه الجديد من الأحداث، و بذلك أصبح ناسخا للأصول قبله، معبرا عن الرأي الأخير الكامل للمؤلف في هذا الكتاب.

و من هنا كان البحث عن الأصول الأخيرة أساسا أوليا لنشر هذا الكتاب، و كانت الأصول القديمة، و المتوسطة- على الرغم من أنها أصول مباشرة للكتاب إلى حد كبير-، قد نسخها ما جاء بعدها من الأصول، و أصبحت الاستعانة بها لا تتجاوز مواطن الاتفاق بين الأصول، أما حين تختلف، فإن المقدم فيها لا محالة هي هذه الأصول الحديثة.

و قد حفظت مكتبتا «أيا صوفيا» و «أحمد الثالث» باستانبول نسختين قيّمتين من هذا الكتاب، كانت كل واحدة منهما نسخة المؤلف، فكانتا معا من أوثق ما وصل إلينا من نسخه.

نسخة أيا صوفيا: (رقم 3200، 83 ق، 259* 185 مم، س 25، 28) تقع في جزء مستقل، و خطها نسخ جميل، و القسم الأول منها (و يتمثل في الأوراق 1- 41 أ، 49 ب- 59 أ، 60 ب 63 أ) يختلف خطه عن القسم الباقي من الكتاب لاختلاف الناسخ نفسه، و عدد سطور هذا القسم 25 سطرا؛ و يتماز هذا القسم بعناية ناسخه‏

____________

(6) لا أعرف عن هذه الأم شيئا غير كلمة ذكرها المرحوم نصر الهوريني في حاشية له على صيغة الإهداء ل «مقدمة» ابن خلدون طبع بولاق سنة 1274.

و لهذا جعلت الخط الذي يصل مجموعة النسخ القديمة بهذه الأم شعاعيا إشارة إلى انقطاع الصلة بيننا و بينها.

33

بإعجام ما حقّه أن يعجم من الحروف، و حظي بعناية بالغة من المؤلف، فشكّل بالحركات بخطّه ما رأى أنه محتاج إلى الضبط و التقييد من الكلمات، و لا سيما الأمكنة و الأعلام المغربية.

أما القسم الثاني من النسخة (و عدد سطوره 28)، فقاعدة ناسخه أن لا يعجم من الحروف إلا النادر، و المؤلف حينما قرأ هذا القسم لم يعن بالإعجام و الضبط عنايته بالقسم الأول، و إنما وقف عند كلمات رأى الحاجة فيها ماسة إلى ضبطها بالحركات فقيّدها.

على أنه في القسمين معا، بدا له في كلمات أن غيرها يصح أن يقوم مقامها، أو أن غيرها أصح منها، فكتب الكلمة في الحاشية بخطه، و فوقها حرف «خ» أو «صح» أو «أصح» حسبما رأى أنه الأنسب. و رأى أن كلمات بالمتن محتاجة إلى بيان فكتبها مرة أخرى بالحاشية مستقلة، و وضع فوقها علامة البيان «ب».

و لم أعرف من أمر ناسخ القسم الأول إلا أنه كتب كثيرا لابن خلدون، أما القسم الثاني فإن الناسخ- و إن لم يسمّ نفسه في آخر هذا الكتاب- قد أمكنت معرفته بمقارنة خط هذا القسم بخط «المقدمة» المحفوظة بمكتبة «يني جامع» تحت رقم 888، و هو عبد الله بن حسن الشهير بابن الفخار، و يظهر من الخاتمة التي ختم بها نسخة «المقدمة» المذكورة- و قد كتبها لنفسه- أنه كان على صلة وثيقة بابن خلدون، و أنه كان من المعجبين به؛ و الذي يتصفح ما كتبه لابن خلدون- و هو كثير- لا يتردد مطلقا في الحكم بأنه كان من أهل العلم بين الناسخين؛ فأخطاؤه نادرة جدا، و قاعدته في كتابته- على الرغم من عدم إعجامه للحروف- محكمة مطردة قلما تتخلّف.

و قد طرأ على هذا الأصل بين ورقتي 72، 737 نقص مقداره ورقتان، و هو نقص قديم فيما أعتقد، و كل الفروع التي تفرعت عن هذا الأصل كانت مثله في هذا النقص، و لم أعثر على فرع كتب عنه يوم كان كاملا. (1)

نسخة أحمد الثالث: [3042 (4)، 51 ق 320* 515 مم، 35 سطرا].

____________

(1) مكانه الآن في المطبوع بين ص 324، 333.

34

أما الأصل الثاني و هو المحفوظ في مكتبة السلطان أحمد الثالث في «طوب قبوسراي» باستانبول أيضا، فيقع في آخر كتاب العبر متصلا به، كتبه ابن الفخار السابق الذكر و كانت عنايته به من حيث إعجامه أكثر من عنايته بالقسم الذي كتبه من الأصل السابق، و حظي من المؤلف بعناية طيبة- حيث إنه نسخته التي توفي و هي في مكتبته فيما أعتقد- فضبط أعلامه، و أضاف الناقص من كلماته، و بيّن المبهم منها على حاشية الكتاب، و أصلح المحرّف- كل ذلك بخطه، و هذا الأصل- فيما أعتقد- أحدث من سابقه صدورا عن المؤلف؛ فقد أدخل بالصلب منه ما كان في أصل أياصوفيا ملحقا بالحاشية بخطه‏ (8)، و أثبت فيه نص الرّسالة التي كتبها الملك الظاهر إلى الملك أبي العباس الحفصي، متشفعا في أولاد ابن خلدون و أهله، راجيا منه أن يبعثهم إليه بمصر (9)، و لم يثبتها في أصل أيا صوفيا و لا ترك لها مكانا؛ بل إن سياقه هنالك لا يشعر بأنه يريد إثبات نص ما في هذا السبيل، فإدراجها في هذا الأصل، و إضافتها إليه في ورقة ملحقة بين الورقتين (32، 33)، جاء في وقت متأخر عن صدور أصل «أيا صوفيا».

و هو أصل عقيم لم يتفرع عنه فرع- فيما أعلم- و أغلب الظن أن أحدا لم يعرف أنه النسخة الكاملة من هذا الكتاب، فلم يشر أحد- من الذين عنوا بالحديث عن مخطوطات ابن خلدون- إلى النسخة التي يتبعها هذا الجزء على كثرة ما تحدثوا عن نسخ ابن خلدون‏ (10).

____________

(8) ورد هذا الإلحاق في لوحة 12 من «س»، و يبتدئ في المطبوع من السطر الثاني من ص 46، و ينتهي بالسطر 9 من ص 46.

(9) انظر ص 249- 253 من المطبوع.

(10) لا أحب أن أنسى أن الفضل في الالتفات إلى هذه النسخة يعود إلى الصديق الكريم العالم التركي الشاب فؤاد سزكين، فله خالص شكري.

35

فروع نسخة أيا صوفيا

(أ) نسخة دار الكتب المصرية: [رقم 109 م تاريخ، 49 ص، 23* 17 سم، سطورها 31]

هي أحد فروع أصل أيا صوفيا، و قد وضعت تحت عنوان: «التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا» (11) و خطها فارسي (تعليق) جميل، و أغلب الظن أنها كتبت في أول القرن 12 الهجرة، و كاتبها قليل المعرفة باللغة العربية، و لذلك صحّف من كلماتها عددا يفوق الإحصاء؛ و خلا القسم الأخير من الأصل عن الإعجام، فكانت البلوى أشد، و لما بلغ إلى مكان النقص الذي بالأصل المنقول عنه، لم يفطن له، فكتب الكلام متصلا كأن لم ينقص منه شي‏ء.

و لهذه الأسباب لم أعتمد عليها مطلقا.

(ب) نسخة خاصة: [128 ق، 250* 175 مم، سطورها 19]

ولديّ فرع آخر من أصل أيا صوفيا كتب في سنة 1307 ه بخط نسخ جميل واضح، و لم يذكر كاتبه، و هو محمد بن عبد السلام بن جاد، أنه نقله عن الأصل المذكور، و لكن المقارنة تثبت- في وضوح- الصلة بين النسختين.

و هناك آفة وقع فيها كل الناقلين عن الأصل المذكور، فالكلمات في الأصل مهملة عارية عن الإعجام، و حينما حاول النسّاخ أن يعجموا زلت منهم الأقدام، و يكثر الغرر بوجه خاص في رسائل ابن الخطيب التي أثبتها ابن خلدون في هذا الكتاب؛ حيث جاءت فيها ألوان كثيرة من محسنات البديع، فكانت صور الكلمات تأتي متشابهة، فإذا ما عريت من النقط- و هو ما كان- جاءت الصعوبة، و كثرت فروض النساخ الخاطئة.

و لو لا أن هذا الناسخ، كان من الأمانة بحيث إن تجميل الخط، و تحليته بالنقط، لم يغره بتشويه الحقيقة، لكان الفارق بين هذه النسخة، و بين نسخة دار الكتب من الضآلة بحيث لا يذكر.

____________

(11) انظر الفهرس الجديد لدار الكتب المصرية 5/ 141.

36

لقد صور ناسخنا الكلمات كما رآها في الأصل، و تركها مهملة إن كان الأصل أغفلها من الإعجام، و بذلك ترك النص بحالته تحت نظر القارئ و الباحث بعده، و تلك محمدة عادت ثمرتها على هذا الفرع بالاعتبار. على أنه- مع ذلك- لم يبرأ من تحريفات تبلغ أحيانا الغاية البعدى في الخطورة.

و يتبع هذا الفرع أصله في النقص الواقع به؛ و ترك الناسخ و رقتين أخريين سهوا لم يكتبهما (12)، فأضاف إلى النقص الوراثي عيبا آخرا جديدا غبّر به في وجه هذا الفرع.

و قد أشرت إلى هذه النسخة في الحواشي حين اعتمدت عليها بحرف «ج»

(ح) نسخة أسعد أفندي: [رقم 2268، 93 ق، 327* 155 مم‏] و النسخة المحفوظة بمكتبة أسعد أفندي (إحدى مكتبات السليمانية باستانبول) فرع لنسخة أيا صوفيا أيضا؛ خطه نسخ جميل، أما من حيث الصحة فهو بالغ الحضيض في التحريف، و قد قدّم الناسخ و أخّر في بعض أوراق الأصل، فخرج الفرع إلى تصحيفه- مضطربا، و لم أعتمد عليه لعدم صلاحيته- فيما أزعم-، على أن جمال خطه، و عناية ناسخه بالإعجام، قد خدع بعض المعاصرين فوصفه بالحسن، و كاد أن يفضله على أصله بأياصوفيا.

(د) نسخة الرباط:

و في مكتبة الرباط «عاصمة المغرب الأقصى» الحالية، نسخة من هذا الكتاب تحت رقم (1345D )، و لست أملك الأدلة المادية للحكم بأنها فرع من أياصوفيا حكما يقينيا، و لكنني أظن ذلك ظنا راجحا يقوم على أمرين:

1- أن عنوانها: «التعريف بابن خلدون، و رحلته غربا و شرقا» و كلمات: «و رحلته غربا و شرقا» لا توجد إلا في الأصلين الحديثين: «أيا صوفيا»، و «أحمد الثالث»، و فيما عساه أن يكون قد تفرع عنهما.

____________

(12) يقع هذا النقص في المخطوط في الورقة 35 ب، و مكانه في المطبوع في ص 101 و ما بعدها.

37

2- فإذا ما صح الفرض الذي قدمته، و هو أن أصل «أحمد الثالث» عقيم لم يعقب، كانت نسخة الرباط فرعا من فروع «أيا صوفيا» لا محالة.

النسخ المتوسطة

(ا) نسخة «الظاهري»: و هي واقعة في آخر النسخة التي قدمها ابن خلدون للملك الظاهر برقوق، و الجزء الذي تشغله يبتدئ من ص 315 و ينتهي بصفحة 381 من الجزء الرابع عشر و هو آخر الكتاب.

و خط هذه النسخة رائع، و في مبدأ كل جزء منها لوحة مذهّبة و ملونة، كتب عليها أنها «كتبت برسم الخزانة الملكية الظاهرية».

و قد راجع ابن خلدون هذه النسخة قبل تقديمها للملك الظاهر، فضبط بعض كلماتها، و أصلح ما احتاج منها إلى الإصلاح.

و تنتهي هذه النسخة برجوع ابن خلدون من الحج في سنة 797؛ فبعد أن دخلت إلى مكتبة الملك الظاهر لم يضف إليها ما أضيفإلى الأصلين السابقين. و لذلك نجد مثلا الرسالة التي كتبها ابن الخطيب إلى أحد ملوك الحفصيين- على لسان ملكه ابن الأحمر (13)- ساقطة من هذه النسخة، و إن كان مكانها في القسم الذي يأتي قبل ارتحال ابن خلدون إلى المشرق. ثم لا تحتوى هذه النسخة على ما بعد سنة 797.

و قد انتفعت بالأجزاء التي لم يغيرها ابن خلدون من هذه النسخة، و أشرت إلى الخلاف- حيث يوجد- في حواشي الكتاب، و سميتها ب «الظاهري» عند الإشارة إليها.

(ب) نسخة الشنقيطي: [رقم 1 ش تاريخ 20 ورقة (من 363 ظ- 383 و)، 314* 214 مم، سطورها 42].

كتبت في سنة 1137 برسم خزانة الملك المولى إسمعيل (1072- 1139) أحد ملوك الدولة العلوية القائمة الآن بالمغرب الأقصى؛ خطها مغربي يقرب في قاعدته إلى‏

____________

(13) تقع هذه الرسالة في المطبوع بين ص 155، ص 209.

38

الخط المسند المعروف اليوم بالمغرب، و قد كان الناسخ من السرعة في كتابتها بحيث أصبح الاعتماد عليها عند الاختلاف في الفروق الخطية الدقيقة قليل الجدوى؛ و هي أخت نسخة «الظاهري»، و الفروق الشكلية الطفيفة ليست من العمق بحيث تخرج هذه النسخة من زمرة النسخ المتوسطة. و قد رجعت إليها كثيرا. و رمزت لها عند الاستفادة منها بحرف «ش».

(ح) نسخة حسن حسني باشا عبد الوهاب: [127 ق، 222* 167 مم، س 26.

كتبت سنة 1304].

و قد تكرم سعادة حسن حسني عبد الوهاب باشا التونسي فأهداني مخطوطته الخاصة، و هي تتبع هذه الطائفة، و لا تختلف عن سابقتيها إلا فيما يفترق فيه النساخ من تصحيف لا يذهب بصفات النسخة الجوهرية.

و لم أعتمد عليها في تصحيح النص، لأنها وصلتني من تونس بعد أن تجاوز الطبع نهاية النسخ المتوسطة، غير أنها مثل صالح من هذه المجموعة المتوسطة، و قد دلتني فاتحتها على أنها و نسخة نور عثمانية [رقم 3067 من ورقة 177- 214. 32* 21]، قد صدرتا معا عن أصل واحد.

على أنني، و إن لم أعتمد عليها، لا أجد من الكلمات ما يفي بشكر سعادة حسن باشا عبد الوهاب على عونه العلمي النبيل.

النسخ القديمة

(ا) النسخة الأزهرية: [6729 تاريخ أباظة- 24 ق (203 ظ- 247) كتبها أحمد بن يوسف بن حمد بن تركي الشافعي الأزهري سنة 1270، و هي أصل للنسخة التي طبعت في بولاق، تقع في آخر الجزء السابع من المخطوط، و قد قرأها المرحوم الشيخ نصر الهوريني فعلق عليها تعليقات بخطه، لا تخرج عن تفسير لغوي، أو تعريف تاريخي بشخص مر ذكره معرفا به في صلب التاريخ.

و لم يحسن ناسخها قراءة الأصل الذي نقل عنه فحرف، و ترك مواضع كلمات بيضاء حيث لم يقرأها في أصلها. و من هنا كانت النسخة المطبوعة صورة مماثلة لهذه‏

39

المخطوطة.

و النسخة الأزهرية من النسخ القديمة، فهي أوجز من المجموعة المتوسطة المذكورة قبلها، تنقص عنها بعض التفاصيل؛ و قد أشرت في الحواشي إلى الزيادات التي تضيفها النسخ المتوسطة و لا توجد في الأصل القديم.

و حينما عدت إلى هذه النسخة أشرت إليها بحرف «ز»، و وصلت بينها، و بين فرعها المطبوع، فكان حرف «ب» رمزا للمطبوعة في بولاق.

(ب) نسخة طلعت: [2106 تاريخ من ورقة 160 ظ- 196 و]. و النسخة المحفوظة بمكتبة المرحوم أحمد بك طلعت كتبت في سنة 1181 بخط مغربي سقيم، و هي أخت للأزهرية، و ليس يفرق بينهما إلا ما يفترق فيها النساخ المحرفون. و حينما أثبت نتائج المقارنة بينها و بين غيرها من النسخ، رمزت إليها بحرف «ط».

(ح، د) نسختا «د»، «ه»:

و هناك نسختان بدار الكتب المصرية لم أعتمد عليهما، غير أنه يحسن التنبيه على أن مكانهما في هذه المجموعات هو هذا، فمها معا يشبهان الأزهرية، و نسخة طلعت.

أما نسخة «د» فقد كتبت في سنة 1254 ه بخط نسخ واضح، و تقع تحت [رقم 5343 تاريخ، (215 ظ- 262 و)، 327* 2300 مم، ص 27].

و أما نسخة «ه»، و هي مثل سابقتها، فتقع تحت رقم [185 تاريخ، (90 و- 131 ظ) ق، 332* 228 مم، ص 29] خطها واضح جميل جدا، و قد كتبت في أواخر القرن 13.

اسم الكتاب‏

و هذا الكتاب، منذ عرف جزء تابع لتاريخ ابن خلدون، و ما كان يفصله عن بقية أبواب الكتاب إلا عنوانه الذي ينقلك من موضوع تمّ فيه الحديث إلى آخر جديد، و كان عنوانه: «التعريف بابن خلدون مؤلف هذا الكتاب»، و لم تكن أداة الإشارة «هذا» إلا نداء مدويا يرغمك على الاعتراف بتبعية هذا الكتاب لبقية «التاريخ».

40

و ظل العنوان بهذه الصورة حتى بعد أن رحل ابن خلدون إلى الأندلس مرتين، ثم ارتحل إلى مصر و الحجاز و الشام، و أصبح ما جدّ من تجاربه في رحلاته الجديدة جزءا من حياته، يجب أن يدونه، و أن يضيفه إلى ما كان قد سجله قبل ففعل، و عظم حجم الكتاب بما أضيف إليه من جديد الأخبار، و لم يكن العنوان السالف الذكر من السعة و المرونة بحيث يشمل هذا الجديد الطارئ، دون أن يدخل في صوغه تعديل تتضح معه الدلالة على مباحث الكتاب؛ فحذف ابن خلدون أداة الإشارة «هذا» التي كانت واضحة الدلالة على تبعية هذا الجزء لكتاب «العبر»، و أضاف إلى بقية العنوان الكلمات: «و رحلته غربا و شرقا»، فكملت بذلك الصياغة الأخيرة للعنوان، و أصبح: «التعريف بابن خلدون مؤلف الكتاب، و رحلته غربا و شرقا».

و يلاحظ فيه، و هو بصيغته الحالية، عنصران بارزان: «التعريف» بالمؤلف، و «رحلته»، و كل منهما دال على معنى واضح في الكتاب.

و تداول المؤرخون من بعد ابن خلدون كتابة هذا، و كانت النسخ التي تقع تحت أيديهم مختلفة، بعضها قديم واقع في آخر كتاب التاريخ تابع له، و هو في هذه الحالة لم يتغير عنوانه بعد، و ليس بين كلمات عنوانه ما يدل على معناه غير كلمة «التعريف»، فلم تكن لهم مندوحة عن تسميته عند النقل عنه ب «التعريف»، و هي تسمية دعاهم إليها أن كلمة «التعريف» وضحت دلالتها على معنى الكتاب، فكانت أحق من أخواتها بالاختيار.

أما البقية من النسخ، فقد كانت حديثة الصدور عن المؤلف، عدل في عنوانها، فأصبح من بين كلماته ما يصلح للدلالة على الكتاب و هو قوله: «و رحلته غربا و شرقا»، فاختار الذين نقلوا عن هذه المجموعة من النسخ أن يسموا هذا الكتاب «رحلة» لابن خلدون، و كان لهذه التسمية حظ غير قليل من الذيوع في العصر الأخير على الرغم من أنها تسمية لم تعرف- فيما أعلم- قبل سنة 1005 ه؛ فقد نقل عنه أحمد بابا السوداني في كتابه «نيل الابتهاج بتطريز الديباج‏ (14)» على أنه «رحلة» لابن خلدون. و في سنة 1006 ه كان العالم التركي أويس بن محمد المعروف‏

____________

(14) انظر ص 248 من نيل الابتهاج طبع مصر سنة 1351 ه

41

ب «ويس» (969- 1067 ه) متوليا لخطة القضاء برشيد و غيرها في مصر، وزار القاهرة فاشترى من مخطوطاتها و استعار، و كان ما تمكه «مقدمة» ابن خلدون، و نسخة من هذا الكتاب- و كل واحدة منهما كانت نسخة المؤلف‏ (15)- فكتب على ظهر الورقة الأولى من هذا الكتاب: «كتاب رحلة ابن خلدون بخطه، (رحمه الله تعالى)» (16).

و سجل واضعو فهرس مكتبة «أياصوفيا» نسخة ويسى المذكورة باسم «رحلة ابن خلدون»، ثم نقلت عنها نسخة أخرى و وضعت في مكتبة «أسعد أفندي» فسميت أيضا «رحلة ابن خلدون»؛ و عرفت فهارس الآستانة بين العلماء، فنقلوا عنها فيما كتبوه عن تراث ابن خلدون- أن من بين آثاره الفكرية «رحلته».

و هذه التطورات التي مرت بها صيغة العنوان، قد أدت أخيرا إلى نوع من الارتباك في اسم هذا الكتاب، ثم في ماهيته؛ فحينما تحدث العلامة المستشرق كارل بروكلمن في كتابه «تاريخ الأدب العربي» عن مراجع ترجمة ابن خلدون، أحال على ترجمته الذاتية» Autobiographie «التي تقع في آخر الجزء السابع من «العبر»، و أحال على «الرحلة» المحفوظة في مكتبة «أسعد أفندي»، ثم على «التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا»، المحفوظ بدار الكتب المصرية، و المجهول المؤلف؟ (17).

____________

(15) من الكتب التي استعارها ديوان عبد الله بن الدمينة و قد كتب على ظهر الورقة الأولى منه:

«استعارة العبد المحتاج إلى الله سبحانه ويسى، من خازن كتب «القبة المنصورية» بمدينة القاهرة في سنة 1006. رحم الله امرأ أوصله إليها إن لم يسمحني الزمان بإيصاله، و الحمد لله و الصلاة على محمد و آله».

و لم يرد الكتاب إلى مكانه، بل نقل إلى الآستانة، و هو الآن محفوظ بمكتبة «رئيس الكتاب» تحت رقم 950/ 1.

و انظر ترجمة ويسى المذكور في «عثمانلي مؤلفلري» 2/ 477.

(16) ليست هذه النسخة بخط المؤلف، و إنما كتب على بعض حواشيها إلحاقات بخطه، و انظر ص «ط» حيث ذكر وصفها.

(17) 3342Brock .S .II و العذر للرجل ما ذكرته من تغير العنوان مع الزمن، ثم عدم وضوح عبارة «فهرس دار الكتب المصرية».

42

و وضع هذه المراجع بهذه الصورة لا يدلك على شي‏ء أكثر من أن مدلولات هذه الأسماء في ذهن العلامة بروكلمن متعددة، و أن هذه الأسماء تقع على مسميات مختلفة.

*** و الكتاب- و قد وضحت أصوله، و ثبتت صلته بالمؤلف، و عرف اسمه- نص كتب باللغة العربية الفصحى، و لهذه اللغة سنن تجري عليه، و ليس يملك الكاتب بها أن يعدوه، أو يتجاهل ما منعه هذا السنن أو أباحه.

فما الذي يجب أن نفعل إذا مازلّت بالكاتب القدم، فأخطأ- في كتابته- جادة متن اللغة، أو اشتقاقها، أو أخطأ في الإعراب؟

أنملك أن نعدل في النص، و نثبته على حسب ما تقرره القواعد؟ و أين الحصانة التي تتمتع بها نصوص المؤلفين حينذاك؟

و الجواب- عندي- نعم نملك ذلك!

نملك ذلك ما دام المؤلف قد اختار أن يكتب باللغة الفصيحة، و تقيد بقواعدها الصارمة، و ما دمنا على يقين من أن مخالفته لهذه القواعد لا منفذ في مواطن اختلافها يبيح قبولها أو الإغضاء عنها بوجه.

و لنا السند المتين فيما قرره المحدثون- منذ القديم البعيد- في الحديث تثبت روايته عندهم، و فيه مخالفة لوضع من أوضاع اللغة (18).

و المؤلفون أنفسهم أذنوا في هذا النوع من التصرف، و لم يعدوه افتياتا على نصوصهم.

و لو أن المؤلف حي، و راجعه قارئ من قرائه فيما وقع له في كتابه من مخالفات لأوضاع اللغة التي يكتب بها، أكان يصر على خطئه الذي لا يقبل التأويل؟ أم إنه كان يسارع إلى الاعتذار، ثم إلى إقامة ما كان قد أخطأ فيه؟

و لقد أثبت في هذه الحالة النص في الصلب على ما اقتضته قوانين اللغة، و أثبته في الحاشية على الصورة التي أورده عليها المؤلف، واضح الدلالة على مدى معرفته باللغة، و تمثله لقواعدها، و أن نحس بالمقدار الذي امتصه الجزء الخارج عن بؤرة

____________

(18) انظر «تدريب الراوي» ص 164- 165.

43

التفكير، من نشاط عقل ابن خلدون، حينما كتب هذا النص أو قرأه.

و أحسب أن من الواجبات الأولى على قارئ هذه المخطوطات التي يتيسر فيها وصلها بمؤلفيها أن يعنى بمقدار التركز الذهني للمؤلف حين تأليفه لكتابه أو قراءته له.

*** و الكتاب- إلى ما تقدم- يحوي حقائق تاريخية، قال التاريخ فيها كلمته، و علمية انتهى العلم قبل المؤلف من تقريرها على وجه ما في المظان الأولى لها، و لم تعد موطنا للمناقشة.

و معنى هذا أننا لا نستطيع أن نخرج من حسابنا الرقابة التي تفرضها المقررات التاريخية و العلمية على ما يورده المؤلف من هذه الحقائق في كتابه؛ و من هنا جاءت ضرورة استشارة كتب هذا النوع من المعلومات، و الاستعانة بها في التنبيه على ما انحرف فيه المؤلف عن الصراط المستقيم. و لو استفسر المؤلف أيضا عن سبب خلافه للذي خرج عن ميدان الاختلاف بين العلماء، لأقر ما نص عليه سابقوه و استقرت كلمتهم عليه.

و الحديث هنا لا يتناول بطبيعة الحال ما خالف فيه المؤلف غيره مخالفة مقصودة دفعه إليها وجه من وجوه النظر، فإن هذا رأيه ليس مما يباح فيه التبديل و التغيير، و إنما الحديث عن المخالفة التي تقوم الدلائل القوية على أنها جاءت عفوا لم يكن للقصد فيها مجال.

و لم أهمل- في هذا النوع- ما أورده المؤلف، بل أثبته في الحاشية للعلة التي سبق الحديث عنها.

*** إلى هنا و الحديث لم يعد محاولة إقرار النص على الصورة التي يريد مؤلفه أن يتداوله الناس عليها.

و قد عارضته بأصوله المباشرة، و هي تتمثل في مجموعات تنتسب إلى أصول قديمة الصدور عن المؤلف، و متوسطة، و حديثة؛ و غير المباشرة، و هي كتب التراجم و التاريخ و غيرها مما نقل عنها ابن خلدون أو نقلت عنه، أو تناولت ما تناوله من موضوعات.

***

44

أما الشروح و التعليقات التي أثبتها في حواشي الكتاب، فهي نوافل و زيادات تعبّر في أغلب الأحيان- عن خبرة خاصة بمقاصد المؤلف أو موضوع الكتاب.

و الكتاب- كما قدمت- مفتاح أول للذي يريد التعرف على ابن خلدون، و قد رسم لنفسه فيه صورة لم تحل- لأسباب مختلفة- في عين معاصريه بمصر، فصنعوا له صورة تختلف عما قاله عن نفسه أشد الاختلاف.

و هنا تبدوا الحاجة الملحة إلى نوع من العناية خاص، يقصد فيه الوقوف عند مواطن الاختلاف هذه، التي اعتبرت فيما بعد منافذ واسعة تسربت منها ألوان من النقد شملت الكثير من نواحي حياة ابن خلدون، بل كادت- بما اتسعت- أن تمس الثقة بما يرويه.

و لذلك عرضت ما يقوله ابن خلدون في هذا الكتاب، على كتب أخرى تناولت الموضوع نفسه بالحديث، و أثبت نصها من غير تصرف فيه ليؤيد رواية ابن خلدون أو ينقضها، و بذلك أصبح مصدر الحكم لابن خلدون أو عليه غير بعيد عن متناول الناقد النزيه.

*** و ذكر ابن خلدون أمكنة مر بها و شاهدها حينا، و لمناسبات غير ذلك أحيانا أخرى، فوجب تحديد هذه الأماكن.

و إذا أبحنا لأنفسنا- و كان يجب أن لا نفعل- أن نكتفي- عند إخراج كتب لا تتوقف الاستفادة منها على الدقة في التحديد- بالدلالة العابرة و الإشارة السريعة الناقصة؛ حيث إن أسماء البلاد بتلك الكتب جاءت بطريق العرض، و لم تقصد بالذكر لذاتها- أقول: إذا استبحنا ذلك في إخراج تلك الكتب- و في طبيعتها ما يبرر الاكتفاء باللمحة- فإنه لا يصح لنا ذلك بحالة من الأحوال في هذا النوع من الكتب التي تذكر فيها الأمكنة و البلدان ذكرا ذاتيا تلمح فيه النظرة الفاحصة المستقصية.

و حيث إن البلاد و أسماءها معا، تعرضت- بفعل الزمن- للتغير، فقد حاولت- قدر جهدي- أن أذكر بجانبا لاسم العربي للمكان، اسمه الذي يكتب بجانبه- على المصورات الجغرافية- بالحروف اللاتينية، و أن أضع إزاءه كذلك خطه الطولي و العرضي محددا بالدرجات و الدقائق- حاولت ذلك رغبة في أن يتضح المكان‏

45

للقارئ وضوحا لا يشوبه غموض؛ و هي محاولة كان دون تحقيقها- كما قال الأول- خرط القتاد.

و لا أجرؤ على دعوى أنني حققت المنهج من ألفه إلى يائه، فقد عجزت عن تحديد أمكنة- مرت بي- على الطريق الذي حاولت أن ألزم به نفسي، فاكتفيت بتحديد «ياقوت»- لا أجرؤ على قول ذلك، و لكنني أزعم أن كثيرا من الأماكن التي ذكرت في هذا الكتاب أمكن تحديدها بحيث يستطاع وضع اليد على مكانها اليوم بالمصورات الجغرافية الحديثة.

*** و ذكر ابن خلدون- فيما ذكر في كتابه- شيوخه الذين تخرج على أيديهم، و حلّاهم بحلى كانت، عند تقديرها، موضع الريبة و الشك يوم تناول ابن خلدون النقد الحديث.

و قد أحسست أن عليّ تجاه ذلك أن أعرض رأي ابن خلدون في شيوخه، و تقديره لهم، على كتب التراجم و الطبقات، و أن أزن ما أورده فيهم- بالذي يورده غيره؛ فإذا ما خالفه أتيت بالنص المخالف، و أشرت إلى موضع الترجمة المخالفة، أما حين يوافقه غيره، فقد اكتفيت بالدلالة على موضع الترجمة.

و أحب أن أقول هنا: إنه، من بين هذه المراجع جميعا، لم يخالف رأي ابن خلدون فيما علمت- في الحلى التي خلعها على شيوخه من تزكية، و تفوق و بلوغ الدرجات العلى في فرع الثقافة الإسلامية التي اختص كل منهم بإتقانه، أقول لم يخالفه في ذلك إلا شخص واحد، و في مسألة واحدة، على أن كثيرا من العلماء نظر إلى المسألة ذاتها بالعين التي كان ينظر إليها بها ابن خلدون.

و المسألة هي: «هل كان لناصر الدين المشدالي بصر بعلم الحديث أو لا؟ قال ابن خلدون- و قد روى عنه الموطأ-: نعم! و قال العلامة الرحالة العبدري في رحلته: لا!

و الذي يعرف سعة اطلاع العبدري، و موهبة النقد النافذ التي كان يتمتع بها- لا يسعه إلا أن يضع رأيه- على الرغم من انفراده به- موضع التقدير.

*** و الذين تحدثوا عن ابن الخطيب- (رحمه الله)- قالوا إنه كان مولعا- في كتابته-

46

بالإشارة إلى مسائل تاريخية و علمية، و أنه كان مغرما بالتورية بمصطلحات العلوم التي كان يعرفها، و ما أوسع ما كان يعرفه ابن الخطيب من العلوم! و قد أورد له ابن خلدون في هذا الكتاب رسائل، وضح فيها شغفه باستخدام هذه المصطلحات، و إشارته إلى حقائق تاريخية، و مقررات علمية، إشارات عابرة لا يكاد يتكشف المراد منها دون استفتاء مصادرها الأولى، و في ذلك الجهد البالغ و المشقة المضنية.

و قد وجدتني ملزما بتحديد موضع الإشارة من بين حوادث التاريخ، و شرح الكلمة التي لها معنى خاص حدده أقوام من العلماء معينون، فأصبحوا المرجع الأساسي عند تحديد معنى الكلمة الجديد، ثم عليّ بعد ذلك دلالة القارئ على موطن التفسير.

و من هنا طالت الشروح في بعض المواطن و ما أردتها أن تطول، و لكنه ابن الخطيب يغذي أدبه برواسب ثقافته الإسلامية المتشعبة الفروع، فإذا ما أردت أن تعود بها إلى مواطنها الأولى حيث يتضح لك وجه الدلالة منها، كان عليك الاستعداد لطواف حول العدد الكثير من مجلدات هذه الثقافة، غير مريح. و ما أكثر ما ضللت السبيل فظلت الكلمات مبهمة المعنى، غير واضحة المراد!

أما الفهارس فما أحدثت فيها جديدا يدعو إلى الإرشاد و التنبيه، إلا أن حصولي على نسختي المؤلف جعلني أعنى بالأعلام التي ضبطها فيهما بقلمه، حيث إن ضبطها توفيقي لا يخضع لقانون؛ و قد وضعتها في فهرس خاص بها مرتبة على حروف المعجم‏ (19).

و ما أحب أن أنهي هذه الكلمة دون أن أعترف بالجميل لأشخاص كان لهم الفضل الكبير في ظهور هذا الكتاب:

معالي الدكتور طه حسين باشا، حيث شمل عملي في ابن خلدون بعطفه و تشجيعه، و كان لمعاليه في هذا الكتاب موقف كريم لن أنساه.

و الأستاذ الجليل أحمد بك أمين الذي كان هذا الكتاب موضع رعايته منذ بدء عملي فيه، و لقد تكرم بتقرير طبع هذا الكتاب في «لجنة التأليف» على نفقتها.

____________

(19) أرجو أن يلاحظ أن الرقم الموضوع بين قوسين في الفهارس يدل على أن للعلم ترجمة عند هذا الرقم.

47

و أستاذي العلامة الثبت أمين بك الخولي الذي كان لملاحظاته القيمة على منهج عملي في ابن خلدون فوائد ذات أثر بعيد.

فإليهم جميعا أرفع شكري و اعترافي بالجميل.

و بعد فقد بذلت من جهدي ما استطعت، فإن وفقت فمن فضل الله ولي العون كان ذلك التوفيق، و إن كانت الأخرى- و ما أظنني بمنجاة منها- فحسبي أن أنال أجر ما اجتهدت؟

القاهرة في 6 رجب 1370 ه/ 12 إبريل 1951 م محمد بن تاويت الطنجي‏

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

نصّ الرّحلة

التّعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا (1)

و أصل هذا البيت من إشبيلية؛ انتقل سلفنا- عند الجلاء و غلب ملك الجلالقة ابن أدفونش عليها- إلى تونس في أواسط المائة السابعة

نسبه‏

عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون. (2) لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء العشرة، و يغلب عليّ الظن أنّهم أكثر، و أنّه سقط مثلهم عددا؛ لأنّ خلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس، فإن كان أول الفتح فالمدّة لهذا العهد سبعمائة سنة،

____________

(1) ختم ابن خلدون الجزء الأخير من تاريخه بالتعريف بنفسه، و قد ورد عنوان هذا التعريف في النسختين ش ط بهذه الصيغة، و في النسختين ب ز: «مؤلف هذا الكتاب». و قد استخدم المؤلف العنوان نفسه هنا، و أضاف بخطه قوله: «و رحلته غربا و شرقا».

(2) بفتح الخاء كما ضبطه بخطه بالقلم مرارا، و كما نص عليه السخاوي في الضوء اللامع 4/ 145، و أحمد بابا التّنبكتي في نيل الابتهاج ص 169.

50

فيكونون زهاء العشرين؛ ثلاثة لكل مائة، كما تقدم في أول الكتاب الأول‏ (3).

و نسبنا حضر موت، من عرب اليمن، إلى وائل بن حجر، من أقيال العرب، معروف و له صحبة. قال أبو محمد بن حزم‏ (4) في كتاب الجمهرة: و هو وائل بن حجر بن سعيد (5) بن مسروق بن وائل بن النّعمان بن ربيعة بن الحارث بن عوف ابن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن شرحبيل بن الحارث بن مالك بن مرّة بن حميري بن زيد بن الحضرمي بن عمرو بن عبد الله بن هانئ‏ (6) بن عوف بن جرشم بن عبد شمس بن زيد بن لأي بن شبت‏ (7) بن قدامة بن أعجب بن مالك بن لأي بن قحطان. و ابنه علقمة (8) بن وائل و عبد الجبّار بن وائل‏ (9).

و ذكره أبو عمر بن عبد البرّ في‏ (10) حرف الواو من «الاستيعاب»، و أنّه وفد (11)

____________

(3) انظر المقدمة ص 84 طبع بولاق. حيث قدر أعمار الدول.

(4) هو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري القرطبي (384- 456) انظر الإحاطة ص 142 (مخطوط دار الكتب المصرية) و تذكرة الحفاظ 3/ 321، و تاريخ الأدب العربي لبروكلمن 1/ 400، و الملحق 1/ 694.

(5) ما ذكره ابن خلدون في نسب جدّه وائل عن الجمهرة (111 ب) هو أحد قولين ذكرهما معا ابن عساكر، و المزّى. و قد خلط ابن حجر في الإصابة و تهذيب التهذيب بين القولين فجاء ما كتبه مشوّها غير متلائم. انظر المزّى (ورقة 728 و) و ابن عساكر ج 45/ 148.

(6) الزيادة عن الجمهرة، و ابن عساكر، و المزّى.

(7) قيدها بخطه بفتح الشين و سكون الباء الموحدة بعدها مثناة فوقية.

(8) ترجمته في المزّى ورقة 477 ظ، تهذيب التهذيب 7/ 280.

(9) في الأصل و الجمهرة و ش ط ز «و عبد الجبار بن علقمة بن وائل» و هو خطأ و التصحيح عن المزّى ورقة 383 و، تهذيب التهذيب 6/ 105.

(10) هو الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ النمرى القرطبى (368- 463). نفح الطيب 1/ 119، 123، و تاريخ الأدب العربي لبروكلمن 1/ 367 و الملحق 1/ 628.

(11) انظر قصة وفادته على النبي (صلى الله عليه و سلم) «عام الوفود» في القسم الثاني من الجزء الثاني من تاريخ ابن خلدون ص 56.

51

على النّبي (صلى الله عليه و سلم)، فبسط له رداءه، و أجلسه عليه، و قال: «اللهم بارك في وائل بن حجر و ولده و ولد ولده إلى يوم القيامة».

و بعث معه معاوية بن أبي سفيان إلى قومه يعلّمهم القرآن و الإسلام، فكانت له بذلك صحابة مع معاوية. و وفد عليه لأول خلافته و أجازه، فردّ عليه جائزته و لم يقبلها. و لمّا كانت واقعة (12) حجر بن عديّ الكندي بالكوفة، اجتمع رؤوس أهل اليمن، و فيهم وائل هذا، فكانوا مع زياد (13) بن أبي سفيان عليه، حتّى أوثقوه و جاؤوا به إلى معاوية، فقتله كما هو معروف.

قال ابن حزم‏ (14): و يذكر بنو خلدون الإشبيليّون من ولده، و جدّهم الداخل من الشّرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانئ بن الخطاب بن كريب‏ (15) بن معد يكرب ابن الحارث بن وائل بن حجر. قال: و كان من عقبه كريب بن عثمان بن خلدون و أخوه خالد، و كانا من أعظم ثوّار الأندلس.

قال ابن حزم: و أخوه محمّد كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمّد بن خلدون.

و بنو أبي العاصي: محمّد، و أحمد، و عبد الله. قال:- و أخوهم عثمان، و له عقب. و منهم الحكيم المشهور بالأندلس من تلاميذ مسلمة المجريطي، (16) و هو أبو

____________

(12) ذكرت هذه الواقعة مفصلة في كتاب الأغاني (16/ 2- 11 (بولاق).

(13) هو زياد بن أبي سفيان، و يقال ابن أبيه؛ أخو معاوية بن أبي سفيان. ولد عام الفتح بالطائف، و توفي بالكوفة عام 53 ه. انظر المعارف ص 151.

(14) انظر جمهرة الأنساب لوحة 111 ب.

(15) قيده بخطه بضم الكاف و فتح الراء.

(16) هو أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي. فلكي راصد، له تأليف في الفلك و الفلسفة و السحر و الكيمياء. انظر طبقات الأمم لصاعد ص 69، و عيون الأنباء 2/ 39 و أخبار الحكماء ص 326.

52

مسلم عمر بن محمد (17) بن بقيّ بن عبد الله بن بكر بن خالد بن عثمان بن خالد بن عثمان ابن خلدون الدّاخل. و ابن عمّه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: و لم يبق من ولد كريب الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد ابن عبد الله بن كريب- انتهى كلام ابن حزم.

سلفه بالأندلس‏

و لمّا دخل خلدون بن عثمان جدّنا إلى الأندلس، نزل بقرمونة (18) في رهط من قومه حضر موت، و نشأ بيت بنيه بها، ثم انتقلوا إلى إشبيلية. (19) و كانوا في جند اليمن، و كان لكريب من عقبه و أخيه خالد، الثورة المعروفة بأشبيلية أيام الأمير عبد الله المرواني، (20) ثار على ابن أبي عبدة، و ملكها من يده أعواما، ثم ثار عليه إبراهيم ابن حجّاج، بإملاء الأمير عبد الله و قتله، و ذلك في أواخر المائة الثالثة.

____________

(17) في عيون الأنباء (2/ 41)، و طبقات صاعد (ص 71): «عمر بن أحمد بن خلدون». و ابن خلدون هذا هو أحد أشراف إشبيلية، و كان فيلسوفا مهندسا طبيبا. توفي سنة 449 ه. و قد أخطأ الأستاذ قدري حافظ طوقان في «تراث العرب العلمي في الرياضيات و الفلك» ص 134 حيث حسبه عبد الرحمن بن خلدون صاحب المقدمة، و لم يلتفت إلى الفارق الزمني الفسيح بين وفاتي الرجلين (359 سنة).

(18) قرمونةCarmona) عرضها الشمالي 26- 37 و طولها الشرقي 45- 5) بفتح القاف و سكون الراء و تحريكها، بعدها ميم مضمومة فنون مفتوحة بعد واو ساكنة: مدينة بالأندلس. ياقوت 7/ 72 تاج العروس 9/ 23 الروض المعطار ص 158.

(19) إشبيليةSevilla) أوSeville عرضها الشمالي 24- 37 و طولها الغربي 5- 6) عاصمة بني عباد من ملوك الطوائف بالأندلس. ياقوت 1/ 354 تاج العروس 7/ 386 الروض المعطار ص 18.

(20) هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأموي سابع الخلفاء من بني أمية بالأندلس (270- 300) انظر تاريخ ابن خلدون 3/ 137.