شرح الحلقة الأولى

- ناجي طالب‏ آل فقيه العاملي المزيد...
193 /
3

إهداء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

يا إلهي و ربي يا عليما بضرّي و فاقتي يا موضع أملي و منتهى رغبتي بعينك أي ربّ و تقربا إليك بذلت هذا الجهد المتواضع في كتابة الحلقات الثلاث لتكون عونا للسائرين في طريق دراسة شريعتك و المتفقهين في دينك فان وسعته برحمتك و قبولك و أنت الذي وسعت رحمتك كل شي‏ء فإني أتوسل إليك يا خير من دعاه داع و أفضل من رجاه راج أن توصل ثواب ذلك هدية مني إلى ولدي البار و ابني العزيز السيد عبد الغني الأردبيلي‏ (1) الذي فجعت به و أنا على و شك الانتهاء من كتابة هذه الحلقات، فلقد كان له (قدّس اللّه روحه الطاهرة) الدور البليغ في حثّي على كتابتها و اخراجها في أسرع وقت و كانت نفسه الكبيرة و شبابه الطاهر- الذي لم يعرف مللا و لا كللا في خدمة اللّه و الحقّ- الطاقة التي أمدّتني و أنا في شبه شيخوخة متهدمة الجوانب بالعزيمة على أن أنجز جلّ هذه الحلقات في شهرين من الزمن و كان يحثني باستمرار على الإسراع لكي يدشّن تدريسها في حوزته الفتية التي انشأها بنفسه و غذّاها من روحه في موطن آبائه الكرام و خطّط لكي تكون حوزة نموذجية في دراستها و كل جوانبها الخلقيّة و الروحية. و لكنك يا رب دعوته فجأة

____________

(1) يقصد المصنف بذلك الفقيد العزيز العلامة الجليل حجة الاسلام السيد عبد الغني نجل سماحة آية اللّه السيد أحمد الأردبيلي أحد عيون تلامذته تقوى و نبلا و فضلا و قد تربّى على يده قرابة عشرين عاما و هاجر الى اردبيل و أسس هناك حوزة جليلة و كان له دور كبير في حثّ السيد المصنف على انجاز هذه الحلقات كما كان من أعز ابنائه عليه و أحبهم اليه و قد فجع بوفاته اخيرا إذ توفي في اليوم الثامن و العشرين من رجب 1397 ه فإنا للّه و إنا إليه راجعون‏

4

إليك فاستجاب طائعا، و و اللّه ما عرفته خلال العشرين عاما التي تتلمذ فيها عليّ و ترعرع إلى جنبي إلّا سريعا إلى إجابتك نشطا في طاعتك لا يتردّد و لا يلين و لا يتوقف و لا يتلكّأ، و و اللّه ما رأيته طيلة هذه المدة غضب لنفسه، و ما أكثر ما رأيته يغضب لك و ينسى ذاته من أجلك. أي رب إني إذا كنت قد عجزت عن مكافأة هذا الولد البارّ الذي كان بالنسبة لي و بالنسبة إلى ابيه معا مثالا فريدا للولد المخلص الذي لا يتردد في الطاعة و التضحية و الفداء، و إذا كنت قد فجعت به و أنا في قمة الاعتزاز به و بما تجسّدت فيه من عناصر النبل و الشهامة و الوفاء و الايثار و ما تكاملت فيه من خصال التقوى و الفضل و الايمان و إذا كان القدر الذي لا رادّ له قد أطفأ في لحظة أملي في أن يمتدّ بعد وفاتي و أعيش في قلوب بارة كقلبه و في حياة نابضة بالخير كحياته فاني أتوسل إليك يا ربي بعد حمدك في كل يسر و عسر أن تتلقاه بعظيم لطفك و تحشره مع الصدّيقين من عبادك الصالحين و حسن أولئك رفيقا و ان لا تحرمه من قربي و لا تحرمني من رؤيته بعد وفاته و وفاتي بعد أن حرمت من ذلك في حياته، و أرجو أن لا يكون انتظاري طويلا للاجتماع به في مستقر رحمتك.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين‏

5

توضيحات لا بدّ منها

بحث كتبه سماحته مقدمة للحلقات الثلاث جميعا لتوضيح الأسباب التي دعت إلى وضعها و ما لوحظ فيها من خصائص و بعض الارشادات في مجال تدريسها.

6

نمايش تصوير

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و بعد،

فان الدراسات العلمية لعلم أصول الفقه تمرّ في مناهج الحوزة عادة بمرحلتين، احداهما: تمهيدية و هي ما تسمى بمرحلة السطح، و الأخرى: المرحلة العالية و هي ما تسمى بمرحلة الخارج. و تتخذ هذه الدراسة في مرحلتها التمهيدية أسلوب البحث في كتب معينة مؤلفة في ذلك العلم يدرسها الطالب على أيدي الأساتذة الأكفّاء ليتهيّأ من خلال ذلك لحضور أبحاث الخارج. و قد جرى العرف العام في حوزاتنا جميعا على اختيار المعالم و القوانين و الرسائل و الكفاية كتبا دراسية للمرحلة المذكورة، و هذا عرف جرت عليه مناهج الحوزة منذ اكثر من نصف قرن و لم يطرأ تغيير ملحوظ باستثناء تضاؤل دور كتاب القوانين من بين هذه الكتب الأربعة ككتاب دراسي بالتدريج، و انصراف عدد كبير من الطلبة في الفترة الأخيرة عن دراسته، و استبداله بكتاب أصول الفقه كحلقة وسيطة بين المعالم و كتابي الرسائل و الكفاية.

و الحقيقة أن الكتب الأربعة المتقدمة الذكر لها مقامها العلمي، و هي على العموم تعتبر حسب مراحلها التاريخية كتبا تجديدية ساهمت إلى درجة كبيرة في تطوير الفكر العلمي الأصولي على اختلاف درجاتها في هذه المساهمة، و قد يكون اختيار هذه الكتب الأربعة كتبا دراسية نتيجة عامل مشترك و هو ما أثاره كل واحد منها عند صدوره من شعور عميق لدى العلماء بأهميته العلمية و ما اشتمل عليه من أفكار و نكات، هذا اضافة إلى ما تميزت به بعض تلك الكتب من إيجاز للمطالب و ضغط في العبارة كالكفاية مثلا.

8

و قد أدت هذه الكتب الأربعة- مشكورة- دورا جليلا في هذا المضمار، و تخرّج من حلقاتها الدراسية خلال نصف قرن الآلاف من الطلبة الذين وجدوا فيها سلّمهم إلى أبحاث الخارج. و لا يسعنا في هذا المجال إلا أن نستشعر- بعمق- ما لأصحاب هذه الكتب الأبرار (قدّس اللّه أسرارهم الزكية) من فضل عظيم على الحوزة و مسيرتها العلمية، و من جميل لا يمكن أن ينساه أي شخص عاش على موائد تلك الأفكار الحافلة و نهل من نمير علومها، و نحن إذ نقول هذا نبتهل إلى المولى سبحانه أن يتغمّد مؤلفي هذه الكتب من علمائنا الأعلام بعظيم رحمته، و يثيبهم بأفضل ثواب المحسنين.

غير أن هذا لا يحول دون أن نحاول تطوير الكتب الدراسية و تحسينها إذا وجدت مبررات تدعو إلى ذلك و أمكن وضع كتب دراسية أكثر قدرة على أداء دورها العلمي في تنمية الطالب و إعداده للمرحلة العليا.

و قد كنا منذ زمن نجد أكثر من سبب يدعو إلى التفكير في استبدال هذه الكتب بكتب أخرى في مجال التدريس، لها مناهج الكتب الدراسية بحق و اساليبها في التعبير و شرائطها.

و مبررات التفكير في هذا الاستبدال و إن كانت عديدة و لكن يمكن اختصارها في مبررات أساسية محددة كما يلي:

* المبرر الأول: ان هذه الكتب الأربعة تمثل مراحل مختلفة من الفكر الأصولي، فالمعالم تعبّر عن مرحلة قديمة تاريخيا من علم الأصول، و القوانين تمثّل مرحلة خطاها علم الأصول و اجتازها إلى مرحلة أعلى على يد الشيخ الأنصاري و غيره من الأعلام، و الرسائل و الكفاية نفسهما نتاج أصولي يعود لما قبل مائة سنة تقريبا و قد حصل علم الأصول بعد الرسائل و الكفاية على خبرة مائة سنة تقريبا من البحث و التحقيق على يد أجيال متعاقبة من العلماء المجددين، و خبرة ما يقارب مائة سنة من البحث العلمي الأصولي جديرة بأن تأتي بأفكار جديدة كثيرة و تطور طريقة البحث في جملة من المسائل و تستحدث مصطلحات لم تكن تبعا لما تكوّن من مسالك و مبان، و من الضروري ان تنال الكتب الدراسية حظا مناسبا لها

9

من هذه الأفكار و التطورات و المصطلحات لئلا يفاجأ بها الطالب في بحث الخارج دون سابق إعداد.

و هكذا يوجد الآن فاصل معنوي كبير بين محتويات الكتب الدراسية الأربعة و بين أبحاث الخارج، فبينما بحث الخارج يمثل حصيلة المائة عامة الأخيرة من التفكير و التحقيق و يعبر بقدر ما يتاح للأستاذ من قدرة عن ذروة تلك الحصيلة، نجد أن كتب السطح تمثل في أقربها عهدا الصورة العامة لعلم الأصول قبل قرابة مائة عامة ساكتة عن كل ما استجد خلال هذه الفترة من أفكار و مصطلحات. و نذكر على سبيل المثال ما استجدّ من مطالب مثل: أفكار باب التزاحم، و ما أشاده الميرزا من مسلك جعل الطريقية بتعميقاته و تفريعاته في مسائل قيام الامارات مقام القطع الموضوعي و حكومة الامارات على الأصول و رفع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بجعل الحجية، و فكرة جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية بآثارها الممتدة في كثير من أبحاث علم الأصول كبحث الواجب المشروط و الشرط المتأخر و الواجب المعلق و أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم، و الوجه الجديد لبحث المعاني الحرفية الذي يختلف اختلافا أساسيا عن الصورة الغريبة التي تخلقها آراء صاحب الكفاية في ذهن الطالب.

فإن هذه المطالب و غيرها مما أصبحت تشكل محاور للفكر الأصولي الحديث هي نتاج الفترة المتأخرة الذي يظل طالب السطوح جاهلا بها تماما إلى أن يواجه أبحاث الخارج و هو لا يملك تصورات ابتدائية أو وسطى عن تلك المطالب.

فالطالب حينما يتسلل من كتب السطح إلى درس الخارج كأنه يكلف بطفرة و بأن يقطع في لحظة مسافة لم يقطعها علم الأصول خلال تطوره التدريجي إلّا في مائة عام.

و كأن اختيار الكتب الدراسية من مراحل مختلفة للفكر الأصولي نشأ من الشعور بلزوم التدرج في الكتب الدراسية من الأبسط إلى الأعمق، و لما كان علم الأصول في وضعه على عهد صاحب المعالم أبسط منه في عهد صاحب القوانين.

و في هذا العهد أبسط منه في عهد الرسائل و الكفاية، فقد لوحظ أن هذا يحقق‏

10

التدرج المطلوب إذا جعل الكتاب الدراسي الأول نتاج مرحلة قديمة من علم الأصول و ما يتلوه نتاج مرحلة متأخرة و هكذا.

و هذا الشعور يشتمل على حقيقة و على خطأ.

أما الحقيقة فهي لزوم التدرج في الكتب الدراسية من الأبسط إلى الأعمق، و أما الخطأ فهو ان هذا التدرج لا ينبغي أن يكون منتزعا من تاريخ علم الأصول و معبرا عما مرّ به هذا العلم نفسه من تدرج خلال نموه، لأن هذا يكلف الطالب أن يصرف وقتا كثيرا في مطالب و أفكار لم يعد لها موضع في العلم بحسب وضعه الفعلي، و انما الوضع الصحيح في الكتب الدراسية الذي يشتمل على التدرج المطلوب هو أن تتجه هذه الكتب جميعا على اختلاف مراحلها الدراسية لعرض آخر ما وصل اليه العلم من أفكار و تحقيقات و مصطلحات، و لكن بدرجات من العرض تختلف من ناحية الكم أو الكيف أو من الناحيتين معا، و الاختلاف في الكم يعني التفاوت في المقدار المعطى من الأفكار، فبدلا عن استعراض خمسة اعتراضات على الاستدلال بآية النبأ مثلا يبدأ في الحلقة الأولى باعتراض أو اعتراضين ثم يستعرض عدد أكبر من الاعتراضات في حلقة تالية، و الاختلاف في الكيف يعني التفاوت في درجة عمق ما يطرح من فكرة، فحينما يراد الحديث عن مسلك جعل الطريقية مثلا يعرض في حلقة ابتدائية عرضا ساذجا بدون تعميق ثم يعمق في حلقة لا حقة، فيعرض على نحو يميز فيه بين التنزيل و الاعتبار، و قد يعرض في حلقة أخرى حينئذ على نحو المقارنة بين هذين النحوين في النتائج و الآثار.

* المبرر الثاني: ان الكتب الأربعة السالفة الذكر- على الرغم من انها استعملت ككتب دراسية منذ أكثر من خمسين عاما- لم تؤلّف من قبل أصحابها لهذا الهدف، و انما ألّفت لكي تعبّر عن آراء المؤلف و أفكاره في المسائل الأصولية المختلفة، و فرق كبير بين كتاب يضعه مؤلفه لكي يكون كتابا دراسيا و كتاب يؤلفه ليعبر فيه عن أعمق و أرسخ ما وصل اليه من افكار و تحقيقات، لأن المؤلف في الحالة الأولى يضع نصب عينيه الطالب المبتدئ الذي يسير خطوة فخطوة في‏

11

طريق التعرف على كنوز هذا العلم و أسراره، و أما في الحالة الثانية فيضع المؤلف في تصوره شخصا نظيرا له مكتملا من الناحية العلمية و يحاول أن يشرح له وجهة نظره و يقنعه بها قدر ما يتاح له من وسائل الاقناع العلمي. و من الواضح أن كتابا يوضع بهذا الاعتبار لا يصلح أن يكون كتابا دراسيا مهما كانت قيمته العلمية و إبداعه الفكري، و من أجل ذلك كانت الكتب الدراسية المتقدمة الذكر غير صالحة للقيام بهذا الدور على جلالة قدرها العلمي لأنها ألّفت للعلماء و الناجزين لا للمبتدئين و السائرين. فمن هنا لم يحرص في هذه الكتب و أمثالها من الكتب العلمية المؤلفة للعلماء على ابراز كل خطوات الاستدلال و حلقات التفكير في المسألة الواحدة، فقد تحذف بعض الحلقات في الأثناء أو البداية لوضوحها لدى العالم، غير أن الصورة حينئذ تصبح غير واضحة في ذهن الطالب و على سبيل المثال لتوضيح الفكرة نذكر انه بحث في التعبدي و التوصلي عن استحالة أخذ قصد الامتثال في متعلق الأمر، و فرع عليه أن التعبدي لا يتميز عن التوصلي في مرحلة الأمر بل في مرحلة الغرض إذ لا يستوفى غرضه إلّا بقصد الامتثال، و استنتج من ذلك عدم امكان التمسك باطلاق الأمر لاثبات كون الواجب توصليا، و هذا لا يصلح أن يكون بيانا مدرسيا لأن البيان المدرسي بحاجة- لتكميل الصورة في ذهن الطالب- إلى اضافة عنصرين آخرين تركا لوضوحهما احدهما أن قصد الامتثال إذا كان بالامكان أخذه في متعلق الأمر فحاله حال سائر القيود يمكن نفيه باطلاق الأمر، و الآخر ان الخطاب و الدليل مدلوله الأمر و الحكم لا الملاك و الغرض و ان استكشاف اطلاق الغرض دائما انما يتم عن طريق استكشاف اطلاق متعلق الأمر مع افتراض التطابق بين متعلق الأمر و متعلق الغرض فحيث لا يتبرهن هذا الافتراض لا يمكن الاستكشاف المذكور.

و مثال آخر من باب التزاحم فان جلّ أحكام هذا الباب مبنيّة على أخذ القدرة شرطا في التكليف و عدم كونه دخيلا في الادانة و المنجزية فقط، بينما هذا المطلب لم يبحث بصورة مباشرة، و لم يوضح الربط المذكور بل بقي مستترا.

و أيضا أبرزت كيفية دلالة المطلق على الاطلاق بصورة مباشرة، بينما لم تبرز كيفية دلالة المقيّد على أخذ القيد في الموضوع كذلك و إنما بحث ذلك ضمنا خلال‏

12

بحث حمل المطلق على المقيد و كيفية علاج التعارض بينهما.

و من هنا لم يراع فيها ايضا ما يجب أن يراعى في الكتب الدراسية من التدرج في عرض الأفكار من البسيط إلى المعقّد و من الأسبق رتبة إلى المتأخر، بحيث تعرض المسألة المتفرعة ذاتا في تصوراتها على حيثيات مسائل أخرى بعد أن تكون تلك الحيثيات قد طرحت و بحثت. و على سبيل المثال لتوضيح الفكرة لاحظ بحث توقف العموم على اجراء الاطلاق و مقدمات الحكمة في المدخول فان تصور هذا الافتراض يستبطن الفراغ مسبقا عن تصور مقدمات الحكمة و وظيفتها، بينما يذكر ذلك البحث في العام و الخاص و تذكر مقدمات الحكمة بعد ذلك في مباحث المطلق و المقيد. و لاحظ أيضا الشرط المتأخر للحكم مثلا فان تصور المشكلة فيه و تصور حلولها مرتبط بمجموعة افكار عن الواجب المشروط، و طريقة السير من البسيط إلى المعقد تقتضي تقديم هذه المجموعة من الأفكار على عرض مشكلة الشرط المتأخر و بحثها بينما وقع العكس في الكفاية و غيرها. و مثال آخر إنّ تصور التخيير بين الأقل و الأكثر و افتراض استحالته دخيل في استيعاب قاعدة إجزاء الأوامر الاضطرارية عن الواقع فإذا بحثت هذه القاعدة بعد افتراض تصور مسبق عن التخيير المذكور كان فهمها للطالب و تصورها أيسر.

و من هنا لم يراع فيها ما يجب أن يراعى في الكتب الدراسية من توفير فهم مسبق عند الطالب للمسائل و القواعد التي يستعان بها لاثبات المدعى في مسألة أخرى و البرهنة عليها، أو لاقتناص الثمرة الأصولية لها. فالاطلاق و مقدمات الحكمة تدخل كدليل لاثبات دلالة الأمر على الوجوب، و لاثبات دلالته على العينية و التعيينية و النفسية، و لاثبات دلالة الجملة الشرطية و غيرها على المفهوم و هكذا، مع أن الطالب في الكتب القائمة لا يعطى فكرة عن الاطلاق و مقدمات الحكمة إلّا بعد الفراغ عن جميع مباحث الأوامر و النواهي و المفاهيم، و أحكام التعارض بما فيها قواعد الجمع العرفي قد تدخل في علاج كثير من ألوان التعارض بين الأدلة اللفظية المستدل بها على حجية امارة أو أصل من الأصول فيقال مثلا: (إن دليل وجوب الاحتياط حاكم على دليل البراءة أو وارد أو أن دليل البراءة مخصص) قبل اعطاء تصورات و افكار محددة عن احكام التعارض و قواعد الجمع بين الأدلة التي‏

13

لا تقع إلّا في نهاية أبحاث الأصول ... و مسألة اقتضاء النهي للبطلان تدخل عندهم في اقتناص الثمرة من بحث الضد، إذ جعلوا ثمرة اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده بطلان العبادة و في اقتناص الثمرة من بحث امتناع اجتماع الأمر و النهي جعلوا ثمرة هذا البحث بطلان العبادة بناء على القول بالامتناع و تقديم جانب النهي، مع أن الطالب لا يدرس مسألة اقتضاء النهي للبطلان و لا يأخذ عنها تصورا علميا إلّا بعد الفراغ عن مسألتي الضد و الامتناع و هكذا إلى كثير من هذه النظائر.

و من هنا لم يحرص ايضا على إبراز الثمرة بكثير من المطالب التي يتبيّن من خلالها الارتباط بين تلك المطالب بعضها ببعض، فأهملت في كثير من الأحيان أوجه العلاقة بين الأفكار الأصولية و لم يتعرض لها إلّا بقدر ما يحتاج إليه في مقام الاستدلال على مطلب أو إبطاله، فبحث- مثلا- المعنى الحرفي و جزئيته و كليته و لكن لم يربط ذلك بالتمسك بالاطلاق في المعاني الحرفية و ظل الطلبة يكررون ان البحث في المعاني الحرفية لا أثر له، و بحث الوجوب التخييري و الكفائي بحثا تحليليا و لكن لم يربط ذلك بأثره في التمسك بالاطلاق أو الأصل العملي عند الشك في نوعية الواجب و بدا كأنه بحث تحليلي بحت.

و من هنا لم يحرص ايضا على وضع كثير من النكات و المباحث في موضعها الواقعي و بصيغة تتناسب مع كليتها و أهميتها، و انما دسّت دسا في مقام علاج مشكلة أو دفع توهم أو أثيرت من خلال تطبيق من تطبيقاتها و من الواضح أن العالم الممارس يستطيع من خلال ذلك ان يضع النكتة في موضعها الواقعي و يعطيها حدودها المناسبة، و لكن قلّما يتاح ذلك للطالب فيبقى فهمه لتلك النكات و المطالب فهما تجزيئيا و ضمن دوائر محدودة. خذ مثالا على ذلك أركان تنجيز العلم الاجمالي الأربعة التي عرضناها في الحلقة الثانية، فان الكتب التي تتحدث عنها حينما تناولت منجزية العلم الاجمالي لم تضع لها أركانها بصيغها الفنية العامة، و انما عقدت تنبيهات لحالات جزئية طبّقت من خلالها ضمنا تلك الأركان اثباتا و نفيا، و في حالة من هذا القبيل لن يخرج الطالب غالبا بصورة محددة و رؤية واضحة لهيكل تنجيز العلم الاجمالي بما يشتمل عليه من قواعد و أركان.

14

و من هنا لم يحرص ايضا على اجتناب استعمال مصطلحات لم يأت بعد تفسيرها، لأن الحديث في تلك الكتب مع العالم لا مع الطالب، و العالم محيط بتلك المصطلحات منذ البدء، و لهذا نجد في الصفحة الأولى من الكفاية استعمال مصطلح حجية الظن بناء على تقرير دليل الانسداد على الحكومة و هو مصطلح لا يكشف النقاب عنه إلّا في أواسط الجزء الثاني من الكتاب.

* المبرر الثالث: و هو أيضا ناتج عن الحالة العامة التي لوحظت في المبرر السابق، و هي ان المؤلفين كانوا يكتبون لأمثالهم لا للمبتدئين. و حاصل هذا المبرر أن المقدار الذي ينبغي أن يعطى من الفكر العلمي الأصولي في مرحلة السطح يجب أن يحدد وفقا للغرض المفروض لهذه المرحلة، و الذي أعرفه غرضا لهذه المرحلة تكوين ثقافة عامة عن علم الأصول لمن يريد أن يقتصر على تلك المرحلة، و الاعداد للانتقال إلى مرحلة الخارج لمن يريد مواصلة الدرس و هذا هو أهم الغرضين فلا بد إذن أن يكون المعطى بقدر يكفل ثقافة عامة تحقق هذا الاعداد و توجد في الطالب فهما مسبقا بدرجة معقولة لما سوف يتلقى درسه من مسائل، و مرتبة من العمق و الدقة تتيح له ان يهضم ما يواجهه في ابحاث الخارج من افكار دقيقة موسعة و بناءات فكرية شامخة، و من الواضح أن هذا يكفي فيه ان تتوفر الكتب الدراسية على اعطاء علم الأصول بهيكله العام، و لا يلزم ان يمتد البحث في تلك الكتب إلى التفريعات الثانوية و يتلقى و جهات نظر فيها بل الأفضل ان تترك هذه التفريعات على العموم إلى ابحاث الخارج ما دامت المفاتيح التي سوف يتسلمها الطالب كافية لمساعدته على الدخول فيها بعد ذلك مع استاذ بحث الخارج. و على هذا الأساس نرى من المهم أن يحصل الطالب على تصورات شبه معمقة عن الأحكام الظاهرية و طريقة الجمع بينها و بين الواقع و الفرق بين الامارات و الأصول و سنخ المجعول في أدلة الحجية و أثر ذلك على أبواب مختلفة كباب حكومة الامارة على الأصل و حكومة الاستصحاب على البراءة و قيام الامارة مقام القطع الموضوعي، لأن هذه الأفكار تعتبر أساسية بالنسبة إلى الهيكل العام لعلم الأصول، و أما ان يحاط الطالب علما بأن استصحاب عدم التذكية مثلا حاكم على اصالة البراءة و يستطرق من ذلك إلى بحث طويل و معمّق في نفس جريان‏

15

استصحاب عدم التذكية و موارد جريانه في الشبهات الموضوعية و الحكمية، فهذا مما لا يدخل في نطاق الغرض من مرحلة بحث السطح. هذا فضلا عن الاستطرادات التي وقعت فيها تلك الكتب كاستطرادها للحديث عن قاعدة لا ضرر و لا ضرار و نحو ذلك، أو التوسعات التي تزيد عن الحاجة لمرحلة السطح في استعراض الأقوال و نقل الأدلة و استيعاب النقض و الابرام حتى بلغت الأقوال التي أحصاها الشيخ في الرسائل في الاستصحاب و بحث كل واحد منها بحثا مفصلا أربعة عشر قولا.

* المبرر الرابع: ان الطريقة المتبعة في تحرير المسائل و تحديد كل مسألة بعنوان من العناوين الموروثة تاريخيا في علم الأصول لم تعد تعبّر عن الواقع تعبيرا صحيحا، و ذلك لأن البحث الأصولي من خلال اتساعه و تعمقه بالتدريج منذ أيام الوحيد البهبهاني إلى يومنا هذا طرح قضايا كثيرة جديدة ضمن معالجاته للمسائل الأصولية الموروثة تاريخيا، و كثير من هذه القضايا تعتبر من الناحية الفنية و من الناحية العلمية معا أهم من جملة من تلك المسائل الموروثة، بينما ظلت هذه القضايا تحت الشعاع و لا تبرز إلّا بوصفها مقدمات او استطرادات في مباحث تلك المسائل. و يمكنك أن تلاحظ بهذا الصدد المباحث العقلية التي ادرجت في الجزء الأول من الكفاية تحت عناوين البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته و الملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضده و هكذا، فان هذه العناوين باعتبار كونها تاريخية و موروثة في علم الأصول استأثرت بالمسائل المبحوثة مع انه وقع البحث في داخل تلك المسائل عن كثير من القضايا العقلية المهمة التي بقيت بلا عنوان و كأنها مجرد أبحاث تمهيدية أو استطرادية، فامكان الشرط المتأخر أو استحالته و امكان الواجب المعلق أو استحالته و ضرورة تقيد التكليف بعدم الاشتغال بالمزاحم و عدم جواز تضييع المقدمات المفوتة إلى غير ذلك من القضايا بقيت كأجزاء من أبحاث تلك العناوين التاريخية، بينما كل واحدة منها تشكل بحثا أصوليا مهما من الناحية الفنية و من ناحية ترتب الثمرة الأصولية و لا تقلّ أهمية عن تلك المسائل التاريخية الموروثة بل قد تكون أهم منها، فالأصوليون مثلا حاروا في كيفية تصوير الثمرة لبحث الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته مع أنهم لم‏

16

يتوصلوا إلى أفكار عن الواجب المعلق أو الشرط المتأخر و نحوهما إلّا لتحقيق ثمرات عملية واضحة، و مع هذا حشروا كل هذه الأفكار ضمن تلك المسألة التي لا يعرفون كيف يوضحون ثمرتها العملية و ضاعت بذلك على الطالب قيمة تلك الأفكار و مغزاها العملي، حتى ان كثيرا من الطلبة يرون ان التوسع في داخل المسألة التي ليس من الواضح أن لها ثمرة عملية مجرد تطويل و توسيع لعملية لغو لا مبرر له. بل ان هذا الحشر في كثير من الأحيان يؤدي إلى ايحاءات خاطئة، فمثلا مشكلة المقدمات المفوتة و وجوب تحصيلها حشرت في سياق الوجوب الغيري و فرعت على تبعية الوجوب الغيري للوجوب النفسي في الاطلاق و الاشتراط و هذا يوحي بالارتباط، مع أن مشكلة المقدمات المفوّتة مشكلة قائمة تحتاج إلى تفسير و اكتشاف قانونها الأصولي سواء قلنا بالوجوب الغيري أو لا فهي ترتبط بالمسئولية المولوية تجاه المقدمة و هي مسئولية لا شك فيها و لا شك في تبعيتها لفعلية الوجوب النفسي سواء كانت هذه المسئولية عقلية بحتة و من تبعات محركية الوجوب النفسي أو كانت مشتملة على ما يسمى بالوجوب الغيري.

هذه هي أهم المبررات التي تدعو إلى التفكير بصورة جادة في استبدال الكتب الدراسية القائمة و الاعتقاد بعدم صلاحيتها في مجال التدريس على الرغم من قدسيتها العلمية و التاريخية.

و قد صدرت في العقود الثلاثة الأخيرة عدة محاولات للاستبدال و التطوير في الكتب الدراسية و كان من نتاج هذه المحاولات كتاب «مختصر الفصول» كتعويض عن القوانين و كتاب «الرسائل الجديدة» اختصارا للرسائل كتعويض عنها و كتاب «أصول الفقه» كحلقة وسيطة بين المعالم و كتابي الرسائل و الكفاية و هي محاولات مشكورة و تمثل جهودا مخلصة في هذا الطريق و قد يكون اكثرها استقلالية و أصالة هو المحاولة الثالثة باعتبارها تصنيفا مستقلا و ليس مجرد اختصار لكتاب سابق و لكنها لا تفي مع ذلك بالحاجة لعدة أسباب:

منها: أنها لا يمكن الاقتصار عليها في السطح و الاكتفاء بها عن جميع الكتب الدراسية الأصولية و إنما هي مرشّحة لتكون الحلقة الوسيطة بين المعالم و كتابي‏

17

الكفاية و الرسائل على ما يبدو من ظروف وضعها، و من الواضح أن هذا أشبه ما يكون بعملية الترقيع فهي و إن حرصت على أن تعطي للطالب غالبا الأفكار الحديثة في علم الأصول بقدر ما اتيح للمؤلف ادراكه و استيعابه، و لكنها تصبح قلقة حين توضع في مرحلة وسطى فيبدأ الطالب بالمعالم ليقرأ افكارا أصولية و مناهج أصولية في البحث وفقا لما كان عليه العلم قبل مئات السنين، ثم ينتقل من ذلك فجأة و بقدرة قادر ليلتقي في (أصول الفقه) أفكارا أصولية حديثة مستقاة من مدرسة المحقق النائيني على الأغلب و من تحقيقات المحقق الأصفهاني احيانا، و بعد ان يفترض ان الطالب فهم هذه الأفكار نرجع به خطوة إلى الوراء ليلتقي في الرسائل و الكفاية بأفكار أقدم تاريخيا بعد أن نوقش جملة منها في الحلقة السابقة و استبدلت جملة منها بأفكار أمتن. و هذا يشوّش على الطالب مسيره العلمي في مرحلة السطح و لا يجعله يتحرك في الاتجاه الصحيح.

و منها: ان أصول الفقه على الرغم من أنه غيّر من المظهر العام لعلم الأصول إذ قسمه إلى أربعة أقسام بدلا عن قسمين و أدرج مباحث الاستلزامات و الاقتضاءات في نطاق المباحث العقلية بدلا عما درج عليه المؤلفون من ذكرها ضمن مباحث الألفاظ، و لكن هذا لم يتجاوز التصرف في كيفية تقسيم مجموعة المسائل الأصولية المطروحة في الكتب السابقة إلى مجاميع، فقد صنّفت في أربعة مجاميع كما أشرنا بدلا عن مجموعتين، و لم يمسّ هذا التصرف جوهر تلك المسائل و لم يستطع أن يكتشف مثلا في مقدمات مسألة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته مسائل أصولية لها استحقاقها الفني لأن تعرض كمسائل أصولية في نطاق الأدلة العقلية. و هكذا اقتصر التغيير على المظهر و لم يتجاوزه إلى الجوهر.

و منها: ان الكتاب لا تعبر بحوثه عن مستوى واحد من العطاء كيفا و كما و عن مستويات متقاربة، بل ان الكتاب في بعض مباحثه يتوسع و يتعمق بينما يختصر و يوجز في مباحث أخرى، فلاحظ مثلا ما يشتمل عليه من تحقيق موسع فيما يتصل باعتبارات الماهية في بحث المطلق و المقيد، و ما يشتمل عليه من توسع و اطناب في مباحث الحسن و القبح العقليين، و ما يشتمل عليه من توسع كذلك في اثبات جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي، بل الملحوظ في كثير من‏

18

بحوث الكتاب انه لا تنسيق بينها و بين بحوث الكفاية التي فرض منهجيا أن تكون بعده في الخط الدراسي، فجملة من المسائل تعرض بنحو أوسع مما في الكفاية و أعمق لا يبقى مبرر لدراسة المسألة نفسها من جديد في الكفاية، و جملة أخرى من المسائل تعرض موجزة أو ساذجة على نحو يبقى للكفاية قدرتها على اعطاء المزيد أو التعميق.

و قد رأينا أن الاستبدال يجب أن يتم بصورة كاملة فيعوض عن مجموعة الكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلا بمجموعة أخرى مصممة بروح واحدة و على أسس مشتركة و على ثلاث مراحل، و هذا ما قمنا به بعون اللّه و توفيقه آخذين بعين الاعتبار النقاط التالية:

أولا: إن الهدف الذي جعلنا على عهدة الحلقات الثلاث تحقيقه و صممناها وفقا لذلك هو ما أشرنا اليه سابقا من إيصال الطالب إلى مرحلة الاعداد لبحث الخارج و جعله على درجة من الاستيعاب للهيكل العام لعلم الأصول و من الدقة في فهم معالمه و قواعده تمكنه من هضم ما يعطى له في أبحاث الخارج هضما جيدا.

و لهذا حرصنا على أن نطرح في الحلقات الثلاث أحدث ما وصل اليه علم الأصول من أفكار و مطالب من دون تقيد بما هو الصحيح من تلك الأفكار و المطالب، لأن الاعداد المذكور لا يتوقف على تلقي الصحيح بل على الممارسة الفنية لتلك الأفكار، و ان كنا آثرنا اختيار الصحيح كلما لم نجد محذورا منهجيا و تدريسيا في ذلك، و لكنا احيانا طرحنا و جهات نظر غير صحيحة و ان كانت حديثة لأن طرح وجهة النظر الصحيحة لم يكن بالامكان ان يتم إلّا من خلال طرح وجهة النظر غير الصحيحة و مناقشتها و مستوى الحلقة لا يتحمل استيعاب كل ذلك فاقتصرنا على اعطاء وجهة النظر غير الصحيحة مؤجلين اعطاء وجهة النظر النهائية إلى حلقة تالية أو إلى أبحاث الخارج و من هنا لا يمكن التعرف على آرائنا النهائية من خلال هذه الحلقات حتى و لو صيغ بيان الرأي فيها صياغة تدل على التبني و الارتضاء.

ثانيا: ان الحلقات الثلاث تحمل جميعا منهجا واحدا تستوعب كل واحدة

19

منها علم الأصول بكامله و لكنها تختلف في مستوى العرض كما و كيفا و تتدرج في ذلك فيعطى لطالب الحلقة الأولى أو الثانية قدرا محددا من البحث في كل مسألة و يؤجل قدر آخر إلى المسألة من الحلقة التالية، و هذا التأجيل يقوم إما على أساس تقدير قابلية استيعاب الطالب و تفادي تحميله ما يفوق هذه القابلية، أو على أساس ان القدر الآخر مبني على مطالب و نكات متواجدة في مباحث أخرى من المسائل الأصولية و لم تعط فعلا للطالب فيؤجّل ذلك القدر من المسألة إلى أن يعطى للطالب هذه النكات التي يرتبط ذلك القدر بها.

و لم يتمثل التدرج في العرض في كل حلقة بالنسبة إلى سابقتها بل تمثل ايضا في نفس الحلقة الواحدة وفقا لنفس الأسباب من الناحية الفنية، فالحلقة الثانية تتصاعد بالتدريج و الحلقة الثالثة يعتبر الجزء الثاني منها أعلى درجة من الجزء الأول، لأن الطالب كلما قطع شوطا أكبر في الدراسة تعمّق ذهنيا من ناحية و ازداد استيعابا للمطالب الأصولية من ناحية أخرى، و ذلك يرشحه لتقبل المزيد من التحقيق فيما يرتبط بتلك المطالب، و يتوقف عليها من نكات المسائل الأخرى و حيثياتها.

ثالثا: إنا لم نجد من الضروري حتى على مستوى الحلقة الثالثة استيعاب كل الأدلة التي يستدل بها على هذا القول أو ذاك فبالنسبة إلى أصل البراءة و الاحتياط مثلا لم نحط بكل الآيات و الروايات التي استدلّ بها على هذا أو ذاك، لأن هذه الاحاطة انما تلزم في بحث الخارج أو في تأليف يخاطب به العلماء من اجل تكوين رأي نهائي فلا بد حينئذ من فحص كامل، و أما في الكتب الدراسية لمرحلة السطح فليس الغرض منها ما تقدم إلّا الثقافة العامة و الاعداد، و على هذا الأساس كنا نؤثر في كل مسألة الأدلة ذات المغزى الفني و نهمل ما لا يكون له محصل من الناحية الفنية.

رابعا: انا تجاوزنا التحديد الموروث تاريخيا للمسائل الأصولية و أبرزنا ما استجد من مسائل و أعطيناها عناوينها المناسبة. و أما بالنسبة إلى التصنيف الموروث للمسائل الأصولية إلى مجموعتين و هما مباحث الألفاظ و الأدلة العقلية فلم نجد

20

مبررا للعدول عن التصنيف الثنائي إلى مجموعتين إلى تصنيف آخر و لكن ادخلنا تعديلا عليه بجعل المجموعتين هما مباحث الأدلة و مباحث الأصول العملية، ثم صنّفنا المجموعة الأولى إلى الدليل الشرعي و الدليل العقلي، و قسمنا الكلام في الدليل الشرعي إلى البحث في الدلالة و البحث في السند و البحث في حجية الظهور، كل ذلك من اجل تقريب التصنيف الأصولي للمسائل إلى واقع عملية الاستنباط و ما يقع فيها من تصنيف للمواقف، فكما ان عملية الاستنباط تشتمل على مرحلتين مترتبتين و هما الأدلة و الأصول كذلك البحث في علم الأصول يصنف إلى هذين الصنفين، و كما ان الفقيه في مجال الأدلة تارة يستدل بالدليل الشرعي و أخرى بالدليل العقلي كذلك علم الأصول يبحث الأدلّة الشرعية تارة و الأدلة العقلية أخرى، و كما أن الفقيه حين يواجه دليلا شرعيا يتكلم عنه دلالة و سندا وجهة كذلك علم الأصول يبحث الجهات الثلاث في الدليل الشرعي. و هذا الحرص على تطبيق التصنيف الأصولي للقواعد على عملية الاستنباط قد لا يكون له مغزى من الناحية الفنية البحتة و لكنه مهم من الناحية التربوية و جعل الطالب مأنوس الذهن بالقواعد الأصولية بمواقعها المحددة في عملية الاستنباط، و هذا يمتاز على التصنيف الثنائي المشهور و يمتاز على التصنيف الرباعي الذي اقترحه المحقق الأصفهاني و سار عليه كتاب «أصول الفقه» إذ في كلا التصنيفين تفصل حجية الظهور و حجية السند عن ابحاث الدلالة بينما الجهات الثلاث متلاحمة مترابطة في عملية الاستنباط، فلكي يوحي التصنيف بصورة للقواعد الأصولية تتفق مع مواقعها في عملية الاستنباط لا بد من اتباع ما ذكرناه.

خامسا: انا لاحظنا في استعراضنا لآحاد المسائل ضمن التصنيف المذكور الابتداء بالبسيط و الانتهاء إلى المعقّد و التدرج في عرضها حسب درجات تعقيداتها و ترابطاتها، و حرصنا على أن لا نعرض مسألة إلّا بعد أن نكون قد استوفينا مسبقا كل ما له دخل في تحديد التصورات العامة فيها، و ان لا نعطي في كل مسألة من الاستدلال و البحث إلّا بالقدر الذي تكون أصوله الموضوعية مفهومة بلا حاجة إلى الرجوع إلى مسألة لا حقة. و قد كلّفنا هذا في جملة من الأحيان ان نغير ترتيب المسائل من حلقة إلى أخرى، فمثلا قدمنا الكلام عن امتناع اجتماع الأمر و النهي‏

21

على الكلام عن بحث الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته في الحلقة الثانية بينما عكسنا المطلب في الحلقة الثالثة، و النكتة في ذلك ان ابراز بعض النكات في مسألة الوجوب الغيري للمقدمة يتوقف على فهم مسبق لمسألة الامتناع من قبيل اقتناص الثمرة بلحاظ اداء القول بالوجوب الغيري لمطلق المقدمة إلى سقوط الحرمة حتى عن المقدمة غير الموصلة لامتناع اجتماع الأمر و النهي، كما ان إبراز بعض النكات في مسألة الامتناع ينبغي أن يكون بعد الاحاطة بحال الوجوب الغيري من قبيل ان امتناع الاجتماع كما يكون في الأمر النفسي مع النهي كذلك في الأمر الغيري مع النهي أيضا، ففي الحلقة الثانية ابرزنا الثمرة في بحث الوجوب الغيري فناسب تأخيره عن بحث الامتناع، و في الحلقة الثالثة أبرزنا تعميم الامتناع للأوامر الغيرية فناسب تأخيره عن بحث الوجوب الغيري و هكذا جاء الترتيب بين المسائل مختلفا في الحلقتين لنكتة من هذا القبيل أو لنكات أخرى مقاربة.

سادسا: وجدنا أن تعدد الحلقات شي‏ء ضروري لتحقيق المنهج الذي رسمناه لأن إعطاء مجموعة الكمية الموزعة للمسألة الواحدة في الحلقات الثلاث ضمن حلقة واحدة تحميل فجائي للطالب فوق ما يطيقه و يكون جزء من تلك الكمية عادة مبنيا على مسائل أخرى لم يتضح للطالب حالها بعد، بل انا وجدنا ان تثليث الحلقات شي‏ء ضروري ايضا على الرغم من ان الحلقة الأولى يبدو أنها ضئيلة الأهمية و قد يتصور الملاحظ في بادئ الأمر امكان الاستغناء عنها نهائيا، و لكن الصحيح عدم امكان ذلك لأننا بحاجة- قبل أن نبدأ بحلقة استدلالية تشتمل على نقض و ابرام- إلى تزويد الطالب بتصورات عن المطالب و القواعد الأصولية حتى يكون بالامكان في تلك الحلقة الاستدلالية أن نضمّن استدلالنا و نقضنا و ابرامنا لهذه المسألة أو تلك هذا المطلب الأصولي أو ذاك، و لهذا رأينا أن نضع الحلقة الأولى لاعطاء هذه التصورات العلمية فيخرج منها الطالب و هو يعرف معنى الظهور التصوري و التصديقي و الامارة و الأصل و المنجزية و المعذرية و الجعل و المجعول و المعنى الاسمي و الحرفي و الحاكم و الوارد و المخصص و القرينة المتصلة و المنفصلة و الاطلاق و العموم و الفرق بينهما إلى كثير من هذه المصطلحات و المقولات الأصولية التي تحتاج الحلقة الاستدلالية إلى استخدامها باستمرار.

22

و نضع الحلقة الثانية بوصفها حلقة استدلالية بحق و لكن بدرجة تتناسب معها. و تمثل الحلقة الثالثة المستوى الأعلى من الاستدلال الذي يكفي لتحقيق الهدف المطلوب من دراسة السطح.

سابعا: ان كل حلقة و إن كانت تستعرض علم الأصول و مباحثه على العموم و لكن مع هذا قد نذكر بعض المسائل الأصولية أو النكات في حلقة ثم لا نعيد بحثها في الحلقة التالية اكتفاء بما تقدم، لاستيفاء حاجة المرحلة- أي مرحلة السطح- بذلك المقدار، و هذا ما وقع مثلا في بحث الطرق التي يمكن استعمالها لاثبات السيرة المعاصرة للمعصومين (عليهم السّلام) فاننا استعرضنا اربع طرق في الحلقة الثانية و لم نجد موجبا لاعادة البحث عن ذلك في الحلقة الثالثة.

و انما نجمع كل الكمية التي تحتاجها مرحلة السطح في حلقة متقدمة احيانا لأحد أسباب، إما لسهولة مفردات الكمية و إمكان تفهمها من قبل طلبة تلك الحلقة، و إما لوجود حاجة ماسة إلى تفهم تلك الكمية بكاملها في تلك الحلقة بالذات لارتباط فهم جملة من مسائلها الأخرى لذلك، و إما للأمرين معا كما هو الحال في البحث المشار اليه- أي بحث الطرق لاثبات السيرة المعاصرة- فانه بحث عرفي قريب من الفهم و ليس طالب الحلقة الثانية بحاجة إلى مران علمي أكبر لاستيعابه و هو في نفس الوقت يشكل الأساس لفهم طريقة استدلال الحلقة نفسها بالسيرة على حجية خبر الثقة و على حجية الظهور و على حجية الاطمئنان.

ثامنا: إنا لم ندخل على العبارة الأصولية تطويرا مهما و لم نتوخ أن تكون العبارة في الحلقات الثلاث وفقا لأساليب التعبير الحديث و انما حاولنا ذلك إلى حد ما في الحلقة الأولى فقط، و أما في الحلقتين الثانية و الثالثة فقد حرصنا ان تكون العبارة سليمة و وافية بالمعنى و لكن لم نحاول جعلها حديثة، و لهذا جاء التعبير في الحلقتين العاليتين مقاربا في روحه العامة للتعبير المألوف في الكتب العلمية الأصولية و ان تميز عنه بالسلامة و الوضوح و وفاء العبارة بالمعنى و ليس ذلك لعدم ايماننا بأهمية تنشئة الطالب الحوزوي على اساليب التعبير الحديث بل لاعتبارين آخرين قدمناهما على ذلك.

23

أحدهما: اننا نريد أن نمكّن الطالب تدريجا من الرجوع إلى الكتب العلمية الأصولية القائمة فعلا و فهمها، و هذا لا يتأتى إلّا إذا خاطبناه بعبارة قريبة من مفردات تلك الكتب و لقناه من خلال الحلقات الثلاث المطالب الأصولية بنفس المصطلحات التي تستعملها تلك الكتب حتى و لو كانت هذه المصطلحات تشتمل على خطأ في تركيبها اللفظي، و أما إذا كتبنا الحلقات الثلاث بأساليب التعبير الحديث و وضعنا بديلا مناسبا عن المصطلحات القديمة فسوف تنقطع صلة الطالب بمراجع هذا العلم و كتبه و يتعسر عليه الرجوع اليها، و هذا يشكل عقبة كبيرة تواجه نموه العلمي. و على هذا الأساس اكتفينا من التجديد في أساليب التعبير الأصولي بما أنجز في الحلقة الأولى و انتقلنا بالطالب في الحلقتين العاليتين إلى أرضية لغوية قريبة مما هو مألوف في كتب الأصول.

و الاعتبار الآخر: إن الكتب الدراسية الأصولية و الفقهية المكتوبة باللغة العربية تتميز عن أي كتاب دراسي عربي في العلوم المدنية بأنها كتب لا تختص بأبناء لغة دون لغة، فكما يدرسها العربي كذلك يدرسها الفارسي و الهندي و الأفغاني و غيرهم من أبناء الشعوب المختلفة في العالم الاسلامي على الرغم من كونها كتبا عربية، و هؤلاء يتلقون ثقافتهم العربية من المصادر القديمة التي لا تهيئ لهم قدرة كافية لفهم اللغة العربية بأساليبها الحديثة، فما لم يحصل بصورة مسبقة تطوير و تعديل في أساليب تثقيف هؤلاء و تعليمهم اللغة العربية يصعب اتخاذ أساليب التعبير الحديث أساسا للتعبير في الكتب الدراسية الأصولية.

تاسعا: أشرنا آنفا إلى أنّا حرصنا على سلامة العبارة و ان تكون واضحة وافية بالمعنى و لكن هذا لا يعني ان تفهم المطالب من العبارة رأسا، و انما توخينا الوضوح و السلامة بالدرجة التي تضمن أن تفهم المطالب من العبارة في حالة دراستها على الأستاذ المختص بالمادة، لأن الكتاب الدراسي لا يطلب منه التبسيط اكثر من ذلك كما هو واضح. نعم يمكن للطالب الألمعي في بعض الحالات أن يمر على الحلقة الأولى مرورا سريعا مع الأستاذ أو يقرأها بصورة منفردة و يراجع‏

24

الأستاذ في بعض النقاط منها، إلّا أن هذا استثناء و المفروض على العموم أن تدرس الحلقات الثلاث جميعا.

و بهذا تختلف الحلقات الثلاث عن الكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلا و تتفق مع مناهج الكتب الدراسية الحديثة، فان الكتب الدراسية الأصولية القائمة فعلا لا تحتوي على الصعوبة و التعقيد في الجانب المعنوي و الفكري منها فقط، بل انها تشتمل على الصعوبة و التعقيد في الجانب اللفظي و التعبيري أيضا و لهذا تجد عادة ان المدرس حتى بعد ان يشرح الفكرة للطالب تظل العبارة مستعصية على الفهم و يحس الطالب بالحاجة إلى عون الاستاذ في سبيل تطبيق تلك الفكرة على العبارة جملة جملة، و ليس ذلك إلّا لأن العبارة قد طعمت بشي‏ء من الألغاز إما لايجازها أو للالتواء في صياغتها أو لكلا الأمرين، بينما الكتب الدراسية التي تسير عليها مناهج الدراسة في العالم اليوم لا تحتوي على هذه الصعوبة لأن العبارة فيها وافية و هذا ما جرينا عليه في هذه الحلقات، فقد جاءت العبارة فيها وافية بالمراد لا بمعنى ان الطالب يقتنص المراد من العبارة فقط بل بمعنى انه حين يشرح له استاذه المعنى يجده منطبقا على العبارة و لا يحس في التعبير بالتواء و تعقيد.

عاشرا: أجدني راغبا في التأكيد من جديد على أن تبنّي وجهة نظر أو طريقة استدلال أو مناقشة برهان في هذه الحلقات لا يدل على اختيار ذلك حقا، كما ان المضمون الكامل للحلقات الثلاث لا يمثل الوضع التفصيلي لمباحثنا الأصولية و لا يصل إلى مداها كما أو كيفا. و من هنا كان على الراغبين في الاطلاع على متبنياتنا الحقيقية في الأصول و على نظرياتنا و أساليب استدلالنا بكامل ابعادها أن يرجعوا إلى (بحوث في علم الأصول).

بقي أخيرا ان نوجه بعض الارشادات إلى الطلبة الكرام الذين أعدت هذه الحلقات الثلاث لهم و إلى أساتذتهم الأعلام و ذلك ضمن ما يلي:

أولا: ان الجدير بتدريس (الكفاية) قادر على تدريس الحلقات الثلاث جميعا، كما أن القادر على تدريس (المعالم) قادر على تدريس الحلقة الأولى،

25

و القادر على تدريس (أصول الفقه) يقدر على تدريس الحلقة الثانية بدون شك فضلا عن الأولى.

ثانيا: ان المرجّح لطلبة الحلقة الثالثة ان يطالعوا- قبل درس كل مسألة فيها- المسألة نفسها من الحلقة السابقة لأن ذلك يساعدهم على سرعة تفهم الدرس الجديد الذي كثيرا ما يشتمل جزء منه على نفس المطالب المتقدمة في الحلقة السابقة و لكن بشكل مضغوط و موجز.

كما أنا نرجح لمن يقوم بتدريس الحلقة الثانية أن يطالع- عند التحضير- نفس المبحث من الحلقة الثالثة لأن ذلك يعطيه رؤية أوضح لما يريد أن يتولى تدريسه.

ثالثا: ان طلبة الحلقة الأولى يناسبهم أن يطالعوا المعالم الجديدة في الأصول لأن هذه الحلقة هي اختصار مع شي‏ء من التعديل و التطوير لكتاب المعالم الجديدة في الأصول، و الفارق بينهما ان كتاب المعالم الجديدة حينما وضعناه أدخلنا في حسابنا الهواة ايضا و حاولنا أن نشرح الأفكار فيه بطريقة تتيح لهم أن يفهموها من الكتاب نفسه بدون حاجة إلى مدرس، و أما الحلقة الأولى من هذه الحلقات الثلاث فقد وضعناها لطلبة العلم خاصة و افترضنا انها تتلقى من خلال الدرس.

رابعا: ان من المفيد ان يتخذ الطالب من بعض الكتب الدراسية القديمة مراجع له ككتابي (أصول الفقه) و (الكفاية) خلال البحث، و حيث ان المنهجة مختلفة فالمأمول من مدرّسي الحلقة الثالثة أن يرشدوا تلامذتهم إلى موضع المسألة التي يدرسونها و محل التعرض لها في كتابي أصول الفقه و الكفاية لأن ذلك يوسع من مدارك الطالب و يسرع به نحو النضج العلمي المطلوب.

خامسا: ينبغي للطالب أن يحاول استيعاب شرح الاستاذ و كتابته لكي تنمو لديه ملكة الكتابة العلمية و تترسخ في ذهنه مصطلحات العلم و لغته و أفكاره و يكون اكثر استعدادا لكتابة ابحاث الخارج فيما بعد.

26

هذا و نسأل المولى سبحانه و تعالى أن يتقبل هذا بلطفه و ينفع به طلبتنا و أبناءنا الأعزاء في الحوزات العلمية و ان ينفعنا به‏ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏.

و الحمد للّه رب العالمين و لا حول و لا قوة إلّا باللّه العلي العظيم‏

النجف الأشرف محمد باقر الصدر 18 رجب 1397 ه

27

مقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و بعد، فإن هذه هي الحلقة الأولى من «دروس في علم الأصول» وضعناها للمبتدئين بدراسة هذا العلم و تتبعها حلقتان أخريان إن شاء الله تعالى و يتكامل من خلال الحلقات الثلاث إعداد الطالب للدراسة العليا و حضور أبحاث الخارج و قد شرحنا في مقدمة هذه الحلقة ما يتعلق بهذه الحلقات الثلاث و منهجها و طريقة تدريسها إن شاء اللّه تعالى و من اللّه سبحانه نستمد العون و التوفيق.

النجف الأشرف محمد باقر الصدر جمادى الأولى 1397 ه

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

مقدمة الشارح‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الخلق محمد و آله الطاهرين.

قال تعالى: وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ‏.

إذا مات المرء انقطع عمله إلّا من ثلاث: ولد صالح يدعو له و صدقة جارية و ورقة علم ينتفع بها. من هنا حاولت أن أقدّم عملا و أترك أثرا و أكتب ورقة علم ينتفع بها سائلا المولى عزّ و جلّ خلوص النيّة لوجهه الكريم.

كنّا و نحن في حوزة الامام المنتظر (عجّل اللّه فرجه) في بعلبك ننتظر صدور هذه الحلقات الثلاث، و شدّة انتظار أستاذنا الشهيد السعيد السيد عبّاس الموسوي (مدير الحوزة) و كثرة أسئلته من المطبعة عن وقت خروج هذه الحلقات جعلنا في شوق شديد لخروجها، و ما ان صدرت حتى أتوا بها إلى الحوزة فرحين كأنّهم‏

30

يزفّون عروسا، نظرنا إليه فرحنا كثيرا و نحن بعد لا ندري ما هي هذه الحلقات و على ما ذا تحوي و ما موضوعها أصلا، لكننا أحببناها كثيرا لحبّ استاذنا لها فقط، نظرت إليها بشغف شديد و أنا لا أدري أنّ مشواري معها طويل طويل. بادر السيد عبّاس (رضوان اللّه عليه) بفتحها و قال لنا: علينا أن نبدأ الآن مباشرة بدرسها لنسجّل أننا حتما أوّل من درسها.

بدأنا بدراستها، فهمتها بشكل جيد جدّا، كنت أشعر و أنا أدرسها أني أصير مجتهدا قادرا على استنباط الأحكام الشرعية، فازداد شوقي لمعرفة أكبر، درست الثانية اتقنتها جيدا و كذلك الثالثة ... باحثتها كثيرا و درّستها، أوسعتها درسا و تحقيقا حتى كنت مرارا أقول في نفسي لقد ملّت مني الحلقات، أكثر اهتمامي في هذه العشرين سنة كان في اتقان علم الأصول.

في أوائل التسعينات لم يعد جائزا لي التقليد بدأت بكتابة تعليقة كاملة على الحلقة الثالثة- مع مراجعة أبحاث علمائنا الأعلام- حتى لا يفوتني مسألة، فكانت هذه التعليقة، ثم قلت في نفسي لما ذا لا أشرح هذه الحلقة و أضمّ إليها هذه التعليقة فإنّ فيها فوائد جمّة يصعب على الطالب اصطيادها، فكان الشرح. إلّا أنه لما طلب مني بإصرار شرح الحلقتين الأولى و الثانية ليكتمل مشروع شرح الحلقات استحسنت الفكرة فبادرت بكتابتهما مع كتابة متنهما أيضا فور ابتداء العطلة الصيفية لحوزتنا المباركة (حوزة الامام الهادي (عليه السّلام)) من عام‏

31

1422 ه فقمت في هذه الحلقة الأولى- إضافة إلى شرح المطالب الغامضة- بعملين:

الأول: وضعت ملخّصا لكثير من المواضيع إذا وجدت ضرورة لذلك، و هي مهمة للطالب.

و الثاني: تصرّفت قليلا جدا في المتن عند الخطأ المطبعي أو النحوي أو الأسلوب، أعطي على هذا ثلاثة أمثلة فقط:

- قال ص 113- 114: ان كل اداة لغوية تدلّ على تقييد الحكم و تحديده لها، مدلولها سلبي. و الصحيح إما أن نحذف «لها» و إما أن نحذف «ها» في قوله «مدلولها».

- و قال ص 133: ... كذلك يدرك (أي العقل) العلاقات القائمة بين الأحكام و يستفيد من تلك العلاقات في الكشف عن وجود حكم أو عدمه. و الصحيح عدم الحاجة إلى تكرار قوله الثاني «تلك العلاقات» فحذفناها و قلنا «و يستفيد منها».

- و قال ص 150: الأولى سلسلة مقدّمات المتعلق ... و الثاني سلسلة مقدمات الوجوب. و الصحيح و الثانية ...

(ثم) إننا رأينا أحيانا من اللازم إضافة كلمة أو أكثر إلى المتن فوضعناها ضمن قوسين هكذا [].

و ما علّقناه على المتن في الحلقتين الأولى و الثانية جعلنا بعد رقمه نجمة هكذا (2)*.

32

(هذا) و نؤكّد على ما أكّد عليه سيدنا المصنف (حشرنا اللّه معه) من ضرورة تحضير الدرس قبل تلقّيه من الأستاذ، و أن يعلم الطالب أنه و هو في هذا الخط المبارك جندي في دولة الامام الحجّة (عج)، فليحاول أن ينال رضاه فإنه خليفة اللّه الأتم في أرضه و سمائه.

اللهم كن لوليك الحجّة ابن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتّعه فيها طويلا برحمتك يا أرحم الراحمين.

سيدي يا ابن الحسن يا أيّها العزيز مسّنا و أهلنا الضّرّ و جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل و تصدّق علينا إنّ اللّه يجزى المتصدّقين.

رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ‏ وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏.

و الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الخلق محمد و آله الطاهرين‏

33

القسم الأول مقدمات علم الأصول‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

التعريف بعلم الأصول‏

كلمة تمهيدية:

بعد أن آمن الانسان باللّه و الاسلام و (1) الشريعة، و عرف أنه مسئول بحكم كونه عبدا للّه تعالى عن امتثال أحكامه يصبح ملزما بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة و الشريعة الاسلامية (2) و باتخاذ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة، و لأجل هذا كان لزاما على الانسان أن يعيّن هذا الموقف العملي و يعرف كيف يتصرّف في كل واقعة (3).

و لو كانت أحكام الشريعة في كل الوقائع واضحة وضوحا

____________

(1) عطف خاص على عام و ذلك لأنّ المراد من الشريعة ما شرّعه اللّه من السنن، و بتعبير آخر: الاسلام هو كل الدين بما فيه العقائد و الفقه و أما الشريعة فهو خصوص الفقه‏

(2) لأنّ الانسان عبد مملوك لمولاه، فللمولى حقّ الطاعة عليه لأنه يملكه يفعل به ما يشاء. نعم ليس للمولى ظلمه لأن الظلم قبيح عقلا

(3) خوفا من أن يقع في مخالفة أحكام الشريعة

36

بديهيا للجميع لكان تحديد الموقف العملي المطلوب تجاه الشريعة في كل واقعة أمرا ميسورا لكل احد و لما احتاج إلى بحث علمي و دراسة واسعة، و لكن عوامل عديدة منها بعدنا الزمني عن عصر التشريع أدّت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة و اكتنافها بالغموض.

و على هذا الأساس كان من الضروري أن يوضع علم يتولّى دفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كل واقعة بإقامة الدليل على تعيينه.

و هكذا كان فقد أنشئ علم الفقه للقيام بهذه المهمّة، فهو يشتمل على تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا، و الفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كل حدث من أحداث الحياة، و هذا ما نطلق عليه اسم «عملية استنباط الحكم الشرعي» (1).

و لأجل هذا يمكن القول بأن علم الفقه هو: علم استنباط الأحكام الشرعية أو علم عملية الاستنباط بتعبير آخر.

و تحديد الموقف العملي بدليل يتمّ في علم الفقه بأسلوبين:

____________

(1) فالتدخين أمر علينا أن نقيم الدليل على تعيين الموقف العملي منه، فنقول:

لم يرد آية و لا رواية في حرمة التدخين، و قاعدة البراءة تفيد عدم الحرمة (لأننا لا نعلم بالحرمة) فالموقف العملي يصير حلّية التدخين. هذا الكلام يقولونه في علم الفقه الاستدلالي، و هذه العملية تسمّى بعملية الاستنباط

37

أحدهما: تحديده بتعيين الحكم الشرعي‏ (1).

و الآخر: تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك بعد استحكام الشك و تعذّر تعيينه‏ (2).

و الأدلّة التي تستعمل في الأسلوب الأوّل نسمّيها بالأدلّة [الاجتهادية] أو الأدلة المحرزة، إذ يحرز بها الحكم الشرعي‏ (3).

و الأدلّة التي تستعمل في الأسلوب الثاني تسمّى بالأدلّة العملية أو الأصول العملية.

و في كلا الأسلوبين يمارس الفقيه في علم الفقه استنباط الحكم الشرعي أو يحدّد الموقف العملي تجاهه بالدليل.

و عمليات الاستنباط التي يشتمل عليها علم الفقه بالرغم من تعددها و تنوعها تشترك في عناصر موحّدة و قواعد عامة (4) تدخل فيها

____________

(1) كالاستدلال على وجوب الصلاة بقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ* و الأمر ظاهر في الوجوب، و الظهور حجة. فإذن «الصلاة واجبة» حكم شرعي‏

(2) كما في المثال الأسبق إذ أنّ «التدخين حرام» ليس حكما شرعيا، لأنّ قاعدة البراءة لا تفيدنا حكما شرعيا و إنما تفيدنا وظيفة عملية فقط

(3) الشامل للظاهري مثل الأحكام الظنية الناشئة من أخبار الثقات، و للواقعي كوجوب الصلاة الناشئة من قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ* المعلومة الوجوب بالبداهة

(4) كدلالة الأمر على الوجوب و النهي على الحرمة و ككون الظهور (الظني) حجّة و البراءة عند الشك في الحكم الشرعي حجّة و استصحاب الحالة السابقة حجّة و هكذا ... هذه القواعد هي بعض قواعد علم الأصول التي تدخل في عملية الاستنباط

38

على تعددها و تنوعها، و قد تطلّبت هذه العناصر المشتركة (1) في عملية الاستنباط وضع علم خاص بها لدراستها و تحديدها و تهيئتها لعلم الفقه فكان علم الأصول.

تعريف علم الأصول:

و على هذا الأساس نرى أن يعرّف علم الأصول بأنه «العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي».

و لكي نستوعب هذا التعريف يجب أن نعرف ما هي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

و لنذكر- لأجل ذلك- نماذج بدائية من هذه العملية في صيغ مختصرة لكي نصل عن طريق دراسة هذه النماذج و المقارنة بينها إلى فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

افرضوا أنّ فقيها واجه هذه الأسئلة:

1- هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء؟

2- هل يجب على الشخص إذا ورث مالا من أبيه أن يؤدّي خمسه؟

3- هل تبطل الصلاة بالقهقهة في أثنائها؟

فإذا أراد الفقيه أن يجيب على هذه الأسئلة فانه سوف يجيب‏

____________

(1) أي القواعد العامّة التي تستعمل في عمليات استنباط متنوّعة كقاعدة البراءة و حجّية خبر الثقة

39

على السؤال الأوّل مثلا بالايجاب و انه يحرم الارتماس على الصائم و يستنبط ذلك بالطريقة التالية: قد دلّت رواية يعقوب بن شعيب عن الامام الصادق (عليه السّلام) على حرمة الارتماس على الصائم، فقد جاء فيها أنه قال: لا يرتمس المحرم في الماء و لا الصائم. و الجملة بهذا التركيب تدل في العرف العام‏ (1) على الحرمة، و راوي النص يعقوب بن شعيب و هو ثقة، و الثقة و إن كان قد يخطئ أو يشذّ أحيانا و لكن الشارع أمرنا بعدم اتهام الثقة بالخطإ أو الكذب و اعتبر نقله حجّة، و النتيجة هي أن الارتماس حرام.

و يجيب الفقيه على السؤال الثاني بالنفي لأنّ رواية علي بن مهزيار جاءت في مقام تحديد الأموال التي يجب فيها الخمس، و ورد فيها أن الخمس ثابت في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن‏ (2)، و العرف العام يفهم من هذه الجملة أن الشارع لم يجعل خمسا على الميراث الذي ينتقل من الأب إلى ابنه، و الراوي ثقة

____________

(1) أي لا في خصوص المدينة المنورة في زمان الامام الصادق (عليه السّلام) و انما عند جميع العرب‏

(2) هكذا الرواية، و معناها أنه لا يجب الخمس في الميراث، نعم يجب تخميس الميراث الغير محتسب أي الغير متوقّع كما لو مات لك عمّ لا تعرفه و أنت له وارث، فحينئذ (أ) يجب عليك تخميس الارث لأنه يكون بمثابة الغنيمة، و أمّا إن كان الميت أباك أو ولدك و أنت لا تعرف أن أباك أو ابنك حي فهنا لا يجب التخميس طبقا لقاعدة «الإرث لا يخمّس».

(أ) فحينئذ تعني فحينئذ

40

و خبر الثقة حجّة، و النتيجة هي أن الخمس في تركة الأب غير واجب.

و يجيب الفقيه على السؤال الثالث بالايجاب بدليل رواية زرارة عن الامام الصادق (عليه السّلام) أنه قال: «القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة»، و العرف العام يفهم من النقض أن الصلاة تبطل بها، و زرارة ثقة و خبر الثقة حجّة، فالصلاة مع القهقهة باطلة إذن.

و بملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة نجد أن الأحكام التي استنبطها الفقيه كانت من أبواب شتّى من الفقه، و أنّ الأدلّة التي استند إليها الفقيه مختلفة، فبالنسبة إلى الحكم الأوّل استند إلى رواية يعقوب بن شعيب و بالنسبة إلى الحكم الثاني استند إلى رواية علي بن مهزيار، و بالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة. و لكل من الروايات الثلاث متنها و تركيبها اللفظي الخاص الذي يجب أن يدرس بدقّة و يحدّد معناه، و لكن توجد في مقابل هذا التنوّع و هذه الاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه في عملية الاستنباط في المواقف الثلاثة جميعا. فمن تلك العناصر المشتركة الرجوع إلى العرف العام في فهم الكلام الصادر عن المعصوم، و هو ما يعبّر عنه بحجية الظهور العرفي. فحجية الظهور إذن عنصر مشترك في عمليات الاستنباط الثلاث، و كذلك يوجد عنصر مشترك آخر و هو حجية خبر الثقة. و هكذا نستنتج أن عمليات الاستنباط تشتمل على عناصر مشتركة كما تشتمل على عناصر خاصّة، و نعني بالعناصر الخاصة تلك العناصر التي تتغيّر من مسألة

41

إلى أخرى، فرواية يعقوب ابن شعيب عنصر خاص في عملية استنباط حرمة الارتماس، لأنها لم تدخل في عمليات الاستنباط الأخرى، بل دخلت بدلا عنها عناصر خاصة أخرى كرواية علي بن مهزيار و رواية زرارة. و نعني بالعناصر المشتركة القواعد العامّة التي تدخل في عمليات استنباط أحكام عديدة في أبواب مختلفة.

و في علم الأصول تدرس العناصر المشتركة، و في علم الفقه تدرس العناصر الخاصة في كل مسألة.

و هكذا يترك للفقيه في كل مسألة أن يفحص بدقّة الروايات و المدارك الخاصّة التي ترتبط بتلك المسألة و يدرس قيمة تلك الروايات و يحاول فهم ألفاظها و ظهورها العرفي و أسانيدها، بينما يتناول الأصولي البحث عن حجية الظهور و حجية الخبر و هكذا ..

و علم الأصول لا يحدّد العناصر المشتركة فحسب بل يحدّد أيضا درجات استعمالها (1) و العلاقة بينها (2)، كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) فعلم الأصول يحدّد مدى حجية خبر الثقة فيقول مثلا: خبر الثقة حجّة إلّا في حالة التعارض بين اخبار الثقاة فيؤخذ ح مثلا بما يخالف العامّة، و الاستصحاب حجّة إلّا في بعض الحالات (فلا يمكن أن نستصحب حياة زيد لاثبات نبات لحيته ليتحقق نذر أبيه) و أصالة الحلّ حجّة إلّا في حالة العلم الاجمالي بحرمة أحد الطرفين و هكذا ..

(2) كما في أمثلة البيّنة حجّة، و قاعدة اليد حجّة، و الاستصحاب حجّة ...

فتقدّم البيّنة على اليد فيما لو تعارضا، و اليد على الاستصحاب‏

42

موضوع علم الأصول:

لكل علم- عادة- موضوع أساسي ترتكز جميع بحوثه عليه و تدور حوله و تستهدف الكشف عما يرتبط بذلك الموضوع من خصائص و حالات و قوانين، فالفيزياء مثلا موضوعها الطبيعة، و بحوث الفيزياء ترتبط كلها بالطبيعة و تحاول الكشف عن حالاتها و قوانينها العامّة. و النحو موضوعه الكلمة لأنه يبحث عن حالات إعرابها و بنائها و رفعها و نصبها.

فما هو موضوع علم الأصول الذي تدور حوله بحوثه؟

إننا إذا لاحظنا التعريف الذي قدّمناه لعلم الأصول استطعنا أن نعرف أن علم الأصول يدرس في الحقيقة الأدلّة المشتركة في علم الفقه لاثبات دليليتها (1).

و بهذا صحّ القول بأن موضوع علم الأصول هو الأدلّة المشتركة في عملية الاستنباط.

علم الأصول منطق الفقه:

و لا بدّ أنّ معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا أن نستخدمه كمثال لعلم الأصول، فان علم المنطق- كما تعلمون- يدرس في الحقيقة عملية التفكير مهما كان مجالها و حقلها العلمي و يحدّد النظام العام الذي يجب أن تتبعه لكي يكون التفكير سليما. مثلا يعلمنا علم‏

____________

(1) أي لإثبات أن خبر الثقة حجّة و الاستصحاب حجّة و البراءة حجة و هكذا ..

43

المنطق كيف يجب أن ننهج في الاستدلال بوصفه عملية تفكير لكي يكون الاستدلال صحيحا؟ كيف نستدل على أن سقراط فان‏ (1)؟

و كيف نستدلّ على أن نار الموقد الموضوع أمامي محرقة (2)؟ و كيف نستدل على أن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين‏ (3)؟ و كيف نستدل على أن الخط الممتد بدون نهاية مستحيل‏ (4)؟ كل هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامّة للاستدلال كالقياس و الاستقراء، فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقا.

و علم الأصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية غير أنه يبحث عن نوع خاص من عملية التفكير أي عن عملية التفكير الفقهي في استنباط الأحكام‏ (5)، و يدرس العناصر المشتركة التي يجب أن تدخل فيها لكي يكون الاستنباط سليما. فهو يعلّمنا كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم؟ و كيف نستنبط اعتصام ماء

____________

(1) فنقول: سقراط إنسان و كل إنسان متغيّر و كل متغيّر فان فسقراط فان (قياس من الشكل الأوّل)

(2) فنقول: أثبتت التجارب المتكررة أن كل نار محرقة و هذه نار إذن هي محرقة

(3) فنقول: بأن زوايا المثلث إذا وضعناها ضمن دائرة ساوت نصف درجات الدائرة الستين و ثلاثمائة 360 درجة أي 180 درجة و الزاويتان القائمتان تساويان 180 درجة إذن هما متساويان‏

(4) و ذلك بأن نقول بأنّ الخط هو مادّي و كل مادّي مخلوق (أي في زمان أو قل محدود زمانا) و كل مخلوق له بداية و نهاية فالخط له بداية و نهاية

(5) أي عن كيفية التفكير الصحيح في عملية الاستنباط

44

الكر؟ و كيف نستنبط الحكم باستحباب صلاة العيد أو وجوبها؟

و ذلك بوضع المناهج العامة و تحديد العناصر المشتركة لعملية الاستنباط.

و على هذا الأساس يصح أن يطلق على علم الأصول اسم منطق علم الفقه لأنه بالنسبة إليه بمثابة المنطق بالنسبة إلى الفكر البشري بصورة عامّة.

أهمية علم الأصول في عملية الاستنباط:

و لسنا بعد ذلك بحاجة إلى التأكيد على أهمية علم الأصول و خطورة دوره في عالم الاستنباط، لأنه ما دام يقدّم لعملية الاستنباط عناصرها المشتركة و يضع لها نظامها العام فهو عصب الحياة فيها، و بدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاما متناثرا من النصوص و الأدلّة دون أن يستطيع استخدامها و الاستفادة منها في الاستنباط، كانسان يواجه أدوات النجارة و يعطى منشارا و فأسا و ما إليها من أدوات دون أن يملك أفكارا عامة عن عملية النجارة و طريقة استخدام تلك الأدوات. و كما أن العناصر المشتركة ضرورية لعملية الاستنباط فكذلك العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى أخرى كمفردات الآيات و الروايات المتناثرة فانها الجزء الضروري الآخر فيها، فلا يكفي مجرّد الاطلاع على العناصر المشتركة التي يمثلها علم الأصول. و من يحاول الاستنباط على أساس الاطلاع الأصولي‏

45

فحسب يكون نظير من يملك معلومات نظرية عامّة عن عملية النجارة و لا يوجد لديه فأس و لا منشار و ما إليهما من أدوات النجارة، فكما يعجز هذا عن صنع سرير خشبي مثلا كذلك يعجز الأصولي عن الاستنباط إذا لم يفحص بدقّة العناصر الخاصة المتغيّرة من مسألة إلى أخرى.

فالعناصر المشتركة و العناصر الخاصّة قطبان مندمجان في عملية الاستنباط و لا غنى للعملية عنهما معا.

الأصول و الفقه يمثّلان النظرية و التطبيق:

و نخشى أن نكون قد أوحينا إليكم بتصوّر خاطئٌ حين أوضحنا أن المستنبط يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة و يحدّدها و يتناول في بحوث علم الفقه العناصر الخاصّة ليكمل بذلك عملية الاستنباط، إذ قد يتصوّر البعض أنّا إذا درسنا في علم الأصول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط و عرفنا مثلا حجية الخبر و حجية الظهور و ما إليهما من العناصر الأصولية فلا يبقى علينا بعد ذلك أيّ جهد علمي، إذ لا نحتاج- ما دمنا نملك تلك العناصر- إلّا إلى مجرّد استخراج الروايات و النصوص من مواضعها لكي تضاف إلى العناصر المشتركة و يستنبط منها الحكم الشرعي، و هو عمل سهل بطبيعته لا يشتمل على جهد علمي.

و لكن هذا التصور خاطئٌ إلى درجة كبيرة لأنّ المجتهد إذا

46

مارس العناصر المشتركة لعملية الاستنباط و حددها في علم الأصول لا يكتفي بعد ذلك بتجميع أعمى للعناصر الخاصّة من كتب الأحاديث و الروايات مثلا، بل يبقى عليه أن يمارس في علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة و نظرياتها العامّة على العناصر الخاصة، و التطبيق مهمّة فكرية بطبيعتها تحتاج إلى درس و تمحيص، و لا يغني الجهد العلمي المبذول أصوليا عن بذل جهد جديد في التطبيق.

فلنفرض مثلا أن المجتهد آمن في علم الأصول بحجية الظهور العرفي فهل يكفيه أن يضع إصبعه على رواية علي بن مهزيار التي حدّدت مجالات الخمس مثلا ليضيفها إلى العنصر المشترك و يستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس في ميراث الأب؟ أ و ليس المجتهد بحاجة إلى تدقيق في مدلول نص الرواية لمعرفة نوع مدلوله في العرف العام‏ (1) و دراسة كل ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفي من قرائن و امارات داخل إطار النص أو خارجه‏ (2) لكي يتمكن بأمانة من تطبيق العنصر المشترك القائل بحجية الظهور العرفي؟

و في هذا الضوء نعرف أن البحث الفقهي عن العناصر الخاصة

____________

(1) فمثلا على المستنبط أن يفكّر في المراد من «الذي لا يحتسب» من قوله (عليه السّلام) انه «لا خمس في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن»

(2) من روايات أخرى قد تخالف هذه الرواية، و من ظرف صدور هذا النص ...

(و من) يتابع دراسته في هذا المجال يعرف هذه الأمور و يعرف سبب اختلاف مراجعنا (أعزّهم اللّه) في الفتاوى‏

47

في عملية الاستنباط ليس مجرّد عملية تجميع، بل هو مجال التطبيق للنظريات الأصولية. و تطبيق النظريات العامّة له دائما موهبته الخاصة و دقّته، و مجرّد الدقة في النظريات العامّة لا يغني عن الدقة في تطبيقها، أ لا ترون أن من يدرس بعمق النظريات العامّة في الطب يحتاج في مجال تطبيقها على حالة مرضية إلى دقّة و انتباه كامل و تفكير في تطبيق تلك النظريات على المريض الذي بين يديه.

التفاعل بين الفكر الأصولي و الفكر الفقهي:

عرفنا أن علم الأصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى علم الفقه، و عرفنا أن العلاقة بينهما علاقة النظرية و التطبيق، هذا الترابط الوثيق بينهما يفسّر لنا التفاعل المتبادل بين الذهنية الأصولية على صعيد النظريات من ناحية و بين الذهنية الفقهية على صعيد التطبيق من ناحية أخرى، لأنّ توسع بحوث التطبيق يدفع بحوث النظرية خطوة إلى الأمام لأنه يثير أمامها مشاكل و يضطرها إلى وضع النظريات العامّة لحلولها، كما أنّ دقّة البحث في النظريات الأصولية تنعكس على صعيد التطبيق، إذ كلما كانت النظريّات أوفر و أدقّ تطلبت طريقة تطبيقها دقّة و عمقا أكبر. هذا التفاعل بين الذهنيتين الأصولية و الفقهية يؤكده تاريخ العلمين على طول الخط، و تكشف عنه بوضوح دراسة المراحل التي مرّ بها البحث الفقهي و البحث الأصولي في تاريخ هذين العلمين. فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه، كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث.

48

و لم يكن علم الأصول مستقلا عن علم الفقه في البداية، و لكن من خلال نمو علم الفقه و اتساع أفق التفكير الفقهي أخذت الخيوط العامّة و العناصر المشتركة في عملية الاستنباط تبدو و تتكشّف، و أخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون اشتراك عمليات الاستنباط في عناصر عامّة لا يمكن استخراج الحكم الشرعي بدونها، و كان ذلك إيذانا بمولد علم الأصول و اتجاه الذهنية الفقهية اتجاها أصوليا، فانفصل علم الأصول عن علم الفقه في البحث و التصنيف و أخذ يتسع و يثري تدريجيا من خلال نمو الفكر الأصولي من ناحية و تبعا لتوسع البحث الفقهي من ناحية أخرى، لأن اتساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة و تتخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الأصول.

و كلما بعد الفقيه عن عصر النص تعددت جوانب الغموض في فهم الحكم من مداركه الشرعية و تنوّعت الفجوات في عملية الاستنباط نتيجة للبعد الزمني، فيحس أكثر فأكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامّة يعالج بها جوانب الغموض و يملأ بها تلك الفجوات.

و بهذا كانت الحاجة إلى علم الأصول تاريخية بمعنى أنها تشتدّ و تتأكّد كلما ابتعد الفقيه تاريخيا عن عصر النص و تراكمت الشكوك على عملية الاستنباط التي يمارسها (1). و على هذا الأساس يمكن أن‏

____________

(1) فبعد ما كان الرواة معروفين في زمانهم صاروا مجهولين في زماننا، و بعد ما-

49

نفسّر الفارق الزمني بين ازدهار علم الأصول في نطاق التفكير الفقهي السنّي و ازدهاره في نطاق تفكيرنا الفقهي الإمامي، فإنّ التّاريخ يشير إلى أن علم الأصول ترعرع و ازدهر نسبيا في نطاق الفقه السنّي قبل ترعرعه و ازدهاره في نطاقنا الفقهي الإمامي، و ذلك لأنّ المذهب السنّي كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ، فحين اجتاز الفكر الفقهي السنّي القرن الثاني‏ (1) كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة تخلق بطبيعتها الثغرات و الفجوات. و أما الإمامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعي لأن الإمام امتداد لوجود النبي، فكانت المشاكل التي يعانيها الفقهاء الإمامية في الاستنباط أقلّ بكثير إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للاحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأصول. و لهذا نجد أن الإمامية بمجرد أن انتهى‏

____________

- كانت بعض الأحكام معروفة و بديهية في زمانهم صارت مجهولة في زماننا، و بعد ما كانت الظروف السياسية معاشة في زمانهم صارت مجهولة في زماننا ... كل هذا يؤثر في عملية الاستنباط

(1) أي: جاء عصر الامام الباقر (عليه السّلام)، و هذه تواريخ ولادة و وفيات أئمتنا (عليهم السّلام): أمير المؤمنين: قبل الهجرة بثلاث و عشرين سنة- 40 ه/ الامام الحسن: 2- 49 ه/ الامام الحسين: 3- 61 ه/ زين العابدين:

33- 95 ه/ الباقر: 57- 114 ه/ الصادق: 83- 148 ه/ الكاظم:

128- 183 ه/ الرضا: 148- 203 ه/ الجواد: 195- 220 ه/ الهادي: 212- 254 ه/ العسكري: 232- 260 ه/ الحجّة القائم المهدي: 256- و هو حيّ و للّه الحمد

50

عصر النصوص بالنسبة اليهم بانتهاء الغيبة الصغرى‏ (1) تفتّحت ذهنيتهم الأصولية و أقبلوا على درس العناصر المشتركة. و هذا لا يعني طبعا أن بذور التفكير الأصولي لم توجد لدى فقهاء أصحاب الأئمة بل قد وجدت هذه البذور منذ أيام الصادقين (عليهما السّلام) على المستوى المناسب لتلك المرحلة. و من الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وجّهها عدد من الرواة إلى الإمام الصادق و غيره من الأئمة (عليهم السّلام) و تلقّوا جوابا منهم، فإن تلك الأسئلة تكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي عندهم. و يعزّز ذلك أن بعض أصحاب الأئمة ألّفوا رسائل في بعض المسائل الأصولية كهشام بن الحكم (من أصحاب الإمام الصادق) الذي روي أنه ألّف رسالة في الألفاظ.

____________

(1) في النسخة الأصلية هكذا: بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ...، و الأولى حذف ما حذفناه لأنّ الغيبة الصغرى داخلة في عصر النص بلا شك، و انّ بعض أئمتنا (عليهم السّلام) كانت لهم غيبات و بعضهم غيّبوا في السجون و رغم ذلك يعتبر عصرهم عصر النص و عصر الحضور

51

جواز عملية الاستنباط

ما دام علم الأصول يرتبط بعملية الاستنباط و يحدّد عناصره المشتركة فيجب أن نعرف قبل كل شي‏ء موقف الشريعة من هذه العملية، فهل سمح الشارع المقدّس لأحد بممارستها لكي يوجد مجال لوضع علم لدراسة عناصرها المشتركة؟

الحقيقة أن مسألة جواز الاستنباط حين تطرح للبحث بالصيغة التي طرحناها لا يبدو أنها جديرة بالنقاش، لأننا حين نتساءل هل يجوز لنا ممارسة عملية الاستنباط أو لا؟ يجي‏ء الجواب على البداهة بالايجاب، لأن عملية الاستنباط- كما تقدّم- عبارة عن تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا، و من البديهي أن الانسان بحكم تبعيته للشريعة ملزم بتحديد موقفه العملي منها. و لما لم تكن أحكام الشريعة غالبا في البداهة و الوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل فليس من المعقول أن يحرّم على الناس جميعا تحديد الموقف العملي تحديدا استدلاليا.

و لكن لسوء الحظ اتفق لهذه المسألة أن اكتسبت صيغة أخرى لا تخلو من غموض و تشويش، فأصبحت مثارا للاختلاف نتيجة لذلك الغموض و التشويش، فقد استخدمت كلمة «الاجتهاد» للتعبير

52

عن عملية الاستنباط، و طرح السؤال هكذا: هل يجوز الاجتهاد في الشريعة؟ و حينما دخلت كلمة «الاجتهاد» في السؤال- و هي كلمة مرّت بمصطلحات عديدة في تاريخها- أدّت إلى إلقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث، و نتج عن ذلك أن أجاب البعض على السؤال بالنفي، و أدّى ذلك إلى شجب علم الأصول كلّه لأنه إنما يراد لأجل الاجتهاد، فإذا ألغي الاجتهاد لم تعد حاجة إلى علم الأصول.

و في سبيل توضيح ذلك يجب أن نذكر التطور الذي مرّت به كلمة الاجتهاد لكي نتبين كيف أن النزاع الذي وقع حول جواز عملية الاستنباط و الضجّة التي أثيرت ضدّها لم يكن إلّا نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي و غفلة عن التطورات التي مرّت بها كلمة الاجتهاد في تاريخ هذا العلم.

الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد و هو «بذل الوسع للقيام بعمل ما»، و قد استعملت هذه الكلمة- لأول مرّة- على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قرّرتها بعض مدارس الفقه السنّي و سارت على أساسها و هي القاعدة القائلة: «إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا و لم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنّة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص»، و الاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي‏ (1)، فالفقيه- حيث لا يجد النص- يرجع إلى تفكيره‏

____________

(1) و الرجوع إلى الظن، و هو باطل بداهة لوجود أحاديث صحيحة من قبل الأئمة (عليهم السّلام)، لكنهم لا يؤمنون بالأئمة فتركوهم و صاروا يعملون بظنونهم‏