شرح الأصول من الحلقة الثانية - ج1

- الشيخ محمد صنقور البحراني‏ المزيد...
463 /
5

المقدّمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه، و أكمل موجوداته أبي القاسم محمد و على آله الأخيار الأبرار الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي.

إنّ من ألطاف اللّه جلّ و علا أن وفقني لشرح الحلقة الثانية من حلقات السيّد الشهيد (قدّس سرّه) و التي هي من أهمّ كتب الدراسات الحوزويّة، و التي يتأهّل بها الطالب للدخول في مرحلة السطح الأعلى، و أسأل اللّه تعالى أن يكون هدفي من كتابة هذا الشرح هو المساهمة في تيسير فهم هذا الكتاب على الطالب الكريم.

و قد بذلت جهدي في بيان مطالبه و اتّخذت طريقة التقرير وسيلة لإيضاح مباحثه و عالجت موضوعاته بواسطة تصنيفه و تبويبه بطريقة رأيتها مناسبة، و قد أكثرت فيه من الأمثلة و التطبيقات لغرض إيقاف‏

6

الطالب الكريم على ثمرات هذه البحوث، و قد جهدت أن لا أخرج عن إطار المباحث التي عرضها السيّد الشهيد (قدّس سرّه) في كتابه إلّا في حالات يستدعي فيها البيان ذلك، و قد احتفظت بالعناوين الرئيسيّة للكتاب تيسيرا للمراجعة.

أسأل اللّه تعالى أن يكون ما كتبته قربانا أتوسّل به لقضاء حاجتي و هي أن يجعل عاقبتي إلى خير، و منقلبي منقلبا محمودا عنده، و أن لا يكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا و أن يحشرني في زمرة الأبرار من آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و الحمد للّه ربّ العالمين محمّد صنقور البحراني قم المقدّسة

7

تمهيد

تعريف علم الأصول‏

موضوع علم الأصول‏

فائدة علم الأصول‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين محمّد و آله الطاهرين.

تعريف علم الأصول:

عرّف المشهور علم الأصول «بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي» و المراد من هذا التعريف هو أنّ علم الأصول عبارة عن مجموعة من القواعد و الضوابط الكلية التي تساهم في استخراج الحكم الشرعي من مصادره كالكتاب و السنّة.

فليس للفقيه أن يدخل إلى مصادر التشريع لاستنباط و استخراج الحكم الشرعي إلا عبر هذه الضوابط و القواعد التي تنقّح في علم الأصول فمثلا لو أراد الفقيه أن يستنبط حكم فعل من أفعال المكلّفين مثل ردّ التحية فهو يواجه أمامه نصا قرآنيا و هو قوله تعالى‏ وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها (1) و لا يمكن الحكم بالوجوب مثلا إلا أن ينقّح مسألتين أصوليّتين، الأولى: ظهور صيغة الأمر في الوجوب، الثانية: حجيّة الظهور، و هاتان المسألتان تبحثان في علم الأصول لغرض إثباتهما أو نفيهما فإذا تنقّح للفقيه ثبوتهما بالدليل القطعي يتشكّل عنده قياس منطقي مكوّن‏

____________

(1) النساء: 86.

10

من صغرى و كبرى.

أمّا الصغرى: في كل صيغة أمر فهي ظاهرة في الوجوب.

و أمّا الكبرى: فهي أن كل ظهور حجّة.

فينتج ظهور الأمر في الوجوب حجة ثم يشكل الفقيه قياسا آخر يجعل نتيجة القياس الأول كبرى للقياس الثاني، و يجعل صغراه النص القرآني هكذا.

إن كلمة «فَحَيُّوا» في الآية الشريفة صيغة أمر.

و ظهور الأمر في الوجوب حجّة.

فينتج وجوب رد التحيّة.

فنلاحظ أن نتيجة القياس الأول و هو «ظهور صيغة الأمر في الوجوب حجّة»- الذي استفدنا صغراه و كبراه من علم الأصول- قد وقع كبرى للقياس الثاني و جعلنا الصغرى النص القرآني فأنتج وجوب رد التحيّة.

و خلاصة الكلام أن الفقيه لا يتمكّن من استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها إلّا عن طريق علم الأصول، ينقح فيه مجموعة من القواعد تكون بمثابة الوسائل الآلية لمعرفة الأحكام الشرعية من مصادرها.

الإشكال على التعريف:

ثم إن المصنّف أورد على التعريف بإيراد حاصله: أن الغرض من التعريف هو بيان الضابطة التي تتميّز من خلالها المسألة الأصولية من غيرها و التعريف قد جعل عنوان القواعد الممهّدة هو المميّز للمسألة الأصولية من غيرها و الحال أن صلاحية المسألة للتمهيد لاستنباط الحكم‏

11

الشرعي فرع بحثها في علم الأصول، فأولا نبحثها ثم نعرف أنها تمهّد لاستنباط الحكم الشرعي أو لا، و هذا يقتضي أن نبحث كل المسائل لنرى أيّها تمهّد و أيّها لا تمهّد، و هذا غير مراد حتما إذن فثمّة ضابطة تحدّد أيّ المسائل تبحث في علم الأصول و أيّها لا تبحث، و هذه الضابطة لا بدّ من بيانها في التعريف و هي غير التمهيد، إذ أن التمهيد يقع في طول معرفة المسألة الأصولية التي تحدّد أيّها يمهّد و أيّها لا يمهّد للاستنباط.

و بعبارة أخرى: لا بد أن يكون التعريف مشتملا على الضابطة التي تحدّد ما هي المسائل الداخلة في علم الأصول و المسائل الخارجة، و جعل الضابطة «هي الممهّدة» يقتضي ان تكون أصولية المسألة منوطة بتمهيدها للاستنباط في حين أنّ معرفة المسائل الممهّدة للاستنباط متوقّفة على علم الأصول، فتحديد القواعد الممهّدة للاستنباط متأخر عن بحثها في علم الأصول فكيف تكون هي المحدّدة لمسائل علم الأصول.

و لذا عرّف علم الأصول بتعريف آخر غير مشتمل على وصف القواعد بالممهّدة حيث عرّف «بأنّه العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط» فكل مسألة تكون طريقا و وسيلة للوصول إلى الحكم الشرعي فهي مسألة أصولية. فمثلا ظهور صيغة النهي في الحرمة تساعد على الوصول إلى بعض الأحكام الشرعية فهي إذن مسألة أصولية و هذا بخلاف قاعدة «إن الحديد يتمدّد بالحرارة» فإنّ هذه الكبرى الكلية لا تساهم في استنباط حكم فهي إذن ليست مسألة أصولية. و هذا التعريف لا يرد عليه ما أورد على التعريف الأول، إذ أنه واف بالغرض، حيث إن الغرض منه معرفة المسألة الأصولية من غيرها و قد تحقق ذلك بهذا

12

التعريف، إذ أنّه قال إن المسألة الأصولية هي التي تساهم في استنباط الحكم الشرعي فيخرج ما سوى ذلك عن علم الأصول.

الإشكال على التعريف الثاني:

إلا أن المصنّف (رحمه اللّه) أورد على التعريف بما حاصله: أن هذا التعريف فاقد لبعض شرائط التعريف المذكورة في علم المنطق و هو المنع من دخول الأغيار، فلا بدّ من كون التعريف مانعا من تداخل العلوم، و هذا التعريف غير مشتمل على هذا الشرط حيث إنه يسمح لدخول كثير من مسائل اللغة مثلا في علم الأصول، و الحال أنها خارجة عنه قطعا، فمثلا ظهور كلمة «الصعيد» في مطلق وجه الأرض يساهم في استنباط حكم شرعي و هو صحة التيمّم بمطلق وجه الأرض في حين أن معرفة المعنى اللغوي لكلمة الصعيد أو غيرها من موضوعات أو متعلقات الأحكام خارجة عن علم الأصول قطعا. فإذن التعريف يلزم منه دخول كثير من المسائل في علم الأصول و هي ليست منه.

التعريف على مختار المصنّف (رحمه اللّه):

ثم إن المصنّف طرح تعريفا آخر لعلم الأصول و هو «العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط» و هذا التعريف يشترك مع التعريف الثاني في كون ضابطة المسألة الأصولية هي: ما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، و لكن أضاف عليه المصنّف (رحمه اللّه) قيدا زائدا مضيّقا بذلك دائرة ما يبحث في علم الأصول، فعلم الأصول و إن كان هو البحث عن المسائل التي تقع في طريق الاستنباط إلّا أنّه ليس كل المسائل التي تساهم في الاستنباط، بل هي المسائل التي يمكن الاستفادة منها في أكثر أبواب الفقه‏

13

حين إرادة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، فمثلا حجية خبر الثقة يمكن الاستفادة منها- إذا ثبتت- في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة و هذا بخلاف تحرير معنى كلمة الصعيد، فإنه لا يستفاد منها إلا في معرفة حكم أو حكمين شرعيّين، و هكذا مسألة ظهور صيغة الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة فإنّه يمكن الاستفادة منهما في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات، و لذلك عبّر المصنّف عن مثل هذه المسائل:

بالعناصر المشتركة، حيث إنها مسائل سيّالة يحتاج إليها الفقيه لاستنباط كثير من الأحكام الشرعيّة في كثير من الأبواب الفقهيّة.

و أمّا العناصر المختصّة مثل معنى كلمة «الصعيد» أو معنى كلمة «الكر» و إن كانت نافعة في استنباط حكم شرعي إلا أنها لا تساهم إلا في استنباط حكم أو حكمين، إذن فكل مسألة تساهم في استنباط حكم شرعي فهي مسألة أصولية و لكن بشرط أن تكون مسألة سيّالة مطّردة صالحة لأن يستفاد منها في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة.

قوله (رحمه اللّه): «إبداء الضابط الموضوعي»، أي لا بدّ أن يكون التعريف محدّدا للموضوع الذي يكون جامعا لمسائل العلم، و موجبا لتمييز المسائل الداخلة في هذا العلم عن المسائل الخارجة عنه، و إلّا لم يتحقّق الغرض من التعريف، و الذي هو تشخيص العلم المعرّف و تحديده بحيث تعرف به مسائل العلم المعرّف عن مسائل العلوم الأخرى.

موضوع علم الأصول:

تعارف أهل كل فنّ أن يصدّروا بحثهم عن ذلك الفن ببيان تعريفه‏

14

و موضوعه و فائدته، و هذا ما يعبّر عنه بالمبادئ التصوريّة للعلم و التي تعطي تصورا عن معنى العلم و ما هي حدوده المانعة عن تداخله مع العلوم الأخرى و ما هو الغرض منه و الفائدة المترتّبة عليه.

و قبل بيان موضوع علم الأصول لا بدّ من بيان مقدّمة، و هي:

إن الموضوع عند أهل المنطق هو الشي‏ء الذي يحكم عليه بحكم، فالموضوع عند المناطقة هو المسند إليه عند أهل البلاغة، فعند ما نقول «إن زيدا عالم» فزيد الذي أسند إليه العالمية هو الموضوع الذي حكم عليه بحكم و هو «عالم». و بعد بيان ذلك نقول إن موضوع كل علم عبارة عن العنوان الجامع لموضوعات مسائل ذلك العلم.

و المراد من مسائل كل علم هي القضايا الحمليّة التي يتصدّى ذلك العلم لبيانها و الاستدلال عليها. إذن العلم مجموعة من المسائل و القضايا الحمليّة يكون القاسم المشترك بين هذه المسائل هو كون موضوعاتها ترجع إلى عنوان جامع يعبّر عنه بموضوع العلم، مثلا: علم النحو يبحث فيه عن مجموعة من المسائل مثل «الفاعل مرفوع» «المفعول منصوب» «و المبتدأ مرفوع» «و المضاف إليه مجرور»، و لو لاحظنا جميع هذه المسائل المتكوّنة من موضوع و حكم لرأينا أن موضوعاتها ترجع إلى عنوان جامع و هو «الكلمة»، فالكلمة المتعنونة بعنوان الفاعل حكمنا عليها بالرفع، و الكلمة المتعنونة بعنوان المفعول حكمنا عليها بالنصب و هكذا مئال موضوعات مسائل علم النحو إلى موضوع واحد، و هو عنوان الكلمة.

إذا اتضح معنى موضوع العلم تصل النوبة لبيان موضوع علم الأصول فنقول و على اللّه التكلان.

15

إن الأصوليّين اختلفوا فيما هو موضوع علم الأصول، فذكر القدماء أن موضوعه هو الأدلّة الأربعة «الكتاب الكريم، السنة الشريفة، الإجماع و العقل» و يقصدون من ذلك أن مدار المسائل الأصولية هو الأدلّة الأربعة، فكل مسألة يكون موضوعها أحد الأدلّة الأربعة فهي مسألة أصولية، مثلا حجيّة النص القرآني مسألة أصولية لأن موضوعها الكتاب الذي هو أحد الأدلّة الأربعة إذ أن النص القرآني الذي هو عبارة ثانية عن الكتاب هو الموضوع و الحجية و الدليليّة هو المحمول و الحكم، و هكذا حجية قول و فعل و تقرير المعصوم مسألة أصولية؛ لأن موضوعها عبارة ثانية عن السنة الشريفة و محمولها الحجيّة.

الإشكال على مبنى القدماء

و أورد المصنّف على هذا المبنى أنه يلزم منه خروج كثير من المسائل الأصولية التي يقطع بأصوليّتها. فإذن هذا الموضوع لا ينطبق عليه ضابطة موضوع العلم، إذ أنه لا يجمع تحت عنوانه- و هو الأدلّة الأربعة- جميع موضوعات مسائل هذا العلم، فمثلا موضوع الاستلزامات- التي هي عبارة عن ملازمة حكم لحكم آخر- «هو الحكم» و الحكم ليس داخلا تحت عنوان الأدلّة الأربعة، فمثلا الحكم بوجوب شي‏ء يقتضي النهي عن ضدّه، و الحكم بحرمة شي‏ء يقتضي الفساد، و الحكم بوجوب شي‏ء يقتضي وجوب مقدّمته. كل هذه مسائل أصولية موضوعها الحكم، و الحكم لا يدخل تحت عنوان الأدلّة الأربعة.

و كذلك البحث عن حجيّة الأمارات الظنيّة فإنها كثيرا ما لا تؤول موضوعاتها إلى عنوان الأدلّة الأربعة، فمثلا حجيّة الشهرة موضوعها

16

الشهرة و محمولها الحجية، و كذلك حجية خبر الثقة فإن موضوعها خبر الثقة و محمولها الحجية، و من الواضح أن هذه الموضوعات لا تؤول إلى عنوان الأدلّة الأربعة.

و كذلك البحث عن الأصول العملية- التي تحدّد وظيفة المكلف في موارد فقدان الدليل أو إجماله- فإن موضوعها الشك، فمثلا جريان البراءة حين الشك في حرمة شي‏ء مع عدم وجود علم سابق بالحرمة، فنلاحظ أنّ الموضوع لهذه المسألة هو الشك و محمولها البراءة عن الحرمة.

و هكذا يتّضح أنّ عنوان الأدلّة الأربعة لا يصلح أن يكون موضوعا لعلم الأصول، إذ أنّه ليس عنوانا جامعا لموضوعات مسائل هذا العلم.

القول الآخر لموضوع علم الأصول:

هو إنكار أن يكون لموضوع علم الأصول موضوع واحد جامع لجميع موضوعات مسائله، و هذا القول تبنّاه مجموعة من الأعلام مثل السيد الخوئي (رحمه اللّه)، و قالوا: إنّ ما تعارف عليه المناطقة من أن لكل علم موضوعا جامعا لجميع موضوعات مسائله لا أساس له إذ أنه يمكن أن لا يكون لبعض العلوم موضوع جامع.

و من هنا ينشأ إشكال و هو: أنه بناء على هذا القول تتداخل العلوم و لا يمكن أن تكون هناك ضابطة تحدّد أنّ هذه المسألة من مسائل هذا العلم أو ذاك العلم، و من هنا تصدّى أصحاب هذا القول للجواب عن هذا الإشكال و حاصله: أنه يمكن أن يكون هناك ضابطة لتحديد مسائل كل علم تفيد فائدة الموضوع و لكنها ليست من قبيل الموضوع. و هذه الضابطة هي الغرض، فتحديد الغرض من العلم يمنع من تداخل العلوم و به تتحدّد

17

مسائل كل علم بحيث يكون الغرض موجبا لدخول بعض المسائل في هذا العلم مثلا و خروج مسائل أخرى عنه.

فمثلا علم الطب ليس له موضوع جامع لجميع موضوعات مسائله، و لكن يمكن أن يكون الغرض من هذا العلم محدّدا لأيّ المسائل التي تكون داخلة في هذا العلم و أيّ المسائل تكون خارجة عنه. و هكذا علم الأصول تكون الضابطة في تحديد مسائله التي يبحث عنها هذا العلم هو الغرض، فلو قلنا إن الغرض من هذا العلم مثلا هو البحث عن كل كبرى كلية تساهم في استنباط الحكم الشرعي لاقتضى ذلك معرفة المسائل المبحوثة في هذا العلم و المسائل الخارجة عنه.

إذن فليس الموضوع للعلم هو الضابطة الوحيدة المانعة من تداخل العلوم و الموجبة لتحديد مسائل كل علم.

القول الثالث في بيان موضوع علم الأصول:

و هو ما تبنّاه المصنّف (رحمه اللّه) تعديلا لمبنى القدماء و محاولة لسدّ ثغراته، و هذا القول عبارة عن أن موضوع علم الأصول «هو الأدلة» بحذف قيد «الأربعة» ليكون الموضوع شاملا و جامعا لجميع موضوعات مسائل هذا العلم.

و بعبارة أخرى موضوع علم الأصول بحسب مبنى المصنّف هو كل دليل عام تكون له الصلاحية للاستدلال به على الحكم الشرعي. و يخرج بقولنا «عام» كل ما يصلح أن يكون دليلا على الحكم الشرعي و لكن في موارد محدودة و هو ما عبّر عنه المصنّف بالعنصر المختص.

إذن كل دليل و عنصر مشترك- لو ثبت كان صالحا للاستدلال به‏

18

على الحكم الشرعي- هو موضوع علم الأصول فهذا هو الموضوع الجامع لموضوعات مسائل علم الأصول، و العناوين التي يتوخى منها الكاشفية و الدليليّة على الحكم الشرعي تحدد في علم آخر غير علم الأصول، و علم الأصول يبحث عن دليليتها و كاشفيتها للحكم الشرعي و عدم ذلك فالشهرة و القياس و الظهور و خبر الواحد عناوين يتوخى منها الدليليّة و المساهمة في الكشف عن الحكم الشرعي، و هذه العناوين يتم تحريرها في علوم أخرى، و الذي يبحثه علم الأصول هو صلاحيتها للدليلية و عدم صلاحيتها فمثلا تحرير معنى الظهور و معنى الشهرة و معنى خبر الواحد و معنى الشك يتم في علم الدراية و المنطق و اللغة، و بحث الأصولي عن هذه العناوين هي محاولة منه للبرهنة على صلاحيتها للمساهمة في الكشف عن الحكم الشرعي أو عدم ذلك و هذا معنى البحث عن دليليتها و عدمها الذي ادعينا أنه جامع لموضوعات علم الأصول.

ثم إننا لو حاولنا إرجاع هذه العناوين- الواقعة موضوعا لمسائل علم الأصول- إلى الموضوع- الذي هو كل دليل عام صالح للوقوع في طريق الاستنباط- لوجدنا أن ذلك ممكن بحيث لا يشذّ موضوع مسألة من هذه المسائل عن هذا الجامع.

فمثلا حجيّة الظهور موضوعها الظهور و محمولها الحجيّة و الدليليّة، و من الواضح أن الظهور من العناوين الصالحة للدليلية فهو ينضوي تحت عنوان- كل دليل عام صالح للوقوع في طريق الاستنباط- و هكذا حجية خبر الثقة و الشهرة و كذلك الحكم بوجوب شي‏ء هل يستلزم حرمة ضدّه، فالحكم بالوجوب عنوان صالح للوقوع في طريق إثبات حرمة الضد و صالح‏

19

للوقوع في طريق إثبات وجوب المقدّمة و هكذا.

فمثل حرمة الضد و وجوب المقدمة محمولات لهذا الموضوع- و هو الحكم- و هو عنوان داخل تحت عنوان قولنا- كل دليل عام صالح للوقوع في طريق الاستنباط- و هكذا ينسحب الكلام إلى الأصول العملية، فالبحث عن أنّ الشك مجرى للبراءة- مثلا- بحث عن صلاحية الشك لإثبات حكم شرعي- و هو الترخيص- و عدم صلاحيته.

و خلاصة القول إن موضوع علم الأصول هو الأدلة العامة الواقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي.

قوله (رحمه اللّه): «و البحث الأصولي يدور دائما حول دليليّتها»، أي صلاحيّتها للدلالة على الحكم الشرعي، أو قلّ أهليتها لإثبات الحكم الشرعي، فالبحث الأصولي مثلا يبحث عن صلاحيّة الأدلّة الظنيّة المحرزة، فمتى ما ثبتت لها الدليليّة، فهذا معناه ثبوت الحجيّة و الصلاحيّة للكشف عن الحكم الشرعي.

فائدة علم الأصول:

و بما بيّناه سابقا في مقام بحث تعريف و موضوع علم الأصول يتّضح مدى الفوائد المترتبة على هذا العلم، إذ أنه تحرّر في هذا العلم وسائل المعرفة للأحكام الشرعية في كثير من الأبواب الفقهيّة فليس للفقيه طريق آخر يدخل من خلاله للفقه و معرفة أحكام أفعال المكلفين.

نعم الفقيه في مقام تحديد الأحكام الشرعية و أن هذا حلال و هذا حرام أو واجب يحتاج إلى عناصر أخرى ليست من علم الأصول تكون‏

20

بمثابة المواد و الصغريات للأقيسة التي يتوصل عن طريق تشكيلها للنتيجة الفقهيّة، و هذه المواد و الصغريات التي عبّر عنها بالعناصر الخاصة تتغير بتغير المطلوب الذي يريد الفقيه الوصول إليه، فهي عناصر غير مطّردة في جميع أبواب الفقه و لا تكون الحاجة إليها إلا في موارد خاصّة و تكون موارد أخرى محتاجة إلى مواد و عناصر صغروية أخرى.

و هذا بخلاف المسائل الأصولية فإنها مطّردة و نافعة للوصول إلى كثير من النتائج الفقهيّة.

و خلاصة القول إنّ النتيجة الفقهية تتوقّف على نوعين من المقدّمات.

المقدّمة الأولى: هي العناصر الخاصّة التي ليس لها اطّراد لغير مواردها و التي عبّرنا عنها بمواد و صغريات أقيسة النتائج الفقهيّة من قبيل وجود رواية على حرمة لحم الأرنب و أنّها رواية معتبرة و أنّها ظاهرة في الحرمة و أنّها غير مبتلية بمعارض أو بمقيّد أو ما إلى ذلك.

و من الواضح أن هذه الرواية بتمام حيثياتها لا يستفاد منها إلا في موردها و هو وقوعها صغرى لقياس يراد استنتاج حرمة لحم الأرنب منه.

المقدّمة الثانية: العناصر المشتركة و هي الأدلة العامة التي يمكن التوسّل بها للوصول إلى كثير من النتائج الفقهية المتفرقة في أبواب الفقه مثل حجيّة خبر الثقة و حجيّة الشهرة و حجيّة ظواهر الكتاب، فإنّ هذه المسائل تقع في طريق استنباط أحكام شرعية كثيرة و مختلفة، فيمكن الاستفادة منها في باب الطهارة و الصلاة و الحج و الخمس و الرهن و القصاص و هكذا.

إذا اتضح هذا فنقول: إن المقدمة الأولى يبحثها الفقيه في غير علم‏

21

الأصول و أما المقدمة الثانية فيتم تنقيحها في علم الأصول فيشكّل من مجموع المقدمتين قياسا صغراه المقدمة الأولى و كبراه المقدمة الثانية بالبيان الذي بيّنّاه في تعريف علم الأصول.

و بهذا يتّضح أنّ علم الأصول بمثابة علم المنطق لبقيّة العلوم حيث إن المنطق يساهم في إعطاء الضوابط للوصول إلى النتائج في شتى العلوم، كذلك يصنع علم الأصول بالنسبة للفقه، فعلاقة علم الأصول بعلم الفقه هي علاقة علم المنطق بسائر العلوم من حيث إنّه المحرّر لوسائل المعرفة و العاصم للفكر عن الخطأ في النتيجة العلمية، و بهذا تتّضح فائدة علم الأصول.

22

الحكم الشرعي و تقسيمه‏

الحكم من كل قضية هو ما ثبت لموضوع تلك القضية و حمل عليها و لا فرق بين الحكم الشرعي و بين غيره من الأحكام من هذه الجهة، و إنما قيدناه بالشرعي باعتبار أن الحكم وقع في مسألة و قضية يكون إثبات حكمها لموضوعها بيد الشارع.

فكما نقول إن الرفع الثابت للفاعل حكم نحوي، و إن عدم امتناع الصدق على كثيرين في الكلّي حكم منطقي، و إن المعلول لا يتخلّف عن علته حكم فلسفي، باعتبار أن إثبات هذه الأحكام لموضوعاتها يتم في علم اللغة و المنطق و الفلسفة، فكذلك المقام، فإن وجوب الصلاة و حرمة الخمر و فساد القرض الربوي أحكام شرعية باعتبار أن إثبات هذه الأحكام لموضوعاتها إنما هو من الشارع المقدّس.

إذا اتّضح هذا، فنقول: إن الأحكام الشرعية هي عبارة عن مجموعة من الاعتبارات المبرزة و المجعولة من قبل اللّه تعالى الناشئة عن أغراض و ملاكات يراها المولى جلّ و علا، و التي منها تنظيم حياة الإنسان و الارتقاء به إلى مستوى الكمال الروحي و الاجتماعي، قال اللّه تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1)، و قال تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ

____________

(1) سورة العنكبوت: 45.

23

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

24

يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ (1)، هذا ما يتصل بالتنظيم الاجتماعي لحياة الإنسان، و أما ما يتّصل بروحه و تكامله النفسي، فمثل قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏ (2)، إذن هذه الأحكام المجعولة من قبل الشارع المقدس توجّه الإنسان و تحركه نحو ما فيه كماله‏ إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ‏ (3).

ثم إن الأحكام الشرعيّة تنقسم إلى قسمين:

الأوّل: الأحكام التكليفيّة:

و هي عبارة عن الاعتبارات المجعولة من قبل الشارع و يكون لها اتصال بأفعال المكلّفين مباشرة و ابتداء، كاعتبار الحرمة و الوجوب على عهدة المكلف، فالوجوب يحرك المكلف ابتداء نحو الفعل، كما أن الحرمة تحرك المكلف نحو ترك الفعل المجعول له الحرمة مباشرة و بدون واسطة، و اعتبار الوجوب على عهدة المكلف موجب للانبعاث نحو ذلك الفعل بدون انتظار شي‏ء آخر، فكلّ ما كان له توجيه مباشر للمكلّف فهو حكم تكليفي سواء كان ذلك التكليف إلزاميا كالوجوب أو الحرمة، أو لم يكن إلزاميا كالاستحباب و الكراهة و الإباحة، إذ أنّها جميعا تشترك في أنّها تتصل بفعل المكلف دون أن تكون منوطة بشي‏ء آخر، نعم إطلاق عنوان التكليفية عليها من باب تسمية الشي‏ء باسم بعضه إذ أنّ «التكليفية» تعني جعل‏

____________

(1) سورة البقرة: 179.

(2) سورة البقرة: 183.

(3) سورة الاسراء: 9.

25

الكلفة و جعل الذمة مشغولة به، و هذا إنما يناسب الأحكام الإلزامية.

الثاني: الأحكام الوضعية:

و هي الاعتبارات المجعولة من قبل الشارع التي لا تكون تكليفية، فكل حكم ليس بتكليفي فهو حكم وضعي كالحكم بالفساد و الصحة و الملكيّة و الزوجيّة و هكذا، و هذه كلها تشترك في أنها ليس لها اتصال مباشر بتحريك المكلف، و إنما هي اعتبارات شرعية تكون عادة موضوعا لأحكام تكليفية، و هي عادة ما تكون منوطة بأمر خارجي إذا اتفق حصوله ترتب الحكم الوضعي، فمثلا إذا اتفق الغرر في البيع حكم الشارع بفساد ذلك البيع، و إذا اتفق أن توضأ المكلف حكم الشارع بطهارته الحدثية، و إذا ما تحقق الإيجاب من المرأة و القبول من الرجل حكم الشارع بالزوجية، و إذا اشترط الشارع الاستقبال في الصلاة فهذا يعني الشرطية.

و الأحكام الوضعية كما ذكرنا تكون موضوعا لأحكام تكليفية من وجوب و حرمة و إباحة، فمثلا الحكم بالزوجية يكون موضوعا لوجوب النفقة على الزوج و وجوب التمكين على الزوجة، و إباحة نظر الزوج و الزوجة إلى عورة الآخر، و حرمة زواج الأجنبي من تلك المرأة، و كذلك الملكية فإنها موضوع لمجموعة من الأحكام التكليفية كحرمة التصرّف في أموال المالك بغير إذنه و وجوب تخميس المال المملوك إذا فضل عن المئونة، و إباحة مطلق التصرفات في المملوك للمالك.

و مرادنا من أنّ الأحكام الوضعية تقع موضوعا للأحكام التكليفيّة أن الحكم الوضعي يكون في رتبة الموضوع في القضايا الحملية و يكون الحكم التكليفي في رتبة المحمول و الحكم، فمثلا الزوجية تقتضي وجوب النفقة،

26

فالزوجية- التي هي حكم وضعي- وقعت موضوعا لحكم تكليفي و هو وجوب النفقة.

مبادئ الحكم التكليفي:

و قبل بيان المراد من مبادئ الحكم التكليفي لا بدّ من تقديم مقدمتين:

[بيان مقدمتين‏]

الأولى:

و هي أن كل فعل اختياري يصدر من فاعل مختار لا بدّ أن يمرّ عبر مراحل ذهنية قبل صدور الفعل خارجا و هذه المراحل هي:

أولا: تصوّر الفعل ثم تصوّر فائدته ثم التصديق و الإذعان بتلك الفائدة ثم ينشأ عن ذلك شوق و رغبة للفعل ثم يترتب على تلك الرغبة و الشوق العزم على إيجاده، و هذا العزم يتفاوت بتفاوت مستوى الرغبة و الشوق، و بعد طيّ كل هذه المراحل تصل النوبة لإعمال القدرة على إيجاد ذلك الفعل في الخارج فيسعى نحو تحقيقه في الخارج بالوسائل التي يراها مناسبة، فتارة يعمل قواه العضلية في سبيل تحقيق ذلك الفعل و هذا ما يعبّر عنه بالإرادة التكوينية كتحرك العطشان بنفسه لتحصيل الماء، و تارة أخرى يصدر أمرا- بتحصيل الماء- لعبده أو ولده مثلا و يعبّر عن ذلك بالإرادة التشريعية.

الثانية:

إنّ الأحكام التشريعية الصادرة عن اللّه جلّ و علا ليست جزافيّة بل هي أحكام نشأت عن مصالح أو مفاسد في متعلقاتها، و هذا هو ما اشتهر عن الإمامية- أن أحكام اللّه تابعة للمصالح و المفاسد- فوجوب الصلاة مثلا ناشئ عن مصلحة في متعلق ذلك الوجوب و هكذا حرمة الخمر فإنها ناشئة عن مفسدة في متعلق الحرمة و هو شرب الخمر.

إذا اتضحت هاتان المقدّمتان فنقول: إنّ الحكم الشرعي و كذلك‏

27

الأحكام الصادرة عن الموالي العرفيين يمرّ بمرحلتين.

[بيان مرحلتين‏]

المرحلة الأولى:

عبّر عنها المصنّف بمرحلة الثبوت للحكم، و يقصد بها واقع العمليّة الذهنية التي يتدرّج فيها الفكر للوصول إلى الحكم، و هي التي بيّنّاها في المقدمة الأولى.

و لا بأس بتطبيقها على المورد، و هو الحكم في مرحلة الثبوت.

فالمولى العرفي مثلا يتصوّر أولا الحكم الذي هو فعل من الأفعال ثم يتصور فائدته ثم يحصل له الإذعان و التصديق بتلك الفائدة و المصلحة المعبّر عنها بالملاك، فهذه مراحل ثلاث تولّد الشوق و الإرادة لتحصيل هذا الحكم و مرتبة هذا الشوق و الإرادة تتفاوت قوّة و ضعفا بحسب ما ادركه المولى من مستوى تلك المصلحة، فكلما كانت المصلحة أكيدة و شديدة كانت الإرادة قوية و متناسبة مع مستوى المصلحة المدركة، ثم تصل النوبة إلى مرحلة الاعتبار التي هي حالة نفسانية تفترض و تعتبر ذلك الحكم على عهدة المكلّف، و هذا الاعتبار ليس أكثر من التماس كيفية يرتبها المولى استعدادا لإبراز مطلوبه، و هي ليست أمرا أساسيا في مرحلة الثبوت للحكم، و لذلك لو افترض عدمه لما كان ذلك مؤثرا على سير الحكم و خروجه من مرحلة الثبوت إلى مرحلة الإثبات، بخلاف المصلحة مثلا فإنه لو افترض عدمها لأثّر ذلك على سير الحكم و خروجه من مرحلة الثبوت إلى مرحلة الإثبات.

و خلاصة القول إن الحكم في مرحلة الثبوت يمرّ بثلاث مراحل:

الأولى: هي المصلحة المدركة «الملاك»، و قد طويت في هذه المرحلة المراحل التي سبقتها كما اتّضح مما تقدّم.

28

الثانية: الإرادة، و التي قلنا إنها تتفاوت بتفاوت مستوى المصلحة و الملاك.

الثالثة: و هي الاعتبار، و قد قلنا إنها حالة نفسانية تفترض و تعتبر الحكم- المشتمل على المصلحة و الإرادة- على عهدة المكلّف، و هي ليست أكثر من التماس كيفية تهي لغرض إبراز المطلوب بها، فهي أشبه بالكلام النفسي الذي يرتّبه المتكلّم في نفسه استعدادا لإلقائه.

هذا تمام الكلام في المرحلة الأولى للحكم و هي مرحلة الثبوت.

المرحلة الثانية:

و هي مرحلة الإثبات للحكم، و هي تبدأ من حيث تنتهي المرحلة الأولى.

و هذه المرحلة عبارة عن إبراز و إظهار الحكم الناشئ عن الملاك و الإرادة، فالمولى يبيّن في هذه المرحلة النتيجة التي رست عليها نفسه في مرحلة الثبوت و يستخدم لهذا الغرض أحد الوسائل التي يتم بها الإبراز و الإظهار مثل الجملة الإنشائية الطلبية كالأمر أو النهي أو الجملة الخبرية المسوقة لغرض الإنشاء و الطلب.

ثم إنه قد يبرز الحكم عن طريق بيان تعلّق إرادته بفعل مباشرة كأن يقول: «أريد كذا»، و قد يبرزه عن طريق الاعتبار، و المراد من الاعتبار هنا هو افتراض الفعل على عهدة المكلّف و أنّه مجعول عليه و مسئول عنه كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ (1)، فالمولى يقول: إنّ من حقه على الناس حجّ البيت، و من الواضح أنّ هذا الاعتبار يكشف عن‏

____________

(1) سورة آل عمران: 97.

29

تعلّق إرادة المولى بذلك المعتبر، إذ أنّه لا يمكن أن يعتبر شيئا على عهدة المكلّف جزافا و عبثا و دون إرادة، و بعد أن يبرز المولى إرادته مباشرة أو عبر الاعتبار يكون من حقه على العبد إطاعته و الجريان على وفق إرادته قضاء لحق المولوية، و هذا من مدركات العقل العملي حيث إنّه يدرك استقلالا لزوم طاعة المولى و ولي النعمة.

إذا اتضح كلّ ما ذكرناه يتّضح المراد من عنوان البحث و هو «مبادئ الحكم» و أنّه عبارة عن الملاك و الإرادة، و أمّا الاعتبار فهو نفس الحكم المأخوذ في العنوان و ذلك إذا افترضنا أن الاعتبار ليس شيئا آخر غير الحكم الناشئ عن الملاك و الإرادة فالملاك و الإرادة هما مبدأ الحكم و منشأ جعله و الذي يكون واسطة و سببا لإيجاب العقل امتثال مرادات المولى، و هذا يعني أن الحكم روحا هو عين الملاك و الإرادة حيث إنّهما الموضوع و الواسطة لثبوت إيجاب العقل للامتثال، فحكم العقل لوجوب الامتثال موضوعه الإرادة المولويّة. و ليس للاعتبار الإنشائي أيّ دخالة في إثبات الحكم العقلي- بوجوب الامتثال- لموضوعه و هي المرادات المولوية و لذلك لو لم يكن هناك اعتبار إنشائي و عرفنا من طريق آخر تعلّق إرادة المولى بإيجاد فعل، لحكم العقل بوجوب الطاعة و الامتثال.

مبادئ الأحكام التكليفيّة الخمسة:

و هذا البحث ليس بحثا عن الأحكام الخمسة و إنما هو بحث عن مناشئ هذه الأحكام، و من الطبيعي أن يكون هناك تناسب بين حقيقة هذه الأحكام و بين مبادئها و مناشئ جعلها.

30

و الأحكام التكليفية الخمسة: هي الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة.

أمّا الوجوب:

فناشئ عن مصلحة أوجبت تولّد إرادة بحجم تلك المصلحة التي بلغت مبلغا لا يسمح معها بالترخيص في ترك متعلقها.

و أمّا الحرمة:

فناشئة عن مفسدة شديدة أوجبت تولّد كراهة و مبغوضية بحجم تلك المفسدة التي بلغت مبلغا لا يسمح معها بالترخيص في فعل متعلق تلك المفسدة.

و أمّا الاستحباب:

فناشئ أيضا عن مصلحة في متعلقها إلّا أنّ هذه المصلحة ضعيفة و لذلك يتولّد عنها إرادة بحجمها توجب مطلوبية الفعل بمستوى لو لم يتصدّ المكلّف لإيجاده لما كان في ذلك بأس.

و أمّا الكراهة:

فكذلك تكون ناشئة عن مفسدة في متعلقها توجب تولّد مبغوضية بقدرها أي بمستوى لا يمانع المولى من ارتكابها.

و أمّا الإباحة:

فهي على قسمين:

الأولى: الإباحة بالمعنى الأخص.

و الثانية: الإباحة بالمعنى الأعم.

فالإباحة بالمعنى الأخص هي القسم الخامس من الأحكام التكليفية الخمسة و هي التي يتساوى فيها الفعل و الترك بنظر المولى، فليس له أيّ ترجيح لأحدهما على الآخر، و هذا ما يجعلها قسيما للأحكام التي سبقتها؛ و ذلك لأنّها و إن كانت تشترك معها في أنها حكم تكليفي إلا أنها لا تنطبق على أحد من تلك الأقسام، فعلاقتها معهم علاقة التباين.

و لعلّ هذا هو منشأ التعبير عنها بالإباحة بالمعنى الأخص إذ أنها

31

مختصة بمعنى لا يتداخل مع أحد من الأقسام التي سبقته.

و تنقسم الإباحة بالمعنى الأخص إلى قسمين:

الأول: الإباحة الاقتضائية

و هي المشتملة على الملاك و المصلحة في متعلقها و هذا الملاك هو السعة و التسهيل على المكلفين و سمّيت بالاقتضائية لأن الحكم بالإباحة نشأ عن مقتض و سبب و هو التسهيل على المكلّفين.

الثاني: الإباحة غير الاقتضائية

و هي الخالية عن أيّ ملاك يقتضي ترجيح الفعل أو الترك أو يقتضي جعل الإباحة، و ما ذكرناه هو التعبير الأنسب، إذ لا يخلو تعبير المصنّف من تسامح واضح، حيث إن الحديث عن الإباحة بالمعنى الأخص التي تكون دائما خالية عن أي ملاك يقتضي الإلزام فعلا أو تركا.

القسم الثاني: الإباحة بالمعنى الأعم.

و هي التي تعني عدم الإلزام بالفعل أو الترك، و لذلك فهي تنطبق مع الاستحباب و الكراهة و الإباحة بالمعنى الأخص، إذ أنها جميعا تنضوي تحت عنوان جامع هو عدم الإلزام.

و هذا النوع من الإباحة ليس قسيما للأحكام التكليفية الأربعة، نعم هو قسيم للأحكام الإلزامية التي هي الوجوب و الحرمة، و سمّيت الإباحة بالمعنى الأعم لأنها تعمّ الكراهة و الاستحباب بالإضافة إلى الإباحة بالمعنى الأخص.

التضاد بين الأحكام التكليفية:

التضاد: هو التنافي و التعاند و التباين الناشئ عن التغاير التام بين‏

32

الشيئين أو الأشياء، فإذا كان هناك أمران وجوديان بينهما تمام التغاير فإن هذا يقتضي عدم اجتماعهما على موضوع واحد، و إن أمكن ارتفاعهما عنه.

و بعبارة أخرى: إنّ كلّ عنوان بينه و بين عنوان آخر تمام المباينة و المغايرة بحيث لا يلتقي معه في أي فرد من أفراده فهو التضاد القاضي باستحالة الاجتماع، فالنسبة بين المتضادين هي نسبة التباين.

و التباين كما هو واضح ينحلّ إلى سالبتين كليتين يكون أحد الضدّين موضوعا و الآخر محمولا له و كذا العكس، مثلا الأسود و الأبيض بينهما تمام التنافي و التعاند، فهما إذن ضدان و يتولّد عن النسبة بينهما سالبتان كليتان الأولى «لا شي‏ء من الأبيض بأسود» و الثانية «لا شي‏ء من الأسود بأبيض».

فموضوع إحدى القضيّتين محمول الأخرى.

إذن كل عنوانين يتولّد عن النسبة بينهما سالبتان كليتان فهما متضادان.

إذا اتضح هذا فنقول: نحن إذا لاحظنا العلاقة و النسبة بين الأحكام لوجدنا أنها متضادة و متباينة بدليل أننا لو حلّلنا العلاقة بينهما لكانت كالعلاقة و النسبة بين السواد و البياض، فمثلا الوجوب و الحرمة لو حللنا النسبة بينهما لوجدناها تنحلّ إلى سالبتين كليتين الأولى «لا شي‏ء من الوجوب بحرمة» و الثانية «لا شي‏ء من الحرمة بوجوب»، فبينهما تمام التباين و التعاند، و هكذا ينسحب الكلام إلى سائر الأحكام، فالعلاقة بين الاستحباب و بين الوجوب و الحرمة و الإباحة و الكراهة هي التباين، و كذا العلاقة بين الكراهة و بين سائر الأحكام.

و لكن لا بدّ من الالتفات إلى شي‏ء، و هو: أن التنافي الواقع بين‏

33

الأحكام منشؤه التنافي الواقع بين ملاكات هذه الأحكام، إذ أنه لو كانت هذه الأحكام جزافية و اعتبارية محضة لما كان بينها أي تناف و تضاد.

و توضيح ذلك: لو كان الوجوب أو الحرمة أو سائر الأحكام مجرد اعتبارات محضة ليس وراءها منشأ و سبب لما كانت متضادة؛ و ذلك لأن الاعتبار كما قيل سهل المئونة إذ أنه ينشأ عن كيفية نفسانية تفترض ثبوت شي‏ء لشي‏ء دون أن يكون لذلك الافتراض واقع و مبرّر كافتراض الليل نهارا و الحجر ماء فإنه لا مانع من أن أهيئ نفسي تهيئة خاصة أجعلها تذعن أنّ الليل نهار و الحجر ماء.

و يمكن تنظير ذلك بالأطفال عند ما يلعبون مدرسة، فإنهم يعتبرون أحدهم مدرّسا و الآخر تلميذا، ثم يعكسون ذلك الاعتبار فيعتبرون الأول تلميذا و الآخر مدرّسا؛ كلّ ذلك لأنّ الاعتبار لمّا كان افتراضا جزافيا فلا محذور في عروض اعتبارين متنافيين على موضوع واحد فيمكن اعتبار هذا الماء حارا و في نفس الوقت نعتبره باردا.

و قديما قال الشاعر العربي:

فإذا نشوت فإنني ربّ الخورنق و السدير* * * و إذا صحوت فإنني ربّ الشويهة و البعير

فإنّه إذا أخذت الخمرة منه مأخذها فإنه يعتبر نفسه ملك العرب و العجم و إذا ما آب إليه رشده فهو ليس أكثر من مالك لشاة و بعير.

إذا اتضح هذا فالكلام ينسحب إلى الأحكام التكليفية، فإنها لو كانت اعتبارية محضة لما كان هناك أيّ محذور في جعل الوجوب و الحرمة على فعل واحد و في وقت واحد، و منه نعرف أن دعوى التضاد بين‏

34

الأحكام مرجعها إلى التضاد بين مبادئ تلك الأحكام من المصالح و المفاسد و المبغوضية و المحبوبية، فاستحالة اجتماع الوجوب و الحرمة منشؤه استحالة أن يكون هذا الفعل مشتملا على مصلحة تامة و مفسدة تامة و إرادة تامة و مبغوضية تامة، و كذلك الاستحباب و الوجوب فإنه يستحيل اجتماعهما لاستحالة اجتماع مبدأيهما، إذ لا يمكن أن يكون الفعل مرادا بالإرادة التامة الآبية عن الترخيص و مرادا بإرادة ناقصة لا تأبى الترخيص، و لا يمكن أن يكون الفعل ذا مصلحة شديدة و يكون ذا مصلحة ضعيفة، و هكذا سائر الأحكام في علاقاتها مع بعضها البعض.

استحالة اجتماع حكمين متسانخين على فعل واحد:

كان الكلام فيما سبق حول التضاد بين الأحكام و أنه يستحيل اجتماع حكمين متغايرين على فعل واحد، و الكلام هنا عن إمكان اجتماع حكمين متماثلين و عدم إمكانه.

فنقول: إن الأحكام لو كانت مجرّد اعتبارات محضة لما كان هناك أيّ بأس من اجتماع حكمين متماثلين على فعل واحد و ذلك لما بيّنّاه سابقا، و لكن لما كانت الأحكام اعتبارات شرعية ناشئة عن مبادئ و ملاكات في متعلقات تلك المعتبرات الشرعية، فالنتيجة تختلف عن الفرض السابق، فيكون اجتماع حكمين متسانخين من قبيل اجتماع المثلين الذي قام الدليل العقلي على استحالته؛ و ذلك لأنّ اجتماع المثلين يؤول إلى اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد، و هو مستحيل لاستحالة صدور الواحد عن كثيرين، إذ الواحد لا يصدر إلا عن واحد، فإذا قلنا إن فعلا واحدا واجب‏

35

بوجوبين فهذا يعني أن وجوب هذا الفعل نشأ عن مصلحتين مستقلتين و إرادتين مستقلّتين، و هذا مستحيل.

نعم لو كانت المصلحتان متداخلتين بحيث تشكّلان بمجموعهما مصلحة واحدة و علّة تامة، و كذلك لو كانت الإرادتان تشكّلان بمجموعهما إرادة واحدة شديدة لأمكن ذلك، و لكنّ هذا خروج عن الفرض، إذ أنّ هذا يعني عدم وجود وجوبين لهذا الفعل بل هو وجوب واحد ناشئ عن مصلحة مركّبة و إرادة واحدة مؤكدة، و هذا ما نروم إثباته إذ أنّه يمكن توارد مجموعة من المصالح تشكّل بمجموعها مصلحة واحدة تامة، و كذلك مجموعة من الرغبات و الإرادات تنتهي إلى إرادة واحدة مؤكّدة تكون هي ملاك الوجوب و تكون منتجة لوجوب واحد.

فالنتيجة هي عدم إمكان اجتماع حكمين متسانخين على فعل واحد لاستحالة اجتماع المثلين.

شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة:

ذهب الإماميّة إلى أنّ لكلّ واقعة من وقائع الحياة حكما إلهيّا يصيبه المجتهد أو يخطئه، و أنّه لا تخلو واقعة من حكم حتى «أرش الخدش» (1) كما

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 48 من أبواب ديات الأعضاء الحديث 1، و هي مرويّة عن الشيخ الكليني بسند متّصل إلى أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، و الظاهر أنّ أبا بصير في الرواية هو إمّا ليث بن البختري أو يحيى الأسدي، و ذلك لقرائن منها أنّ الإمام (عليه السّلام) قد كنّاه في الرواية بأبي محمد، و لم تذكر هذه الكنية لأحد ممّن كنّي بأبي بصير غير ابن البختري-

36

ورد عن أهل البيت (عليهم السّلام) لذلك يسمّى الإمامية «بالمخطّئة»؛ لأنّهم يقولون إنّ هناك أحكاما واقعية لكل فعل من أفعال المكلفين، نعم المجتهد في مقام بحثه عن الحكم الواقعي قد يخطئه و لا يصيبه، فيكون ما وصل إليه من حكم منافيا لما هو الواقع، هذا ما عليه الإمامية، و في مقابل هذا القول ما ذهب إليه العامة من أنّه ليس للّه تعالى في كل واقعة حكم، بل إنّ أحكام اللّه تابعة لآراء المجتهدين فيكون كلّ مجتهد مصيبا، إذ أنّه لا واقع لهذه الأحكام حتى يكون ما وصل إليه المجتهد مصيبا مع المطابقة و مخطئا مع عدم المطابقة لذلك يعبّر عنهم في عرف الأصوليّين بالمصوّبة.

و الذي يدلّ- على ما ذهب إليه الإمامية من أنّه لا تخلو واقعة من حكم- نصوص كثيرة.

منها: قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ‏ (1).

و في تفسير العيّاشي عن عبد اللّه بن الوليد قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

«قال اللّه لموسى: وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فعلمنا أنّه لم يكتب لموسى الشي‏ء كله، و قال اللّه لعيسى: لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، و قال اللّه لمحمّد (عليه و آله السلام): وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ» (2).

____________

- و الأسدي على أنّ من المحتمل تعيّن الأسدي، و على أيّ حال فالرواية معتبرة لانحصار الراوي في أحدهما.

(1) سورة النحل: 89.

(2) تفسير العيّاشي في تفسير سورة النحل، رقم الرواية 58، ج 2 ص 266.

37

الحكم الواقعي و الحكم الظاهري:

بعد أن اتضح المراد من الحكم الشرعي تعرّض المصنّف (رحمه اللّه) إلى تقسيم الحكم الشرعي و أنّه ينقسم إلى قسمين:

الأول: الحكم الواقعي:

و المراد من الحكم الواقعي هو: الحكم المجعول على موضوعه ابتداء دون أن يفترض الشك في حكم آخر لذلك الموضوع، فالمولى حينما يلحظ فعلا من أفعال المكلّفين مشتملا على مصلحة تامة، فإنه يجعل له الوجوب باعتبار أنّ ذلك الفعل مشتمل على تلك المصلحة التامة و ليس هناك واسطة لثبوت الحكم لموضوعه غير أهليّة ذلك الموضوع لأن يجعل عليه الوجوب، فمثلا «الصلاة واجبة» الوجوب في هذه القضية حكم واقعي، إذ أنه يثبت لموضوعه و هي الصلاة ابتداء و دون أن يكون لثبوته واسطة هي الشك في حكم الصلاة بل إن ثبوت الوجوب للصلاة باعتبار ما للصلاة من مصلحة تامة بنظر المولى.

و بعبارة أخرى: إنّ المولى قد يجعل الأحكام لموضوعاتها ابتداء و قد يجعلها في ظرف الشك و عدم العلم بالأحكام الحقيقية المجعولة ابتداء، فيجعل البراءة من حرمة لحم الأرنب في ظرف الشك و الجهل بالحكم الواقعي لأكل لحم الأرنب، فالأول هو ما يصطلح عليه بالحكم الواقعي.

الثاني: الحكم الظاهري:

المراد من الحكم الظاهري هو: الحكم المجعول على موضوعه مع افتراض الشك في الحكم الواقعي لذلك الموضوع، ففي موارد الجهل بحكم‏

38

موضوع من الموضوعات قد يجعل المولى حكما آخر و يقول «إذا كنت جاهلا و شاكا في الحكم الواقعي لهذا الموضوع فحكم الموضوع في هذه الحالة كذا»، فمثلا إذا كنت شاكا في حكم شرب العصير العنبي فهو لك حلال، فثبوت الحلّية للعصير العنبي إنما يكون في ظرف الشك في الحكم الواقعي لشرب العصير العنبي، و لم تثبت الحلّية له ابتداء.

و بهذا يتّضح أن الأصول العملية مثل أصالة الحلّ و الطهارة، و كذلك الأمارات الظنّية مثل خبر الثقة و الظهور هي أحكام ظاهرية؛ إذ أن حجيتها جعلت في ظرف الشك بالأحكام الواقعية، فأصالة الحل مثلا حكمت بثبوت الحلية لجميع الأشياء في ظرف الشك في الحكم الواقعي لهذه الأشياء، أمّا ما علم حكمه الواقعي فليس مشمولا لأصالة الحلّ، و كذلك أصالة الطهارة «كل شي‏ء لك طاهر حتى تعلم أنّه قذر» (1) فإنّها حكمت بطهارة الأشياء و لكن في ظرف عدم العلم بحكمها الواقعي، فلو علمنا مثلا أنّ الخنزير نجس و أن الماء طاهر واقعا، فلا يكون هذا ان الموضوعان مشمولين لأصالة الطهارة، إذ أنها إنما تجري في ظرف الشك و عدم العلم بالطهارة أو النجاسة الواقعتين، و بهذا يتّضح أنّ الأحكام الظاهرية في طول الأحكام الواقعية و متأخرة عنها، ففي كل مورد يكون الحكم الواقعي معلوما لا تصل النوبة للحكم الظاهري؛ و ذلك لأن الحكم الظاهري أخذ في موضوعه- أو ما يشابه ذلك- عدم العلم بالحكم الواقعي فمع العلم بالحكم‏

____________

(1) معتبرة عمّار بن موسى الساباطي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام)، وسائل الشيعة: الباب 37 من أبواب النجاسات الحديث 4.

39

الواقعي لا موضوع للحكم الظاهري، و من الواضح أن الأحكام تابعة لموضوعاتها ثبوتا و انتفاء.

و بعبارة أخرى: إنّ الموضوع بالنسبة إلى الحكم في رتبة العلة بالنسبة إلى معلولها، فكما أن المعلول تابع لعلّته ثبوتا و انتفاء، فكذلك الحكم تابع لموضوعه ثبوتا و انتفاء، فإذا قلنا: أكرم الرجل العالم، فإن العالم أخذ في موضوع الحكم بوجوب الإكرام، فإذا ثبتت العالمية للرجل وجب إكرامه و إذا انتفت انتفى وجوب الإكرام لانتفاء موضوعه و هو العالمية، و المقام من هذا القبيل، فالحلية الثابتة للأشياء إنما هي ثابتة لها في ظرف الشك، فكأنما المولى قال «الشي‏ء المشكوك حكمه الواقعي فهو حلال» فإذا انتفى الشك و علمنا بحكم ذلك الشي‏ء ينتفي الحكم الظاهري تبعا لانتفاء موضوعه و هو الشك، و كذا الكلام في خبر الثقة فإنّ قوله تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (1) إثبات لحجية الخبر في ظرف الشك و عدم العلم بالحكم الواقعي، فكأنما الشك و عدم العلم بالحكم الواقعي موضوع أو قل جزء موضوع لحجية مفاد الخبر، و بالتالي لو كنّا نعلم بحكم واقعي في مورد و جاء خبر الثقة على خلافه أو وفقه لما كان لهذا الخبر أيّ حجية، إذ أنّ الحجّية مجعولة له في ظرف الشك و لا شك، في المقام بحسب الفرض.

و بما ذكرنا يتضح معنى قول المصنّف «و لو لا وجود الأحكام الواقعية لما كان هناك أحكام ظاهرية»؛ و ذلك لأنّ الأحكام الواقعية بمثابة الموضوع أو جزء الموضوع للأحكام الظاهرية، و من الواضح أن الأحكام‏

____________

(1) سورة الأنبياء: 7.

40

تابعة لموضوعاتها فحينما ينعدم الموضوع أو لا يوجد لا يكون هناك حكم، فنحن حين افترضنا أنّ الشك في الحكم الواقعي هو جزء الموضوع للحكم الظاهري، فهذا يعني أنه لو لم يكن هناك حكم واقعي أصلا لما كان هناك حكم ظاهري، إذ أنه واقع في رتبة المحمول و الحكم، و هذا يقتضي وجود الموضوع أولا «و هو الحكم الواقعي».

الأمارات و الأصول:

بعد اتّضاح معنى الحكم الظاهري و أنّه الحكم المجعول في موارد الشك في الحكم الواقعي تصل النوبة إلى ما ينقسم إليه الحكم الظاهري، فإنّه ينقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل:

الحكم الظاهري في مورد الأمارات، و هذا يقتضي بيان معنى الأمارات؛ و ذلك لأنّ الأمارة غير الحكم الظاهري، إذ الحكم الظاهري هو الحجية التي تجعل للأمارة أو لا تجعل لها.

فنقول: إنّ الأمارات هي عبارة عن الأدلّة الظنيّة التي لها نحو كشف عن الواقع إلا أنّ هذا الكشف ليس تاما، فمثلا خبر الثقة أمارة و ذلك لأنّه دليل ظنّي يكشف عن الواقع كشفا ناقصا، و قلنا بأنّه ناقص لأنه لا يعطي الإراءة التامة للواقع و لا يورث القطع بالتطابق بين مفاده و الواقع بل يبقى احتمال عدم المطابقة قائما معه.

و كذا الكلام في الظهورات العرفيّة فإنّها كواشف ظنية عن مرادات المتكلمين، إذ أنه يبقى احتمال عدم إرادة هذا المعنى الظاهر للمتكلّم قائما معه،

41

و هكذا سائر الأمارات.

إذا اتضح هذا فنقول: إنّ الحكم الظاهري في مورد الأمارة هو الحجية المجعولة من الشارع على الأمارة لأماريتها.

و بعبارة أخرى هو الحكم الذي يكون موضوعه الدليل الظني الذي له نحو كاشفية- عن واقع- ناقصة، و لكن بشرط أن يكون المنشأ و الملاك من جعله هو كاشفية و دليليّة موضوعه، فجعل الحكم الظاهري- الحجية- لخبر الثقة مثلا إنّما هو لكونه دليلا و كاشفا ظنيا، فالواسطة و العلّة الوحيدة في إثبات الحكم الظاهري و الحجية للأمارة هو كونها غالبا ما تكون كاشفة عن الواقع، نعم لا يشترط لهذا الدليل الظني المجعول له الحجية أن يفيد الظن الفعلي دائما بحيث كلما قام هذا الدليل أورث الظن عند جميع أهل المحاورة بل يكفي أن يكون موجبا لحصول الظن عند نوع أهل المحاورة و غالبيتهم.

القسم الثاني:

من الأحكام الظاهرية هي: ما اصطلح عليها بالأصول العملية، و هذا النوع من الأحكام لوحظ في جعلها نوع الحكم الواقعي المشكوك، فالبراءة مثلا لوحظ في جعلها الشك في الوجوب و عدمه، و أصالة الحلّ لوحظ في جعلها الشك في الحليّة و عدمها، و أصالة الطهارة لوحظ في جعلها الشك في الطهارة و عدمها.

فلمّا كانت الأحكام الواقعية في مورد هذه الأصول مجهولة للمكلّف و لا يتمكّن من تشخيصها فحتما سيقع في مخالفة الواقع لفرض جهله بالواقع، و لمّا لم يكن هناك سبيل لرفع الجهل- و ذلك لفقد الأدلّة أو إجمالها-

42

يلاحظ المولى ما هو الأهم من هذه الأحكام في نظره فيجعل الوظيفة على طبق الحكم الأهم في نظره لغرض المحافظة عليه و إن كان سيئول إلى الوقوع في مخالفة بعض الأحكام الواقعية و لكنّ هذا حاصل على أيّ حال لفرض الجهل بالأحكام الواقعية، فالغرض من جعل الحجية لهذا النوع من الحكم دون غيره هو أهميّته على غيره من الأحكام في نظر المولى، فمثلا المولى حينما يجعل البراءة في موارد الشك في الوجوب و عدمه يكون قد لاحظ أهمية الترخيص و السعة و إطلاق العنان- للمكلّف- على الأحكام الوجوبية فهو و إن كان سيؤدي ذلك إلى الوقوع في مخالفة الواقع و ترك بعض الواجبات و لكن ذلك أهون في نظر المولى من تفويت مصلحة الترخيص و التسهيل على العباد.

و هكذا الكلام في أصالة الطهارة و أصالة الحل.

نعم قد يلاحظ المولى في مقام جعل الأصل العملي شيئا آخر بالإضافة إلى نوع الحكم المشكوك و أهميته و هو كون هذا الأصل له نحو كشف و إن كانت هذه الكاشفية ليست هي الملاك التام لجعله بل هي بالإضافة إلى نوع الحكم المشكوك و أهميته، و مثال ذلك قاعدة الفراغ- الحاكمة بصحة العمل المفروغ عنه في ظرف الشك في صحته- فإنّ منشأ جعلها شيئان كل واحد منهما يمثل جزء الملاك.

الأول: كاشفية الفراغ عن العمل على الإتيان به صحيحا، إذ غالبا ما يكون المكلف ملتفتا أثناء ممارسته لعمله، و هذا يقتضي الإتيان به على وجهه، و هذا ما يعبّر عنه بأصالة الالتفات و الأذكرية التي تشير إليها

43

الرواية الشريفة «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (1).

الثاني: كون المشكوك و هو العمل الصحيح قد تمّ الفراغ عنه، فالصحة المشكوكة التي تم الفراغ عن متعلقها «مثل الصلاة» هي المنشأ و الملاك الآخر لجعل قاعدة الفراغ إذ أن الحكم بالصحة في موارد الفراغ من العمل هو الحكم الأهم بنظر المولى و إن كان الحكم بالصحة سيؤدي للوقوع في مخالفة الواقع في بعض الأحيان إلا أن المولى قد تنازل عن ذلك لأهمية الحكم بالصحة بعد الفراغ على الحكم بالبطلان.

فإذن الملاك في جعل قاعدة الفراغ ليس هو كاشفية الفراغ عن عدم الغفلة فقط، و إلّا للزم التعبّد بأصالة عدم الغفلة و النسيان في غير موارد الفراغ، مثلا الشك في الإتيان بالصلاة في الوقت لا تجري فيه أصالة عدم النسيان و الغفلة بل لا بدّ من الاعتناء بهذا الشك و الإتيان بالصلاة.

و بهذا يتّضح أن الأصول العملية على قسمين:

الأول: الأصول العملية غير المحرزة، و هي التي لوحظ فيها نوع الحكم المشكوك و أهميّته مثل أصالة البراءة و أصالة الحل و أصالة الطهارة، و سميت بغير المحرزة لعدم وجود أيّ كشف فيها و إنما هي محض وظيفة عمليّة قرّرت للمكلّف في ظرف الشك في الحكم الواقعي.

الثاني: الأصول العملية المحرزة، و هي التي لوحظ فيها نوع الحكم و أهميته بالإضافة إلى اشتمالها على نحو من الكشف و المحرزيّة للواقع، و هذه مثل أصالة الاستصحاب و قاعدة الفراغ و تسمّى أيضا بالأصول‏

____________

(1) معتبرة بكير بن أعين، وسائل الشيعة: الباب 42 من أبواب الوضوء الحديث 7.

44

التنزيلية لأنّ لسان جعلها هو تنزيل المشكوك منزلة الواقع فمثلا قول الإمام (عليه السّلام)- في مقام جعل قاعدة التجاوز أو الفراغ- بناء على اتحادهما- «بلى قد ركعت» (1)- حينما سئل عن رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لا؟ فقوله: «بلى قد ركعت» تنزيل للمشكوك- و هو وقوع الركوع- منزلة الواقع و أنه قد ركع تعبّدا و تنزيلا.

و كذلك قول الإمام (عليه السّلام) في مقام جعل الاستصحاب في مورد الشك في انتقاض الوضوء بعد اليقين به «فإنّه على يقين من وضوئه» (2)، فإنه نزّل الوضوء المشكوك منزلة الوضوء المتيقّن.

إذن الأصول العملية التنزيلية هي ما كان لسان جعلها تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن.

اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري:

قلنا في بحث التضاد بين الأحكام التكليفيّة إنّ العلاقة بين هذه الأحكام هي علاقة التضاد، فلذلك يستحيل اجتماع حكمين متغايرين من هذه الأحكام على موضوع واحد، و ذلك لاستحالة اجتماع الضدّين، و قلنا أيضا باستحالة اجتماع حكمين متسانخين على موضوع واحد كاجتماع وجوبين على فعل واحد، و ذلك لاستحالة اجتماع المثلين، و من هنا نواجه مشكلة في كيفيّة الجمع بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري، إذ أنّ كلا

____________

(1) وسائل الشيعة: الباب 13 من أبواب الركوع الحديث 3، معتبرة الفضيل بن يسار.

(2) وسائل الشيعة: الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 1، معتبرة زرارة بن أعين.

45

الحكمين يعرضان موضوعا واحدا، فمثلا لو كان الحكم الواقعي «لأكل لحم الأرنب» هو الحليّة و كان الحكم الظاهري لأكل لحم الأرنب هو الحرمة بمقتضى خبر الثقة مثلا، فهذا يعني اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد و هو أكل لحم الأرنب، و كذلك لو كان الحكم الواقعي للعصير التمري هو الحليّة، و كان الحكم الظاهري- بمقتضى أصالة الحل- هو الحليّة أيضا، فهذا يعني اجتماع حكمين متماثلين على موضوع واحد و هو مستحيل كما قلنا لاستحالة اجتماع المثلين.

و علاج هذه المشكلة يتّضح بما بيّنّاه من معنى الحكم الواقعي و الحكم الظاهري، حيث قلنا هناك إنّ الحكم الظاهري إنما هو في طول الحكم الواقعي و متأخّر عنه تأخر الحكم عن موضوعه، فليس للحكم الظاهري وجود مع العلم بالحكم الواقعي إذ أنّ عدم العلم بالحكم الواقعي مأخوذ في موضوع الحكم الظاهري، و مع إحراز الحكم الواقعي لا موضوع للحكم الظاهري، و بالتالي لا وجود للحكم الظاهري، إذ أن الأحكام كما قلنا تابعة لموضوعاتها وجودا و عدما، أما مع عدم العلم بالحكم الواقعي، فالحكم الظاهري موجود و متحقق لوجود موضوعه إلّا أنّ هذا لا يلزم منه محذور اجتماع الضدين أو المثلين؛ و ذلك لأنه و إن كان هناك حكمان قد عرضا على موضوع واحد و لكن لمّا لم يكونا من طبيعة واحدة و في عرض واحد فلا مانع من اجتماعهما بعد أن كان أحدهما واقعيّا و الآخر ظاهريّا.

و يمكن تنظير ذلك- للتوضيح فقط- بالأحكام الأوليّة و الأحكام الثانوية، فأكل الميتة مثلا حرام بالحكم الأولي و لكنّه حلال بالحكم الثانوي أي في ظرف الاضطرار، فأكل الميتة صار معروضا لحكمين و هما الحرمة

46

و الحليّة و ليس هذا من التضاد المستحيل؛ و ذلك لأن الحرمة من سنخ الأحكام الأولية و الحلية من سنخ الأحكام الثانوية.

و بعبارة أخرى يشترط في تحقق التضاد بين الأشياء أن تكون من طبيعة و حيثيّة واحدة، أما إذا كانت من طبائع و حيثيّات مختلفة فلا محذور في الاجتماع و لا يكون من اجتماع الضدين أو المثلين و نذكر لذلك مثالا- توضيحيّا و ليس دقيقا- و هو «إن زيدا قويّ النفس و ضعيف البدن» فزيد صار موضوعا لعنوانين و هما الضعف و القوة و ليس في هذا محذور إذ أنه ليس من التضاد المستحيل بعد أن كان العنوانان من طبيعتين مختلفتين.

القضية الحقيقة و القضية الخارجية:

القضيّة الحمليّة هي كل موضوع ثبت له حكم و يمكن تقسيمها باعتبار طبيعة موضوعها إلى ثلاثة أقسام:

الأول: القضايا الذهنية و هي ما كان موضوعها ذهنيّا و ليس لها ما بإزاء في الخارج مثل الضدين لا يجتمعان، و اجتماع النقيضين مستحيل، فإنّ موضوع هاتين القضيتين ذهني، و هذا خارج عن محل الكلام.

الثاني: القضايا الخارجيّة و هي ما كان موضوعها موجود في الخارج فعلا بحيث يمكن الإشارة إليه.

و بعبارة أخرى: القضايا الخارجيّة هي ما كانت موضوعاتها موجودة في الخارج حين إنشاء القضية و تأليفها و هذا يستدعي إحراز المؤلّف للقضية الخارجية للموضوع و أنّه موجود فعلا، و من ثمّ يجعل عليه الحكم، و مثال ذلك أن يقال: «إنّ عدد المسلمين أقلّ من عدد الكفّار في‏

47

هذه الأيام» فإنّ المؤلّف لهذه القضية أحصى أولا عدد المسلمين و نسبهم إلى عدد الكفّار ثم جعل الحكم على هذا الموضوع المحقق الوجود حين تأليف القضية.

الثالث: القضايا الحقيقية، و هي ما كانت موضوعاتها مقدّرة الوجود بمعنى أنه لا يلزم إحراز موضوع القضية الحقيقية خارجا حين تأليف القضية بل يكفي تقديره، و هذا لا يعني كون أفراد الموضوع بأكملها مقدّرة الوجود إذ لا مانع من كون بعض الأفراد متحققا في الخارج إذ أنّ المناط في صدق القضية الحقيقية أن المؤلّف ليس له أي نظر إلى الموضوع من حيث تحققه في الخارج أو عدم تحققه، و إنما يفترضه افتراضا و يجعل الحكم عليه، و مثال ذلك «الفقراء يستحقون العطف» فإنّ موضوع هذه القضية «و هو الفقراء» افترض محقق الوجود و من ثمّ جعل عليه الحكم و هو استحقاق العطف، و هذه القضية صادقة حتى لو لم يكن هناك أيّ فقير في الخارج، إذ أنّ الموضوع في هذه القضية هو المقدّر الموجود، فكلّما وجد فقير في الخارج فهو مشمول للحكم و هو استحقاق العطف.

إذا اتضح هذا فنقول: إن الأحكام الشرعية قد تجعل على نهج القضية الخارجيّة و قد تجعل على نهج القضية الحقيقية، و مثال جعل الحكم على نهج القضية الخارجية أن يلاحظ المولى جيرانه و يشخّصهم و يحصيهم ثم يأمر عبده بإكرامهم فيقول: «أكرم جيراني»، فهذا الحكم و هو وجوب الإكرام قد جعل على موضوع متحقق الوجود خارجا، إذ أنّ المولى بعد أن لاحظ الجيران و أحصاهم و أحرز وجودهم حكم بوجوب إكرامهم، فهذه القضية في قوة تعداد أسماء الجيران و الحكم بوجوب إكرامهم، فكأنّما المولى‏

48

قال «جاري زيد أكرمه» و «جاري عمرو أكرمه» و «جاري صالح أكرمه» فهي تنحلّ إلى قضايا بعدد أفراد الجيران، فلو كان الجيران خمسة فعندنا في الواقع خمس قضايا، موضوع كل قضيّة فرد من أفراد الجيران و محمولها وجوب الإكرام.

و مثال جعل الحكم على نهج القضية الحقيقية أن يقدّر المولى موضوعا مثل العلماء ثم يحكم بوجوب إكرامهم فيقول: «أكرم العلماء»، فإنّ موضوع هذه القضية «و هو العلماء» مقدّر الوجود بغضّ النظر عن وجود بعض أفراده أو عدم وجوده، و هذه القضية تنحلّ أيضا إلى قضايا موضوعها فرد من أفراد العلماء إلّا أنّ هذا الفرد الذي ينحلّ إليه الموضوع العام هو الأعم من المتحقّق و المقدّر الوجود فلا يكون لهذه القضية حصر لأفراد مخصوصة بل إنّه كلّما وجد فرد من الموضوع فإنّه يشكّل قضية يكون هو موضوعها و يكون محمولها وجوب الإكرام.

إذن الثمرة المترتبة على الفرق بين القضيّتين الحقيقية و الخارجية هي أنه إذا جعل الحكم على نهج القضية الحقيقية فإنّه بالإمكان ترتيب الحكم حتى على الأفراد المعدومة في زمن تأليف القضية، فلنا أن نتمسّك بالقضية لإثبات الحكم للأفراد التي تجدّدت بعد تأليف القضية فنحكم بوجوب الإكرام لأفراد العلماء الذين وجدوا بعد هذا الخطاب، و هذا بخلاف الحكم على نهج القضية الخارجية فإنّه لا يمكن التعدّي من أفراد موضوعها إلى أفراد أخرى تجدّدت بعد تأليف القضية الخارجية، فلو اتّفق تحقق جار جديد في مثالنا لما أمكن أن نتمسّك بالقضية الخارجية لإثبات وجوب إكرامه إذ أنّه لم يقع موضوعا لتلك القضية.

49

تنويع البحث‏

و البحث في المقام عن فهرسة و تبويب المباحث الأصولية التي سيتعرّض لها المصنّف في الكتاب، و قد طرح المصنّف هنا طريقة جديدة غير التي اعتاد عليها الأصوليّون في تبويب علم الأصول، حيث إنهم بعد بيان المبادئ التصوّرية لهذا العلم- من بيان تعريفه و بيان موضوعه و فائدته- يشرعون في مباحث الألفاظ كبحث المشتق و الأوامر و المفاهيم و العام و الخاص و الإطلاق و التقييد.

و بعد أن ينتهوا من بيان تمام مباحث الألفاظ يشرعون في مباحث القطع كحجية القطع و أقسامه و بحث الموافقة الالتزامية و بحث التجرّي و هكذا.

و بعد الانتهاء من هذه البحوث يشرعون في مباحث الظنون كالبحث عن حجية الظواهر و خبر الواحد و السيرة المتشرعيّة و العقلائية و الإجماع المنقول بخبر الواحد.

ثم يدخلون في مباحث الشك و هي الأصول العملية، مثل البراءة و الاشتغال و الاستصحاب و التخيير.

و بعد الانتهاء من كل ذلك يبحثون في الخاتمة عن تعارض الأدلة «التعادل و التراجيح» و هذا البحث يتكفّل بمعالجة الأدلّة المتعارضة مثل كيفية معالجة التعارض بين الخبرين الموثّقين.

50

إلّا أنّ المصنّف (رحمه اللّه) قد عدل عن هذا التبويب؛ لأنه إنما يناسب كون علم الأصول علما مستقلا كسائر العلوم، في حين أن علم الأصول هو علم أصول الفقه فلا بدّ إذن من أن يساير هذا العلم الفقيه في المراحل و الخطوات التي يسير على طبقها في مقام استنباطه للأحكام الشرعية من أدلتها، فالفقيه عند ما يريد أن يستنبط حكما يبحث أولا عن الأدلة التي لها كشف عن الحكم الشرعي، فإذا تعذّر عليه الحصول على الدليل الكاشف عن الحكم الشرعي لجأ إلى الأدلة التي تحدّد الوظيفة العمليّة للجاهل بالأحكام الواقعية و هي المعبّر عنها بالأصول العملية، و باعتبار أن هذا العلم قد جعل لغرض تبيين الوسائل التي يستفيد منها الفقيه في عملية الاستنباط للحكم الشرعي فلا بدّ من أن تبوّب هذه الوسائل بطريقة تناسب المراحل التي يمرّ عليها الفقيه في عملية الاستنباط.

فهذا هو المبرّر لابتكار تبويب جديد لعلم الأصول.

إذا اتّضح هذا فلنشرع في بيان هذا التبويب الذي اختاره المصنّف، فنقول: إن العناصر المشتركة و الأدلة العامة- التي يمكن الاستفادة منها في استنباط كثير من الأحكام الشرعيّة من مختلف الأبواب الفقهيّة- يمكن تصنيفها إلى قسمين:

القسم الأوّل:

هي الأدلة التي يكون منشأ جعلها الكشف عن الأحكام الشرعية و هي الأدلة الظنية المعبّر عنها بالأمارات كخبر الثقة و الظهورات العرفية في بحثيها:

الصغروي: و هي التي يبحث فيها عمّا هو ظاهر و ما هو غير ظاهر كالبحث عن ظهور صيغة الأمر في الوجوب و هذه هي التي يعبّر عنها علماء

51

الأصول بمباحث الألفاظ.

و الكبروي: و هو البحث عن حجية هذا الظهور بعد تحقق الظهور، فكلا هذين البحثين يبحثان تحت عنوان القسم الأوّل و الذي اصطلح عليه بالأدلّة المحرزة لكونها بصغراها و كبراها مما يحرز بها الحكم و يستكشف.

القسم الثاني:

و هي الأدلّة العامّة التي جعلت لغرض تحديد الوظيفة العملية في ظرف الشك و الجهل بالحكم الشرعي و هي المعبّر عنها بالأصول العملية مثل البراءة و الاستصحاب.

و كلا هذين القسمين يمثّلان مجموع الأدلة العامة و العناصر المشتركة، فكلما يحتاجه الفقيه في عملية الاستنباط لا يخرج عن أحد هذين القسمين، إلّا أنّ الفقيه يبدأ في عملية الاستنباط بالبحث عن الأدلّة العامة من القسم الأول، فإن وجد ما يمكن أن يعتمد عليه لإثبات الحكم الشرعي اكتفى به و لم ينظر إلى القسم الثاني ليحدّد به الوظيفة العملية إذ لا تصل النوبة إليه إلّا بعد فقدان القسم الأوّل من الأدلة، و هذا ما سيتم إثباته في مباحث لا حقة إن شاء اللّه.

و من هذا يتّضح أنّ الفقيه لو لم يجد- ما يعتمد عليه في عملية الاستنباط- دليلا من القسم الأوّل يلجأ إلى الأدلّة من القسم الثاني لغرض تحديد الوظيفة العملية.

و بعد اتضاح الترتّب المرحلي في الأدلّة العامّة و العناصر المشتركة نقول: إنّ المصنّف (رحمه اللّه) سار على وفق هذا الترتيب في تبويبه لمباحث الأصول، فأولا يقع البحث عن الأدلة المحرزة، ثم عن الأصول العملية، و بعد بحث هذين النوعين من الأدلة العامة يقع البحث عن التعارض،

52

و مبرّر جعل هذا البحث في خاتمة المباحث الأصولية أنّ الفقيه بعد تحديد الأدلّة العامة بقسميها يواجه في بعض الأحيان مشكلة و هي تعارض هذه الأدلّة، فلا بدّ من البحث عن كيفية علاج هذه المشكلة.

و التعارض بين هذه الأدلّة على أنحاء، فقد يكون التعارض بين دليلين من القسم الأول كالتعارض بين خبر ثقة و ظهور آية، أو بين دليلين من القسم الثاني كالتعارض بين أصالة البراءة و أصالة الاستصحاب.

فلا بدّ للفقيه من معالجة هذه المشكلة، و من الواضح أن هذه المشكلة لا تواجه الفقيه إلا بعد تحديد الأدلة و تنقيحها، لذلك جعلها المصنّف (رحمه اللّه) في خاتمة المباحث الأصولية.

إذن فالطريقة التي سوف يسير عليها المصنّف (رحمه اللّه) في عرضه لمباحث الأصول يمكن إجمالها في بحثين و خاتمة.

الأوّل: البحث عن الأدلّة المحرزة.

الثاني: البحث عن الأصول العمليّة.

و الخاتمة: في علاج التعارض بين الأدلّة.

إلّا أن المصنّف (رحمه اللّه)- و قبل الشروع في عرض هذه المباحث- قدّم مقدّمة بحث فيها عن حجيّة القطع، و قبل بيان المبرّر لذلك لا بدّ من إجمال معنى حجية القطع و إن كان سيقع الحديث عنه مفصلا فيما بعد.

المراد من القطع هو: الانكشاف التام الذي لا يبقى معه أي احتمال للخلاف.

و بعبارة أخرى: القطع هو: العلم و وضوح الرؤية لمتعلقه، فمعنى القطع بوقوع حادثة معيّنة- التي هي متعلّق القطع- أن وقوع هذه الحادثة

53

محل جزم و يقين للقاطع بها بحيث لا يحتمل- و لو بمستوى ضئيل- أنّها لم تقع.

و أما معنى الحجية فهي: المنجّزيّة و المعذّريّة.

و المراد من المنجزيّة هو: جعل المسئولية على عهدة المكلّف تجاه المقطوع به، بحيث يكون المكلّف ملزما بامتثاله و للمولى أن يعاقبه إذا خالف، و يحتجّ عليه بقطعه.

و أما المراد من المعذريّة فهي: نفي المسئولية عن المكلّف لو اتفق مخالفة قطعه للواقع، فلو قطع بالإباحة و اتفق أنّ الواقع هو الحرمة لما صحّ عقابه و إدانته و كان له أن يحتج لنفسه على المولى بكونه قاطعا بالإباحة.

إذا اتضح ما أردنا إجماله من معنى (القطع) و معنى (حجيّته) نصل لبيان المبرّر من تصدير المصنّف (رحمه اللّه) هذه المباحث بالبحث حول حجية القطع.

فنقول: إن حجيّة القطع هو المرجع الذي تؤول إليه حجية الأدلّة العامة و العناصر المشتركة سواء كانت من قبيل الأدلّة المحرزة أو من قبيل الأصول العملية، و كذلك هو المرجع في تشخيص موضوعات هذه الأدلّة إذ أنه لا بدّ من أن نحرز و نقطع أن هذا ظاهر مثلا و أن هذا خبر ثقة و أن موضوع البراءة- و هو الشك- متحقق.

و بدون القطع بحجية هذا الدليل أو ذاك لا يمكن التعويل عليه و جعله واسطة في إثبات الأحكام الشرعية إذ أنّ الدليل لا يكون حجة إلا إذا قام الدليل القطعي على حجيّته، و كذلك الكلام في تشخيص موضوعات هذه الأدلّة فإنه لا بدّ من القطع بتحقق الموضوع لكي نتمكّن من ترتيب الحكم‏

54

عليه.

فإذا كان للقطع هذه الأهمية فلا بدّ من تحريره و بيان حجيّته في مرحلة سابقة عن بحث الأدلة العامة و العناصر المشتركة التي نستعملها كوسائل لإثبات الأحكام الشرعية إذ أنّ هذه الأدلّة لمّا كانت ظنية فهي تحتاج لإثبات دليليتها و حجّيتها إلى مثبت قطعي و إلّا تعذّر إثبات دليليتها إذ أنّ الاستدلال على القضايا الظنية بما هو ظني يلزم منه التسلسل المستحيل.

و بهذا يتّضح المبرّر من تصدير المصنّف المباحث الثلاثة ببحث حجّية القطع.