شرح الحلقة الثانية

- ناجي طالب‏ آل فقيه العاملي المزيد...
252 /
5

[الجزء الاول‏]

مقدّمة الشارح‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الخلق محمد و آله الطاهرين.

لا شك أن أشرف العلوم في الدنيا على الإطلاق هي العلوم الدينية، فبها يعرف الإنسان ربّه و شريعة ربّه و بتطبيقها يصل الإنسان إلى رضوان ربّه و جنّة عرضها كعرض السماء و الأرض.

و لذلك بعث اللّه الأنبياء بها، و بها كرّم أنبياءه، فكم من مرّة يذكر اللّه تعالى هذه النعمة الكبيرة بقوله‏ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إشارة إلى أهمية هذه العلوم.

و علم أصول الفقه هو من أهمّ هذه العلوم، إذ به يتمكّن الإنسان من فهم أحكام دين اللّه بالشكل الصحيح.

و هذه الحلقات المباركة هي من أحسن ما كتب في هذا المجال و هي من توفيقات اللّه عزّ و جلّ لسيدنا الشهيد الصدر أعلى اللّه مقامه و حشرنا في درجته مع أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام‏)

6

و أصحابه (رضوان اللّه عليهم‏).

و قد منّ اللّه عليّ أن هيّأ لي أسباب شرحها و التعليق عليها ليكون ذلك عونا للأستاذ و الطالب في آن معا، فله الحمد و الشكر حتى يرضى و فوق الرضا. و إنما علّقت عليها ليكون ذلك محرّكا لذهن الطالب و تجنيبا له من الوقوع في التقليد و الجمود.

و لما كان هذا الكتاب لطلّاب العلم كان لا بدّ من ذكر النصائح المهمة التي تفيد الطالب كثيرا في هذه المسيرة.

- اعلم أخي الحبيب أن العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء، و اعلم أنه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه و ان التوفيق إنما هو من عند اللّه، و ان اللّه يهدي من يشاء و يضلّ من يشاء بيده الخير و هو على كل شي‏ء قدير، فإذا كان الأمر كله يرجع إلى اللّه فلنرفع إذن أيدينا نحو السماء و لندعو اللّه بقلوب سليمة بخشوع و خضوع و دموع أن يوفّقنا لسلوك درب الأنبياء و الأوصياء و أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، و بعدها نتوجّه نحو الدرس بكلّنا، بأن نتفرّغ له و نبتعد عن الأهل و الأحباب ما استطعنا خوفا من تضييع أعمارنا، فإنّي لا أعرف عالما كبيرا إلّا و قد ابتعد عن الأهل و الأحباب ليعطي العلم كله، فها هو الشهيد الأول الذي ألّف اللمعة الدمشقية في السجن و الشهيد الثاني الذي ألّف شرحها في بستان بعيد عن قريته جباع حتى ظنّ الناس أنه في الحج، و ها هو الإمام الخميني (قدس سرّه‏) يؤلّف تحرير الوسيلة في تركيا، و صدر المتألهين صاحب التأليفات الكثيرة و المهمّة رحل من قم إلى جبل‏

7

ناء (جبل كهك) الذي كان يبعد عن قم آنذاك حوالي عشرة كلم و الأمثلة في ذلك لا تحصى ... و علينا أن نهتمّ بالمباحثات العلمية و التدريس و تحضير الدروس قبل حضورها عند الأستاذ و كتابة جميع الفوائد قبل أن تطير من الأذهان.

لا بدّ لك- أخي الطالب- من فهم كل المطالب العلمية و النظر فيها و في مدى صحتها، و لا تكن مقلّدا ما استطعت، فكم تسمع من الأمور أشياء تحسبها سليمة و تكون ركيزتها سقيمة، فمثلا كم تسمع أن كلمة «غير» لا تدخل عليها ال التعريف، و لذلك لا يصح أن تقول «الأمارات الغير معتبرة»، مع أن هذا غير صحيح، و دليلهم ضعيف، بل الدليل على العكس قويم. و أمثلة ذلك كثيرة حتى في حياتنا الدنيا، فكم يستنكر الناس من وجود أغنياء كبار و فقراء ضعاف، مع أن هذه الفكرة خاطئة، فنظام الحياة يحتاج إلى غني و فقير، فالحياة لا تعمر إلّا بمال الغني و بدن الفقير، و إلّا فلو كان الناس كلهم أغنياء فمن يعمل بالأعمال المتواضعة و من يزرع و يصنع و يبني و و ...

ثم اعلم أخي الطالب أنه يجب أن تكون أفضل الناس في علمك و اخلاقك ليصح اقتداء الناس بك، فإنّ عالم الدين يجب أن يكون هو المتّبع في الدنيا لا أن يكون سائرا مع تيار الناس كيف توجّه يتوجّه، حتى في جلساته الخاصّة، إذا تكلّم الناس بالدنيا ينبغي أن يوجههم نحو الآخرة، و إن توجّهوا إلى العالم السفلي وجّههم نحو اللّه.

8

عالم الدين ينبغي أن يكون السبّاق في معرفة اللّه و معرفة شريعته و تطبيقها و في أخلاقه و سجاياه و عبادته.

عالم الدين يجب أن يكون السبّاق في حفظ القرآن الكريم و تفسيره، و إلى بيوت اللّه في الليل و النهار.

و أخيرا نقول ينبغي على كل طالب علم دين أن يركّز على الحفظ ساعة كل يوم، يحفظ فيها صفحة كاملة من القرآن الكريم، و يحفظ في بقية الساعة ما استطاع من نهج البلاغة أو الصحيفة السجّادية أو الأحاديث المهمّة التي يحتاجها في حياته، خاصّة الروايات الواردة في باب جهاد النفس من وسائل الشيعة.

اللهم وفّقنا لمراضيك و جنّبنا معاصيك، و اجعل هذا ذخرنا ليوم الدين، و لا تأخذنا إليك حتى ترضى عنّا، اللهمّ ربّنا و لا تزغ قلوبنا عنك و عن محمد و آل محمد طرفة عين أبدا و احشرنا معهم في أعلى عليين، و صلّ اللّهم عليهم قدر كرمك يا أكرم الأكرمين، و الحمد للّه رب العالمين.

ناجي طالب جبل عامل‏

9

(1) تمهيد (2) الادلّة (3) تعارض الادلة

(1) تمهيد

1- تعريف علم الأصول 2- موضوع علم الأصول و فائدته 3- الحكم الشرعي و تقسيمه 4- تنويع البحوث الأصوليّة 5- حجيّة القطع و أحكامه‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

تعريف علم الأصول‏

يعرّف علم الأصول عادة بأنّه «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي».

توضيح ذلك: إنّ الفقيه في استنباطه مثلا للحكم بوجوب ردّ التحية من قوله تعالى‏ وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (1) يستعين بظهور صيغة الأمر في الوجوب و حجية الظهور. فهاتان قاعدتان ممهّدتان لاستنباط الحكم الشرعي بوجوب ردّ التحية.

و قد يلاحظ على التعريف أن تقييد القاعدة بوصف التمهيد يعني أنها تكتسب أصوليتها من تمهيدها و تدوينها لغرض الاستنباط (2)، مع اننا نطلب من التعريف إبداء الضابط الموضوعي الذي بموجبه يدوّن علماء الأصول في علمهم هذه المسألة دون‏

____________

(1) النساء: 86

(2) أي إن لم تكن ممهّدة فلا تكون أصوليّة

12

تلك‏ (*)، و لهذا قد تحذف كلمة التمهيد و يقال: إنه العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط.

و لكن يبقى هناك اعتراض أهم و هو أنه لا يحقّق الضابط المطلوب، لأن مسائل اللغة كظهور كلمة الصعيد قواعد تقع في طريق الاستنباط أيضا (1). و لهذا كان الأولى تعريف علم الأصول بأنه: «العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط». و نقصد بالاشتراك صلاحية العنصر للدخول في استنباط حكم أي مورد من الموارد التي يتصدّى الفقيه لاستنباط حكمها مثل ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فإنه قابل لأن يستنبط منه وجوب الصلاة أو وجوب الصوم و هكذا. و بهذا تخرج أمثال مسألة ظهور كلمة الصعيد عن علم الأصول، لأنها عنصر خاص لا يصلح للدخول في استنباط حكم غير متعلّق بمادّة الصعيد (**).

____________

(1) بناء على شمول القاعدة للمسألة أيضا على ما ذكر في كتاب محيط المحيط

(*) (أقول) مرادهم من تعريف علم الأصول بأنه القواعد الممهّدة ... القواعد التي من شأنها أن تكون ممهّدة للاستنباط، و عليه لا يرد على هذا التعريف هذا الإشكال، و سيعترف (رحمه اللّه‏) بهذا أسفل هذه الصفحة

(**) يرد على هذا الكلام أنّ المراد بالقواعد هي العناصر المشتركة لا العناصر الخاصّة، و لذلك فأمثال كلمة الصعيد خارجة من تعريف علم الأصول، و بذلك يكون التعريف الثاني و هو «العلم بالقواعد التي تقع في طريق الاستنباط» مثل تعريف سيدنا الشهيد

13

موضوع علم الأصول و فائدته‏

موضوع علم الأصول‏

يذكر لكل علم موضوع عادة و يراد به ما يكون جامعا بين موضوعات مسائله، و ينصبّ البحث في المسائل على أحوال ذلك الموضوع و شئونه، كالكلمة العربية بالنسبة إلى علم النحو مثلا (1).

و على هذا الأساس حاول علماء الأصول تحديد موضوع لعلم الأصول، فذكر المتقدّمون منهم أن موضوعه هو الأدلّة الأربعة (الكتاب، السنّة، الاجماع، و العقل) (2).

و اعترض على ذلك بأنّ الأدلة الأربعة ليست عنوانا جامعا بين‏

____________

(1) فينصبّ البحث عن أحوال الكلمة فيقال في مسائل النحو: الكلمة تكون مرفوعة إذا كانت فاعلا أو مبتدأ و و .. و تكون منصوبة إذا كانت مفعولا به أو ... و هكذا. الرفع و النصب و نحوهما هي أحوال الكلمة

(2) بتقريب أنه متى يكون الكتاب حجّة؟ فيقال إذا كان مدلوله نصّا أو ظاهرا.

و متى تثبت السنة؟ فيقال بالتواتر و خبر الثقة. و متى يكون الاجماع حجّة؟

فيقال إذا كشف عن رأي المعصومين (عليهم السّلام‏). و متى يحكم العقل بالاستلزامات كاستلزام وجوب شي‏ء لحرمة ضدّه و وجوب مقدّمته؟.

14

موضوعات مسائله جميعا، فمسائل الاستلزامات مثلا موضوعها الحكم [و ليس العقل‏]، إذ يقال مثلا: إنّ الحكم بالوجوب على شي‏ء هل يستلزم تحريم ضدّه أو لا (1)؟ و مسائل حجيّة الأمارات الظنيّة كثيرا ما يكون موضوعها الذي يبحث عن حجيّته شيئا خارجا عن الأدلّة الأربعة كالشهرة و خبر الواحد (2)، و مسائل الأصول العمليّة موضوعها الشك في التكليف على أنحائه‏ (3) و هو أجنبي عن الأدلّة الأربعة أيضا.

و لهذا ذكر جملة من الأصوليين: أن علم الأصول ليس له موضوع واحد، و ليس من الضروري أن يكون للعلم موضوع واحد جامع بين موضوعات مسائله.

غير أن بالإمكان توجيه ما قيل أوّلا من كون الأدلّة الأربعة هي الموضوع مع عدم الالتزام بحصرها في الأدلّة الأربعة بأن نقول: إن موضوع علم الأصول هو كل ما يترقّب أن يكون دليلا و عنصرا مشتركا في عملية استنباط الحكم الشرعي و الاستدلال‏

____________

(1) فالبحث في هذه المسألة عن أحوال الوجوب و هل أنه يستلزم تحريم ضدّه و وجوب مقدمته شرعا أم فقط عقلا

(2) فيقال هل أن الشهرة حجة أم لا، و هل أن خبر الثقة حجة أم لا ... فالبحث إذن عن أحوال الشهرة و خبر الثقة. (و قليلا) ما يكون البحث داخلا في الأدلّة الأربعة كالبحث عن حجيّة ظهورات الكتاب الكريم و السنّة الشريفة

(3) فتقول إذا شككت فاجر البراءة أو الاستصحاب أو الاحتياط، فموضوع البحث إذن هو الشك، و ليس أحد الادلّة الاربعة

15

عليه، و البحث في كل مسألة أصولية إنما يتناول شيئا مما يترقّب أن يكون كذلك و يتجه إلى تحقيق دليليّته بالاستدلال عليها إثباتا و نفيا. فالبحث في حجيّة الظهور أو خبر الواحد أو الشهرة بحث في دليليتها، و البحث في أن الحكم بالوجوب على شي‏ء هل يستلزم تحريم ضدّه بحث في دليلية الحكم بوجوب شي‏ء على حرمة الضد، و مسائل الأصول العمليّة يبحث فيها عن أحكام‏ (1) الشك و عدم البيان على المعذّرية، و هكذا.

فصحّ أن موضوع علم الأصول هو الأدلّة المشتركة (*) في الاستدلال الفقهي، و البحث الأصولي يدور دائما حول دليليّتها (2).

____________

(1) في النسخة الأصلية قال «دليلية» بدل «أحكام» و الأولى ما صنعناه و الوجه واضح‏

(2) أي هل أن الشهرة دليل أم لا؟ و هل أن القياس دليل أم لا؟ ... و هكذا

(*) سبق و قال (رحمه اللّه‏) في أول البحث أن موضوع العلم هو الجامع بين موضوعات مسائله، فبناء عليه كان يلزم أن يقول هنا هو الدليل المشترك ... لا هو الأدلّة المشتركة، إلّا أن يقال إنه (رحمه اللّه‏) لا يؤمن بوجود جامع بين موضوعات مسائل علم الأصول و لذلك قال بأنه «كل ما يترقب أن يكون دليلا مشتركا ...» و لكن هذا الدفاع غير صحيح لأنه يصرّح في الحلقة الثالثة بأن «لعلم الأصول موضوعا كليا»

16

فائدة علم الأصول‏

اتضح مما سبق أن لعلم الأصول فائدة كبيرة للاستدلال الفقهي، و ذلك أن الفقيه في كل مسألة فقهية يعتمد على نمطين من المقدّمات في استدلاله الفقهي:

- أحدهما: عناصر خاصّة بتلك المسألة من قبيل الرواية التي وردت في حكمها و ظهورها في إثبات الحكم المقصود و عدم وجود معارض لها و نحو ذلك.

- و الآخر: عناصر مشتركة تدخل في الاستدلال على حكم تلك المسألة و مسائل أخرى كثيرة في مختلف أبواب الفقه، من قبيل أن خبر الواحد الثقة حجّة و ظهور الكلام حجّة.

و النمط الأول من المقدّمات يستوعبه الفقيه بحثا في نفس تلك المسألة، لأن ذلك النمط من المقدّمات مرتبط بها خاصّة.

و أمّا النمط الثاني فهو بحكم عدم اختصاصه بمسألة دون أخرى أنيط ببحث آخر خارج نطاق البحث الفقهي و هو الذي يعبّر عنه بعلم الأصول، و بقدر ما اتسع الالتفات تدريجيا- من خلال البحث الفقهي- إلى العناصر المشتركة اتسع علم الأصول و ازداد أهميّة، و بذلك صحّ القول بأنّ دور علم الأصول بالنسبة إلى الاستدلال الفقهي يشابه دور علم المنطق بالنسبة إلى الاستدلال بوجه عام، حيث إن علم المنطق يزوّد الاستدلال بوجه عام بالعناصر المشتركة التي لا تختص بباب من أبواب التفكير دون باب، و علم الأصول يزوّد الاستدلال الفقهي خاصة بالعناصر المشتركة التي لا تختص بباب من أبواب الفقه دون باب.

17

الحكم الشرعي و تقسيمه‏

الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من اللّه تعالى لتنظيم حياة الإنسان و توجيهه‏ (1)، و هو على قسمين:

- أحدهما: الأحكام التكليفية (2) التي تتعلّق بأفعال الإنسان و لها توجيه عملي مباشر.

- و الآخر: الأحكام الوضعية التي ليس لها توجيه عملي مباشر،

____________

(1) لا يصح التمثيل للحكم الشرعي ب «أقيموا الصلاة» و إنما هذا خطاب شرعي يكشف عن الحكم الشرعي الذي هو «الصلاة واجبة»

(2) ليست الأحكام التكليفية هي الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة، و إنما الأحكام التكليفية هي «الصلاة واجبة» و «الخمر حرام» و هكذا، و ذلك لأن الحكم التكليفي هو الذي يوجّه الإنسان عمليا، فوجوب الصلاة مثلا يوجّه المكلّف توجيها عمليا نحو الصلاة و هكذا، لكن رغم وضوح هذا الأمر تساهل سيدنا الشهيد في التعبير فاستعمل لفظة الاحكام التكليفية في الوجوب و اخواته فقال بأنّ الأحكام التكليفية تتعلق بافعال الانسان كالصلاة و الاكل و شرب الخمر (الذي هو فعل للانسان)، و الخلاصة ان سيدنا الشهيد (حشرنا اللّه معه) استعمل كلمة الاحكام التكليفية في جملة واحدة في معنيين تساهلا، و الأمر سهل‏

18

و كثيرا (1) ما تقع موضوعا لحكم تكليفي، كالزوجية فإنها تقع موضوعا لوجوب النفقة مثلا.

مبادئ الحكم التكليفي‏

و نحن إذا حلّلنا عملية الحكم التكليفي كالوجوب- كما يمارسها أيّ مولى في حياتنا الاعتيادية- نجد انها تنقسم إلى مرحلتين:

إحداهما مرحلة الثبوت للحكم و الاخرى مرحلة الإثبات و الإبراز.

فالمولى في مرحلة الثبوت يحدّد ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة (و هي ما يسمّى بالملاك) حتى إذا أدرك وجود مصلحة بدرجة معينة فيه تولّدت إرادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة، و بعد ذلك يصوغ المولى إرادته صياغة جعليّة من نوع الاعتبار فيعتبر الفعل على ذمّة المكلّف‏ (2). فهناك إذن في مرحلة الثبوت ملاك و إرادة و اعتبار، و ليس الاعتبار عنصرا

____________

(1) قال «كثيرا» لأنه أحيانا لا يقع الحكم الوضعي موضوعا لحكم تكليفي كالجزئية و المانعية، فالصلاة باللباس المتنجس مانع من صحّة الصلاة فهو حكم وضعي لكنه لا يترتب عليه حكم تكليفي، و إنما يجب عليه عقلا إعادة الصلاة، و جزئية الركوع من الصلاة حكم وضعي لكن لا يترتب عليها حكم تكليفي و هكذا، فاللّه تعالى لم يقل- إضافة إلى قوله أقيموا الصلاة المعروفة- أرتّب على جزئية الركوع وجوب الاتيان به، و ذلك لوضوح ذلك من خلال الأمر بالمركّب‏

(2) فيعتبر في علمه فقط- دون إنشاء- أن الحج واجب‏

19

ضروريا في مرحلة الثبوت، بل يستخدم غالبا كعمل تنظيمي و صياغي اعتاده المشرّعون و العقلاء، و قد سار الشارع على طريقتهم في ذلك‏ (*).

و بعد اكتمال مرحلة الثبوت بعناصرها الثلاثة- أو بعنصريها الأوّلين على أقل تقدير- تبدأ مرحلة الإثبات، و هي المرحلة التي يبرز فيها المولى- بجملة إنشائيّة أو خبريّة- مرحلة الثبوت بدافع من الملاك و الإرادة، و هذا الإبراز قد يتعلّق بالإرادة مباشرة كما إذا قال:

أريد منكم كذا، و قد يتعلّق بالاعتبار الكاشف عن الإرادة، كما إذا قال: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (1)، و إذا تمّ هذا الإبراز من المولى أصبح من حقّه‏

____________

(1) حينما يرى المولى وجوب عمل ما على العبيد فإنه في مرحلة علمه أي في مرحلة الثبوت (1) يريده و (2) يعتبره في علمه واجبا أي يوجبه في علمه و ذهنه. و أمّا في مرحلة الاثبات أي إبراز الحكم فانه إمّا أن يبرز إرادته فيقول اريد منكم ان تصلّوا، و إمّا أن يبرز اعتباره فيقول «اعتبر الصلاة عليكم واجبة» و «لي عليكم ان تحجّوا» «أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة».

(*) الواقع أن روح الحكم هو الملاك و ليست الإرادة و الاعتبار إلّا و ليدين تلقائيين، فالعطشان إذا رأى الماء أراد شربه تلقائيا، و المقنّن إذا رأى مصلحة ملزمة في شي‏ء كما في الصلاة أراد تشريع وجوبه فيعبّره واجبا، ثم- في مرحلة الاثبات- يبرز هذا الاعتبار، فالاعتبار إذن حكم ذهني لا بدّ أن يسبق إبراز الحكم و إنشاءه، و إلّا فكيف يقول «الصلاة واجبة» إن لم يعتبرها واجبة في علمه و لو قبل تشريعها بلحظة، و هل الإبراز إلّا كاشف عن الاعتبار النفسي؟! (على) أن الاعتبار لا ينشأ و إنما يتصوّر فقط

20

على العبد- قضاء لحقّ مولويته- الإتيان بالفعل، و انتزع العقل عن إبراز المولى لإرادته الصادر منه بقصد التوصل إلى مراده عناوين متعدّدة من قبيل البعث و التحريك و نحوهما.

و كثيرا ما يطلق على الملاك و الإرادة (و هما العنصران اللازمان في مرحلة الثبوت) اسم «مبادئ الحكم»، و ذلك بافتراض أن الحكم نفسه هو العنصر الثالث من مرحلة الثبوت (أي الاعتبار)، و الملاك و الإرادة مبادئ له، و إن كان روح الحكم و حقيقته- التي بها يقع موضوعا لحكم العقل بوجوب الامتثال- هي نفس الملاك و الإرادة إذا تصدّى المولى لإبرازهما بقصد التوصل إلى مراده سواء أنشأ اعتبارا أو لا.

و لكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة و من ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة، و مبادئ الحرمة هي المبغوضيّة الشديدة و من ورائها المفسدة البالغة إلى الدرجة نفسها، و الاستحباب و الكراهة يتولّدان عن مبادئ من نفس النوع و لكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب و بارتكاب المكروه، و أمّا الإباحة فهي بمعنيين: أحدهما الإباحة بالمعنى الخاص التي تعتبر نوعا خامسا من الأحكام التكليفية، و هي تعبّر عن مساواة الفعل و الترك في نظر المولى، و الآخر الإباحة بالمعنى العام و قد يطلق عليها اسم الترخيص في مقابل الوجوب و الحرمة فتشمل المستحبّات و المكروهات مضافا إلى المباحات‏

21

بالمعنى الخاص لاشتراكها جميعا في عدم الإلزام.

و الإباحة قد تنشأ عن خلوّ الفعل المباح من أيّ ملاك يدعو إلى الإلزام فعلا أو تركا، و قد تنشأ عن وجود ملاك في أن يكون المكلّف مطلق العنان، و ملاكها على الأول لا اقتضائي‏ (1) و على الثاني اقتضائي.

التضادّ بين الأحكام التكليفية:

و حين نلاحظ أنواع الحكم التكليفي التي مرّت بنا نجد أن بينها تنافيا و تضادّا يؤدّي إلى استحالة اجتماع نوعين منها في فعل واحد. و مردّ هذا التنافي إلى التنافر بين مبادئ تلك الأحكام‏ (2).

و أمّا على مستوى الاعتبار فقط فلا يوجد تنافر، إذ لا تنافي بين الاعتبارات إذا جرّدت عن الملاك و الإرادة (*).

____________

ملاحظة: أخي الطالب، كلما ترى في بداية الشرح نجمة هكذا* فالمكتوب يكون تعليقة على رأي سيدنا الشهيد أعلى اللّه مقامه، و كلما ترى حرف ح فمعناه حينئذ

(1) أي و ملاكها على الأوّل لا اقتضاء فيه أي لا مصلحة فيه تدعو لجعل حكم فيها كاكثر حركاتنا و على الثاني يوجد فيه اقتضاء و مصلحة تدعو للإباحة

(2) إذ لا يمكن أن تكون المصلحة ملزمة و غير ملزمة في نفس الفعل‏

(*) هذا لا يمكن الموافقة عليه إذ لا يمكن أن يعتبر المولى الصلاة مثلا واجبة و غير واجبة في علمه سواء برز هذا الاعتبار إلى المكلّفين أم لم يبرز لأنه خلاف الحكمة. (فإن قيل) قد يراد بالاعتبار الغير قابل للتكليف الحقيقي الكشف عن شدّة اهتمام المولى بهذا الأمر و إن كان-

22

و كذلك أيضا لا يمكن أن يجتمع في فعل واحد فردان من نوع واحد، فمن المستحيل أن يتصف شي‏ء واحد بوجوبين، لأن ذلك يعني اجتماع إرادتين على مراد واحد، و هو من قبيل اجتماع المثلين، لأن الإرادة لا تتكرّر على شي‏ء واحد، و إنما تقوى و تشتدّ، و المحذور هنا أيضا بلحاظ المبادئ لا بلحاظ الاعتبار نفسه‏ (*).

شمول الحكم الشرعي لجميع وقائع الحياة:

و لما كان اللّه تعالى عالما بجميع المصالح و المفاسد التي ترتبط بحياة الإنسان في مختلف مجالاته الحياتية فمن اللطف اللائق برحمته أن يشرّع للإنسان التشريع الأفضل وفقا لتلك المصالح و المفاسد في شتّى جوانب الحياة، و قد أكّدت ذلك نصوص كثيرة (1) وردت عن أئمّة أهل البيت و خلاصتها أن الواقعة لا تخلو من حكم.

____________

(1) و قبل ذلك قوله تعالى‏ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، أي بعليّ (عليه السّلام‏) كممثّل لخط الإمامة و خلافة النبي (صلّى اللّه عليه و آله‏ و سلم) اكتمل الدين، ثم هم أخبرونا انّ لكل واقعة حكما و قد اخبرونا بجميع الاحكام المهمّة

- مستحيلا (قلت) هذا الاحتمال النظري لا و لن نجد منه شيئا في شريعتنا و لا في الشرائع السماوية الأخرى، بل ما يفهمه الإنسان من أمر مولاه هو إرادة التحريك الحقيقي الناشئة من ملاك حقيقي، و لا يحتمل كون هذا الاعتبار الفلاني ناشئا من ملاك و إرادة خياليتين‏

(*) (أقول) هذا الكلام يصح في غير المعصوم ففقد يعتبر الشخص الصلاة واجبة و محرّمة في نفس الوقت اذا كان هذا الاعتبار مجرّدا عن وجود ملاك و إرادة، و كذا لا إشكال اذا اعتبرنا العالم جاهلا و الحائط كتابا، لكن هذا لا يصح فرضه في الشارع المقدّس‏

23

الحكم الواقعي و الحكم الظاهري‏

ينقسم الحكم الشرعي إلى واقعي و ظاهري، فالحكم الواقعي هو: كل حكم لم يفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق‏ (1)، و الحكم الظاهري هو: كل حكم افترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق، من قبيل أصالة الحل في قوله (عليه السّلام‏) «كل شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنه حرام» و سائر الأصول العمليّة الأخرى، و من قبيل أمره بتصديق الثقة و العمل على وفق خبره و أمره بتصديق سائر الأمارات الأخرى‏ (2). و على هذا الأساس يقال عن الأحكام الظاهرية بأنّها متأخّرة رتبة عن الأحكام الواقعية، لأنه قد افترض في موردها الشك في الحكم الواقعي، و لو لا وجود الأحكام الواقعية في الشريعة لما كانت هناك أحكام ظاهرية (3).

____________

(1) كوجوب الصلاة، فإنّ المولى تعالى لم يقل إذا شككت فالصلاة واجبة

(2) فإنّ هذه الأحكام الظاهرية مفادها هكذا:

- إن شككت في الحكم الواقعي فخذ بخبر الثقة.

- إن شككت في الحكم الواقعي و لم يكن لديك خبر ثقة فخذ بالاستصحاب أو بالبراءة ... (فهنا) تلاحظ أن الأحكام الظاهرية هذه أخذ في موضوعها الشك في الحكم الواقعي‏

(3) لأن الأحكام الظاهرية شرّعت في حال الشك في الحكم الواقعي، و بعض الأحكام الظاهرية- كحجيّة خبر الثقة- شرّعت لادراك أغلب الأحكام الواقعيّة

24

الأمارات و الأصول‏

و الأحكام الظاهرية تصنّف عادة إلى قسمين‏ (1):

* أحدهما: الحكم الظاهري المرتبط بكشف دليل ظني‏ (2) معين على نحو يكون كشف ذلك الدليل هو الملاك التام لجعله كالحكم الظاهري بوجوب تصديق خبر الثقة و العمل على طبقه، سواء كان ذلك الدليل الظني مفيدا للظن الفعلي دائما أو غالبا و في حالات كثيرة، و في هذه الحالة يسمّى ذلك الدليل بالأمارة و يسمّى الحكم الظاهري بالحجيّة، فيقال: إن الشارع جعل الحجية للأمارة.

* و الآخر: الحكم الظاهري الذي أخذ فيه بعين الاعتبار نوع الحكم المشكوك‏ (3)، سواء لم يؤخذ أي كشف معيّن بعين‏

____________

(1) الأوّل كحجيّة خبر الثقة و سوق المسلمين و اليد و عمل المسلم، و الثاني كالاستصحاب- الذي فيه درجة كشف و لو ضعيفة- و البراءة و الاحتياط

(2) فإنّ خبر الثقة يفيد الظن في كثير من الحالات و رغم ذلك اعتبره الشارع المقدّس حجّة لأنه يصيب الأحكام الواقعية غالبا، حجية خبر الثقة هذه هي الحكم الظاهري.

و بتعبير آخر: القسم الأول من الأحكام الظاهرية هو المتعلق بالامارة الكاشفة غالبا عن الحكم الواقعي‏

(3) بيان ذلك: إذا شككت في حلّية لحم الحصان مثلا فإنك تجري قاعدة البراءة، و ذلك لأن نوع الحكم المشكوك- و هو حلّية لحم الحصان- يقتضي الحكم بالبراءة.-

25

الاعتبار في مقام جعله‏ (1) أو أخذ و لكن لا بنحو يكون هو الملاك التام بل منضمّا إلى نوع الحكم المشكوك‏ (2)، مثال الحالة الأولى أصالة الحل، فإنّ الملحوظ فيها كون الحكم المشكوك و المجهول‏

____________

- و كذلك إذا كنت على يقين من طهارتك، ثم شككت في طروء الحدث فإنك تبني على بقاء الحالة السابقة، لأنّ نوع الحكم المشكوك- و هو احتمال بقاء الحالة السابقة- يقتضي الحكم بالاستصحاب.

و كذلك إذا كنت تعلم بنجاسة أحد إناءين على وجه التردّد فإنه يجب عليك الاحتياط، لأنّ هذا النوع من الحكم المشكوك- و هو العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما- يقتضي الحكم بالاحتياط.

هذه الأصول العملية- كالبراءة و الاستصحاب و الاحتياط- هي بنفسها احكام ظاهرية

(1) كالبراءة فإنه ليس فيها درجة كشف عن الحكم الواقعي، و نوع الحكم المشكوك ليس بتلك الأهمية التي تقتضي الاحتياط، و إنما شرّعها اللّه تعالى لأنّ موردها يحسن فيه التسهيل على المكلفين‏

(2) كالاستصحاب فإنّ فيها درجة كشف و لو ضعيفة و لكن ليست درجة الكشف هذه هي الملاك التام لتشريع الاستصحاب لأنك أحيانا تظن بتغيّر الحالة السابقة و تظن بطروء النجاسة و رغم ذلك شرّع اللّه لك اتباع الحالة السابقة و البناء على الطهارة، إذن هناك أمر آخر مضاف إلى درجة الكشف هذه و هو نوع الحكم المشكوك، فأنا أشك بتغير الحالة السابقة أو قل أشك ببقاء الحكم السابق، هذا النوع من الحكم يناسب البناء على الحالة السابقة فإنّ البناء على الحالة السابقة في هكذا حالة أمر فطري عند الإنسان بل حتى عند الحيوان، و لذلك تراه يرجع إلى بيته و لو ظنّ خرابه. (و كان الأولى) أن يقول بدل «نوع الحكم المشكوك» نوع المورد المشكوك، فمورد يناسبه البراءة و مورد يناسبه الاحتياط و مورد يناسبه الاستصحاب‏

26

مردّدا بين الحرمة و الإباحة و لم يلحظ فيها وجود كشف معيّن عن الحلية. و مثال الحالة الثانية قاعدة الفراغ، فإنّ التعبّد في هذه القاعدة بصحّة العمل المفروغ عنه يرتبط بكاشف معيّن عن الصحّة و هو غلبة الانتباه و عدم النسيان في الإنسان، و لكن هذا الكاشف ليس هو كل الملاك، بل هناك دخل لكون المشكوك مرتبطا بعمل تمّ الفراغ عنه، و لهذا لا يتعبّدنا الشارع بعدم النسيان في جميع الحالات. و تسمّى الأحكام الظاهرية في هذا القسم بالأصول العمليّة، و يطلق على الأصول العمليّة في الحالة الأولى اسم الأصول العمليّة غير المحرزة (1)، و في الحالة الثانية اسم الأصول العمليّة المحرزة، و قد يعبّر عنها بالأصول العمليّة التنزيليّة (2).

اجتماع الحكم الواقعي و الظاهري‏

بناء على ما تقدّم يمكن أن يجتمع في واقعة واحدة حكمان:

أحدهما واقعي و الآخر ظاهري. مثلا: إذا كان الدعاء عند رؤية الهلال واجبا واقعا و قامت الأمارة على استحبابه‏ (3) فحكم الشارع بحجيّة الأمارة و بأنّ الفعل المذكور مستحبّ في حق من يشك في‏

____________

(1) أي التي ليس فيها جنبة كشف و احراز للحكم الواقعي كقاعدة البراءة

(2) هناك فرق بين الأصول التنزيلية (التي تنزّل الطهارة مثلا منزلة الطاهر الواقعي) و الأصول المحرزة (التي تنزّل احتمال إصابة الحكم الواقعي منزلة اليقين). راجع ح 3 ج 3 ص 21

(3) في النسخة الأصلية قال «إباحته» و الأولى استحبابه‏

27

وجوبه، فقد اجتمع حكمان تكليفيان على واقعة واحدة: أحدهما واقعي و هو الوجوب و الآخر ظاهري و هو الاستحباب. و ما دام أحدهما من سنخ الأحكام الواقعية و الآخر من سنخ الأحكام الظاهريّة فلا محذور في اجتماعهما، و إنما المستحيل أن يجتمع في واقعة واحدة وجوب واقعي و استحباب واقعي.

القضية الحقيقية و القضية الخارجية للأحكام‏

الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية و أخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية.

توضيح ذلك: إنّ المولى المشرّع تارة يشير إلى الأفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول «أكرمهم» (1)، و أخرى يفترض وجود العالم و يحكم بوجوب إكرامه و لو لم يكن هناك عالم موجود فعلا، فيقول: «إذا وجد عالم فأكرمه». و الحكم في‏

____________

(1) قد يكون موضوع القضية الخارجية موجودا في الماضي كما في قولك «ترحّم على سلمان الفارسي» و قد يكون في الزمان الحاضر كما في قولك «اكرم هذا العالم» و قد يكون في المستقبل كما في قولك لعبدك «أكرم ابناءك» أو «اكرم ولدك الذي سيولد هذه السنة»، فانّ ولده الذي سيولد في هذه السنة معيّن.

أمّا القضية الحقيقية فالموضوع فيها هو الوصف، فاذا وجد و تحقّق خارجا صار الحكم فعليا، مثل «اكرم العالم» التي هي في الواقع بمعنى الجملة الشرطية

28

الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجيّة، و في الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقيّة و ما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم موضوع القضية الحقيقيّة. و الفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقيّة نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، و أيّ فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور. و لا نستطيع أن نؤكّد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجيّة، لأنّ المولى في هذه القضية أحصى عددا معيّنا و أمر بإكرامهم، و ليس في هذه القضية الخارجيّة ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد.

29

تنويع البحث‏

حينما يستنبط الفقيه الحكم الشرعي و يستدلّ عليه (تارة) يحصل على دليل يكشف عن ثبوت الحكم الشرعي فيعوّل على كشفه‏ (1) و (أخرى) يحصل على دليل يحدّد الموقف العملي و الوظيفة العمليّة تجاه الواقعة المجهول حكمها، و هذا ما يكون في الأصول العمليّة التي هي أدلة على الوظيفة العمليّة و ليست أدلة على الواقع.

و على هذا الأساس سوف نصنّف بحوث علم الأصول إلى نوعين:

* أحدهما: البحث في الأدلّة من القسم الأوّل، أي العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط التي تتخذ أدلّة باعتبار كشفها عن الحكم الشرعي و نسمّيها الأدلّة المحرزة.

* و الآخر: البحث في الأصول العملية، و هي الأدلّة من القسم الثاني أي العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط التي تتخذ أدلّة على تحديد الوظيفة العمليّة تجاه الحكم الشرعي المجهول،

____________

(1) و هو ما يسمّى بالأمارات كالآيات و الروايات و الاجماع و العقل‏

30

و نسمّيها بالأدلّة العمليّة أو الأصول العمليّة.

و كل ما يستند إليه الفقيه في استدلاله الفقهي و استنباطه للحكم الشرعي لا يخرج عن أحد هذين القسمين من الأدلّة. و يمكن القول على العموم بأنّ كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها أساسا دليل من القسم الثاني أي أصل عملي يحدّد الوظيفة العمليّة، فإن توفّر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به و ترك الأصل العملي وفقا لقاعدة تقدّم الأدلّة المحرزة على الأصول العمليّة كما يأتي إن شاء اللّه تعالى، و إن لم يتوفّر دليل محرز أخذ بالأصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.

و يوجد عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي سواء ما استند فيه الفقيه إلى دليل من القسم الأول أو إلى دليل من القسم الثاني و هذا العنصر هو حجيّة القطع. و نريد بالقطع انكشاف قضية بدرجة لا يشوبها شك‏ (1).

و معنى حجيّته كونه منجّزا أي مصحّحا للعقاب إذا خالف العبد مولاه في تكليف مقطوع به لديه و كونه معذّرا أي نافيا لاستحقاق العقاب عن العبد إذا خالف مولاه نتيجة عمله بقطعه.

____________

(1) أي بدرجة مائة بالمائة، هذا و لكن الاطمئنان (الذي هو درجة 99، 99 بالمائة) أيضا حجّة بلا شك بين العلماء سواء في الأحكام أو الموضوعات و ذلك للسيرة العقلائية الممضاة من المعصومين (عليهم السّلام‏) كاطمئناننا بإيمان سلمان الفارسي و المقداد و أبي ذر و عمّار حشرنا اللّه معهم، و يعتبرونه «علم عرفي»

31

و واضح أن حجيّة القطع بهذا المعنى لا تستغني عنه جميع عمليات الاستنباط، لأنها إنما تؤدّي إلى القطع بالحكم الشرعي أو بالموقف العملي تجاهه، و لكي تكون هذه النتيجة الفقهية ذات أثر لا بدّ من الاعتراف مسبقا بحجيّة القطع، بل إنّ حجيّة القطع ممّا يحتاجها الأصولي في الاستدلال على القواعد الأصوليّة نفسها لأنه مهما استدلّ على ظهور صيغة «افعل» في الوجوب مثلا فلن يحصل على أحسن تقدير إلّا على القطع بظهورها في ذلك، و هذا لا يفيد إلّا مع افتراض حجيّة القطع.

كما أنه بعد افتراض تحديد الأدلّة العامّة و العناصر المشتركة في عملية الاستنباط قد يواجه الفقيه حالات التعارض بينها، سواء كان التعارض بين دليل من القسم الأوّل و دليل من القسم الثاني كالتعارض بين الأمارة و الأصل، أو بين دليلين من قسم واحد سواء كانا من نوع واحد كخبرين لثقتين أو من نوعين كالتعارض بين خبر الثقة و ظهور الآية أو بين أصالة الحل و الاستصحاب.

و من أجل ذلك سنبدأ فيما يلي:

- بحجيّة القطع‏

- ثم نتكلّم عن القسم الأوّل من الأدلّة (و هي الأدلّة المحرزة)- ثم عن القسم الثاني (الأصول العمليّة)

- و نختم بأحكام تعارض الأدلّة

إن شاء اللّه تعالى و منه نستمدّ التوفيق.

32

حجيّة القطع‏

للقطع كاشفية بذاته عن الخارج‏ (1)، و له أيضا نتيجة لهذه الكاشفية محرّكية نحو ما يوافق الغرض الشخصي للقاطع‏ (2)، فالعطشان إذا قطع بوجود الماء خلفه تحرّك نحو تلك الجهة طلبا للماء. و للقطع- إضافة إلى الكاشفية و المحرّكية المذكورتين- خصوصيّة ثالثة و هي الحجيّة، بمعنى أن القطع بالتكليف ينجّز ذلك التكليف، أي يجعله موضوعا لحكم العقل بوجوب امتثاله و صحّة العقاب على مخالفته.

و الخصوصية الأولى و الثانية بديهيّتان و لم يقع بحث فيهما و لا تفيان بمفردهما بغرض الأصولي الذي هو تنجيز التكليف الشرعي على المكلّف، و إنما الذي يفي بذلك الخصوصيّة الثالثة.

كما أنه لا شك في أن الخصوصيّة الأولى هي عين حقيقة القطع، لأن القطع هو عين الانكشاف‏ (*) و الإراءة، لا أنه شي‏ء من صفاته‏

____________

(1) كان الأولى أن يقول «القطع نتيجة الكاشفية عن الخارج ...»

(2) قال في النسخة الأصلية «... للقاطع إذا انكشف له بالقطع» و حذفها أولى لوضوحها

(*) بل القطع نتيجة الانكشاف كما عرفت في التعليقة الأولى لأن القطع حالة نفسانية لا تحصل إلّا عند الانكشاف.

33

الانكشاف. و لا شك أيضا في أن الخصوصية الثانية [و هي المحرّكية] من الآثار التكوينية للقطع بما يكون متعلقا للغرض الشخصي. فالعطشان الذي يتعلق غرض شخصي له بالماء حينما يقطع بوجوده في جهة يتحرّك نحو تلك الجهة لا محالة، و المحرّك هنا هو الغرض، و المكمّل لمحرّكية الغرض هو قطعه بوجود الماء و بإمكان استيفاء الغرض في تلك الجهة (1).

و أمّا الخصوصيّة الثالثة و هي حجيّة القطع أي منجّزيته للتكليف بالمعنى المتقدّم فهي شي‏ء ثالث غير مستبطن في الخصوصيتين السابقتين‏ (2)، فلا يكون التسليم بهما من الناحية

____________

(1) إذن صار المحرّك وليد: الغرض و القطع بوجود الماء و إمكان استيفائه‏

(2) ملخّص البحث: للقطع ثلاث خصوصيات: الأولى هو كاشف و الثانية هو محرّك نحو الغرض المقطوع به و الثالثة هو حجّة أي منجّز و معذّر، هذه الخصوصية الثالثة هي غرض الأصولي و محلّ بحثه، فنقول: أي قطع هذا الذي تكون الحجيّة من لوازمه؟ الجواب هو القطع بتكليف المولى، إذن يجب أن ننظر إلى حدود مولوية المولى أيّ مقدار يكون حق طاعة المولى.

فهنا قضيتان: الأولى: هل أن الحجّة عقلا هو خصوص القطع أم مجرّد الانكشاف بما يشمل الاحتمال أم مقدار معيّن من القطع كالقطع الناشئ من النقل مثلا لا من العقل- كما يدّعي بعض الاخباريين-؟ يقول المصنّف:

الحجة هو كل انكشاف و لو كان احتمالا، هكذا يرى العقل. القضية الثانية:

إنه لا يمكن الترخيص في الحكم الالزامي المقطوع به لأن الترخيص الواقعي ينافي الالزام الواقعي، و الترخيص الظاهري لا يمكن مع القطع بالحكم، هل رأيت فقيها يجري الترخيص عن وجوب الصلاة المعلومة الوجوب!

34

المنطقيّة تسليما ضمنيا بالخصوصيّة الثالثة، و ليس التسليم بهما مع إنكار الخصوصيّة الثالثة تناقضا منطقيّا، فلا بدّ إذن من استئناف نظر خاص في الخصوصيّة الثالثة.

و في هذا المجال يقال عادة: إنّ الحجيّة لازم ذاتي للقطع، كما أن الحرارة لازم ذاتي للنار، فالقطع بذاته يستلزم الحجيّة و المنجّزية، و لأجل ذلك لا يمكن أن تلغى حجيّته و منجّزيته في حال من الأحوال حتى من قبل المولى نفسه، لأن لازم الشي‏ء لا يمكن أن ينفك عنه و إنما الممكن للمولى أن يزيل القطع عن القاطع، فيخرجه عن كونه قاطعا بدلا عن أن يفكك بين القطع و الحجيّة.

و يتلخّص هذا الكلام في قضيتين:

- إحداهما إن الحجيّة و المنجّزية ثابتة للقطع لأنها من لوازمه.

- و الأخرى انه يستحيل أن تنفك الحجيّة عنه لأن اللازم لا ينفك عن الملزوم.

* أمّا القضية الأولى فيمكن أن نتساءل بشأنها: أيّ قطع هذا الذي تكون المنجزية من لوازمه؟ هل هو القطع بتكليف المولى أو القطع بتكليف أي آمر؟

من الواضح أن الجواب هو الأول، لأنّ غير المولى إذا أمر لا يكون تكليفه منجّزا على المأمور و لو قطع به، فالمنجّزية إذن تابعة للقطع بتكليف المولى، فنحن إذن نفترض أوّلا أن الآمر

35

مولى ثم نفترض القطع بصدور التكليف منه.

و هنا نتساءل من جديد ما معنى المولى؟ و الجواب أنّ المولى هو من له حقّ الطاعة أي من يحكم العقل بوجوب امتثال أوامره و استحقاق العقاب على مخالفته. و هذا يعني أن الحجيّة (التي محصّلها- كما تقدّم- حكم العقل بوجوب الامتثال و استحقاق العقاب على المخالفة) قد افترضناها مسبقا بمجرّد افتراض أن الآمر مولى، فالحجية إذن من شئون كون الآمر مولى و مستبطنة في نفس افتراض المولوية. فحينما نقول: إن القطع بتكليف المولى حجّة أي يجب امتثاله عقلا فكأننا قلنا: إنّ القطع بتكليف من يجب امتثال أوامره يجب امتثاله و هذا تكرار لما هو المفترض، فلا بدّ أن نأخذ نفس حق الطاعة و المنجّزية المفترضة في نفس كون الآمر مولى لنرى مدى ما للمولى من حقّ الطاعة على المأمور (1) و هل له حقّ الطاعة في كل ما يقطع به من تكاليفه؟ أو أوسع من ذلك بأن يفترض حقّ الطاعة في كل ما ينكشف لديه من تكاليفه و لو بالظن أو الاحتمال؟ أو أضيق من‏

____________

(1) أي إن قولكم: «القطع بتكليف المولى حجّة» معناه «القطع بتكليف المولى يجب امتثاله عقلا» و هذا معناه «القطع بتكليف من يجب امتثال أوامره يجب امتثاله» و هذه الجملة و إن كانت صحيحة إلّا أنها لا توضّح حدود حق طاعة المولى، فينبغي أن نقول بدل هكذا جمل «القطع بتكليف من له حقّ الطاعة يجب امتثاله»، هنا يصحّ أن ندرس حدود حقّ طاعة المولى‏

36

ذلك بأن يفترض حقّ الطاعة في بعض ما يقطع به من التكاليف خاصّة؟

و هكذا يبدو أن البحث في حقيقته بحث عن حدود مولوية المولى و ما نؤمن به له مسبقا من حقّ الطاعة، فعلى الأولى تكون المنجزية ثابتة في حالات القطع خاصّة، و على الثاني تكون ثابتة في كل حالات القطع و الظن و الاحتمال، و على الثالث تكون ثابتة في بعض حالات القطع.

و الذي ندركه بعقولنا أن مولانا سبحانه و تعالى له حقّ الطاعة في كل ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال ما لم يرخّص هو نفسه في عدم التحفظ، و هذا يعني أن المنجّزية ليست ثابتة للقطع بما هو قطع بل بما هو انكشاف، و أن كل انكشاف منجّز مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به.

نعم كلما كان الانكشاف بدرجة أكبر كانت الإدانة و قبح المخالفة أشدّ، فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبة أشدّ من التنجّز و الإدانة لأنه المرتبة العليا من الانكشاف.

* و أما القضية الثانية و هي أن المنجّزية لا تنفك عن القطع بالتكليف، و ليس بإمكان المولى نفسه أن يتدخل بالترخيص في مخالفة القطع و تجريده من المنجّزية فهي صحيحة، و دليلها: أن هذا الترخيص إما حكم واقعي أو حكم ظاهري، و الأوّل مستحيل لأن‏

37

التكليف الواقعي مقطوع به، فإذا ثبتت أيضا إباحة واقعية لزم اجتماع الضدين و هو محال لما تقدّم من التنافي و التضادّ بين الأحكام التكليفية الواقعيّة، و الثاني مستحيل أيضا لأن الحكم الظاهري- كما تقدم- هو ما أخذ في موضوعه الشك و لا شك مع القطع.

و بهذا يظهر أن القطع لا يتميّز عن الظن و الاحتمال في أصل المنجّزية، و إنما يتميّز عنهما في عدم إمكان تجريده عن تلك المنجّزية، لأن الترخيص في مورده مستحيل كما عرفت، و ليس كذلك في حالات الظن و الاحتمال، فإن الترخيص الظاهري فيها ممكن لأنه لا يتطلّب أكثر من فرض الشك و الشك موجود، و من هنا صحّ أن يقال إن منجّزية القطع غير معلّقة بل ثابتة على الإطلاق، و إن منجزية غيره من الظن و الاحتمال معلّقة لأنها مشروطة بعدم احراز الترخيص الظاهري في ترك التحفظ.

معذّرية القطع:

كنّا نتحدّث حتى الآن عن الجانب التنجيزي و التسجيلي من حجيّة القطع (المنجّزية)، و الآن نشير إلى الجانب الآخر من الحجيّة و هو المعذّرية (1)، أي كون القطع بعدم التكليف معذّرا

____________

(1) هذا البحث يتلخّص في الاجابة على السؤال التالي: ما هي حدود حقّ الطاعة هل هي التكاليف الواقعيّة أم التكاليف المنكشفة و لو بنحو الاحتمال؟

الأوّل غير صحيح بإجماع العقلاء، فكل عاقل إذا قطع بعدم وجوب الصيام-

38

للمكلّف على نحو لو كان مخطئا في قطعه لما صحّت معاقبته على المخالفة، و هذه المعذّرية تستند إلى تحقيق حدود مولوية المولى و حقّ الطاعة، و ذلك لأن حقّ الطاعة هل موضوعه التكاليف الواقعيّة (1) أم موضوعه التكاليف المنكشفة للمكلّف و لو بدرجة احتماليّة من الانكشاف؟ فعلى الأول لا يكون القطع معذّرا إذا خالف الواقع‏ (2)، و على الثاني يكون القطع معذّرا إذ لا حقّ طاعة للمولى في حالة عدم انكشاف التكليف و لو انكشافا احتماليا. و الأول من هذين الاحتمالين غير صحيح، لأن حقّ الطاعة من المستحيل أن يحكم به العقل بالنسبة إلى تكليف يقطع‏

____________

- في شعبان لم يمتثل و إن صادف ان الصيام كان فيه واجبا واقعا، فالميزان إذن هو انكشاف التكليف له و لو بنحو الاحتمال لما ذكرناه في البحث السابق من أن العقل يحكم بحجيّة كل انكشاف و لو كان بنحو الاحتمال. إذن خلاصة هذا البحث ان العقل لا يحكم باستحقاق العقاب لمجرّد مخالفة المكلف للواقع و لو صدفة، و إنما يحكم باستحقاق العقاب إذا احتمل التكليف الواقعي و لم يحتط

(1) في النسخة الأصلية قال بدل «التكاليف الواقعية»: «الذي تفرض طاعته تكاليف المولى بوجودها في الشريعة بقطع النظر عن قطع المكلف بها و شكّه فيها أو قطعه بعدمها، أي أنها تستتبع حق الطاعة في جميع هذه الحالات».

و ما ذكرناه يفي بالمطلوب‏

(2) حذفنا بعد «الواقع»: «و كان التكليف ثابتا على خلاف ما قطع» لوضوحها و لأنها تكرار محض‏

39

المكلّف بعدمه، إذ لا يمكن للمكلّف أن يتحرّك عنه فكيف يحكم العقل بلزوم ذلك، فيتعيّن الاحتمال الثاني، و معه يكون القطع بعدم التكليف معذّرا عنه لأنه يخرج- في هذه الحالة- عن دائرة حقّ الطاعة، أي عن نطاق حكم العقل بوجوب الامتثال.

التجرّي‏

إذا قطع المكلّف بوجوب أو تحريم فخالفه و كان التكليف ثابتا في الواقع اعتبر عاصيا، و أمّا إذا قطع بالتكليف و خالفه و لم يكن التكليف ثابتا واقعا سمّي متجرّيا.

و قد وقع البحث في أنه هل يدان مثل هذا المكلّف المتجرّي بحكم العقل و يستحق العقاب كالعاصي أو لا؟

و مرّة أخرى يجب أن نرجع إلى حقّ الطاعة الذي تمثّله مولويّة المولى لنحدّد موضوعه، فهل موضوعه هو التكليف الواقعي المنكشف للمكلّف أو مجرّد الانكشاف و لو لم يكن مصيبا للواقع؟ بمعنى أنّ حقّ المولى على الإنسان هل في أن يطيعه في تكاليفه الواقعية التي انكشفت لديه بنحو القطع‏ (1) أو في كل ما يتراءى له من تكاليفه سواء كان هناك تكليف واقعي حقا أو لا؟ فعلى الأول لا يكون المكلف المتجرّي قد أخلّ‏

____________

(1) بمعنى: هل ان المنجّز هو التكليف الواقعي المنكشف بالقطع، فيكون للمنجّز شرطان: أن يكون التكليف واقعيا، و أن يكون منكشفا بنحو القطع‏

40

بحقّ الطاعة إذ لا تكليف واقعيّ، و على الثاني يكون قد أخلّ به فيستحقّ العقاب.

و الصحيح هو الثاني لأن حقّ الطاعة ينشأ من لزوم احترام المولى عقلا و رعاية حرمته، و لا شك في أنه من الناحية الاحترامية و رعاية الحرمة لا فرق بين التحدّي الذي يقع من العاصي و التحدّي الذي يقع من المتجرّي، فالمتجرّي إذن يستحق العقاب كالعاصي‏ (1).

العلم الإجمالي‏

القطع تارة يتعلّق بشي‏ء محدّد و يسمّى بالعلم التفصيلي و مثاله العلم بوجوب صلاة الفجر و العلم بنجاسة هذا الإناء المعيّن، و أخرى يتعلق بأحد شيئين لا على وجه التعيين و يسمّى بالعلم الاجمالي‏ (2)، و مثاله العلم بوجوب صلاة ما في ظهر الجمعة هي‏

____________

(1) خلاصة البحث: لا شك في أن العاصي (و هو الذي يخالف المولى في تكليف واقعي) يستحق العقاب عقلا. إنما الكلام في المتجرّي (و هو الذي يعتقد و لو بنحو الاحتمال بأنه يعصي المولى و لكنه في الواقع هو لا يعصيه) هل يستحق العقاب عقلا؟

الجواب: نعم، لأنه يتحدّى المولى كتحدّي العاصي تماما و لا يحترمه. و قد ذكرنا في الحلقة الثالثة الجزء الأول ص 104 أدلّة تثبت استحقاق المتجرّي للعقاب عقلا و نقلا

(2) ملخّص البحث: إذا علمنا بوجوب صلاة ما ظهر يوم الجمعة إمّا الظهر و إمّا الجمعة و لم نعرفها بالتحديد كان العلم بالجامع (أي بوجوب إحداهما)-

41

إمّا الظهر و إما الجمعة، دون أن تقدر على تعيين الواجب في إحداهما بالضبط، و العلم بنجاسة أحد الإناءين بدون تعيّن.

و نحن إذا حلّلنا العلم الاجمالي نجد أنه مزدوج من العلم بالجامع بين الشيئين و من شكوك و احتمالات بعدد الأطراف التي يتردّد بينها ذلك الجامع، ففي المثال الأول يوجد عندنا علم بوجوب صلاة ما، و عندنا احتمالان وجوب صلاة الظهر خاصّة و وجوب صلاة الجمعة خاصّة.

و لا شك في أن العلم بالجامع منجّز، و أن الاحتمال في كل طرف منجّز أيضا وفقا لما تقدّم من أن كل انكشاف منجّز مهما كانت درجته، و لكن منجّزية القطع- على ما عرفت- غير معلّقة، و منجّزية الاحتمال معلّقة (1)، و من هنا كان بإمكان المولى في حالات العلم الاجمالي أن يبطل منجّزية احتمال هذا الطرف أو ذاك، و ذلك‏

____________

- منجّزا و كان الاحتمال الموجود في كل طرف أيضا منجّزا، و لكن الفرق بينهما أن القطع كما يقال لا يمكن عقلا الترخيص فيه بترك كلتا الصلاتين بخلاف الاحتمال فإنه يمكن الترخيص بترك إحدى الصلاتين فقط.

(هذا) و لكن الصحيح أنه يمكن عقلا و ثبوتا الترخيص بكلتا الصلاتين، و لو لاحتمال أن مصلحة التسهيل و الترخيص بكلا الطرفين أهم من مصلحة الاحتياط، نعم إثباتا و أنه هل ورد فعلا ترخيص بترك كلتا الصلاتين، و بتعبير آخر هل أنّ البراءة الشرعية تشمل بإطلاقها هكذا حالة؟ فيه كلام يأتي إن شاء اللّه في الأصول العمليّة

(1) على عدم الترخيص الشرعي‏

42

بالترخيص الظاهري في عدم التحفظ، فإذا رخّص فقط في إهمال احتمال وجوب صلاة الظهر بطلت منجّزية هذا الاحتمال و ظلّت منجّزية احتمال وجوب الجمعة على حالها بخلاف منجّزية العلم بالجامع فإنها تظلّ ثابتة أيضا، بمعنى أن المكلف لا يمكنه أن يترك كلتا الصلاتين رأسا، و إذا رخّص المولى في إهمال احتمال وجوب صلاة الجمعة فقط بطلت منجّزية هذا الاحتمال و ظلّت منجّزية الباقي كما تقدم، و بإمكان المولى أن يرخّص في كلّ من الطرفين معا بترخيصين ظاهريين، و بهذا تبطل كل المنجزيات، بما فيها منجّزية العلم بالجامع. و قد تقول: إنّ العلم بالجامع فرد من القطع و قد تقدم أن منجّزية القطع غير معلّقة (1) فكيف ترتفع منجّزية العلم بالجامع هنا؟ و الجواب: ان القطع الذي تكون منجّزيته غير معلّقة هو العلم التفصيلي، إذ لا مجال للترخيص الظاهري في مورده، لأن الترخيص الظاهري لا يمكن إلّا في حالة الشك، و لا شك مع العلم التفصيلي، و لكن في حالة العلم الإجمالي حيث إن الشك في كل طرف موجود فهناك مجال للترخيص الظاهري فتكون منجّزية العلم الاجمالي معلّقة على عدم‏

____________

(1) أي أن العلم بالجامع فرد من القطع و قد تقدّم أن الترخيص لا يجري في القطع فكيف تجوّزون إجراء ترخيصين ظاهريين في كلا الطرفين فنترك كلتا الصلاتين؟! و أين ذهب علمنا بوجوب الصلاتين واقعا؟!

43

احراز الترخيص الظاهري في كلّ من الطرفين، هذا من الناحية النظرية ثبوتا، و أمّا من الناحية الواقعية إثباتا و أنه هل صدر من الشارع ترخيص في كل من طرفي العلم الاجمالي فهذا ما يقع البحث عنه في الأصول العمليّة.

القطع الطريقي و الموضوعي‏

تارة يحكم الشارع بحرمة الخمر مثلا فيقطع المكلّف بالحرمة و يقطع بأنّ هذا خمر، و بذلك يصبح التكليف منجّزا عليه كما تقدّم، و يسمّى القطع في هذه الحالة بالقطع الطريقي بالنسبة إلى تلك الحرمة لأنه مجرّد طريق و كاشف عنها و ليس له دخل و تأثير في وجودها واقعا، لأن الحرمة ثابتة للخمر على أيّ حال سواء قطع المكلّف بأنّ هذا خمر أو لا.

و أخرى يحكم الشارع بأنّ «ما تقطع بأنه خمر حرام»، فلا يحرم الخمر إلّا إذا قطع المكلّف بأنه خمر، و يسمّى القطع في هذه الحالة بالقطع الموضوعي، لأنه دخيل في وجود الحرمة و [دخيل في‏] ثبوتها للخمر فهو بمثابة الموضوع للحرمة (1).

____________

(1) كل القطوعات طريقية إلّا ما كان بمثابة «إذا قطعت بخمرية مائع فقد حرم عليك» أي إلّا إذا كان القطع دخيلا في الموضوع فيكون القطع موضوعيا و هذه هي النقطة المهمّة في البحث. و قولك الصلاة واجبة و الخمر حرام و هذا حائط يعني أنك قاطع بوجوب الصلاة و حرمة الخمر و كون هذا حائطا ... كل هذه قطوعات طريقية

44

و القطع إنما ينجّز التكليف إذا كان قطعا طريقيا بالنسبة إلى التكليف‏ (1)، لأنّ منجّزيته إنما هي من أجل كاشفيّته‏ (2). و أما التكليف الذي يكون القطع موضوعا له و دخيلا في أصل ثبوته فهو لا يتنجّز بذلك القطع. ففي المثال المتقدّم للقطع الموضوعي لا يكون القطع بالخمريّة منجّزا للحرمة، لأنه لا يكشف عن الحرمة و إنما يولّدها، بل الذي ينجّز الحرمة في هذا المثال القطع بحرمة مقطوع الخمرية. و هكذا ينجّز كلّ قطع طريقي ما يكون كاشفا عنه و طريقا إليه من التكاليف دون ما يكون موضوعا و مولّدا له من‏

____________

- (ملاحظة) يوجد آثار عملية لهذا البحث، منها أنه إذا قال المولى «الخمر حرام» فمعناه أنه حرام بالحرمة الفعلية علينا و لو كنّا نجهل بخمريته نعم هذه الحرمة الفعلية غير منجّزة علينا لجهلنا بالحكم (أي الحرمة) او الموضوع (اي الخمرية)، و أمّا إذا قال «معلوم الخمرية حرام» فمعناه أنه لا يكون محرّما بالحرمة الفعلية إلّا إذا علمنا بخمريته.

(و من هنا) صحّ قول علمائنا (أعزهم اللّه) بأنّ القطع الطريقي ينجّز التكليف في قول المولى «الخمر حرام»، لأنك إذا علمت بحرمة الخمر و بخمرية هذا المائع الذي امامك فإنّ علمك هذا ينجّز عليك حرمة شرب هذا المائع، و صحّ أيضا قولهم بأنّ القطع الموضوعي يولّد التكليف في قول المولى «إذا قطعت بخمرية مائع فاجتنبه» لأنّ الحرمة تتولد إذا قطعت بالخمرية

(1) و بتعبير آخر: اذا ورد «الخمر حرام» فمعناه اذا علمت بحرمة الخمر فانّ حرمته تتنجّز عليك، هذا العلم بحرمة الخمر هو قطع طريقي و هو الذي ينجّز حرمة الخمر، أي لانّ الحرمة انكشفت للمكلّف تنجّزت عليه‏

(2) قال بعد هذه الجملة «و هو- أي القطع- انما يكشف عما يكون قطعا طريقيا بالنسبة اليه» و هو تطويل بلا طائل و تعقيد لما هو سهل و وجداني‏

45

الأحكام. و قد يتفق أن يكون قطع واحد طريقيا بالنسبة إلى تكليف و موضوعيا بالنسبة إلى تكليف آخر كما إذا قال المولى الخمر حرام ثم قال من قطع بحرمة الخمر فيحرم عليه بيعه، فإن القطع بحرمة الخمر قطع طريقي بالنسبة إلى حرمة الخمر و موضوعي بالنسبة إلى حرمة بيع الخمر.

جواز الإسناد إلى المولى‏

و هناك جانب ثالث في القطع غير المنجّزية و المعذّرية و هو جواز اسناد الحكم المقطوع إلى المولى. و توضيح ذلك أن المنجّزية و المعذّرية ترتبطان بالجانب العملي‏ (1) فيقال: إن القطع بالحرمة منجّز لها بمعنى أنه لا بد للقاطع أن لا يرتكب ما قطع بحرمته، و أن القطع بعدم الحرمة معذّر عنها، بمعنى أن له أن يرتكب الفعل، و هناك شي‏ء آخر و هو اسناد الحرمة نفسها إلى المولى، فإن القطع بحرمة الخمر يؤدّي إلى جواز اسناد الحرمة إلى المولى بأن يقول القاطع: «إن الشارع حرّم الخمر» لأنه قول بعلم و قد أذن الشارع في القول بعلم و حرّم القول بلا علم.

و بالتدبّر فيما بينّاه من التمييز بين القطع الطريقي و القطع الموضوعي يتضح أن القطع بالنسبة إلى جواز الاسناد قطع موضوعي لا طريقي‏ (2)، لأن جواز الإسناد حكم شرعي أخذ في‏

____________

(1) فحينما تعلم أن «الصلاة واجبة» علمك هذا ينجّز عليك التكليف أي يدعوك للعمل‏

(2) لأن الخطاب الشرعي هكذا: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ أي إن علمت-

46

موضوعه القطع بالحكم‏ (1).

تلخيص و مقارنة

اتضح مما ذكرناه أن تنجّز التكليف المقطوع لمّا كان من شئون حقّ الطاعة للمولى سبحانه، و كان حق الطاعة له يشمل كل ما ينكشف من تكاليفه و لو انكشافا احتماليا فالمنجّزية إذن ليست مختصّة بالقطع بل تشمل كل انكشاف مهما كانت درجته و إن كانت بالقطع تصبح مؤكدة و غير معلّقة كما تقدّم.

و خلافا لذلك مسلك من افترض المنجّزية و الحجيّة لازما ذاتيا للقطع، فإنه ادّعى أنها من خواص القطع، فحيث لا قطع و لا علم لا منجّزية، فكل تكليف لم ينكشف بالقطع و اليقين فهو غير منجّز و لا يصح العقاب عليه، و يسمّى ذلك القول بقاعدة قبح العقاب بلا بيان أي بلا قطع و علم. و فات هذا القائل أن هذا في الحقيقة تحديد لمولوية المولى و لحقّ الطاعة له رأسا.

و هذان مسلكان يحدّد كلّ منهما الطريق في كثير من المسائل المتفرّعة و يوضّح للفقيه منهجا مغايرا من الناحية النظرية لمنهج المسلك الآخر. و نسمّي المسلك المختار مسلك حقّ الطاعة و الآخر مسلك قبح العقاب بلا بيان.

____________

- بالحكم الشرعي فاسنده إلى المولى، فهذا القطع إذن موضوعي لأنه داخل في موضوع جواز الاسناد إلى المولى (أي شرط جواز الاسناد)

(1) في النسخة الأصلية بدل «بالحكم»: «بما يسند إلى المولى» و ما أثبتناه في المتن هو مقصود المصنف (قدس سرّه‏)

47

(2) الأدلّة

1- الأدلّة المحرزة 2- الأصول العملية (أو الأدلّة العملية)

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

تحديد المنهج في الأدلّة و الأصول‏

عرفنا سابقا أنّ الأدلّة التي يستند إليها الفقيه في استدلاله الفقهي و استنباطه للحكم الشرعي على قسمين: أدلّة محرزة يطلب بها كشف الواقع‏ (1) و أدلّة عملية (أصول عملية) تحدد الوظيفة العملية للشاك الذي لا يعلم بالحكم [الواقعي و لا أدلّة محرزة لديه‏].

و يمكن القول على العموم‏ (2) بأنّ كل واقعة يعالج الفقيه حكمها يوجد فيها دليل من القسم الثاني أي أصل عملي يحدد لغير العالم [بالحكم الشرعي‏] الوظيفة العملية، فإن توفر للفقيه الحصول على دليل محرز أخذ به و ترك الأصل العملي وفقا لقاعدة تقدّم الأدلّة المحرزة على الأصول العملية، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى في تعارض الأدلّة، و إن لم يتوفر دليل محرز أخذ بالأصل العملي فهو المرجع العام للفقيه حيث لا يوجد دليل محرز.

و تختلف الأدلّة المحرزة عن الأصول العملية في أنّ تلك تكون أدلّة و مستندا للفقيه بلحاظ كاشفيتها عن الواقع و إحرازها

____________

(1) كالآيات المباركة و أخبار الثقات فان الآيات الكريمة و إن كانت كاشفة عن الواقع إذا كانت دالّة بصراحة على المطلوب إلا أنّها تدعي الكاشفية إذا كانت ظاهرة في المطلوب و كذلك الأمارات فإنها تدعي الكاشفية عن الأحكام الواقعية

(2) أي و يمكن القول كقاعدة عامة و كلية ..

50

للحكم الشرعي، و أمّا هذه فتكون أدلّة من الوجهة العملية فقط، بمعنى أنها تحدّد كيف يتصرّف الإنسان الذي لا يعرف الحكم الشرعي للواقعة. كما أنّ الأدلّة المحرزة تختلف فيما بينها لأن بعضها أدلّة قطعية تؤدّي إلى القطع بالحكم الشرعي و بعضها أدلّة ظنية تؤدّي إلى كشف ناقص محتمل الخطأ عن الحكم الشرعي و هذه الأدلّة الظنيّة هي التي تسمّى الأمارات‏ (1).

المنهج على مسلك حقّ الطاعة

و أعمّ الأصول العملية- بناء على مسلك حقّ الطاعة- هو أصالة اشتغال الذمة، و هذا أصل يحكم به العقل و مفاده أنّ كل تكليف يحتمل وجوده و لم يثبت إذن الشارع في ترك التحفظ تجاهه فهو منجّز و تشتغل به ذمة المكلف. و مردّ ذلك إلى ما تقدّم من أنّ حقّ الطاعة للمولى يشمل كل ما ينكشف من التكاليف و لو

____________

(1) بعض الأدلّة المحرزة تفيد القطع بالحكم الشرعي كقوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* و كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ و وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ* و نحوها كثير، و كالروايات المتواترة، و الأحكام المتسالم عليها بين العلماء و الأحكام العقلية الواضحة كوجوب العدل و حرمة الظلم.

و بعضها ظنية و هي الأكثر و هي اخبار الثقات و «سيطرة اليد على الشي‏ء» فإنها امارة ظنية تفيد الملكية، و «سوق المسلمين» فانها أمارة ظنيّة تفيد طهارة طعام المسلمين و حلّيته، و «عمل المسلم» فإنّ الأصل فيه الصحّة، فيبنى على صحّة عقده و إيقاعه و تطهيره ...، و غيرها ..

51

انكشافا ظنيا أو احتماليا، و هذا الأصل هو المستند العام للفقيه و لا يرفع يده عنه إلا في بعض الحالات التالية:

أولا: إذا حصل له دليل محرز قطعي على نفي التكليف كان القطع معذّرا بحكم العقل كما تقدّم فيرفع يده عن أصالة الاشتغال إذ لا يبقى لها موضوع.

ثانيا: إذا حصل له دليل محرز قطعي على إثبات التكليف [كقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ*] فالتنجز يظلّ على حاله و لكنه يكون بدرجة أقوى و أشد كما تقدّم‏ (*).

ثالثا: إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لا إثباتا و لكن حصل له القطع بترخيص ظاهري من الشارع في ترك التحفظ، فحيث إنّ منجّزية الاحتمال و الظن معلّقة على عدم ثبوت إذن من هذا القبيل- كما تقدّم- فمع ثبوت الإذن و الترخيص الشرعي لا منجّزية، فيرفع يده عن أصالة الاشتغال. و هذا الإذن تارة يثبت بجعل الشارع الحجيّة للأمارة (الدليل المحرز غير القطعي) (1) كما إذا أخبر الثقة المظنون الصدق بعدم الوجوب و قال لنا الشارع:

صدّق الثقة، و أخرى يثبت بجعل الشارع لأصل عملي من قبله‏

____________

(1) قلنا قبل قليل ان الادلة المحرزة قطعية و ظنية، و الظنية هي الامارات‏

(*) الأولى أن يقول إنه في هكذا حالة يلغى موضوع الاحتياط العقلي و يكون المتّبع الدليل المحرز فقط، و ذلك لانه مع العلم بوجوب الصلاة لا شك ليقال بوجوب الاحتياط

52

كأصالة الحل الشرعية القائلة «كل شي‏ء حلال حتى تعلم انه حرام» و البراءة الشرعية القائلة «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون»، و قد تقدّم الفرق بين الأمارة و الأصل العملي.

رابعا: إذا لم يتوفر له القطع بالتكليف لا نفيا و لا إثباتا و لكن حصل له القطع بأنّ الشارع لا يأذن في ترك التحفظ فهذا يعني أنّ منجّزية الاحتمال و الظن تظل ثابتة غير أنّها آكد و اشد مما إذا كان الإذن محتملا. و هنا أيضا تارة يثبت عدم الإذن من الشارع في ترك التحفظ بجعل الشارع الحجيّة للأمارة، كما إذا اخبر الثقة المظنون الصدق بالوجوب و قال الشارع: لا ينبغي التشكيك فيما يخبر به الثقة، أو قال: صدّق الثقة، و أخرى يثبت بجعل الشارع لأصل عملي كأصالة الاحتياط الشرعية المجعولة في بعض الحالات‏ (1).

فائدة المنجّزية و المعذريّة الشرعيّة

و مما ذكرناه ظهر انه‏ (2) في الحالتين الأولى و الثانية لا معنى‏

____________

(1) كما ورد التأكيد في الاحتياط في موارد الفروج و الدماء. فقال إنّ الفروج أحرى و أحرى أن يحتاط فيها ... و لا تقية في الدماء ... ففي أقصى حالات الضرورة الشخصية- كالخوف على النفس من القتل- لا يجوز قتل المسلم ظلما فكيف يجوز قتله مع احتمال جواز قتله و كيف تجري البراءة الشرعية؟!

(2) يريد أن يقول هنا إنّ المنجّزية الشرعية (سواء ثبتت من خلال أمارة مثبتة للتكليف أو من أصل عملي كالاحتياط) تؤكّد منجزية الاحتمال، و المعذرية الشرعية (سواء ثبتت من خلال أمارة معذرة أو اصل معذر كالبراءة الشرعية)-

53

لتدخل الشارع في إيجاد معذّرية أو منجّزية، لان القطع ثابت و له معذّرية و منجّزية كاملة، و في الحالتين الثالثة و الرابعة يمكن للشارع أنّ يتدخل في ذلك، فإذا ثبت عنه جعل الحجيّة للأمارة النافية للتكليف أو جعل أصل مرخّص كأصالة الحل ارتفعت بذلك منجّزية الاحتمال أو الظن، لأن هذا الجعل منه تعالى إذن في ترك التحفظ، و المنجّزية المذكورة معلّقة على عدم ثبوت الإذن المذكور، و إذا ثبت عنه جعل الحجيّة لأمارة مثبتة للتكليف أو لأصل يحكم بالتحفظ تأكدت بذلك منجزية الاحتمال لأن ثبوت ذلك الجعل معناه العلم بعدم الإذن في ترك التحفظ و معناه نفي لأصالة الحل و نحوها.

المنهج على مسلك قبح العقاب بلا بيان‏

و ما تقدّم كان بناء على مسلك حقّ الطاعة، و أمّا بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان فالأمر على العكس تماما و البداية مختلفة، فإنّ أعمّ الأصول العملية حينئذ هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان و تسمّى أيضا بالبراءة العقلية و مفادها: أنّ المكلف غير ملزم عقلا بالتحفظ تجاه أي تكليف ما لم ينكشف بالقطع و اليقين، و هذا الأصل لا يرفع الفقيه يده عنه إلا في بعض الحالات.

____________

- ترفع منجزية الاحتمال.

(سؤال) ما معنى أنّ الامارة الفلانية حجّة؟

(الجواب) أنها منجّزة و معذّرة

54

و لنستعرض الحالات الأربع المتقدّمة لنرى حال الفقيه فيها بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان.

أمّا الحالة الأولى: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا (أي المعذّريّة) غير أنّه يتأكد بحصول القطع بعدم التكليف‏ (*).

و أمّا الحالة الثانية: فيرتفع فيها موضوع البراءة العقلية، لأن عدم البيان على التكليف تبدّل إلى البيان و القطع فيتنجز التكليف.

و أمّا الحالة الثالثة: فيظل فيها قبح العقاب ثابتا، غير أنّه يتأكد بثبوت الإذن من الشارع في ترك التحفظ.

و أمّا الحالة الرابعة: فأصحاب هذا المسلك يلتزمون عمليا فيها بأنّ التكليف يتنجز على الرّغم من أنّه غير معلوم، و يتحيرون‏ (**) نظريا في كيفيّة تخريج ذلك على قاعدتهم القائلة بقبح العقاب بلا بيان، بمعنى أنّ الأمارة المثبتة للتكليف بعد جعل الحجيّة لها أو أصالة الاحتياط كيف تقوم مقام القطع الطريقي فتنجّز التكليف مع أنّه لا يزال مشكوكا و داخلا في نطاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و سيأتي في الحلقة التالية بعض أوجه العلاج للمشكلة عند أصحاب هذا المسلك.

____________

(*) كان الاولى ان يقول هكذا: فلا تبقى فيها البراءة العقلية ثابتة و انما تتبدّل الى الترخيص الواقعي بسبب حصول دليل محرز ناف للتكليف‏

(**) لا داعي لاستعمال هذه الكلمة لان أصحاب مسلك قبح العقاب يجيبون بكل سهوله عن هكذا حالة و لا يعتبرونها مشكلة و الجواب هو أنّ قاعدة البراءة العقلية مشروطة عقلا بعدم مجي‏ء دليل شرعي- أمارة أو أصل- فإذا ورد فلا تجري البراءة العقلية