طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها - ج1

- عبد الله بن محمد أبو الشيخ المزيد...
468 /
3

-

4

[المجلّد الأوّل‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

5

شكر و تقدير

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد الأمين، و على آله و صحبه أجمعين.

و بعد ...

فإنني أشكر اللّه تعالى قبل كل شي‏ء الذي بفضله و عونه تتم الصالحات، و تحل المشكلات، و تزول العقبات، و الذي امتن عليّ بإنجاز هذه الرسالة، و هي تحقيق و دراسة الجزء الأول و الثاني من «طبقات المحدثين بأصبهان»، و الواردين عليها، لأبي الشيخ الأنصاري، على أحسن وجه و أتمه، الذي أرجو أن يقبله مني، و يجعله خالصا لوجهه الكريم.

ثم أتوجه بخالص شكري لأولئك الذين ساهموا معي في إنجاز هذه الرسالة، و ذلك لما ثبت عن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- فيما رواه أبو هريرة، و أبو سعيد، و غيرهما- رضي اللّه عنهم- عنه- (صلى الله عليه و سلم)- أنه قال: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». و في رواية بلفظ: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» (1).

____________

(1) أخرجه أبو داود في «سننه» 4/ 304 الأدب، و الترمذي في «سننه» 3/ 228 البر و الصلة كلاهما عن أبي هريرة مرفوعا، و قال الترمذي: «حديث صحيح»، و كذا أخرجه الترمذي عن أبي سعيد و قال: حسن، و في الباب عن الأشعث بن قيس، و النعمان بن بشير، و كذا أخرجه أحمد في «مسنده» 2/ 258 و 295 و 303 و 388 و 461 و 492 من حديث أبي هريرة.

6

فمن هنا أرى من الواجب علي أن أخص بخالص شكري، و غاية تقديري فضيلة المشرف على الرسالة/ الدكتور محمود أحمد ميره- حفظه اللّه تعالى- الذي فتح لي مجال الاستفادة ليلا و نهارا في بيته و خارجه بدون تحديد بزمن، و لا يدخر جهدا، فكان يرافقني بإرشاداته القيمة، و دلالاته السديدة على المصادر، و توجيهاته الرشيدة في إصلاح العبارات و تحسينها، و كان يجهد نفسه معي في تصحيح النصوص، و حل المشاكل التي كانت تواجهني، و وجدته مخلصا في هذا كله.

فجزاه اللّه تعالى مني أحسن الجزاء، و شكر له سعيه، كما أتقدم بخالص شكري لأستاذي الدكتور أكرم ضياء العمري، حفظه اللّه تعالى، حيث يعود إليه الفضل في اختياري هذا الموضوع، و سأوضح ذلك فيما سيأتي في سبب اختيار هذا الموضوع.

و لأستاذي فضيلة الشيخ حماد الأنصاري، حيث أفادني فيما كنت أسأله، و لجميع أصدقائي و زملائي الذين شاركوني، أو قدموا لي أية مساعدة في إنجاز هذه الرسالة، و أخص منهم الصديق الفاضل رضا زنكنه الأصفهاني، الذي وفر لي بعض المراجع من أصفهان، و أرسلها لي بالبريد و استزارني في أصفهان، فزرته في العام الذي مضى (1400 ه)، فاستقبلني أحسن استقبال، و أكرم و أحسن ضيافتي، و قدم لي كل ما أحتاجه من مساعدة و عون، و كان يتجول معي بسيارته إلى جميع الأماكن التاريخية و الآثار القديمة، فجزاه اللّه خير الجزاء، و عظم له أجره.

كما أنني لا أنسى جهود القائمين على الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، و على رأسهم الدكتور عبد اللّه بن عبد اللّه بن زايد، حفظه الله تعالى.

و إنني إذ أسجّل شكري الجزيل لهؤلاء، فإنني أسأل اللّه تعالى أن يكتب لهم المثوبة من عنده، و يجزل لهم الأجر، و أن يجعل هذه الخدمة المتواضعة خالصة له، و نافعة لعامة المسلمين، و هو ولي ذلك و القادر عليه.

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تقديم بقلم: الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري‏

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على النبي الأمين، و على آله و صحبه أجمعين.

و بعد ...

فان كتاب (طبقات المحدثين بأصبهان و الواردين عليها) لأبي الشيخ الأنصاري المتوفى عام 369 ه، هو أقدم ما وصل إلينا من تواريخ أصبهان و قد سلك فيه مؤلفه مسلك المحدثين فسرد الروايات و الأحاديث بالاسانيد، و رتب التراجم على الطبقات، و قد استعمل الطبقة للدلالة على الجيل، و هو يلتقي في هذا الاستعمال مع معاصره ابن حبان البستي (ت 354 ه) في كتابيه «الثقات» و «مشاهير علماء الامصار» و لو قسمنا الفترة الزمنية التي تناول أبو الشيخ الانصاري تراجم علمائها على عدد الطبقات في كتابه و هي إحدى عشرة طبقة لتبين أن الطبقة عنده تساوي ثلاثين عاما تقريبا، و لكن الطبقات تتداخل في العادة لأنها تقوم على اللقيا بين المحدثين، و هؤلاء فيهم أصحاب الاسانيد العالية، و هم يحوزونها إما بسبب طول أعمارهم أو مبادرتهم الطلب المبكر، بحيث يلحق المتأخر بالمتقدم في الأخذ عن نفس الشيوخ. و الحق أن أخذ المؤلف بهذا النظام هو أقوى مبرر لنشر كتابه بعد أن استوعبه أبو نعيم الاصبهاني- أو كاد- في مؤلفه (ذكر أخبار أصبهان)- و هو مطبوع- إضافة إلى خدمة الدكتور عبد الغفور

8

البلوشي لكتاب أبي الشيخ من حيث التعريف برجال الاسانيد و تخريج الاحاديث و الحكم عليها، و هو جهد لازم لنيل مرتبة الماجستير في تخصص «السنة النبوية» و إن كان ليس بلازم لتحقيق الكتاب تحقيقا علميا في نظر عامة المحققين الذين يرون في ذلك إثقالا للحواشي و لا مفر من قيام طلبة الدراسات العليا من تحويل رسائلهم من تحقيق الكتب إلى دراسة أحاديث كتاب مخصوص دفعا للاعتراض المذكور.

و إضافة لذلك فقد قدم الشيخ عبد الغفور دراسة مستفيضة للمؤلف و بيئته العلمية، حيث لم يسبق إلى دراسته من قبل الباحثين المحدثين. و قد تمكن من تجلية جوانب ثقافته و التعريف بمؤلفاته و مصادر معلوماته، و إن كانت دراسة موارد كتابه لا زالت بحاجة إلى تجلية و تفصيل.

و تجدر الاشارة هنا إلى أن أبا الشيخ استفاد من مؤلفات مفقودة و أحيانا تعتبر اقتباساته عنها هي كل ما بقي منها في مكتبتنا التراثية الهائلة، و لعل هذا الوصف ينطبق خاصة على كتاب (تاريخ أصبهان) لمحمد بن يحيى بن منده (ت 310 ه) و هو أقدم مؤلف في تاريخ أصبهان و قد فقد- للأسف-، و توضح اقتباسات أبي الشيخ الكثيرة من هذا التاريخ أنه من تواريخ المحدثين.

إن تجلية مثل هذه المعلومات الدقيقة الغامضة تخدم دراساتنا التراثية و تضيف جديدا إلى «علمنا».

لقد هيأ أبو الشيخ الأنصاري ببناء كتابه على نظام الطبقات الفرصة أمامنا للتعرف على تطور الحركة الفكرية في مدينة أصبهان خلال القرون الأربعة الاولى من تاريخ الاسلام حيث يمكن معرفة أعداد العلماء في كل قرن من هذه القرون، مما يوضح ازدهار الحركة الفكرية و نشاط الرواية في أصبهان في القرن الثالث الهجري ثم تعاظم الازدهار و النشاط في القرن الرابع الهجري حيث يسجل أبو الشيخ الانصاري تضاعف أعداد المحدثين خلاله. و هذا يتفق مع وقت ازدهار الحركة الفكرية في العالم الاسلامي عامّة.

9

و قد خالفني المحقق في اعتبار تقسيم الكتاب إلى احدى عشرة طبقة، و لا زلت أعتقد بأن أبا الشيخ لم يقم بالتقسيم إلى احدى عشرة طبقة ما دام قد خلط تراجم الطبقتين العاشرة و الحادية عشر و لم يفصلهما- كما صرح-، و ربما وقفت أمامه عقبات فنية في عصر شيوخه و شيوخهم أو أصابه الارهاق فأبقاهم طبقة واحدة.

كذلك يجدر التنبيه إلى أن نسخة الظاهرية التي اعتمد عليها المحقق الفاضل يرجع تاريخها إلى النصف الأول من القرن السابع الهجري و كان الحافظ يوسف بن خليل الدمشقي (ت 648 ه) قد تملك حق روايتها بالسماع و أثبت تاريخ سماعه عليها سنة 635 ه، و هذه النسخة نقلت من نسخة أقدم عليها تملك و سماع يوسف بن خليل نفسه بتاريخ 592 ه.

و قد اشتهر الحافظ يوسف بن خليل بكثرة سماعاته للكتب و احتفاظه بنسخها الدقيقة كما تدل سماعاته و تملكاته المدونة على العديد من نسخ المخطوطات في دار الكتب الظاهرية. و يبدو أن الدراسات المتعلقة بالمخطوطات لا زالت لا تحظى بالعناية الكافية من المحققين رغم أهمية ذلك في توثيق النسخ، و لا شك أن التقدم العلمي للعالم العربي الاسلامي كفيل في المستقبل بمعالجة هذه الثغرة بإيجاد المعامل و المتخصصين اللازمين لمعالجة أنواع الورق و الحبر و الخطوط و تحديد تواريخها.

إن حركة النشر لكتب التراث نشيطة هذه الايام و لكن تقف أمامها عقبات أبرزها عدم الالتزام بقواعد النشر العلمية، و ضعف الارشاد الاكاديمي في الاعم الاغلب، و تراجع الذوق اللغوي بتراجع تعليم اللغة العربية من حيث المستوى و النوع رغم اتساعه أفقيا. و أخيرا عدم الانتقاء للنصوص الاكثر أهمية و إعطائها الأولوية في النشر.

إن النشر العلمي الجيد وحده هو الذي يخدم واقعنا الثقافي عندما تبنى دراساتنا التراثية على نصوص موثقة توثيقا علميا ينأى عن خطأ الفهم و انحراف‏

10

المعنى، و إن دراسة التراث و الاستقاء منه لتصور الماضي و دفع عجلة الحاضر تتوقف على سلامة حركة التحقيق و من هنا لا بد أن تسعى جامعاتنا و مؤسساتنا الاكاديمية الأخرى إلى معالجة النقص و القصور في هذا الجانب الهام.

و في الختام أدعو اللّه تعالى للدكتور الفاضل عبد الغفور البلوشي بالتوفيق لمزيد من الاعمال الصالحة في نشر النصوص النافعة من تراث الاسلام بعد أن قوي عوده و أفاد من تجاربه الاولى في الدراسات العليا و اللّه يقول الحق و هو يهدي إلى سواء السبيل.

المدينة المنورة في 13/ 7/ 1405 ه.

11

المقدمة

الحمد لله نحمده، و نستعينه، و نستهديه، و نستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا، و سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله، و (صلى الله عليه و سلم)، و على آله و صحبه أجمعين و بعد:

فأود أن ألمّح إلى دوافع اختياري للتخصص في السنة. لما كانت السنة و علومها من أجل العلوم و أشرفها بعد كتاب اللّه تعالى، و بما أن رحى الشريعة الإسلامية تدور على قاعدتين أساسيتين، هما: كتاب الله، و سنة رسول الله- (صلى الله عليه و سلم)- و لم يستغن الكتاب عن السنة فهي لازمة له، و مفسرة لمجمله، و مبينة لمشكله و معانيه، و مقيدة لمطلقه.

فمن هنا دفعني الشوق و الرغبة لاختيار شعبة السنة، و إن كانت صلتي و دراستي في الفقه أكثر.

و ثانيا: رغبة شديدة مني للإسهام في إحياء تراث علماء السلف من أهل السنة بإيران، الذين لم يدخروا جهدا في خدمة السنة المشرفة رجالها و متونها، و قد امّحت معظم آثارهم، و لم تجد لهم خلفا يعتنون بآثارهم، فيا حبذا لو قام رجال اعتنوا بإحياء خدمة السلف للعناية بالسنة مرة أخرى، فأسأل اللّه تعالى أن يهي‏ء رجالا لهذا، و هو عليه هين، فرغبتي في هذا الشأن كانت تتطلب مني الخوض في هذا الموضوع بعد التمكن منه ليسهل السير عليه.

12

و ثالثا: رجاء أن أحظى حينما أختار هذا القسم، بما ورد من الفضل و الشرف لأصحاب الحديث؛ و ذلك لأنهم محظوظون بتكثير الصلاة و السلام على صاحب الرسالة و السنة، محمد- (صلى الله عليه و سلم)- القائل: «من صلى عليّ واحدة صلى اللّه عليه عشرا» (1).

فيجري ذلك على لسانهم و يكرره قلمهم.

أما سبب اختيار تحقيق هذا الكتاب- «طبقات المحدثين بأصبهان» لأبي الشيخ الأصفهاني الأنصاري- بالذات فلأمور:

أولا: يعود الفضل في ذلك إلى فضيلة أستاذي الدكتور أكرم ضياء العمري- حفظه اللّه تعالى- الذي أرشدني إلى هذا الكتاب، و دلّني على أهميته، و ذلك في خلال محاضرة من محاضراته التي كان يلقيها علينا في الفصل حينما كان يذكر لنا أهمية الطبقات، إذا به يتحدث عن أهمية هذا الكتاب- أعني: «طبقات المحدثين» لأبي الشيخ- و يشجعنا بأن مثل هذا الكتاب يجب أن يحقق و ينشر، كي لا تضيع جهود علمائنا السلف.

فسرعان ما وقع توجيهه هذا في قلبي، فقررت أن أقوم بهذا العمل و لم يثن عزمي هذا كبر حجم الكتاب، و صفوته الخوض فيه، مع أنه تراجع عليه قسم من زملائي الذين تشوقوا لتحقيقه.

و كان لتشجيع فضيلة أستاذنا الدكتور أكرم ضياء العمري- حفظه الله- أثر كبير في إقدامي، و متابعة سيري، فجزاه اللّه عني كل خير.

و إخراج هذا الكتاب المهم لأحد علماء السلف بأصفهان، هو إحياء لتراث‏

____________

(1) رواه مسلم في «صحيحه» 1/ 306 الصلاة باب فضل الصلاة على النبي- (صلى الله عليه و سلم)- حديث 408، و أبو داود في «سننه» 2/ 184 الوتر، و النسائي في الافتتاح باب فضل الصلاة على النبي- (صلى الله عليه و سلم)- حديث 1297، و الترمذي في «سننه» أيضا، في الصلاة باب فضل الصلاة على النبي- (صلى الله عليه و سلم)- حديث 485، و قال: حسن صحيح، و اللفظ لمسلم.

13

هؤلاء العلماء العظماء، و كون المؤلف من إيران، جعل لي الأفضلية في هذا المقام، لأنه من بلدي، و قديما قالوا: أهل مكة أدرى بشعابها.

فمن هنا، عزمت على تحقيق هذا الكتاب العظيم المهم، على ضوء ما أشار إليه فضيلة الأستاذ الدكتور أكرم، حفظه الله.

و كان هذا كله قبل تعيين مشرف على الرسالة، ثم أسند الإشراف إلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمود أحمد ميره- حفظه اللّه تعالى- فاتصلت به، و عرضت عليه خطتي السابقة، فلم يقتنع بها- لأني لم أضع في الخطة تخريج الأحاديث و الآثار- قائلا: كيف يصلح لطالب متخصص في الحديث أن يمر على الأحاديث و أسانيدها بدون دراسة و بحث، فكنت أعرض عليه كبر حجم الكتاب و ضيق المجال، و أن مثل هذا العمل لكتاب كبير نحو هذا يتطلب سنوات عديدة، فلم يزل يشجعني حتى اقتنعت و غيرت خطة العمل إلى ما هو أحسن و أتم كما ستقرؤه في منهج التحقيق فيما بعد، فاستمريت على هذا المنهج حتى قضيت سنتين و لم أنجز منه إلا ثلثه تقريبا فقط، فبدا لي أن العمل على هذه الطريقة لتحقيق جميع هذا الكتاب يستغرق ست سنوات تقريبا، فاستشرت فضيلة المشرف- حفظه اللّه تعالى- في ذلك، و عرضت عليه حذف الجزء الثالث منه، فوافقني على ذلك بل قال لي: لو حذفت أكثر لكان أحسن- جزاه الله خيرا، فتقدمت إلى رئاسة القسم بحذف الجزء الثالث من الرسالة فقط، فتمت الموافقة على ذلك، و صار بذلك القسم المحقق من الكتاب لرسالة الماجستير هو الجزء الأول و الثاني من «طبقات المحدثين بأصبهان و الواردين عليها»، لأبي الشيخ الأنصاري الأصفهاني، فما في تحقيقه من حسن و جمال، فيعود الفضل في ذلك إلى اللّه تعالى أوّلا بحسن توفيقه، ثم إلى المشرف على الرسالة الدكتور محمود ميره حفظه اللّه تعالى ثانيا، و ما فيه من الهفوات و الأخطاء فمني و من الشيطان.

فكان هذا هو السبب الأول لاختياري هذا الكتاب.

و أما السبب الثاني: فلما ذكرت من حرصي و رغبتي في إحياء تراث علماء السلف في إيران.

14

و السبب الثالث: تقديم دراسة وافية مستقلة عن محدث و مفسر و مؤرخ، مثل أبي الشيخ عبد اللّه بن محمد بن جعفر، المتوفى سنة 369 ه، الذي لم يحظ بترجمة عنه وافية، و دراسة شافية، فترجمت له ترجمة متسعة حسب الإمكان، و أظهرت في ذلك جوانب شخصيته، و أبرزت معالم نبوغه.

و أرجو أن أكون قد وفقت فيما تناولته، و أظن أني قد قدمت جوانب لم أسبق إليها، و الفضل لله أوّلا و آخرا.

و رابعا: كنت راغبا في تحقيق كتاب يتضمن كمية من الأحاديث تتنوع في موضوعها لأستفيد أكثر، و قد حقق اللّه رغبتي في الكتاب المذكور.

و خامسا: لما وجدت من أهمية هذا الكتاب، و مكانة مؤلفه، و اتساع جوانب ثقافته، و تخصصه، فقوله في النقد حجة، و كتابه مرجع لمن بعده‏ (1).

و الهدف من هذا كله هو إخراج هذا الكتاب محققا بصورة صحيحة ليتيسر نشره، و الانتفاع به بسهولة.

و قسمت عملي في خدمة هذا الكتاب إلى قسمين:

قسم يتعلق بخدمة نصوص متن الكتاب من تصحيح، و تخريج، و شرح لمشكلاته، و تثبيت لفروقه، و استدراك لفواته، فيما أمكن و مطموسه كما نبهت في مواضع على كثير من الأوهام التي وقع فيها بعض المحدثين، مما يتعلق بتصحيح حديث أو توثيق راو ضعيف مكان ثقة، أو عكسه في أثناء تخريجي الأحاديث، كما ستراه في أثناء التحقيق.

و قسم آخر يتعلق بمقدمة وافية للكتاب.

و كانت رغبتي في البداية أن أتناول فيها موضوعين: أحدهما: دراسة عن حياة المؤلف، و ثانيهما: دراسة عن كتب الطبقات، و كتب الرجال المحلية،

____________

(1) انظر ما سيأتي من مبحث اقتباس العلماء، و بيان أهمية الكتاب في الباب الثاني من مقدمتي.

15

باعتبار تاريخ تدوينها، و أسس تنظيمها، و فوائدها، ولكني لما قرأت ما كتبه أستاذي الدكتور أكرم ضياء العمري- حفظه الله تعالى- في هذا الموضوع و توسعه فيه، فرأيت أنه قد خدم هذا البحث خدمة جيدة، و وفّى الموضوع حقّه. و لا أرى بعدئذ كبير فائدة في إعادة ما سبقني إليه مع ضيق الوقت.

فاكتفيت بما كتبه فضيلة الدكتور، و أود أن أحيل القارى‏ء الكريم إلى ما كتبه في هذا الموضوع في كتبه الآتية:

«مقدمته على طبقات خليفة بن خياط» (1)، و «موارد الخطيب في تاريخ بغداد» (2)، و «بحوث في تاريخ السنة المشرفة» (3).

و اخترت مكان هذا الموضوع دراسة مفصلة عن أصبهان تبين موقعها جغرافيا، و حدودها، و مساحتها، و أهميتها، و مكانتها الثقافية، و مميزاتها، و نشاطات أهلها، و الفتح الإسلامي لها، مع محاولة جمع المؤلفات التي تتعلق بأصبهان و أهلها عبر القرون الإسلامية قديما و حديثا و مذهب أهلها عبر القرون.

و قد أثبت أن أصفهان كانت من القرون الأولى الإسلامية مهاجر العلماء لطلب الحديث، و محط رحالهم، حتى كانت تضاهي بغداد في العلو و الكثرة، كما قال السخاوي‏ (4).

و لكن الآن مع الأسف عدم علم الأثر و الحديث و خدامه، فلم تعد تجد فيها أثرا لهم، بل عمّ هذا كل المدن المشتهرة بخدمة السنة المطهرة في إيران، و ذلك من مطلع القرن التاسع.

فقد قال السخاوي: «و أمّا اليوم، فقد كاد يعدم علم الأثر من العراق و فارس و أذربيجان، بل لا يوجد بأرّان و جيلان و أرمينية و الجبال و خراسان التي كانت دار

____________

(1) انظر ص 41 و ما بعدها من المقدمة.

(2) انظر ص 259- 305- 385- 395 عن الطبقات و الرجال المحلية.

(3) انظر ص 72- 81.

(4) انظر «الإعلان بالتوبيخ» ص 143.

16

الآثار، بل و أصفهان التي كانت تضاهي بغداد في العلو و الكثرة ... (1)».

فهذا هو الذي دفعني، و لفت نظري إلى هذا الموضوع؛ لأثبت للقارى‏ء الكريم مكانة هذه المدينة، و نشاط أهلها في خدمة السنة في القرون الأولى، و ما هي عليه الآن.

و قد اشتملت المقدمة على موضوعين رئيسيين تخللها بعض الإشارات الهامة، أحدهما: دراسة عن أصبهان:- مكانتها، و أهميتها، و مميزاتها، و بعض نشاطات أهلها، و مذهب أهلها، و جعلته الباب الأول، و فيه فصلان، و في الفصل الأول مبحثان.

و ثانيهما: دراسة عن حياة المؤلف و كتابه «الطبقات»، و جعلته الباب الثاني، و فيه فصول، و في الفصول مباحث.

بعض المشاكل التي واجهتني أثناء التحقيق‏

قد واجهتني بعض المشاكل منها:

أن نسخة الكتاب كانت فريدة في أصلها، و مهملة من النقط في غالب الحروف، و زاد الصعوبة بأن النسخة الفرعية المنقولة عنها قد تصرف فيها ناسخها، و بدا لي أنه لا صلة له بالعلم، فنقط الحروف باجتهاده، و حرف النصوص و صحفها، و قد كلّفني هذا جهدا و مشقة في مراجعة الكتب المعنية لكل ما يتطلب ذلك، لتصحيح النصوص و أسماء رواة الأسانيد و ضبطها، و كلّ ذلك لأقدم نصّا صحيحا بقدر الإمكان.

و منها: فقد لقيت عناء شديدا في تراجم بعض رجال الأسانيد، و ذلك لأنّ كثيرا من رجال أسانيد المؤلف لم أجد لهم تراجم في رجال الستة، و قد تعبت كثيرا في معرفة من كان يختصر المؤلف أسماءهم، فيذكر اسم الراوي فقط، أو كنيته، و كان هذا يتطلب مني البحث عن اسمه أولا، ثم عن ترجمته ثانيا؛

____________

(1) انظر نفس المصدر السابق.

17

لأتأكد منه و أجزم أنه المذكور الذي عناه المؤلف و ترجمت له، و قد لا يتبين لي تعيينه حتى أجزم به، ففي مثل هذا الحال أترجم له بالاحتمال، فأقول: لعلّه فلان أو فلان، و قد لا أقف على ترجمته أحيانا بعد البحث و الفحص.

ثالثا: و هو أهم مما مضى- ما لقيته و تحملته في تخريج الأحاديث، و تتبع طرقها، و البحث عن مظانها، و ذلك لأن المؤلف قد اهتم بإخراج حديث غريب أو أكثر من أحاديث المترجم له مما تفرد به، و مثل هذه الأحاديث قلما توجد في الكتب المشهورة المعروفة المتداولة حتى يكون الوصول إليها سهلا باستعمال المعجم و غيره.

و رابعا: بما أن الأحاديث الواردة في الكتاب متنوعة الموضوع، فقد وجدت صعوبة في تحديد موضوع بعضها، فلم أصل إليها إلّا بعد جهد كبير و يأس أحيانا، و بعضها لم يتيسر لي الوقوف عليها أصلا، و مثل هذا قليل جدّا.

و خامسا: كثرة الأحاديث المسندة في الكتاب، حيث بلغ عدد الأحاديث المخرجة اثنين و أربعين و أربع مئة حديث في القسم المحقق لرسالة الماجستير، و إلّا عدد الأحاديث في كل الكتاب أكبر من هذا بكثير حيث يتجاوز الألف.

هذه بعض العقبات التي واجهتني خلال أعداد البحث، و قد تغلبت على كثير منها بفضل الله تعالى ثم بمساعدة المشرف، حفظه الله تعالى.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الباب الأوّل‏

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الفصل الأوّل و فيه مبحثان‏

المبحث الأول في أسماء أصفهان قديما و حديثا و ضبطها

كانت هذه البقعة التي سميت أصبهان فيما بعد- تسمى إيرانشهر (1)، و بعد أن عمرت سميت «جيّ» و هي بالفتح ثم التشديد- فكانت المدينة تعرف بها (2).

و جيّ معناه الطاهر، و كانت تسمى بالعجمية في القديم كابا أو كي‏ (3).

و قيل: إن جيّ نسبة إلى ملوك الجيان ... و هي جي أفرام بن آزاد، و كانوا يعتقدونه رسولا، و جي معناه الطاهر- كما تقدم- (4).

ثم تغير بمرور الزمان- فصار الفرس يطلقون عليها «أسپهان» و أسپاهان، و بعد أن فتحها المسلمون العرب و استولوا عليها و غلب التعريب على ألسنة الناس فعربوها، فقالوا: أصبهان، أصفاهان، أصفهان‏ (5)، كما جاء في كتب‏

____________

(1) انظر «أخبار أصبهان» 1/ 35.

(2) انظر «تقويم البلدان» لأبي الفداء 1/ 11، «و نصف جهان في تعريف أصفهان» لمحمد مهدي ص 144، و الضبط من «معجم البلدان» 2/ 202.

(3) انظر كتاب «أصفهان» ص 60 للدكتور لطف الله، «و تاريخ أصفهان» ص 3 لميرزا حسن جابري.

(4) انظر المصدر السابق لميرزا حسن جابري، و «اقتصاد شهر أصفهان» ص 34 لعلي كلباسي.

(5) انظر «بلدان الخلافة الشرقية» ص 238، و «نصف جهان» ص 162 لمحمد مهدي.

22

التاريخ، و قالوا: لاسمها القديم- كي أو كابا-، جيّ، و قيل: أول ما بني في البقعة المذكورة سارويه‏ (1).

ضبطها:

و أصفهان: بكسر الهمزة- قلت: و بهاء و بالفاء ينطقها أهلها اليوم- و فتحها و سكون الصاد المهملة و فتح الباء الموحدة، و يقال: بالفاء و فتح الهاء و بعد الالف نون‏ (2).

أما وجه تسميتها بهذا الاسم ففيه أقوال:

ذكر المؤلف في مقدمة «الطبقات» (3)، و أبو نعيم في مقدمة كتابه.

أ- أخبار أصبهان‏ (4) سبب تسميتها بهذا الاسم فقالا:

«عن وهب بن منبه أنه قال: لما تأبى نمرود و جحد قدرة الرب تعالى بعث إلى أهل النواحي يحشرهم لمحاربة رب العزة، فتفرقوا و صاروا في جبال أصبهان، و قالوا: كلا لا نجحد قدرة الرب رب السماء فأنبت الله في تربتها الزعفران و في جبالها الشهد، فبها سمي أصبهان‏ (4).

ب- قيل: إن أصبهان مأخوذ من أصت بهان، أي: سمنت المليحة سميت بها لحسن هوائها و عذوبة مائها و كثرة فواكهها فخففت، و قال صاحب «القاموس»: و الصواب أنها أعجمية (5).

ج- قيل: إنما سمّي بهذا الاسم لأنها تسمى بالعجمية «سپاهان» و سپاه: العسكر، و هان: الجمع، و كانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا

____________

(1) انظر المصدر السابق لمحمد مهدي/ 139، 144 و قد ذكر أن طهورث هو الذي بناها.

(2) السمعاني: في «الأنساب» 1/ 274، و ياقوت بن عبد الله الحموي في «معجم البلدان» 1/ 206، و ابن خلكان في «وفيات الأعيان» 1/ 92، و القمي في «الكنى و الألقاب» 1/ 133.

(3) انظر ق 2 من «الطبقات».

(4) انظر 1/ 39 و كذا ذكر هذا الوجه فيروز آبادي في «القاموس» 2/ 294.

(5) انظر المصدر السابق للفيروز آبادي.

23

وقعت لهم واقعة في هذا الموضع، مثل عسكر فارس و كرمان ... فعرب فقيل:

أصبهان‏ (1).

قال ياقوت الحموي:

لهم في تسميتها بهذا الاسم خلاف.

قال أصحاب السير:

د- سميت بأصبهان بن فلوج بن لنطي بن يونان بن يافث.

ه- و قال ابن الكلبي: سميت بأصبهان بن فوج بن سام بن نوح (عليه السلام).

و- قال ابن دريد: أصبهان اسم مركب لأنّ الأصب «البلد» بلسان الفرس، و هان اسم الفارس، فكأنه يقال: بلاد الفرسان.

قال عبد الله المستجير بعفوه: «المعروف أن الأصب بلغة الفرس هو الفرس، و هان كأنه دليل الجمع»، فمعناه الفرسان فيعنون بكلمة الأصبهاني:

«الفارس» (2).

ز- قال حمزة بن الحسن الأصبهاني: أصبهان اسم مشتق من الجندية، و ذلك أن لفظ أصبهان إذا رد إلى اسمه بالفارسية كان أسپاهان، و هي جمع أسپاه، و أسپاه اسم للجند و الكلب، و كذلك سك اسم للجند و الكلب لأن أفعالهما الحراسة، فالكلب يسمى في لغة سك و في لغة أسپاه و تخفف و يقال:

أسپه، فعلى هذا جمعوا هذين الاسمين و سموا بهما بلدين كانا معدن الجند الأساورة فقالوا: لأصبهان (أسپاهان) و لسجستان، سكان أو سكستان‏ (3).

____________

(1) السمعاني: في «الأنساب» 1/ 284، و ابن خلكان، «وفيات الأعيان» 1/ 92، و عباس القمى في «الكنى و الألقاب» 1/ 133.

(2) انظر «معجم البلدان» 1/ 207.

(3) انظر المصدر السابق.

24

ط- و ذكر ابن حمزة في اشتقاق أصبهان حديثا يلهج به عوام الناس و هوامهم، قال: أصله «أسپاه‏آن»، أي: هم جند الله‏ (1).

ي- و الأقرب في وجه تسميتها ما ذكر محمد مهدي و غيره- فقال:

إن ملك فريدون بعد أن غلب على خصمه الضحاك بمساعدة كاوه الحداد و أهل أصبهان، أعجب الملك شجاعتهم و جرأتهم، فأخذ في مدحهم و بالغ و أطنب في تعريفهم بخصوص كاوه الحداد و أهل أصبهان حتى قال في أثناء كلامه: هذا البلد «أسپاهان» (2)، أي: محل السپاه و يقصد به أن أهله كلهم من أهل الحرب الشجعان الأبطال، فلما جرى هذا الكلام على لسان الملك في مقام المدح و الإطراء، كرّروه على ألسنتهم و افتخروا به حتى انتشر و اشتهر و استقر، فأصبح علما عليها و نسي اسمها القديم «جيّ» أو «إيرانشهر» أو «سارويه»- و حل محله هذا الاسم‏ (3).

____________

(1) انظر «معجم البلدان» 1/ 207.

(2) يزاد الألف و النون في اللغة الفارسية في آخر الكلمة لمعنى المكان و الزمان، نحو «كيلان»، أي:

مكان طائفة كيل. «بهاران» وقت الربيع و لإفادة معنى النسبة، و لكن كان هذا الاستعمال في القديم- انظر «نصف جهان في تعريف أصبهان» ص 161.

(3) انظر المصدر السابق.

25

المبحث الثاني في موقع أصبهان و مساحتها و إنشائها و تاريخ فتحها و مكانتها

أما موقع أصبهان:

فلا تسأل عن حسن موقعها جغرافيا و طبيعيّا، فإنها تقع في وسط إيران، و تميل إلى غربها أكثر، و هي في جنوب العاصمة- طهران- و تبعد عنها 414 كيلا أو 420، فما ذكره فريد وجدي‏ (1) أنها تبعد بنحو (335) كيلا ليس بصحيح، و الدقيق ما ذكرته‏ (2).

و مما يزيد في حسنها، أن عرضها شمالي، و طولها شرقي، و درجتها من خط الاستواء 32 و 38 دقيقة (3).

و قد فاقت بجودة تربتها و استعدادها للزراعة و عذوبة مائها و طيب هوائها على أكثر المدن الإيرانية، و مما زاد في حسن موقعها و جمالها أنها تقع على ضفة النهر المشهور بزاينده رود- يقال له: زرندرود و زرين‏زود (4) أيضا، و هو يجري اليوم داخلها، و من هنا كان كثير من الملوك و الأمراء يؤثرون أصبهان على غيرها من المدن عاصمة للبلاد.

فقد سجل المؤلف هذا في مقدمة «الطبقات»، فقال: «و كانت ملوك الفرس لا تؤثر على أصبهان شيئا من بلدان مملكتها، لطيب هوائها، و نمير

____________

(1) انظر «دائرة معارف القرن العشرين» 1/ 384.

(2) انظر كتاب «أصفهان» آخره حيث ذكر مسافة أصفهان مع أهم المدن الإيرانية، و «اقتصاد شهر أصفهان» ص 7.

(3) محمد مهدي في «نصف جهان في تعريف أصفهان» ص 6.

(4) انظر «بلدان الخلافة الشرقية» ص 241.

26

مائها، و نسيم تربتها» (1).

و ذكر في كتاب «جغرافيا إيران» (2): «أن أصبهان كانت عاصمة إيران في عهد آل بويه و السلاجقة و الصفويين‏ (3)».

و ذكر فريد وجدي «أنها كانت- أي: هذه المدينة قديما- عاصمة البلاد الفارسية» (4) و يقول لسترنج: «إن في الطرف الجنوبي الشرقي من أقليم الجبال ليس ببعيد عن شفير المفازة الكبرى مدينة أصفهان ... و كانت منذ أقدم الأزمنة موضعا جليل القدر لعظم خيراتها و وفرة مياهها الآتية من زاينده رود، و تقوم اليوم أصبهان و أرباضها على ضفاف هذا النهر» (5).

و كانت أصبهان و ما زالت يضرب المثل بطيب مائها و صفاء هوائها، و تبارى الكتاب و الشعراء في إبراز ذلك‏ (6).

[أما حدود أصبهان و مساحتها مع توابعها قديما و حديثا]

أما حدود أصبهان و مساحتها مع توابعها قديما و حديثا، فيقول أبو القاسم ابن خرداذبه: «و كور أصفهان ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا، و هي سبعة عشر رستاقا، في كل رستاق ثلاث مئة و خمس و ستون قرية قديمة سوى المحدثة، و خراجها سبعة آلاف ألف درهم ...» (7).

و كذا ذكر المؤلف و أبو نعيم في مقدمتي كتابيهما مساحتها القديمة، و كانت رقعتها وسيعة جدا.

قال ميرزا حسن الأنصاري: إن أصبهان كانت رقعتها وسيعة، حتى كان‏

____________

(1) انظر «الطبقات» 11/ 1.

(2) هذا الكتاب كان مقررا في السنة الثانية من الثانوية الحكومية في إيران.

(3) انظر ص 85 من المصدر السابق.

(4) انظر «دائرة المعارف للقرن العشرين» 1/ 384.

(5) انظر «بلدان الخلافة الشرقية» ص 238.

(6) انظر الفصل الثاني، «أهمية أصفهان و مميزاتها».

(7) «انظر «المسالك و الممالك» 20- 21 لابن حرداذبه عبيد الله بن عبد الله، و ذكر اليعقوبي خراجها عشرة آلاف ألف درهم. أنظر «البلدان» لليعقوبي ص 275.

27

جوشقان و نطنز و كاسان و كمره و محلات و دليجان إلى حدود قم من جهة الشمال، و كان من الجنوب إلى ايزدخواست بفارس، و شرقا إلى يزد و ابرقو، و غربا إلى قرب سيلا خور و خوانسار و كلبايكان‏ (1).

أما حدود أصفهان و مساحتها اليوم، فهو كالتالي:

يحيط بها من الشمال أردستان و نواحي كاشان و كلبايكان، و من الجنوب شهرضا و مدينة آبازه و بهبهان، و من الشرق مدينة يزد و نائين، و من الغرب نواحي بختياري و حدود منطقة خوزستان‏ (2).

و قد تقدم قول ابن خرداذبه في مساحتها: بأنها ثمانون فرسخا في مثلها و هكذا ذكر ياقوت الحموي. غير أنه قال: و هي ستة عشر رستاقا، و كل رستاق ثلاث مئة و ستون قرية قديمة سوى المحدثة (3) ...

و ذكر الدكتور لطف الله أن طولها من زرد كوه- الجبل الأصفر- في أرض بختياري التي فيها مفيض نهر زاينده‏رود إلى بحيرة كاوخواني حوالي 300 كيلا، و عرضها من جبال قهرود التي في حدها الشمالي إلى قرية أمين آباد التي هي حدها الجنوبي الواقعة في أرض فارس أربعون و مئتا كيل، فتكون مساحتها مع جهار محل و بختياري 3، 40، 197 كيلا مربعا (4).

فلا شك أن أصفهان ثالثة مدن إيران بعد العاصمة و تبريز.

و إليك الخرائط التالية: إحداها توضح حدود أصفهان، و الثانية تبين المدن و القرى التابعة لها، و الثالثة تبين المسافة بينها و بين أهم المدن الإيرانية (5).

____________

(1) انظر «تاريخ أصفهان»- ورى- ص 20.

(2) انظر «كتاب أصفهان» ص 1- 3 للدكتور لطف الله هنرفر، «و جغرافيا إيران»/ 86 المقرر للسنة الثانية في الثانوية الحكومية.

(3) انظر «معجم البلدان» 1/ 207.

(4) انظر المصدر السابق للدكتور لطف الله.

(5) الأولى مأخوذة من كتاب «جغرافيا إيران»، و الثانية و الثالثة من كتاب «أصفهان» للدكتور لطف الله.

28

هذه الخريطة تبين حدود اصفهان الحديثة

29

هذه القائمة تبين مساحة إصفهان مع أهم المدن الإيرانية بالكيلومتر

30

أصفهان- بندر عباس/ 1149 كيلومتر

أصفهان- شيراز/ 295 كيلومتر

أصفهان- بوشهر/ 785 كيلومتر

أصفهان- اهواز/ 831 كيلومتر

أصفهان- يزد/ 329 كيلومتر

أصفهان- كرمان/ 714 كيلومتر

أصفهان- زاهدان/ 1275 كيلومتر

أصفهان- قم/ 240 كيلومتر

أصفهان- تهران (از راه قم)/ 222 كيلومتر

أصفهان- نهران (از راه ساوه)/ 239 كيلومتر

أصفهان- خرم‏آباد/ 217 كيلومتر

أصفهان- كرمانشاه/ 588 كيلومتر

أصفهان- كوهرنك/ 212 كيلومتر

أصفهان- سد شاه عباس كبير/ 110 كيلومتر

أصفهان- سد شاه اسمعيل/ 114 كيلومتر

أصفهان- كارخانه ذوب آهن/ 23 كيلومتر

طول راههاي آسفالته/ 1000 كيلومتر

طول راههاي شنى/ 1200 كيلومتر

طول راههاي خاكي/ 750 كيلومتر

هذه القائمة تبين مساحة اصفهان مع أهم المدن الإيرانية بالكيلومتر

31

[أما تاريخ إنشاء أصبهان‏]

أما تاريخ إنشاء أصبهان، فقد ذكر المؤلف في مقدمة «الطبقات» (1)، و كذا أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2) و غيرهما، أن أول من بنى مدينة أصبهان الإسكندر الرومي‏ (3)، و استتمّها كسرى أنوشروان، و ذلك بعد أن طلب الخبراء و الحكماء من دولة الروم العارفين بطبيعة الأرض و خصائصها، ليختاروا له أرضا معتدلة في هوائها، و صالحة في تربتها، و جيدة في عذوبة مائها، فجالوا البلاد و نفضوا أرضها و تربتها و فحصوها، فما وجدوا أرضا جامعة لهذه الأوصاف إلا أرض أصبهان، فهي من المدن القديمة المهمة، و قد أطال المؤلف في تعريفها، و ذكر خصائصها، و سيأتي ذلك، كما تناول تاريخ فتحها الإسلامي و من اشترك فيه من الصحابة، مع بيان القول: هل كان فتحها صلحا أو عنوة، و ذكر الراجح منهما في نظره.

و الذي يهمني ذكره، هو ما قيل في تاريخ فتحها في الإسلام من الأقوال، و المعتمد منها عند أهل التاريخ، و ذكر من تولى قيادة فتح أصبهان، هل هم أهل الكوفة كما يدعون أم أهل البصرة حسب دعواهم؟ و من القائد للجيش من الصحابة لفتحها؟.

فإنه قيل: عبد الله بن عبد الله الأنصاري، و قيل: أبو موسى الأشعري، و قيل: النعمان بن مقرن، و قيل: غير ذلك، و سنذكر الراجح منها، فأقول و بالله التوفيق:

لا خلاف في أن أصفهان فتحت بعد وقعة نهاوند، و لكن اختلفت الأقوال في تحديد السنة التي فتحت فيها نهاوند (4)، و أرجح الأقوال:

____________

(1) انظر ق 6 من الاصل.

(2) 1/ 15.

(3) قد اختلفت التواريخ في أول بانيها، و ذكرت الراجح منها، و انظر التفصيل إن شئت في المصدر السابق لأبي نعيم، «و محاسن أصفهان» ص 16 المترجم إلى الفارسية، و «تاريخ أصفهان» ص 3. لميرزا حسن، و «نصف جهان في تعريف أصبهان» ص 139 و ما بعدها، و «أصفهان» ص 59 و ما بعدها للدكتور لطف الله هنرفر.

(4) انظر للتفصيل و استعراض الأقوال ما ذكره البلاذري في «فتوح البلدان» ص 300 فما بعدها،-

32

أنها فتحت سنة إحدى و عشرين للهجرة، و تلاها في نفس السنة على الراجح فتح أصبهان، و ذلك لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الهرمزان لفتح أصبهان و فارس و أذربيجان قبل أن يسير الجيش إلى نهاوند فقال لهرمزان: ما ترى؟ أبدأ بفارس أم بأذربيجان أم بأصبهان، فقال، إن فارس و أذربيجان الجناحان و أصبهان الرأس، فإن قطعت أحد الجناحين قام الجناح الآخر: فإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فابدأ بالرأس، فدخل عمر المسجد و النعمان بن مقرن يصلي، فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: إني أريد أن أستعملك، قال: أما جابيا فلا، و لكن غازيا، قال: فأنت غاز ... الخ‏ (1).

فيبدو أن عمر ولاه أولا قيادة جيش نهاوند و بعدها قيادة جيش أصبهان أيضا، ولكن قدر الله أن يستشهد النعمان في وقعة نهاوند، فلما بلغ عمر الخبر بشهادته، كتب إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان الأنصاري- و كان بطلا شجاعا من وجوه الأنصار-: أن سر إلى أصبهان، فخرج من نهاوند فيمن كان معه، و من انصرف معه من جند النعمان نحو جند قد اجتمع له من أهل أصبهان‏ (2) ...

فما قيل: إن النعمان تولى قيادة جيش أصبهان و قتل بها، ليس بصحيح، فقد رده البلاذري و ابن كثير (3)، بل قد ذكر معظم كتب التاريخ استشهاده في نهاوند و هو الصحيح.

____________

- و خليفة في «تاريخه»/ 147، 161، و ابن جرير في «تاريخه» 4/ 247، و ابن الأثير في «الكامل» 3/ 2، و ابن كثير في «البداية» 7/ 12.

و أبعد الأقوال ما ذكره خليفة من أن فتح نهاوند كان في سنة 21 ه و أصبهان في سنة تسع و عشرين و هذا مغاير لكل من ذكر تاريخ فتح أصبهان، و يمكن حمل كلامه على فتح أصفهان ثانية بعد أن نقض أهلها العهد- و الله أعلم- و انظر «دائرة المعارف» لوجدي 2/ 258.

(1) انظر تمام القصة في «تاريخ الطبري» 4/ 248 «و تاريخ خليفة» ص 147 و صرح الطبري أنه وجهه إلى أصبهان.

(2) كذا ذكر المؤلف في مقدمة «الطبقات»، و الطبري في المصدر السابق، و أبو نعيم في «أخبار أصبهان» 1/ 24.

(3) انظر «فتوح البلدان» ص 310 «و البداية و النهاية» 7/ 112.

33

من الذي فتح أصبهان:

لما لفتح أصبهان من أهمية، ادّعى فتحها كل من البصريين و الكوفيين، و ذهب كل منهم إلى تأييد دعواه بنقول‏ (1).

و يمكن الجمع بين الأقوال إجمالا بأن البصريين و الكوفيين كانوا يشكلون مادة الجيش الأساسية وعدته، لذلك ادّعى الفتح كل منهم.

و الثابت من الروايات، أن الذي باشر فتح أصبهان: عبد الله بن عبد الله ابن عتبان الأنصاري، و قد كان أمير الجيش، و عبد الله بن ورقاء الرياحي الذي كان على مقدمة الجيش، و عبد الله بن ورقاء الأسدي الذي كان على مجنبة الجيش كما هو مصرح في كتاب عمر- رضي الله عنه- إلى عبد الله بن عبد الله الأنصاري‏ (2).

و كان عمر- رضي الله عنه- قد أمدّ عبد الله بن عبد الله بأبي موسى الأشعري من البصرة، فقدم عليه أبو موسى من الأهواز، و كان قد فتح قم و قاشان، و قد صالح الفاذوسفان- الحاكم- عبد الله، فدخل أبو موسى و عبد الله المدينة- جيّ- (3). و تولى بعد ذلك بعض السرايا فتح بعض المدن و القرى التابعة لأصبهان. فمن هنا نستطيع أن نقول:

إن الذين تولوا فتح أصبهان و شاركوا فيها هم عدد من الصحابة من جيش البصرة و الكوفة، فكانوا إمّا أمراء لجيش أو لمقدمته أو لمجنبته، أو أمراء سراياه. و أحب أن أسوق ما ذكره المؤلف في مقدمة «الطبقات» (4)، و أبو نعيم‏

____________

(1) ذكر هذا الخلاف و النقول أبو نعيم في ذكر أخبار أصبهان 1/ 27، فقال: و «أهل الكوفة و أهل البصرة مختلفون في فتحها، فادّعى الكوفيون فتحها بجند الكوفة، و ادّعى البصريون فتحها بجند البصرة، و روى كل واحد رواية يصحح بها دعواه، ثم ساق أدلة الطرفين، فراجعه إن شئت و انظر «دائرة المعارف الإسلامية» 2/ 258.

(2) انظر «تاريخ الطبري» 4/ 248، «و أخبار أصبهان» 1/ 24- 25.

(3) انظر المصدرين السابقين و انظر «فتوح البلدان» ص 309.

(4) اترك فراغ.

34

في «أخبار أصبهان» (1)، و هو يوضح ما ذكرناه، فقالا، نقلا عن المدائني:

«إنه ذكر أن أبا مسلم‏ (2) قال لأبي بكر الهذلي: خبرني عن الذي فتح بلدنا أصبهان، فقد اختلف علينا في ذلك، فقال أبو بكر الهذلي:

تولى فتح بلدكم العبادلة: عبد الله بن عبد الله بن عتبان الأنصاري، و عبد الله بن ورقاء بن الحارث الأسدي، و عبد الله بن ورقاء الرياحي، و عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، و عبد الله بن عامر بن كريز القرشي، و عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي‏ (3)، و كل هؤلاء قد حضروا فتحها و فتح أطرافها، و منهم من كان أمير الجيش، و منهم من كان رئيس سرية أو صاحب مقدمة».

____________

(1) أنظر 1/ 24.

(2) هو الخراساني.

(3) و قد وضحت الراجح في قيادة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي جيش أصبهان في تعليقي على ترجمة رقم 8، راجعه هناك إن شئت.

35

الفصل الثّاني في أهمّيّة أصفهان و مميّزاتها و بعض نشاطات أهلها و مذهبهم‏

مميزّاتها

تقدم معنا الكلام في وصف موقعها، و تاريخ فتحها و تبيين بعض أهميتها، و أحب الآن أن أستعرض بعض مميزاتها، فهي تمتاز من الناحية الطبيعية في عذوبة مائها و نقاء هوائها و اعتداله، يقول محمد مهدي: «أما هواء أصفهان فمعتدل في الصيف و الشتاء، و كامل في الرقة و الصفاء» (1).

و كذا وصفها الدكتور لطف الله و الدكتور علي كلباسي‏ (2).

و هي تمتاز باحتوائها على آثار عادية قديمة و فريدة، قلّ أن تساويها أو تدانيها بلد من بلدان العالم.

يقول الباحث أندره مالرو الكاتب الفرنسي، و كذا هنرشناس الفرنسي أيضا: «إن أصفهان لا يدانيها بلد في العالم إلا فلورانسا و پكن» (3).

____________

(1) انظر «نصف جهان في تعريف أصفهان» ص 88 باللغة الفارسية، و المأخوذ مترجم عنه.

(2) انظر «كتاب أصفهان» ص 181 للدكتور لطف الله، و «اقتصاد شهر أصفهان» ص 8 للدكتور كلباسي.

(3) انظر المصدر السابق للدكتور لطف الله. و فلورنسا مدينة في إيطاليا. أنظر «الموسوعة العربية الميسرة»/ 1313. و يكن: معروفة و هي عاصمة الصين الشعبية الآن.

راجع لمعرفة الآثار التاريخية القديمة بأصبهان كتابي الدكتور لطف الله هنرفر كنجييه «آثار-

36

و يختص أهلها بالإبداع لبعض الصناعات اليدوية المحلية الدقيقة، منها تطعيم الأواني المعدنية بالنقوش الفنية المذهبة الجميلة (1)، و النسيج الممتاز، و صنع الأكواز في غاية الدقة و الرقة، و غير ذلك من الصناعات اليدوية، و شهد لهم بذلك كثيرون، و منهم القزويني، حيث قال: «و لصناعها يد باسطة في تدقيق الصناعات، لا ترى خطوطا كخطوط أهل أصفهان، و لا تزويقا كتزويقهم، و هكذا صنّاعهم في كل فن، فاقوا جميع الصنّاع، حتى إن نساجها ينسج خمارا من القطن أربعة أذرع وزنها أربعة مثاقيل، و الفخاري يعمل كوزا وزنه أربعة مثاقيل يسع ثمانية أرطال ماء، و قس على هذا جميع صناعاتهم» (2).

و كذا يقول القزويني: «كل شي‏ء استقصى صناع أصفهان في تحسينه، فأعجزوا عنها صناع جميع البلدان» (2).

و أهميتها من حيث موقعها، أنها تقع على الطريق التجارية الممتدة إلى أهم المدن الإيرانية، و بالأخص العاصمة طهران، مشهد و أهواز و خرمشهر و عبادان و شيراز، و كرمان، و بهذا أصبحت مركزا تجاريا في إقليم الجبال هامّا (3).

يقول لسترنج: «و كانت أصفهان مركزا تجاريّا في إقليم الجبال، يرتفع منها العتابي- نوع من الثياب- و سائر ثياب القطن و يجود، تجلب منها إلى سائر النواحي ... و هي أخصب مدن الجبال و أوسعها عرضة و أكثرها ماء و تجارة» (4).

____________

- تاريخي أصفهان»، و هو أكبر و أوسع كتاب في هذا الموضوع في أكثر من ألف صفحة، «و كتاب أصفهان» ص 158- 170، و قد صور معظم الآثار في كتابه الأول.

(1) و قد رأيتها في سفري إلى أصفهان في بيت صديق لي تعرفت عليه بالمدينة و هو يعرف هذا الصنع، و أراني بعض ما صنعه.

(2) انظر «آثار البلاد» ص 296 و انظر لمعرفة الصناعات مفصلا كتاب «اقتصاد شهر أصفهان» ص 98- 130 و «أصفهان» ص 182- 195، «و نصف جهان في تعريف أصفهان» ص 123 و ما بعدها.

(3) انظر كتاب «اقتصاد شهر أصفهان» ص 182 ذكر الأشياء الواردة بأصفهان و الصادرة عنها عن طريق العاصمة إلى الخارج.

(4) انظر «بلدان الخلافة الشرقية» ص 238، و ذكر جميع هذه المميزات الدكتور لطف الله في كتابه «أصفهان» ص 181، و انظر «نصف جهان» أيضا/ 124- 126.

37

أهميّة أصفهان‏

إليكم بعض النقول المبينة أهمية أصفهان على وجه عام:

قال ياقوت الحموي: «أصبهان مدينة عظيمة مشهورة، من أعلام المدن و أعيانها، و يسرفون في وصف عظمها، حتى يتجاوزوا حد الاقتصاد إلى غاية الإسراف» (1).

و قال القزويني: «أصبهان مدينة عظيمة، من أعلى المدن و مشاهيرها، جامعة لأشتات الأوصاف الحميدة، من طيب التربة، و صحة الهواء، و عذوبة الماء، و صفاء الجو، و صحة الأبدان، و حسن صورة أهلها، و حذقهم في العلوم و الصناعات، قال الشاعر:

لست آسى من أصفهان على شي‏ء* * * سوى مائها الرحيق الزلال‏

و نسيم الصبا و منخرق الري* * * ح و جو صاف على كل حال‏ (2)

و قد أطال المافروخي في وصف أصبهان في كتابه «محاسن أصفهان» (3) و ذكر ابن بطوطة في رحلاته حين سافر إلى أصفهان سنة 726 ه فقال:

«أصبهان من كبار المدن و حسانها، إلّا أنّها الآن قد خرب أكثرها بسبب الفتنة التي بين أهل السنة و الروافض ... إلى أن وصف أهل أصفهان فقال:

و أهلها حسان الصور، و ألوانهم بيض ظاهرة مشوبة بالحمرة، و الغالب عليهم الشجاعة و النجدة، و فيهم كرم و تنافس عظيم فيما بينهم» (4).

قال شواليه شاردن: «أحسب أن عظمة أصفهان في آسيا كعظمة لندن في أوربا»، و قال أيضا: «إن عدد سكان أصبهان في عهد الشاه عباس الكبير كعدد

____________

(1) انظر «معجم البلدان» 1/ 206.

(2) انظر «آثار البلاد و أخبار العباد» ص 296.

(3) كما ذكر محمد مهدي في «نصف جهان» ص 4.

(4) انظر «رحلة ابن بطوطة» 2/ 199- 200.

38

سكان لندن» (1).

و قد بالغ بعض، فقالوا: «أصفهان نصف جهان» (2)، أي: أصفهان نصف الدنيا، و سمى بعض المؤلفين تأليفاتهم بهذا الاسم «نصف جهان» (3).

أما عموم أهل أصفهان، فهكذا يعتقدون و يزعمون أن بلدهم أحسن بلدان العالم من جميع النواحي‏ (4).

و يقول أوزن فلاند (5): «إن أصبهان من إحدى أكبر بلدان العالم بدون أي مبالغة، و مساحتها تزيد على أربعين كيلا».

رغبة النّاس بالهجرة إلى أصفهان‏

نظرا لما تقدم من أهميتها، و تبيين مميزاتها، أصبحت أصفهان محطّ أنظار الناس و مثار إعجابهم، فكثرت الرغبة في الانتقال إليها و استيطانها، و قد شجع على هذا، استتباب الأمن فيها بعد أن أخضعها المسلمون لسلطانهم، فعلت بهذا منزلتها، و زادت أهميتها، و احتلت مكانا عليّا بين بقية المدن المجاورة لها، و ظهر هذا الأثر بكثرة فيمن خرّجت من العلماء الأئمة، و الصناع المهرة، و التجار الحاذقين. قال ميرزا حسن الأنصاري: «نظرا لأهمية أصفهان، هاجرت قبائل من العرب إليها من بني ثقيف و بني تميم و خزاعة و عبد القيس و بني ضبة» (6).

____________

(1) انظر «دانشمندان و برزكان» «أصفهان» ص 39 و «كتاب أصفهان» ص 3.

(2) انظر نفس المصدر السابق.

(3) انظر قائمة المؤلفات في أصفهان.

(4) انظر «اقتصاد شهر أصفهان» ص 39 علي كلباسي، و قد لا حظت ذلك منهم عند سفري إليها.

(5) هو السائح الفرنسي الذي زار أصفهان في سنة 1255 ه- 1840 م. انظر «كتاب أصفهان» ص 4.

(6) انظر «تاريخ أصفهان» ص 13 و يعلل المؤلف ميرزا حسن وجود النواصب فيها، للجوء بني ضبة بعد موقعة الجمل، و كانوا قد اجتمعوا حول هودج عائشة- رضي الله عنها- إليها و استقرارهم فيها، و انظر «البلدان» لليعقوبي ص 474 المترجم إلى الفارسية.

39

بل كان بعض التابعين يتمنى أن يكون من أهل أصفهان، فهذا سعيد ابن المسيب التابعي الجليل يقول: «لو لم أكن رجلا من قريش لأحببت أن أكون من أهل فارس أو أصبهان» و في رواية أخرى لأبي نعيم يقول: «لو تمنيت أن أكون من أهل بلد لتمنيت أن أكون من أهل أصبهان» (1).

ما ورد من الفضل لأهل هذه البلاد

فكيف لا يتمنى هو و لا يقبل أهل أصفهان على الدين و العلوم الإسلامية، و قد صح عن الرسول- (صلى الله عليه و سلم)- فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس، أو قال: من أبناء فارس».

و في رواية ثانية قال أبو هريرة: «كنا جلوسا عند النبي- (صلى الله عليه و سلم)- إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ‏ (2). قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي- (صلى الله عليه و سلم)- حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا قال: و فينا سلمان الفارسي- رضي الله عنه- قال: فوضع النبي- (صلى الله عليه و سلم)- يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان بالثّريا لناله رجال من هؤلاء» (3) هذا لفظ مسلم. و لفظ الترمذي: «و الذي نفسي بيده، لو كان الإيمان بالثريا، لتناوله رجال من هؤلاء» (4).

و في رواية لأحمد بلفظ: «لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس» (5).

____________

(1) انظر مقدمة «الطبقات» لأبي الشيخ ص 3 «و أخبار أصفهان» 1/ 39، و إسناده حسن.

(2) سورة الجمعة الآية: 3.

(3) انظر «صحيح مسلم» 16/ 100- 101 مع «شرح النووي».

(4) انظر «سنن الترمذي» 5/ 60، 86، 382، و قد حسنه في موضع، و ضعفه في موضع آخر، و رواية الترمذي و أحمد- مع ضعف أسانيدهما- تتقوى بمجموع الطرق و تتأيد برواية مسلم.

(5) و انظر «مسند أحمد» 2/ 397، 309، 420، 422، 469، و في سنده شهر بن حوشب، و هو صدوق كثير الأوهام، و يحسن بمجموع الطرق كما قلت سابقا.

40

بدء التحديث بأصفهان‏

و بالإضافة إلى ذلك فقد حل بأصبهان عدد من الصحابة عند فتحها، و منهم الصحابي الجليل المحدث الكبير الذي طبقت شهرته الآفاق، و هو يقف محدّثا بأصبهان‏ (1)، و يصلي بهم هناك صلاة الخوف، و ليس بهم كبير خوف، و لكن ليعلمهم دينهم‏ (2)، و ليريهم كيف كان يصلي بهم رسول الله (صلى الله عليه و سلم) صلاة الخوف يخلف بعده بأصبهان السائب بن الأقرع‏ (3)، و له صحبة، و قيل: إنه توفي بها. و من عقبه بأصبهان: المغيرة و عصام و محمد بنو الفيض .. و تناسلوا بأصبهان‏ (4)، فكان السائب يتولى أمور المسلمين بها و يؤمهم و يعلمهم أحكام دينهم، و هكذا كان الصحابة يتولون الأمور بها واحدا بعد الآخر، و يعلمون أهلها السنن و الفرائض.

ذكر أبو نعيم: «أنه كان رجل بأصفهان من بني سليم من أصحاب النبي- (صلى الله عليه و سلم)- و كان في جملة الدهاقين يعلم أهلها الفرائض و السنن» (5).

و هكذا كان خالد بن غلاب عاملا على أصبهان من قبل الخليفة عثمان رضي الله عنه‏ (6).

و استعمل علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- على أصبهان «مخنف بن سليم، ثم عمرو بن سلمة، ثم الحارث بن عبد الله بن عوف بن أصرم، و كذا سيره معاوية إلى أصبهان» (7).

____________

(1) انظر ت 4 و قد عنون المؤلف بقوله «ذكر ما حدث بأصبهان بعد افتتاحه».

(2) انظر «أخبار أصبهان» 1/ 58- 59.

(3) انظر «أخبار أصبهان» 1/ 25، 26، 75.

(4) نفس المصدر 1/ 75.

(5) نفس المصدر 1/ 75.

(6، 7) المصدر السابق 1/ 72، 73.

41

نشاط العلماء بأصبهان‏

فلا عجب إذا أن تصبح أصبهان دار السنة فيما بعد و مهاجر العلماء و محطّ رحلهم، و كان المساجد و المدارس محل نشاط العلماء، و قد بنى نظام الملك في القرن الخامس عدة مدارس في عدة مدن، منها: أصفهان، و بغداد، و بصرة، و هراة، و نيسابور (1).

يقول السيد مصلح الدين مهدوي: «إنّ أصبهان كانت من القرون الأولية الإسلامية مركز العلم و العرفان، و نبغ فيها جماعة من العلماء و العرفاء و الحكماء و الشعراء و المحدثين و الخطباء و الوعاظ، و كانوا يرحلون لأخذ العلم و طلب الحديث من بلد إلى بلد، و يحضرون مجلس العلماء و المحدثين» (2).

و قد نبغ منها العلماء في كل فن، فكم من مهاجر إليها، و كم من قادم عليها لطلب العلم و أخذ الحديث بالأخص.

عناية العلماء بتاريخ أصفهان‏

و اهتمام العلماء بتاريخ أصبهان و رجالها العلماء و المحدثين و الشعراء دليل على ذلك نحو «التاريخ الكبير» لحمزة بن الحسين الأصبهاني (ت 360 ه)، و «الطبقات» للمؤلف، الذي تضمن التعريف المطول لنحو ستمائة و ستين علما، و «ذكر أخبار أصبهان» الذي تضمن التعريف لنحو ألفي شخص من محدثي أصبهان و القادمين عليها، و غير ذلك من المؤلفات خير شاهد على نشاط الحركة الفكرية فيها.

يقول السمعاني: «خرج منها جماعة من العلماء في كل فن قديما و حديثا، و صنف في تاريخها كتب عدة قديما و حديثا» (3).

____________

(1) انظر «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» 59، 62 «و تاريخ أصفهان» ص 216، و «و تاريخچه أوقاف أصفهان» ص 33.

(2) انظر «تذكرة القبور أو دانشمندان و برزكان أصفهان»/ المقدمة، و المأخوذ مترجم عن الفارسية.

(3) انظر «الأنساب» 1/ 284، و انظر قائمة المؤلفات في أصبهان.

42

يقول ياقوت الحموي: «خرج من أصبهان من العلماء و الأئمة في كل فنّ ما لم يخرج من مدينة من المدن، و على الخصوص علو الإسناد، فإن أعمار أهلها تطول، و لهم مع ذلك عناية وافرة بسماع الحديث، و بها من الحفاظ خلق لا يحصون، و لها عدة تواريخ .. و من نسب إلى أصبهان من العلماء لا يحصون» (1).

قال القزويني: «أما أرباب العلوم كالفقهاء و الأدباء و المنجمين و الأطباء، فأكثر من أهل كل مدينة، سيّما فحول الشعراء و أصحاب الدواوين فاقوا غيرهم بلطافة الكلام و حسن المعاني و عجيب التشبيه و بديع الاقتراح» (2).

بلغ نشاط العلماء بأصبهان إلى حد يتفاخر به أهلها و ينكر وجود العلماء في غيرها.

و لنستمع إلى أبي عبد الله المقرى‏ء محمد بن عيسى (ت 241 ه) هو أصله من أصبهان و نشأ في الريّ، و مع ذلك يخاطب أهل الري فيقول: «يا أهل الري من الذي أفلح منكم؟.

إن كان ابن الأصبهاني فمنّا، و إن كان إبراهيم بن موسى فمنّا، و إن كان جرير فمنّا، و إن كان الخط فجدي علمكم، ما أفلح منكم إلا رجل واحد، و لن أقول لكم حتى تموتوا كمدا» (3).

نشاط التحديث في قرى أصفهان‏

لا شكّ أن الحركة العلمية في أصبهان أثرت على المدن و القرى المجاورة التابعة لها، حيث لم تجد قرية من قرى أصبهان في القرن الثالث و ما بعدها إلا

____________

(1) انظر «معجم البلدان» 1/ 209، 210.

(2) انظر «آثار البلاد و أخبار العباد» ص 297، و عد أسماء عدد من أصحاب الدواوين، ثم قال:

فهؤلاء أصحاب الدواوين الكبار لا نظير لهم في غير أصبهان.

(3) انظر «طبقات المحدثين» 105/ 2 لأبي الشيخ ابن حيان.

43

و خرج منها جماعة من العلماء و المحدثين، يقول ياقوت الحموي: «و كذلك الأمر في رساتيقها و قراها التي كل واحدة منها كالمدينة» (1).

و إليك ذكر بعض المدن و القرى التابعة لها، و قس الباقية عليها مما ذكرها السمعاني و الحموي و القزويني، فقال السمعاني في قرية الأسواري: إنها قرية من قرى أصبهان، خرج منها جماعة من العلماء و المحدثين، منهم أبو علي الحسين بن زيد الأسواري، ثم ذكر أسماء عدة منهم‏ (2)، و هكذا ذكر ياقوت الحموي أسماء عدد من المحدثين، ثم قال: «فهؤلاء منسوبون إلى قرية بأصبهان كما ذكرنا» (3).

و ذكر السمعاني تحت كلمة جورجير- بضم الجيم و الراء الساكنة بعد الواو- أنها محلة كبيرة معروفة بأصبهان، بها الجامع الحسن و يعرف بها، و كان بها جماعة من المحدثين قديما و حديثا، و قال السمعاني: و سمعت من جماعة منهم، ثم ذكر مترجما أسماء عدد من المحدثين‏ (4) من أهلها.

و كذا ذكر ياقوت الحموي أنه كان بها جماعة من الأئمة قديما و حديثا (5).

و هكذا ذكر الحموي في محلة جوباره: أنها محلة بأصبهان، قال أبو الفضل المقدسي: «حدثنا من أهلها جماعة، و نسب بعضهم إلى المحلة، ثم ترجم لعدد كبير منهم» (6).

و ذكر السمعاني في نسبة الجوزداني- بضم الجيم- نسبة إلى جوزدان و يقال لها كوزدان، و هي قرية على باب أصبهان كبيرة و كثيرة الخير، بتّ بها ليلة و سمعت بها الحديث، ثم ذكر أسماء عدد من المحدثين المنسوبين إليها، و ذكر

____________

(1) انظر «معجم البلدان» 1/ 110.

(2) انظر «الأنساب» 1/ 247.

(3) انظر «معجم البلدان» 1/ 190- 191.

(4) انظر «الأنساب» 2/ 393.

(5) انظر «معجم البلدان» 2/ 180.

(6) نفس المصدر السابق 2/ 175- 176.

44

من جملتهم أبا عبد الله محمد بن هارون بن عبد الله الجوزداني، و قال: «و ذكر أبو الشيخ‏ (1) أنه كان يختلف معه إلى البزار» (2).

و كذا قال ياقوت: «إنه ينسب إليها جماعة من الرواة» (3).

و أيضا ذكر السمعاني و الحموي في نسبة الجيراني- بفتح الجيم-: هي نسبة إلى جيران، و هي من قرى أصبهان على فرسخين منها فيما أظن، ثم ذكر أسماء المشهورين منها (4).

فكيف لا تبقى أصبهان خلال التاريخ الإسلامي مورد عناية العلماء، و هي مركز أهل الحديث و مبعث نشاط الرواة، حيث بلغ إلى حد كان العلماء يرحلون إليها و يستوطنونها، و كتاب المؤلف- «طبقات المحدثين بأصبهان و الواردين عليها»- و كذا «ذكر أخبار أصبهان» أكبر شاهد على ما تقدم.

فمن مشاهير المحدثين الحفاظ الذين قدموا إلى أصبهان و استوطنوها: أبو مسعود الرازي الذي أقام بأصبهان 45 سنة، ثم ارتحل إلى العراق، و رجع منها إلى أصفهان و استوطنها، و قد صنف المسند و الكتب‏ (5).

و أحمد بن مهدي بن رستم أبو جعفر المديني، توفي 272 ه و لم يحدث في وقته من الأصبهانيين أوثق منه و أكثر حديثا، صنف المسند، كتب بالشام و مصر و العراق‏ (6).

و قد أقام الطبراني بأصبهان ستين سنة يحدث بها و استوطنها أخيرا، و توفي‏

____________

(1) أبو الشيخ هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان صاحب «الطبقات» هذا. و النص موجود فيه 216/ 2.

(2) انظر «الأنساب» 2/ 402.

(3) انظر «معجم البلدان» 2/ 183.

(4) نفس المصدر 2/ 197- 198.

(5) انظر ترجمة رقم 168 من «الطبقات» للمؤلف «و أخبار أصبهان» 1/ 82.

(6) انظر ترجمة رقم 253 من «الطبقات» للمؤلف و «أخبار أصبهان» 1/ 85.

45

بها، و دفن سنة 360 عند قبر حممة بن أبي حممة الصحابي عند باب مدينة جيّ‏ (1).

و كذا الحافظ أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، قدم أصبهان فقال: «حدثت من حفظي بأصبهان ستة و ثلاثين ألفا ألزموني الوهم فيها في سبعة أحاديث، فلما انصرفت، وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت حدثتهم به» (2). و توفي سنة 316 ه. فهذا يدل على اهتمام الأصفهانيين بالحديث.

و كذا أبو داود الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود مولى قريش قدم أصبهان، و حدث بها مرات‏ (3) و هو صاحب المسند و غيرهم كثير.

الحركة الفكرية في مدن المشرق‏

و مما يدل على نشاط الحركة الفكرية في مدن المشرق، و خاصة أصبهان: عناية العلماء و اهتمامهم الفائق بالتصنيف لتعريف رجالها، حيث صنفوا كتبا كثيرة لم يصنف لبلد مّا بهذا المقدار، فهذا أبو أحمد الحاكم يقول:

«اعلم بأن خراسان و ما وراء النهر لكل بلد تاريخ صنفه عالم منها» (4).

و يقول الأستاذ الدكتور أكرم العمري: «و قد أحصيت لمدن المشرق 28 مؤلفا من مجموع 48 مؤلفا ألّفها علماء المسلمين في تاريخ الرجال المحلية حتى نهاية عصر الخطيب البغدادي- أي القرن الخامس- و يأتي نصيب العراق بالمرتبة الثانية، حيث يبلغ عدد المؤلفات الخاصة برجال مدنه 7 مؤلفات ..» (5).

و المؤلفات المذكورة في مدن المشرق تناولت عشر مدن فقط، و فاقت‏

____________

(1) انظر «أخبار أصبهان» 1/ 335 و انظر «تذكرة الحفاظ» 3/ 915.

(2) انظر «تذكرة الحفاظ» 3/ 915.

(3) انظر ترجمة رقم 93 من «الطبقات» للمؤلف و «أخبار أصبهان» 1/ 332.

(4) الذهبي في «تذكرة الحفاظ» 3/ 1041.

(5) انظر «موارد الخطيب»/ 261 له.

46

أصبهان في حظها على جميع المدن كما يذكر لنا الأستاذ أكرم ضياء العمري بعد أن ذكر خمسة مؤلفات لتاريخ أصبهان في الموارد، و زاد مؤلفا آخر في البحوث، فقال: «هكذا فإن حظ أصبهان من التواريخ كبير، مما يوضح نشاط الحركة الفكرية فيها في القرنين الرابع و الخامس الهجريين» (1).

قلت لقد عني علماء المسلمين بأصبهان و اهتموا اهتماما تامّا في التصنيف و التأليف في جوانب شتى في خلال التاريخ الإسلامي، فمنهم من اهتم بتاريخ أصبهان كمدينة، و منهم من اهتم بتاريخها باعتبار سكانها أكثر، و منهم من خصها باعتبار محدثيها و الواردين عليها، و منهم من أفرد تأليفه لشعراء أصفهان، و منهم من قصره على الناحية الجغرافية، و عرج على بقية النواحي و خص بعضهم الناحية الاقتصادية بالإضافة إلى اختصاص بعض تصانيفهم بمحاسن أصفهان، و أغمضوا بقية النواحي، و هكذا.

و لا نغفل أن هناك عددا من الباحثين الأجانب، و السائحين و السياسيين الأوروبيين ممن اهتموا، فجمعوا معلومات عن مدن إيران، و ألفوا فيها، و خصوا أصبهان بمزيد من العناية (2).

[الكتب المؤلفة في أصبهان قديما و حديثا]

إليكم الكتب المؤلفة في أصبهان قديما و حديثا عبر القرون الإسلامية، حسبما وقفت عليه، أو ذكرته المصادر.

لقد أرخ لأصفهان عدد كبير من علمائها و غيرها، فأول من وقفت عليه أنه أرخ لها: هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني (ت 310 ه)، باسم:

1- «تاريخ أصبهان» (3).

ثم أبو بكر محمد بن علي بن الجارود الأصبهاني (ت 325 ه)، باسم:

____________

(1) انظر «موارد الخطيب» ص 279 و «بحوث في تاريخ السنة المشرفة» 140- 142.

(2) كما سيأتي في مبحث الكتب المؤلفة في أصبهان.

(3) ذكره ابن خلكان في «وفيات الأعيان» 4/ 289 و أكثر عنه الرواية أبو الشيخ في «الطبقات»، و لم يذكر اسم كتابه، و يبدو أنه مفقود، و الله أعلم.

47

2- «فوائد الأصبهانيين» (1).

ثم أبو عبد الله حمزة بن الحسين المؤدب الأصبهاني المعروف بحمزة الأصبهاني (ت قبل 360 ه)، قال السمعاني: كان صاحب.

3- «التاريخ الكبير لأصفهان» (2)، و كذا ذكر له المافروخي كتابا باسم:

4- «رسالة أصفهان» في مصادر كتابه «محاسن أصفهان» (3)، فلعله اختصرها من كتابه السابق، و الله أعلم.

و خص حمزة تأليفا مستقلا باسم:

5- «شعراء أصفهان» (4)، مفقود، أفاد منه الحموي.

ثم أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري (ت 369 ه) ألّف:

6- كتابه «طبقات المحدثين بأصبهان و الواردين عليها» (5) و هو كتابنا هذا،

7- و كتابه «فوائد الأصبهانيين»، يوجد منه 4 أوراق بالظاهرية (6).

____________

(1) ذكره أبو الشيخ في «طبقات المحدثين» 221/ 3. لم يصل إلينا.

(2) انظر «الأنساب» 1/ 284 و كذا ذكره أبو نعيم في «أخبار أصبهان» 1/ 300، و ابن النديم في «الفهرست» ص 199، و ياقوت في «إرشاد الأريب»، و أفاد منه في 1/ 129، 131 و مواضع، و ذكره السخاوي في «الإعلان» ص 122 و ذكر بعض الاقتباسات بروكلمان في «تاريخ الأدب العربي» 3/ 61- 62، و روزنتال في «علم التاريخ عند المسلمين» ص 616، و فؤاد سزكين في «تاريخ التراث» ص 541.

(3) انظر «نصف جهان في تعريف أصفهان» ص 5 لمحمد مهدي.

(4) ياقوت الحموي في «إرشاد الأريب» 6/ 289- 292، و فؤاد سزكين في «تاريخ التراث»/ 541.

(5) سيأتي الكلام عليه في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى.

(6) و ذكره أبو الشيخ نفسه في «الطبقات» (انظر ت رقم 102)، و تلميذه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» 1/ 6 يوجد 4 أوراق في مجموعة 38 من 55- 59 برقم 546 بالمكتبة الظاهرية و تصويرها موجود بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية، و كذا ذكره ابن حجر بسنده في معجم المفهرس 56/ 2 أن أبا الشيخ أخبره الجزء الثالث من «فوائد الأصم» ... و كذا الجزء الثاني بنفس السند، و قال: أخبرنا الأصم بالفوائد له في اثني عشر مجلدا.

48

يبدو مما ذكره ابن حجر أنه جمع فيه بعض مرويات محدثي أصفهان، فإنّه قال: «أول الجزء الثالث: حديث تميم الداري في النهي عن خمس و آخره: أغروا النساء يلزمن الحجاب» (1). و قال أبو الشيخ نفسه بعد أن ذكر في الطبقات أحاديث خرجتها في فوائد الأصبهانيين‏ (2).

ثم أبو الفتح عثمان بن جني النحوي المشهور بابن جني (ت 392 ه) ألف كتابه المسمى:

8- «بالتذكرة الأصبهانية». «لم أقف عليه، فلعله في النحو (3)، و الله أعلم».

ثم أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الحافظ (ت 396 ه)، ألف كتابا باسم:

9- «تاريخ أصفهان» (4).

ثم أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه (ت 410 ه)، ألّف:

10- كتابه «تاريخ أصفهان» (5).

ثم أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني (ت 430 ه) ألّف كتابه:

____________

(1) انظر المصدر الأخير السابق لابن حجر.

(2) انظر ت 102 من «الطبقات».

(3) ابن خلكان في «وفيات الأعيان» 3/ 247.

(4) السخاوي في «الإعلان» ص/ 122، و الكتاني في «الرسالة المستطرفة» ص 131، و هو مفقود، نسب «تاريخ أصبهان» لعدد من آل مندة، و رجحت أن كل من ذكرته ألف في تاريخها، و إلى هذا مال الكتاني.

(5) اقتبس منه السمعاني في «الأنساب» 1/ 68، 160، 164، 259، و مواضع.

و ذكره ياقوت في «معجم البلدان» 2/ 155.

و ابن الأثير في «اللباب» 1/ 287، 2/ 359.

و اقتبس منه الذهبي في «تذكرة الحفاظ» 2/ 886، 887، 946، 974 و ذكره الداودي في «طبقات المفسرين» 1/ 93.

و كذا السخاوي في «الإعلان»/ 122، و ابن حجر في «اللسان» 1/ 117 و الكتاني في «الرسالة المستطرفة»/ 131.

49

11- «ذكر أخبار أصفهان»، و هو كتاب جامع، استدرك ما فات المؤلفين السابقين، حتى بلغ عدد المترجمين فيه حوالي ألفي علم‏ (1).

ثم أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن مندة (ت 470 ه) ألّف:

12- كتابه «تاريخ أصبهان» (2).

13- ثم علي بن حمزة بن عمارة في كتابه «قلائد الشرف» ألفه في محاسن أصفهان‏ (3).

ثم مفضل بن سعد بن الحسين المافروخي الأصبهاني (ت في آخر القرن الخامس) ألف:

14- كتابه «محاسن أصفهان» (4).

و قد ترجمه إلى الفارسية حسين بن محمد الأصفهاني العلوي في القرن الثامن الهجري مع إضافات كثيرة بذيله‏ (5).

ثم أبو بكر محمد بن أبي علي أحمد بن عبد الرحيم المعدل (ت)، ألّف كتابه:

____________

(1) طبع في ليدن في مجلدين طبعة جيدة استدركت بعض الأخطاء في قائمة آخر الجزء الثاني، و قد اعتمدت عليه كثيرا في مقابلة النصوص و تخريجها.

(2) الكتاني في «الرسالة المستطرفة»/ 131، مفقود و لم يصل إلينا.

(3) ذكره محمد مهدي في «نصف جهان» ص 4 من جملة مصادر مافروخي في كتابه «محاسن أصفهان» لم أقف عليه.

(4) طبع في إيران- طهران- سنة 1352 ه.

(5) انظر كتاب «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» ص 43 للدكتور لطف الله هنرفر «و نصف جهان» ص 5، و ذكر مؤلفه محمد مهدي أن الأصل و المترجم عنه كلاهما عنده و طبعا في طهران، و قد بحثت عن هذا الكتاب في سفري إلى إيران في هذا العام (1400 ه) و بقيت أسبوعا في طهران و أربعة أيام في أصفهان، و لكن لم أوفق في الحصول عليهما.

50

15- «تاريخ أصبهان» (1).

ثم أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده (ت 511 ه) ألف.

16- كتابه «تاريخ أصفهان» (2). يوجد منه قطعة من (ق 228- 235) بالظاهرية (3).

و أبو طاهر السلفي أحمد بن محمد بن أحمد الأصفهاني الجرواني (ت 576 ه)، له كتاب ألفه في مشيخته الأصفهانية في مجلد سماه:

17- «مشيخة أصبهان» أو «السفينة الأصبهانية» (4).

و قد أضاف حسين بن محمد أبي الرضا العلوي الذي ترجم «محاسن أصفهان» للمافروخي سنة 729 ه إلى ذيل الكتاب المذكور- و هو أصفهاني- معلومات كثيرة و من جملة ما ذكره:

18- وصف مدرسة نظام الملك بأصبهان‏ (5) فيعد هذا تأليفا مستقلا.

ثم في مطلع القرن التاسع، ألف محمد مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت 817 ه) صاحب «القاموس المحيط» كتابا في تاريخ أصفهان، و سماه:

____________

(1) السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» ص 122 مفقود.

(2) السمعاني في «الأنساب» ق/ 603، و ياقوت الحموي في «معجم البلدان» 2/ 545، و ابن خلكان في «وفيات الأعيان» 4/ 445، و السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ»/ 122، و الكتاني في «الرسالة المستطرفة» ص 131.

(3) انظر «فهرس المخطوطات الظاهرية» 1/ 119 و هو برقم 236 حديث.

(4) السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ» ص 119 باسم «معجم أصفهان»- و الكتاني في «الرسالة المستطرفة» ص 137 باسم «مشيخة اصفهان»- في مجلد، و الزركلي في «الأعلام» 1/ 209، و انظر مقدمة «سؤالات السلفي» ص 14- لم أقف عليه.

(5) انظر «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» ص 62.

51

19- «نزهة الأذهان في تاريخ أصفهان» (1).

و قد اهتم عدد كبير بعد الألف من الهجرة في القرون الثلاثة بالتأليف في أصفهان، فألّف حاكم أصفهان ميرزا حسين خان بن محمد إبراهيم خان في سنة 1294 ه:

20- كتابه «جغرافيا أصفهان» (2).

21- و محمد مهدي أرباب، ألف كتابه «نصف جهان في تعريف أصفهان»، في سنة 1303 ه (3).

و كذا ألف المفكر الفريد السيد جلال الدين طهراني كتابه:

22- «أصفهان نصف جهان» يقصد أن أصفهان نصف العالم‏ (4).

23- ألّف ملا عبد الكريم آخوند جزي كتابه «رجال أصفهان»، و لكنّه لم يذكر من علماء أهل السنة إلا عددا ضئيلا جدا، و ترجم للمتأخرين من علماء الشيعة، ثم زاد عليه و استدرك السيد المفكر مصلح الدين المهدوي، فألف عليه‏

24- و سماه: «تذكرة القبور أو دانشمندان و برزكان أصفهان»، تضمن أكثر من ألفي شخص كلهم من رجال الشيعة، اللهم إلا رجلا من أهل السنة، حسبه شيعيا أو نادرا (5).

25- «تاريخ أصفهان و ريّ» ألفه الحاج ميرزا حسن خان الأنصاري، و جعله في‏

____________

(1) كذا ذكره حاجي خليفة في «كشف الظنون» 2/ 1939، و روزنتال في «علم التاريخ عند المسلمين» ص 516، و الزركلي في «الأعلام» 8/ 19، و ميرزا حسن الأنصاري في «تاريخ أصفهان» ص 9. لم أقف عليه، يبدو أنه مفقود.

(2) انظر «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» ص 43، لم يتيسر لي الحصول عليه.

(3) و هو موجود عندي، و استفدت منه في المقدمة. طبع في طهران بتحقيق الدكتور منوجهر ستوده سنة 1340 ش ه.

(4) انظر «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» ص 44.

(5) هذا الكتاب موجود عندي، استفدت منه في المقدمة.

52

قسمين: قسم لتاريخ أصبهان، و هو في ثلاثة أجزاء، و طبع الجزء الأول من قسم أصفهان فقط (1). و لم يطبع بقية الكتاب.

26- «تاريخ أصفهان» المعروف «بالأصفهان» تأليف الحاج مير سيد علي جناب ابن مير محمد باقر، و هو كتاب كبير في عشرة مجلدات، لم يطبع إلا الجزء الأول سنة 1349 ه (2).

27- «تذكرة شعراء أصفهان»، تأليف الشيخ الفاضل السيد مصلح الدين المهدوي‏ (3).

28- «تاريخ مقابر أصفهان»، تأليف المفكر السيد عبد الحجة بلاغي‏ (4).

29- «أصفهان» تأليف الشيخ حسين نور صادقي، و هو يتضمن على ذكر تاريخ أصفهان و موقعها و آثارها و كتّابها و شعرائها (5).

30- «آثار تاريخي أصفهان» في مجلدين، تأليف آندره كذار، ألفه المؤلف بالفرنسية، ثم ترجمه السيد محمد تقي مصطفوي مدير الآثار التاريخية بأصفهان، و نشرته الإدارة العلمية لمعرفة الآثار (6).

31- «رهبر مسافر أصفهان»، ألفه السيد محمد تقي مصطفوي مدير الآثار التاريخية بأصفهان.

32- «تاريخچة أبنية تاريخي أصفهان»، تأليف كريم نيكزاد أمير حسني.

33- «آثار تاريخي أصفهان» في ضمن كتاب آخر بمديريت محمد باقر نجفي.

____________

(1) و هذا الجزء موجود عندي، و استفدت منه.

(2) انظر «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» ص 45.

(3) طبع بأصبهان سنة 1334 ش ه.

(4) انظر «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» ص 45.

(5) نفس المصدر السابق.

(6) انظر «كنجينه آثار تاريخي أصفهان» ص 45.