سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
5

[الجزء الاول‏]

فهرست كتاب سامرا عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏

الباب الأول: تأسيس سامرا و عمرانها:

الفصل الاول: تأسيس سامرا

الفصل الثاني: منشآت المعتصم بالله في سامرا

الفصل الثالث: سامراء في عهد المتوكل على اللّه‏

الفصل الرابع: تأسيس مدينة المتوكلية

الفصل الخامس: سامراء بعد المتوكل على اللّه الفصل السادس: العودة الى بغداد و هجر سامرا

الفصل السابع: دور السكن في سامرا

الفصل الثامن: زخارف سامرا

الباب الثاني: خلفاء سامرا الفصل الاول: الخلافة و المبايعة و ولاية العهد

الفصل الثاني: المعتصم باللّه‏

6

الفصل الثالث: الواثق باللّه‏

الفصل الرابع: المتوكل على اللّه‏

الفصل الخامس: المنتصر باللّه‏

الفصل السادس: المستعين باللّه‏

الفصل السابع: المعتز باللّه‏

الفصل الثامن: المهتدي باللّه‏

الفصل التاسع: المعتمد على اللّه‏

الباب الثالث: مؤسسات الدولة العربية في سامرا الفصل الأول: وزراء سامرا

الفصل الثاني: الكتّاب‏

الفصل الثالث: القضاة في عهد سامرا

الباب الرابع: خلفاء سامرا و الأتراك الفصل الأول: الاتراك في عهد المعتصم باللّه و ابنه الواثق باللّه‏

الفصل الثاني: الصراع بين المتوكل على اللّه و الأتراك‏

الفصل الثالث: ايام الفتنة

الباب الخامس: العلويون و خلفاء سامرا الفصل الاول: خلفاء سامرا و العلويون‏

الفصل الثاني: خروج العلويين في عهد خلفاء سامرا

7

الباب السادس: الفتن و الاضطرابات في عهد سامرا الفصل الأول: الفتن الكبرى‏

الفصل الثاني: الاضطرابات الاخرى‏

الباب السابع: خلفاء سامرا و المحنة الفصل الاول: المعتزلة و أهل السنة

الفصل الثاني: المعتصم باللّه و المحنة

الفصل الثالث: المحنة في عهد الواثق باللّه‏

الفصل الرابع: نهاية المحنة

الباب الثامن: علاقات الدولة العربية بمملكة الروم الفصل الاول: الحروب بين العرب و الروم‏

الفصل الثاني: المفاداة بين العرب و الروم‏

الفصل الثالث: العلاقات الثقافية و التجارية بين العرب و الروم‏

الباب التاسع: الامارات شبه المستقلة في عهد سامرا الفصل الاول: امارة بني الاغلب‏

الفصل الثاني: امارة الطاهريين‏

الفصل الثالث: امارة بني طولون‏

الفصل الرابع: امارة الصفارين‏

8

الباب العاشر: مجالس خلفاء سامرا الفصل الأول: مجالس المعتصم باللّه‏

الفصل الثاني: مجالس الواثق باللّه‏

الفصل الثالث: مجالس المتوكل على اللّه‏

الفصل الرابع: مجالس خلفاء سامرا الآخرين‏

9

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

مقدمة:

هناك قسم من تاريخ الدولة العربية في عهد العباسيين يؤلف وحدة تاريخية كاملة، امتدت من سنة 221 ه حتى سنة 279 ه، كانت فيه مدينة سامرا حاضرة الخلافة الاسلامية. و هذه المدينة التي انشئت لتكون عاصمة الخلافة في ايام المعتصم بالله ثامن الخلفاء من بني العباس، شاء لها القدر ان تكون عاصمة لامبراطورية من اعظم الامبراطوريات التي ظهرت على مسرح التاريخ. فقد امتدت الامبراطورية العربية من سواحل المحيط الأطلسي غربا حتى تخوم الصين شرقا و رغم اختلاف اجناس رعاياها و اختلاف السنتهم، و قيام بعض الامارات شبه المستقلة على اطرافها المتباعدة، فقد كانت ولاياتها جميعا مرتبطة برباط الدين الاسلامي و الحضارة العربية و تخضع كلها لخليفة سامرا. و كما يقول المستشرق الهولندي كرامرز «انها كانت تؤلف كتلة دينية واحدة فضلا عن وحدة سياسية متينة العرى متراصة البنيان، جمعت بينها قوة السلاح، و جعلت سكانها يقفون في العالم كأعظم قوة مركزية عرفها البشر». [تراث الاسلام/ 125]

و نستطيع ان نعتبر تأسيس مدينة سامرا اهم اعمال المعتصم باللّه و ابقاها اثرا. و تقوم هذه الأهمية على ما تطلبه تأسيسها من‏

10

تصميم مسبق، و جهد كبير متواصل، و مال و فير، و ما لعبته العاصمة الجديدة من دور مهم في مسيرة الحضارة العربية خلال الشطر الاكبر من القرن الثالث. و قد تيسر للمعتصم باللّه ان ينهض بذلك العمل العظيم بما و هب من حب للعمران، و للجندية و الحياة العسكرية، و ما توفر له من المال. و قد اختار المكان المناسب للمدينة من حيث حسن الجو و المناخ، و توفر المياه، و حصانة الموقع.

و خططها بما يسد احتياجات عسكره من الأتراك، و متطلبات الحياة المدنية. و وزع الاعمال الانشائية المطلوبة لتأسيس المدينة على قواده و كبار رجاله بما كفل سرعة انجازها. و لم يبخل ببذل ما احتاجه لذلك من الاموال. فاستطاع ان يقيم مدينة واسعة كاملة المرافق في خلال مدة و جيزة تعتبر قياسية- اذ ابتدأ ببنائها في سنة (221 ه) و تم انجازها في اواخر السنة التالية-. و مع ان الصفة العسكرية غلبت على مؤسساتها و مرافقها عند تأسيسها، اذ كان معظم سكانها في اول أمرها من الجند الأتراك الذين كانوا اهم أسباب تأسيسها، بحيث أطلق عليها اسم «العسكر». الا انها ما لبثت ان قصدها اصناف الناس و استوطنوها باعتبارها حاضرة الخلافة. و لم تمض مدة يسيرة على تأسيسها حتى غدت من أمهات مدن الدنيا آنذاك. و قد أقدم اليها الخليفة نفسه من كل بلد من يعمل عملا من الاعمال، او يعالج مهنة من مهن الزرع و الغرس، و حمل من سائر البلدان من اهل كل مهنة و صناعة فانزلهم في المدينة و أقطعهم فيها لبناء منازل لهم. فاتسعت عمارة المدينة و اتصلت بيوتها و قصورها و اسواقها، و انتقل اليها عدد كبير من وجوه الناس و اهل النباهة من سائر المدن و الأمصار لطيب جوها و حسن موقمها و عمارتها.

الا ان المدينة لم تلبث ان امتد اليها الخراب عند ما النقل الخليفة المعتضد باللّه عائدا الى بغداد في سنة (279 ه) بحيث لم يبق منها بعد سنين قلائل سوى اطلالها. غير ان هذه الاطلال حفظت لنا

11

طيلة عدة قرون اسس الابنية الفخمة التي كانت فوقها مما ساعد، الآثاريين على استكشاف كثير من معالمها و تحديد الشوارع الرئيسة و كثير من القصور و دور السكن و ثكنات الجيش، التي كانت فيها.

و التعرف على الأسس الفنية و المعمارية التي قام عليها تخطيط المدينة و عمرانها. اذ كشفت الحفريات و التنقيبات الحديثة من المعلومات عن البناء و الزخرفة ما يعطي فكرة جليّة عن جمال الحضارة العربية الاسلامية التي أفاءت على العالم آنذاك، و التي تمثلت في تلك المدينة الخالدة.

و مع أهمية سامرا عاصمة الدولة العربية في ازهى عصورها و دورها الكبير في بناء الحضارة العربية، فانها لم تنل ما تستحقه من عناية المؤرخين و اهتمامهم. فقد أقام بها عدد من الخلفاء كان لهم اثر مهم في تاريخها، و وقعت في ايامها احداث جسام تركت آثارها العميقة على مسيرة الدولة العربية. و كان عهدها عهد القمم من اعلام الرجال ممن تفخر بهم في مختلف ميادين العلم و الأدب.

فقد عاصرها الامام أحمد بن حنبل الشيباني، و اماما الحديث محمد ابن اسماعيل البخاري و مسلم بن الحجاج القشيري، و المؤرخ الفقيه العالم محمد بن جرير الطبري، و المؤرخ البلداني أحمد بن أسحاق اليعقوبي. و اماما اللغة و النحو المبرد محمد بن يزيد و ثعلبه احمد ابن يحيى الشيباني، و عميد ادباء عصره عمرو بن بحر الجاحظ، و الشاعران العبقريان ابو تمام و البحتري، و فيلسوف العرب يعقوب بن اسحاق الكندي، و ابرز اطباء عصرهم يوحنا بن ماسويه و يختيشوع بن جبرائيل و حنين بن اسحاق، و آخرون كثيرون. كما تميز عهد سامرا باحداث خطيرة، منها ان الدولة العربية بلغت اوج قوتها حينما هدد المعتصم باللّه في سنة (223 ه) مدينة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية بعد ان اجتاح قواعد الروم و حصونهم و افتتح عمورية أهم مدنهم. كما قضت الدولة العربية في هذا العهد على خطرين تعرضت لهما هما حركة بابك الخرمي و فتنة الزنج.

12

و في هذا العهد ايضا ظهرت نتائج تتريك الجيش العربي، اذ طغى القواد الأتراك و تسلطوا على شؤون الدولة و بخاصة منذ ايام المتوكل على اللّه حتى ايام المعتمد على اللّه حينما استطاع اخوه الموفق المهيمن على شؤون الخلافة ان يكبح جماحهم الى حين. و كان ابرز مظاهر تسلط الاتراك استبدادهم بالخلفاء و قد قتلوا اربعة منهم و خلعوا ثلاثة من الخلافة.

و يظهر ان ما أصاب سامرا من اهمال كان سببه الرئيس سرعة خرابها بعد عودة عاصمة الدولة الى مدينة السلام التي استعادت مكانتها في التاريخ العربي الاسلامي. و عسى ان نوفق في تلافي بعض هذا الاهمال بما سنعرضه في الصفحات التالية من تاريخ الدولة العربية في عهد سامراء في مختلف جوانبه. و نرجو ان تكون المواضيع التي تناولنا بحثها و عرضها بشي‏ء من التفصيل كافية لأن تعطي صورة واضحة عن التاريخ المذكور بما يتفق و المركز الذي شغلته مدينة سامرا ما يزيد على نصف قرن كانت فيه حاضرة الخلافة الاسلامية و عاصمة الدولة العربية.

و قد جاء هذا البحث في عشرة أبواب، يضم كل منها عددا من الفصول يتناسب و طبيعة المواضيع التي يتضمنها الباب وسعتها.

فكان الباب الأول خاصا بتأسيس سامرا و عمرانها، و قد اشتمل على منشأت المعتصم بالله فيها، و سامرا في عهد المتوكل على الله، و تأسيسه المدينة المتوكلية «الجعفرية»، و سامرا بعده، و العودة الى بغداد و هجر سامرا، ثم دور السكن في المدينة، و الزخارف التي اشتهرت بها. و اشتمل الباب الثاني على دراسة خلفاء سامرا من حيث المبايعة و ولاية العهد مع نبذة مختصرة عن سيرة كل منهم لا سيما ما يتعلق منها بالدولة و المجتمع. و خصص الباب الثالث الدراسة مؤسسات الدولة العربية في عهد سامرا فضم دراسة عن الوزارة و الكتابة و القضاء. اما الباب الرابع فقد تناول علاقة

13

خلفاء سامرا بالاتراك و ما قام بين الطرفين من صراع و مظاهر ذلك الصراع و ما انتهى اليه. و خصص الباب الخامس لموقف العلويين من خلفاء سامرا. و اشتمل الباب السادس على دراسة الفتن و الاضطرابات التي و اجهت خلفاء سامرا، الكبرى منها كحركة الخرمية و فتنة الزنج، و المؤامرات التي استهدفت الخلافة، و الاضطرابات الاخرى التي كانت أقل خطرا رغم تعددها. و ضم الباب السابع موضوع المحنة التي آثارها المعتزلة و موقف خلفاء سامرا منها. و اختص الباب الثامن بدراسة علاقات الدولة العربية بمملكة الروم فشمل الحروب و المفادات و العلاقات التجارية و الثقافية بين الطرفين في خلال عهد سامرا. و اشتمل الباب التاسع على الامارات شبه المستقلة في عهد سامرا من حيث ادارة شؤونها و علاقاتها بالخلافة. و خصص الباب العاشر لمجالس خلفاء سامرا العلمية و الادبية منها و مجالس الأنس و السمر.

و قد انتهجنا في دراستنا هذه اسلوبا يختلف عن الطريقة التي الفناها في كتابة التاريخ العربي. و هو اسلوب لا يهتم بالاشخاص قدر اهتمامه بالاحداث التاريخية من حيث اسبابها و نتائجها و مسرح حدوثها. اي ان الاحداث هي محور الدراسة و البحث و ليس الاشخاص. و حاولنا جهد استطاعتنا ان نلم بتفاصيلها و مكوناتها لنضع امام القارى‏ء صورة جلية لذلك العهد متمثلة بمجريات الاحداث التي وقعت خلاله، و ما أحاط بها من الظروف المختلفة التي أدت بها الى ان تسير في الاتجاه الذي صارت اليه، مع دراسة آثارها على المجتمع آنذاك. فعرضنا ذلك بشكل وحدات «ابواب» تتناول مواضيع تكوّن بمجموعها تاريخه.

و من الواضح ان دراسة الوقائع التاريخية بشكل وحدات تساعد

14

على فهمها بمختلف جوانبها، رغم امتداد زمنها، و ما نشأ عنها من نتائج، مما يجعلها متكاملة واضحة. و نحسب ان هذا الاسلوب سيعطي من الصور عددا اكثر و من الشمول و الوضوح مجالا اوسع، مما توفره الطريقة التقليدية في عرض المادة التاريخية، لا سيما ان هذا الاسلوب يتيح مجالا رحبا للتعرف على مختلف جوانب حياة الدولة العربية برمتها آنذاك. تلك الجوانب التي لا تنال الاهتمام الكافي في الطريقة التقليدية.

و قد راعينا في دراستنا بعض الاسس التي التزمنا بها في مختلف الابواب، اهمها: 1- الحرص على التأكيد على عروبة عهد سامرا و التطور الحضاري خلاله، باعتباره امتدادا للدولة العربية التي قامت في المدينة المنورة اثر هجرة الرسول الأعظم (صلى اللّه عليه و سلم) اليها و امتدت حتى منتصف القرن السابع الهجري. اذا لم تعد كلمة العرب بمعناها الواسع تقتصر على سكان بلاد العرب فقط، بل انها شملت جميع الامم و الشعوب التي حمل العرب اليها الدين الاسلامي، و اتخذت من العربية لغة لها، و انضوت تحت راية الدولة العربية، و من ثم كانت الحضارة التي ازدهرت آنذاك و آتت اكلها في القرن التالي حضارة عربية. 2- و مما له علاقة بذلك اجتهدنا ان نكشف عن اسباب وضع بعض الأخبار بصيغة معينة، او تحريفها بشكل او بآخر، و بخاصة ما يتعلق بمحاولة الحط من شأن العرب و قادتهم. مما كان يدسّه اعداء الأمة العربية في ثنايا الوقائع و الاخبار. 3- و التزمنا جهد الاستطاعة بلغة العصر و اسلوبه السائد في عهد سامرا من حيث التعابير و المصطلحات و المحتوى دون ان نتوسع بالاستعانة بالمعارف الحديثة و ذلك للحفاظ على التراث اللغوي، و تقديم صورة صادقة عن العهد المذكور من جهة، و للتمتع بنكهة ذلك الاسلوب من التعبير المتميز بقدر كبير من الفصاحة و البلاغة. 4- و قد أرّخنا جميع الاحداث و الوقائع بالتاريخ العربي «الهجري» لأنسجام ذلك مع طبيعة الموضوع. على اننا

15

وضعنا في آخر الكتاب جدولا بما يقابل السنوات الهجرية الواردة فيه من السنوات الميلادية، تسهيلا لمن يريد معرفة ذلك. 5- و عند البحث في سيرة الخلفاء اجتهدنا ان نتحرى رعايتهم للمصالح العامة في اعمالهم و تصرفاتهم، و اهتمامهم بكل ما له علاقة بالدولة و المجتمع، لنتبين مدى ما قدموه في خلال حكمهم مما يثبت اركان الدولة و ما بذلوه لصالح النفع العام، و لرفع ما يلحق الناس من عنت و ارهاق.

و اننا لا نستطيع ان ندعي بأن هذه الدراسة قد حققت ما نصبو اليه من اعادة مدينة سامرا الى المركز الذي تستحقه في التاريخ العربي. الا اننا نأمل ان تكون قد القت بعض الضوء على ذلك و اوضحت دور سامرا في تطور الحضارة العربية، و ذلك حسبنا، و اللّه تعالى من وراء القصد انه نعم المولى و نعم النصير.

المؤلف‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الباب الأول تأسيس سامرا و عمرانها 1- تأسيس سامرا

2- منشآت المعتصم باللّه في سامرا

3- سامرا في عهد المتوكل على الله‏

4- تأسيس مدينة المتوكلية (الجعفرية)

5- سامرا بعد المتوكل على اللّه‏

6- العودة الى بغداد و هجر سامرا

7- دور السكن في سامرا

8- زخارف سامرا

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الباب الأول تأسيس سامرا و عمرانها

الفصل الأول تأسيس سامرا

1- اسباب الانتقال من بغداد:

لما قدم المعتصم باللّه بغداد من طرسوس بعد ان بويع بالخلافة في سنة (218 ه) نزل دار المأمون في الجانب الشرقي من بغداد، و اقام حتى سنة (221 ه)، و كان معه عدد كبير من الجند الاتراك.

و يجمع قدامى المؤرخين على ان الجند الاتراك، الذين توسع الخليفة المعتصم باللّه في استخدامهم في الجيش العربي، و قد اشدت شوكتهم، كانوا اهم الاسباب التي دفعته الى الانتقال من العاصمة بغداد و ان يتخذ له عاصمة جديدة غيرها. يقول اليعقوبي: «و كان اولئك الاتراك العجم اذا ركبوا الدواب ركضوا فيصدمون الناس يمينا و شمالا فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضا و يضربون بعضا، و تذهب دماؤهم هدرا لا يعدون على من فعل ذلك. فثقل ذلك على المعتصم و عزم على الخروج من بغداد» (1)، اي انه خرج بهم ليحميهم من العامة.

____________

(1) كتاب البلدان/ 256.

20

و يقول الطبري: «حدثني جعفر بن محمد الفراء ان سبب خروج المعتصم الى القاطول كان ان غلمانه الاتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلا في ارباضها، و ذلك انهم كانوا عجما جفاة يركبون الدواب، فيتراكضون في طرق بغداد و شوارعها، فيصدمون الرجل و المرأة و يطأون الصبي، فيأخذهم الاباء فيدكسونهم عن دوابهم و يجرحون بعضهم، فربما هلك من الجراح بعضهم، فشكت الأتراك ذلك الى المعتصم، و تأذت بهم العامة. فذكر انه رأى المعتصم راكبا منصرفا من المصلّى في يوم عيد اضحى او فطر، فلما صار في مربعة الحرشي‏ (2)، نظر الى شيخ قد قام اليه فقال له: يا ابا اسحاق، قال: فابتدره الجند ليضربوه، فاشار اليهم المعتصم فكفهم عنه، فقال للشيخ: مالك:

قال: لا جزاك اللّه عن الجوار خيرا، جاورتنا و جئت بهؤلاء العلوج فاسكنتهم بين اظهرنا فايتمت بهم صبياننا، و ارملت بهم نسواننا، و قتلت بهم رجالنا. و المعتصم يسمع ذلك كله. قال: ثم دخل داره فلم ير راكبا الى السنة القابلة في مثل ذلك اليوم. فلما كان في العام المقبل في مثل ذلك اليوم خرج فصلى بالناس العيد، ثم لم يرجع الى منزله ببغداد، و لكنه صرف وجه دابته الى ناحية القاطول، و خرج من بغداد و لم يرجع اليها» (3).

و ما ذكره ابن الأثير لا يخرج عما ذكره الطبري‏ (4). و يقول المسعودي: «و كانت الاتراك تؤذي العوام فى مدينة السلام بجريها الخيول في الأسواق و ما ينال الضعفاء و الصبيان من ذلك، فكان اهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة او شيخ كبير او صبي‏

____________

(2) كذا في الاصل، و الصحيح الخرسي- دليل خارطة بغداد المفصل/ 122، و بغداد في عهد الخلافة العباسية/ 190.

(3) الطبري 9/ 18.

(4) الكامل 6/ 452.

21

او ضرير. فعزم المعتصم على النقلة منهم» (5). و يقول ايضا بنفس المعنى «و كان السبب في ذلك ان اهلها كرهوه و تأذوا بجواره حين كثر عبيده من الاتراك و غيرهم من الاعاجم، لما كانوا يلقونه منهم و من غلظتهم، و ربما و ثبت العامة على بعضهم فقتلوه لصدمهم اياهم في حال ركضهم، فأحب التنحي بهم و الانفراد عن مدينة السلام» (6).

و يقول الخطيب البغدادي: «و لكثرة عسكر المعتصم و ضيق بغداد عنه و تأذى الناس به، بنى المعتصم سر من رأى و انتقل اليها فسكنها بعسكره» (7).

و يضيف مسكويه على ما ذكره الطبري «و حكي انه قام الى المعتصم يوما رجل من العامة فقال: يا ابا اسحاق اخرج عن مدينتنا و الا حاربناك بما لا تقوم له، فتقدم باخذ الرجل و حمله اليه، فلما صار بين يديه، قال: و يلك بمن تحاربني و ما هذا الذي لا قوام لي به؟ قال: نحاربك باصابعنا اذا هدأت العيون بالليل، يعني الدعاء. فسكت عن الرجل و لم يعرض له، ثم خرج فبنى سر من رأى» (8).

و ذكر صاحب العيون و الحدائق «ان المساكن و الطرق ضاقت على الناس ببغداد لكثرة العساكر التي تجمعت مع المعتصم و كثر غلمانه الأتراك» (9).

و جاء في تذكرة ابن حمدون ما يفيد بان الجند الاتراك اخذوا يتحرشون بالنساء و الصبيان مما اغضب الناس عليهم، اذ يقول:

____________

(5) مروج الذهب 4/ 53.

(6) التنبيه و الاشراف/ 308- 309.

(7) تاريخ بغداد 3/ 346.

(8) تجارب الأمم 6/ 478- 479.

(9) العيون و الحدائق 3/ 381- 382.

22

«كان سبب خروج المعتصم ان غلمانه الاتراك كثروا ببغداد فتولعوا بحرم الناس و اولادهم، فاجتمع اليه جماعة منهم و قالوا: يا امير المؤمنين ما احد احب الينا مجاورة منك لأنك الامام و المحامي عن الدين، و قد افرط علينا امر غلمانك، فاما منعتهم منا و اما نقلتهم عنا. فقال: نقاهم لا يكون الا بنقلي، و لكني افتقدهم و ازيل ما شكوتم منه. فنظروا فأذا الامر قد عظم و زاد. و خاف ان تقع بينهم حرب. و عاودوه بالشكوى و قالوا: ان قدرت على نصفتنا و الا فتحول عنا. فقال: أتحول و كرامة، و رحل الى سر من رأى» (10).

و يذكر مثل هذا ياقوت الحموى فيقول: «ان جيوش المعتصم كثروا حتى بلغ عدد مماليكه من الاتراك سبعين الفا، فمدوا ايديهم الى حرم الناس وسعوا فيها بالفساد. فاجتمع العامة و وقفوا للمعتصم و قالوا: يا امير المؤمنين ما شي‏ء احب الينا من مجاورتك لأنك الحامي للدين، و قد افرط علينا امر غلمانك و عمنا اذاهم، فاما منعتهم عنا او نقلتهم عنا. فقال: اما نقلهم فلا يكون الا بنقلي و لكني افتقدهم و انهاهم و ازيل ما شكوتم منه. فنظروا و اذا الأمر قد زاد و عظم. و خاف منهم الفتنة و وقوع الحرب. و عاودوه بالشكوى و قالوا: ان قدرت على نصفتنا و الا فتحول عنا، و الا حار بناك بالدعاء و ندعو عليك بالاسحار. فقال: هذه جيوش لا قدرة لي بها، نعم اتحول و كرامة، و ساق من فوره حتى نزل سامراء» (11).

و يقول مثله ابن الطقطقي ايضا «ان المعتصم استكثر المماليك فضاقت بهم بغداد و تأذى بهم الناس، و زاحموهم في دورهم و تعرضوا بالنساء فكان في كل يوم ربما قتل منهم جماعة. فركب المعتصم يوما فلقيه رجل شيخ فقال للمعتصم: يا ابا اسحاق، فاراد.

____________

(10) تذكرة ابن حمدون/ 103- 104.

(11) معجم البلدان 3/ 174- 175.

23

الجند ضربه فمنعهم المعتصم، و قال له: مالك يا شيخ؟ فقال: لا جزاك اللّه خيرا عن الجوار، جاورتنا مدة فرأيناك شر جار، جئتنا بهؤلاء العلوج من غلمانك الاتراك فاسكنتهم بيننا فايتمت صبياننا و ارملت نساءنا و اللّه لنقاتلنك بسهام السحر، يعني الدعاء، و المعتصم يسمع ذلك. فدخل منزله و لم ير راكبا الا في يوم مثل ذلك اليوم، فركب و صلى بالناس العيد، و سار الى موضع سامرا فبناها (12).

و لخص ابن دحيّة ما ذكره من سبقه من المؤرخين الا انه اشار الى سبب آخر من اسباب نقمة العامة على الجند هو النزول عليهم في مساكنهم قسرا، و هو امر لم يألفه العرب، فيقول: «ان العامة شكوا اليه من الجند و النزول عليهم في المساكن و التعرض بهم، فقال له بعض صلحاء المحدثين: يا أمير المؤمنين اني لا آمن عليك ان يقاتلك العامة، فقال له: و لم تقاتلني العامة، و من يحملها على ذلك و انا في هذا العسكر العظيم؟ فقال له: يقاتلونك بسهام الليل و رفع الايدي الى اللّه تعالى في المساجد. فركب في الحال و تخير موضع سر من رأى على دجلة» (13).

لا ريب في ان ضيق العاصمة بغداد بجند المعتصم باللّه لكثرتهم، و تخلفهم الحضاري عن سكان المدينة، و ما ترتب من النتائج السيئة عن احتكاكهم بالناس و تعديهم عليهم، و وقوع الاذى بين الطرفين بحيث ضاق كل منهما ذرعا بالآخر، و حرص المعتصم بالله على ان لا يغضب اهل بغداد، و هي حاضرة الدولة العربية و كبرى مدنها، و قد شعر بانتشار روح النقمة و التذمر بينهم، و خشية من أن يؤدي ذلك الى قيام فتنة لا يريدها، مما جعله يقرر عزل الجيش بثكناته و اصطبلاته بعيدا عن بغداد. و مما يؤيد ذلك الطريقة التي‏

____________

(12) الفخري 211.

(13) النبراس/ 65.

24

انتهجها في اسكانهم عند ما بنى مدينة سامرا، اذ حرص على ان يكونوا معزولين بمناطق سكناهم عن بقية الناس.

ان ما استعرضناه مما ذكره المؤرخون عن اسباب انتقال المعتصم باللّه من بغداد يدور كله حول ضيق أهل بغداد بجنده من الاتراك و شكاواهم المتكررة من تصرفاتهم و تعدياتهم، و شكوى الجند انفسهم من اعتداء الناس عليهم. على ان هناك سببا آخر ورد ذكره على لسان المعتصم باللّه نفسه، يستنتج منه انه لم يكن مطمئنا الى الحربية من جيشه، و هم العرب، لانهم كانوا قد تلكأوا في مبايعته و اظهروا ميلهم الى العباس بن المأمون. و يقول أحد كتابه و هو ابو الوزير احمد بن خالد: «بعثني المعتصم باللّه في سنة (219 ه) و قال لي: يا احمد اشتر لي بناحية سامرا موضعا ابني.

فيه مدينة، فاني اتخوف ان يصيح هؤلاء الحربية صيحة فيقتلوا غلماني، حتى اكون فوقهم فان رابني منهم ريب اتيتهم في البر و البحر حتى آتي عليهم» (14).

و يروي ابن الطقطقي هذا السبب بالشكل الآتي «ان المعتصم خاف من ببغداد من العسكر و لم يثق بهم فقال: «اطلبوا لي موضعا اخرج اليه و ابني فيه مدينة و اعسكر به، فان رابني من عساكر بغداد حادث كنت بنجوة و كنت قادرا على ان آتيهم في البر و في الماء» (15). مما يستدل منه انه كانت هناك فئات اخرى في الجيش تنقم على المعتصم باللّه، الى جانب العرب، لاعتماده على الجند الاتراك و ثقته بولائهم له.

و هناك سبب ثالث لخروج المعتصم باللّه من بغداد ذكره صاحب «الذخائر و التحف» و صاحب «الهفوات النادرة» و السيوطي. و مع ما تضمنه الخبر من اوهام و مبالغة، فان خلاصته ان المعتصم‏

____________

(14) الطبري 9/ 17، و الكامل 6/ 451، و معجم البلدان 3/ 174.

(15) الفخري/ 211.

25

باللّه كان قد فرغ من بناء قصره في الميدان ببغداد فجلس للناس فيه، فأستأذنه اسحاق الموصلي في الانشاد، فأذن له، فأنشده شعرا كان اول بيت فيه:

يا دار غيرك البلى فمحاك‏* * * يا ليت شعري ما الذي ابلاك‏

فتشاءم المعتصم من ذلك و تطير به، و تغامز الناس و عجبوا كيف ذهب هذا على اسحاق مع فهمه و علمه. و ان المعتصم بالله خرج الى سر من رأى و خرب القصر (16).

و نستطيع ان نضيف الى ما ذكرناه من الاسباب التي دفعت المعتصم باللّه الى الانتقال من بغداد، سببا آخر يتعلق بشخصيته نفسه. فقد كان ذا نزعة عسكرية يعتز كثيرا بجيشه، و قد اراد ان تكون له عاصمة خاصة به و بجيشه مقتديا بجده ابي جعفر المنصور و بغيره من الملوك العظام. و ان مقابلته رهبان الدير الذي كان في موقع سامرا قبل بنائها، و ما دار بينه و بينهم من حديث حول اسم الموضع و تاريخه، يؤكد رغبته في ان يبني مدينة خاصة به ينزلها هو و ينزلها اولاده من بعده‏ (17).

و قد كان لانتقال عاصمة الدولة العربية من مدينة السلام الى سامرا نتائج مهمة. فقد اقيمت العاصمة الجديدة بتصاميم و خطط متقدمة اتاحت فرص العمل لعدد كبير من ذوي الحرف المتعلقة بالبناء و العمران. و كان قيام سامرا بموجب هذه التصاميم و الخطط فرصة لبروز الفن العمراني العربي بزخارفه المبتكرة مما يعتبر من مفاخر الحضارة العربية. وادى الانتقال الى سامرا الى قيام مركز حضاري جديد مهم الى جانب بغداد، كانت المنافسة العمرانية و العلمية التي قامت بينهما خير مشجع على التقدم في‏

____________

(16) الذخائر و التحف/ 129- 130، و الهفوات النادرة/ 17- 18، و تاريخ الخلفاء/ 337.

(17) كتاب البلدان/ 257.

26

مضمار الحضارة و بخاصة في النواحي العلمية منها. مما ساعد على أزدهار الحضارة العربية فبلغت ذروتها خلال القرن التالي الذي اعتبر ازهى عصورها. هذا بالاضافة الى تخلص سكان مدينة بغداد من عبث الجند الاتراك و عنتهم.

على ان هذه النتائج الايجابية لانتقال المعتصم باللّه الى عاصمته الجديدة، قد صحبتها نتائج سلبية أثرت على مسيرة الدولة العربية آنذاك. و كان اهم تلك النتائج استفحال امر الاتراك. فقد ساعدتهم الطريقة التي اتبعت في اسكانهم في سامرا على التقارب و التآلف فيما بينهم مما ولد في نفوسهم شعورا بقوتهم و اهميتهم في الدولة. فعملوا على زيادة نفوذهم، و اتساع تدخلهم في شؤونها.

فأشتد الصراع بينهم و بين الخلفاء مدة استغرقت الجزء الاكبر من عمر العاصمة الجديدة. اذ فقد الخلفاء خلالها سلطانهم و غدا كبار القواد الاتراك هم الحكام الفعليين لانهم قد استولوا، منذ مقتل المتوكل على اللّه، على شؤون الدولة و اموالها، و استضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالأسير ان شاءوا ابقوه و ان شاءوا خلعوه او قتلوه‏ (18). مما جعل الخلفاء يحاولون الانتقال الى مدينة اخرى او العودة الى بغداد للتخلص من سيطرة اولئك القواد و نفوذهم. مما سنعرض لتفصيلاته في فصول قادمة. و هكذا عاد المعتمد على اللّه الى بغداد في اواخر ايامه، حتى تولى المعتضد باللّه في سنة 279 ه فهجر سامرا. و بذلك انتهى الدور السياسي للمدينة التي قدر لها ان تلعب دورا مهما في التاريخ العربي.

2- اختيار موضع سامرا:

بعد ان استقر رأي المعتصم باللّه على ان الانتقال بعساكره من بغداد امر لا بد منه اخذ يتقرى مكانا تتوفر فيه المواصفات المطلوبة

____________

(18) الفخري/ 220.

27

لاقامة مدينة له و معسكر لجيشه، من حيث السعة و توفر المياه و وسائل الحماية الكافية. فخرج الى الشماسية شمالي بغداد. و قد اعتاد المأمون في ايام خلافته ان يخرج اليها و يقيم فيها اياما. و قد عزم المعتصم باللّه على ان يبني فيها مدينة، الا انه وجد الارض تضيق عن حاجته، كما كره قرب المكان من بغداد (19). و هو يريد الابتعاد بعساكره عنها. فاشار عليه وزيره الفضل بن مروان ان يخرج الى البردان، و هي من قرى بغداد على سبعة فراسخ منها (20).

فمضى اليها و معه بعض رجاله و مستشاريه و عدد من المهندسين و من له معرفة بالاراضي و طبيعتها (21). و اقام بها اياما فلم يستطب هواءها، و رآها ضيقة المساحة لا تتسع لقيام مدينة كبيرة فيها (22).

فصار الى باحمشا بين اوانا و الحظيرة على الجانب الشرقي من دجلة فقدر انشاء مدينة هناك الا انه لم يجد موضعا يحفر فيه نهرا لارتفاع الأرض عن مستوى النهر (23). فتركها و نفذ الى قرية المطيرة، و هي قرية جنوبي سامرا، بينها و بين القادسية، و هي في بقعة كلها متنزهات و بساتين و كروم‏ (24). و قد بنيت في خلافة المأمون و نسبت الى مطر بن فزارة الشيباني، و انما هي المطرية فغيرت و قيل المطيرة (25). و كما كانت المطيرة متنزها لأهل بغداد صارت متنزها لاهل سامرا كذلك بعد تأسيسها. فاقام المعتصم باللّه بها قليلا فلم تروق له، فصار الى منطقة القاطول.

قال مسرور خادم هارون الرشيد: سألني المعتصم اين كان الرشيد يتنزه اذا ضجر من المقام ببغداد. قال قلت له: بالقاطول.

و قد كان بنى هناك مدينة آثارها و سورها قائمان، و قد خاف من‏

____________

(19) كتاب البلدان/ 256.

(20) معجم البلدان 1/ 375.

(21) مدينة المعتصم على القاطول- مجلة سومر ج/ 2 للسنة الثالثة/ 164.

(22) مروج الذهب 4/ 53.

(23) كتاب البلدان/ 256.

(24) الديارات/ 146.

(25) معجم البلدان 5/ 151.

28

الجند ما خاف منه المعتصم. فلما وثب اهل الشام و عصوا خرج الرشيد الى الرقة فاقام بها اياما، و بقيت مدينة القاطول لم تستتم‏ (26). و يظهر ان ذلك كان بعد ان استفحل امر البرامكة و فكر بالتخلص منهم. و لعله اراد الابتعاد عن بغداد لكثرة اتباعهم و مؤيديهم فيها، لكي يستطيع ان يتدبر امرهم. و كان الرشيد قد حفر نهرا كبيرا هناك سماه ابا الجند لانه كان يسقى ارضا خصصت غلاتها لارزاق الجند (27). الا ان الوقت لم يتسع له لاتمام المدينة و الانتقال اليها كما اشرنا آنفا. فترسم المعتصم باللّه خطى ابيه في الانتقال الى القاطول، و لعله فكر في اتمام بناء المدينة التي بدأها ابوه و لم يتمها. فخرج اليها و استطلع جوها فاستطاب هواءها، و رآها اصلح المواضع لاقامة مدينة ينتقل اليها.

أمر الخليفة مهندسيه بتخطيط المدينة بحيث يجعلون البناء فيها على جانبي القاطول و بينه و بين نهر دجلة. و ان يقسموها الى قطائع و زعها على القواد و الكتاب و رجال حاشيته و الناس. فباشر المهندسون العمل و احضروا مواد البناء و جاءوا بالبنائين و الصناع، فأقاموا قصرا للخليفة. و بنوا بجواره بيوت رجال الحاشية. كما أنشأوا معسكرا للجيش احاطوه بالاسوار. و بنى قادة الجيش و كبار رجال الدولة قصورهم بالآجر على ضفاف دجلة و القاطول. و بنيت الاسواق و حولها الدور، و قد شيد معظمها باللبن. و يظهر انه كانت هناك قرية على القاطول يسكنها قوم من الجرامقة و ناس من النبط، فقال احد الشعراء يعيّر المعتصم باللّه بانتقاله من بغداد و مجاورته الجرامقة (28):

____________

(26) الطبري 9/ 17.

(27) فتوح البلدان/ 295، و معجم البلدان 3/ 174.

(28) مروج الذهب 4/ 54 و الجرامقة طائفة من العجم نسبتها الى مدينة جرمق بين اصبهان و نيسابور. و قد نزل بعضهم بالموصل في اوائل الاسلام- معجم البلدان 2/ 139، و ترتيب القاموس المحيط 1/ 409.

29

أيا ساكن القاطول بين الجرامقة* * * تركت ببغداد الكباش البطارقة

و كان المعتصم باللّه قد انتقل الى القاطول و سكن في القصر الذي بناه ابوه هناك ثم انتقل الى بعض ما بني له، و سكن الى جانبه بعض حاشيته و بعض الناس‏ (29). و يؤيد المسعودي و ياقوت الحموي ان المعتصم باللّه قد شيد له قصرا في القاطول، و لما انتقل منه و هبه لمولاه اشناس‏ (30). و قد اقيمت امام القصر بركة واسعة جميلة ما تزال معالمها بادية للعيان، و هي منخفض اصطناعي طوله (220) م و عرضه (190) م و عمقه ثلاثة امتار. و قد قسمت ارضه تقسيما هندسيا، فجعلت بعض اقسامه عميقة جدا تسمح بجريان الماء فيها، و ابقيت اجزاء منها بارتفاعها الأصلي، فجعل الماء منها دكات مستطيلة متناظرة و متعاشقة، عددها في الجانب الشرقي اربع دكات و في الجانب الغربي ست دكات. و جعل التراب الناشي‏ء من الحفر على طول جانبي المنخفض الشرقي و الغربي بارتفاع يتراوح بين 3 و 5 أمتار، فتألف من ذلك كتفان عاليان زادا في روعة البقعة و جمال منظرها. و كانت البحيرة تستمد ماءها من فرع القاطول الممتد جنوبا الى القادسية. كما كان يصرف ماؤها بكهاريز تنتهي بحافة نهر القائم‏ (31).

تقع المدينة التي بناها المعتصم باللّه على القاطول في منطقة القادسية الممتدة بين نهر القائم و نهر دجلة، على بعد عشرة كيلومترات جنوبي سامرا. و اظهرت التنقيبات آثار سور مثمن الشكل يقع غربي مدينة المعتصم باللّه، يبلغ طول كل ضلع من‏

____________

(29) فتوح البلدان/ 295، و كتاب البلدان/ 257، و مروج الذهب 4/ 53.

(30) مروج الذهب 4/ 53، و معجم البلدان 3/ 174.

(31) مدينة المعتصم على القاطول/ 166.

30

اضلاعه (630) م و هو مبني باللبن و مدعوم بسلسلة ابراج يبلغ عددها (140) برجا. و في كل ركن من اركانه برج كبير مدور قطره نحو ثمانية امتار. و سمك السور اربعة امتار، و ارتفاعه نحو خمسة امتار. و تبلغ مساحة الأرض التي يكتنفها السور (745) دونما، اي ما يقارب المليوني متر مربع. و في السور فتحات تدل على انها كانت ابوابا له. و السور من الداخل مؤلف من اروقة، كل رواق بين دعامتين، و قد جعل بعض هذه الاروقة حجرات. و تشاهد في وسط السور معالم بعض البنايات، و سلسلة غرف ذات عقادات مدببة. و يدل شكل السور على انه كان حصنا و معسكرا لجيش كبير يقيم معظمه في الخيم المنصوبة في ساحته، و ان الأبنية التي وجدت آثارها فيه انشئت لسكنى قواد الجيش.

و مما هو جدير بالملاحظة ان سور القادسية هذا يشبه اسوار القصور و القطائع التي انشئت في سامرا فيما بعد، من حيث ضخامته و شكله و حجم اللبن الذي استخدم في بنائه، مما يوحى بان المعتصم باللّه جعل الاسوار مثمنة ليكسبها مظهرا قريب الشبه بأسوار مدينة المنصور (32). و ربما كان لشكل السور علاقة بتسمية المعتصم باللّه بالخليفة المثمن.

و كان يدور بمحاذاة قاعدة السور من الداخل خندق ما يزال ظاهرا، كان يستمد ماءه من نهر القادسية. و هو فرع من القاطول الاعلى يمتد الى نهر القائم فيقطعه على عبارة ما تزال بعض معالمها ظاهرة للعيان في عقيق القائم. و عند وصوله سور القادسية يتفرع منه فرع يدخل المعسكر و ينقسم في داخله الى فرعين يكونان زاوية قائمة، ثم ينعكس احدهما في زاوية قائمة ايضا فيصير موازيا للفرع الأول. و لا شك في ان هذا التوزيع يساعد جميع القاطنين في‏

____________

(32) الآثار القديمة العامة- سامرا/ 72- 73، و مدينة المعتصم على القاطول/ 168.

31

داخل السور على انتهال الماء. و من المحتمل ان المياه الزائدة كانت تصرف بمصرف يخرج من الضلع الجنوبي للسور. (33).

أما مدينة القاطول نفسها فان المعتصم باللّه كان قد انشأ كهريزا لايصال مياه الشرب اليها. و يستمد هذا الكهريز المياه من نهر دجلة في نقطة تقع على بعد كيلومترين تقريبا من شمالي صدر نهر القائم، ثم يسير شرقا باتجاه حصن القادسية فينحرف من جهته الشمالية حتى ينتهي الى بنايات مدينة المعتصم بالله شرقي الحصن.

و قد انشي‏ء هذا الكهريز في مجريين متوازيين احدهما خاص بموسم الفيضان و الآخر خاص بموسم الصيف. و يبلغ طول هذا الكهريز من صدره حتى ابنية مدينة القاطول زهاء اربعة كيلومترات‏ (34).

و وجدت في الاراضي حول السور آثار مبان و اسوار تمتد غربا و شرقا، و قد شيد بعضها بالآجر، و البعض الآخر باللبن. مما يدل على ان قسما منها كان دورا و قصورا، و بعضها كان اسواقا.

و يظهر ان الأبنية الكائنة في جنوبي القادسية قد شيدت جميعها بالآجر مما يستنتج منه انها كانت قصورا لكبار القوم. و وجدت ايضا خرائب فيها طبقات من الرماد و كسر الاواني الزجاجية و كتل من الزجاج المنصهر، تدل و فرتها على ان معامل للزجاج كانت تقوم في هذا الموضع، و قد اتخذه صناع الزجاج في ايام ازدهار سامرا و عظمتها مقرا لهم، و شيدوا فيه مصانعهم و دورهم و مساكن عمالهم، و قد ظل كذلك بعد انتقال الخلافة منها و عودة العاصمة الى بغداد (35). و يذكر ياقوت الحموي ان القادسية كانت قرية كبيرة قرب سامرا يعمل فيها الزجاج‏ (36).

____________

(33) مدينة المعتصم على القاطول/ 168.

(34) ري سامراء 1/ 266.

(35) مدينة المعصم على القاطول/ 168.

(36) المشترك وضعا/ 337.

32

على ان المعتصم باللّه ما لبث ان ادرك ان الأرض التي اختارها ضيقة غير قابلة للتوسع لاحاطتها بدجلة و القاطول من جهة، و لارتفاع ضفة القاطول اليمنى بسبب تراكم الاتربة الناشئة من حفر هذا النهر على شاطئه الايمن، فتكون من ذلك سلسلة مرتفعات و تلول على طول الضفة المذكورة حجزت الاراضي الواقعة الى جنوبه عن الواقف بالضفة اليسرى، مما يخلق حاجزا بين جانبي المدينة (37)، و هي بذلك لا تفي بقيام حاضرة للخلافة، كما وجد ان طبيعة الارض حصا و انهار يصعب البناء فيها (38). و كان الموضع فوق ذلك شديد البرد فتأذى به المعتصم باللّه و حاشيته، حتى قال بعض من كان معه‏ (39):

قالوا لنا ان بالقاطول مشتانا* * * فنحن نأمل صنع اللّه مولانا

الناس يأتمرون الرأي بينهم‏* * * و اللّه في كل يوم محدث شانا

و كان المعتصم باللّه قد صار في خلال خروجه الى الصيد الى ارض واسعة، و هي صحراء من ارض الطيرهان خالية من السكان و لا عمارة بها سوى دير للنصارى، فوقف بالدير و سأل من فيه عن اسم الموضع. فقال له بعض الرهبان: «نجد في كتبنا المتقدمة ان هذا الموضع يسمى سرمن رأى و انه كان مدينة سام بن نوح، و انه سيعمر بعد الدهور على يد ملك جليل مظفر منصور له اصحاب كأن وجوههم وجوه طير الفلاة ينزلها و ينزلها ولده. فقال: انا و اللّه ابنيها و انزلها و ينزلها ولدي. و لقد امر الرشيد يوما ان يخرج ولده الى الصيد، فخرجت مع محمد و المأمون و اكابر ولد الرشيد فاصطاد

____________

(37) مدينة المعتصم على القاطول/ 167.

(38) كتاب البلدان/ 257، و فتوح البلدان/ 295.

(39) مروج الذهب 4/ 54.

33

كل واحد منا صيدا و اصطدت بومة ثم انصرفنا، و عرضنا صيدنا عليه فجعل من كان معنا من الخدم يقول هذا صيد فلان و هذا صيد فلان حتى عرض عليه صيدي، فلما رأى البومة و قد كان الخدم اشفقوا من عرضها لئلا يتطير بها او ينالني منه غلظة، فقال من صاد هذه؟ قالوا: ابو اسحاق، فاستبشر و ضحك و اظهر السرور.

ثم قال اما انه يلي الخلافة و يكون جنده و اصحابه و الغالبون عليه قوما وجوههم مثل وجه هذه البومة فيبنى مدينة قديمة و ينزلها بهؤلاء القوم ثم ينزلها ولده من بعده، و ما سر الرشيد يومئذ بشي‏ء من الصيد كما سر بصيدي لتلك البومة» (40). و هذه القصة لا تخلو من ان تكون موضوعة على غرار الاسطورة التي وضعت عند ما اختار ابو جعفر المنصور موضع مدينته المدورة، و قد ذكرها ياقوت الحموي في معجمه البلداني‏ (41). و معالم وضعها ظاهرة، اذ كيف يتوقع هارون الرشيد ان يلي ابنه ابو اسحاق الخلافة و هو لم يدخله مع ولاة العهد من اولاده الذين كتب لهم كتاب العهد! و يرجح انها وضعت فيما بعد بشكل يلائم احوال المعتصم باللّه.

نظر المعتصم باللّه الى فضاء واسع تسافر فيه الأبصار، و هواء طيب، و ارض صحيحة، فأستمرأها و استطاب هواءها، و اقام هناك ثلاثا يتصيد في كل يوم، فوجد نفسه تتوق الى الغذاء و تطلب الزيادة على العادة الجارية، فعلم ان ذلك من تأثير الهواء و الماء و التربة. فلما استطاب الموضع دعا باهل الدير فاشترى منهم ارضهم باربعة الآف دينار (42). و عرفت هذه المنطقة قديما بصحراء الطيرهان و قصبتها الماحوزة، و هي التي بنى فيها المتوكل على اللّه عاصمته المتوكلية فيما بعد. و من المواضع الشهيرة فيها قبل ان يختارها المعتصم باللّه ليقيم عاصمته فيها موضع يسمى (دور عربايا)

____________

(40) كتاب البلدان/ 257.

(41) معجم البلدان 1/ 458- 459.

(42) مروج الذهب 4/ 54.

34

و موضع آخر اسمه (الكرخ) و دور عربايا او دور العرباني هو الدور الأسفل، و هو قرية بين سامرا و تكريت، و فيه انزل المعتصم باللّه بعض قواده عند ما بنى سامرا (43). اما موضع الكرخ فكان يقال كرخ فيروز، و هو موضع مدينة قديمة على مرتفع من الأرض، و هو اقدم من سامرا، فلما بنيت اتصل بها، و ظل عامرا بعد هجرها و خرابها. و يقال له ايضا كرخ باجدا و كرخ جدان‏ (44). و قد انزل المعتصم باللّه فيه مولاه اشناس القائد فيمن ضم اليه من القواد، لما بنى سامرا (45).

و كانت منطقة الطيرهان تؤلف مع تكريت و السن و البوازيج اول حدود اعمال المغرب عند البلدانيين و تعتبر من كور الموصل‏ (46). و هي ارض منبسطة كان يتردد عليها خلفاء بغداد للصيد. و يظهر ان المعتصم باللّه نفسه كان يتردد ايام كان اميرا، الى هذا الموضع للصيد، و يضرب فيه مضاربه، كما سنرى فيما بعد.

و كانت تعرف قبل الفتح العربي بنفس الاسم. فقد ورد ذكرها في بعض الحوادث التي وقعت ايام العهد اليوناني في العراق‏ (47). و قد استمر هذا الأسم يطلق على منطقة سامرا بعد تأسيسها و لقرون عديدة (48).

يقول اليعقوبي في تاريخه: «ثم ارتحل (المعتصم باللّه) من القاطول الى سر من رأى، فوقف في الموضع الذي فيه دار العامة، و هناك دير للنصارى فأشترى من اهل الدير الارض و اختط فيه.

____________

(43) فتوح البلدان/ 295، و معجم البلدان 2/ 481، و المشترك وضعا/ 183.

(44) معجم البلدان 4/ 447، و المشترك وضعا/ 369.

(45) فتوح البلدان/ 295، و كتاب البلدان/ 258.

(46) المسالك و الممالك 94 و 245، و الخراج و صناعة الكتابة/ 175.

(47) اخبار فطاركة كرسي المشرق لماري بن سليمان/ 4- 5.

(48) اخبار فطاركة كرسي المشرق لعمرو بن متى/ 72- 73، و 83 و 100، و 116- 121.

35

و صار الى موضع القصر المعروف بالجوسق على دجلة فبنى هناك عدة قصور للقواد و الكتاب و سماها باسمائهم» (49). و يقول المسعودي:

«و لم يزل (المعتصم باللّه) يتنقل في تلك النواحي حتى وقع اختياره على موضع سامرا، و هو بلاد في كورة الطيرهان» (50). و يقول ايضا: «خرج يتقرى المواضع فانتهى الى موضع سامرا، و كان هناك دير عادي فسأل بعض اهل الدير عن اسم الموضع فقال: يعرف بسامرا. قال له المعتصم: و ما معنى سامرا؟ قال: نجدها في الكتب السالفة و الامم الماضية انها مدينة سام بن نوح. قال له المعتصم:

و من اي بلاد هي و الام تضاف؟ قال: من بلاد طيرهان و اليها تضاف» (51). و جاء في اخبار فطاركة المشرق لماري بن سليمان ان المعتصم باللّه «خرج الى الطيرهان للتصيد، و صاد و جعل في اعناق السباع الاطواق الحديد، و وسم على افخاذ الظباء و حمير الوحش اسمه، و استطاب الموضع، و ابتاع من سكان ذلك الموضع النصارى الحزيات المتصلة بالمطيرة، و جدد بناء سر من رأى» (52).

و لما عزم المعتصم بالله على ان ينزل بموضع سامرا كلف وزيره محمد بن عبد الملك الزيات و قاضي القضاة احمد بن ابي دواد، و عمر بن فرج، و احمد بن خالد المعروف بأبي الوزير، و هما من رؤساء الدواوين، بأن يشتروا له من اصحاب الدير الارض التي رآها و ان يدفعوا اليهم اربعة آلاف دينار ثمنالها، فقعلوا ذلك‏ (53).

و هناك خبر يروى عن ابي الوزير انه قال: «بعثني المعتصم في سنة (219 ه) و قال لي: يا احمد اشتر لي بناحية سامرا موضعا ابني فيه مدينة .. و قال لي: خذ مائة الف دينار، قال قلت: آخذ

____________

(49) تاريخ اليعقوبي 2/ 473.

(50) التنبيه و الاشراف/ 309.

(51) مروج الذهب 4/ 54.

(52) ص: 77.

(53) كتاب البلدان/ 257- 258.

36

خمسة آلاف دينار فكلما احتجت الى زيادة بعثت اليك فاستزدت.

قال: نعم فأتيت الموضع فاشتريت موضع سامرا بخمسمائة درهم‏ (54)، من النصارى اصحاب الدير، و اشتريت موضع البستان بخمسة آلاف درهم، و اشتريت عدة مواضع حتى احكمت ما اردت، ثم انحدرت فاتيته بالصكاك، فعزم على الخروج اليها. حتى وضع البناء بسامرا في سنة (221 ه)» (55). و لا نرى تضاربا بين الروايتين، اذ يجوز ان الخليفة كلف الاشخاص المذكورين اول الأمر، ثم اقتصر مهمة الشراء على ابي الوزير.

و يبدو مما يرويه ابن ابي اصيبعة ان للمعتصم باللّه سابق معرفة بموضع سامرا عند ما كان اميرا، اذ يقول: «ثم صار المعتصم الى سر من رأى فضرب مضاربه فيها و اقام بها في المضارب، فاني لفي بعض الايام على باب مضرب المعتصم اذ خرج سلمويه بن بنان ... فقال لي: حدثني في غداة يومنا نصر بن منصور بن بشام انه كان يساير المعتصم في هذا البلد، يعني بلد سر من رأى، و هو أمير، قال لي سلمويه: قال نصر ان المعتصم امير المؤمنين قال له: يا نصر أسمعت قط بأعجب ممن اتخذ في هذا البلد بناء و أوطنه! ليت شعري ما اعجب موطنه، حزونة ارضه او كثرة اخاقيقه‏ (56). ام كثرة تلاعه و شد الحر فيه اذا حمى الحصى بالشمس، ما ينبغي ان يكون متوطن هذا البلد الا مضطرا مقهورا، او ردي‏ء التمييز. قال لي سلمويه: قال لي نصر بن منصور: و انا و اللّه خائف ان يوطن امير المؤمنين هذا البلد. فان سلمويه ليحدثني عن نصر اذ رمى ببصره نحو المشرق فرأى في موضع الجوسق المعروف بالمصيب اكثر من الف رجل يضعون اساس الجوسق.

____________

(54) في معجم البلدان 3/ 174 بخمسة الاف درهم، و في العيون و الحدائق 3/ 381 بخمسمائة الف درهم.

(55) الطبري 9/ 17، و معجم البلدان 3/ 174.

(56) في النص: اخافيقه، و هو خطأ مطبعي، و الاخاقيق الحفر.

37

فقال لي سلمويه: احسب ظن نصر بن منصور قد صح. و كان ذلك في رجب سنة احدى و عشرين و مائتين» (57).

ان ما ذكره ابو الوزير، و ما رواه ابن ابي اصيبعة يستنتج منه ان المعتصم باللّه كان يفكر بالانتقال الى عاصمة اخرى، و لذا يمكن القول ان شكوى اهل مدينة السلام كانت سببا مباشرا لانتقاله عنها.

و يظهر ان سعة الموضع و موقعه من نهر دجلة و بعده عن بغداد مما اغرى المعتصم باللّه بأن يختاره لأن يقيم فيه مدينته التي ازمع على تأسيسها. على ان هناك اسبابا اخرى جعلته يفضل هذا الموضع على غيره. فانه كان محاطا بالمياه من جميع اطرافه بحيث انها تشكل سورا دفاعيا يحيط بالمدينة. فنهر دجلة يلازمها من جهتها الغربية و يسير بمحاذاتها من اقصى شماليها حتى اقصى جنوبيها، مما يؤمن اضافة الى اهميته الدفاعية سبيلا للمواصلات النهرية و نقل البضائع و المؤن و غيرها الى المدينة عن طريق النهر، سواء كان ذلك من شمالي العراق او جنوبيه. اما من الجهات الاخرى فان مجرى النهروان- و هو مجرى القاطول او الرصاصي- الذي يفرع من دجلة من شمالي مدينة سامرا، يجري بموازاة دجلة فيحيط بالمدينة من الجهتين الشمالية و الشرقية. و ان مجرى نهر القائم- و هو قاطول الرشيد- الذي يتفرع من دجلة من جنوبي سامرا و يلتقي بمجرى الرصاصي قبل وصوله الى نهر العظيم يحيط بالمدينة من الجهة الجنوبية. و ذلك مما اغناه عن احاطة المدينة بسور يصد عنها الهجمات شأن المدن الاخرى في ذلك العهد. ثم ان الموضع الذي تقع فيه المدينة يؤلف جرفا يرتفع عن مستوى مياه النهر، مما يجعلها في مأمن من اخطار الفيضان. و لا يخفى ان الفيضان كان‏

____________

(57) عيون الانباء/ 235- 236.

38

مصدر قلق شديد في مدينة بغداد التي كانت معرضة دوما الى خطر الغرق‏ (58).

3- قدم الموضع:

سبق ان اشرنا الى قدم منطقة الطيرهان التي اسست فيها مدينة سامرا، و ان ذكرها ورد في بعض الحوادث التي وقعت في العراق في العهد اليوناني. و قد جاء في بعض المصادر التراثية ان موضع المدينة التي بناها المعتصم باللّه كان مدينة قديمة اصابها الخراب فاندثرت معالمها. اذ يقول المسعودي: «و قد ذكر انها كانت قديمة مسماة بهذا الاسم، سميت بسام بن نوح، و انها كانت آهلة عظيمة عامرة، فلم تزل تتناقص على مر الزمان، و كان اخرابها في ايام فتنة الامين و المأمون» (59) و يقول صاحب العيون و الحدائق: «حكي في بعض الكتب ان سر من رأى كانت مدينة عظيمة عامرة كثيرة الأهل فأخربها الزمان حتى بقيت خربة و بها دير عتيق، و كان سبب اخرابها فيما حكي ان اعراب ربيعة و غيرهم كانوا يغيرون على اهلها فرحلوا عنها» (60). و يقول مارى بن سليمان: «و خرج المعتصم الى الطيرهان للتصيد .. و استطاب الموضع و ابتاع من سكان ذلك الموضع النصارى الخرابات المتصلة بالمطيرة و جدد بناء سر من رأى» (61).

ان ما رواه المؤرخون المذكورون يعني ان بناء المعتصم باللّه مدينة سامرا كان تجديدا لبناء المدينة القديمة. على ان هذه الاشارات جاءت عرضية في المصادر المشار اليها، بينما لم تشر

____________

(58) ري سامراء ج/ 54- 55.

(59) التنبيه و الاشراف/ 309.

(60) العيون و الحدائق 3/ 381.

(61) اخبار فطاركة كرسي المشرق/ 77.

39

المصادر المهمة الاخرى الى شي‏ء من ذلك. كما ان الدراسات الحديثة عن المنطقة، و التنقيبات الأثرية التي اجريت فيها لم تكشف عما يؤيد ان المكان موقع مدينة قديمة اندثرت. بل على العكس من ذلك انه كان ارضا بكرا مستريحة الوف السنين‏ (62). خلا ما عثر عليه من دلائل سكناها في عصور ما قبل التاريخ. مما يدعو الى القول بان ما جاء في المصادر المذكورة ينقصه التأييد و البرهان على ان ذلك لا يعني ان منطقة الطيرهان كانت صحراء لا عمارة فيها كما يقول اليعقوبي‏ (63). فقد كان بها عدد من الأديرة، و قد فصّلنا ذلك في مكان آخر. كما ان ما ذكر عن بستان و خرابات اضافة الى الدير دليل واضح على انها لم تكن تخلو من بعض العمران.

و قد ثبت من التحريات و التنقيبات الاثرية التي اجريت في خرائب سامرا انه كان في موضعها مستوطنات و قرى يرجع بعضها الى ادوار ما قبل التاريخ. فقد اكتشف العالم الآثاري هرزفيلد في مطلع هذا القرن مقبرة تعود الى ادوار ما قبل التاريخ بالقرب من شريعة الناصرية، و وجد فيها نوعا من الفخار المصبوغ يعتبر وسطا بين فخار شوش و فخار تل العبيد، و سمي هذا الفخار القبتاريخي باسم «فخار سامراء» و هو يمثل دورا من ادوار ما قبل التاريخ في العراق‏ (64). و عند ما توسعت مديرية الآثار العراقية في التنقيب في الموقع المذكور عثرت على موضعين آخرين يعودان الى ما قبل التاريخ ايضا احدهما شمالي المقبرة التي عثر عليها هرزفيلد و الآخر على ضفة دجلة شمالي صدر القائم جنوبي سامرا يسمى تل الصوان.

____________

(62) كتاب البلدان/ 264.

(63) كتاب البلدان/ 257.

(64) سامراء المديرية الآثار العامة/ 76.

40

يقع تل الصوان قرب النصب المعروف بالقائم على الضفة الشرقية لنهر دجلة، على بعد (11) كيلومترا جنوبي مدينة سامراء الحالية. و تؤلف اطلال هذا الموقع تلا بيضوي الشكل تقريبا طوله من الشمال الى الجنوب (230) م و عرضه من الشرق الى الغرب (110) م، و لا يزيد ارتفاعه عن ثلاثة امتار و نصف عند اعلى بقعة من سطحه. و قد اعلنت المديرية العامة للآثار عن اثرية هذا التل في سنة (1949) و ميزت نوعية الملتقطات المنتشرة على سطحه و ثبتت ازمانها التاريخية. ثم قررت في سنة (1964) ان تقوم باجراء تنقيبات عامة شاملة فيه. و قد دفعها الى ذلك سببان مهمان، اولهما ان وقوع التل في وسط العراق قد يكشف في طياته عن دلائل أثرية تلقي الضوء على نوع الارتباط الحضاري بين شمالي وادي الرافدين و جنوبيه في خلال النصف الثاني من الألف السادس قبل الميلاد، حين بدأ العراقي القديم ينحدر الى منطقة السهول الغربية في وسط الوادي و جنوبيه. و يؤسس اولى القرى الزراعية هناك.

و ثانيهما احتمال العثور على قرية من الطور المذكور بابنيتها و آثارها الاخرى لتوضح جوانب مهمة من تاريخ العراق القديم في النصف الثاني من العصر الحجري الحديث و بداية ما يسمى بالعصر الحجري المعدني. لأن ما كان معروفا عن المرحلة الحضارية المسماة (بطور سامراء) لما قبل التاريخ لا يتعدى الفخاريات التي كشف عنها هرزفيلد لأول مرة في المقبرة التي تعود الى هذه الفترة. و لقد اسفرت التنقيبات عن نتائج مهمة القت الضوء على جوانب كثيرة مما توخته دائرة الآثار العراقية. اذ كشفت لأول مرة عن مستوطنة تم الكشف على خمس طبقات اثرية منها كانت قد سكنت على التوالي‏ (65). و ترجع الطبقات الثلاث السفلى منها الى آواخر

____________

(65) التنقيب في تل الصوان للدكتور بهنام ابو الصوف، مجلة سومر ج: 1 و 2 لسنة 1968/ 37- 38.

41

العصر الحجري الحديث، ثم طور حسونة القديم و بداية فخار حسونة الانموذجي الذي يستمر الى الطبقة الرابعة ثم الخامسة مع فخار طور سامراء (66).

و كشفت الطبقة الرابعة، اضافة الى البيوت المبنية باللبن عن بنايات اخرى ذات تخطيط بنائي موحد يشبه الى حد كبير الحرف اللاتيني‏T بغرف متعددة اعتبرها المنقبون مخازن للحبوب، و كان احدها مكانا دينيا. و لوحظ ان طبقة السكن الثالثة قد سيجت فيها جميع المنطقة المسكونة بسور خارجي بطلعات غير منتظمة، و تمت حمايته بخندق منيع. و هو اقدم نظام دفاعي تم العثور عليه حتى الآن في وادي الرافدين. و تتخلل هذه الأبنية ساحة واسعة و دروب بعضها مرصوف بالحصى. و وجدت في احدى الساحات مجموعة من التنانير ملاصقة لسور القرية، و هناك ما يدل على انها كانت كورا لشي الفخار. و هذا بحد ذاته يعتبر كشفا مهما اكد ان فخاريات سامرا بكل انواعها الملونة و المحززة و لمدلوكة و البسيطة الخالية من النقوش قد تم صنعها في تل الصوان.

و ان غزارة بقايا هذا النوع من الفخار هنا يؤكد بان تل الصوان كان مركزا مهما لهذه الصناعة في القسم الوسطي من العراق، و منه كانت تتزود القرى و المستوطنات الاخرى في هذه المنطقة من وادي الرافدين‏ (67).

و قد تأكد بان الطبقة الرابعة قد مرت بدورين سكنيين على الأقل. كما ظهر ان معظم مشتملات الدور العلوي بغرفها الصغيرة كانت مخازن للغلال. و قد عثر فيها على بقايا من تلك الغلال و عظام الحيوانات التي استفاد السكان من لحومها. كما وجدت آلات و ادوات حجرية استعملت للحراثة و الحصاد و لتهيئة

____________

(66) مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/ 214- 215.

(67) التنقيب في تل الصوان السابق/ 39.

42

الطعام‏ (68). و ان العدد الكبير من تماثيل صغيرة للنساء الذي وجد في مقبرة تل الصوان قد يعني ان هذا الموقع كان في اوائل الالف السادس قبل الميلاد، و ربما قبل ذلك بقليل، مركزا رئيسا لعبادة الأم الالهة. و قد وضعت تماثيل صغيرة عديدة لها في توابيت الصغار لتحميهم في رحلتهم الطويلة في عالم ما بعد الموت. و لوحظ ان اكثر بقايا الهياكل العظيمة التي عثر عليها في قبور القرية كان اصحابها قد دفنوا بوضعية القرفصاء و ان الرأس يتجه دوما نحو الجنوب الا ما ندر. و وجدت بعض الهياكل ملفوفة بحصير مطلى بالقار، كما عثر على عدد من الاواني الكبيرة من الجص مع اغطيتها المماثلة لشكل الاناء البيضوي المفلطح قد استخدمت كتوابيت للأطفال، و يظهر ان هذا النوع من مدافن الاطفال كان شائعا في تل الصوان و بخاصة في الطبقتين الرابعة و الخامسة (69).

و من الادوات التي تلفت النظر مما عثر عليه، مجرشة، و مدقة كروية، و مدقات طويلة الشكل، و منجل من حجر الصوان ملصق بالقار، و محراث من الحجر، و حجارة مقلاع، و ثقالة ل «جومة» حياكة، و هاون او جاون، و حجر للدلك، و صنارة باب، و طبلة لمزج الاصباع، و ادوات مختلفة من معظم. كما عثر على مجموعة من عدة الخياطة كالابر و المخارز، و هي ادلة قاطعة على تمرس سكان هذا الموقع في خياطة الملابس من الجلود، او من الصوف الذي كان يغزل بمغازل تصنع اقراصها من الفخار او الحجر. و ان الكشف عن تقالات من الحجر و الفخار يدل على استخدام انواع ساذجة من «جوم» الحياكة، و هو برهان على انهم مارسوا حيا؟؟؟

الأقمشة لاستخدامها في الملابس و اغراض اخرى‏ (70). و مما عثر

____________

(68) نفس المصدر.

(69) التنقيب في تل الصوان/ 40- 41.

(70) نفس المصدر/ 43- 45.

43

عليه ايضا سلتان من الخوص مبطنتان بالقار مما يظهر ان صناعة السلال و تبطينها بالقار كانت على ما يظن صناعة شائعة في تل الصوان منذ اقدم الطبقات السكنية فيه‏ (71). و عثر كذلك على ختم منبسط مستطيل الشكل من الحجر الأسود و قد حفرت فيه حزوز متقاطعة، و هذا يعتبر واحدا من الاختام المنبسطة الاولى التي وصلتنا من اواسط الألف السادس قبل الميلاد (72).

يقول المرحوم الاستاذ طه باقر ان فخار سامرا بالمقانة مع فخار تل حلف الذي يليه، يمتاز بانه ذو لون واحد(Monochrome) كما يمتاز بزخارفه الهندسية المرتبة في انطقة(Bands) متوازية و كذلك اشكال بعض الحيوانات مثل الطيور و الاسماك و العقارب و الأيل، و في حالات قليلة اشكال آدمية مرسومة بصورة تخطيطية تقريبية.

و كانت هذه الزخارف تنقش بلون اسود فاتح او اسمر، على سطح الاناء ذى اللون الاصفر الباهت. و لحد ما نعرفه الى الآن لم يعرف العراقيون القدماء استعمال المعادن و التعدين في طور سامرا، و كانت الحجارة المادة المعتمدة في صنع الأدوات و منها الحجر البركاني الاسود (الاوبزيدي-Obzidian (73).

و مما كان يشغل اذهان علماء الآثار، لا سيما من يبحث منهم في فترات ما قبل التاريخ، التعرف على نمط الحياة الاقتصادية، و انواع المواد الغذائية الاولى التي عرفها الانسان بعد ان استقر في قرى ثابتة قرب المياه. فقد عثر على بقايا من الغلال و الحبوب المتفحمة، و البقايا العظيمة للحيوانات التي اقتات على لحومها سكان تل الصوان في مختلف ادواره، فتفرع لدراستها احد مشاهير المختصين بالنباتات القديمة هو الاستاذ هانس هيلبان من المتحف‏

____________

(72) نفس المصدر، ص: ج.

(71) مجلة سومر، ج: 1 و 2 لسنة 1967، ص: ب.

(73) مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة/ 216- 217.

44

الوطني في كوبنهاكن بالدانمارك. و توصل الى ان الحنطة و الشعير كانا من جملة المحاصيل الحقلية لاهالي تل الصوان. و انهم كانوا يعتمدون احيانا على السقي في زراعة هذين النوعين من الغلال، لقلة الامطار في وسط العراق في ذلك الزمن و كما هي الحال الآن‏ (74). مما يستنتج منه ان سكان هذا المستوطن بدأوا بمشاريع الري الصغيرة.

كما ان البحث الدقيق في الركام و التراب الناجم عن حفريات مختلف البقايا النباتية و مخازن الغلال كشف عن بقايا من عظام الحيوانات الاليفة و البرية التي اصطادها الانسان في هذا الموقع و اقتات على لحومها و استفاد من جلودها و اصوافها. و ظهر بنتيجة دراسة المختصين لهذه البقايا ان الخراف و الماعز و الغزلان كانت عماد الثروة الحيوانية، لأهل هذا الموقع في الألف السادس قبل الميلاد، و ان السمك كان الغذاء الرئيس لسكنة تل الصوان في جميع ادواره‏ (75). كما انهم كانوا يضعون الاسماك مع الموتى لتكون زادا لهم في رحلة الموت الطويلة، كما تدل على ذلك بقايا عظام السمك الكثيرة التي وجدت في القبور المكتشفة في هذا التل‏ (76).

و تمخضت الحفريات في تل الصوان في موسم سنة (1972) عن نتائج مهمة ساعدت على تكوين فكرة عامة عن نمط الحياة الاجتماعية و الاقتصادية لقرية الصوان، و كذلك عن بداية الاستيطان فيها. و مما يمكن استخلاصه ان سكان القرية تلاحموا مع بينتهم ممارسوا البدايات الاولى لأساليب الري نتيجة لتذبذب‏

____________

(74) لتنقيب في تل الصوان/ 45.

(75) نفس المصدر/ 46.

(76) مجلة سومر ج: 1 و 2 لسنة 1967. ص: ج.

45

سقوط الامطار و قلتها في هذه المنطقة. و ان هذا التفاعل ساعد على الخلق و الابداع في النواحي التي ميزت اولئك السكان‏ (77).

4- بناء سامرا:

يعتبر ما كتبه المؤرخ الجغرافي احمد بن ابي يعقوب المعروف باليعقوبي عن تخطيط مدينة سامرا و عمرانها في «كتاب البلدان» اوسع ما تضمنته كتب التراث العربي عن هذا الموضوع. و لكتابة اليعقوبي المتوفى سنة (284 ه) عن المدينة اهمية خاصة اذ كان معاصرا لها عند ما كانت عاصمة الدولة العربية، و قريب عهد من تأسيسها. و لذا سيكون كتابه المذكور مصدرنا الأول فيا سنورده في هذا البحث‏ (78)، الا اذا اشرنا الى مصدر آخر.

تخطيط المدينة:

بعد ان اختار المعتصم باللّه الأرض اللازمة لبناء المدينة اوعز الى المهندسين بتخطيطها وفق اسس عينها لهم. و يمكن ان نستخلص من مجريات العمل في تأسيس المدينة، ان اهم تلك الأسس كانت:

1- اكد المعتصم باللّه على ضرورة ان تصير قطائع الأتراك جميعا و الفراغنة، بعيدة عن الاسواق و الزحام، و ذلك بجعل مساكنهم في شوارع واسعة و دروب طوال، ليس معهم في قطائعهم و دروبهم احد من الناس يختلط بهم من تاجر و لا غيره. و ذلك لتلافي المشاكل التي واجهها في بغداد من جراء التصادم المستمر بين‏

____________

(77) مجلة سومر ج: 1 و 2 لسنة 1972، ص: ب.

(78) كتاب البلدان/ 255- 268.

46

اهلها و جنده من الاتراك في دروب المدينة و اسواقها مما اضطره على ترك العاصمة و الانتقال الى مدينة بعيدة عنها.

2- ان يبدأ العمران في الجانب الشرقي من المدينة، لما تمتاز به ارض هذا الجانب مما سبقت الاشارة اليه من المميزات. ثم ينظر بعد ذلك في اعمار الجانب الغربي.

3- الاكثار من الشوارع الرئيسة في المدينة على ان تكون موازية لنهر دجلة، و بأعرض ما يمكن، و ان توصل بينها شوارع فرعية عريضة و دروب، و ان يكون الشارع الذي على ضفة دجلة مباشرة فسيحا يتسع للسفن التي ستفرغ حمولتها في فروضه او تحمل منها.

4- ان تقام الأسواق الرئيسة حول المسجد الجامع الذي تقرر انشاؤه على شارع السريجة، بحيث تجعل سوق خاصة لكل تجارة منفردة، و يكون كل قوم من اصحاب التجارات و البياعات على حدة، على مثل ما رسمت عليه اسواق بغداد.

و قد خطط المهندسون شوارع المدينة و دروبها، و وضعوا اسس القصور و المساجد، و مختلف القطائع التي اعدت لسكنى الجند، و مختلف طبقات الناس، وفق الأسس المشار اليها. و قد برهنوا في تخطيطهم على مهارة فائقة تجلت في تنظيم الشوارع، و تنسيق الأبنية العامة، و توزيع القطائع، و اقامة الاسواق.

و كان من اول اعمال المعتصم باللّه، بعد ان كمل تخطيط المدينة انه كتب الى مختلف الولايات «في اشخاص الفعلة و البنائين و اهل المهن من الحدادين و النجارين و سائر الصناعات. و في حمل الساج و سائر الخشب و الجذوع من البصرة و ما والاها، و من بغداد و سائر السواد و من انطاكية و سائر سواحل الشام. و في حمل عملة الرخام و فرش الرخام، فاقيمت باللاذقية و غيرها دور صناعة

47

الرخام» (79) لتهيئة ما تحتاجه قصور المدينة و مساجدها من الرخام و المرمر الابيض و الملون. على ان المعتصم باللّه لم يقتصر على استخدام عمال البناء و الحرفيين ممن لهم علاقة بالبناء و التشييد فقط، بل حاول ان يحشد للمدينة الجديدة ايدي عاملة كثيرة في مختلف النواحي. و لهذا اقدم من كل بلد من يعمل عملا من الاعمال او يعالج مهنة من مهن العمارة و الزرع و النخل و الغروس، و هندسة الماء و وزنه و استنباطه و العلم بمواضعه من الأرض. و حمل من مصر من يعمل القراطيس و غيرها، و حمل من البصرة من يعمل الزجاج و الخزف و الحصر. و حمل من الكوفة من يعمل؟؟؟ ف و من يعمل الأدهان و الاصباغ. و من سائر البلدان من اهل كل مهنة و صناعة. فانزلوا بعيالهم في اماكن خاصة من المدينة، و اقطعوا فيها لبناء منازل لهم.

ابتدأ البناء في سنة (221 ه) (80). و يظهر ان اول ما بنى في المدينة الجديدة هو قصر الخليفة الذي عرف بالدار العامة، و قد بنى في بستان الدير الذي اشتراه المعتصم باللّه، و صارت ارض الدير بيت المال. و يقول المسعودي: «انه ارتاد لبناء قصره موضعا فيها فأسس بنيانه، و هو الموضع المعروف بالوزيري في سر من رأى، و اليها يضاف التين الوزيري، و هو اعذب الأتيان و ارقها قشرأ و اصغرها حبا» (81).

و يقول الآثاري كريزويل ان المعتصم باللّه ارسل رجالا الى مصر و امرهم بانتزاع اعمدة الرخام من الكنائس، و انهم بعد ان انتزعوا اعمدة كنائس الاسكندرية ذهبوا الى كنيسة القديس ميناس في‏

____________

(79) كتاب البلدان/ 258.

(80) الطبري 9/ 17، و تاريخ اليعقوبي 2/ 473، و التنبيه و الاشراف/ 301 و معجم البلدان 3/ 174، و الكامل 6/ 452.

(81) مروج الذهب 4/ 54.

48

مريوط و انتزعوا منها الرخام الملون و مرمر التبليط (82). الا ان زعمه هذا لا يمكن قبوله، لأن المعتصم باللّه الذي دفع مبالغ كبيرة لشراء الخرائب و الاراضي المتروكة التي كانت تخص الرهبان في موضع سامرا لا يمكن ان يأمر باغتصاب اعمدة الكنائس و مرمر تبليطها، و بخاصة اذا ما علمنا ان دور صناعة للرخام و المرمر قد اقيمت في بعض المدن التي اشتهرت بقطعه و صقله، لسد حاجة المدينة الجديدة منه.

الشوارع الرئيسة:

يسمى الشارع الذي امتد على ضفاف نهر دجلة من شمالي المدينة حتى جنوبيها بشارع الخليج، حيث كانت تقوم عليه الفرض لرسو السفن التي تحمل البضائع و التجارات الى المدينة من بغداد و واسط و كسكر و سائر السواد و البصرة و الأبلة و الاحواز، و من الموصل و يعربايا و ديار ربيعة و ما اتصل بذلك، و تقوم في هذا الشارع قطائع المغاربة، و عرف الموضع الذي خصص لسكنهم باسم «الأزلاخ» و تعتبر هذه القطائع اول ما اختط في سر من رأى.

و هو بهذا الاعتبار شارع حيوي للمدينة، بل هو شريان حياتها الاقتصادية لأن جميع السفن التي تحمل اليها البضائع و المؤن تفرغ حمولتها على الفرض القائمة عليه، و كذلك تحمل منها الحاصلات و البضائع التي تنقل الى مدن اخرى.

و يلي شارع الخليج شرقا الشارع الرئيس في المدينة و قد عرف اول الأمر بشارع السريجة، ثم اطلق عليه اسم الشارع الاعظم، لأنه كان اطول شوارع سامرا و اعرضها. فقد امتد من آخر البناء من قطيعة اشناس شمالا حتى آخر البناء في قطيعة الافشين في المطيرة غربا بحيث كان طوله في عهد المعتصم (19) كيلومترا تقريبا

____________

(82)

Cresswell. Ashort Account Of Muslim Arcitecture, P: 062

49

و كانت‏ (83) تقطعه دروب و شوارع عرضية من جهة الشرع الى شارع ابي احمد بن الرشيد، و تنفذ الى شارع الخليج على دجلة غربا.

و قد قامت على جانبيه بعض القطائع السكنية. منها قطيعة اسحاق بن يحيى بن معاذ رئيس حرس المعتصم بالله، و قطائع عدد من القواد من غير الأتراك، كالقواد العرب والمخاربة و الخراسانيين، مل عجيف بن عنبسة، و الحسن بن علي المأموني، و حزام بن غالب الذي كان يتولى شؤون الاصطبلات بظهر قطيعته، و هاشم بن بانيجور، و هارون بن نعيم. بحيث كان لكل منهم قطيعة خاصة به و باصحابه. ثم القطائع الخاصة بكبار الخدم مثل مسرور سمانة و قرقاس و ثابت.

كما كانت تقع على هذا الشارع المباني الخاصة ببعض مؤسسات الدولة مثل ديوان الخراج، و الخزائن الخاصة و العامة، و مجلس الشرط، و المسجد الجامع الذي لم يزل يجمع فيه الى ايام المتوكل على اللّه، و الحبس الكبير، و دار الرقيق، و السوق العظمى و قد بنيت منعزلة عن المنازل و فيها قسم خاص لكل تجارة منفرد عن غيره. كما كان هناك سوق لأهل كل مهنة بحيث لا يختلطون بغيرهم من اصحاب المهن الاخرى.

و قامت كذلك على جانبي هذا الشارع اعداد كبيرة من منازل الناس، و قد بنوا اسواقهم فيه لمختلف البياعات و الصناعات و التجارات. و هكذا كانت العمارات و القطائع و المنازل و الاسواق تمتد على جانبي هذا الشارع، و بينه و بين شارع الخليج من جهة الغرب، و بينه و بين شارع ابي احمد من جهة الشرق. و يبدو من تخصيص بعض القطائع الواقعة على جانبي هذا الشارع للقواد من‏

____________

(83) ري سامراء 1/ 61 و اشناس و الافشين من كبار قواد المعتصم بالله و سيرد ذكرهم فى الفصل الاول من الباب الرابع، و فى الفصل الثاني من الباب الثامن.

50

غير الاتراك و لأصحابهم ان المعتصم باللّه لم يحرص على عزلهم اسوة بما فعله بقطائع الجند الاتراك، فقد اسكن بينهم خليطا من الناس.

و يمتد شرقي الشارع الأعظم الشارع المعروف بشارع ابي أحمد بن الرشيد، و سمي هذا الشارع باسمه لان قطيعته كانت في وسطه. و قد قامت عليه قطائع للوزراء و القضاة و الكتاب و لسائر الناس. اذ كانت تقوم في آخره مما يلي الوادي الغربي المسمى بوادي ابراهيم بن رباح، قطيعة قاضي القضاة احمد بن أبي دواد، و قطيعة الوزير الفضل بن مروان، و قطيعة الوزير محمد بن عبد الملك الزيات، و قطيعة ابراهيم بن رباح بن شبيب الجوهري من كبار الكتاب. و يتضح من هذا ان شارع ابي احمد خصص لسكنى الوزراء و الكتاب و القضاة و غيرهم من كبار موظفي الدولة.

و بالاضافة الى الشوارع الثلاثة مارة الذكر كان هناك شارعان آخران يمتدان الى الشرق من شارع ابي احمد و موازيان له، الأول شارع الحير الأول الذي يمتد من الوادي المتصل بوادي اسحاق بن ابراهيم في الجنوب حتى وادي ابراهيم بن رباح في الشمال، و قد قامت فيه قطائع اخلاط الناس، و الثاني هو شارع برغامش القائد التركي و اوله من المطيرة عند قطائع الأفشين و يمتد شمالا الى الوادي المتصل بوادي ابراهيم بن رباح. و اقيمت في هذا الشارع قطائع للاتراك و الفراغنة، و لكل منهما دروبه المنفردة لا يخالطهم فيها احد من الناس. فالاتراك في الدروب التي في القبلة، و الفراغنة بازائهم في الدروب التي في ظهر القبلة. و قد سمح للفراغنة بمجاورة الأتراك لقربهم منهم في بلادهم‏ (84).

____________

(84) مروج الذهب 4/ 55.

51

عزل مساكن الأتراك:

لقد افردت قطائع الأتراك عن قطائع الناس جميعا بحيث جعلوا منعزلين عن غيرهم، و لا يختلطون باحد و لا يجاورهم احد سوى الفراغنة. فقد اقطع المعتصم باللّه اشناس الموضع المعروف بالكرخ، و يقال له كرخ سامرا تمييزا عن كرخ بغداد و هو المحلة التي في الجانب الغربي من بغداد. كما كان يسمى كرخ باجدا، و كرخ جدان ايضا (85)، و هو على بعد عشرة اميال شمالي سامرا (86). و ضم اليه عددا من قواد الأتراك و رجالهم و امره ان لا يسمح لقريب بمجاورتهم، كما انزل بعضهم في الدور المعروف بدور العرباني‏ (87).

و اقطع الأفشين حيدر بن كاوس الاشروسني في المطيرة في آخر البناء مشرقا، و ضم اليه اصحابه من الاشروسنية و غيرهم من الأتراك، و امره ان يبني هناك سويقة فيها حوانيت للتجار مما لا بد منه، و مساجد و حمامات. كما اقطع الحسن بن سهل بين آخر الاسواق و المطيرة. و لم يكن في ذلك الموضع يومئذ شي‏ء من العمارات، الا ان المنطقة ما لبثت ان عمرت و امتد بناء الناس فيها من كل ناحية حتى اتصل البناء بالمطيرة. و اقطع خاقان غرطوج و اصحابه مما يلي قصر الجوسق الخاقاني و امر ان يضم اصحابه اليه. و أقطع وصيفا و اصحابه مما يلي الحير.

و لكي يؤمن المعتصم باللّه عزلة الجند الاتراك عن غيرهم اشترى لهم الجواري و زوجهم بهن، و منعهم من ان يتزوجوا من احد من المولدين، الى ان ينشأ لهم الولد فيتزوج بعضهم من بعض. و اجرى‏

____________

(85) المشترك وضعا/ 368- 369.

(86) بلدان الخلافة الشرقية/ 74.

(87) معجم البلدان 3/ 175.

52

لجواري الاتراك ارزاقا قائمة، و اثبت اسماءهن في الدواوين، و لم يكن احد منهم يستطيع ان يطلق امرأته.

انتقال المعتصم باللّه الى سامرا:

ليس هناك تاريخ معين لانتقال المعتصم باللّه الى عاصمته الجديدة سامرا سوى ما ذكره اليعقوبي بقوله «و انتقل الوجوه و الجلة و القواد و اهل النباهة من سائر الناس مع المعتصم الى سر من رأى في سنة ثلاث و عشرين و مائتين» (88). الا ان اتفاق المصادر الرئيسة على تاريخ بداية بناء المدينة في سنة (221 ه) كما أشرنا، و قياسا على سرعة بناء مدينة المعتصم على القاطول، مما ذكرناه في فصل آخر، يمكن القول ان الانتقال تم في خلال سنة (222 ه). و مما يؤيد هذا ان اقدم خبر ذكرت فيه سامرا كحاضرة للخلافة هو قدوم الأفشين ببابك الخرمي و اخيه على المعتصم باللّه بسامرا ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سنة (223 ه) (89).

و ذلك يعني ان الخليفة قد استقر في عاصمته الجديدة خلال الأشهر القليلة التي سبقت هذا التاريخ، اي في بحر السنة (222 ه).

و يقول اليعقوبي ايضا: «و اتسع الناس في البناء بسر من رأى اكثر من اتساعهم ببغداد، و بنوا المنازل الواسعة. و بلغت غلة و مستغلات سر من رأى و اسواقها عشرة الاف الف درهم» (90).

و يقول المسعودي: «و تسامع الناس ان دار ملك قد اتخذت؟؟؟ و اجهزوا اليها من انواع الامتعة و سائر ما ينتفع به‏

____________

(88) كتاب البلدان/ 254.

(89) الطبري 9/ 52، و مروج الذهب 4/ 56، و تاريخ اليعقوبي 2/ 474 و لعيون و الحدائق 3/ 388.

(90) كتاب البلدان/ 263.

53

الناس» (91). و يقول ياقوت الحموي: «فعمر الناس حول قصره حتى صارت اعظم بلاد اللّه» (92).

ان انتقال عاصمة الدولة بدواوينها الى المدينة الجديدة، مع الخليفة و رجاله و حاشيته، و نقل الجيش بعدده و عدته اليها، استلزم انتقال جميع الموظفين و من يتعلق بهم كذلك. و كما أقدم الخليفة نفسه اول الأمر الى سامرا كثيرا من اصحاب الاعمال و الحرف و التجارات و غيرهم ممن كانت الحاجة ماسة اليهم في أثناء بناء المدينة، فقد اخذ آخرون من اصحاب هذه الأصناف يفدون اليها للعمل فيها لسد حاجة السكان المتزايدين. و لا يخفى ان قرب سامرا مما يؤتى به من الميرة و المؤن من الموصل و بعربايا و سائر ديار ربيعة في السفن في دجلة ساعد على تموين المدينة و باسعار مناسبة مما يسر العيش فيها. فتقاطر الناس على اختلاف طبقاتهم اليها بعيالهم و اهليهم مستفيدين من اقطاعهم الاراضي لبناء المنازل و من توفر الأسواق و فرص العمل.

توسع العمران في الجانب الغربي:

لما فرغ المعتصم باللّه من البناء في الجانب الشرقي من سر من رأى وفق التخطيط الذي وضعه المهندسون لها، و تقاطرت افواج الناس من مختلف البلدان للسكن فيها بعد ان استقر بها الخليفة و اصبحت عاصمة الدولة العربية بدلا من بغداد، اتسعت الابنية و ازداد عدد السكان فيها. فظهرت الحاجة الى مزيد من المياه سواء للشرب او للزراعة و سقى الجنائن و البساتين. و بالنظر لأن هذا الجانب من النهر ترتفع اراضيه عن مستوى مياه النهر، فقد

____________

(91) مروج الذهب 4/ 55.

(92) معجم البلدان 3/ 175.

54

كانت مياه الشرب تحمل اليهم من دجلة على البغال و الابل، لأن الآبار بعيدة الرشا لارتفاع الأرض، ثم ان ماءها مالح غير مستساغ، مما تعذر معه انشاء البساتين و المزارع بنطاق واسع يتفق وسعة المدينة و حاجتها. و لهذا اتجهت انظار الخليفة الى الضفة المقابلة (الغربية) من نهر دجلة. فهي ارض منخفضة يسهل حمل الماء اليها و يمكن التوسع في زراعتها. فعمد الى عقد جسر يوصل بين الجانبين. و قد اقيم هذا الجسر في مركز المدينة تقريبا امام القصر الهاروني الذي بناه هارون بن المعتصم باللّه فيما بعد. و يظهر انه كان من الجسور ذوات العقود، اي كان ثابتا مبنيا بالحجارة.

لقد شجع ذلك بعض الناس على الانتقال الى الجانب الغربي من نهر دجلة و العمل هناك. فحفروا الجداول السيحية و شقوا الترع و انشأوا عليها المزارع و البساتين، فقامت فيها القرى العديدة. و كانت هذه الجداول تتفرع من نهر الاسحاقي الذي امر المعتصم باللّه بحفره لأرواء الأراضي الواقعة على هذا الجانب من النهر ارواء سيحيا. و نهر الاسحاقي هذا يستمد مياهه من دجلة في موضع يقع جنوبي تكريت بقليل، فيجري امام سامرا من الغرب بموازاة نهر دجلة. و هو نهر قديم كان يمتد حتى منخفض عقرقوف في غربي بغداد، حفره قدامى العراقيين، الا انه كان قد اهمل فأندرس. فأمر المعتصم باللّه صاحب شرطته اسحاق بن ابراهيم بان يتولى الأشراف على احياء القسم الاعلى منه الممتد بين تكريت و جنوبي سامرا، و لذا عرف بالاسحاقي.

و قد قسم نهر الاسحاقي الى فرعين شمالي معسكر الاصطبلات، الشطر الغربي و يسير جنوبا وسط الاراضي التي بين دجلة و الفرات الى مسافة تقرب من (40) كيلومترا ثم تضيع معاله في رمال الصحراء. و الشطر الشرقي و يسير بموازاة السور الخارجي الغربي‏