شرح الحلقة الثالثة - ج2

- الشيخ حسن الفياض العاملي المزيد...
426 /
5

[تتمة مباحث الأدلة المحرزة (الدليل الشرعى)]

[تتمة مبحث الاول تحديد دلالات الشرعى‏]

[تتمة دلائل الشرعى اللفظى‏]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المفاهيم‏

[استهلال:]

تعريف المفهوم:

لا شكّ في أنّ المفهوم مدلول التزامي للكلام، و لا شكّ أيضا في أنّه ليس كلّ مدلول التزامي يعتبر مفهوما بالمصطلح الأصولي.

و من هنا احتجنا إلى تعريف يميّز المفهوم عن بقية المدلولات الالتزاميّة.

المفهوم: هو المدلول الالتزامي للكلام، بخلاف المنطوق فإنّه المدلول المطابقي للكلام، و هذا المقدار ممّا لا شكّ فيه. إلا أنّ المداليل الالتزاميّة للكلام كثيرة و ليس كلّها تسمّى مفهوما بالمصطلح الأصولي، بل خصوص واحد منها، و لذلك تكون النسبة بينهما هي العموم و الخصوص المطلق.

فمثلا حرمة الضدّ مدلول التزامي لوجوب ضدّه، فإذا وجبت الصلاة كان مدلولها الالتزامي حرمة تركها أو فعل المنافي لها المؤدّي إلى فواتها. و وجوب المقدّمة مدلول التزامي لوجوب ذيها، فإذا وجب الحجّ وجب السفر إلى مكّة قبل يوم عرفة للنائي.

و بطلان العبادة مدلول التزامي للنهي عنها، فإذا قيل: (لا تصلّ في المغصوب) كان لازمه بطلان الصلاة فيه. و وجوب صلاة الجمعة يدلّ بالالتزام على عدم وجوب الظهر يوم الجمعة، و طلوع الفجر يدلّ بالالتزام على ذهاب الليل. و وجود أحد الضدّين يدلّ بالالتزام على انتفاء الضدّ الآخر. و وجود الوصف يدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، و هكذا الشرط و الغاية و نحو ذلك.

و من الواضح أنّ هذه المدلولات الالتزاميّة ليست كلّها مفهوما بالمصطلح الأصولي و إن كانت مفهوما لفظيّا للكلام، بمعنى أنّها تفهم من وراء هذه الألفاظ؛ و لأجل ذلك نحتاج في بيان المفهوم بالمصطلح الأصولي إلى تعريف يميّز هذا المدلول الالتزامي الذي يسمّى مفهوما أصوليّا عن سائر المداليل الالتزاميّة الأخرى.

8

و عليه وجدت عدّة تعريفات للمفهوم، أهمّها:

و قد ذكر المحقّق النائيني (رحمه الله) بهذا الصدد: أنّ المفهوم هو اللازم البيّن مطلقا أو اللازم البيّن بالمعنى الأخصّ في مصطلح المناطقة

(1)

.

عرّف المحقّق النائيني المفهوم بقوله: (هو المدلول الالتزامي للجملة على وجه يكون بيّنا بالمعنى الأخصّ) وفقا لما جاء في تعريف (فوائد الأصول) (2).

إلا أنّ السيّد الخوئي في أجود التقريرات فسّر كلام الميرزا بنحو يتناسب مع اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ أيضا.

و لأجل اختلاف التقريرات ردّد السيّد الشهيد بقوله: (هو اللازم البيّن مطلقا أو اللازم البيّن بالمعنى الأخصّ).

و المقصود من هذين المصطلحين هو المصطلح المنطقي لهما.

فاللازم البيّن بالمعنى الأخصّ: هو ما يلزم من تصوّر ملزومه تصوّره بلا حاجة إلى توسّط شي‏ء آخر. كتصوّر الحرارة بمجرّد تصوّر النار، و كتصوّر البرودة عند تصوّر الثلج.

و اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ: هو ما يلزم من تصوّره و تصوّر ملزومه و تصوّر النسبة بينهما الجزم بالملازمة. كتصوّر أنّ الاثنين نصف الأربعة، فإنّه يحتاج إلى تصوّر الاثنين و الأربعة و النسبة بينهما.

و الحاصل: أنّه يشترط في المفهوم أن يكون لازما بيّنا بالمعنى الأخصّ، بمعنى أنّ الذهن ينتقل من تصوّر المعنى للّفظ إلى تصوّر معنى آخر خارج عن اللفظ، بنحو يكون التلازم بينهما عقليّا من دون حاجة إلى توسّط شي‏ء آخر غير تصوّر اللفظ و معناه.

و نلاحظ على ذلك: أنّ بعض الأدلّة التي تساق لإثبات مفهوم الشرط مثلا تثبت المفهوم كلازم عقلي بحت دون أن يكون مبيّنا على ما يأتي‏

(3)

إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) راجع فوائد الأصول 1: 477، أجود التقريرات 1: 414.

(2) فوائد الأصول 1: 378.

(3) في بحث مفهوم الشرط.

9

و يرد على هذا التعريف سواء أريد منه اللازم البيّن بالمعنى الأعمّ أو بالمعنى الأخصّ أو كليهما، أنّهم قد استدلّوا على ثبوت المفهوم في بعض الجمل بأدلّة عقليّة أو فلسفيّة محضة غير بيّنة و لا واضحة عرفا. من قبيل استدلالهم على ثبوت مفهوم الشرط بالقاعدة الفلسفية القائلة ب (أنّ الواحد لا يصدر إلا من واحد)، و هذه القاعدة ليست عرفيّة و لا بيّنة أصلا، بل هي لازم غير بيّن.

مضافا إلى أنّ بعض اللوازم بالمعنى الأخصّ ليست من المفهوم، فمثلا إذا قيل: (إنّ الماء مطهّر) فلازمه الأخصّ البيّن عرفا أنّه طاهر، مع أنّ هذا اللازم ليس مفهوما بالمصطلح الأصولي.

فهذا التعريف غير تامّ؛ لأنّه غير مانع كما في النقض الأوّل، و غير جامع كما في النقض الثاني.

فالأولى أن يقال: إنّ المدلول الالتزامي تارة يكون متفرّعا على خصوصيّة الموضوع في القضيّة المدلولة للكلام بالمطابقة على نحو يزول باستبداله بموضوع آخر، و أخرى يكون متفرّعا على خصوصيّة المحمول بهذا النحو، و ثالثة يكون متفرّعا على خصوصيّة الربط القائم بين طرفي القضيّة على نحو يكون محفوظا و لو تبدّل كلا الطرفين.

و التحقيق: أنّ المدلول الالتزامي للكلام على ثلاثة أنحاء:

الأوّل: أن يكون المدلول الالتزامي متفرّعا على خصوصيّة الموضوع الموجود في الكلام، بنحو إذا أبدلنا هذا الموضوع بموضوع آخر انتفى المدلول الالتزامي السابق.

كما إذا قيل مثلا: (أكرم ابن العالم) فإنّه يدلّ التزاما على وجوب إكرام العالم نفسه، إلا أنّ هذا المدلول الالتزامي مرتبط بهذا الموضوع بخصوصه؛ و ذلك لوجود خصوصيّة و ملاك فيه، فلو أبدل بموضوع آخر كقولنا: (أكرم اليتيم) فلا يدلّ التزاما على وجوب إكرام أمّه مثلا.

و هذا النحو من المدلول الالتزامي ليس من المفهوم المصطلح بشي‏ء، و إن أطلق عليه اسم مفهوم الأولويّة أو مفهوم الموافقة؛ لأنّ البحث أصوليّا عن مفهوم المخالفة فقط.

الثاني: أن يكون المدلول الالتزامي متفرّعا على خصوصيّة في المحمول الموجود في‏

10

الكلام، بنحو إذا أبدل هذا المحمول بآخر لم يثبت المدلول الالتزامي الذي كان ثابتا من قبل، كما إذا قلنا: (صلّ) فإنّ وجوب الصلاة يلزم منه وجوب مقدّماتها كالوضوء و نحوه، إلا أنّ هذا المدلول الالتزامي ينتفي لو كانت الصلاة مباحة، فإنّه لا يجب تهيئة المقدّمات عندئذ. و هذا ليس من المفهوم المصطلح أيضا.

الثالث: أن يكون المدلول الالتزامي متفرّعا على خصوصيّة الربط الموجود بين طرفي القضيّة أي بين الموضوع و المحمول، بأن كان هناك ربط مخصوص بين الموضوع و المحمول و كان المدلول الالتزامي متفرّعا عن هذا الربط، فهذا إذا أبدلنا الموضوع و المحمول بآخرين مع بقاء خصوصيّة الربط فإنّ المدلول الالتزامي يبقى على حاله و لا ينتفي؛ من قبيل قولنا: (صم إلى الليل) فإنّ الموضوع هو الصيام و المحمول هو الوجوب إلى الليل.

فلأجل الارتباط الخاصّ بين الموضوع و المحمول و هو أنّ وجوب الصوم معلّق على الليل يستلزم انتفاء وجوب الصوم إذا دخل الليل، و هذا المدلول الالتزامي لا يتغيّر و لا يتبدّل حتّى لو غيّرنا الطرفين بآخرين ما دام الربط المذكور موجودا؛ لأنّ المدلول الالتزامي كان متفرّعا على هذا الربط و على خصوصيّة في الموضوع أو المحمول. و هذا هو المفهوم بالمصطلح الأصولي.

و لتوضح ذلك قال السيّد الشهيد:

فقولنا: (إذا زارك ابن كريم وجب احترامه) يدلّ التزاما على وجوب احترام الكريم نفسه عند زيارته، و على وجوب تهيئة المقدّمات التي يتوقّف عليها احترام الابن الزائر، و على أنّه لا يجب الاحترام المذكور في حالة عدم الزيارة.

فهذه الجملة فيها ثلاثة أنحاء من المداليل الالتزاميّة:

الأول: المدلول الالتزامي المتفرّع على الموضوع لخصوصيّة فيه، و هو وجوب احترام الكريم نفسه عند زيارته؛ لأنّه إذا وجب احترام ابنه فمن الأولى احترامه هو نفسه، و هذا ما يسمّى بمفهوم الموافقة و الأولويّة.

الثاني: المدلول الالتزامي المتفرّع على خصوصيّة المحمول، و هو وجوب تهيئة المقدّمات للاحترام، فإنّ وجوب المقدّمات لازم لوجوب الاحترام نفسه.

الثالث: المدلول الالتزامي المتفرّع على الربط الخاصّ بين الموضوع و المحمول، و هو

11

عدم وجوب الإكرام إذا انتفت الزيارة، بمعنى أنّه لا إكرام للكريم إذا لم تتحقّق منه الزيارة.

و حينئذ نقول:

و المدلول الأوّل مرتبط بالموضوع، فلو بدّلنا ابن الكريم باليتيم مثلا لم يكن له هذا المدلول.

و المدلول الثاني مرتبط بالمحمول و هو الوجوب، فلو بدّلناه بالإباحة لم يكن له هذا المدلول.

أمّا المدلول الالتزامي الأوّل فهو مرتبط بالموضوع؛ لأنّ إكرام الكريم نفسه فرع خصوصيّة الموضوع، و هي أنّه إذا وجب إكرام ابنه فمن الأولى وجوب إكرامه هو.

و هذا يعني أنّنا لو أبدلنا (ابن الكريم) ب (اليتيم) و قلنا: (أكرم اليتيم) لم يكن لهذا الكلام دلالة التزاميّة كالسابق؛ إذ لا يدلّ على وجوب إكرام أمّه مثلا.

و كذلك الحال في المدلول الالتزامي الثاني؛ لأنّه مرتبط بالمحمول. فإنّ المقدّمات تجب فيما إذا كان ذو المقدّمة واجبا، و أمّا إذا كان مستحبّا فإنّه لا تكون مقدّماته مستحبّة أيضا.

و المدلول الثالث متفرّع على الربط الخاصّ بين الجزاء و الشرط، و مهما غيّرنا من الشرط و الجزاء يظلّ المدلول الثالث بروحه ثابتا معبّرا عن انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط، و إن كان التغيير ينعكس عليه فيغيّر من مفرداته تبعا لما يحدث في المنطوق من تغيّر في المفردات. و هذا هو المفهوم.

و أمّا المدلول الثالث و هو انتفاء وجوب الاحترام عند انتفاء الزيارة، فهذا متفرّع عن الربط المخصوص بين الجزاء و الشرط، و هو كون الجزاء متوقّفا على الشرط، فإذا انتفى الشرط انتفى الجزاء.

و هذا المدلول الالتزامي يبقى ثابتا حتّى لو تغيّر الشرط و الجزاء و أبدلناهما بشرط و جزاء آخرين، فإنّه يبقى هذا الربط المخصوص بين الشرط و الجزاء- و هو التوقّف- ثابتا لا يتغيّر.

نعم، تتغيّر المفردات في المفهوم تبعا لتغيّرها في المنطوق، فقولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه) و قولنا: (إذا زالت الشمس فصلّ) لا يختلفان من حيث كون الجزاء

12

متوقّفا على الشرط، و هو المدلول الالتزامي المسمّى بالمصطلح الأصوليّ مفهوما.

نعم، تتغيّر المفردات من المجي‏ء و الإكرام إلى زوال الشمس و الصلاة، و هذا التغيّر في المفردات لا يضرّ في بقاء المدلول الالتزامي المذكور؛ لأنّه متفرّع على الربط المخصوص فمتى تحقّق هذا الربط تحقّق المفهوم، و لا ارتباط له بالموضوع أو المحمول لينتفي بانتفائهما.

و هذا هو المفهوم المصطلح عليه أصوليّا، و لكن بشرط آخر و هو:

لكن على أن يتضمّن انتفاء طبيعي الحكم لا شخص الحكم المدلول عليه بالخطاب، تمييزا للمفهوم عن قاعدة احترازيّة القيود التي تقتضي انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد.

و الشرط الآخر في المفهوم هو أن يكون المنتفي طبيعي الحكم لا شخصه، فقولنا:

(إذا جاءك زيد فأكرمه) يدلّ على انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء المجي‏ء على أساس الربط المخصوص بين الشرط و الجزاء و هو التوقّف، لكن المنتفي هو كلّي و طبيعي وجوب الإكرام لا وجوب خاصّ، بمعنى أنّه لا يجب إكرامه مطلقا إذا لم يأت حتّى لو كان عالما أو عادلا أو فقيرا ... إلى آخره.

و بهذا اختلف المفهوم في موارد ثبوته عن قاعدة احترازيّة القيود، فإنّ المنتفي فيها هو شخص الحكم المعلّق على الوصف أو القيد.

فإذا قيل: (أكرم العالم العادل) دلّ ذكر قيد العدالة في القضيّة على أنّ الحكم ينتفي عن العالم إذا لم يكن عادلا، و لكنّه لا يدلّ على انتفاء طبيعي و كلّي وجوب الإكرام عن العالم، و لذلك لا مانع من إكرامه بوصف آخر كأن يكون فقيرا مثلا.

و الحاصل في تعريف المفهوم أن يقال: (إنّ المفهوم هو المدلول الالتزامي المتفرّع عن خصوصيّة الربط القائم بين طرفي القضيّة بنحو يكون المنتفي هو طبيعي الحكم لا شخصه).

و بهذا التعريف تخرج المداليل الالتزاميّة المتفرّعة عن خصوصيّة في الموضوع فقط، أو في المحمول فقط، و يخرج المدلول الالتزامي المتفرّع على الربط القائم بين طرفي القضيّة إذا لم يكن المنتفي فيه طبيعي الحكم أيضا.

13

ضابط المفهوم:

و نريد الآن أن نعرف الربط المخصوص الذي يؤخذ في المنطوق و يكون منتجا للمفهوم.

و توضيح ذلك: أنّا إذا أخذنا الجملة الشرطيّة كمثال للقضايا التي يبحث عن ضابط ثبوت المفهوم لها، نجد أنّ لها مدلولا تصوّريّا و مدلولا تصديقيّا.

و حينما نفترض المفهوم للجملة الشرطيّة: تارة نفترضه على مستوى مدلولها التصوّري، بمعنى أنّ الضابط الذي به يثبت المفهوم يكون داخلا في المدلول التصوّري للجملة. و أخرى نفترضه على مستوى مدلولها التصديقي بمعنى أنّ الضابط الذي به يثبت المفهوم لا يكون مدلولا عليه بدلالة تصوّريّة، بل بدلالة تصديقيّة.

بعد أن عرفنا أنّ المفهوم هو المدلول الالتزامي للكلام على نحو يوجب انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء موضوعه، لا بدّ أن نعرف النكتة و الملاك في كيفيّة اقتناص المفهوم من الجملة ليتمّ تطبيق ذلك على كلّ الجمل التي ادّعي دلالتها على المفهوم لنرى أنّ هذا الضابط هل هو موجود فيها فيثبت لها المفهوم، أو لا فلا يثبت لها المفهوم؟

فهذا الربط الخاصّ بين طرفي القضيّة متى يتحقّق، و ما هو ملاكه؟

ففي قولنا: (إذا جاءك زيد أكرمه) إذا أردنا إثبات المفهوم لهذه القضيّة علينا إثبات وجود الربط الخاصّ فيها الموجب لانتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء الموضوع أو الشرط.

و بما أنّ لكلّ جملة مدلولا تصوّريّا و مدلولا تصديقيّا فلا بدّ إذا أن يقع البحث عن اقتناص ضابط المفهوم في مقامين:

المقام الأوّل: في مرحلة المدلول التصوّري للجملة، و هو المدلول اللفظي و الصورة الذهنيّة التي وضعت لها، فإنّ كلّ لفظ موضوع لمعنى. فالجملة الشرطيّة مثلا ما هو المعنى الذي وضعت له لنرى أنّ هذا المعنى هل يفي بالربط المخصوص لاستفادة المفهوم أو لا؟ فإذا كان وافيا به تصوّرا فهو ثابت استعمالا و تصديقا جدّيّا.

المقام الثاني: في مرحلة المدلول التصديقي للجملة، و ذلك فيما إذا لم يكن المعنى الموضوع للجملة كافيا في الربط المخصوص، فيبحث عن وجود نكتة إثباتيّة دلاليّة

14

على أساسها يثبت هذا الربط الخاصّ، كالإطلاق و قرينة الحكمة مثلا على ما سيأتي توضيحه.

و الحاصل: أنّ البحث عن ضابط المفهوم و الربط الخاصّ الموجب للمفهوم يقع في مقامين:

الأوّل: المرحلة الثبوتيّة و هي مرحلة المدلول التصوّري للجملة.

الثاني: المرحلة الإثباتيّة و هي مرحلة المدلول التصديقي و المراد الجدّي للجملة.

و سوف نبحث عن هذين المقامين تباعا، فنقول:

أمّا الضابط لإفادة المفهوم في مرحلة المدلول التصوّري فهو أن يكون الربط المدلول عليه بالأداة أو الهيئة في هذه المرحلة من النوع الذي يستلزم الانتفاء عند الانتفاء؛ لأنّ ربط قضيّة أو حادثة بقضيّة أو حادثة أخرى إذا أردنا أن نعبّر عنه بمعنى اسمي وجدنا بالإمكان التعبير عنه بشكلين:

فنقول تارة: (زيارة شخص للإنسان تستلزم أو توجد وجوب إكرامه).

و نقول أخرى: (إنّ وجوب إكرام شخص يتوقّف على زيارته أو هو معلّق على فرض الزيارة و ملتصق بها).

أمّا المقام الأوّل: فإذا أخذنا الجملة الشرطيّة كمثال: (إذا جاءك زيد فأكرمه) فإثبات المفهوم و الربط الخاصّ في مرحلة المدلول التصوّري و الوضعي للجملة متوقّف على إثبات أنّ الربط المدلول عليه في هذه الجملة سواء كان الدالّ هو الأداة أي أداة الشرط أو كان الدالّ هو الهيئة أو تفريع الجزاء على الشرط، و هذا الترديد في العبارة لأجل وجود قولين بينهم، فبعض يقول: إنّ الدالّ على الربط الخاصّ بين الشرط و الجزاء هو الأداة، بينما يقول البعض الآخر. كالأصفهاني. إنّ الدالّ على الربط الخاصّ هو تفريع الجزاء على الشرط بالفاء الموجودة أو المقدّرة، و على كلّ فالربط الخاصّ المدلول عليه في الجملة لكي يكون وافيا بضابط المفهوم لا بدّ أن يكون هذا الربط بنحو يكون موجبا و مستلزما لانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط.

فارتباط قضيّة بقضيّة أخرى إذا كان دالا على الانتفاء عند الانتفاء كان موجبا لاستفادة المفهوم.

15

و حيث إنّ الجملة الشرطيّة الدالّة على الربط الخاصّ بين الشرط و الجزاء سواء بالأداة أو بالهيئة من المعاني الحرفيّة، فهي تدلّ على هذا الربط الخاصّ بنحو المعنى الحرفي، و هكذا الحال في سائر الجمل التي يبحث حول دلالتها عن المفهوم.

و هذا المعنى الحرفي يوازيه معنى اسمي؛ لأنّ كلّ معنى حرفي يوجد معنى اسمي مواز له، فإذا أردنا أن نعبّر عن هذا الربط الخاصّ الذي هو معنى حرفي بالمعنى الاسمي الموازي له وجدنا أنّ هناك نحوين من التعبير:

ففي قولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه) تارة نعبّر عن الربط الخاصّ بين الشرط و الجزاء بقولنا: (مجي‏ء زيد مستلزم و موجد لوجوب إكرامه) بحيث يكون المعنى الحرفي هو النسبة الإيجاديّة أو النسبة الاستلزاميّة.

و أخرى نعبّر عن هذا الربط بقولنا: (وجوب إكرام زيد متوقّف أو معلّق أو ملتصق بمجيئه) بحيث يكون المعنى الحرفي هو النسبة التوقّفيّة أو التعليقيّة أو الالتصاقيّة.

فإذا يوجد نحوان من الممكن أن تكون الجملة الشرطيّة موضوعة لهما هما:

1- أن تكون موضوعة للنسبة الإيجاديّة أو الاستلزاميّة.

2- أن تكون موضوعة للنسبة التوقّفيّة أو الالتصاقيّة أو التعليقيّة.

و حينئذ يأتي البحث التالي:

ففي القول الأوّل استعملنا معنى الاستلزام، و في القول الثاني استعملنا معنى التوقّف و التعليق و الالتصاق، و المعنى الأوّل لا يدلّ التزاما على الانتفاء عند الانتفاء، و الثاني يدلّ عليه.

فإذا كانت الجملة الشرطيّة مثلا موضوعة لغة للربط الخاصّ و للنسبة الاستلزاميّة الموازية لمفهوم الاستلزام كمعنى اسمي فلا يمكن استفادة المفهوم للجملة؛ إذ لا يكون هذا المعنى وافيا و دالا بالالتزام على الانتفاء عند الانتفاء.

و توضيح ذلك: أنّ النسبة الإيجاديّة أو الاستلزاميّة معناها أنّ هذا موجد لذاك أو سبب و علّة له، فإذا وجد الشرط وجد الجزاء؛ لأنّ الشرط علّة و سبب و مستلزم للجزاء. إلا أنّ هذا لا يعني أنّه إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء أيضا؛ إذ لعلّ هناك سببا و علّة و موجدا للجزاء غير هذا الشرط.

فنفس الإيجاد و الاستلزام لا يكفي وحده على مستوى المدلول التصوّري الوضعي‏

16

للجملة في اقتناص المفهوم، و إنّما نحتاج في إثباته إلى الإطلاق و قرينة الحكمة في الشرط لإثبات كونه العلّة الوحيدة المنحصرة للجزاء، و هذا بحث إثباتي تصديقي لا علاقة له بالمدلول التصوّري للجملة.

و أمّا إذا كانت الجملة موضوعة لغة بحسب المدلول التصوّري الوضعي للربط الخاصّ و للنسبة التوقّفية أو التعليقية أو الالتصاقيّة كانت استفادة المفهوم و الانتفاء عند الانتفاء ثابتة و متحقّقة في مرحلة المدلول التصوّري للجملة؛ و ذلك لأنّ الجملة الشرطيّة مثلا معناها على هذا الفرض أنّ الجزاء معلّق و متوقّف و ملتصق بالشرط، فإذا وجد الشرط وجد الجزاء، و إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء أيضا؛ لأنّ المعيّة و الالتصاق فيهما تفترض أنّهما معا دائما وجودا و عدما، و هذا معناها لانتفاء عند الانتفاء؛ لأنّ الجزاء يدور مدار الشرط إذ هو معلّق عليه و ملتصق به.

و على هذا التفسير سوف تكون الجملة الشرطيّة مثلا و غيرها من الجمل أيضا دالّة على المفهوم وضعا و تصوّرا؛ لأنّها تدلّ على الربط الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء إلا و هو النسبة التوقّفية أو الالتصاقيّة أو التعليقيّة.

و بهذا ظهر أنّ الاستلزام يكون بمثابة الموجبة الجزئيّة التي تسكت عن بقيّة الأفراد، بينما التوقّف بمثابة الموجبة الكلّيّة التي تتحدّث عن كلّ الأفراد.

فلكي تكون الجملة الشرطيّة مثلا مشتملة في مرحلة المدلول التصوّري على ضابط إفادة المفهوم، لا بدّ أن تكون دالّة على ربط الجزاء بالشرط بما هو معنى حرفي مواز للمعنى الاسمي للتوقّف و الالتصاق، لا على الربط بما هو معنى حرفي مواز للمعنى الاسمي لاستلزام الشرط للجزاء.

و الحاصل: أنّ دلالة الجملة الشرطيّة- مثلا- و غيرها أيضا على المفهوم في مرحلة المدلول التصوّري الوضعي للجملة متوقّف على أمرين:

الأمر الأوّل: أن تكون دالّة على الربط الخاصّ بين الشرط و الجزاء الموجب للانتفاء عند الانتفاء، و هذا معناه أنّه لا بدّ أن تكون موضوعة لغة لمعنى حرفي و للنسبة الموازية للمعنى الاسمي الذي هو التوقّف أو الالتصاق أو التعليق، كما تقدّم توضيحه. لا أن تكون موضوعة لغة للمعنى الحرفي و النسبة الموازية لمفهوم الاستلزام و الإيجاد الاسمي بين الشرط و الجزاء، فإذا ثبت ذلك كانت الجملة دالّة وضعا على‏

17

المفهوم من دون حاجة إلى أدلّة إثباتيّة تصديقيّة كالإطلاق بقرينة الحكمة و نحو ذلك.

و لا بدّ- إضافة إلى ذلك- أن يكون المرتبط على نحو التوقّف و الالتصاق طبيعي الوجوب لا وجوبا خاصّا، و إلا لم يقتض التوقّف إلا انتفاء ذلك الوجوب الخاصّ، و هذا القدر من الانتفاء يتحقّق بنفس قاعدة احترازيّة القيود و لو لم نفترض مفهوما.

و الأمر الثاني: أن يكون المرتبط طبيعي الحكم لا شخصه، ففي الجملة الشرطيّة المذكورة مثلا يكون الربط الخاصّ بين الشرط و الجزاء موجبا لانتفاء طبيعي الجزاء عند انتفاء الشرط، فعندها يتحقّق المفهوم للجملة، و هو أنّه لا وجوب مطلقا لإكرام زيد عند عدم مجيئه، و أمّا انتفاء شخص الحكم فقط فهو لا يكفي لإفادة المفهوم؛ و ذلك لأنّ انتفاء شخص الحكم ثابت على أساس قاعدة احترازيّة القيود و إن لم يكن هناك مفهوم أصلا.

توضيح ذلك: أنّ قاعدة احترازيّة القيود توجب أنّ القيد المذكور في الكلام دخيل في موضوع الحكم، بحيث إنّ الفاقد للوصف و القيد ينتفي عنه هذا الحكم المقيّد به، فإذا قيل: (أكرم العالم العادل) دلّت احترازيّة القيود على أنّ كلّ قيد يقوله في الكلام يكون دخيلا في المراد الجدّي.

و هذا معناه أنّ وجوب إكرام العالم يشترط فيه العدالة، فإن لم يكن عادلا كان وجوب إكرامه منتفيا إلا أنّ وجوب الإكرام المنتفي عنه من جهة كونه عالما غير عادل، و هذا لا يمنع ثبوت وجوب الإكرام للعالم غير العادل بقيد و ملاك آخر كأن يكون فقيرا أو هاشميّا مثلا.

و على هذا فنقول: إنّ المفهوم كمصطلح أصولي هو انتفاء طبيعىّ الحكم لا شخصه؛ لأنّه لو أريد انتفاء الشخص فقط كان البحث عن المفهوم للجملة لغوا؛ لأنّه تحصيل للحاصل، إذ انتفاء شخص الحكم ثابت بقاعدة الاحترازيّة، فما الحاجة لإثبات انتفاء هذا الشخص ثانيا على أساس المفهوم؟!

و أمّا لو كان المنتفي هو الطبيعي و الكلّي لكان للمفهوم معنى تأسيسيّ جديد لم يكن موجودا من قبل، و هذا معناه أنّ المنتفي هو طبيعي الحكم بما هو هو من دون نظر إلى الأفراد و ليس المنتفي هو صرف الطبيعة؛ لأنّ الطبيعة الصرفة تتحقّق بفرد من أفرادها، فلو

18

كان المنتفي هو الصرف لكان معناه أنّ المنتفي هو فرد من أفرادها و هذا لا فائدة منه كما تقدّم، بل المراد انتفاء الطبيعة بما هي هي من دون لحاظ شي‏ء آخر عليها.

و إذا ثبتت دلالة الجملة في مرحلة المدلول التصوّري على النسبة التوقّفية و الالتصاقيّة ثبت المفهوم، و لو لم يثبت كون الشرط علّة للجزاء أو جزء علّة له، بل و لو لم يثبت اللزوم إطلاقا و كان التوقّف لمجرّد صدفة.

فإذا تمّ هذان الأمران كان للجملة مفهوم على مستوى المدلول التصوّري الوضعي، و لا نحتاج إلى المرحلة الإثباتيّة لإثبات أنّ الشرط علّة تامّة أو جزء العلّة التامّة للجزاء كما هو مسلك المشهور، بل ما دامت الجملة دالّة تصوّرا على التوقّف و الالتصاق بنحو المعنى الحرفي يثبت المفهوم، و إن كان الجزاء متفرّعا على الشرط لمجرّد الصدفة المحضة و لم يكن بينهما علّة انحصاريّة أو علّة تامّة أو جزء علّة أو حتّى لزوم أيضا. فإذا قيل: (إذا جاء الأستاذ كانت الساعة التاسعة) و كان هناك توقّف بينهما و لو صدفة كفى ذلك في استفادة المفهوم و أنّه لا تكون الساعة التاسعة إذا لم يأت.

و أمّا على مستوى المدلول التصديقي للجملة، فقد تكشف الجملة في هذه المرحلة عن معنى يبرهن على أنّ الشرط علّة منحصرة أو جزء علّة منحصرة للجزاء، و بذلك يثبت المفهوم.

و أمّا المقام الثاني: و هو إثبات المفهوم على مستوى المدلول التصديقي للجملة في المراد الجدّي، فإذا أخذنا الجملة الشرطيّة كمثال: (إذا جاءك زيد فأكرمه)، و قلنا: إنّ المدلول التصوّري الوضعي ليس هو النسبة التوقّفية، بل كان النسبة الاستلزاميّة أو الإيجاديّة، فمع ذلك يمكن أن يدّعى استفادة المفهوم أي الانتفاء عند الانتفاء على أساس وجود دلالة إثباتيّة تصديقيّة كما سيأتي بيانه مفصّلا عند الكلام في الجمل الشرطيّة، و إن كان الصحيح عدم تماميّة شي‏ء ممّا ذكر، و لكن مع ذلك نقول: قد يدّعى وجود دلالة إثباتيّة لإفادة أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء أو جزء علّة منحصرة، فإذا ثبت كون الجزاء علّة تامّة منحصرة مثلا كان معنى ذلك أنّ الجزاء يتوقّف وجوده على الشرط، فإذا عدم الشرط انعدم الجزاء أيضا، فثبت المفهوم.

و إثبات العلّيّة الانحصاريّة في الشرط يتوقّف على أدلّة و براهين منها:

و هذا من قبيل المحاولة الهادفة لإثبات المفهوم تمسّكا بالإطلاق الأحوالي للشرط

19

لإثبات كونه مؤثّرا على أي حال، سواء سبقه شي‏ء آخر أم لا، ثمّ لاستنتاج انحصار العلّة بالشرط من ذلك، إذ لو كانت للجزاء علّة أخرى لما كان الشرط مؤثّرا في حال سبق تلك العلّة.

من الأدلّة الإثباتيّة على وجود الربط الخاصّ في الجملة الشرطيّة مثلا و هو الانتفاء عند الانتفاء الإطلاق و قرينة الحكمة.

و تقريب ذلك: إذا قيل: (إذا جاءك زيد فأكرمه) ثبت بالإطلاق الأحوالي للشرط أنّه علّة تامّة منحصرة للجزاء، بمعنى أنّ المجي‏ء علّة لإكرام زيد في جميع حالاته و هي ما إذا (جاء زيد) من دون وجود شي‏ء آخر مع هذا المجي‏ء، و فيما إذا (جاء زيد) و كان مسبوقا أو ملحوقا بشي‏ء آخر كالفقر أو العدالة أو العلم أو المرض و نحو ذلك من قيود و أوصاف أخرى.

فبالإطلاق الأحوالي للشرط نثبت أنّه لو كان هناك شي‏ء آخر مقارن لهذا الشرط أو بديل عنه أو لاحق له للزم ذكره في الكلام بالعطف ب (الواو) أو ب (أو)، و بما أنّه لم يقل ذلك فهو لا يريده، فيثبت أنّ المجي‏ء شرط وحيد و علّة تامّة منحصرة، للجزاء، فيكون مؤثّرا مطلقا و في كلّ الحالات سواء كان معه شي‏ء أو لا، أو سبقه شي‏ء أو لا، أو لحقه شي‏ء أو لا.

و هذا معناه أنّه لو كان هناك وصف آخر كالعدالة مثلا موجودة و متحقّقة في زيد، و كان هناك علّة أخرى للجزاء تقدّمت أو قارنت المجي‏ء لكان معنى ذلك أنّ الشرط المؤثّر في الجزاء هو هذه العلّة لا المجي‏ء، فيكون ذكر المجي‏ء لغوا و تحصيلا للحاصل.

و هذا معناه أنّ المجي‏ء لم يكن علّة مؤثّرة في الجزاء، و هذا مخالف للإطلاق الأحوالي للمجي‏ء الذي ذكر شرطا.

فعلى أساس هذه القرينة و مقدّمات الحكمة و الإطلاق الأحوالي نثبت كون الشرط علّة منحصرة للجزاء فنثبت المفهوم.

و من الأدلّة أيضا التمسّك بالإطلاق و قرينة الحكمة في الجزاء.

و من الأدلّة التمسّك بالقاعدة الفلسفيّة القائلة: إنّ الواحد لا يصدر إلا من واحد، و سيأتي تفصيل ذلك.

فإنّ هذا انتزاع للمفهوم من المدلول التصديقي؛ لأنّ الإطلاق الأحوالي للشرط

20

مدلول لقرينة الحكمة، و قد تقدّم سابقا أنّ قرينة الحكمة ذات مدلول تصديقي و لا تساهم في تكوين المدلول التصوّري.

هذا ما ينبغي أن يقال في تحديد الضابط.

فاستفادة المفهوم من هذه الأدلّة الإثباتيّة معناه أنّ المفهوم ثابت في مرحلة المدلول التصديقي للكلام لا في المدلول التصوّري؛ و ذلك لأنّ الإطلاق الأحوالي في الشرط مرجعه إلى قرينة الحكمة، و هي ظهور حال المتكلّم أنّه في مقام البيان لتمام موضوع حكمه، فلو كان يريد القيد لذكر ما يدلّ عليه فما دام لم يذكره فهو لا يريده.

و هنا لو كان يريد علّة أخرى جزءا أو بدلا عن المجي‏ء لذكر ذلك، فما لم يذكر يثبت أنّ المجي‏ء هو تمام الشرط المؤثّر في الجزاء. و من الواضح أنّ قرينة الحكمة إنّما تجري لإثبات المدلول التصديقي الثاني و هو المراد الجدّي للمتكلّم، و ليس لها علاقة في تكوين المدلول التصوّري للكلام؛ لأنّ مرجعها إلى ظهور حال المتكلّم و ظهور حاله لا علاقة له بمدلول اللفظ الوضعي و التصوّري.

و لذلك قلنا: إنّ هذه الأدلّة على فرض تماميّة شي‏ء منها فهي تثبت المفهوم على مستوى المدلول التصديقي لا التصوّري.

هذا تمام الكلام في تحديد ضابط المفهوم على ضوء تصوّرات السيّد الشهيد.

و أمّا المشهور فقد اتّجهوا إلى تحديد الضابط للمفهوم في ركنين، كما مرّ بنا في الحلقة السابقة

(1)

:

أحدهما: استفادة اللزوم العلّي الانحصاري.

و الآخر: كون المعلّق مطلق الحكم لا شخصه.

و أمّا المشهور فقد سلكوا في تحديد ضابط المفهوم مسلكا آخر و هو أنّ ثبوت المفهوم للجملة يتوقّف على ركنين إذا تحقّقا تمّ المفهوم، و إذا انتفى أحدهما على الأقلّ فلا مفهوم للجملة، و هذان الركنان هما:

الأوّل: استفادة اللزوم العلّي الانحصاري، فمثلا إذا قيل: (إذا جاءك زيد فأكرمه) كانت الجملة دالّة على المفهوم إذا كان الشرط فيها

____________

(1) في بحث المفاهيم، تحت عنوان: ضابط المفهوم.

21

علّة منحصرة للجزاء، و كان تفريع الجزاء على الشرط لزوميّا لا من قبيل الاتّفاق و الصدفة.

و هذا الركن يمكن إثباته بأحد الأدلّة التي سيأتي التعرّض لها كقرينة الحكمة و الإطلاق في الشرط أو الجزاء.

الثاني: كون المنتفي هو طبيعي الحكم لا شخصه، ففي الجملة المذكورة يجب أن يكون المنتفي هو كلّي وجوب الإكرام عند انتفاء المجي‏ء؛ لأنّه لو انتفى شخص الإكرام لكان الإكرام ثابتا بشرط آخر، فلا يكون للجملة مفهوم.

و هذا الركن يمكن إثباته أيضا بالإطلاق و قرينة الحكمة كما سيأتي.

و الحال أنّ استفادة المفهوم عند المشهور تنحصر في المدلول التصديقي؛ لأنّ كلّ الأدلّة المذكورة عندهم تثبت المراد الجدّي للمتكلّم، و لا مدخليّة لها في تحديد المدلول التصوّري للجملة.

و لا كلام لنا فعلا في الركن الثاني.

أمّا الركن الثاني و هو كون المعلّق الكلّي و الطبيعي فلا كلام لنا فيه بالفعل، و هذا لا ينفي وجود الكلام فيه و الإشكال عليه، فهو قضيّة مطلقة عامّة، أي أنّه بالفعل لا كلام و أمّا أنّه بالقوّة يوجد كلام أو لا فهذا مسكوت عنه، و سيأتي أنّ ما ذكروه لإثبات ذلك غير تامّ.

و أمّا الركن الأوّل فالالتزام بركنيّته غير صحيح؛ إذ يكفي في إثبات المفهوم- كما تقدّم- دلالة الجملة على الربط بنحو التوقّف و لو كان على سبيل الصدفة.

و أمّا الركن الأوّل و هو كون المفهوم متوقّفا على استفادة اللزوم العلّي الانحصاري فلا نسلّم به؛ إذ يكفي كما ذكرنا في استفادة المفهوم على‏

مستوى المدلول التصوّري أن يكون هناك ربط خاصّ بنحو يوجب الانتفاء عند الانتفاء. و هذا يتحقّق إذا كان الربط الخاصّ بنحو التوقّف و الالتصاق بنحو المعنى الحرفي، و لا يشترط أن يكون هناك لزوم علي انحصاري، بل يثبت المفهوم إذا كان هناك توقّف و التصاق و لو لم يكن هناك انحصار علي أو لم يكن هناك علّة تامّة، أو لم يكن هناك علّيّة أصلا، بل و لو لم يكن هناك لزوم بأن كان التوقّف مجرّد صدفة

22

و اتّفاق، فإنّ المدار في ثبوت المفهوم على التوقّف و الالتصاق مهما كان نوعه و كيفما اتّفق‏ (1).

مورد الخلاف في ضابط المفهوم:

ثمّ إنّ المحقّق العراقي (رحمه الله)

(2)

ذهب إلى أنّه لا خلاف في أنّ جميع الجمل التي تكلّم العلماء عن دلالتها على المفهوم تدلّ على الربط الخاصّ المستدعي للانتفاء عند الانتفاء، أي على التوقّف؛ و ذلك بدليل أنّ الكلّ متّفقون على انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد شرطا أو وصفا، و إنّما اختلفوا في انتفاء

____________

(1) قد يشكل على كلام السيّد الشهيد بقولنا: إنّ التوقّف و لو صدفة ما ذا يراد منه؟

فإذا كان المراد أنّ الجزاء متوقّف على الشرط وجودا و عدما، بحيث كان الجزاء يدور مدار الشرط كان معنى ذلك هو العلّيّة الانحصاري التي قالها المشهور؛ لأنّ التوقّف كمعنى حرفي عبارة عن النسبة المتقوّمة بالطرفين فيكون مفهوم التوقّف منتزعا من الخارج.

فإذا كان الشرط و الجزاء في الخارج يحدثان معا و ينتفيان معا، و كان وجود أحدهما موجبا لوجود الآخر و انتفاؤه موجب لانتفائه، فهذا معناه أنّه علّة تامّة منحصرة؛ إذ لا وجود لهذا المفهوم في الخارج إلا في العلّة التامّة المنحصرة.

و إذا كان المراد من التوقّف و لو صدفة هو المصطلح المعروف للصدفة أي احتمال الوقوع و احتمال العدم، فهذا يعني أنّه يحتمل وجود الجزاء عند وجود الشرط و يحتمل انتفاؤه عند انتفائه، و يحتمل أيضا عدم وجوده عند وجود الشرط أو عدم انتفائه عند انتفاء الشرط، و بالتالي لا يكون مجي‏ء زيد موجبا لمجي‏ء عمرو؛ إذ قد يوجبه و قد لا يوجبه، فكيف يتمّ المفهوم إذا؟

و الحاصل: أنّه على التفسير الأوّل للتوقّف الصدفتي يكون النزاع لفظيّا بين المشهور و السيّد الشهيد؛ لأنّهما يتّفقان في النتيجة العمليّة، و أمّا على التفسير الثاني فلا يكون هناك مفهوم أصلا.

هذا، و يمكن الإجابة عن هذا الإشكال بقولنا: إنّ التوقّف لا يتوافق في الخارج على العلّيّة دائما، بل قد يحصل مع العلّيّة و قد يحصل بدونها، فيكون التوقّف أعمّ من العلّيّة في كلام المشهور؛ و ذلك لإمكان فرض التوقّف في الخارج في المفاهيم المتضايفة كقولنا: إنّ تعقّل البنوّة متوقّف على تعقّل الأبوّة، و الفوق على التحت و هكذا، فإنّ المتضايفين يتوقّف أحدهما على الآخر وجودا و عدما في الخارج، و لهذا يكون للتوقّف المذكور معنى أعمّ من قول المشهور، فصحّ ذكره و الاعتماد عليه و لو صدفة أيضا.

(2) مقالات الأصول 1: 396- 397، نهاية الأفكار 1: 470- 473.

23

طبيعي الحكم، فلو لا اتّفاقهم على أنّ الجملة تدلّ على الربط الخاصّ المذكور لما تسالموا على انتفاء الحكم و لو شخصا بانتفاء القيد.

ذكر المحقّق العراقي أنّ ضابط المفهوم ينبغي أن ينصبّ حول ما إذا كان المنتفي هو طبيعي الحكم أو شخصه، فإذا ثبت أنّ المنتفي طبيعي الحكم كان للجملة مفهوم و إلا فلا.

و حينئذ فلا نحتاج للبحث عن الركن الأوّل و هو كون الموضوع أو الشرط أو الوصف أو الغاية و نحو ذلك علّة تامّة منحصرة، و الوجه في ذلك أنّهم قد اتّفقوا على أنّ جميع الجمل التي وقعت محلّا للكلام و موردا للنزاع عندهم تدلّ على الربط الخاصّ المستدعي للانتفاء عند الانتفاء، و هو التوقّف كما فسّره السيّد الشهيد.

فمثلا قولنا: (أكرم العالم العادل) لا إشكال عندهم أنّ وصف العدالة دخيل في ملاك الحكم بنحو يكون هو العلّة لوجوب إكرام العالم، بحيث إنّ العالم لو لم يكن عادلا فلا يجب إكرامه، و إنّما موضع الخلاف بينهم في أنّ المنتفي عند انتفاء وصف العدالة هل هو طبيعي الحكم ليثبت المفهوم للوصف، أو شخصه فلا مفهوم له؟

و هكذا الحال في جملة الغاية كقولنا: (صم إلى الليل) فإنّ الليل أخذ حدّا و علّة لانتهاء الصيام فلا صوم بعد الليل، إلا أنّ المنتفي هل هو طبيعي الصوم بحيث لا يوجد فرد من أفراد الصوم يكون في الليل أو الشخص فقط؟

و في الجملة الشرطيّة: (إذ جاءك زيد فأكرمه) تدلّ على أنّه إذا انتفى المجي‏ء انتفى وجوب الإكرام، إلا أنّ المنتفي هو الطبيعي أو الشخصي فهذا يحتاج إلى دليل.

و هكذا يتّضح أنّهم متّفقون على الربط الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء في جميع الجمل المطروحة للبحث، و إنّما الخلاف بينهم في أنّ المنتفي فيها هل هو الطبيعي أو الشخصي؟

و عليه، فينبغي أن يكون ضابط المفهوم هو الركن الثاني فقط دون الأوّل؛ إذ لو لا أنّهم متّفقون على أنّ هذه الجمل تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء و الربط الخاصّ لم يكن هناك وجه لانتفاء شخص الحكم أيضا، مع أنّهم متّفقون على أنّه في جمل الوصف و اللقب و العدد و نحوها ممّا لا مفهوم فيها ينتفي شخص الحكم بانتفاء

24

الوصف أو القيد أو اللقب. و هذا معناه أنّ الربط الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء موجود فيها، و إلا لم ينتف حتّى شخص الحكم.

و استدلّ المحقّق العراقي على ما ذكره بأنّهم يجمعون بين المطلق و المقيّد المثبتين بحمل المطلق على المقيّد كقولنا: (أعتق رقبة) و قولنا: (أعتق رقبة مؤمنة) حيث يفسّرون المراد من المطلق هو المقيّد، و يكون المراد شيئا واحدا و هو عتق الرقبة المؤمنة فقط.

و هذا دليل صريح منهم على أنّ الوصف علّة تامّة منحصرة لوجوب الإكرام؛ إذ لو لم يكن كذلك، و كان توجد علّة أخرى لم يكن هناك حاجة لهذا الجمع؛ و لصحّ وجوب عتق الرقبة الكافرة أيضا، فجمعهم بينهما دليل على وجود الربط الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء في الجملة الوصفيّة.

و إن لم يكن لها مفهوم من جهة أنّ المنتفي هو شخص الحكم لا الطبيعي، ففهمهم للتنافي بين المطلق و المقيّد دليل على وجود الربط الخاصّ في الجملة الوصفيّة، و إلا فليكن المقيّد هو الأفضل و الأهمّ من المصاديق مثلا.

و على هذا الأساس فالبحث في إثبات المفهوم في مقابل المنكرين له ينحصر في مدى إمكان إثبات أنّ طرف الربط الخاصّ المذكور ليس هو شخص الحكم، بل طبيعيّة؛ ليكون هذا الربط مستدعيا لانتفاء الطبيعي بانتفاء القيد، و إمكان إثبات ذلك مرهون بإجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في مفاد هيئة الجزاء و نحوها ممّا يدلّ على الحكم في القضيّة.

فالخلاف بين المثبتين للمفهوم و المنكرين له يجب أن ينصبّ حول إمكانيّة استفادة أنّ الربط الخاصّ المستدعي للانتفاء عند الانتفاء هل يوجب انتفاء شخص الحكم فقط، أو كلّي الحكم؟ فإذا كان المنتفي هو شخص الحكم لم يكن للجملة مفهوم و إن كان هناك انتفاء عند الانتفاء، و إذا كان المنتفي الطبيعي كان للجملة مفهوم.

فالركن الأوّل و هو الربط الخاصّ المستدعي للانتفاء عند الانتفاء سواء بنحو العليّة أو التوقّف لا يكفي وحده لإثبات المفهوم، و البحث فيه لا معنى له لاتّفاقهم عليه.

و أمّا إثبات أنّ المنتفي هو الطبيعي لا الشخصي فهذا يحتاج إلى أدلّة من قبيل الإطلاق و قرينة الحكمة في هيئة الجزاء في الجمل الشرطيّة مثلا، أو في هيئة الجملة المتضمّنة للحكم، كالهيئة الحصريّة و الاستثنائيّة و الغائيّة و نحو ذلك.

25

فمثلا إذا قيل: (إذا جاءك زيد فأكرمه) يثبت للجملة مفهوم إذا جرت قرينة الحكمة في الجزاء أي في مفاد هيئة (أكرمه) لإثبات أنّ الوجوب المدلول عليه في الهيئة المذكورة هو كلّي وجوب الإكرام لا شخص خاصّ منه، إذ لو كان شخص الوجوب هو المعلّق و المتفرّع و المعلول للشرط لكان ينبغي للمتكلّم أن يبيّن ذلك في كلامه، فما لم يذكر ذلك كان معناه أنّ المنتفي هو كلّي الوجوب عند انتفاء الشرط؛ إذ لو كان يوجد مع غيره لكان يجب ذكره في الكلام فما لم يذكره فهو لا يريده.

و هكذا يعود البحث في ثبوت المفهوم لجملة: (إذا كان الإنسان عالما فأكرمه) أو لجملة: (أكرم الإنسان العالم) إلى أنّه هل يجري الإطلاق في مفاد أكرم في الجملتين لإثبات أنّ المعلّق على الشرط أو الوصف طبيعي الحكم أو لا؟

و نسمّي هذا بمسلك المحقّق العراقي في إثبات المفهوم.

ففي الجملة الشرطيّة: (إذا كان الإنسان عالما فأكرمه) لكي يثبت المفهوم فيها لا بدّ من إجراء الإطلاق و مقدّمات الحكمة في مفاد هيئة الجزاء. بينما في الجملة الوصفيّة:

(أكرم الإنسان العالم) لا يجري الإطلاق و مقدّمات الحكمة في مفاد هيئة الجزاء فلا مفهوم، و أمّا إذا جرى الإطلاق و مقدّمات الحكمة في الجملة الوصفيّة فيكون لها مفهوم.

و هذا يسمّى بمسلك المحقّق العراقي في إثبات المفهوم.

إلا أنّ الصحيح هو أنّ الركن الأوّل لا يمكن الاستغناء عنه؛ لأنّ الربط الخاصّ و الانتفاء عند الانتفاء كما يتحقّق بالعلّيّة و التوقّف كذلك يتحقّق بالاستلزام أيضا، و قد تقدّم أنّ الاستلزام لا يكفي في إثبات المفهوم.

و عليه، فلا يكفي أن يكون هناك انتفاء عند الانتفاء، بل لا بدّ من إثبات أنّ هذا الانتفاء هل هو بنحو العلّيّة كما هو المشهور، أو بنحو التوقّف كما هو المختار؟ و لذلك يكون البحث في الركن الأوّل غير مفروغ عنه.

مضافا إلى أنّ هيئة الجزاء في الجملة الشرطيّة و الجملة الوصفيّة المذكورتين واحد، فلما ذا جرى الإطلاق و قرينة الحكمة في أحدهما دون الآخر؟

***

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

مفهوم الشرط

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

مفهوم الشرط

ذهب المشهور إلى دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم، و قرّب ذلك بعدّة وجوه:

المشهور أنّ الجملة الشرطيّة تدلّ على المفهوم، إلا أنّ التقريبات التي ذكروها لذلك غير تامّة؛ لقصورها عن إفادة ضابط المفهوم وفقا لتصوّرات المشهور حيث أنّ الركن الأوّل عند المشهور هو إثبات اللزوم العلّي الانحصاري.

فذكروا لإثبات هذا الركن وجوها: بعضها يثبت المدلول للجملة الشرطيّة في مرحلة المدلول التصوّري كالوضع و التبادر و الانصراف، و بعضها يثبت المفهوم في مرحلة المدلول التصديقي كالإطلاق و قرينة الحكمة في الشرط.

و سوف نذكر هذه الوجوه تباعا مع المناقشة في كلّ واحد منها فنقول:

الأوّل: دعوى دلالة الجملة الشرطيّة بالوضع على أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء

، و ذلك بشهادة التبادر.

الدليل الأوّل: أنّ الجملة الشرطيّة بأداتها أو بهيئتها موضوعة لغة للّزوم العلّي الانحصاري. بمعنى أنّ الشرط فيها علّة منحصرة للجزاء، فتكون دلالتها على الربط العلّي الانحصاري على مستوى الدلالة التصوّريّة الوضعيّة، و الشاهد على ذلك هو التبادر، فإنّه علامة الحقيقة.

فإذا قيل: (إذا جاءك زيد فأكرمه) يتبادر إلى الذهن أنّ وجوب الإكرام معلول للمجي‏ء، و أنّ المجي‏ء هو العلّة المنحصرة للإكرام دون غيره.

فالركن الأوّل تامّ، و بضمّ الركن الثاني كما سيأتي يثبت المفهوم، و هذا الوجه ذكره صاحب (المعالم).

و على الرغم من صحّة هذا التبادر اصطدمت الدعوى المذكورة بملاحظة و هي:

30

أنّها تؤدّي إلى افتراض التجوّز عند استعمال الجملة الشرطيّة في موارد عدم الانحصار، و هو خلاف الوجدان، فكأنّه يوجد في الحقيقة وجدانان لا بدّ من التوفيق بينهما:

أحدهما: وجدان التبادر المدّعى في هذا الوجه.

و الآخر: وجدان عدم الاحساس بالتجوّز عند استعمال الجملة الشرطيّة في حالات عدم الانحصار.

و نلاحظ على ذلك: أنّ هذا التبادر المدّعى على فرض صحّته إلا أنّه يصطدم بشبهة تمنع من الأخذ به ما لم تحلّ هذه الشبهة، و حاصلها: أنّنا لا نحسّ بالمجازيّة في الموارد التي تستعمل فيها الجملة الشرطيّة و لا يكون الشرط فيها علّة تامّة منحصرة، أو علّة تامّة، أو لا يكون هناك لزوم أصلا.

فمثلا إذا قيل: (إذا أكلت في شهر رمضان فقد أفطرت) فإنّها لا تدلّ على أنّ الأكل هو العلّة التامّة المنحصرة؛ إذ توجد علل أخرى للإفطار كالشرب و غيره. و إذا قيل: (إذا خفيت الجدران فقصّر) لا تدلّ على أنّ خفاء الجدران هو العلّة التامّة؛ و ذلك لوجود خفاء الأذان أيضا فكان الشرط جزء العلّة لا العلّة التامّة.

و إذا قيل: (إذا جاء المدرّس إلى الدرس كانت الساعة التاسعة) ليس فيها عليّة و لا لزوم أصلا؛ إذ هي مجرّد صدفة و اتّفاق.

فمع كلّ هذا لا نحسّ أنّ استعمال الجملة الشرطيّة في هذه الموارد مجاز، مع أنّه بناء على ما ذكر من كونها موضوعة لغة للربط العلّي الانحصاري بشهادة التبادر الدالّ على الحقيقة يجب أن تكون هذه الموارد مستعملة مجازا؛ لأنّها مستعملة في غير ما وضعت له.

ففي الحقيقة يوجد إحساسان و وجدانان عرفيّان هما:

1- الإحساس المدّعى و هو كون الجملة موضوعة للربط العلّي الانحصاري بشهادة التبادر.

2- الإحساس و الوجدان القاضي بعدم المجازيّة في موارد استعمالها في غير المعنى المذكور.

و هذان الوجدانان متعارضان؛ لأنّها إن كانت موضوعة للربط العلّي الانحصاري‏

31

لزم المجازيّة في بقيّة الموارد، و إن لم يكن هناك مجازيّة في سائر الموارد لم تكن موضوعة للربط العلّي الانحصاري، فأحدهما يعارض الآخر و يكذّبه، فلا بدّ من حلّ لهذا التعارض بين هذين الوجدانين، و إلا لم يمكن الأخذ بأيّ منهما (1).

الثاني: دعوى دلالة الجملة الشرطيّة على اللزوم وضعا،

و على كونه لزوما علّيّا انحصاريّا بالانصراف؛ لأنّه أكمل أفراد اللزوم.

الدليل الثاني: أنّ الجملة الشرطيّة موضوعة لغة لإفادة اللزوم فقط، بمعنى أنّ هناك ملازمة و ترتّب بين الشرط و الجزاء، فإذا تحقّق الشرط تحقّق الجزاء، و إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء، و الشاهد على ذلك هو التبادر و الوجدان السابق. فالشرط إذا علّة للجزاء.

و أمّا كون هذا اللزوم و العلّيّة في الشرط منحصرة فهذا يثبت بالانصراف؛ و ذلك لأنّ العلّيّة الانحصاريّة أكمل أفراد اللزوم العلّي، بمعنى أنّ اللزوم العلّي له أفراد منها اللزوم العلّي الانحصاري، و منها اللزوم العلّي غير الانحصاري، و الفرد الأكمل منهما هو الأوّل. و لذلك إذا أطلق اللزوم العلّي انصرف إلى الفرد الأكمل من أفراده و هو اللزوم العلّي الانحصاري.

و لوحظ على ذلك أنّ الأكمليّة لا توجب الانصراف، و أنّ الاستلزام في فرض الانحصار ليس بأقوى منه في فرض عدم الانحصار.

____________

(1) و على هذا ذهب صاحب (الكفاية) إلى عدم دلالة الشرطيّة على الربط العلّي الانحصاري؛ لتعارضها مع الوجدان الآخر، و لذلك أنكر دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم؛ إذ لا يعلم كونها موضوعة للربط العلّي الانحصاري و لا يمكن إثبات ذلك، و لكنّه مع ذلك فقد التزم بالمفهوم للجملة الشرطيّة فقهيّا، و إن أنكره أصوليّا.

و ذهب آخرون إلى أنّ اللزوم العلّي الانحصاري يستفاد من الإطلاق و قرينة الحكمة لا بالوضع، و لذلك فسّروا الوجدان الآخر بأنّه لم تتمّ فيه مقدّمات الحكمة.

و الصحيح: هو صحّة الوجدان الثاني لا الأوّل، فإنّ الجملة الشرطيّة ليست موضوعة للّزوم العلّي الانحصاري، بل هي موضوعة للربط الخاصّ بمعنى التوقّف و هو أعمّ من العلّيّة و اللزوم و الصدفة المحضة، و لذلك يكون استعمال الجملة في الموارد التي لا مفهوم فيها على نحو الحقيقة؛ لأنّ التوقّف موجود فيها، غاية الأمر أنّ الركن الثاني و هو انتفاء طبيعي الحكم غير متحقّق، و سيأتي توضيح ذلك.

32

يلاحظ على هذه الدعوى: أنّنا ننكر الدلالة على الانحصاريّة المذكورة سواء الصغرى أو الكبرى، و توضيحه:

أمّا الكبرى فما ذكر من كون الأكمليّة موجبة للانصراف ممنوع؛ لأنّ الانصراف إنّما يتحقّق في صورتين: الأولى كثرة الاستعمال، و الثانية ندرة الأفراد الأخرى غير الفرد المدّعى الانصراف إليه، و في غير هاتين الصورتين لا يكون هناك انصراف و إن كان أحد الأفراد أكمل من غيره.

فمثلا إذا قيل: (أكرم الإنسان) فإنّه يعمّ كلّ فرد من أفراده و لا ينصرف إلى خصوص الإنسان المؤمن مثلا بحجّة كونه الفرد الأكمل من أفراد الإنسان، بل لا بدّ أن يكون الانصراف ناشئا من مناسبات الاستعمال للّفظ في الفرد الخاصّ، أو يكون ناشئا نتيجة الأنس الذهني ببعض الأفراد دون غيره كذلك.

و أمّا الصغرى و هي كون اللزوم العلّي الانحصاري أكمل من اللزوم العلّي غير الانحصاري فهي ممنوعة أيضا، و الوجه في ذلك أنّ معنى العلّيّة و اللزوم في كلا الفردين على حدّ سواء، من دون أشدّيّة أو أولويّة؛ إذ العلّيّة و اللزوم معناهما أنّه إذا وجد هذا وجد ذاك، و إذا انتفى هذا انتفى ذاك، و هذا المعنى موجود في كلا الفردين بنحو واحد، و مجرّد كون العلّة هنا منحصرة و كونها هناك غير منحصرة لا يوجب تفاوتا بأصل العلّيّة و اللزوم، و هذا معناه أنّه لا أكمليّة أصلا (1).

الثالث: دعوى دلالة الأداة على الربط اللزومي وضعا،

و دلالة تفريع الجزاء على الشرط في الكلام على تفرّعه عنه ثبوتا، و كون الشرط علّة تامّة له لأصالة التطابق بين مقام الإثبات و الكلام و مقام الثبوت و الواقع، و دلالة الإطلاق الأحوالي في الشرط على أنّه علّة تامّة بالفعل دائما، و هذا يستلزم عدم وجود علّة أخرى للجزاء، و إلا لكانت العلّة في حال اقترانها المجموع لا الشرط بصورة مستقلّة؛ لاستحالة اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد، فيصبح الشرط جزء العلّة، و هو خلاف الإطلاق الأحوالي المذكور.

____________

(1) مضافا إلى المناقشة في أصل كون الشرطيّة موضوعة للّزوم، فإنّ لازم هذه الدعوى كونها في غير موارد اللزوم كالاتفاقيّات مثلا مجازا مع أنّنا لا نحسّ بالمجازيّة فيها. و هذا شاهد و منبّه على عدم صحّة وضع الشرطيّة للّزوم أصلا، كما سيأتي بيانه.

33

الدليل الثالث لإثبات مفهوم الشرط ناظر إلى الدلالة التصوّريّة، و هذا الدليل مركّب من ثلاث مقدّمات:

المقدّمة الأولى: إثبات الربط اللزومي بين الشرط و الجزاء، و هذا الأمر يمكن إثباته بدعوى أنّ الجملة الشرطيّة تدلّ بأداتها على الربط اللزومي، بمعنى كونها موضوعة لغة للربط اللزومي دون الاتفاقيّات، فإذا قيل: (إذا جاءك زيد فأكرمه) دلّت الأداة على أنّ هناك ملازمة بين المجي‏ء و الإكرام، فيكون استعمالها في الاتفاقيّات مجازا.

و الدليل على أنّها موضوعة للربط اللزومي هو الوجدان العرفي و التبادر الدالّ على الحقيقة.

المقدّمة الثانية: إثبات كون الشرط علّة تامّة للجزاء، و هذا الأمر يمكن إثباته بأصالة التطابق بين عالم الإثبات و عالم الثبوت، أو بين عالم الكلام و عالم الواقع، بتقريب: أنّ الجملة المذكورة تدلّ إثباتا على تفريع الجزاء على الشرط بدلالة الفاء الموجودة في الجزاء حقيقة أو تقديرا، و الفاء موضوعة لغة لإفادة تفريع هذا على ذاك و كونه مرتّبا عليه، إذا في المرحلة الإثباتيّة تدلّ الجملة على التفرّع و الترتيب بين الشرط و الجزاء.

و حينئذ نقول: بناء على أصالة التطابق بين عالمي الإثبات و الثبوت أو الكلام و الواقع ينتج أنّ التفرّع و الترتّب موجود واقعا و في نفس المتكلّم، فيكون المراد الجدّي للمتكلّم هو كون الجزاء مترتّبا و متفرّعا على الشرط واقعا و حقيقة و ثبوتا.

و من الواضح أنّ التفرّع و التّرتب الواقعي بين الجزاء و الشرط معناه أنّ الشرط علّة تامّة للجزاء؛ لأنّه لو لم يكن علّة تامّة له لم يكن متفرّعا عليه واقعا، فالتفرّع و الترتّب واقعا يستلزم العليّة التامّة؛ لأنّ عدم كون الشرط علّة أو عدم كونه علّة تامّة معناه أنّ الجزاء ليس متفرّعا عليه، فلو لم يكن الشرط علّة لما وجد الجزاء و لما تفرّع عليه، و إذا كان علّة ناقصة أي جزء علّة لما كان متفرّعا عليه أيضا، بل عليه و على شي‏ء آخر.

و بهذا يثبت كون الشرط علّة تامّة للجزاء، إذ التفرّع معناه أنّه يوجد بوجوده و ينتفي بانتفائه فيتمّ الترتّب بينهما.

المقدّمة الثالثة: إثبات كون الشرط علّة منحصرة للجزاء، و هذا يمكن إثباته بالإطلاق الأحوالي للشرط.

34

بتقريب: أنّ الإطلاق في الشرط يفيد أنّ الشرط وحده هو العلّة التامّة و المنحصرة للجزاء؛ إذ لو كان هناك علّة أخرى للجزاء للزم ذكرها في الكلام معطوفة على الشرط ب (أو)، و لو كان الشرط جزء العلّة للزم ذكر الجزء الآخر معطوفا ب (الواو)، فما دام المتكلّم لم يذكر ذلك يثبت أنّ الشرط وحده علّة تامّة منحصرة للجزاء.

و هذا معناه أنّ الشرط في كلّ حالاته يؤثّر في الجزاء، سواء قارنه شي‏ء أو سبقه أو لحقه، أو كان وحده. ففي جميع هذه الحالات يكون المؤثّر هو الشرط فقط، إذ لو كان هناك علّة مقارنة للشرط أو سابقة عليه و لم يكن الشرط مؤثّرا في الجزاء، بل كانت تلك العلّة السابقة هي المقارنة أو كانا معا العلّة لأنّ العلل المستقلّة إذا اجتمعت معا و تقارنت كان المجموع المركّب منها هو العلّة لا كلّ واحدة بخصوصها.

و هذا مخالف للإطلاق الأحوالي في الشرط المثبت؛ لكون الشرط علّة تامّة منحصرة، إذ فرض المقارنة معناه أنّه جزء علّة و فرض السبق معناه أنّه توجد علّة أخرى غيره، و كلا هذين الأمرين قد نفاهما الإطلاق الأحوالي للشرط.

فإذا تمّت هذه المقدّمات الثلاث يثبت للجملة الشرطيّة مفهوم بعد ضمّ الركن الثاني، و هو كون المنتفي طبيعي الحكم لا شخصه.

و لا يخفى أنّ المقدّمة الأولى تثبت اللزوم لو تمّت دعوى وضع الأداة لذلك.

و أمّا المقدّمة الثانية فهي لا تثبت العلّة التامّة، بل تثبت العلّيّة فقط، و التماميّة تحتاج إلى الإطلاق الأحوالي للشرط كما هو الحال بالنسبة للانحصاريّة.

و أمّا تعبير السيّد الشهيد بقوله: (علّة تامّة بالفعل دائما) فهذا إشارة إلى قضيّتين موجّهتين:

الأولى: المطلقة العامّة الدالّة على تحقّق النسبة بالفعل و وقوعها في الخارج.

الثانية: الدائمة المطلقة الدالّة على دوام الثبوت و الاتّصاف بين المحمول و الموضوع و أنّ الانفكاك بينهما لم يقع.

و يكون المراد هنا أنّ الشرط علّة تامّة منحصرة للجزاء فعلا، بمعنى أنّه في الواقع الخارجي علّة تامّة منحصرة، و أنّ هذا الأمر واقع و متحقّق في الخارج، و أنّ اتّصاف الجزاء يكون معلولا للشرط على نحو العلّة التامّة المنحصرة، و هذا الاتّصاف لا ينفكّ و لم يتحقّق الانفكاك بينهما أصلا في الخارج.

35

و يبطل هذا الوجه بالملاحظات التالية:

أوّلا: أنّه لا ينفي- لو تمّ- وجود علّة أخرى للجزاء فيما إذا احتمل كونها مضادّة بطبيعتها للشرط، أو دخالة عدم الشرط في علّيّتها للجزاء، فإنّ احتمال علّة أخرى من هذا القبيل لا ينافي الإطلاق الأحوالي للشرط؛ إذ ليس من أحوال الشرط حينئذ حالة اجتماعه مع تلك العلّة.

و يرد على هذا الوجه ملاحظات ثلاث:

الملاحظة الأولى: أنّ الإطلاق الأحوالي للشرط يثبت أنّ الشرط في جميع حالاته علّة تامّة للجزاء، و هذه الحالات هي وجود الشرط وحده و وجوده مقارنا لعلّة أخرى و وجوده مسبوقا بعلّة و وجوده ملحوقا بعلّة، ففي هذه الحالات يكون الشرط هو العلّة لما تقدّم في البرهان بعد إجراء الإطلاق الأحوالي.

إلا أنّه يمكننا أن نفترض حالتين لهذه العلّة الأخرى بحيث لا تكون من هذه الحالات الأربع التي تثبت فيها كون الشرط العلّة التامّة المنحصرة، و حينئذ لا يكون الإطلاق الأحوالي نافيا لهما؛ لأنّهما ليس من حالات الشرط.

و توضيح ذلك: أن نفترض أنّ العلّة الأخرى للجزاء مضادّة بطبيعتها للشرط بحيث لا يمكن اجتماعهما أبدا لاستحالة اجتماع الضدّين، ففي هذه الحالة تكون العلّة الأخرى مؤثّرة على نحو الاستقلال في الجزاء، فلم يكن الشرط هو العلّة الوحيدة حينئذ؛ لأنّ هذه الحالة ليست من حالات الشرط لتكون منفيّة بالإطلاق الأحوالي؛ كما إذا قيل مثلا: (إذا كسفت الشمس تجب صلاة الآيات) فهذا لا يمنع من قولنا: (إذا خسف القمر تجب صلاة الآيات)؛ لأنّ الخسوف و الكسوف لا يمكن اجتماعهما معا.

و يمكننا أن نفترض أيضا أنّ العلّة الأخرى للجزاء قد أخذ فيها عدم الشرط أي عدم العلّة الأخرى، فهنا لا يمكن اجتماعهما معا، لأنّه إذا وجدت العلّة الأخرى فهذا يعني أنّ عدم العلّة الأولى أي الشرط هو المحقّق، و إذا وجدت العلّة الأولى أي الشرط فالعلّة الثانية منتفية؛ لأنّ قيدها و هو عدم العلّة الأولى- أي الشرط- منتف؛ إذ الثابت هو الشرط لا عدمه.

فحينئذ لا تكون هذه العلّة الثانية من حالات الشرط و العلّة الأولى؛ ليكون الإطلاق الأحوالي للشرط نافيا لها.

36

كما إذا قيل مثلا: (إذا رأت الصبيّة الدم قبل التسع فهو ليس بحيض) فهذا لا يمنع من قولنا: (إذا يئست المرأة فالدم الذي تراه ليس بحيض)، فإنّ الصبية و اليائسة لا يجتمعان؛ لأنّ اليائسة قد أخذ فيها ألا تكون صبيّة؛ لأنّها التي تبلغ الخمسين أو الستين عاما.

و كقولنا: (إذا تطهّرت الطهارة المائيّة جاز لك مسّ الآيات) و (إذا تيمّمت جاز لك مسّ الآيات) فإنّ التيمّم قد أخذ فيه عدم الوضوء و الغسل كما لا يخفى، بحيث إنّه إذا توضّأ فلا تيمّم و إذا تيمّم فلا وضوء.

ثانيا: أنّ كون الشرط علّة للجزاء لا يقتضيه مجرّد تفريع الجزاء على الشرط في الكلام الكاشف عن التفريع الثبوتي و الواقعي؛ و ذلك لأنّ التفريع الثبوتي لا ينحصر في العلّيّة بدليل أنّ التفريع ب (الفاء) كما يصحّ بين العلّة و المعلول كذلك بين الجزء و الكلّ، و المتقدّم زمانا و المتأخّر كذلك، فلا معيّن لاستفادة العلّيّة من التفريع.

الملاحظة الثانية: أنّ دعوى دلالة التفريع في الكلام على التفرّع في الواقع المستدلّ بها على العلّيّة غير تامّة؛ لأنّ دعوى التفرّع الثبوتي و إن كانت صحيحة تبعا لأصالة التطابق بين الثبوت و الإثبات، أو الواقع و الكلام، إلا أنّ هذا التفرّع لا يتلازم مع العلّيّة بمجرّده، أي أنّ إطلاق التفرّع الثبوتي لا يقتضي كون هذا التفرّع بنحو العلّيّة؛ و ذلك لأنّ التفرّع أعمّ من العلّيّة فلا ينحصر التفرّع واقعا بالعلّيّة، بل يشملها هي و جزء العلّة أيضا، و يشمل تفرّع الكلّ على الجزء، و يشمل تفرّع المتأخّر في الزمان على المتقدّم.

و توضيح ذلك: أنّ التفريع بالفاء الموجود إثباتا في الكلام كما يصحّ بين العلّة و المعلول فيقال: (إذا شربت السم فتموت)، كذلك يصحّ التفرّع بين الجزء و الكلّ.

فإنّ الكلّ لا يوجد في الواقع إلا بعد وجود جميع الأجزاء فوجوده في الخارج متفرّع عن وجودها، و لذلك يصحّ أن يقال: (بنيت الجدران و السقف و الأبواب و النوافذ فصارت غرفة).

و كذلك يصحّ التفرّع الثبوتي بين المتقدّم و المتأخّر زمانا، فيقال: (إذا طلع الفجر فتطلع الشمس) فإنّ طلوع الشمس متأخّر زمانا عن طلوع الفجر في الزمان، و إنّ أحدهما ليس علّة للآخر.

37

و كذلك يصحّ التفرّع الثبوتي بين شيئين متزامنين إلا أنّ بينهما اختلافا في الرتبة، كما في المعلولين لعلّة واحدة، كقولنا: (غلى الماء فتبخّر) فإنّهما معا معلولان لسخونة الماء بالحرارة، أو كقولنا: (فتحت الباب بالمفتاح فانفتح).

و هكذا يتّضح أنّ التفريع ب (الفاء) كما ينسجم مع العلّيّة ينسجم مع غيرها أيضا، و لا يتعيّن بأصالة التطابق بين مقامي الإثبات و الثبوت كون التفرّع الثبوتي بنحو العلّيّة، بل هو أعمّ أيضا. و لذلك يحتاج إثبات العلّيّة إلى أمر آخر غير أصالة التطابق. و لا يكفي مجرّد التطابق لإثبات العلّيّة؛ لأنّ ثبوت الأعمّ لا يقتضي ثبوت الأخصّ، بل يحتمل ثبوته و يحتمل عدمه.

ثالثا: إذا سلّمنا استفادة علّيّة الشرط للجزاء من التفريع، نقول: إنّ كون الشرط علّة تامّة للجزاء لا يقتضيه مجرّد تفريع الجزاء على الشرط؛ لأنّ التفريع يتناسب مع كون المفرّع عليه جزء العلّة.

الملاحظة الثالثة: لو سلّمنا أنّ التفريع بين الشرط و الجزاء ثبوتا بنحو العلّيّة، إلا أنّه مع ذلك نقول: إنّ هذه العلّيّة الثبوتيّة بينهما كما تصحّ فيما إذا كان الشرط علّة تامّة للجزاء كذلك تصحّ فيما إذا كان الشرط جزء العلّة؛ لأنّ التفرّع الثبوتي بنحو العلّيّة يتناسب مع العلّة التامّة و مع جزء العلّة أيضا؛ لأنّ المعلول يترتّب و يتفرّع على العلّة إذا كانت تامّة، و يترتّب على جزئها الأخير إذا كانت أجزاؤها الأخرى متحقّقة أيضا.

و لذلك لا يكفي مجرّد العلّيّة لإثبات أنّها علّة تامّة إذ قد تكون علّة ناقصة أو جزء العلّة التامّة فقط؛ لأنّه كما يصحّ أن يقال: (إذا زالت الشمس فصلّ) كذلك يصحّ أن يقال: (إذا خفيت الجدران فقصّر)، فالتفريع العلّي ثابت في الحالين فيحتاج تعيين أحدها إلى طريق آخر غير مجرّد التفرّع.

و هذا الطريق يمكن إثباته بالإطلاق الأحوالي للشرط بأن يقال:

و إنّما يثبت بالإطلاق؛ لأنّ مقتضى إطلاق ترتيب الجزاء على الشرط أنّه يترتّب عليه في جميع الحالات، مع أنّه لو كان الشرط جزءا من العلّة التامّة لاختصّ ترتّب الجزاء على الشرط بحالة وجود الجزء الآخر، فإطلاق ترتّب الجزاء على الشرط في جميع الحالات ينفي كون الشرط جزء العلّة.

نعم، يمكن إثبات أنّ العلّة تامّة و ليست جزء علّة، و ذلك عن طريق الإطلاق‏

38

الأحوالي في الشرط بأن يقال: إنّ الإطلاق في الشرط يقتضي كونه علّة للجزاء في جميع الحالات، أي سواء سبقه شي‏ء أو تأخّر عنه شي‏ء أو قارنه شي‏ء أو لم يوجد شي‏ء آخر.

ففي هذه الحالات الأربع يثبت كون الشرط هو العلّة التامّة للجزاء، إذ لو كان هناك علّة أخرى أو كان الشرط جزء العلّة لوجب على المتكلّم أن يذكرها؛ لأنّ الشرط إذا لم يكن علّة تامّة كان معنى ذلك أنّه ليس المؤثّر في الجزاء، بل هو مع الجزء الآخر، و لذلك لا بدّ من ذكر الجزء الآخر أيضا؛ كأن يقال مثلا: (إذا خفيت الجدران و خفي الأذان فقصّر) و لا يكتفي بقوله: (إذا خفيت الجدران فقصّر) فاكتفاؤه بالشرط من دون ذكر للجزء الآخر يدلّ على أنّ الشرط هو العلّة التامّة للجزاء. و لو كان جزء العلّة فقط لكان معناه أنّ الجزاء لا يترتّب على الشرط في كلّ الحالات بل في بعضها فقط، و هي حالة اجتماعه مع الجزء الآخر.

و هذا خلاف الإطلاق الأحوالي في الشرط الذي يثبت كونه العلّة في جميع الحالات المذكورة.

و بهذا يظهر أنّ الإطلاق الأحوالي للشرط يثبت لنا كونه علّة تامّة، و كذلك يثبت لنا كونه العلّة التامّة المنحصرة كما تقدّم سابقا، و أوردنا عليه الملاحظة الأولى.

فهذا الإطلاق الأحوالي يثبت كون الشرط علّة تامّة و ينفي كونه جزء علّة، و أمّا ما هو المراد من نفيه لجزء العلّة؟ فهذا توضيحه فيما يلي:

إلا أنّه إنّما ينفي النقصان الذاتي للشرط (و النقصان الذاتي معناه كونه بطبيعته محتاجا في إيجاد الجزاء إلى شي‏ء آخر) و لا ينفي النقصان العرضي الناشئ من اجتماع علّتين مستقلّتين على معلول واحد (حيث إنّ هذا الاجتماع يؤدّي إلى صيرورة كلّ منهما جزء العلّة)؛ لأنّ هذا النقصان العرضي لا يضرّ بإطلاق ترتّب الجزاء على الشرط.

المقصود من النقصان الذاتي: أنّ الشرط بطبيعته و في نفسه ليس ممّا يتفرّع عليه الجزاء، بل يحتاج في ذاته إلى الجزء الآخر فهو جزء للعلّة و ليس علّة تامّة.

و المقصود من النقصان العرضي: أنّ الشرط بطبيعته و نفسه ممّا يتفرّع عليه الجزاء،

39

إلا أنّه عند ما يجتمع مع علّة أخرى يصبح كلاهما العلّة، أي المجموع منهما، فصار كلّ منهما جزء العلّة، فهذا نقصان عرضي بسبب اجتماع العلّتين معا؛ لأنّه من المستحيل أن يكون كلا العلّتين تامّتين في حالة اجتماعهما؛ لأنّه لا يجتمع مؤثّرين على معلول واحد في زمان واحد.

و أمّا النقصان العرضي فالإطلاق الأحوالي لا ينفيه عن الشرط و ليس مخالفا له؛ لأنّه يعني أنّ الشرط لو وجد مستقلّا فهو علّة تامّة و هذا موافق للإطلاق الأحوالي.

و أمّا إذا وجدت معه علّة تامّة أخرى فهل يكون أيضا علّة تامّة مع كونها الأخرى علّة تامّة؟ فهذا لا يمكن للإطلاق الأحوالي إثباته للشرط؛ لأنّه يؤدّي إلى اجتماع مؤثّرين مستقلّين على معلول واحد، و هذا يستحيل عقلا؛ لأنّ المعلول إذا وجد مع الأولى فلا يوجد مع الثانية في نفس الوقت. و كذا العكس لاستحالة اجتماع المثلين، فلأجل هذه الاستحالة يتحوّل الشرط في هذا الفرض إلى جزء علّة، و هذا التحوّل عرضي و ليس ذاتيّا؛ لأنّه لو انفرد و استقلّ لكان علّة تامّة للجزاء.

و بهذا ظهر أنّ الإطلاق الأحوالي غاية ما يثبت به أنّ الشرط بنفسه علّة تامّة و ينفي كونه جزء العلّة لو كان منفردا و مستقلّا، و أمّا أنّه يصبح جزء علّة بالعرض لأجل اجتماعه مع علّة تامّة أخرى فهذا لا نظر فيه للإطلاق الأحوالي و لا يمكنه أن ينفيه أصلا، و إلا لكان هناك محذور عقلي في ذلك.

و عليه، فكما يصحّ التفرّع فيما إذا كان الشرط علّة تامّة كذلك يصحّ التفرّع فيما لو كان جزء علّة بالعرض أيضا. فلا يثبت المطلوب من كون الشرط علّة تامّة دائما.

مضافا إلى الإشكال الأوّل أيضا في إثبات الانحصاريّة بالشرط؛ لأنّنا نفترض علّة أخرى للجزاء لا تجتمع مع الشرط أو أخذ عدم الشرط في علّيّتها، فيكون هذا الوجه باطلا في دعاويه الثلاث جميعا.

الرابع: و يفترض فيه أنّا استفدنا العلّيّة على أساس سابق، فيقال في كيفيّة استفادة الانحصار: إنّه لو كانت هناك علّة أخرى فإمّا أن تكون كلّ من العلّتين بعنوانها الخاصّ سببا للحكم، و إمّا أن يكون السبب هو الجامع بين العلّتين بدون دخل لخصوصيّة كلّ منهما في العلّة، و كلاهما غير صحيح.

40

أمّا الأوّل فلأنّ الحكم موجود واحد شخصي في عالم التشريع، و الموجود الواحد الشخصي يستحيل أن تكون له علّتان.

و أمّا الثاني فلأنّ ظاهر الجملة الشرطيّة كون الشرط بعنوانه الخاصّ دخيلا في الجزاء.

الوجه الرابع: لإثبات مفهوم الشرط أن يقال: إنّ اللزوم مستفاد من وضع الجملة الشرطيّة بأداتها أو بهيئتها لذلك لغة، فيكون المدلول اللغوي التصوّري للجملة هو اللزوم.

و العلّيّة تستفاد أيضا كما تقدّم في الوجه السابق من دلالة التفرّع بمقتضى أصالة التطابق بين عالمي الإثبات و الثبوت، فما دام قد ذكر التفرّع في الكلام فهو يريده ثبوتا، و يثبت أنّ التفرّع بنحو العلّيّة؛ لأنّ التفرّع ظاهر في ذلك. أو يقال بأنّ العليّة مستفادة من الوضع أيضا.

و هكذا الحال بالنسبة للتماميّة فيمكن استفادتها من الإطلاق الأحوالي للشرط الذي ينفي عنه النقصان في جميع الحالات.

يبقى كون هذه العلّة التامّة هي العلّة الوحيدة المنحصرة، فهذا ما يمكن إثباته بالتقريب التالي:

إذا فرض وجود علّة أخرى للجزاء غير الشرط بأن كانت هناك علّتان للجزاء إحداهما الشرط و الأخرى شي‏ء آخر، فلا يخلو الأمر إمّا أن تكون كلّ من العلّتين بعنوانها الخاصّ علّة للجزاء كأن يقال: (إذا جاءك زيد فأكرمه) و (إذا كان زيد عالما فأكرمه)، فكان كلّ من المجي‏ء و العلم بعنوانه الخاصّ علّة للإكرام.

و إمّا أن تكون كلتا العلّتين مؤثّرة في الجزاء لا بعنوانها الخاصّ، بل بما هي مصداق للعلّة الحقيقيّة و التي هي الجامع بين العلّتين، كأن تكون علّة الجزاء مثلا الإفطار و كان كلّ من الأكل و الشرب مصداقا لهذه العلّة، فيقال: (إذا أكلت في شهر رمضان فكفّر) و (إذا شربت فيه فكفّر) فالأكل و الشرب علّتان للجزاء بما هما مصداقان للعلّة الحقيقيّة التي هي الجامع بينهما أي (الإفطار)، فكأنّه قيل: (إذا أفطرت في شهر رمضان فكفّر) و كان الأكل و الشرب مصداقين للإفطار. و كلا هذين الاحتمالين باطل.

41

إذا فلا يوجد علّة أخرى للجزاء، و الوجه في بطلانهما هو: أمّا الأوّل بأن كان كلّ من العلّتين بعنوانهما الخاصّ علّة تامّة مستقلّة للجزاء، فحيث إنّ الجزاء وجود واحد شخصي في عالم التشريع- و يقصد من ذلك أنّ الوجوب مثلا الذي هو مدلول هيئة الجزاء واحد بالنوع أو بالشخص في عالم الجعل و التشريع و الواقع- فيستحيل أن يكون صادرا عن علّتين؛ لأنّ الواحد لا يصدر إلا من واحد، كما هو مقتضى القاعدة الفلسفيّة.

فلا بدّ إذا من فرض علّة واحدة أثّرت في المعلول الواحد، و هذا معناه أنّ الافتراض الأوّل باطل؛ لأنّه يستلزم تعدّد العلل مع وحدة المعلول، و هو مخالف للقاعدة الفلسفيّة المذكورة (1).

و أمّا الثاني بأن كان الجامع بين العلّتين هو العلّة المؤثّرة في الجزاء كالوجوب مثلا فهنا لا يأتي المحذور السابق؛ لأنّ الجامع واحد و قد صدر منه واحد أيضا، إلا أنّ هذا على خلاف الظاهر و الفهم العرفي من الجملة الشرطيّة.

فإنّ قولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه)، الظاهر منه كون الشرط بعنوانه الخاصّ هو العلّة للجزاء؛ لأنّه المتبادر و المنسبق إلى الذهن العرفي، و هذا معناه أنّ العلّة هي الشرط لا أنّ الشرط مصداق للعلّة الحقيقيّة، فالعرف لا يفهم أنّ هذا الشرط كان مصداقا للعلّة و ليس هو نفسه العلّة، و إنّما العقل هو الذي يحلّل هذا الأمر فيكون هذا الفرض مخالفا للظاهر و للفهم العرفي، و الشارع سار على طريقة

____________

(1) إنّ القاعدة المذكورة (الواحد لا يصدر إلا من واحد) إن كانت مختصّة بالواحد الشخصي فيكون تصوير المحذور بهذا الشكل:

إنّ الواحد الشخصي لا يصدر إلا من واحد شخصي، و بما أنّ الوجوب الذي هو مدلول الجزاء واحد شخصي باعتبار ملاكاته و مبادئه فلا بدّ من صدوره من واحد شخصي أيضا، فيستحيل كون العلّتين معا كلّ منهما علّة مستقلّة للوجوب.

و إن كانت شاملة للواحد النوعي فيكون تصوير المحذور بهذا الشكل:

إنّ الواحد بالنوع لا يصدر إلا من الواحد بالنوع، و حيث إنّ الوجوب واحد بالنوع بلحاظ عالم الجعل و التشريع، أو بلحاظ عالم المجعول، فلا بدّ أن يصدر من واحد بالنوع أيضا لا هذا بخصوصه و لا ذاك، فيستحيل إذا كون كلا العلّتين بعنوانهما الخاصّ علّة مستقلّة للوجوب، بل لا بدّ من فرض علّة واحدة بالنوع تكون هي العلّة للوجوب.

42

العقلاء في التفاهم و التخاطب و ليس له مسلك آخر.

و بهذا يتّضح أنّه لا يوجد علّة أخرى للجزاء لا بعنوانها الخاصّ و لا بما هي مصداق لعنوان جامع بينها و بين الشرط، فيكون الشرط هو العلّة الوحيدة للجزاء.

و الجواب: أنّ بالإمكان اختيار الافتراض الأوّل، و لا يلزم محذور، و ذلك بافتراض جعلين و حكمين متعدّدين في عالم التشريع، أحدهما معلول للشرط بعنوانه الخاصّ، و الآخر معلول لعلّة أخرى، فالبيان المذكور إنّما يبرهن على عدم وجود علّة أخرى لشخص الحكم لا لشخص آخر مماثل.

و جواب هذا البرهان: أنّنا نختار الشقّ الأوّل من الافتراضين المذكورين بأن نقول:

إنّه توجد علّة أخرى للجزاء بعنوانها الخاصّ بحيث تكون هناك علّتان مستقلّتان للجزاء كلّ منهما مؤثّرة فيه بعنوانها الخاصّ.

و لا يرد المحذور (إنّ الواحد لا يصدر إلا من واحد)، و أنّه كيف صدر الوجوب من علّتين مع أنّه واحد بالشخص أو بالنوع؟

لأنّنا نفترض أنّ كلّا من العلّتين مؤثّر في جعل وجوب غير الوجوب الذي تجعله الأخرى كالخيارات الموجبة للفسخ.

و بتعبير آخر: نفترض أنّ الشرط علّة للجزاء بعنوانه الخاصّ (إذا أكلت في شهر رمضان فكفّر).

و نفترض أيضا علّة أخرى لا لهذا الجزاء بعنوانه الخاصّ و الشخصي، بل لجزاء مماثل له فنقول: (إذا شربت في شهر رمضان فكفّر) بنحو يكون وجوب الكفّارة في الأكل غيره في الشرب و إنّما هو مماثل و مشابه له.

فكان الجزاء في كلّ من العلّتين المستقلّتين مشابها و مماثلا للآخر، و ليس الجزاء فيهما واحد شخصي جزئي ليقال بأنّه يستحيل اجتماع علّتين مستقلّتين على شي‏ء واحد شخصي.

و بهذا يتّضح أنّ البرهان المذكور لا يتمّ هنا؛ لأنّ غاية ما يدلّ على أنّه يستحيل اجتماع علّتين على شي‏ء واحد أو يستحيل صدور الواحد من المتعدّد، و هنا لم يصدر الواحد من متعدّد، بل كلّ وجوب صدر من علّة مستقلّة؛ لأنّ هذا الوجوب ليس هو نفس ذلك الوجوب، بل هو وجوب آخر مماثل له. و إذا فرض‏

43

اجتماع هاتين العلّتين معا بأن أكل و شرب فيكون المجموع منهما هو العلّة، كما تقدّم بسبب طرو النقصان العرضي عليهما بسبب اجتماعهما (1).

الخامس: و يفترض فيه أيضا أنّا استفدنا العلّيّة على أساس سابق، فيقال في كيفيّة استفادة الانحصار: إنّ تقييد الجزاء بالشرط على نحوين:

أحدهما: أن يكون تقييدا بالشرط فقط، و الآخر أن يكون تقييدا به أو بعدل له على سبيل البدل.

و النحو الثاني: ذو مئونة ثبوتيّة

(2)

تحتاج في مقام التعبير عنها إلى عطف العدل ب (أو)، فإطلاق الجملة الشرطيّة بدون عطف ب (أو) يعيّن النحو الأوّل. و قد ذكر المحقّق النائيني (رحمه الله)

(3)

: أنّ هذا إطلاق في مقابل التقييد ب (أو) الذي يعني تعدّد العلّة، كما أنّ هناك إطلاقا للشرط في مقابل التقييد ب (الواو) الذي يعني كون الشرط جزء العلّة، و كون المعطوف عليه ب (الواو) الجزء الآخر.

الوجه الخامس: لإثبات مفهوم الشرط هو أن يقال: إنّنا نستفيد اللزوم من خلال الوضع بأن ندعي أنّ الجملة الشرطيّة موضوعة لغة للربط اللزومي. و نستفيد العليّة من خلال التفرّع بأصالة التطابق بين مقامي الإثبات و الثبوت، أو على أساس الوضع أيضا.

يبقى استفادة العلّة التامّة و كونها منحصرة و هذا يثبت بالتقريب التالي:

____________

(1) و من هنا كان الأصل الأوّلي هو عدم تداخل المسببات فيما بينها، فإذا أكل ثمّ بعد ذلك شرب كان هناك وجوبان للكفّارة بحسب الأصل الأوّلي، إلا إذا قام دليل خاصّ على التداخل و عدم تكرار الكفّارة.

يضاف إلى ذلك عدم صحّة الاستدلال بالقاعدة الفلسفيّة في مقامنا؛ لأنّ الوجوب مثلا إن أريد به الوجوب الثابت في عالم الجعل و التشريع فهو معلول للشارع لا للشرط أو لغيره، بمعنى أنّ الشارع هو الذي يجعل الوجوب لا الشرط، و إنّما دور الشرط التقييد و التحصيص فقط.

و إن أريد به الوجوب في عالم المجعول فهو مجرّد اعتبار محض لا وجود له؛ لأنّ عالم المجعول عالم افتراضي ليس إلا.

(2) الظاهر وقوع تصحيف من الطبع في الكلمة و أنّ الصحيح إثباتيّة، إذ لا معنى وجيه للمئونة الثبوتيّة.

(3) أجود التقريرات 1: 418.

44

أمّا الانحصار فوجهه: أنّه لا إشكال في أنّ قولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه) كون الجزاء فيه مقيّدا بالشرط، بمعنى أنّه إذا وجد الشرط وجد الجزاء و إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء، و ليس الجزاء مطلقا من ناحية الشرط بحيث إنّه إذا وجد الشرط لا يوجد الجزاء؛ لأنّ هذا مخالف للظاهر من الجملة الشرطيّة.

ثمّ إنّ تقييد الجزاء بالشرط يحتمل فيه أمران:

الأوّل: أن يكون تقييدا بالشرط فقط، و هو معنى كون الشرط علّة منحصرة للجزاء.

الثاني: أن يكون تقييدا بالشرط أو بعدل آخر بديل عن الشرط و هو معنى عدم الانحصار بالشرط.

فإذا كان الشرط علّة منحصرة و كان التقييد بالشرط فقط كانت الجملة كافية يبذلك؛ لأنّه لم يذكر فيها سوى الشرط فقط: (إذا جاءك زيد فأكرمه) و لا نحتاج إلى مئونة زائدة لا ثبوتا و لا إثباتا.

و إذا كان للشرط علّة بدليّة أو عدل آخر فهذا يحتاج إلى مئونة زائدة ثبوتا و إثباتا؛ لأنّه حينئذ لا يكفي ذكر الشرط وحده في التعبير عن وجود علّة أخرى بديلة عنه، بل لا بدّ من ذكر شي‏ء في الكلام يدلّ عليها أيضا، فيقال: (إذا جاء زيد أو كان عالما فأكرمه)، و هذا يعني أنّنا نحتاج إلى عطف العلّة الأخرى على الشرط ب (أو) للدلالة على البدليّة.

و حيث إنّ الجملة الشرطيّة لم يذكر فيها العطف ب (أو)، و كانت مطلقة من هذه الناحية فيتعيّن كون المراد هو الاحتمال الأوّل؛ لأنّه لو أراد الاحتمال الثاني لذكر ما يدلّ عليه، فحيث لم يذكر ذلك فهو لا يريده، فبالإطلاق و قرينة الحكمة يتعيّن الأوّل دون الثاني، و هذا معناه أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء.

و أمّا العلّة التامّة فوجهها: أنّ تقييد الجزاء بالشرط فيه احتمالان أيضا:

الأوّل: أن يكون الشرط علّة تامّة للجزاء، بمعنى أنّ تقيّد الجزاء بالشرط بنحو تقيّد المعلول بعلّته التامّة.

الثاني: أن يكون الشرط جزء العلّة، بمعنى أنّ تقيّد الجزاء بالشرط بنحو تقيّد المعلول بالجزء الأخير من العلّة.

45

و الاحتمال الأوّل لا يحتاج إلى مئونة زائدة، بل يكفي أن يذكر الشرط وحده:

(إذا جاءك زيد فأكرمه).

و أمّا الاحتمال الثاني فهو يحتاج إلى مئونة ثبوتيّة زائدة لا بدّ من التعبير عنها بذكر شي‏ء إثباتا، كأن يقال: (إذا جاء زيد و كان عالما فأكرمه).

فإطلاق الجملة الشرطيّة و عدم العطف ب (الواو) معناه أنّ الشرط هو العلّة التامّة للجزاء؛ لأنّه لو كان جزء العلّة للزم العطف ب (الواو)، و حيث إنّه لم يذكر ذلك إثباتا فهو لا يريده ثبوتا، فيثبت كون الشرط علّة تامّة للجزاء.

و الحاصل: أنّ العلّة التامّة نثبتها بالإطلاق و قرينة الحكمة في مقابل التقييد ب (الواو)، و كون العلّة منحصرة نثبتها بالإطلاق و قرينة الحكمة في مقابل التقييد ب (أو).

و كلّ هذه الوجوه الخمسة تشترك في الحاجة إلى إثبات أنّ المعلّق على الشرط طبيعي الحكم، و ذلك بالإطلاق و إجراء قرينة الحكمة في مفاد الجزاء.

و أمّا الركن الثاني فالوجوه الخمسة المذكورة تحتاج إلى إثباته، و ذلك بالإطلاق و قرينة الحكمة في الجزاء بأن يقال: إنّ طبيعي الحكم في كلّ أحواله معلّق على الشرط بحيث ينتفي كلّ فرد من أفراده بانتفاء الشرط، لا أنّه ينتفي شخص الحكم فقط بانتفاء الشرط كما تقدّم سابقا.

و التحقيق: أنّ الربط المفترض في مدلول الجملة الشرطيّة: تارة يكون بمعنى توقّف الجزاء على الشرط، و أخرى بمعنى استلزام الشرط و استتباعه للجزاء؛ كما عرفنا سابقا

(1)

.

و التحقيق فيما ذكره الميرزا هو: أنّ تقيّد الجزاء بالشرط المستفاد من تفريع الجزاء على الشرط في الجملة الشرطيّة، حيث إنّ مقتضى التفرّع على الشرط أن يكون الجزاء مقيّدا بالشرط و ليس مطلقا بحيث يوجد إذا انتفى الشرط أو ينتفي إذا وجد الشرط، فهذا التقيّد ما ذا يراد به؟

هل يراد أنّ الجزاء مقيّد بالشرط بمعنى كونه متوقّفا على الشرط و ملتصقا به و معلّقا عليه إذا وجد الشرط وجد الجزاء و إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء؟ أو يراد أنّ الجزاء

____________

(1) في ضابط المفهوم.

46

مقيّد بالشرط بمعنى أنّ الشرط يستلزم و يوجد الجزاء بحيث إذا وجد الشرط وجد الجزاء، و أمّا إذا انتفى الشرط فقد ينتفي الجزاء و قد لا ينتفي كذلك؟

فعلى الأوّل يتمّ إثبات المفهوم بلا حاجة إلى ما افترضه المحقّق النائيني (رحمه الله) من إطلاق مقابل للتقييد ب (أو)؛ و ذلك لأنّ الجزاء متوقّف على الشرط بحسب الفرض، فلو كان يوجد بدون الشرط لما كان متوقّفا عليه.

فإن كان التقيّد بمعنى التوقّف بنحو المعنى الحرفي أي النسبة التوقّفيّة فيثبت للجملة الشرطيّة مفهوم بلا حاجة إلى الإطلاق و قرينة الحكمة لنفي التقييد ب (أو)؛ لأنّ معنى توقّف الجزاء على الشرط- كما تقدّم سابقا- أنّ الجزاء معلّق و ملتصق و متوقّف على الشرط، و هذا معناه أنّ الجزاء يدور مدار الشرط وجودا و عدما، و هذا هو الربط الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء.

و بذلك يكون الشرط علّة تامّة منحصرة للجزاء- عند المشهور- و يكون المفهوم ثابتا على مستوى المدلول التصوّري بلا حاجة إلى التمسّك بالإطلاق و قرينة الحكمة، سواء المقابل ل (أو) أو المقابل ل (الواو)؛ لأنّهما في رتبة متأخّرة، إذ يثبتان المفهوم- لو تمّا- في مرحلة المدلول التصديقي الجدّي.

و بهذا ظهر أنّه على هذا الاحتمال لا معنى لما ذكره الميرزا؛ لأنّه تحصيل للحاصل.

و على الثاني لا يمكن إثبات الانحصار و المفهوم بما سمّاه الميرزا بالإطلاق المقابل ل (أو)؛ لأنّ وجود علّة أخرى لا يضيّق من دائرة الربط الاستلزامي بين الشرط و الجزاء، فلا يكون العطف ب (أو) تقييدا لما هو مدلول الخطاب لينفى بالإطلاق، بل إفادة لمطلب إضافي.

و أمّا إن كان التقيّد بمعنى الاستلزام و الإيجاد بنحو المعنى الحرفي، فلا يثبت للجملة الشرطيّة مفهوم حتّى و إن جرى الإطلاق و قرينة الحكمة لنفي التقييد ب (أو) أو (الواو).

و توضيح ذلك: أنّ النسبة الاستلزاميّة أو الإيجاديّة يعبّر عنها بالمفهوم الاسمي الموازي لها بقولنا: (مجي‏ء زيد مستلزم أو موجد لإكرامه)، و هذا معناه بيان علّيّة المجي‏ء لوجوب الإكرام على نحو القضيّة الموجبة الجزئيّة، فإذا تحقّق المجي‏ء تحقّق وجوب الإكرام؛ لأنّ المعلول يوجد إذا وجدت علّته.

47

و أمّا إذا انتفى المجي‏ء فمن المحتمل انتفاء وجوب الإكرام بأن كان المجي‏ء علّة تامّة منحصرة، و من المحتمل أيضا عدم انتفائه مطلقا؛ إذ قد يكون له علّة أخرى يثبت بثبوتها؛ لأنّ طبيعة الاستلزام تقتضي هذا المعنى لا أكثر، و عليه فيكون المنتفي هو شخص هذا الوجوب و لا يمنع ذلك من ثبوت شخص آخر للوجوب مماثل لهذا بعلّة أخرى.

و الحاصل: أنّ الاستلزام يثبت لنا قضيّة موجبة جزئيّة و هي أنّ الشرط علّة للجزاء، و أمّا كون الشرط هو العلّة التامّة الوحيدة و المنحصرة للجزاء فهذا لا يثبت بمجرّد الاستلزام، بل نحتاج في إثباته إلى مطلب آخر.

و أمّا ما ذكره الميرزا من إمكانيّة إثبات الانحصار بالإطلاق و قرينة الحكمة النافي للتقييد ب (أو) فهو و إن صحّ إلا أنّه لا يفيد ذلك.

ببيان: أنّ الربط الاستلزامي العلّي بين الشرط و الجزاء لا يتضيّق و لا يتوسّع؛ لأنّه قضيّة جزئيّة و من الواضح أنّ القضايا الجزئيّة تمتنع في نفسها من الصدق على كثيرين، و لذلك فهي غير قابلة للتوسعة أصلا لتكون قابلة للتضييق.

فإذا قلنا: (مجي‏ء زيد علّة لوجوب إكرامه) لا يكون وجود علّة أخرى و التقييد ب (أو) موجبا لتضييق علّيّة المجي‏ء لوجوب الإكرام، بل يكون إفادة لمطلب آخر زائد لم يكن موجودا، و هو أنّه يوجد علّة أخرى للوجوب، و وجود العلّة الأخرى لا يؤثّر في علّيّة الشرط للجزاء سلبا أو إيجابا؛ لأنّ علّيّة الشرط كانت بنحو أنّ هذا يستلزم ذاك، و هذا الاستلزام لا يتبدّل و لا يتغيّر مع وجود العلّة الأخرى.

فإذا قلنا: شرب السمّ علّة للموت، و قلنا: الاحتراق علّة للموت، و الغرق علّة للموت لا يؤثّر أحدهما في علّيّة الآخر تضييقا أو توسعة؛ لأنّ العلّيّة معناها أنّ هذا يستلزم ذاك، و هذا المعنى موجود في كلّ هذه العلل.

و بهذا يتّضح أنّ وجود (أو) و عدم وجودها لا يؤثّر في كون الشرط مستلزما للجزاء سلبا أو إيجابا. و عليه فلا يكون الإطلاق و قرينة الحكمة لنفي التقييد ب (أو) موجبا للتوسعة؛ لأنّ وجود (أو) لا يوجب التقييد أصلا، حيث إنّ المفهوم الثابت في الجملة الشرطيّة بناء على هذا الاحتمال مفهوم جزئي لا يقبل الإطلاق و لا التضييق.

48

و لذلك لا معنى لجريان الإطلاق و قرينة الحكمة؛ لأنّ الإطلاق إنّما يجري في المفاهيم الكلّيّة القابلة للتضييق ك (العالم) مثلا في قولنا: (أكرم العالم)، فيجري الإطلاق لنفي القيود التي لو كانت موجودة لكانت موجبة للتضييق في مفهوم العالم كقولنا: (أكرم العالم العادل).

فإذا نفينا القيود يثبت أنّ المفهوم واسع غير مقيّد، و بالتالي فهو يشمل كلّ الأفراد القابل للانطباق عليها، سواء العادل و الفاسق بخلاف تقييده بالعادل، فإنّه يوجب اختصاصه بأفراد العالم العادل فقط دون الفاسق.

و أمّا هنا فإنّ وجود التقييد ب (أو) كعدمه لا يوجب سعة و لا ضيقا في علّيّة الشرط للجزاء؛ إذ العلّيّة لا تقبل التوسعة و التضييق في نفسها، بل هي إمّا أن توجد و إمّا أن تعدم عن الشرط. و بهذا يمكننا ذكر قاعدة كلّيّة مفادها:

و ليس كلّما سكت المتكلّم عن مطلب إضافي أمكن نفيه بالإطلاق، ما لم يكن المطلب المسكوت عنه مؤدّيا إلى تضييق و تقييد في دائرة مدلول الكلام.

بيان هذه القاعدة: أنّ المطلب الإضافي المسكوت عنه على نحوين:

تارة يكون المطلب الإضافي المسكوت عنه موجبا- على فرض وجوده- للتضييق و التقييد في مدلول الكلام المذكور.

و أخرى لا يكون هذا المطلب المسكوت عنه موجبا- على فرض وجوده- للتضييق و التقييد كذلك.

فإذا كان المطلب المسكوت بالنحو الأوّل أمكن نفيه بالإطلاق و قرينة الحكمة؛ لأنّه لو كان موجودا للزم وجود مفهوم آخر مباين للمفهوم الموجود و المدلول عليه في الكلام، فيقال في نفيه: إنّ المتكلّم لو كان يريده جدّا و واقعا للزم أن يذكر ما يدلّ عليه في الكلام، فما لم يذكر شيئا و سكت عن إفادته فهو لا يريده جدّا فيثبت كون المفهوم المراد هو المفهوم الواسع لا المفهوم الضيق.

كما في قولنا: (أكرم العالم) فإنّه لو كان يريد غير هذا المفهوم الواسع و كان مراده الجدّي التقييد لكان ذكر ما يدلّ عليه؛ لأنّ هذا المفهوم الآخر المقيّد يوجب وجود مفهوم آخر مباين للمفهوم الأوّل أضيق منه دائرة، فما دام سكت عن إفادة هذا المطلب الإضافي فهو لا يريده جدّا، و إلا لكان ذكر ما يدلّ عليه في الكلام.

49

فهنا يجري الإطلاق و قرينة الحكمة و يكون لجريان الإطلاق فائدة و هي إثبات المفهوم الواسع و نفي المفهوم الضيق.

و أمّا إذا كان المطلب المسكوت عنه من النحو الثاني، فلا معنى لإجراء الإطلاق و قرينة الحكمة لنفيه؛ لأنّ وجوده و عدمه لا يؤثّر في المفهوم المدلول عليه في الكلام؛ إذ المفروض أنّ هذا المطلب الإضافي لا يوجب وجوده التضييق في المفهوم الموجود و لا يوجب عدمه التوسعة فيه أيضا؛ لأنّنا فرضنا أنّ المفهوم المدلول عليه في الكلام قضيّة جزئيّة و هي لا تقبل التوسعة كما لا تقبل التضييق؛ لأنّ الجزئي لا ينطبق إلا على نفسه و ليس لديه قابلية للانطباق على غيره لينفى ذلك بالإطلاق.

فهنا لا يكون للإطلاق فائدة أصلا و بالتالي يلغو جريانه؛ لأنّه لو جرى لم يكن لجريانه فائدة، و كلّ ما كان وجوده يستلزم اللغويّة فهو باطل.

و مقامنا من النحو الثاني؛ لأنّ النسبة الاستلزاميّة المدلول عليها بالجملة الشرطيّة قضيّة جزئيّة غير قابلة للتوسعة أو التضييق، فحتّى لو كان هناك تقييد ب (أو) فهو لا يوجب ضيقا في مفهوم الربط الاستلزامي فضلا عن عدم وجوده، و لذلك لا يجري الإطلاق هنا؛ لأنّه لغو و بلا فائدة.

و بذلك صحّ قولنا: (ليس كلّ مطلب إضافي سكت عنه أمكن نفيه بالإطلاق).

و المراد منها أنّ المطلب المسكوت عنه قد ينفى بالإطلاق إذا كان من النحو الأوّل، و لا ينفى بالإطلاق إذا كان من النحو الثاني.

فالأولى من ذلك كلّه أن يستظهر عرفا كون الجملة الشرطيّة موضوعة للربط بمعنى التوقّف و الالتصاق من قبل الجزاء بالشرط، و عليه فيثبت المفهوم.

و الصحيح أن نقول: إنّ الجملة الشرطيّة موضوعة لغة لإفادة الربط الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء، بمعنى أنّها موضوعة للنسبة التوقّفيّة، فإنّ هذا النحو من الربط يكفي وحده لإثبات المفهوم من دون حاجة إلى ما ذكر من الوجوه السابقة؛ لأنّ توقّف الجزاء على الشرط معناه أنّ الجزاء ملتصق بالشرط فإذا وجد الشرط وجد الجزاء و إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء، و لا يكون للجزاء علّة أخرى في حال انتفاء الشرط؛ لأنّ وجود مثل هذه العلّة يتنافى مع التوقّف المدلول عليه في الجملة.

فإذا استظهرنا من الجملة الشرطيّة التوقّف كان ذلك كافيا لإفادة أنّ هناك التصاقا بين‏

50

الشرط و الجزاء، و أنّ هذا الربط لا ينفكّ أبدا، و هو معنى العلّيّة الانحصاريّة عند المشهور.

و هذا المعنى يدلّ عليه الوجدان العرفي و التبادر و المنساق إلى الذهن أيضا.

و يضاف إلى ذلك الركن الثاني و هو كون المعلّق على الشرط هو طبيعي الجزاء لا شخصه، و هذا ما نثبته بالإطلاق و قرينة الحكمة في مفاد الهيئة.

و أمّا ما نحسّه من عدم التجوّز في حالات عدم الانحصار فيمكن أن يفسّر بتفسيرات أخرى، من قبيل أنّ هذه الحالات لا تعني عدم‏

استعمال الجملة الشرطيّة في الربط المذكور، بل عدم إرادة المطلق من مفاد الجزاء، و من الواضح أنّ هذا إنّما يثلم الإطلاق و قرينة الحكمة، و لا يعني استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

يبقى تفسير استعمال الجملة الشرطيّة في الموارد التي لا مفهوم لها، حيث نحسّ بالوجدان أنّ استعمالها في سائر الجمل ليس مجازا، فكيف يتمّ التوفيق بين عدم الإحساس بالمجازيّة في تلك الموارد و بين ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة؟ و هذا الأمر يمكننا بيانه بما يلي:

تارة تستعمل الجملة الشرطيّة و يكون لها مفهوم كقولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه).

و أخرى تستعمل و لا يكون الشرط علّة منحصرة، بل هناك علل أخرى فلا يكون لها مفهوم، كقولنا: (إذا كسفت الشمس فصلّ).

و ثالثة تستعمل و لا يكون الشرط علّة تامّة بل جزء العلّة، و هذه أيضا لا مفهوم لها، كقولنا: (إذا خفيت الجدران فقصّر).

و رابعة تستعمل و لا يكون هناك لزوم بين الشرط و الجزاء، بل و إن لم يكن فيها ربط أصلا بأن كانت لمجرّد صدفة و اتّفاق، كقولنا: (إذا جاء زيد تكون الساعة التاسعة).

و خامسة تستعمل و لا يكون هناك أي ربط أصلا بين الشرط و الجزاء، كقولنا: (إذا كان الإنسان ناطقا فالحصان صاهل).

و سادسة يكون الجزاء جملة إخباريّة، كقولنا: (إذا شربت السمّ فتموت).

فنقول في بيان عدم ثبوت المفهوم في هذه الجمل، ما يلي:

أمّا الجملة الأولى: (إذا جاءك زيد فأكرمه) فالجملة موضوعة لغة للتوقّف، و الذي‏

51

معناه الانتفاء عند الانتفاء، و بضمّ كون المعلّق هو طبيعي الجزاء لا شخصه يثبت للجملة مفهوم.

و أمّا الجملة الثانية: (إذا كسفت الشمس فصلّ) فهذه لا مفهوم لها؛ لأنّ الإطلاق في الجزاء مختلّ حيث ثبت أنّ الجزاء يثبت مع علّة أخرى و قد بيّن المتكلّم ذلك، فيكون قد قيّد الجزاء بقوله: (إذا خسف القمر فصلّ)، فالجملة مستعملة في معناها الموضوعة له و هو التوقّف، غاية الأمر أنّ الركن الثاني هو المختلّ لعدم جريان الإطلاق؛ لأنّه قد بيّن التقييد و ذكره و لو منفصلا، فلا مجازيّة هنا.

و أمّا الجملة الثالثة: (إذا خفيت الجدران فقصّر)، فكان الشرط جزء العلّة لا العلّة التامّة، فهذا أيضا ناشئ من عدم جريان الإطلاق في الشرط حيث ثبت القيد بدليل آخر، و هو قوله: (إذا خفي الأذان فقصّر) الدالّ على أنّ الشرط وحده ليس العلّة بل هو جزءها، و هذا لا يلزم المجازيّة؛ لأنّ الجملة تدلّ على التوقّف أيضا بين الشرط و الجزاء، غاية الأمر كان التوقّف على جزء العلّة.

و أمّا الجملة الرابعة: (إذا جاء زيد فتكون الساعة العاشرة)، فهي كالجملة السادسة:

(إذا شربت السمّ فتموت)، الجزاء فيها إخبار عن قضيّة خارجيّة أي إخبار عن النسبة التصادقيّة في الخارج بين هذا و ذاك، و لا مفهوم لهذه الجملة؛ لأنّه يعلم بكذب هذه النسبة التصادقيّة و أنّ التصادق بينهما كان خطأ لا واقعيّة له، فلا مجازيّة أيضا؛ لأنّ الجملة تدلّ على التوقّف إلا أنّ المتوقّف عليه هو النسبة و قد تبيّن كذبها.

و أمّا الجملة الخامسة: (إذا كان الإنسان ناطقا فالحصان صاهل)، فهي خطأ في التركيب و غلط، إذ لا يوجد فيها أي نحو من التوقّف و لو ادّعاء؛ لأنّ كون الحصان صاهلا لا يرتبط أصلا بكون الإنسان ناطقا، فهذا من الخطأ في الاستعمال.

و بهذا يتمّ التوفيق بين ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة في موارد التوقّف و بين عدم المجازيّة في موارد عدم ثبوت المفهوم للجملة بالنحو الذي ذكرناه.

الشرط المسوق لتحقّق الموضوع:

يلاحظ في كلّ جملة شرطية تواجد ثلاثة أشياء، و هي: الحكم و الموضوع و الشرط، و الشرط تارة يكون أمرا مغايرا لموضوع الحكم في الجزاء، و أخرى يكون محقّقا لوجوده.

52

تتألّف الجملة الشرطيّة من أداة الشرط، و الشرط، و الموضوع، و الجزاء، كما في قولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه).

ف (إذا) أداة شرط، و المجي‏ء هو الشرط، و زيد هو الموضوع، و وجوب الإكرام هو مفاد الجزاء.

ثمّ إنّ الشرط الموجود في الجملة على قسمين:

الأوّل: أن يكون الشرط مغايرا لموضوع الحكم في الجزاء، كما في قولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه)، فإنّ المجي‏ء الذي هو الشرط مغاير لزيد الذي هو موضوع الحكم، بحيث إنّه إذا انتفى الشرط يبقى الموضوع موجودا.

الثاني: أن يكون الشرط محقّقا و موجدا لموضوع الحكم في الجزاء، بحيث إذا انتفى الشرط ينتفي الموضوع أيضا؛ لأنّه يوجد بالشرط، كما في قولنا: (إذا رزقت ولدا فاختنه) فإنّ الشرط الذي هو رزق الولد، و الموضوع الذي هو الولد ليسا متغايرين؛ لأنّ الولد لا يتحقّق إلا إذا رزقه الله تعالى، فإذا انتفى الرزق فلا وجود للولد أصلا، و هذا ما يسمّى بالجملة الشرطيّة المسوقة لتحقّق الموضوع.

و من هنا يبحث في هذين القسمين حول ثبوت المفهوم للشرطيّة فيهما، و لذلك قال:

فالأوّل كما في قولنا: (إذا جاءك زيد فأكرمه) فإنّ موضوع الحكم زيد، و الشرط المجي‏ء، و هما متغايران.

و الثاني كما في قولنا: (إذا رزقت ولدا فاختنه) فإنّ موضوع الحكم بالختان هو الولد، و الشرط أن ترزق ولدا، و هذا الشرط ليس مغايرا للموضوع، بل هو عبارة أخرى عن تحقّقه و وجوده.

أمّا النحو الأوّل فالموضوع ثابت سواء تحقّق الشرط أو انتفى، و لذلك يبحث في مثل هذه الجملة حول ثبوت المفهوم لها، فبعد انتفاء الشرط عن الموضوع هل يبقى الحكم ثابتا للموضوع أم أنّه ينتفي عنه؟

بينما في النحو الثاني فالشرط محقّق و موجد للموضوع، بحيث إنّه لو لا الشرط لم يكن الموضوع موجودا، و لهذا فإذا انتفى الشرط انتفى الموضوع أيضا. فلا معنى للبحث عن ثبوت المفهوم لمثل هذه الجملة؛ لأنّ الحكم ينتفي بانتفاء موضوعه فيكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

53

و مفهوم الشرط ثابت في الأوّل، فكلّما كان الشرط مغايرا للموضوع و انتفى الشرط دلّت الجملة الشرطيّة على انتفاء الحكم عن موضوعه بسبب انتفاء الشرط.

أمّا القسم الأوّل و هو كون الشرط مغايرا للموضوع فلا إشكال في ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة كما تقدّم سابقا؛ لأنّها تدلّ على التوقّف و الالتصاق للشرط بالجزاء، و بهذا يمكننا بيان ضابطة كلّيّة مفادها:

كلّما كان الشرط مغايرا للموضوع و انتفى الشرط يثبت المفهوم للجملة الشرطيّة، بحيث ينتفي الحكم عن الموضوع عند انتفاء الشرط كما هو مقتضى التوقّف بينهما، و هذا ما كنّا نبحث عنه فعلا فيما سبق.

و أمّا حالات الشرط المحقّق للموضوع فهي على قسمين:

أحدهما: أن يكون الشرط المحقّق لوجود الموضوع هو الأسلوب الوحيد لتحقيق الموضوع، كما في مثال الختان المتقدّم.

و الآخر: أن يكون الشرط أحد أساليب تحقيقه، كما في:

(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)

فإنّ مجي‏ء الفاسق بالنبإ عبارة أخرى عن إيجاد النبأ، و لكنّه ليس هو الأسلوب الوحيد لإيجاده؛ لأنّ النبأ كما يوجده الفاسق يوجده العادل أيضا.

بعد أن عرفنا المراد من الشرط المحقّق للموضوع، و أنّه عبارة عن نوع اتّحاد بين الشرط و الموضوع بحيث يكون الشرط هو المحقّق و الموجد للموضوع، نبحث حول ثبوت المفهوم لهذه الجمل و عدم ثبوته.

فنقول: إنّ هذه الجمل على قسمين:

الأوّل: أن يكون الشرط المحقّق لوجود الموضوع هو الأسلوب الوحيد لتحقّق الموضوع، بحيث لا يمكن تحقّق و وجود الموضوع من دون هذا الشرط، فليس هناك طريقة أخرى و لا أسلوب آخر لتحقّق الموضوع غير هذا الشرط، كما في مثال الختان:

(إذا رزقت ولدا فاختنه)، فإنّ رزق الولد يحقّق و يوجد الولد و هو الأسلوب الوحيد لتحقّقه؛ إذ لا يمكن أن يوجد الولد في الخارج من دون أن يكون مرزوقا من الله عزّ و جلّ؛ لأنّه إذا لم يرزق الإنسان ولدا فلا مجال لتحقّقه و وجوده.

الثاني: أن يكون الشرط أحد أساليب و طرق تحقّق الموضوع بحيث يمكن أن يتحقّق‏

54

الموضوع بشرط آخر أيضا، فهنا نحوان و طريقان لتحقّق الموضوع، أحدهما الشرط الموجود، و الآخر شرط آخر، كما في قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا فإنّ النبأ الذي هو موضوع الحكم بوجوب التبيّن له نحوان من التحقّق و الوجود، فتارة يتحقّق بمجي‏ء الفاسق بالنبإ، و أخرى يتحقّق بمجي‏ء العادل بالنبإ، و هذا معناه أنّ الشرط الموجود و إن كان محقّقا للموضوع و موجدا له، إلا أنّه ليس الأسلوب الوحيد لذلك؛ لأنّ النبأ يتحقّق بشرط آخر أيضا و هو مجي‏ء العادل.

و لذلك يبحث في ثبوت المفهوم و عدم ثبوته للجمل الشرطيّة المسوقة لتحقّق الموضوع على أساس هذين التقسيمين، فنقول:

ففي القسم الأوّل: لا يثبت مفهوم الشرط؛ لأنّ مفهوم الشرط من نتائج ربط الحكم بالشرط و تقييده به على وجه مخصوص، فإذا كان الشرط عين الموضوع و مساويا له فليس هناك في الحقيقة ربط للحكم بالشرط وراء ربطه بموضوعه، فقولنا: (إذا رزقت ولدا فاختنه) في قوّة قولنا: (اختن ولدك).

إنّ مفهوم الشرط متوقّف على وجود ربطين في الجملة الشرطيّة: أحدهما: ربط الحكم بالموضوع، و الآخر: ربط الحكم و موضوعه بالشرط.

و الربط الأوّل لا يوجب ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة؛ لأنّ كلّ حكم مرتبط بموضوعه بحيث إذا انتفى الموضوع انتفى الحكم المرتبط به، كما هو الحال في كلّ جملة فيها موضوع و حكم، كقولنا: (أكرم العالم) فإنّ وجوب الإكرام مرتبط بالعالم الذي هو الموضوع، فإذا انتفى الموضوع ينتفي الحكم المرتبط به تبعا للعلاقة بين الحكم و الموضوع، و هو المسمّى بالسالبة بانتفاء الموضوع.

و أمّا الربط الثاني فهو يوجب ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة، فيما إذا كان ربط الحكم و موضوعه بالشرط بالنحو الخاصّ الموجب للانتفاء عند الانتفاء و هو التوقّف.

فقولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) يرتبط وجوب إكرام زيد بمجيئه، فهنا إذا انتفى المجي‏ء ينتفي وجوب إكرام زيد؛ لأنّه متوقّف و معلّق على مجيئه كما تقدّم سابقا و يكون للجملة مفهوم.

و الحاصل: أنّ ثبوت المفهوم للجملة الشرطيّة موقوف على أن يكون هناك ربط بين‏