سامراء دراسة في النشأة والبنية السكانية

- صالح أحمد علي المزيد...
200 /
3

[هوية الكتاب‏]

د. صالح أحمد العلي سامرّاء دراسة في النشأة و البنية السكانية شركة المطبوعات للتوزيع و النشر

4

حقوق الطبع محفوظة

شركة المطبوعات للتوزيع و النشر

شارع جان دارك- بناية الوهاد

ص. ب.: 8375- بيروت- لبنان‏

تلفون: 2/ 350721 (01)

تلفون- فاكس: 342005- 353000 (9611)

الطبعة الأولى 2001

تصميم الغلاف، عباس مكي‏

الاخراج الفني، بسمة التقي‏

5

تقديم‏

أنشئت سامرّاء (*) في أواخر الربع الأول من القرن الثالث الهجري، و ظلت مركزا لإقامة الخلفاء العباسيين قرابة خمسين سنة عاد بعدها الخلفاء إلى بغداد.

و كان الدافع الرئيسي لإنشائها الابتعاد عن الأجواء التي سادت بغداد و باعدت أهلها عن تأييد الخلافة العباسية. و استهدف المعتصم من إنشائها تأسيس مدينة متكاملة في تكوينها لإقامة الخليفة و جنده و حاشيته و مؤسساته الإدارية، و لتكون مركزا حضريا تنشط فيه الحياة الاقتصادية و الحضارية و الفكرية التي تقدمت إبّان هذه الحقبة و أثرت في تكوين بغداد السكاني دون أن يقضي عليها أو يخمدها.

و لم يكن المعتصم أول خليفة ينقل مقامه من بغداد، فقد فعل ذلك من قبله الرشيد و المأمون، فأما الرشيد فإنه خلال أيامه التي دامت عشرين سنة لم يمض منها ببغداد سوى ثماني سنوات، و قضى أربع سنوات في التنقل، و استقر خلال السنوات الثماني الأخيرة من خلافته في الرقة. و أما المأمون فأنه بعد أن صفت له الخلافة قضى السنوات الأربع الأولى في خراسان، ثم قضى السنوات الأربع الأخيرة من خلافته متنقلا بين دمشق و مصر و الثغور.

اختار الخليفة العباسي المعتصم موقع سامرّاء في رقعة غير مأهولة بالسكان و أشرف على تخطيطها و بناء قصورها؛ و جلب إليها من المتصلين به و من يقوم بالخدمات لهم، و كان الجند منذ تأسيسها العنصر المتميز في عددهم و مكانتهم و تأثيرهم في توجيه تخطيطها؛ إلا أنها كانت أيضا مركزا للإدارة و الحياة المدنية، فهي شأن الأمصار العربية الأولى، البصرة و الكوفة و حتى بغداد، لم‏

____________

(*) بالعودة إلى «معجم البلدان» لياقوت الحموي، يتبيّن أن لاسم هذه المدينة وجهين هما:

«سامرّاء»، بمدّ الألف، و «سامرّا»، بقصر الألف. و لأن الوجه الأوّل هو الأكثر شيوعا، فقد اخترناه و اعتمدناه في الكتاب كله (المراجع).

6

تكن مجرد «ثكنة عسكرية»، و إنما سرعان ما تنامت فيها الحياة الحضرية و ما تحويه من نشاطات اقتصادية و فكرية.

تظهر حصيلة المعلومات المستمدة من المصادر المعتمدة صورة عامة تختلف في كثير من مظاهرها عما ساد أفكار الناس. فالمعتصم لم يكن أول خليفة عزف عن جعل بغداد مقر إقامته الدائم؛ و انحراف أهل بغداد لم يبدأ به و إنما كان قائما قبله؛ لم تكن له صلة دم بالأتراك، و لا كان أول من جلبهم، و لم يكونوا عماد جيشه، فقد كان بجانبهم أعداد أكبر من الخراسانية و المغاربة العرب و غيرهم؛ و أسكن أكثر الأتراك في أطراف سامرّاء و ليس في قلبها، و فرّقهم في السكن، و لم يكن لهم أو لرؤسائهم دور بارز في الحياة السياسية و الإدارية إلا بعد مقتل المتوكل و ما أعقبه من بروز القادة و ما حدث بينهم من مشاحنات ختمت بعودة الخلفاء في مقامهم إلى بغداد، و كان لهذا الانتقال الأثر الأكبر في تدهور أحوالها.

ذكرت المصادر عن سامرّاء و أهلها معلومات غير قليلة متفرقة و مشتتة، و لم يفرد لها بحثا غير اليعقوبي في كتابه البلدان الذي صار المعتمد الأول للباحثين المحدثين، غير أن كتاباته عنها غير مستوعبة و قائمة على ما جاء في نسخة فريدة قد يكون فيها نقص و بعض التشويش.

أوليت سامرّاء في الأزمنة الحديثة اهتماما ملحوظا، فجرت في آثارها تنقيبات و صفت في عدد غير قليل من الكتب و المقالات، و نشرت عنها أبحاث كثيرة تصف بعض مخلفاتها الأثرية و بعض جوانب الحياة السياسية و الأدبية و الفكرية و الحضارية؛ و لكن لم يفرد بحث للتركيب السكاني لأهلها و تنظيماتهم؛ و هذا الكتاب يعالج هذا الجانب، و يهدف إلى سدّ هذا الفراغ، و إذا كانت كثير من الحقائق التي وردت فيه معروفة من قبل، فإن الصورة العامة التي يقدمها لم تحظ بالعناية الجديرة بها، و هي إسهام في توضيح أحوال سامرّاء و في تطور الحياة الحضرية في الإسلام نرجو أن يكون في نشرها توضيح لجوانب كانت مغفلة.

و من الله التوفيق‏

7

الفصل الأول المصادر

لم يرد ذكر كتاب مفرد لتاريخ سامرّاء (*) غير كتاب بهذا العنوان ذكر من السخاوي أنه ألّفه أبو البركات و نقل عنه الصفدي في كتابه الوافي في الوفيات في ترجمة يونس بن أيوب‏ (1)، و لم يصلنا هذا الكتاب، لذلك فإن اعتمادنا في دراسة تاريخ سامرّاء، على ما كتب المؤلفون عنها ضمن النطاق العام لدراساتهم، و تيسيرا للبحث نصنفها إلى كتب البلدانيين، و مؤلفات التاريخ العام، و كتب الآداب العامة، ثم الدراسات الأدبية و التاريخية و الأثرية الحديثة.

كتب البلدانيين‏

ذكر عدد من البلدانيين الذين وصلتنا كتبهم أحوال سامرّاء عندما كانت مركز الخلافة العباسية و بعد انتقالهم منها، و في كتاباتهم المقتضبة إشارة إلى بعض خصائصها.

و أقدم من وصلتنا كتاباته عن سامرّاء البلاذري الذي خصّها في كتابه «فتوح البلدان» بصفحة ذكر فيها إنشاءها و بعض معالمها، و محاولات بعض الخلفاء العباسيين الأولين نزولها، ثم محاولات المعتصم بناء مدينة عند القاطول، ثم اختياره موقع سامرّاء، و بعض ما بناه، و تشييد الواثق للهاروني، و بعض تفاصيل‏

____________

(*) بالعودة إلى «معجم البلدان» لياقوت الحموي، يتبيّن أن لاسم هذه المدينة وجهين هما:

«سامرّاء»، بمدّ الألف، و «سامرّا»، بقصر الألف. و لأن الوجه الأوّل هو الأكثر شيوعا، فقد اخترناه و اعتمدناه في الكتاب كله (المراجع).

(1) انظر: علم التاريخ عند المسلمين 633.

8

أبنية المتوكل. و تاريخ الابتداء منها، و الانتقال عنها (1). و يبدو أن النسخة التي طبعها دي غويه من كتاب فتوح البلدان، و أعاد طبعها رضوان محمد رضوان و صلاح الدين المنجد غير كاملة إذ نقل ياقوت عن البلاذري معلومات عن بعض المعالم العمرانية في سامرّاء و منطقتها غير موجودة في النسخة المطبوعة؛ فمن ذلك نقله عن البلاذري «بيعة المطيرة محدثة بنيت في خلافة المأمون و نسبت إلى مطر بن فزارة الشيباني و كان يرى الخوارج» (2) و قوله «الإيتاخية تعرف بإيتاخ التركي سماها المتوكل المحمدية باسم ابنه محمد المنتصر، و كانت تعرف أولا بدير أبي صفرة، و هم قوم من الخوارج، و هي بقرب سامرّاء» (3) و قوله «دير الطواويس و هو بسامرّاء بكرخ جدان يشرف عند حده آخر الكرخ على بطن يعرف بالبس فيه زروع، يتصل بالدور و هو الدور المعروف بدور عربايا، و هو قديم كان منظرة لذي القرنين، و يقال لبعض الأكاسرة، فاتخذه النساطرة ديرا في أيام الفرس» (4).

تفرد اليعقوبي في كتابه البلدان بذكر تفاصيل عن سامرّاء، فخصّها باثنتي عشرة صفحة و هي أكثر ما خصص لأي بلد بعد بغداد، و تميزت معلوماته عنها بالشمول و كانت معتمد الباحثين المحدثين، و لم تصلنا منه إلا نسخة واحدة طبعها دي غويه مكملة مع كتاب «الأعلاق النفيسة» لابن رسته. و لا نعلم فيما إذا كانت المعلومات الواسعة التي ذكرها كاملة، إذ لم ينقل من المتأخرين ما كتبه عن سامرّاء غير عبد المنعم الحميري في كتابه «الروض المعطار» حيث نقل صفحات متطابقة مع المطبوع من كتاب «البلدان» و أغفل نقل معلومات أخرى وردت في المطبوع، و قد نقل الحميري عنه ما كتبه عن القاطول (150) و الجعفري (177) و الجوسق (82) و سامرّاء (300).

رتب اليعقوبي معلوماته تبعا لتعاقبها الزمني، فبدأ بالكلام عن أحوال موقعها، و اهتمام بعض الخلفاء العباسيين بها، ثم تحدث عن الاهتمام بجلب‏

____________

(1) فتوح البلدان 96.

(2) معجم البلدان 4/ 568.

(3) م. ن 4/ 430.

(4) م. ن 2/ 35.

9

الأتراك، و استقرار المعتصم على اختيار موقع سامرّاء، و إعمار الجانب الشرقي.

ثم تحدث عن توسعها في زمن الواثق، ثم في زمن المتوكل، و بناء الجعفرية و خططها، و التوسع الذي حدث فيها زمن المعتمد. و شمل بحثه القصور، و الشوارع، و الإقطاعات و الأسواق. و كان بحثه المعتمد الأول للباحثين المحدثين، و بخاصة الآثاريين الذين عنوا بآثار القصور. و لم تكتشف حتى اليوم من كتاب اليعقوبي مخطوطة أو مقتبس عن سامرّاء يضيف أو يعدل ما جاء في المطبوعة علما بأن ما جاء فيها لا يحجب حقيقة أنها غير مستوعبة. أشار المقدسي إلى أحوالها في أيام عز إعمارها، ثم أفاض في وصف جامعها و منارتها و أساطين المجامع، و إلى تدهور أحوالها؛ و تفرّد بالكلام عن الكعبة التي ادّعى أن المتوكل بناها ليحج إليها الناس.

و خصّ الاصطخري في كتابه «المسالك» سامرّاء بثلاثة أسطر ذكر فيها ما بناه كل من المعتصم و المتوكل و قال «إن العمران في غربي دجلة قليل و إن العمارة منه ما يحاذي سامرّاء أميالا يسيرة، و الباقي بادية» (1). و كلامه أكثر انطباقا على المنطقة، و ليس على المدينة. و أفرد ابن الفقيه تسع صفحات لسامرّاء (143- 151) ذكر فيها أقوالا للشعبي و لإبراهيم بن الجنيد، و محاولة الخلفاء العباسيين الأوائل اختيار منطقتها لتشييد عاصمة لهم. ثم ذكر ما شيده كل من المعتصم، و المتوكل من قصور فيها، و ذكر أشعارا في مدحها، و ذكر معلومات عن النهر الذي عمله المتوكل لإدخال الماء إلى المسجد الجامع و شوارع سامرّاء، و الجسر (2) و تفرّد بذكر هذا النهر و بالقصور التي شيدها المعتصم بقربها. و ذكر الشابشتي وصفا لبعض قصور سامرّاء و ما شيده المتوكل، و بعض الأديرة التي بقربها. و أعمالها و ضياعها مضمحلة، قد تجمع أهل كل ناحية منها إلى مكان لهم به مسجد جامع و حاكم و ناظر في أمورهم و صاحب معونة يصرفهم في مصالحهم. و كانت مدينة استحدثها أبو إسحاق المعتصم بن الرشيد، طولها سبعة فراسخ على شرقي دجلة، و كان شرب أهلها منها، و ليس‏

____________

(1) المسالك 85.

(2) البلدان 42- 51 (مخطوطة شهد).

10

بنواحيها ماء يجري إلا أنهار القاطول التي تصبّ بالبعد منها إلى سواد بغداد.

و عمارتها و مياهها و أشجارها في الجانب الغربي بحذائها ممتدة، و المواضع التي ذكرتها مدادا هي مدن قائمة بينها كدور العرباي و الكرخ و دور الخرب و صينية سر من رأى نفسها في وسطها، و من أول ذلك الى آخره عند دور الخرب نحو مرحلة لا ينقطع بناؤها و لا تخفى آثارها، و هي إسلامية، و لما ابتدأ بناءها المعتصم استتمه المتوكل، و هواؤها و ثمارها أصح من ثمار بغداد و هوائها و لها نخيل و كروم و غلات يحمل إلى مدينة السلام. و هي الآن خراب أكثرها (1)، و كلامه عن تجمع النواحي و مساجدهم الجامعة و إدارتهم قد ينطبق على بعض المستوطنات حولها كالقادسية و المطيرة و الماحوزة و الدور. و نقل أبو الفدا عن العزيز المهلبي أن سامرّاء على شاطى‏ء دجلة الشرقي، و هو بلد صحيح الهواء و التربة، قال و ليس فيها عامر اليوم سوى مقدار يسير كالقرية، «و نقل عن ابن سعيد بناها المعتصم و أضاف إليها الواثق المدينة الهارونية، و المتوكل المدينة الجعفرية فعظم قدرها» (2). و في هذا النص إبراز لأهمية الهارونية، غير أن كلامه من حيث العموم مقتضب، و لا يشير إلى من سكنها من الناس. خصّ ياقوت سامرّاء بفصل طويل ذكر فيه اشتقاق اسمها و تحديد موقعها و قدمها، و محاولات السفاح و المنصور اتخاذها عاصمة لهما، و وضع الأتراك في بغداد، ثم نقل ما ذكره المقدسي، و قصورها و كلفتها، و قصائد في أحوالها و ذكر أنها خربت فلم يبق منها إلا موضع المشهد الذي ترى الشيعة أن به سرداب القائم المهدي و محلة أخرى بعيدة منها يقال لها كرخ سامرّاء، و سائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر إليها.

و نقل عن العزيزي للمهلبي قوله «و أنا اجتزت بسر من رأى منذ صلاة الصبح في شارع واحد ماد عليه من جانبيه دور كأن اليد رفعت عنها للوقت لم تعدم إلا الأبواب و السقوف، فأما حيطانها فكالجديد، فما زلنا نسير إلى بعد الظهر حتى انتهينا إلى العمارة منها، و هي مقدار قرية يسيرة من وسطها ثم سرنا

____________

(1) صورة الأرض 218.

(2) تقويم البلدان 301.

11

من الغد على مثل تلك الحال فما خرجنا من آثار البناء إلى نحو الظهر». ثم ذكر في مدحها أبياتا و أقوالا لابن المعتز يذكر مزاياها على بغداد (1).

كتب التاريخ العام‏

في كتب التاريخ العام التي تبحث الأحوال السياسية مرتبة تبعا لتعاقبها الزمني معلومات عن سامرّاء و أهلها، و إشارات إلى بعض المعالم العمرانية فيها، و بخاصة في زمن المعتصم الذي شيدها، و إلى الأحداث التي تلت مقتل المتوكل إلى انتقال المعتمد منها إلى بغداد، حيث تعرضت الأحوال السياسية إلى اضطرابات ذكر خلالها عددا من معالمها العمرانية و تركيب سكانها و بعض أحوالها، و من هذه الكتب عدد ألّف بعيد هذه الأحداث، و أبرزها كتابا تاريخ اليعقوبي و مروج الذهب للمسعودي اللذين أورد كل منهما معلومات مقتضبة قيّمة تكمل ما ورد في الكتب المفصلة.

و لابدّ من أن يكون في الجزء الأول من كتاب «الأوراق» للصولي معلومات مغنية إذا حكمنا عليها بما أورده في الجزءين التاليين المتوافرين لدينا. غير أن المخطوطة الفريدة التي في لينينغراد لم تنشر و لم يتيسر الاطلاع عليها.

و لتاريخ الطبري مكانة في دراسة معالم سامرّاء و أهلها و لابد من أن الطبري قد شهد بعض أحداثها المتأخرة، كما تابع أحوالها منذ بنائها، و قدّم تفاصيل واسعة عن كثير من الأحداث التي مرت بها ذكر خلالها تفاصيل متفرقة عن كثير من معالمها العمرانية و تركيب سكانها و أحوالهم و مواقفهم. فكتابه يوازي، إن لم يفق، في أهميته كتاب: البلدان لليعقوبي في هذا المضمار.

و كتب الجاحظ رسالة طويلة عنوانها: «مناقب الأتراك» وصف فيها تركيب الجيش العباسي في زمنه، و عرض لخصائص مجموعاتها، و خصّ الترك فيها بأربع صفحات ذكر فيها ما تميزوا به، و معلوماتها قيّمة، علما بأنها لا تزيد على ثمن الرسالة.

____________

(1) معجم البلدان 3/ 14- 24.

12

كتب الآداب العامة

شهدت سامرّاء إبّان مقام الخلفاء العباسيين فيها الكثير من الشعراء و الأدباء و أهل الفكر و العلم و من أبرزهم الجاحظ و البحتري و أبو تمام و الكندي و بنو موسى بن شاكر و عدد من الأطباء، و اطلع كثير منهم على الأحداث، و شارك بعضهم فيها، و في كتاباتهم و تراجمهم معلومات متفرقة غنية عن سامرّاء و أهلها وصلنا كثير منها في المؤلفات التي عنيت بالتراجم و أبرزها «معجم الأدباء» لياقوت الحموي، و «وفيات الأعيان» لابن خلكان: و «نثر الدر» للآبي، و «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني.

الدراسات الحديثة

نشرت في الأزمنة الحديثة دراسات كثيرة تاريخية و آثارية عن سامرّاء و أهلها، فأما الدراسات التاريخية فقد عني أكثرها بدراسة الترك و شمل بعضها ما يتصل بأهل سامرّاء؛ و في طليعة هذه الدراسات كتابا بارثولد «تركستان حتى العهد المغولي» و «الترك في أواسط آسيا» و كلا الكتابين منقول إلى العربية.

و نشر ريتشارد فراي مقالا عن الترك في الشرق الأوسط قبل «السلاجقة» طبع سنة 1943 في مجلة مدرسة اللغات الشرقية في لندن و عن «الترك في خراسان» نشر في مجلة «العالم الإسلامي» سنة 1945.

و نشرت كرونا «عبيد على الخيل» و بابيس عن «الجند الرقيق من الإسلام» و تطرقت هذه المؤلفات إلى الأتراك في سامرّاء.

و نشر الدكتور فاروق عمر فوزي سنة 1974 كتابا عن «الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية» وصف فيه الأحداث التي أسهم فيها العسكر في سامرّاء و بغداد بعد مقتل المتوكل و امتدت خمسا و عشرين سنة انتهت بانتقال مقام الخلافة إلى بغداد.

13

و نشر الدكتور يونس السامرّائي كتابا في ثلاثة مجلدات عن الحياة الأدبية في سامرّاء. كما وضعت دراسات لم تنشر تتصل بالحياة في سامرّاء؛ أبرزها رسالة بهجت كامل عن المتوكل و عصره و لبيد إبراهيم عن الترك.

و أبرز الكتب في هذا الميدان ما ألّفه هرز فيلد و أحمد سوسة و أحمد عبد الباقي. فأما هرز فيلد فقد عرض في كتابه «تاريخ سامرّاء» معالم المنطقة، و خطط سامرّاء و بعض أعمال الخلفاء فيها؛ و يضم بحثه معلومات غنية واسعة مستمدة من مصادر التاريخ و الآداب العربية، و من بعض الآثار.

و بحث أحمد سوسة في الجزء الأول من كتابه «سامرّاء في عهد الخلافة العباسية» 1948؛ موقع سامرّاء، و معالمها الأثرية و القاطول الكسروي، و منشآت المتوكل، و استوعب المادة في كتب التاريخ مع تحقيقات ميدانية معززة بخرائط مفصلة.

و نشر أحمد عبد الباقي سنة 1989 كتاب تاريخ سامرّاء في مجلدين بحث فيه تاريخ الخلفاء فيها، و معالمها العمرانية، و الحياة الإدارية و الفكرية فيها، و أفاد في نشره عن آثارها مع إضافة ملاحظات قيّمة عن عدد من الآثاريين بمعالم سامرّاء الآثارية التي لاقت اهتماما منهم يفوق ما لاقته أيّ مدينة عراقية أخرى، و من أوائلهم فيوليه الذي زار المنطقة و درس بعض أطلالها، و وضع سنة 1911 دراسة عن قصر المعتصم نشرها في «مذكرات علماء و الرسائل الجميلة»؛ و كتب فازلييف سنة 1909 بحثا وصف فيه قصر المعتصم. و قامت البعثة الألمانية بدراسات ميدانية واسعة عن أطلال سامرّاء و آثار معالمها العمرانية، و نشرت ثمار دراستها في عدة مجلدات ضخمة، و نشر هرز فيلد دراسة عن سامرّاء، و تلاها فصول كتبها في مؤلّف «رحلة آثارية في منطقة الفرات و دجلة» صدر سنة 1911، ثم أعقبه بدراسة أولية عن قصر بلكوارا، و قصر العاشق سنة 1912، ثم بمقال مختصر عن سامرّاء نشره في الجزء الخامس من مجلة «الإسلام» سنة 1914 ثم دراسات عن زخارف سامرّاء و بعض معالمها الأثرية (برلين 1923) و تحدثنا أعلاه عن كتابه تاريخ سامرّاء، و نقلت مخلفاته العلمية إلى متحف بيبودي في أمريكا و منها خارطة لم تنشر عن معالم سامرّاء العمرانية.

14

و نشر الأستاذ كوهنل كتابا عن سامرّاء و الفنون الإسلامية (برلين 1939) و كتب روجرز فصلا عن سامرّاء نشره ضمن كتاب «المدينة الإسلامية» سنة 1970 عرض فيه ملاحظات قيّمة عن سامرّاء.

و من أحدث المعنيين بدراسة سامرّاء الآثاري البريطاني السر نورثج الذي درس عددا من معالم سامرّاء العمرانية مستعينا بتصاوير جوية حديثة، و نشر ثمار بعض أبحاثه في مقالات، منها تقرير عام عن سامرّاء و معالم منطقتها (1983).

و دراسة عن جامع أبي دلف نشرها في مجلةIrag سنة 1985، 1986؛ و أخرى عن حلبة الخيل نشرها في مجلة مدرسة اللغات الشرقية و الأفريقية في لندن سنة 1995؛ كما نشر سنة 1990 بحثا عن القادسية و أنهارها، ثم بحثا عن الاصطبلات نشره سنة 1992 في مجلة الأركيولوجيا الإسلامية، و بحثا عن قصر الخاقاني نشره في مجلة الفنون الشرقية سنة 1993، و بحثا عن سامرّاء نشره في الحلقة الدراسية الشرقية في جامعة برنارد كارل من توبنجن سنة 1990، و أكثر أبحاثه معززة بخرائط معتمدة على المسح الجوي، كانت معتمدنا في الخرائط المنشورة في هذا الكتاب.

و قامت مديرية الآثار العامة بدراسات ميدانية لبعض معالمها، و نشرت تقريرا عن حفريات سامرّاء سنة 1940؛ و كتابا عن سامرّاء أصدرته في السنة نفسها، و كتب ناجي الأصيل بحثا عن سامرّاء نشره في مجلة الأندلس 1947 و آخر نشره في سومر 1947؛ كما نشر حافظ الجنابي دراسة نشرها في سومر 1980 و نشرت مجلة سومر في أعداد متفرقة من ثمار الدراسات الميدانية لآثار سامرّاء.

لقد راعت الدراسة التي نقدمها في هذا الكتاب المعلومات التي أوردتها المصادر الأدبية و الدراسات الآثارية الحديثة إلا أنها ركزت على الأحوال السكانية و أسس الحياة الحضرية و مظاهرها؛ و هي تبدأ بمقدمة عن سمات المعتصم و توجهاته، ثم وصف عام للمكان الذي اختاره لتشييد عاصمته ثم عن قصور الخلفاء و أصحاب المكانة و الجاه، يتلو ذلك أبحاث عن التركيب العرقي‏

15

لأهل سامرّاء، و مناطق سكن كل مجموعة، و أحوالها الاجتماعية و المعاشية و هي محاولة لتوضيح مظاهر و تطور الحياة الحضرية و أسس الأحوال العمرانية و الاقتصادية مما لم يلق من الباحثين ما يستحقه من اهتمام على الرغم من سعة أثره باعتباره أساس هذه الأحوال.

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الفصل الثاني المأمون و أهل بغداد

بغداد قبل خلافة المأمون:

حرص الخلفاء العباسيون الأوائل على تثبيت السلم و الأمن في بغداد بعد تأسيسها فازدهرت فيها الحياة الاقتصادية و الفكرية. و تزايد سكانها بمن أمّها و أقبل على الإقامة فيها، و كوّن قرب السكن و المصالح المادية و الفكرية تعاونا في الحياة و التعايش و توثيق الروابط بينهم دون أن يضعضعها تعدّد التيارات الاجتماعية و الفكرية التي ظهرت فيها وزادت في حيويتها و تقدير الناس لأهميتها في ازدهارهم و تقدّمهم‏ (1).

و كان النزاع بين الأمين و المأمون الذي امتد سنوات و أدّى إلى حرب طاحنة و حصار شديد قد أحدث رجة واسعة و عميقة في حياة أهل بغداد. و قد اعتمد المأمون في محاولته الانتصار على قوات من خراسان الذين كانوا عماد ثورة العباسيين و نجاحهم في القضاء على الدولة الأموية و إقامة خلافتهم و تأمين السلم في بغداد و إعادة التماسك في وحدة الدولة. و لكن القوات التي أرسلها المأمون كانت تتحدى مكانة بغداد المتميزة. و قد أفلح المأمون في تحطيم الجيش الذي كان يدافع عن الأمين و خلافته، و لكن أهل بغداد عوضوا عن هذا الفراغ عسكريا بقيام القادرين على القتال من أبناء الشعب و من غير الجند بالدفاع عن مدينتهم، فلم يفلح طاهر بن الحسين بجيشه المدرب المنتصر في أن يخترق حصار بغداد التي صمدت أكثر من سنة، و لم ينهر دفاع أهلها إلا بعد

____________

(1) انظر كتابنا «بغداد مدينة السلام» و بخاصة الجزء الثاني.

18

التخلخل الذي أصابهم جراء الحصار الاقتصادي و تخاذل عدد من ذوي المصالح المادية في بغداد.

موقف أهل بغداد من انتصار المأمون:

أظهر مقتل الأمين و انتصار جيوش المأمون قضايا متعددة يتجلى منها نفور أهل بغداد من انتصار المأمون الذي أدى إلى تفكك الجيش الذي كان يحفظ الأمن و النظام في بغداد. و قويت بتفككه «المليشيات» الشعبية في بغداد، فتحدّت السلطة، و عبثت بهيمنتها، و تولت تأمين إدامة الحياة لأهل بغداد، و انقسمت الأسرة العباسية فأيد فريق منها إبراهيم بن المهدي الذي نادى بنفسه خليفة فيها، و اضطرب الأمن خارج بغداد، فثار عدد من الطامحين و من أبرزهم أبو السرايا العلوي، و اعتمد في ثورته على أهل الكوفة الذين كانت لهم منذ القدم ميول علوية، و لابدّ أن استياءهم زاد بنمو بغداد التي أصبحت مركز الخلافة و المكان الذي يهيمن رجاله على شؤون الدولة و تنصب فيه الجبايات.

و لابدّ أن هذه الأحوال أضعفت سيطرة الدولة على الريف وقادت إلى تفكك النظام فيه و تدهور الزراعة، مما أدى إلى تناقص الجبايات التي تعتمد عليها الدولة في إعاشة رجالها و جندها.

أدرك المأمون أهمية بغداد و مكانتها المثبتة في الدولة، و أدرك أن لباس الخضرة و تعيين عليّ الرضا وليا للعهد زاد من استياء بغداد التي فهم أهلها منهما أن المأمون معتزم السير على سياسة تخالف ما ألفه أهل بغداد و اعتبروه جزءا من سماتهم المميزة، فترك لباس الخضرة و عاد إلى لبس السواد، و بذلك أضعف الأسس التي استند إليها المعارضون في تمردهم على المأمون، و لم يتماد في اتّباع هذه السياسة المتحدية لمشاعر أهل بغداد، و إنما عمل على تبديلها، فقتل الفضل بن سهل الذي كان ذا ميول فارسية و يدفع المأمون إلى الأخذ بها. و توفي علي الرضا. و انتقل المأمون إلى بغداد فدخلها سنة 204 و أعاد لبس السواد، و تغاضى عمن وقف ضده من أهل بغداد، و عمل على لمّ شمل العباسيين و رجالهم، و قرب العلماء و أهل الفكر، و خفف الخراج عن الريف، فجعله خمس المحصول بعد أن كان نصفه، و أعاد نظام الجباية

19

و الدواوين بعد احتراق السجلات، و أرسل حملات لقمع حركات الخوارج في الجزيرة، و حركات التمرد في بلاد الشام و مصر، و بذلك عاد الاستقرار نسبيا إلى بغداد، و اطمأن أهلها؛ و لكن هذا الاطمئنان لم يكن تاما، فقد ظل فريق كبير لا يؤيده بمن في ذلك بعض كبار رجال الأسرة العباسية ممن كانوا يدعون إلى خلافة إبراهيم المهدي الذي كان ممن أيده ابن عائشة، و هو من أحفاد إبراهيم الإمام، كما أيده محمد بن إبراهيم الأفريقي و مالك بن شاهين و مؤيدوهم. و قد حاولوا إثارة الاضطراب و قاموا بإحراق بعض الأسواق، فعلم المأمون بحركتهم و أعدم البغواري و سجن رؤساءهم، و لكنه لم يعرض المؤيدين من القواد و غيرهم.

و كان كثير من أهل الحديث لا يؤيدون المأمون، مما حمله في أواخر حكمه إلى مناصرة المعتزلة، و عبّر عن ذلك بكتب أرسلها من دمشق إلى و اليه على بغداد بإلزام الناس، و فيهم كثير من المحدثين، على القول بخلق القرآن‏ (1).

ثم سار المأمون إلى بلاد الشام و مصر، فدخل دمشق ثم الفسطاط ليؤصل أهلها و يمكّن الثقة في نفوسهم.

غير أن الاستقرار لم يكن استقرارا تاما، فكانت الروم تهدد أطراف الدولة الشمالية، و بابك يهيمن على المناطق الجبلية في أذربيجان و يتعاون مع الروم، و كان الزط يعيثون بالأمن في جنوب العراق. فاهتم المأمون بأمر الروم وقاد بنفسه جيشا لقتالهم فأرهبهم تقدّمه، و لكن المنية عاجلته قبل أن يحرز انتصارا حاسما عليهم.

و كان المأمون بعد وفاة علي الرضا قد أغفل معالجة مشكلة ولاية العهد التي كانت مصدر قلق يهدد تماسك الأسرة العباسية، فلما شعر بدنو أجله عمل على معالجة هذه القضية، و أعلن تعيينه لولاية العهد أخاه المعتصم، على أن يتلوه ابنه العباس.

____________

(1) أوسع و أقدم الكتب عن أعمال المأمون و أحواله ببغداد هو كتاب «بغداد» لطيفور الذي طبع منه الجزء المتعلق بسنوات مجي‏ء المأمون بغداد إلى وفاته و يتلوه في الأهمية ما كتبه الطبري في تاريخه.

20

المأمون نشأته و توجهاته:

المأمون أكبر أولاد هارون الرشيد ولد في قصر الخلد في بغداد سنة 170 (1) من أم اسمها مراجل و هي بادغيسية، و بعد ستة أشهر من السنة نفسها ولد أخوه محمد الأمين من زبيدة. و في سنة 175 جعل الرشيد ابنه محمدا وليّ عهده‏ (2)، و كان عمره آنذاك خمس سنوات، و في سنة 183 جعل ابنه المأمون وليّ عهد ثانيا يتلو الأمين، و كتب بذلك كتابا علق نسخة منه على الكعبة توكيدا لوجوب احترامه، و جعل في هذا الكتاب للمأمون السلطة على خراسان ثغورها و كورها و أجنادها و طرازها و بيوت أموالها و صدقاتها و عشورها، من حدّ همدان إلى آخر المشرق‏ (3).

و قد اتخذ المأمون مقر إقامته في مرو، و هي قاعدة إقليم خراسان الذي استوطنته منذ زمن معاوية جالية من العرب قوامها خمسون ألف مقاتل بعيالاتهم، فتابعوا الفتوح في أواسط آسيا و ضمّوا إليهم أعدادا كبيرة من مقاتلة أهل البلاد، و توزعوا على عدد من مدنها، و حرص العباسيون على نشر دعوتهم بينها. و أفادوا من الانقسامات بين العرب، فامتدت دعوتهم و أفلحوا في السيطرة عليها و التقدم إلى العراق بعد أن دحروا جيوشا أرسلتها الخلافة الأموية للقضاء على حركتهم.

و لما تطوّر الخلاف بين المأمون و أخيه الخليفة الأمين و حدثت الحرب بينهما اعتمد الأمين على الجيش المقيم في بغداد، فلما اندحر هذا الجيش و تفكك، اعتمد على أهل الجانب الغربي الذين أظهروا تماسكا و حمية في الدفاع عن مدينتهم و إفشال المحاولات التي قام بها جيش طاهر بن الحسين للتغلب على مقاومتهم، و قد شاركت مختلف الفئات بمن فيها «الخراسانيون» المقيمون في بغداد، في الصمود و الإسهام في الدفاع عن مدينتهم، و لم يرد في‏

____________

(1) الطبري 3/. 1140

(2) م. ن 3/ 610-. 611

(3) م. ن 3/ 654 فما بعد.

21

الأخبار حدوث تخلخل في القوات المنوّعة الشعبية التي كانت تدافع عن بغداد، و دام الحصار أكثر من سنة لم يستطع جيش طاهر بن الحسين التغلب على مقاومة أهل بغداد و اختراق دفاعاتهم، و ظلّت المعارك الرئيسية في الأطراف الشمالية و الغربية من المدينة المدوّرة، و لم يفلح طاهر بن الحسين في ضعضعتهم إلّا بعد أن عمد إلى الحصار الاقتصادي فمنع المسير عنها، مما أضرّ مصالح تجار الكرخ الذين لم يؤيدوه قبل ذلك.

و لما قتل الأمين و انهارت مقاومة أهل بغداد وصفت الخلافة للمأمون، ولي إدارة العراق الحسن بن سهل أخو الفضل. و لم يرفض أهل بغداد خلافة المأمون، إلا أنهم لم يؤيدوها بمن فيهم بقايا «الخراسانية» في بغداد، و كان سلطان المأمون على بغداد ضعيفا و ظهرت حركات شعبية معارضة فيها، و تمردت في أطرافها، أبرزها حركة الرويبضة و على رأسهم خالد بن درويش، و سهل بن سلامة (1).

ثم استدعى المأمون علي الرضا من المدينة إلى مرو و جعله وليّ عهد المسلمين و الخليفة من بعده‏ (2)، فكان في هذا إخراج سلمي مصمّم للخلافة من البيت العباسي، و هو قد يشير إلى نقل دائم لها إلى العلويين، كما أنه تم في مرو، و ليس في بغداد. و لم يؤيد علي الرضا المأمون في اندفاعه بمتابعة التقاليد الساسانية المتجلية بجعله لباس الخضرة مكان السواد، و دفعه إلى التخلص من نفوذ الفضل بن سهل و توجهاته الفارسية، و نصحه بالعودة إلى بغداد دار خلافة آبائه و ملكهم ليتوسط سلطانه و يشرف على أطرافه‏ (3).

إلا أن آثار هذا التوجيه جاء متأخرا، و قد ظهر الاستياء من المأمون في بغداد واضحا بعد بيعة علي الرضا بالعهد، و كان الاستياء أوضح عند

____________

(1) الطبري 3/ 998، و انظر تفاصيل أوفى عن أحوال بغداد إبّان الحصار و بعده، من كتاب محمد رجب النجار «الشطار و الصيارون».

(2) الطبري 3/ 2012.

(3) المصدر نفسه 3/ 997.

22

العباسيين، فبايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة بعد أربعة أشهر من بيعة المأمون علي الرضا بولاية العهد، و بايعه أيضا كثير من القواد و الموالي، و رضي به أكثر الناس، و فقد الحسن بن سهل الذي ولاه المأمون على بغداد سيطرته عليها فلجأ إلى المدائن و اتخذ مقامه فيها (1).

غير أن تولي إبراهيم بن المهدي الخلافة لم يلق تأييدا فلم تبايعه الأقاليم، و لم يحاول الاتصال بها و لم يفلح في الهيمنة على العراق فقامت بوجهه ثورات متعددة في المدائن و في الكوفة و عارضه عدد من القواد البارزين ببغداد فتزعزعت مكانته، ثم اضطر إلى التنازل عن الخلافة التي أشغلها أقل من سنة.

اعتمد المأمون منذ عودته إلى بغداد على أحمد بن أبي خالد في إدارة الدواوين، و لم تسمّه المصادر وزيرا مع أن عمله هو عمل الوزراء، و أحمد اصله من بلاد الشام، و كانت لأسرته صلة بالدولة العباسية في أول عهدها، فكان أبوه، كاتبا لعبيد الله الأشعري وزير المهدي، و كان هو مع المأمون في خراسان، فقدم معه إلى بغداد (2) و ولاه الإدارة بعد عزله الفضل بن سهل. و ظل في عمله إلى أن توفي سنة 215، فتولى أمور الإدارة بعده أحمد بن يوسف، و كان قبل ذلك يتقلد المأمون بعد عودته إلى بغداد ديوان السر و بريد خراسان و صدقات البصرة. (3) و في الكتب أخبار متفرقة عن الرجلين تظهر مرونتهما في الإدارة و اهتمامهما بشؤون الناس، دون الاهتمام بالأمور الفكرية و الإدارية أو أيّ توجهات سياسية خاصة.

أولى المأمون لدى عودته تقديرا كبيرا وثقة بطاهر بن الحسين، فأسند إليه حمل الحربة أمامه، ثم ولاه بعد سنة على الجزيرة الفراتية و الشرطة و الجانبين من بغداد (4) ثم عقد له في السنة نفسها على خراسان و الجبال من حلوان إلى‏

____________

(1) الطبري 3/ 1016.

(2) طيفور 119.

(3) م. ن 3.

(4) م. ن 109.

23

خراسان‏ (1) و بعد ستة أشهر ولي ابنه عبد الله بن طاهر مصر و محاربة نصر بن شبث الخارجي‏ (2). و لم يقض طاهر في ولاية المشرق طويلا إذ توفي سنة 207 (3). فولى المأمون مكانه ابنه عبد الله بن طاهر (4)، غير أن عبد الله بن طاهر بقي في الشام يحارب نصر بن شبث خمس سنوات‏ (5)، و استخلف أخاه طلحة على خراسان و ابن عمه إسحاق بن إبراهيم على مدينة السلام‏ (6).

أما القضاء في بغداد فقد تتابع عليه عدد لم يبق أكثرهم في عمله أكثر من سنة، فولى قضاء مدينة المنصور محمد بن سماعة ثم إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ثم بشر بن الوليد الكندي، و جعل على قضاء الشرقية، و يمتد سلطانها على جنوب المدينة المدوّرة، محمد بن أبي رجاء الخراساني، ثم محمد بن سماعة، ثم عكرمة السرخسي، فحفص بن غياث، فالحسين الصوفي. و جعل على قضاء الجانب الشرقي فتيبة بن زياد الخراساني. ثم محمد بن عمر الواقدي، فمحمد بن عبد الرحمن المخزومي فبشير بن الوليد الكندي، فجعفر ابن عيسى الحسني، فهارون الزهري.

في كتب التاريخ و الآداب معلومات كثيرة متفرقة عن اهتمامات المأمون في السنوات العشر التي أقام خلالها في بغداد، يتبين منها حرصه على الاجتماع بالفقهاء و المتكلمين و أهل الأدب و الشعر؛ فيروي طيفور قائلا: «لما دخل المأمون بغداد و قرّ بها قراره، أمر أن يدخل عليه من الفقهاء و المتكلمين و أهل العلم جماعة يختارهم لمجالسته و محادثته، و اختير له من الفقهاء مائة رجل، فما زال يختارهم طبقة بعد طبقة حتى حصل على عشرة منهم أصحاب أحمد ابن أبي دواد و بشر المريسي، كما كان يسمي له قوم من أهل الأدب‏

____________

(1) طيفور 149.

(2) م. ن 13.

(3) م. ن 17، 29.

(4) م. ن 15، 20.

(5) م. ن 18.

(6) م. ن 72.

24

يجالسونه‏ (1)، و ممن كان يحدثه في الفقه و المسائل اللؤلؤي» (2). و رويت أخبار عن سماعه المناقشات و مشاركته في إبداء الرأي ببعضها، و رحابة صدره و يقول:

«أبحنا الكلام، و أظهرنا المقالات، فمن قال بالحق حمدناه، و من جهل الأمرين حكمنا فيه‏ (3)»، و تروي الأخبار عن مجادلته بعض من ادّعى النبوة و أراد الارتداد عن الإسلام.

و قد تميز بحلمه و اهتمامه بالطبخ، و بالغناء و الفنون، و لم يعرف عنه اندفاع في رعاية الثقافات الإغريقية أو نقل كتبها، و لم يذكر حنين بن إسحاق في قائمة الكتب التي نقلها إلى العربية أي كتاب منها نقل إلى المأمون.

و روي عنه أنه كان يرى الأرجاء، و يرى أنه عقيدة الملوك‏ (4)، و له رأي سيئ بأهل السوق فهو يرى أن أهل السوق سفلة، و أن الصناع أنذال، و التجار بخلاء (5).

المحنة: نشأتها و دلالتها

اهتم المأمون في السنوات الأخيرة من خلافته بقضية «خلق القرآن» و وجّه من دمشق إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم كتبا بإلزام الناس و بخاصة الفقهاء و رجال الحديث بإلزامهم على الإقرار بها. و تابع المعتصم و الواثق من بعده توجّهاته إلى أن جاء المتوكل فأبطلها بعد خمس و عشرين سنة من بدايتها.

و بالنظر لما لها من دلالات على التيارات الفكرية و السياسية في بغداد، و موقف أهلها غير المؤيد لتوجيهات الخلافة، فإننا نورد بعض تفاصيلها لإظهار موقف أهل بغداد قبل أن يتولى المعتصم الخلافة و يجلب جنده الأتراك للإقامة فيها.

____________

(1) طيفور 30؛ و انظر عن القضاة ما كتبناه عن «قضاة بغداد في العصر العباسي» ضمن كتابنا «معالم بغداد العمرانية».

(2) طيفور 34.

(3) المصدر نفسه 46.

(4) انظر «العقد الفريد» لابن عبد ربه 6/ 60؛ «الملل و النحل» للشهرستاني 1/ 67 «مقالات الإسلاميين» للأشعري 2/ 54؛ «نثر الدر» للآبي 1/ 167.

(5) نثر الدر 3/ 108.

25

يذكر الطبري أنه في السنة 212 «أظهر المأمون القول بخلق القرآن و تفضيل علي بن أبي طالب» (1) و لم يذكر حوادث تبرئ إظهار هذا القول، كما أنه لم يذكر عملا قام به المأمون في بغداد يتصل بهذا القول. و أول ما يكشف التدابير التي اتخذها لتنفيذ ما يتطلبه هذا القول هو كتاب وجّهه المأمون من بلاد الشام إلى إسحاق بن إبراهيم في ربيع الأول سنة 218 و أمره بامتحان الفقهاء في خلق القرآن و تغليبها على عقيدة كانت سائدة عند عامة بغداد في بعض قضايا الكلام، إذ ذكر فيها:

«و قد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم و السواد الأكبر من حشو الرعية و سفلة العامة ممن لا نظر له و لا روية و لا استدلال بدلالة الله و هدايته، و الاستضاء بنور العلم و برهانه في جميع الأقطار و الآفاق، أهل جهالة بالله و عمى عنه و ضلالة عن حقيقة دينه و توحيده، ... ثم هم أولئك الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم، و نسبوا أنفسهم إلى السنّة، ... ثم أظهروا مع ذلك أنهم هم أهل الحق و الدين و الجماعة، و أن من سواهم أهل الباطل و الكفر و الفرقة، فاستطالوا بذلك على الناس، و غرّوا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب التخشع لغير الله و التقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، و مواطئتهم على سيّى‏ء آرائهم تزينا بذلك عندهم، و تصنعا للرئاسة و العدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم‏ (2)».

يتبين من هذا الكتاب‏

1: أن «الجمهور الأعظم و السواد الأكبر من حشو الرعية و سفلة العامة نسبوا أنفسهم إلى السنّة، ثم أظهروا مع ذلك أنهم هم أهل الحق و الدين و الجماعة». إن قوله «حشو الرعية و سفلة العامة» يشير إلى أن فيهم الطبقة الدنيا و إلى كثرة عددهم، و أن توجيه الكتاب إلى والي بغداد يدل على أنه يصف مكانهم فيها. و يلاحظ أن المأمون كتب هذا الكتاب في سنة 218 ه، أي بعد

____________

(1) الطبري 3/ 1102.

(2) طيفور 184- 5.

26

أربع سنوات من مغادرته بغداد. و يدل عدم إصداره عندما كان ببغداد على أنه يعالج حالة استحدثت أو اتسعت بغيابه، و لا يوجد ما يدل على أن هذا الموقف أملته الأحوال التي شهدها في بلاد الشام و مصر، كما أنه لا يظهر أنه يعالج حالة مستجدة، و إنما توجهات قديمة لا يشير إلى تاريخ ظهورها.

2: أنهم استطالوا بذلك على الناس، و غرّروا به الجهال، أي إن نفوذهم امتد إلى غيرهم، و جلبوا إليهم جماعات من غير الخاصة.

3: لم تقتصر هذه الأفكار على حشو الرعية و سفلة العامة، و إنما مال إليهم قوم «من أهل السمت الكاذب و التخشع لغير الله، و التقشف لغير دين الله إلى موافقتهم و مواطئتهم على سيئ آرائهم، تزيّنا بذلك عندهم، و تصنّعا للرئاسة و العدالة فيهم». أي إنهم كانوا في الأساس كثرة، ثم ازداد عددهم بسبب استطالتهم على الناس و سطوتهم، فانضمّ إليهم عدد من الانتهازيين متطلعين إلى رئاستهم و السيطرة على أدلاتهم.

4: أنهم نسبوا أنفسهم إلى «السنّة» فأراؤهم لا تتصل بنظام الحكم و الخلافة أو الإدارة، أي إنهم ليسوا حزبا سياسيا و إنما كانت لهم عقائد في الإسلام تستند إلى واحد من أبرز أسس العقيدة و النظام، فهم ليسوا من الفرق الزائغة و الخارجة على الإسلام، أو من المجموعات المعنية بالتيارات الفكرية المتصلة بالعلوم.

و السنّة تعبير أساسه ما جاء به الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و ما أقره الناس (الإجماع) من الممارسات المتعلقة بسلوك الناس و تصرفاتهم في العبادات و المعاملات و العلاقات بين الناس، و سنادها الأخذ بالموروث و ليس التفكير فيه، فهو قائم على دراسة أسس الإسلام و ممارساته في الماضي و تناقل أخباره و إحلال المعنيين به مكانة متميزة باعتبارهم المراجع في ذلك.

5: أنهم ممن لا نظر لهم، و لا روية و لا استدلال بدلالة الله و هدايته و لا استضاءة بنور العلم و برهانه في جميع الأقطار و الآفاق، لضعف آرائهم و نقص عقولهم و جفائهم عن التفكّر و التذكر، أي إنهم لا يقيمون أراءهم على العقل و التفكير و إنما على التلقين.

27

6: أنهم أهل جهالة بالله، و عمّى عنه، و ضلالة عن حقيقة دينه و توحيده و الإيمان به، و نكوب عن واضحات أعلامه و واجب سبيله، و قصور أن يقدروا الله حق قدره، و يعرفوه كنه معرفته، و يفرقوا بينه و بين خلقه.

7: أنهم شر الأمة و رؤوس الضلالة، و المنقوصون من التوحيد حظا، و المخسوسون من الإيمان نصيبا و أوعية الجهالة و أعلام الكذب، و لسان إبليس الناطق في أوليائه، و الهائل على أعدائه من أهل دين الله، أي إنهم لهم مكانات متميزة في جماعتهم «رؤوس الضلالة و أعلام الكذب و لسان إبليس».

و أشار المأمون في كتاب أرسله إلى إسحاق بن إبراهيم إلى أنهم متصنعة أهل القبلة و ملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل من أهل الملة.

8: أنهم أحقّ من اتّهم في صدقه، و اطّرحت شهادته، و لم يوثق بقوله و لا عمله، أي إن أسسهم الفكرية تجعلهم غير جديرين بشهادته و عمله.

9: طلب إليه «اجمع من بحضرتك من القضاة، و اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، و ابدأ بامتحانهم فيما يقولون، و تكشيفهم عما يعتقدون في خلق القرآن و إحداثه». إنه حدد أمر تطبيقه على القضاة، و لم يشمل من يعمل في الدواوين أو في الجيش، فهو محدود في تصفية مؤسسة محدودة هي القضاء و هم المجموعة الوحيدة المرتبطة في عملها بالدولة، و لم يشمل غيرهم ممن يعنى بالعلوم الدينية بما فيها دراسة القرآن و الحديث و العقائد فضلا عن العلوم الأخرى.

10: «اكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك من قضاة أهل عملك في مسألتهم و الأمر لهم بمثل ذلك. ثم اشرف عليهم و تفقد أحوالهم». إنه يقصر توجيهاته على القضاة في عملهم، و هو العراق و لا يتجاوزه إلى الأقاليم الأخرى. و كرر المأمون في كتاب لا حق حصر المتابعة في القضاة فذكر، «و بثّ الكتب إلى القضاة في النواحي من عملك بالقدوم عليك لتحملهم و تمتحنهم على ما حدّه أمير المؤمنين» (1).

____________

(1) الطبري 3/ 1135.

28

11: أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، مؤتمن فيما قلده الله في أمور رعيته، من لا يوثق بدينه و خلوص توحيده و يقينه، أي إن قراره يمتد إلى الاستغناء عمن يتابعهم في أعمال الدولة كافة، و هذا يقتضي إجراء تبديلات واسعة.

إن كتاب المأمون واضح: هو تفكيك السيطرة السياسية على أفكار الجمهور الأكبر و السواد الأعظم، و هي سيطرة لا تتسق مع دعم الخليفة، و إنما قد تهدد هيمنته بما تحدثه من اضطرابات قد تصل إلى حد الثورة عليه و خلعه، غير أن كتاب المأمون لم يحدد المطامح السياسية التي يعتنقها المسيطرون، و هل هي مجرّد الحد من سلطانه أو حمله على إجراء تبديلات جذرية في الإدارة و أفكارها، أم الإعداد لبديل عنه شخصيا أو عائليا، و هل أن سيطرتهم تعبّر عن أهداف محددة واضحة و وحدة فكر، أم أنها مجرد مواقف عامة غامضة المعالم و الحدود، علما بأن التجارب السابقة التي مرت بالدولة العباسية أظهرت أن الشعارات لا تكفي لإزاحة الحكومات، و أن الحركات الثورية المتناثرة مهما كان عنفها فإنها لا تصمد أمام القوة التابعة للسلطة الحاكمة، بما في ذلك الموارد المالية و المقاتلة و الإيمان اللاشعوري بأهمية السلطان مهما كان ضعيفا.

فلا بدّ أن الذي أثاره إصدار هذا الكتاب هو أمر يتعلق بالأمن السياسي و سلطان الدولة، علما بأن المأمون قصر حملته على باقي المسلمين، و لم يشر إلى اضطهاد التيارات الزائغة من غير المسلمين أو من الزائغة في الإسلام.

أورد الطبري نصوص كتابين لاحقين أرسلهما المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم سمّى في أولهما ثمانية (1)، و في الثاني تسعة عشر طلب امتحانهم‏ (2)، و كان ممن ذكرهم فقهاء و محدثون لم يكن لهم عمل في الدولة. غير أنه في كتاب لاحق علّق فيه على أحوالهم، فذكر أن بعضهم كان قد ولّي ولايات و أختاما، و بعضهم كانت مودعة إليه أموالا و أختامها (3)، و ليس فيهم ممن شارك‏

____________

(1) الطبري 3/ 1116.

(2) م. ن 3/ 1121.

(3) م. ن 3/ 1126.

29

في السياسة غير إبراهيم بن المهدي الذي طلب المأمون امتحانه و قد بلغت أمير المؤمنين عنه بوالغ‏ (1)، و هذا يشير إلى أن إبراهيم بن المهدي ساهم في نشاط سياسي، و لعله ممن ذكر المأمون أنهم أيدوا العامة لأطماع سياسية من شأنها أن تضعضع سيطرة الخليفة على العامة.

نقل طيفور كتابا لاحقا أرسله إلى إسحاق بن إبراهيم أوضح فيه القضية التي يهتم بمعالجتها و هي خلق القرآن. و ذكر عمن لا يراهم جهلة عظمهم قولهم في القرآن في دينهم، و الحرج في أمانتهم و سهلوا السبيل لعدو الإسلام، و اعترفوا بالتبديل و الإلحاد على قلوبهم حتى عرّفوا و وصفوا خلق الله و فعله بالصفة التي هي لله وحده، و شبّهوه به، و الاشتباه أولى بخلقه، و ليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين، و لا نصيبا من الأيمان و اليقين، و لا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة، و لا عدالة و لا شهادة و لا صدق في قول و لا حكاية، و لا تولية لشي‏ء من أمر الرعية. و من كان جاهلا بأمر دينه الذي أمره الله به من وحدانيته فهو بما سواه أعظم جهلا، و عن الرشد في غيره أعمى و أضلّ سبيلا (2).

إن المأمون يعيد وصف من يهاجمهم بأنهم «جهلة» لأنهم يرون في القرآن آراء خاصة، فهو يذكر أن خطرهم متأت من نشر هذه الأفكار، و ليس من دور سياسي تقوم عليه أفكارهم لا يعارضون مكانة الخلافة و دورها في الإدارة، و إنما يعنون بالعقائد فحسب. و هو يبين خطر أفكارهم في الانتقاص من مكانته تعالى لأن أفكارهم تقود إلى التجسيم، مما يسهل السبيل لعدو الإسلام. و يرى أن تنزع الثقة ممن يحمل هذه الآراء، و لا يولّى شيئا من أمر الرعية.

طبيعة المحنة:

استوعب فهمي جدعان في كتابه القيّم «المحنة» تاريخ فكرة خلق القرآن‏

____________

(1) الطبري 3/ 1127.

(2) طيفور 189- 190.

30

و موقف المعتزلة منها، و خلاصة بحثه أن فكرة خلق القرآن ليست من مبتدعات المعتزلة، فأول من قال بها هو جهم بن صفوان الذي عاش في أواخر العصر الأموي في خراسان و لم تكن له علاقة بالمعتزلة الذين، مع أنهم تبنّوها بعد ذلك، إلا أنهم لم ينفردوا بالقول فيها، و لم تكن تشغل حيّزا كبيرا من أفكارهم التي أقدم و أبرز ما فيها فكرة «المنزلة بين المنزلتين» و «العدل و التوحيد».

و يقول في توضيح العلاقة بين المعتزلة و المحنة ليس بين أيدينا على الإطلاق ما يثبت دعوى القول أن المعتزلة سواء أكانوا تقويين أم عمليين كانوا وراء هذه المحنة أو أنهم قادوا حملات التفتيش المتعلقة بها. و الحقيقة أن المحنة كانت قرارا شخصيا من جانب المأمون، و التزاما سياسيا و أخلاقيا من جانب خلفته المعتصم و الواثق.

إن موضوع خلق القرآن موضوع كلامي صرف، في حين أن كتاب المأمون يظهر أن المشكلة التي كان يواجهها هي مشكلة سياسية تمتدّ إلى الجمهور الأكبر و السواد الأعظم، فالمحنة لم يكن غرضها الإقرار بعقيدة كلامية بدل أخرى، بقدر ما هي وسيلة لضعضعة مكانة الممتحنين و انتزاع سيطرتهم السياسية على الجماهير عن طريق إلزامهم بقبول ما تفرضه الدولة عليهم، و الانضواء في طاعتها.

يروي الخطيب أن المأمون قال: لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت القرآن مخلوقا، فقال بعض حاشيته و من يكون يزيد بن هارون حتى تتّقيه، فقال لا أتّقيه لأن له سلطانا أو سلطة و إني أخاف أن تكون فتنة (1)، علما بأن يزيد بن هارون توفي سنة 206.

يروي الطبري أنه في السنة 212 أظهر المأمون القول بخلق القرآن و تفضيل علي بن أبي طالب‏ (2). غير أنه لم يذكر أيّ مصدر أنه حاول في هذا الوقت المبكر فرضها على الناس، و لم تذكر الكتب حادثة تبرّر فرضها. و قد أصدر المأمون قراره بفرض الفكرة و المحنة بكتاب أصدره في شهر ربيع الأول من سنة

____________

(1) تاريخ بغداد للخطيب 14/ 239- 4.

(2) الطبري 3/ 1099، مروج الذهب 3/ 454.

31

218 و هو في دمشق، أي بعد حوالى عشرين سنة من تولّيه الخلافة، و أربع عشرة سنة من دخوله بغداد، و ثلاث سنوات من مغادرته لها إلى بلاد الشام و مصر و الثغور، و لا بدّ أن هذا التأخر في إصدار القرار يرجع إلى حوادث استجدّت لا في الأقاليم التي جاءها، و إنما في بغداد، فعلم بها و أدرك خطرها فأصدر هذه الكتب الشديدة، و تجدر الإشارة إلى أنه لم تسجل فرحة بها، و إنما يدل سياق الأحداث على وجوم الناس منها، و هو موقف سلبي لم يصل حدّ عمل إيجابي في ثورة أو مقاومة. و يلاحظ أن المحنة بتباين أحوالها لم تدم أكثر من ثلاثين سنة ثم ألغيت عند ما ولي المتوكل الخلافة.

المشكلة فكرية و سياسية:

كان الهدف من المحنة هدفا فكريا محدّدا بخلق القرآن و لم يمتد إلى أبعد من ذلك، فلم يذكر عنه أنه حارب علوم الحديث أو الفقه و هما عماد علم «أهل السنة» و لم تذكر عنه محاولة نشر أفكار سياسة خارجة عن اهتمامات الناس في حينها، كنشر أفكار ساسانية أو إغريقية، و مع أن المصادر تذكر اهتمامه بجمع الكتب الإغريقية، إلا أنه لم يكن مبتدعا في ذلك، فقد سبقه إليها المنصور و الرشيد، و لم يرد خبر عن حرصه على نقل هذه الكتب إلى العربية، و لم يكن ممن أغدق على حنين بن إسحاق و طلب منه نقل أي كتاب.

كانت الحركة الفكرية في زمن المأمون قد وصلت في تطورها الفكري حدّ التمايز بين العلوم، بما في ذلك علم الحديث و روايته و الفقه و الكلام بل حتى في الأخبار و التاريخ و الآداب، و ما يتصل باللغة من مفردات و نحو و صرف، و لكن هذا التمايز لم يكن جامدا محدّد المعالم، و إنما كان فيه كثير من التداخل، و التمايز الواضح هو بين علوم الأوائل، بما فيها العلوم الصرفة و التطبيقية و المنطق و الفلسفة و السياسة، و علوم العرب، علما بأن نقل كثير من هذه الكتب وثّق صلة العربية بعلوم الأوائل، و أطلع العرب على الكثير من الأفكار الجديدة، غير أنه من حيث العموم كانت علوم الأوائل أروج عند غير المسلمين و لا سيما النصارى و اليهود.

32

لم تحدد المصادر المناطق الجغرافية التي كان يسيطر عليها المهددون، و من المعلوم أن بغداد كانت فيها مناطق عرف أهلها بميول سياسية متميزة، ففي الكرخ و باب الطاق عرفوا بميولهم العلوية، و في المدينة المدوّرة و الرصافة عرفوا بميولهم السنية، و الواقع أن معظم المدن الإسلامية حدثت فيها انقسامات بين أهلها، أو عرفت بميول سياسية معيّنة و لكنها لم تصل حدّ القدرة على الانشقاق عن الدولة.

حصر المأمون المحنة بفكرة «خلق القرآن» و أشار إلى أن أقوى المدافعين عنها هم من نسبوا أنفسهم إلى السّنة، و أنه كانت لهم هيمنة فكرية على الجمهور الأعظم و السواد الأكبر، و أنه استغلها انتهازيون لأغراض سياسية، إلا أنه لم يوضح العلاقة بين فكرة خلق القرآن و المنتسبين إلى السنّة، أو علاقتها بالتيارات السياسية. و من الواضح أنه قصد بالمنتسبين المعنيين بالحديث و الفقه، غير أن المعلومات المتوافرة لا تظهر أن هؤلاء المعنيين قد أعاروا، قبل المحنة، فكرة خلق القرآن اهتماما كبيرا.

و لم تخصص كتب الفقه و الحديث مكانا واسعا لمعالجة القضايا المتعلقة بأحوال الخلافة و قضايا السياسة و الإدارة، و أشارت الكتب إلى أن الممتحنين كافة، أقرّوا بفكرة خلق القرآن، فيما عدا أربعة، و بذلك تركت لهم الحرية في متابعة أبحاثهم دون مضايقة، فالمحنة لم يقصد بها إيقاف دراسة الفقه و الحديث و إعادة توجيهه، و لا كانت محاولة لغرض الاعتزال و اتخاذه عقيدة رسمية، و إنما هي عمل سلبي محدود بفكرة خلق القرآن، و لم يمتد إلى الأفكار الأخرى الأساسية عند المعتزلة، و لا توجد إشارة إلى تحمس أقطاب الاعتزال للمحنة.

إن المصادر تذكر انفتاح المأمون على مختلف التيارات التي لم يصل تباينها حدّ التصادم و لا يحلّها مجرّد الإقرار، بخلق القرآن. فقد ذكر في كتبه التي أرسلها إلى إسحاق بن إبراهيم، و اليه على بغداد، أن يحضر جماعة من الفقهاء و الحكام و المحدثين، فحضر ستة و عشرون: فقرأ إسحاق عليهم كتاب المأمون مرتين فأجابوا إجابات مبهمة، فكتب المأمون الى إسحاق كتابا ثانيا أن يجمع واحدا و عشرين لم يذكروا في الكتاب الأول، فأجابوا عدا أربعة هم أحمد بن‏

33

حنبل، و سجادة، و القواريري، و محمد بن نوح. ثم طلب المأمون أن يشخص إلى الرقة (!) سبعة لم يذكروا في كتابيه، و ممن ذكر امتحانه عفان بن مسلم و الفضل بن غانم؛ إلا أن أبرز الممتحنين أحمد بن حنبل من العراق، و أبو مسهر من الشام، و نعيم بن حماد من مصر.

إن هؤلاء الممتحنين منوّعون في أصولهم و انتساباتهم، فبعضهم عرب و بعضهم موال، ولدوا في مناطق متعددة، و منهم عدد من أهل خراسان في الأصل، و لكن أكثرهم نشأ في مدن العراق العربية الرئيسية و هي الكوفة و البصرة و واسط و بغداد التي كانت آنذاك أكبر مراكز علماء الحديث.

و كانت الأحوال المالية لبعضهم تيسّر لهم معيشة بمستوى مناسب، و لم يعرف عن أي منهم شكوى من الفاقة، و بعضهم أولاد كتّاب يعملون في الدواوين، و منهم أربعة قضاة و هم بشر بن الوليد، و عبد الرحمن بن إسحاق، وقتيبة بن زياد و الخراساني، و قد شغل كل منهم منصب القضاء في بغداد زمن المأمون، و كان الفضل بن غانم الخزاعي قاضيا في الفسطاط. و اتهم المأمون في كتابه الثاني إلى إسحاق بن إبراهيم عددا منهم بخيانة الأمانات و ابتزاز الأموال.

من الممتحنين عدد ممّن وثقهم علماء الرجال في الحديث، و آخرون عرفوا بسعة اطلاعهم و أمانتهم في العلم، و فيهم عدد من كتّاب و مستملي علماء، و فيهم أيضا عدد لم تكن لهم مكانة متميزة عند علماء الحديث، و فيهم أيضا من لم يعرف اهتمامه بالحديث أو الفقه مثل إبراهيم بن المهدي. و لم تذكر المصادر سبب اختيار هؤلاء أو آخرين ليعرضوا للمحنة التي لا ريب في أنها زادت من شهرتهم و قوّت مكانتهم عند العامة ممن استاء من المحنة و كان يقدّر آراء أهل السنة و الحديث.

نفّذ المحنة و تابعها رجال في الإدارة و لم يعرف لهم إيمان عميق بها أو حماس لنشرها بمن في ذلك الخليفتان المعتصم و الواثق، و البارزون في الإدارة و لا سيما يحيى بن أكثم و أحمد بن أبي دؤاد و إسحاق بن إبراهيم.

34

أساليب التنفيذ:

لم يقم المأمون بنفسه بتطبيق المحنة، و لم يعد إلى بغداد لمتابعتها، و لعله كان يدرك ضعف خطرها في تهديد خلافته، و أوكل مهمة متابعتها إلى إسحاق ابن إبراهيم المسؤول عن إدارة بغداد و الذي لم يعرف عنه اهتمام خاص بالكلام و علوم الحديث و السنّة، أو أي موقف من أهلها.

لم ينشأ ديوان خاص لمتابعة تنفيذ الفكرة كالذي فعله المهدي مع الزنادقة، و إنما أوكلت محاسبتهم إلى القضاة الذين غالب اختصاص عملهم ما نسميه اليوم المعاملات و الأحوال الشخصية، و ليس أمور العقائد الكلامية، علما بأن رئيسهم يحيى بن أكثم كان يرافق المأمون في رحلاته، و لم تكن إقامته الدائمة في بغداد، و أن عدد قضاة بغداد الرسميين ثلاثة: قاض لكل من مدينة المنصور، و الشرقية و الكرخ، و الرصافة و الجانب الشرقي. و لم تذكر المصادر تدابير أمنية أو أي عمل اتخذ لملاحقة معارضي فكرة خلق القرآن، أو للقضاء على سيطرتهم على الرأي العام و إضعافها، و هو الهدف الأكبر الذي كان يرمي إليه المأمون كما يتجلى من كتابه، و لم تذكر الأساليب التي تتبّعها المسيطرون على توجيه الرأي العام و تحويل القضايا الكلامية إلى توجهات سياسية و لا مدى سيطرتهم على هذه التوجهات و عمق آثارها في عموم الناس.

إن كتاب المأمون واضح. هو تفكيك السيطرة السياسية على أفكار الجمهور الأكبر و السواد الأعظم، و هي سيطرة لا تتسق مع دعم الخليفة، و إنما قد تهدد هيمنته بما تحدثه من اضطرابات قد تصل حدّ الثورة عليه و خلعه، غير أن كتاب المأمون لم يحدد المطامع السياسية التي يعتنقها المسيطرون، و هل هي مجرّد الحد من سلطانه أو حمله على إجراء تبديلات جذرية في الإدارة و أفكارها، أم الإعداد لبديل عنه شخصيا أو عائليا، و هل تعبّر سيطرتهم عن أهداف محددة واضحة، و وحدة فكر، أم أنها مجرّد مواقف عامة غامضة المعالم و الحدود.

علما بأن التجارب السابقة التي مرت بالدولة العباسية أظهرت أن الشعارات لا تكفي لإزاحة الحكومات، و أن الحركات الثورية المتناثرة مهما كان عنفها فإنها

35

لا تصمد أمام القوة التابعة للسلطة الحاكمة، بما في ذلك الموارد المالية و المقاتلة و الإيمان اللاشعوري بأهمية السلطان مهما كان ضعيفا.

كانت بغداد المركز الرئيسي للعلماء الذين امتحنوا، و لم تدم المحنة أكثر من خمس و عشرين سنة، و لا نعلم مدى امتداد و عمق الاستياء الذي ولّدته، إذ إن الفرحة بانتهائها قد تكون بالغت في أثرها في موقف أهل بغداد الذين لم يذكر قيامهم إبّانها بأي عمل إيجابي يعبّر عن استيائهم سواء في العبث بالأمن أو تهديده، كما لم تذكر جماعة تحمسوا في الدفاع عنها. فآثارها الأمنية و السياسية محدودة.

لم تذكر الأخبار انتفاضة أو ثورة، سوى محاولة لم تنفّذ في زمن الواثق ببغداد قام بها أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم، و هو حفيد أحد نقباء بني العباس عندما أعدّوا ثورتهم و قاموا بها، و كانت له مكانة في الدولة. و كان أحمد من أهل الفضل و العلم مشهورا بالخير و الأمر بالمعروف. و لما اختلّ الأمن في بغداد بعد مقتل الأمين و كثر الدعّار و الصعاليك مهددين الناس، استطاع أحمد بن نصر أن يسهم في الحد من نشاطهم، و يعيد الثقة بها.

و يروي الطبري أنه سنة 231 أعد لثورة في بغداد، و لكن المحاولة كشفت قبل تنفيذها، و ألقي القبض على رأسها المدبّر أحمد بن نصر، مع عشرين من أتباعه، فأمر الواثق بإعدامه، و ظلت جثته منصوبة في سامرّاء إلى سنة 237 حيث أمر المتوكل بإنزالها و رفعها إلى أوليائه، و مع أن فشل الثورة لم ترافقه احتجاجات إلا أن العقاب الذي أنزل به أثار عطف الناس عليه و تقديرهم له و ظلت ذكراه الطيبة تتردد في الكتب.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

الفصل الثالث المعتصم و الجيش‏

المعتصم نشأته و حياته الأولى‏

ولد المعتصم، و اسمه محمد و كنيته أبو إسحاق، في قصر الخلد ببغداد سنة 178. أو في بداية سنة 180، و أمه صفدية مولّدة من أهل الكوفة اسمها ماردة (1) و لم يذكر أحد أنها تركية أو أنها ربّيت في ما وراء النهر، و لا علاقة لها بالترك الذين قدم بعضهم إلى بغداد.

لم يكن المعتصم أكبر أولاد أبيه هارون الرشيد، و لا أقربهم لأبيه، فلم يسمّه الرشيد لولاية العهد التي سمّى لها ثلاثة من أولاده هم: الأمين و المأمون و القاسم. و يبدو أن الرشيد لم يظهر عناية خاصة بتربيته فلم يذكر له مؤدب و لم تعرف له صلة وثيقة بأهل الأدب و الفكر، و لم ترو عنه أقوال مأثورة. و الراجح أنه كان في حياته ميالا إلى الرياضة و الفروسية و ما يتصل بالحياة العسكرية (2).

لم يرد للمعتصم ذكر في حوادث النزاع بين الأمين و المأمون، مما يدل على أنه اعتزلها شأن معظم رجال الأسرة العباسية المقيمين في بغداد. و لما بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي بالخلافة كان المعتصم مقيما في بغداد، و يبدو أنه أيد إبراهيم الذي أرسله للقضاء على تمرد في أطراف بغداد (3).

____________

(1) الطبري 3/ 1329، و انظر بعض أوجه حكم المعتصم العثمان سيد أحمد إسماعيل.

(2) انظر البداية و النهاية لابن كثير 1/ 295.

(3) تاريخ اليعقوبي 3/ 191.

38

احتفظ المعتصم بعلاقة طيبة مع المأمون لدى عودته إلى بغداد، و لم يذكر له إسهام في النشاطات السياسية و الفكرية ببغداد، مما يدل على أنه قصر اهتمامه على الحياة العسكرية، و لعل هذا ما دفع المأمون إلى تقريبه و الإفادة منه في إعادة بناء الجيش في بغداد الذي كان قد تصدع إثر الحرب بين الأمين و المأمون، و بذلك تعززت مكانته، و كان هو و العباس بن المأمون أبرز المقرّبين للمأمون من رجال الأسرة العباسية.

و في سنة 213 ولّاه المأمون بلاد الشام و مصر، كما ولّى ابنه العباس الجزيرة الفراتية، و كانت مصر تواجه اضطرابات استطاع أن يقضي عليها، و وجّهه في حملات على بلاد الروم، و كانت تربطه بالعباس بن المأمون علاقة طيبة، فلم يذكر خبر تنافس بينهما، و ظلت ولاية المعتصم على مصر سنتين و لكنه لم يقم خلالهما في مصر أكثر من ستة أشهر و خلّف في المدة الباقية إدارتها إلى أشخاص آخرين اختارهم‏ (1). غير أن المعتصم كان يتميز بكبر سنه و كانت تتبعه قوة عسكرية تركية قوامها ثلاثة آلاف رجل.

احتفظ المعتصم بالسمة العسكرية التي ميّزته، و كان أنموذج الفارس الباسل، فهو من رجال السيف بعيدا عن رجال القلم من الأدباء و الكتّاب و رجال الإدارة المدنية، و كان معروفا بالقوة البدنية.

رافق المعتصم المأمون في رحلته إلى بلاد الشام و شارك في الحملة التي قادها المأمون سنة 218 على الروم و أحرز انتصارات، غير أن المأمون مرض و أدرك أن منيته عاجلة فعيّن المعتصم وليّا للعهد و لم يعيّن ابنه العباس الذي كان يرافقه و يشارك في قيادة الجيش، و لا بدّ أن المأمون عندما اتخذ هذا القرآن كان واقعا تحت تأثير أحوال الحملة و متطلباتها العسكرية، فاختار أخاه المعتصم الذي يتميز بالشجاعة و أشهد على ذلك من معه من القضاة و الفقهاء و القوّاد و بحضور ابنه العباس، و كان تعيينه لولاية العهد مفاجأة دون تمهيد مسبق كما كان الأمر معمولا به في زمن الأمويين و العباسيين. و قد تولّى المعتصم الخلافة

____________

(1) الطبري 3/ 993، 1105.

39

بعد أيام من قرار المأمون و تمّت بيعة المعتصم بإرادة حرة من المأمون و بحضور ابنه العباس الذي شارك في البيعة ممتعضا، غير أن عددا من قادة الجيش لم يرضهم تولّي المعتصم المرتبط بمجموعة من الجند ذوي سمات خاصة، فأظهروا عدم رضاهم و دسوا مؤامرة قضى عليها المعتصم و قتل العباس و عددا من القادة الذين لم يساندوا اختياره خليفة، و بذلك كان تولّيه الخلافة قائما على موقف الجند، و استعملت فيه القوة لتثبيته.

و حالما ولي الخلافة هدم بعض حصون الروم، و أمر بإعادة الجيش إلى بغداد لمنع تجديد الفتنة و لإرضاء الجند بإعادتهم إلى أهليهم في بغداد.

تمّت بيعة المعتصم في معسكر على حدود دولة الروم بعيدا عن بغداد و من فيها من العلماء و الفقهاء و رجال الإدارة و أهل الحل و العقد من المدنيين. ولي الخلافة دون أن تتاح الفرصة للحصول على تأييد الأمة لهذه البيعة، فكان ذلك بداية انعزال الخلافة عن الأمة التي أصبحت «رعية» تتلقى القرارات و تنفذها دون أن يؤخذ رأيها فيها و لو شكليا؛ و لا بدّ أن وقع ذلك كان أقوى على بغداد التي كانت المكان الذي يبدأ منه إعلان البيعة لولي العهد و للخليفة مما كان يعزز مكانتها في عموم الدولة و عند الخليفة الجديد. و قد قبل أهل بغداد الأمر الواقع و لم يعترضوا على تولّيه الخلافة أو على الأسلوب الذي لم يسبق الأخذ به. فأبعدت بغداد من مركزها المتميز عن المراكز المتعددة للدولة، و أصبحت كبقية مدن الدولة الأخرى تبلّغ باختيار الخليفة و لا تشارك فيه. علما بأن تحطّم الجيش الذي كان مقيما في بغداد، خلال النزاع بين الأمين و المأمون، جعل العناصر الحضرية من العلماء و المفكرين و المثقفين و التجار تطغى فتعزّز في بغداد مكانتها و تسود فيها سماتها التي تختلف عما تميّز به الخليفة الجديد من الروح العسكرية و البعد عن الحياة الفكرية.

قبل أهل بغداد تولّي المعتصم الخلافة، و لم يظهروا اعتراضا عليها على الرغم من أن الطريقة التي اتّبعت فيها تكوّن ثلما في العلاقة بينهم و بين الخليفة الجديد الذي أسرع بالعودة مع جيشه إلى بغداد و لم يحدث تبديلات أساسية في الإدارة و الأحوال. و عند ما وصل بغداد كان أول عمل قام به معالجة خطر الزّطّ الذين كانوا يعيثون منذ زمن المأمون في بطائح جنوب العراق و يعرقلون اتصال‏

40

بغداد بالبصرة و تجارتها. فأرسل حملة بقيادة عجيف بن عنبسة الذي قضى خمس سنوات أفلح بعدها في القضاء على ثورتهم و عيشتهم. ثم نفّذ حملة أخرى بقيادة الأفشين للقضاء على بابك الخرمي الذي أعلن العصيان في أذربيجان؛ و بذل المعتصم لهذا الجيش الأموال، و استطاع الأفشين القضاء عليه بعد جهود مضنية دامت ثلاث سنوات‏ (1).

الجيش في بغداد

كان الخلفاء العباسيون الأوائل يعتمدون على قوة عسكرية عظيمة في بغداد تدين بالولاء للخليفة فتثبت سلطانه و تدعم هيبته عند أهلها؛ و لكن هذه القوة تفكّكت في القتال بين الأمين و المأمون، و صار اعتماد الأمين في الدفاع عن بغداد على أهلها الذين دافعوا ببسالة عن مدينتهم و لم يتضعضعوا إلا بعد أن فرض طاهر بن الحسين حصارا اقتصاديا قويّا؛ فلما استسلمت بغداد للمأمون لم تعد فيها قوة عسكرية يعتمد عليها، و لم يكن بالإمكان سحب مقاتلة الثغور من حدود دولة الروم لأن ذلك يعرّض حدود الدولة إلى أخطار تجاوزات الروم عليها؛ و كانت هذه القوات قد توجهت لقتال أعداء الدولة و ليس للمشاركة في النزاعات الداخلية.

لم يؤمّن طاهر بن الحسين، بعد سيطرته على بغداد، ولاء أهلها للمأمون؛ و كانت لبعضهم مكانة يحاولون السيادة على بغداد و أطرافها مستغلين ضعف القوة التي يستند إليها الولاة، و تدنّي هيبتهم. فلما عاد المأمون إلى بغداد، بعد أربع سنوات من القضاء على الأمين، تابع سياسة «لمّ الشمل»، و جلب رضى الناس، فأعاد لباس السواد، و هو شعار العباسيين، و لم يضطهد من عمل في مناوأته، و إنما تسامح معهم، و حاول تقريبهم إليه و كسب رضاهم.

و لكن المأمون كان يدرك أن السياسة السلمية لا تكفي وحدها لتثبيت هيبة الخليفة و سلطانه، و أنه كان لا بدّ له من قوة عسكرية بتصرّفه تقيم في بغداد

____________

(1) انظر عن هذه الحركة كتاب البابكية لحسين قاسم العزيز الذي رغم غزارة مادته، فإنه يبالغ في السمة القومية المحلية لحركة بابك؛ و انظر عن جهودها العسكرية ما كتبه الطبري في تاريخه.

41

و تكون موالية له؛ و كان الأفضل أن تكون هذه القوة من عناصر مترابطة في أصولها و سماتها. و قد أشارت المصادر إلى الكتل التي كان يمكن أن يجعلها المأمون قوام جيشه و هي: العرب و الخراسانية و الترك. و روى طيفور أن المأمون اجتمع مع المعتصم و أحد القواد، و تداولها الشجعان من القواد و الجند و الموالي، فأطرى المأمون شجاعة عجم أهل خراسان و قوّتهم في دحر أعداء الدولة، و أطرى القائد شجاعة أبناء خراسان، و أطرى المعتصم شجاعة الترك و إقدامهم؛ ثم حكّموا نصر بن شبث فأبدى رأيه في خصائص هذه المجموعات الثلاث و قال: فأما التركي، فبسهامه، فإذا أنفذها أخذ باليد؛ و أما العجمي، فبسيفه، فإذا كلّ استؤصل، و أما الأبناء فلم أر مثلهم: لا يكلّون و لا يملّون و لا ينهزمون، يقاتلون في شدة البرد في الإزر الخلق بلا دروع و لا جوشن و لا مجنّ، مرة بالسيف و مرة بالرماح و مرة بالسهام، و يخوضون الثلج في الأنهار، و يخوضون في الهجير النار، لا يكلّون و لا يملّون‏ (1)، و لابدّ أنه قصد بالعجم أهل خراسان منهم.

و ذكر الجاحظ في رسالته «مناقب الأتراك» عمّن زعم أن جند الخلافة اليوم خراساني و تركي و مولى و عرب‏ (2)، و أن الخراساني و التركي أخوان و الحيز واحد (3)، و أن البنوي خراساني، و أنّ نسب الأبناء نسب آبائهم، ثم ذكر ما يفخر به الخراسانيون بأنهم النقباء و أبناء الدعوة، و منهم النجباء و الدعاة، فيهم أصل الدولة و أصحاب الدعوة، و هم الذين قاموا بفتح البلاد (4)، و ذكر أن البنويين خراسانيون‏ (5)، و هم مهيمنون على بغداد، فهم يشاركون العربي في فخره، و الخراساني في مجده، و لكنهم متميزون عنهما بأساليبهم الخاصة التي يسّرت لهم هيمنة الخلافة على بغداد (6).

____________

(1) تاريخ بغداد لطيفور 28.

(2) مناقب الأتراك للجاحظ 167.

(3) م. ن 168.

(4) م. ن 171.

(5) م. ن.

(6) م. ن 188.

42

ثم ذكر خصائص الترك في القتال‏ (1)، و تميّزهم على الخوارج و على بقية أصناف الجيش، و اهتمامهم بالتدريب على القتال و عدم الانغماس في التيارات الفكرية و السياسية (2).

و خصّص في رسالته خمس عشرة صفحة لكلّ من الخراسانيين و الترك، و خمس صفحات للأبناء و صفحتين للعرب، و صفحة واحدة للموالي، و لعل هذه الأرقام تعبّر عن أهمية كلّ منهم.

و ذكر الأفشين في كتابه إلى المازيار أربعة أصناف لجيش الخلافة، و وصف مدى قوة كل صنف في القتال، و قال إن معه الفرسان و أهل النجدة و البأس، و لا بدّ أنه كان يقصد بهم الفراغنة و الأشروسنية و ربما عموم جند خراسان. ثم قال إنه فيما عداهم «لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة: العرب و المغاربة و الأتراك»، ثم وصف كلا منهم فوصف المغاربة و العرب بأوصاف شديدة من التهجم و الاستخفاف، ثم ذكر أولاد الشياطين يعني الأتراك، فإنما هي ساعة حتى تنفذ سهامهم ثم تجول الخيالة عليهم جولة فتأتي على آخرهم‏ (3). و قد ميّز الأفشين في هذا النص بين العرب و المغاربة، و لكنه لم يبين عدد كلّ من الأقسام الأربعة التي ذكرها، و يدل كلامه على أنه كان يدرك أن العرب كانوا أميل إلى الغنائم منهم إلى الحماس في دعم الخلافة.

يتبين من كلام طيفور و الجاحظ أن الأبناء لهم تدريب خاص امتازوا به على الأصناف الأخرى و أن لهم الهيمنة على بغداد، و قد يعني هذا أنهم كانوا" قوات خاصة" مسؤولة عن ضبط الأمن فيها فحسب، و الواقع أنه لا يتردد و ذكر في أخبار الحركات العسكرية خارجها. و أشار الجاحظ إلى أن البنويين خراسانيون ينتسبون إلى آبائهم، و هي عبارة عامة لا تتوافر في المصادر عنهم معلومات إضافية توضح أصولهم و تنظيماتهم.

____________

(1) مناقب الأتراك 206.

(2) المصدر نفسه 217.

(3) تاريخ الطبري 3/ 1312.

43

أما العرب فهم من الذين كانت مواطنهم شبه جزيرة العرب أو خرجوا منها، و تميّزهم اللغة العربية و عدد من النظم الاجتماعية التي تنظّم حياتهم؛ و كانوا قوام جيش الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و الجيوش التي قضت على حركات الردة و الانشقاق في الجزيرة العربية، ثم وسعت رقعة الدولة بعد قضائها على جيوش الساسانيين و دحرها جيوش الروم و مدّها حدود الدولة إلى الأطلسي و البيرانيس غربا، و أواسط آسيا شرقا. و استنفد هذا التوسع طاقات شبه الجزيرة من المقاتلة فلم تستطع متابعة إمداد الدولة بالمقاتلة و تغذية الأمصار و الجبهات الواسعة بعد أن توزعوا في عدد كبير من المراكز لحماية حدود الدولة و توسيع رقعتها.

و كانوا في أوقاتهم الطويلة في هذه المراكز قد تأقلموا و قويت ارتباطاتهم بها و تطورت أحوالهم الحضرية و الفكرية. و تأثر كثير بالتيارات السياسية الداخلية التي تمركز كثير منها حول الخلافة مما أضعف فيهم الروح العسكرية و شغلهم بمتطلبات الحياة المعاشية و الفكرية، و ظلت الروابط القبلية تؤثر في توجهاتهم السياسية؛ و قد عبّر المأمون عن هذه الأجواء عندما تعرّض له رجل من أهل الشام و قال له انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان فأجاب المأمون أكثرت علي يا أخا أهل الشام: و الله ما أنزلت قيسا عن ظهور الخيل إلا و أنا أرى أنه لم يبق في بيت مالي درهم واحد، و أما اليمن فو الله ما أحببتها و لا أحبتني قط، و أما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني و خروجه فتكون من أشياعه؛ و أما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيّه من مضر، و لم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريا. اعزب فعل الله بك‏ (1).

و تشير الدلائل إلى أن أهل البصرة و الكوفة لم يعودوا «مقاتلة» منذ أوائل الخلافة العباسية، إذ لا توجد إشارة إلى توزيع العطاء و الرزق على المقاتلة في أي منهما؛ و لم يرد في أخبار بغداد عندما أسّسها المنصور أنه أعطى من استوطنها من المقاتلة من قطائع الأرباض حول المدينة المدوّرة غير قطيعة

____________

(1) الطبري 3/ 1141؛ و رواه الآبي مع بعض الاختلاف في النص، نثر الدر 3/ 16- 7؛ طيفور 146.

44

واحدة فحسب لأهل الكوفة، في حين أنه وزّع قطائع كثيرة سمّيت بأهلها من مدن خراسان و ما وراء النهر؛ و لا توجد إشارة الى أن أيّا من الخلفاء العباسيين الأوائل ضرب عليهم البعث، استخدم مقاتلة منهم لإخماد الثوارت أو القتال في الجبهات.

و في سنة 216 قطع المعتصم إبّان ولايته على مصر عن أهلها العطاء و الرزق‏ (1)؛ و لا بدّ أن دافعه راجع إلى إداركه أن أهل الفسطاط لم يعودوا يقومون بواجب القتال. و نقل المعتصم من مصر «المغاربة»، و هم مقاتلة يمانيون، إلى العراق، فكوّنوا مجموعة متميزة من المقاتلة فيها، ثم نقلهم إلى سامرّاء عندما شيدها و أوطنهم قرب قصره، و سنذكر في مكان تال مكانتهم في سامرّاء.

مكوّنات الجيش‏

الخراسانيون‏

أدركت الدولة من وقت مبكّر حاجتها إلى مقاتلين من غير العرب ينضمّون إلى جيوشها، فمنذ زمن الخليفة عمر ضمّت الجيوش الإسلامية إليها الأساورة و السيابجة و الزطّ في البصرة، و حمراء الدليم في الكوفة و الفرس، ثم الروم في الفسطاط، ثم قوات غير عربية في بلاد الشام. و كوّن كلّ من هؤلاء وحدات متميزة في الجيش، و استقرت في الأمصار بخطط خاصة بها. و لا شك في أن رابطة الدين و المصلحة و حبّ القتال كانت كلها عوامل أدت إلى قيامهم بخدمات مخلصة في الجيش لم تذكر الأخبار ظهور شكوك حولها، و مما عزّز ذلك أن أكثر الأعاجم كانوا من الأقاليم الشرقية التي فقدت ملوكها السابقين و من يؤيدهم، و بقي فيها من الرؤساء من قبل حكم العرب و رضي به. و لهذا كان الروم الذين انضموا إلى المسلمين قلة لأن دولة الروم ظلت قائمة و كان بإمكان محبّيها من المقاتلة اللجوء إليها.

____________

(1) «الولاة» للكندي 193.

45

و كانت جبهتا التوسع الرئيسيتان في كلّ من الغرب و أقصى الشرق، و أفسح العرب في كلتا الجبهتين المجال لاستخدام غيرهم في جيوشهم، فكان من البربر عدد كبير في الجيوش الإسلامية التي قاتلت في المغرب و شاركت في فتح الأندلس. أما في المشرق فقد ذكر البلاذري أن الأحنف بن قيس عندما تقدم لفتح الجوزجان و الطالقان و الفارياب، و هي المناطق الواقعة جنوبي خراسان، «قاتلهم و هو في خمسة آلاف من المسلمين، أربعة آلاف من العرب و ألف من العجم» (1). و الراجح أن هؤلاء العجم الذين كوّنوا خمس الجيش الإسلامي هم أساورة البصرة، و أن مشاركتهم العرب في القتال و الفتوح لم تقتصر على هذه المنطقة فحسب، بل امتدّت أيضا إلى فتح مناطق أخرى لم تذكرها المصادر.

و كانت خراسان من الأقاليم التي فرض فيها العرب على البلاد المفتوحة تقديم رقيق للدولة، فيروي أبو عبيدة أن عبد الله بن عامر صالح مرو «على وصائف و وصفاء و دواب و متاع، و لم يكن عند القوم يومئذ عين، و كان الخراج كلّه على ذلك حتى ولي يزيد بن معاوية فجعله مالا (2)». كما أن قتيبة بن مسلم الباهلي لمّا ولي خراسان فرض على عدد من المدن، التي فتحها فيما وراء النهر، أن تقدم مقاتلة يشاركونه في الفتوح.

لا نعلم تفاصيل أوضاع و تنظيمات القوات الأعجمية التي استخدمها العرب في جيوشهم منذ زمن قتيبة، و من المحتمل أنهم ظلوا مرتبطين بمواطنهم الأصلية، و كانوا يقاتلون مع العرب في مواعيد القتال أي في الصيف، ثم يعودون في الشتاء، كلّ إلى مدينته، و بذلك صار المكان أساس تنظيمهم في الأوقات التي لا يجري فيها قتال. و هذه هي الصورة الظاهرية لجيش الخراسانية الذين استوطنوا بغداد عند تأسيسها، فقد أعطى لأهل كل بلد قطيعة و جعل عليهم رؤساء منهم. و سمّيت القطائع بأسمائهم أو بأسماء رؤسائهم.

____________

(1) فتوح البلدان 406.

(2) المصدر نفسه 405.

46

الخراسانيون في جيش العباسيين:

كان الخراسانيون عماد الجيش الذي استند إليه العباسيون في ثورتهم و انتزاعهم الخلافة من الأمويين، و قد استقر كثير منهم في بغداد بعد تأسيسها (1)، و نقلت أعداد كبيرة منهم في زمن أبي جعفر المنصور و محمد المهدي و هارون الرشيد إلى الثغور الشمالية في أطراف بلاد الشام و الجزيرة لتعزيز القوات الإسلامية التي تحمي حدودها و تصد غارات الروم و تقوم بغزوهم، كما نقلت أعداد منهم إلى بلاد المغرب لتثبيت سلطان الخلافة العباسية في تلك البلاد.

و أساس الجيش الخراساني هو القوات العربية التي نقلت من البصرة و الكوفة و أوطنت مع عيالاتها لتقوم بحماية الحدود و توسيع الدولة في أواسط آسيا، و كان قوامها في أوائل زمن الخلافة الأموية خمسين ألف مقاتل مع عيالاتهم و كانوا مقسّمين إلى أخماس، على غرار تقسيم أهل البصرة، و هذه الأخماس هي تميم، و بكر، و الأزد، و عبد قيس، و أهل الحجاز، و كانت تضاف إليهم في بعض الأحوال قوات جديدة تعوّض عن خسائرهم من القتلى، ثم أضيفت إليهم في زمن خلافة هشام بن عبد الملك قوات من مقاتلة أهل الشام.

و كانت مرو مركز الإدارة و الديوان، و فيها مقام الوالي و معظم المقاتلة العرب، غير أن متطلبات الإدارة قضت بأن تتوزع إقامة العرب في أماكن متعددة أبرزها نيسابور، و طوس، و هراة، و مرو الروذ، و بلخ، إضافة إلى عدد من القرى في أطراف هذه المدن. و مع أن العرب احتفظوا في تسمياتهم بالعشائر التي ينتسبون إليها، إلا أنهم على مر الأيام صاروا ينتسبون أيضا إلى المدن التي كانوا يقيمون فيها (2).

أضيفت إلى المقاتلة العرب أعداد غير قليلة من المقاتلة من أبناء خراسان و بلاد ما وراء النهر، و كانوا ينسبون إلى أقوامهم الأصلية أو مدنهم، و حدث بينهم و بين العرب اختلاط واسع، فلبس كثير من العرب أزياء أهل البلاد و تعلّم‏

____________

(1) انظر تفاصيل أوفى من كتبنا «بغداد مدينة السلام».

(2) المصدر نفسه.

47

هؤلاء الأعاجم العربية بعد اعتناقهم الإسلام و خدمتهم له، و بذلك أصبحت النسبة إلى المدن و الأقاليم في خراسان و ما وراء النهر تشمل العرب و الأعاجم و لا يميّز بينهما إلا التأكيد على ذكر العشيرة التي ينتمي إليها الفرد، علما بأن كثيرا من الأعاجم نسبوا إلى العشائر العربية بالولاء.

و لما أسّس أبو جعفر المنصور بغداد أوطنها كثيرا من أهل خراسان، و كانت قطائعهم بأسماء المدن التي جاءوا منها و بأسماء رؤسائهم. و يتبين من دراسة خطط بغداد أن أصحاب القطائع الخراسانيين كانوا من مرو، و مرو الروذ، و بلخ، و خوارزم، و فارياب، و بغشور، و أهل ما وراء النهر من البخارية، و الصغد، و الصامغان، و الفارياب، و الفراغنة (1).

و تطلبت تطورات الأحوال أن يستخدم العباسيون في جيشهم رجالا من غير الخراسانيين، و تكشف دراسة خطط بغداد أن المنصور وضع أكثر من قطائع لقادة عرب من غير أهل خراسان، كما كان في الجيش حتى زمن الأمين مجموعات من الأبناء، و الأفارقة، و الأعراب، و الأتراك.

أصيب الجيش العباسي في بغداد بضربة قاصمة عندما اندحر قائدة علي بن عيسى بن ماهان و تشتت جيشه، و اعتمد الأمين في دفاعه عن بغداد على قوات «الميليشيا» من الأهالي الذين استطاعوا الدفاع عن مدينتهم بوجه قوات المأمون، و لم يفلح طاهر بن الحسين بالقضاء على الأمين إلا بعد لجوئه إلى الحصار الاقتصادي.

و لا بدّ أن عددا من هؤلاء الترك قد شغلوا مناصب في إدارة الدولة، و ذكرت المصادر منهم حماد التركي، الذي كان من المقربين في بلاط المنصور (2) و ولاه المدائن‏ (3)، ثم تعديل السواد (4)، و هو عمل يتطلب اطّلاعا على أحوال الإدارة المالية و دواوينها.

____________

(1) انظر تفاصيل أوفى في كتابنا «بغداد مدينة السلام».

(2) الطبري 3/ 276، 249، 443.

(3) أنساب الأشراف 3/ 264.

(4) الوزراء للجهشياري 134.

48

أهل ما وراء النهر في جيش بغداد

و لما ولي المأمون خراسان بعد وفاة أبيه الرشيد اهتم بتوسيع الدولة و مدّها شرقا في أواسط آسيا، و في هذا يقول البلاذري «لما استخلف المأمون أمير المؤمنين أغزا السغد و أشروسنة و من انتفض عليه من أهل فرغانة، الجند، و ألحّ عليهم بالحروب بالغارات أيام مقامه بخراسان و بعد ذلك، و كان مع تسريبه الخيول إليهم يكاتبهم بالدعاء إلى الإسلام و الطاعة و الترغيب فيه‏ (1). و من أبرز المنضمين إليه كاوس ملك أشروسنة و ابنه الأفشين‏ (2). و تابع المأمون بعد توليه الخلافة سياسته في الاهتمام بتوسيع الدولة في أواسط آسيا و ضم الترك إلى حضرتها، فكتب إلى عماله على خراسان في غزو من لم يكن في الطاعة و الإسلام من أهل ما وراء النهر، و وجّه رسله فيفرضون لمن رغب في الديوان و أداء الفريضة من أهل تلك النواحي و أبناء ملوكهم، و يستميلهم بالرغبة، فإذا وردوا بابه شرّفهم و أسنى صلاتهم و أرزاقهم.

ثم استخلف المعتصم بالله فكان مثل ذلك، حتى صار جلّ شهود عسكره من أهل ما وراء النهر من السغد و الفراغنة و الأشروسنية و أهل الشاش و غيرهم.

و حضر ملوكهم، و غلب الإسلام على من هناك، و صار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم. و أغزى عبد الله بن طاهر ابنه طاهر بن عبد الله بلاد السغد، ففتح مواضع لم يصل إليها أحد من قبل.

إن اهتمام المأمون بتوسيع الدولة في بلاد أواسط آسيا يرجع كثير منه إلى انتقال أغلب مقاتلة خراسان إلى العراق و الثغور في أطراف بلاد الروم و إلى نقل بعضهم إلى المغرب ليسهموا في إخماد الثورات على الخلافة، فكانت سيطرته على الترك تيسّر له جمع رجال متميزين بالكفاءة القتالية، لم تدخلهم الأهواء و لم يتعرضوا للانقسامات السياسية و العقائدية التي انتشرت في أقاليم الدولة.

____________

(1) فتوح البلدان 430.

(2) المصدر نفسه 429.

49

و مما يسّر تحقيق سياسته أن الترك لم تكن لهم ثقافة عميقة حريّة بالتمسك، فلم يصعب على الإسلام بخصائصه المميزة أن ينتشر في الترك، و لا سيما أن الإسلام تسنده دولة قوية تتميز بتيسير الحرية للناس، فضلا عن أن الازدهار الاقتصادي فيها يوفر للتجار مجالا للربح.

اهتم المأمون بالتوسع في المشرق منذ أوائل سني ولايته على خراسان، و لم تذكر المصادر صعوبات واجهها في هذا التوسع الذي لم تصلنا تفاصيله، و من المحتمل أن جيش طاهر بن الحسين الذي وجّهه المأمون للسيطرة على بغداد كان فيه من الترك عدد يصعب تقديره.

السغد

كانت خراسان في زمن الخلفاء الراشدين آخر إقليم للدولة الساسانية في المشرق، و حدّها في الشرق نهر جيحون. أما البلاد التي ما وراءه فكان أهلها من السغد، و وراءهم بلاد الترك ثم بلاد المغول.

و السغد قوم تميّزوا بسمات حضارية متقدمة، و قد وصلهم الإسكندر المكدوني في فتوحه في المشرق و ضمّهم إلى دولته، و أقام فيهم جالية إغريقية كونت بعده دولة باكتريا، و عاصمتها بلخ‏ (1)؛ و كانت بلادهم عند تقدّم العرب متقدمة في الحضارة و فيها عدد من المدن المزدهرة فلجأت إليها أعداد من مختلف هذه التيارات، بمن فيهم معتنقو البوذية من الصين، حيث كان لهم في بلخ معبد النوبهار و من سدنته برمك جد أسرة البرامكة، كما لجأت إلى بلادهم أعداد من معتنقي المانوية التي اضطهدها الساسانيون، و أعداد من النصارى و اليهود، و ربما أصحاب عقائد أخرى، مستفيدين من الحرية الواسعة المتوافرة لهم في هذه البلاد. غير أنهم لم تكن لهم عند تقدّم المسلمين إلى بلادهم دولة يهيمن عليها حاكم يوحّدهم سياسيا، فكانت غالبية مدنهم تتمتع باستقلال‏

____________

(1) انظر كتاب «الإغريق في باكتريا» لتارن بالإنكليزية.

50

سياسي، و لا بدّ أنه كانت بين حكام هذه المدن مناقشات و مشاحنات أضعفتهم سياسيا (1).

تعرضت بلاد السغد لعدد قليل من غزوات الساسانين الذين استقرت حدودهم عند نهر جيحون، و قلما تجاوزوه‏ (2). و لما قامت الدولة الإسلامية اتّبعت منذ بدء تكوّنها سياسة التوسع التي مكّنتها من القضاء على الدولة الساسانية، و مدت توسعها إلى الهضبة الإيرانية حتى وصلت جيوشها في زمن الخلفاء الراشدين إلى خراسان فضمت إلى دولتها البلاد كافة، الواقعة غربي نهر جيحون.

و تابع الأمويون سياسة التوسع، و كان عماد قوّتهم العسكرية العرب؛ و نظرا لبعد هذه البلاد عن قلب الدولة الإسلامية، فقد نقلوا منذ أوائل خلافة معاوية مقاتلة من العرب يقيمون دائما في خراسان، و يقومون بمهمة حماية حدود الدولة و توسيعها، غير أن الحروب الكثيرة التي خاضها هؤلاء المقاتلة تطلّبت إمدادهم بمقاتلة جدد للتعويض عمّا تفقده من القتلى و الجرحى، (3) إضافة إلى أن كثيرا من الجيل الجديد من المقاتلة العرب لم يحتفظوا بنفس الروح العسكرية و التدريب الذي كان لآبائهم، و ضعف شعورهم بأهمية التوسع، و سرت فيهم بعض الخلافات القبلية التي زادت من إضعافهم.

و قد استنفدت الجزيرة العربية طاقتها في تزويد الجيوش الإسلامية بالمقاتلة.

و كان لا بدّ من البحث عن مصادر أخرى غير جزيرة العرب، لمدّ الجيوش الإسلامية بالمقاتلة؛ و عالجت الدولة هذا الوضع ففرضوا على ما يفتحونه من‏

____________

(1) بارتولد، انظر كتاب «تركستان حتى الفتح المغولي» لبارتولد. ترجمة صلاح الدين عثمان.

(2) كرستنسن انظر تفاصيل في كتاب «إيران في عهد الساسانيين» لكرستنسن. ترجمة يحيى الخشاب.

(3) انظر كتابنا «امتداد العرب في صدر الإسلام».

51

الأقاليم تقديم الرقيق المقاتلة كجزء مما يفرض عليهم و قد طبّق هذا، من زمن مبكر، فيروي أبو عبيدة أن عبد الله بن عامر عندما فتح مرو صالح أهلها على و صائف و وصفاء و دواب و متاع، و لم يكن عند القوم يومئذ عين، و كان الخراج على ذلك حتى ولي يزيد بن معاوية فصيّره مالا (1). و يروي البلاذري أن سعيد ابن عثمان أخذ رهنا خمسة عشر من أبناء ملوكها (سمرقند) و يقال أربعين، و يقال ثمانين، و أخذهم معه ليعملوا في مزارعه، و شدّد عليهم في العمل، فاعتدوا عليه و قتلوه‏ (2). و لعل أمثال هؤلاء كوّنوا «رقيق الخمس» الذي يتردد ذكره في كتب التاريخ و الفقه‏ (3).

و يبدو أن العرب تابعوا أخذ الرقيق من هذه البلاد كضريبة مفروضة عليهم، فيذكر أبو الوزير عمر بن المطرف في قائمة الجبايات التي أعدها للرشيد عند توليه الخلافة أن مما فرض على خراسان ألفي راس‏ (4)، و يذكر ابن خرداذبة أن ما ضمّ إلى عبد الله بن طاهر من السبي الغزية قيمته ستمائة ألف درهم‏ (5)، و يذكر قدامة بن جعفر أن هذه الوظيفة قررت سنة 221 (6)، و لكنه يدمج مقدارها مع ضرائب أخرى. إن هذين النصّين اللذين و صلانا يظهران أن جباية الوصائف كانت وضيعة ثابتة مقررة، و لا نعلم متى أعيدت بعد زمن يزيد بن معاوية، كما لا نعلم استمرارها. و يبين هذان النصان أحد مصادر الرقيق في بغداد و إن كان الأرجح أن معظمهم كانوا يستخدمون في الأغراض المدنية، و قليل منهم كان يستخدم في الجيش.

و كان للحرب بين الأمين و المأمون أثر كبير على الدولة، إذ أدت إلى تشتت الجيش العباسي الذي كان يقيم في بغداد و يعتمد عليه الخلفاء العباسيون في‏

____________

(1) فتوح البلدان 405.

(2) المصدر نفسه 412.

(3) انظر «التنظيمات الاجتماعية و الاقتصادية في البصرة».

(4) الوزراء و الكتاب 283.

(5) المسالك و الممالك 37، 39؛ و انظر «الوزراء» لابن شاذان 171.

(6) كتاب الخراج 243.

52

تثبيت سلطانهم و الاستقرار في بغداد و العراق، بالإضافة إلى المهمات التي كانت تستند إليه في تقوية الثغور و المشاركة في الحملات التي ترسل للتوغل في أطراف بلاد الروم، و في إخماد بعض الثورات في بلاد المشرق، و كذلك في تدعيم سلطان العباسيين في شمالي أفريقيا و أقاليم المغرب.

و لما استتبت الخلافة للمأمون ظلت الحاجة ملحّة لجيش قوي تستند إليه الخلافة في قمع الثورات، و في حماية الحدود و صدّ أخطار الروم، و في تثبيت الأمن في البلاد. و كان الخراسانيون عماد الجيش الذي ارتكز عليه المأمون، غير أن الحروب الكثيرة التي شاركوا فيها أرهقتهم و استنزفت طاقة خراسان بإمداد الخلافة بالرجال، كما أن المقاتلة العرب كانت تهزهم التيارات السياسية التي تعرّضوا لها و دفعت كثيرا منهم إلى اتخاذ مواقف ليست من مصلحة الخلافة، و لم يكن من السهل الاعتماد على جزيرة العرب بمدّ جيوش العباسيين بالرجال، فكان لا بدّ من البحث عن مصادر أخرى لإدامة قوة الجيش، و رأى المعتصم أن الترك في أواسط آسيا يكوّنون مصدرا معتمدا في إمداد الجيش الإسلامي بالرجال.

الترك‏

الترك شعب قديم الأصول تميّزهم لغة عامة يستعملونها و إن اختلفت لهجاتها، و ديانتهم الشنتوية ضحلة في عقائدها و ضعيفة في قدرتها على التأثير في حياتهم و أفكارهم و عقائدهم‏ (1). و فيهم خصائص تميّزهم و تغري باستخدامهم في الجيش، و قد أفاض الجاحظ في التعبير عنها في رسالته «مناقب الأتراك».

و كان مما قاله: التركي في بلاده ليس بقاتل على دين و لا على تأويل و لا على ملك و لا على خراج و لا على عصبية، و لا على غيرة دون الحرمة و المحرم و لا على حمية و لا على عداوة، و لا على وطن و منع دار و لا مال‏ (2). و ذكر أن‏

____________

(1) انظر تفاصيل أوفى في كتاب بارتولد «تاريخ الترك في أواسط آسيا».

(2) مناقب الأتراك 52.