شرح الحلقة الثالثة - ج3

- الشيخ حسن الفياض العاملي المزيد...
459 /
5

[تتمة مباحث الأدلة المحرزة (الدليل العقلي)]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الدليل العقلي الدليل العقلي: كلّ قضيّة يدركها العقل و يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي.

و البحث عن القضايا العقليّة: تارة يقع صغرويّا في إدراك العقل و عدمه، و أخرى كبرويّا في حجّيّة الإدراك العقلي.

قبل الدخول في بحث القضايا العقليّة

نذكر عدّة أمور، منها:

الأمر الأوّل: تعريف الدليل العقلي.

بعد الفراغ من الدليل الشرعي بقسميه اللفظي و غير اللفظي، يقع البحث حول الدليل العقلي:

و المراد بالدليل العقلي: هو حكم العقل بقضيّة يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي، و تكون تلك القضيّة مدركة للعقل على نحو الاستقلاليّة، فالحكم الذي يصدره العقل على نحو الجزم و القطع و يكون مستندا إلى العقل نفسه لا إلى الشرع، و هو المبحوث عنه هنا.

و ليس المراد من الدليل العقلي المعنى الفلسفي بمعنى القوّة العاقلة المدركة، كما أنّه ليس المراد منه الحكم العقلي الذي يقع في كبرى الأقيسة المنطقيّة، أو التي يرجع إليها بحيث تكون من المبادئ الأوّليّة لكلّ القضايا في مقام التصديق، فإنّ هذا المعنى لا إشكال في حجّيّته منطقيّا عند الجميع.

و كذلك لا يراد من الحكم العقلي المستلزمات العقليّة؛ لأنّها و إن كانت أحكاما عقليّة إلا أنّ العقل إنّما يحكم بها في طول ثبوت الحكم الشرعي أوّلا، فهو حكم عقلي مستند إلى الشرع؛ كحكم العقل بوجوب الإطاعة أو الامتثال لأحكام الشارع.

و كذا لا يدخل في البحث القضايا العقليّة التي لا يمكن أن يستنبط منها الحكم الشرعي؛ لأنّها لا تكون حجّة بالمعنى الأصولي.

8

ثمّ إنّ الأحكام العقليّة: تارة ترجع إلى مدركات العقل النظري، و أخرى إلى مدركات العقل العملي.

و المراد من العقل النظري: إدراك العقل لما هو كائن و موجود. و المراد من العقل العملي: إدراك ما ينبغي أن يكون و يوجد.

و الدليل العقلي المبحوث عنه هنا يشمل كلا القسمين، فيبحث عن حجّيّة كلّ قضيّة يدركها العقل سواء كان إدراكه لها نظريّا أم عمليّا، فمثلا مسألة اجتماع الأمر و النهي أو مسألة الترتّب أو وجوب المقدّمة أو مسألة الضدّ كلّها ترجع إلى مدركات العقل النظري؛ لأنّ البحث ينصبّ حول الإمكان أو الوجوب أو الاستحالة فيها، بمعنى تحليل هذا الأمر الموجود.

بينما البحث عن حسن العدل و قبح الظلم و مصاديقهما في الخارج كالصدق و الكذب و نحوهما ترجع إلى مدركات العقل العملي، و هو و إن كان يبحث فيه عن الحكم الشرعي إلا أنّه يحتاج إلى ضمّ الملازمة القائلة: (بأن ما حكم به العقل يحكم به الشرع) أيضا؛ دون النحو الأوّل، و لو لا هذه الملازمة لم يمكن اكتشاف حكم الشرع من خلال إدراك العقل العملي بمجرّده بخلاف مدركات العقل النظري، فإنّ ما يدركه يكون هو حكم الشرع أيضا؛ لأنّ حكم العقل بضرورة الاستحالة أو الوجوب لا يمكن أن يكون الشرع مخالفا له.

و البحث عن القضايا العقليّة على قسمين: فتارة يكون بحثا كبرويّا، و أخرى يكون صغرويّا.

و المراد من البحث الكبروي: هو البحث عن حجّيّة الدليل العقلي، أي أنّ ما أدركه العقل هل يكون حجّة أم لا؟ و الحجّيّة هنا بمعناها الأصولي، فيكون البحث حول منجّزيّة أو معذّريّة الحكم العقلي شرعا.

بينما المراد من البحث الصغروي: هو البحث عن تحقيق موضوع حكم العقل، فهل العقل يحكم بكذا أم لا؟ أو هل العقل يدرك هذا الأمر أم لا؟ فيبحث فيه عن إدراك العقل للطريق الموصل للحكم الشرعي، فهل هذا الأمر طريق إلى الأحكام الشرعيّة و موصل إليها على نحو الجزم و اليقين كالتواتر و الإجماع و السيرة، أم أنّه طريق ظنّي لا يوصل إليها إلا ظنّا، و يحتاج الأخذ به إلى تعبّد شرعي لاحقا كالقياس و الاستحسان و نحوهما؟

9

و لا شكّ في أنّ البحث الكبروي أصولي، و أمّا البحث الصغروي فهو كذلك إذا كانت القضيّة العقليّة المبحوث عنها تشكّل عنصرا مشتركا في عمليّة الاستنباط.

و أمّا القضايا العقليّة التي ترتبط باستنباط أحكام معيّنة و لا تشكّل عنصرا مشتركا فليس البحث عنها أصوليّا.

الأمر الثاني: في كون البحث العقلي أصوليّا أم لا؟

تقدّم أنّ القضايا العقليّة: تارة يكون البحث عنها كبرويّا، و أخرى يكون البحث عنها صغرويّا.

فإن كان البحث كبرويّا فتكون كلّ القضايا العقليّة المبحوث عنها كبرويّا داخلة في علم الأصول؛ لأنّ البحث الكبروي هو البحث عن حجّيّة المسألة العقليّة التي أدركها العقل، فيبحث حول منجّزيّتها أو معذّريّتها، و البحث عن المنجّزيّة و المعذّريّة بحث أصولي؛ و لأنّ هذه القضايا العقليّة الكبرويّة تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي في مختلف الأبواب، بمعنى أنّها تشكّل عنصرا مشتركا له القابليّة للتطبيق في مختلف المسائل و الأبواب الفقهيّة، و ليس خاصّا في مورد دون آخر.

[أقسام الأبحاث العقليّة الصغرويّة]

و أمّا إن كان البحث صغرويّا أي البحث عن كون المسألة داخلة في الإدراك العقلي أو ليست داخلة فيه؟ فهذا يمكن تقسيمه إلى قسمين:

[القسم‏] الأوّل: الأبحاث العقليّة الصغرويّة التي تشكّل عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط

بحيث يمكن أن تكون جارية في مختلف الأبواب الفقهيّة من دون اختصاصها بمورد دون آخر، فمثل هذه الأبحاث تدخل في البحث الأصولي أيضا، و ذلك كالمسائل التي يدركها العقل النظري كحكمه باستحالة الترتّب أو وجوب المقدّمة أو إمكان أو استحالة اجتماع الأمر و النهي، فإنّ هذه المسائل تقع عنصرا مشتركا في الاستنباط.

[القسم‏] الثاني: الأبحاث العقليّة الصغرويّة التي تكون عنصرا خاصّا

، و ترتبط بموارد معيّنة بحيث لا يمكن أن تكون شاملة أو قابلة للتطبيق في غير ذاك المورد، كالبحث عن مسائل العقل العملي كالكذب و الصدق و نحوهما، فإنّ البحث عن مصاديقهما في الخارج صغرويّا يختصّ بمواردهما فقط، فهذه لا تكون أصوليّة.

10

ثمّ إنّ القضايا العقليّة التي يتناولها علم الأصول: إمّا أن تكون قضايا فعليّة و إمّا أن تكون قضايا شرطيّة.

فالقضيّة الفعليّة من قبيل إدراك العقل استحالة تكليف العاجز، و القضيّة الشرطيّة من قبيل إدراك العقل (أنّ وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدّمته)، فإنّ مردّ هذا إلى إدراكه لقضيّة شرطيّة مؤدّاها (إذا وجب شي‏ء وجبت مقدّمته)، و من قبيل إدراك العقل (أنّ قبح فعل يستلزم حرمته) فإنّ مردّه إلى قضيّة شرطيّة مؤدّاها (إذا قبح فعل حرم).

الأمر الثالث: في القضايا الفعليّة و الشرطيّة.

تنقسم القضايا العقليّة إلى قسمين باعتبار نفس القضيّة، فإنّ القضايا إمّا أن تكون فعليّة و إمّا شرطيّة.

و المراد من القضيّة الفعليّة هي الحكم العقلي أو الإدراك العقلي الذي لا يتوقّف على ثبوت شي‏ء في مرتبة سابقة عن نفس القضيّة المدركة، فالعقل يدرك المطلب و يحكم بحكمه من دون أن يتوقّف على شي‏ء آخر، فهو حكم منجّز و فعلي من قبيل إدراك العقل لاستحالة تكليف العاجز، فحكم العقل بالاستحالة هنا لا يتوقّف على ثبوت التكليف أوّلا، بل إنّ تصوّر العقل لتكليف العاجز في الذهن يكفيه لإقامة البرهان تصديقا على استحالة تكليفه؛ لكونه تكليفا بغير المقدور أو بما لا يطاق.

و بتعبير آخر: إنّ الحكم العقلي لا يتوقّف على ثبوت الموضوع في الخارج، بل يكفي فرضه و تصوّره في الذهن.

بينما المراد من القضيّة الشرطيّة هو الحكم العقلي الذي يكون متوقّفا في رتبة سابقة على وجود حكم شرعي أوّلا، ففي طول وجود هذا الحكم الشرعي يحكم العقل، فحكمه إذا معلّق و منوط بثبوت ذاك الحكم، و لولاه لم يكن الحكم العقلي ثابتا.

و مثاله: إدراك العقل لوجوب المقدّمة، فإنّ حكمه بوجوب المقدّمة فرع أن يكون ذو المقدّمة واجبا في رتبة سابقة، إذ لو لم يكن الشي‏ء واجبا أوّلا لم تكن مقدّماته واجبة على الخلاف الآتي في وجوب مطلق المقدّمة أو خصوص الموصلة.

فالحكم بوجوب تهيئة مقدّمات الحجّ من السفر و نحوه فرع وجوب الحجّ عليه أوّلا، فلو فرض كون الحجّ مستحبّا لم تكن مقدّماته واجبة، إذا وجوب المقدّمة إنّما

11

يحكم به العقل فيما إذا تحقّق شرطها، و هو وجوب ذي المقدّمة، و حينئذ يؤلّف العقل قضيّة شرطيّة مفادها (إنّه إذا وجب شي‏ء فقد وجبت مقدّماته).

و مثاله أيضا: حكم العقل بحرمة القبيح، فإنّ هذا الحكم موقوف مسبقا على أن يكون ما حكم العقل بقبحه قد حكم الشارع بحرمته، فإذا حكم العقل بقبح الكذب مثلا فالشارع يحكم بحرمته، فيكون حكم العقل بحرمة الكذب موقوفا على ثبوت الملازمة القائلة بأنّه (إذا قبح فعل فقد حرم)؛ إذ لو لم يكن القبيح عقلا حراما شرعا لم يمكن الحكم بحرمة ما يدركه العقل من قبيح.

و القضايا الفعليّة: إمّا أن تكون تحليليّة أو تركيبيّة.

و المراد بالتحليليّة: ما يكون البحث فيها عن تفسير ظاهرة من الظواهر و تحليلها؛ كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييري، أو عن حقيقة علاقة الحكم بموضوعه.

و المراد بالتركيبيّة: ما يكون البحث فيها عن استحالة شي‏ء بعد الفراغ عن تصوّره و تحديد معناه، من قبيل البحث عن استحالة الحكم الذي يؤخذ العلم به في موضوعه مثلا.

الأمر الرابع: في تقسيم القضايا الفعليّة.

بعد أن قسّم القضايا العقليّة إلى فعليّة و شرطيّة، شرع في تقسيم كلّ واحدة منهما إلى أنواعها، فقسّم القضيّة الفعليّة إلى نوعين:

[القسم‏] الأوّل: القضايا الفعليّة التحليليّة

، و المراد بها أن يقوم العقل بتفسير و تحليل ظاهرة من الظواهر أو حقيقة من الحقائق الموجودة، بعد الفراغ عن ثبوت ذاك الشي‏ء و عدم توقّفه على شي‏ء آخر، فإنّه مدرك لدى العقل بوضوح، و لكن يبحث عنه تحليليّا من أجل أن يستكشف بعض الأمور أو الجزئيّات أو الملاك أيضا.

فمثلا البحث عن حقيقة الوجوب التخييري يعتبر بحثا تحليليّا؛ لأنّه بحث عن كيفيّة تعلّق الوجوب بالتخيير و كيف يمكن تصوير ذلك، بعد الفراغ عن إمكانه و ثبوته واقعا؟

فإنّ مثل هذا البحث التحليلي ينفع بالنسبة لإجراء الإطلاق و قرينة الحكمة في صيغة الأمر لإثبات الوجوب التعييني مقابل الوجوب التخييري، فيما إذا ثبت أنّ الأوّل لا يحتاج إلى مئونة زائدة بخلاف الثاني، فإنّه يحتاج إلى مئونة زائدة؛ لأنّه‏

12

يشتمل في حقيقته على شي‏ء زائد على أصل الوجوب؛ لأنّه إمّا أن يرجع إلى وجوبات مشروطة، أو إلى تعلّق الوجوب بالجامع، و كلاهما يحتاج إلى عناية و مئونة.

و هكذا يكون البحث عن الوجوب التخييري مثلا بحثا تحليليّا، و يكون من جهة أخرى داخلا في القضايا العقليّة الفعليّة؛ لأنّ إدراك العقل للوجوب التخييري لا يتوقّف على شي‏ء في رتبة سابقة عليه.

و مثاله أيضا: العلاقة بين الحكم و الموضوع، فإنّ كلّ الأحكام الشرعيّة منصبّة على موضوعاتها المفترضة و المقدّرة الوجود، فالحكم ثابت لثبوت موضوعه في عالم الجعل و الاعتبار، و لكنّه لا يصبح فعليّا و على ذمّة المكلّف إلا إذا صار موضوعه فعليّا في الخارج، فيكون الحكم في طول ثبوت و تحقّق الموضوع في الخارج، فهل هذه الطوليّة في الرتبة بين الحكم و الموضوع مجرّد طوليّة، أو أنّها راجعة إلى السببيّة و العلّيّة فيكون ثبوت الموضوع سببا و علّة لثبوت الحكم؟

و هذا البحث و تحليله و تفسيره ينفع في كثير من الموارد التي يثبت فيها الموضوع ثمّ يعصي المكلّف الحكم أو يعجّز نفسه عنه، فإنّه هل يبقى الحكم ثابتا في حقّه مع انتفاء الموضوع أم لا؟

و ينفع أيضا في المسئوليّة تجاه مقدّمات أو قيود الحكم بعد تحقّق موضوعه.

و هذا بحث تحليلي عقلي لاكتشاف هذه العلاقة بعد الفراغ عن ثبوتها و الإيمان بها، و كونها فعليّة و ناجزة و غير متوقّفة على ثبوت شي‏ء آخر قبلها، بل هي مدركة لدى العقل مباشرة و بنفسها.

و [القسم‏] الآخر: القضايا الفعليّة التركيبيّة:

و هي من نوع القضايا العقليّة الفعليّة التي لا تتوقّف على ثبوت شي‏ء مسبقا، و لكنّها ليست مبحوثة لدى العقل على أساس التحليل فقط، و إنّما بعد الفراغ عن تحليلها و إدراكها و تصوّر معناها و تحديده من مختلف جوانبه و جهاته يبحث عن إمكان أو استحالة هذه القضيّة، فتكون مركّبة من شيئين: ثبوت شي‏ء أوّلا و تصوّره في العقل، ثمّ الحكم عليه بالإمكان أو الاستحالة ثانيا. و لذلك سمّيت تركيبيّة، من قبيل: أخذ العلم بالحكم قيدا في موضوعه، فإنّه يبحث عن إمكان أو استحالة مثل هذا التقييد بعد الفراغ عن تصوّره و تحديد معناه.

13

و هذا البحث العقلي حول أخذ العلم بالحكم قيدا في موضوعه يعتبر قضيّة عقليّة فعليّة؛ لأنّ البحث ليس متوقّفا على ثبوت شي‏ء في رتبة سابقة عنه، و يعتبر قضيّة تركيبيّة؛ لأنّ البحث فيها عن إثبات حكم تصديقي لهذه القضيّة العقليّة، أي إثبات شي‏ء لشي‏ء.

و هنا لا ينفع مجرّد التحليل لهذه القضيّة، بل لا بدّ من إقامة الدليل العقلي و البرهان على الإمكان أو الاستحالة، فهو بحث تصديقي و ليس مجرّد تصوّر و تحليل لظاهرة ما، بعد الفراغ عن ثبوتها و وقوعها في الخارج.

و القضايا الشرطيّة: إمّا أن يكون الشرط فيها مقدّمة شرعيّة، من قبيل المثال الأوّل لها، و إمّا ألّا يكون كذلك، من قبيل المثال الثاني لها.

و كلّ القضايا الشرطيّة التي يكون شرطها مقدّمة شرعيّة تسمّى بالدليل العقلي غير المستقلّ؛ لاحتياجها في مقام استنباط الحكم منها إلى إثبات تلك المقدّمة من قبل الشارع.

و كلّ القضايا الشرطيّة التي يكون شرطها مقدّمة غير شرعيّة تسمّى ب (الدليل العقلي المستقلّ)؛ لعدم احتياجها إلى ضمّ إثبات شرعي.

الأمر الخامس: في تقسيم القضايا الشرطيّة.

تنقسم القضايا الشرطيّة- و هي ما كان الحكم العقلي فيها متوقّفا على ثبوت شي‏ء في رتبة سابقة- إلى نوعين:

أحدهما: القضايا الشرطيّة التي يكون الشرط فيها مقدّمة شرعيّة

، و تسمّى ب (الدليل العقلي غير المستقلّ).

مثال ذلك: وجوب المقدّمة، فإنّ حكم العقل بوجوب المقدّمة كما تقدّم متوقّف على ثبوت وجوب ذي المقدّمة في رتبة سابقة، و ذو المقدّمة هنا حكم شرعي كوجوب الحجّ أو وجوب الصلاة، فإنّ حكم الشارع بوجوب الحجّ أو الصلاة يعتبر شرطا شرعيّا لحكم العقل بوجوب المقدّمة، و لو لا ثبوت الحكم الشرعي المذكور لم يحكم العقل بوجوب المقدّمة.

و إنّما سمّي هذا النوع بغير المستقلّات العقليّة؛ لأنّ العقل لا يمكنه أن يحكم بوجوب المقدّمة إلا بعد فرض ثبوت وجوب ذيها. فكان حكم العقل متوقّفا على‏

14

ثبوت شي‏ء فهو حكم عقلي على نحو القضيّة الشرطيّة، و لمّا كان الشرط هو الحكم الشرعي سمّي بالحكم العقلي غير المستقلّ.

و الآخر: القضايا الشرطيّة التي يكون الشرط فيها مقدّمة غير شرعيّة

، و تسمى ب (المستقلّات العقليّة)؛ و ذلك لأنّ الشرط لمّا لم يكن شرعيّا فهو شرط عقلي، فلم يكن حكم العقل محتاجا إلى ضمّ الحكم الشرعي إليه. نعم، هو محتاج إلى ضمّ حكم عقلي آخر و لذلك كانت القضيّة شرطيّة.

و مثاله: حكم العقل بحرمة الكذب أو الظلم و نحوهما، فإنّ هذا الحكم متوقّف على أن يكون هناك ملازمة بين حكم العقل بقبح شي‏ء و بين حكم الشرع بحرمته، فكان حكم العقل بحرمة الكذب مثلا متوقّفا على ثبوت الملازمة المذكورة في رتبة سابقة، و لذلك فهو من القضايا الشرطيّة، و لكن الملازمة المذكورة ليست حكما شرعيّا، و إنّما هي حكم عقلي أيضا، فمن هنا سمّي بالحكم العقلي المستقلّ.

و كذلك تعتبر القضايا العقليّة الفعليّة التركيبيّة كلّها أدلّة عقليّة مستقلّة؛ لعدم احتياجها إلى ضمّ مقدّمة شرعيّة في الاستنباط منها؛ لأنّ مفادها استحالة أنواع خاصّة من الأحكام، فتبرهن على نفيها بلا توقّف على شي‏ء أصلا، و نفي الحكم كثبوته ممّا يطلب استنباطه من القاعدة الأصوليّة.

و أمّا القضايا الفعليّة التحليليّة فهي تقع في طريق الاستنباط عادة عن طريق صيرورتها وسيلة لإثبات قضيّة عقليّة تركيبيّة و البرهنة عليها، أو عن طريق مساعدتها على تحديد كيفيّة تطبيق القاعدة الأصوليّة.

و مثال الأوّل: تحليل الحكم المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة، فإنّه يشكّل برهانا على القضيّة العقليّة التركيبيّة القائلة باستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.

و مثال الثاني: تحليل حقيقة الوجوب التخييري بإرجاعه إلى وجوبين مشروطين، أو وجوب واحد على الجامع مثلا، فإنّ ذلك قد يتدخّل في تحديد كيفيّة إجراء الأصل العملي عند الشكّ، و دوران أمر الواجب بين كونه تعيينيّا لا عدل له، أو تخييريّا ذا عدل.

الأمر السادس: [هل القضايا العقليّة الفعليّة من المستقلّات العقليّة أم لا؟]

بعد أن قسّم القضايا العقليّة الشرطيّة إلى المستقلّات العقليّة و غير

15

المستقلّات العقليّة، رجع إلى القضايا العقليّة الفعليّة ليبحث عن كونها من أيّ القسمين هي، فهل هي من المستقلّات العقليّة أم من غير المستقلّات؟

فقال: أمّا القضايا الفعليّة التركيبيّة:

فهي تعتبر أدلّة عقليّة مستقلّة؛ و ذلك لعدم احتياجها إلى أيّة مقدّمة شرعيّة في عمليّة الاستنباط منها؛ لأنّ البحث فيها ينصّب حول الإمكان أو الاستحالة، و هذا بحث عقلي محض و لا يتوقّف على ثبوت شي‏ء آخر من الشارع في مرتبة سابقة، فاستحالة تكليف العاجز مثلا التي يثبتها العقل لا تتوقّف على كون الصلاة أو الصوم أو الحجّ أو أي حكم شرعي آخر واجبا، بل بقطع النظر عن حكم الشرع يحكم العقل بالاستحالة.

و لا يقال: إنّ القضايا الفعليّة التركيبيّة لمّا لم تكن محتاجة إلى ضمّ مقدّمة شرعيّة، فهي إذا لا يستنبط منها حكم شرعي فلا تدخل في علم الأصول حينئذ؛ لأنّ ما يستنبط منها هو الاستحالة أو الإمكان فقط.

و هذا ليس حكما شرعيّا؛ لأنّه يجاب بأنّ هذه القضايا تدخل في علم الأصول؛ و ذلك لأنّ إثبات الاستحالة في مورد يلزم منه نفي الحكم الشرعي في فرضه، فإنّنا إذا أثبتنا استحالة تكليف العاجز بحكم العقل، فهذا يطبّق على كلّ مورد كان فيه المكلّف عاجزا لننفي عنه التكليف الشرعي في فرض عجزه عنه، و نفي التكليف كإثبات التكليف يدخل في علم الأصول؛ لأنّه متوقّف على استنباطه من القواعد الأصوليّة؛ إذ القاعدة الأصوليّة ليست مختصّة في إثبات التكليف فقط، بل نفي التكليف مطلوب أيضا من القاعدة الأصوليّة.

و أمّا القضايا الفعليّة التحليليّة:

فهي أيضا داخلة في المستقلّات العقليّة؛ لأنّها لا تتوقّف على ضمّ شي‏ء آخر إليها، و إنّما العقل يبحثها بحثا تحليليّا لكشف بعض الجوانب و الحقائق فيها، كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييري، و أنّه وجوب واحد أو وجوبان مشروطان، أو كالبحث عن حقيقة العلاقة بين الحكم و موضوعه، فإنّ هذا البحث التحليلي العقلي لا يحتاج إلى افتراض وجود أو ضمّ الحكم الشرعي، بل بقطع النظر عن الحكم الشرعي يبحث العقل هذا الأمر.

[دخول القضايا الفعليّة التحليليّة في علم الأصول‏]

و هي أيضا داخلة في علم الأصول؛ و ذلك لأنّها تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي، و ذلك عن طريقين:

16

الطريق الأوّل:

فيما إذا صارت وسيلة لإثبات قضيّة عقليّة و البرهنة عليها، أي أنّها وقعت موردا للبحث من أجل إثبات إمكان أو استحالة القضيّة الفعليّة التركيبيّة، و التي هي من القواعد الأصوليّة كما تقدّم آنفا، و أمّا هي نفسها فمجرّد التحليل و البحث عن تفسير ظاهرة من الظواهر ليس أصوليّا في نفسه، و إنّما يصبح كذلك فيما إذا أدّى البحث التحليلي إلى إثبات القضيّة التركيبيّة إمكانا أو استحالة، فتصبح أصوليّة لذلك.

و مثاله: البحث التحليلي عن حقيقة الحكم المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة، فإنّه يشكّل برهانا على القضيّة العقليّة التركيبيّة القائلة باستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.

و توضيح ذلك أن يقال: إنّ الأحكام الشرعيّة منصبّة على موضوعاتها بنحو القضيّة الحقيقيّة، بمعنى أخذ الموضوع مقدّرا و مفترض الوجود في عالم الجعل و التشريع و الاعتبار، و الموضوع هو كلّ المقدّمات و القيود و الشروط التي يتوقّف عليها فعليّة الحكم المجعول.

فوجوب الحجّ على المستطيع لا يكون فعليّا إلا إذا تحقّق في الخارج إنسان مستطيع، و أمّا قبل وجود الإنسان المستطيع فلا يكون الحجّ فعليّا، و إنّما هو حكم شرعي موجود في عالم الجعل و الإنشاء و الاعتبار فقط؛ لأنّ مثل هذا الحكم بالتحليل العقلي يرجع إلى قضيّة حقيقيّة مفادها: أنّه إذا وجد إنسان مستطيع في الخارج فيجب عليه الحج.

و من هنا لم يكن وجوب الحجّ داعيا إلى إيجاد و تحقيق موضوعه في الخارج، فوجوب الحجّ لا يسبّب و لا يدعو إلى أن يجعل الإنسان نفسه مستطيعا. نعم، بعد أن يصبح مستطيعا يدعوه وجوب الحجّ إلى إيجاد الحجّ في الخارج، فوجوب الحجّ يدعو إلى إيجاد متعلّقه لا إلى إيجاد موضوعه.

و بهذا البحث التحليلي للعلاقة بين الحكم و الموضوع نخرج بنتيجة و هي: أنّ وجوب الحجّ لا يدعو إلى إيجاد موضوعه، بل إلى إيجاد متعلّقه فقط؛ و ذلك لأنّ وجوب الحجّ مسبّب عن الموضوع، و المسبّب لا يدعو إلى إيجاد السبب. نعم، وجوب الحجّ يدعو إلى إيجاد متعلّقه و هو الحجّ في الخارج؛ لأنّه سبب إليه و السبب يدعو إلى إيجاد المسبّب بعد فرض صيرورته فعليّا من جميع الجهات.

17

و هذه النتيجة يمكن صياغتها بالنحو التالي: أنّ وجوب الحجّ الفعلي منوط و متوقّف على وجود الإنسان المستطيع في الخارج، فإذا وجد مستطيع فعلا في الخارج فقد وجب الحجّ فعلا عليه.

و هذه النتيجة تقع في طريق الاستنباط؛ و ذلك لأنّها ترتبط ببعض القضايا العقليّة التركيبيّة لاستحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، فإنّ النتيجة السابقة و هي:

(إذا وجد مستطيع فقد وجب الحجّ عليه) يبحث في أنّ أخذ العلم بالحكم فيها (أي وجوب الحجّ) في موضوعه هل هو ممكن أم مستحيل؟ فهل يجب الحجّ على المستطيع إن كان عالما بوجوب الحجّ أم لا؟

و الجواب: أنّ أخذ العلم بالحكم في موضوعه مستحيل لاستلزامه الدور أو الخلف أو التقدّم و التأخّر كما سيأتي في محلّه؛ لأنّه لو كان وجوب الحجّ منصبّا على المستطيع العالم بوجوب الحجّ في رتبة سابقة، فهذا معناه أنّ الموضوع صار مركّبا من المستطيع و من العلم بوجوب الحجّ و المفروض أنّ وجوب الحجّ، مسبّب عن موضوعه فهو لا وجود له قبل موضوعه، فإن كان هو نفسه مأخوذا في موضوعه فهذا يعني أنّه موجود من قبل فيصبح متقدّما و متأخّرا، و يصبح وجوب الحجّ مسبّبا عن وجوب الحجّ تبعا للعلاقة بين الحكم و الموضوع.

و بهذا يظهر أنّ البحث التحليلي داخل في علم الأصول نتيجة ارتباطه بالبحث عن القضيّة التركيبيّة.

و الطريق الثاني:

فيما إذا كانت القضايا الفعليّة التحليليّة عنصرا مساعدا على تحديد كيفيّة تطبيق القاعدة الأصوليّة، ففي مقام تطبيق القاعدة الأصوليّة على مصاديقها أو على مواردها في الخارج احتاجت إلى التحليل العقلي، فكان التحليل العقلي عنصرا مساعدا لكيفيّة التطبيق، بمعنى أنّ القاعدة بعد الاستعانة بالتحليل العقلي قد تطبّق على هذا المورد دون ذاك أو العكس أو لا تطبّق أصلا، فيستفاد إثبات الحكم الشرعي أو نفيه عن المورد المبحوث عنه.

و مثاله: البحث التحليلي عن حقيقة الوجوب التخييري، فإنّه يقع في طريق الاستنباط و ذلك على أساس مدخليّته في كيفيّة تطبيق الأصل العملي في بعض موارده، كما فيما إذا شكّ في واجب أنّه على نحو التخيير بين عدّة بدائل أو أنّه‏

18

تعييني لا بديل و لا عدل له، فإنّ البحث التحليلي عن حقيقة الوجوب التخييري تنفع في كيفيّة إجراء الأصل العملي.

و توضيحه: أنّنا إذا قلنا بأنّ الوجوب التخييري عبارة عن وجوب الجامع- لاستحالة الوجوبات المشروطة من جهة كونها تستلزم تعدّد العقاب فيما لو ترك الجميع لفعليّة كلّ منها في هذه الحالة لأنّ ترك الآخر متحقّق- فسوف يكون الفرض المذكور من موارد الدوران بين التعيين و التخيير.

ففي كفّارة الصوم مثلا سوف يدور الأمر بين إيجاب واحدة من الخصال الثلاث على سبيل التعيين، أو إيجابها على سبيل التخيير بينها و بين الأخريين.

و حينئذ سوف يرتبط البحث بمسألة جريان البراءة في موارد التعيين و التخيير عن الحصّتين الأخريين لو امتثل الحصّة الأولى، فقد يقال بجريانها عنهما؛ لأنّه شكّ في تكليف زائد و قد يقال بعدم جريانها كما سوف يأتي، بل يجري الاحتياط فيما لو امتثل غير الحصّة التي يحتمل كون إيجابها تعيينيّا.

و أمّا إن قيل برجوع الوجوب التخييري إلى وجوبات مشروطة، بحيث تكون كلّ واحدة من خصال الكفّارة واجبة بنفسها وجوبا استقلاليّا بشرط ترك الحصّتين الأخريين، فسوف يرجع الشكّ في التعيين و التخيير إلى الشكّ في إطلاق الوجوب في كلّ واحدة من الحصص سواء أتى بالحصّتين أم لا، و في كونه وجوبا مشروطا بترك الحصّتين، فإذا امتثل إحدى الحصّتين سوف يشكّ في بقاء الوجوب في الحصص الأخرى؛ لاحتمال كون وجوبها مطلقا، و هذا شكّ في تكليف زائد فتجري فيه البراءة.

و بهذا يتّضح أنّ البحث عن حقيقة الوجوب التخييري يرتبط ارتباطا وثيقا بكيفيّة جريان البراءة، أو الاحتياط عند الشكّ في واجب ما أنّه تعييني أو تخييري.

و كذلك ينفع البحث التحليلي عن الوجوب التخييري في مسألة اجتماع الأمر و النهي، فإنّه إذا قيل بأنّ الوجوب التخييري يرجع إلى وجوبات مشروطة و لو بلحاظ عالم المبادئ كانت كلّ حصّة واجبة بنفسها، و حينئذ يمتنع تعلّق النهي بها و لو باختلاف العنوان للتنافي بين الوجوب و الحرمة؛ إذ يستحيل تعلّقهما بعنوان واحد على نحو الاستقلال.

19

بينما إذا قيل بأنّ مرجع الوجوب التخييري إلى وجوب الجامع فسوف لا تكون كلّ حصّة واجبة بعنوانها، فحينئذ لا يمتنع تعلّق النهي بها بعنوانها؛ لأنّ الوجوب لم يتعلّق بها بعنوانها الخاصّ، بل بالجامع فيكون من موارد النهي عن الجامع و الأمر بالحصّة، و هو ممكن في نفسه.

و هذا البحث التحليلي للوجوب التخييري ينفع في مقام الاستنباط؛ لأنّه يساعد في كيفيّة تطبيق مسألة الاجتماع على مواردها و مصاديقها. فتارة يجري الإطلاق لإثبات تحقّق المأمور به و الإجزاء، و أخرى يثبت الامتناع و يدخل المورد في بحث التعارض بين الدليلين.

و من هنا يظهر أنّ البحث التحليلي عن القضايا الفعليّة يمكن أن يدخل في علم الأصول بواسطة أحد هذين الطريقين، فهي إمّا أن تقع في إثبات إمكان أو استحالة بعض القضايا التركيبيّة و التي هي قواعد أصوليّة، و إمّا أن تساعد في كيفيّة تطبيق بعض القواعد الأصوليّة على مواردها، و ينتج من ذلك إثبات الحكم أو نفيه و هو المطلوب من القاعدة الأصوليّة.

و سوف نلاحظ أن القضايا العقليّة متفاعلة فيما بينها و مترابطة في بحوثها، فقد نتناول قضيّة تحليليّة بالتفسير و التحليل فتحصل من خلال الاتّجاهات المتعدّدة في تفسيرها قضايا عقليّة تركيبيّة؛ إذ قد يدّعي بعض صيغة تشريعيّة معيّنة في تفسيرها فيدّعي الآخر استحالة تلك الصيغة و يبرهن على ذلك، فتحصل بهذه الاستحالة قضيّة تركيبيّة.

أو قد تطرح قضيّة تحليليّة للتفسير فيضطرّنا تفسيرها إلى تناول قضايا تحليليّة أخرى تساعد على تفسير تلك القضيّة، و في مثل ذلك تدرس تلك القضايا الأخرى عادة ضمن إطار تلك القضيّة إذا كان دورها المطلوب مرتبطا بما لها من دخل في تحليل تلك القضيّة و تفسيرها.

الأمر السابع: في التفاعل بين القضايا العقليّة.

و في ختام البحث عن القضايا العقليّة يذكر السيّد الشهيد أنّ هذه القضايا متفاعلة فيما بينها بمعنى أنّ البحث متداخل في كثير من الأحيان بين هذه القضايا و مترابط أيضا ارتباطا وثيقا في أغلب الموارد.

20

و يذكر لهذا التفاعل مثالين من التفاعل بين القضايا الفعليّة التحليليّة مع القضايا التركيبيّة، و لا يتعرّض للتفاعل بين القضايا الفعليّة و القضايا الشرطيّة، و لعلّه لعدم وجود مثل هذا التفاعل؛ لأنّ موضوع كلّ منهما مباين للأخرى، فالقضايا الفعليّة غير متوقّفة على ضمّ شي‏ء مسبقا إليها، بل يدركها العقل بنحو الاستقلاليّة.

بينما القضايا الشرطيّة تحتاج إلى ضمّ مقدّمة شرعيّة أو مقدّمة غير شرعيّة إليها فلم يكن البحث فيها استقلاليّا، و من هنا لم يكن بينهما أدنى ترابط بين هذين القسمين.

و أمّا القضايا الفعليّة بنوعيها التحليليّة و التركيبيّة فيمكن أن يكون هناك ترابط فيما بينها في أكثر الأحيان و الموارد.

فمثلا يكون البحث في قضيّة تحليليّة فيدخل فيه البحث عن بعض القضايا التركيبيّة، ففي البحث التحليلي عن الوجوب التخييري قد يدّعي البعض أنّه وجوبات مشروطة، فيشكل البعض الآخر بأنّ هذا مستحيل و يقيم البرهان على الاستحالة، و هذا بحث تركيبي. أو يكون البحث عن إثبات كونه من الوجوبات المشروطة، فيدخل فيه البحث التحليلي عن حقيقة الوجوب المشروط، و أنّه كيف يمكن تصوّر الوجوب مع كونه مشروطا ببعض القيود؟ و هذا البحث التحليلي يدخل فيه البحث التركيبي عن إمكانيّة أو استحالة الوجوب المشروط.

و هكذا سوف نلاحظ التفاعل بين البحوث التحليليّة و البحوث التركيبيّة للقضايا العقليّة.

و سنتناول فيما يلي مجموعة من القضايا العقليّة التي تشكّل عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط، ثمّ نتكلّم بعد ذلك عن حجّيّة الدليل العقلي.

و بعد هذه الدراسة لأقسام القضايا العقليّة، سوف نقسّم البحث إلى قسمين:

القسم الأوّل: في بحث بعض القضايا العقليّة التي تشكّل عناصر مشتركة في عمليّة الاستنباط، و هذا يحقّق الصغرى.

و القسم الآخر: في حجّيّة الدليل العقلي بعد الفراغ عن البحث الصغروي.

***

21

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور شرطيّة القدرة و محلّها:

في التكليف مراتب متعدّدة، و هي: الملاك، و الإرادة، و الجعل، و الإدانة.

فالملاك: هو المصلحة الداعية إلى الإيجاب.

و الإرادة: هي الشوق الناشئ من إدراك تلك المصلحة.

و الجعل: هو اعتبار الوجوب مثلا، و هذا الاعتبار تارة يكون لمجرّد إبراز الملاك و الإرادة، و أخرى يكون بداعي البعث و التحريك، كما هو ظاهر الدليل الذي يتكفّل بإثبات الجعل.

و الإدانة: هي مرحلة المسئوليّة و التنجّز و استحقاق العقاب.

مقدّمة البحث:

إنّ الحكم في مقام الثبوت يشتمل على المراتب التالية:

1- الملاك:

و هو المصلحة أو المفسدة التي يدركها الشارع في الأشياء بحيث تكون هي الداعي إلى جعل الإيجاب أو التحريم.

2- الإرادة:

و هي عبارة عن الشوق و الحبّ أو البغض اللذين يتولّدان من المصلحة أو المفسدة في الفعل، فبقدر تلك المصلحة أو المفسدة يتولّد شوق أو بغض مولوي و إرادة مولويّة تتناسب معها.

3- الجعل:

و هو عبارة عن صياغة الإرادة و الشوق و البغض المولوي صياغة اعتباريّة و جعليّة للإيجاب أو التحريم، إلا أنّ هذه الصياغة يمكن تصوّرها على نحوين: فتارة يصوغ المولى الإيجاب أو التحريم لمجرّد الكشف عن الإرادة و الملاك في هذا الفعل من دون أن يكون هناك شي‏ء آخر وراء هذه الصياغة.

و أخرى يصوغه بداعي البعث و التحريك أي من أجل تسجيل الإيجاب أو التحريم على ذمّة المكلّف و إدخال الفعل في عهدته، فيصبح مسئولا عنه و مطالبا به.

24

و الظاهر من الدليل الذي يدلّ على الحكم الشرعي كون هذا الحكم مبرّزا و مصاغا بداعي البعث و التحريك؛ لأنّ الاعتبار هو عمليّة التشريع و التقنين، و ليس مجرّد صياغة اعتباريّة لا تحمل في طيّاتها أيّة مسئوليّة للمكلّف كما هو المتعارف بين الناس و العرف.

4- الإدانة:

و هي المرحلة الأخيرة و هي ترتبط بعالم الإثبات؛ و ذلك لأنّ التكليف إذا وصل إلى المكلّف صار فعليّا و منجّزا عليه و مطالبا به؛ لأنّه أصبح في عهدته و ذمّته، و يجب عليه عقلا أن يفرّغ ذمّته منه و ذلك بأدائه و امتثاله، فإذا عصى و لم يمتثل كان مدانا و مستحقّا للعقاب بحكم العقل لعدم امتثاله و إطاعته لأحكام من تجب إطاعته عقلا.

و لا شكّ في أنّ القدرة شرط في مرحلة الإدانة؛ لأنّ الفعل إذا لم يكن مقدورا فلا يدخل في حقّ الطاعة للمولى عقلا، كما أنّ مرتبتي الملاك و الشوق غير آبيتين عن دخالة القدرة كشرط فيهما- بحيث لا ملاك في الفعل و لا شوق إلى صدوره من العاجز- و عن عدم دخالتها كذلك- بحيث يكون الفعل واجدا للمصلحة و محطّا للشوق حتّى من العاجز- و قد تسمّى القدرة في الحالة الأولى بالقدرة الشرعيّة و في الحالة الثانية بالقدرة العقليّة.

محلّ شرطيّة القدرة في التكليف:

بعد أن ذكرنا المراتب الأربع للتكليف، نعود لأصل البحث في هذه المسألة و هي أنّ القدرة التي هي شرط في التكليف في أيّة مرتبة من هذه المراتب الأربع تكون شرطا؟

و الجواب: أمّا مرتبة الإدانة فلا شكّ في كون القدرة شرطا في هذه المرحلة، فالعقل لا يحكم باستحقاق المكلّف للإدانة و استحقاق العقوبة على عدم الامتثال و الإطاعة فيما إذا لم يكن قادرا على ذلك، بل لا يحكم العقل بدخول الفعل في ذمّة و عهدة المكلّف حينئذ، و لا يشمل حقّ الطاعة للمولى المكلّف العاجز تكوينا عن الامتثال؛ لأنّ إدانة العاجز و غير القادر قبيح عقلا؛ لأنّه مضطر إلى الفعل أو الترك فما يصدر منه لم يكن عن اختيار و إرادة ليطالب به؛ لأنّ حقّ الطاعة لا يشمل موارد عدم الاختيار.

و هذا الاشتراط واضح و لا كلام فيه، و لذلك فمن المستحيل أن يصدر من الشارع‏

25

إدانة و عقاب للمكلّف لمجرّد أنّه عصى أو خالف تكليف المولى مع عدم قدرته على امتثاله و إطاعته تكوينا.

و أمّا بلحاظ مرتبتي الملاك و الإرادة فليس من الضروري أن تكونا مشروطتين بالقدرة، بل يمكن إطلاقهما حتّى لموارد العجز، فكما يمكن أن نتصوّر كون الملاك و الإرادة مشروطين بالقدرة بحيث لا يكون هناك ملاك و إرادة على المكلّف العاجز، فكذلك يمكن أن نتصور عدم كونهما مشروطين بالقدرة، فيكون الملاك و الإرادة ثابتين حتّى لموارد عجز المكلّف أيضا.

فإن قلنا بأنّ الملاك و الإرادة مشروطان بالقدرة، فالمصلحة و المفسدة أو الشوق المولوي لا تترتّبان على الفعل بما هو هو، بل على الفعل المقدور فقط، ممّا يعني أنّ اتّصاف الفعل بالمصلحة أو المفسدة مقيّد و مشروط بالقدرة عليه، فما دام غير مقدور عليه فلا يمكن اتّصافه بذلك.

و أمّا إن قلنا بأنّ الملاك و الإرادة غير مشروطين بالقدرة فالمصلحة و المفسدة أو الشوق المولوي موجودان حتّى في موارد العجز، فالفعل يتّصف بالمصلحة و الشوق و إن كان المكلّف عاجزا عنه تكوينا.

و الوجه في أنّ الملاك و الإرادة لا يأبيان التقييد بالقدرة و عدمه هو أنّ المصلحة و المفسدة من الأمور التكوينيّة التي يتّصف بها الفعل، و هما موجودان سواء كان المكلّف قادرا على استيفائهما أم كان عاجزا عن ذلك، و الإرادة ليست إلا الشوق المولوي الحاصل من ذلك الملاك فيمكن تقييده بالقدرة و إطلاقه؛ لأنّه يمكن أن يتعلّق بالمستحيل بالذات كاجتماع الضدّين أو النقيضين؛ إذ لا مانع من حبّ ذلك أو بغضه، كما يمكن تعلّقهما بالممتنع بالعرض كسائر الموارد التي لا يتمكّن الإنسان من القيام بها لعجزه و محدوديّته.

و حينئذ فإن كانت القدرة شرطا في الملاك و الإرادة أطلق عليها عنوان القدرة الشرعيّة، و إن لم تكن شرطا فيهما أطلق عليها عنوان القدرة العقليّة.

و إنّما عبّر السيّد الشهيد عن هذه التسمية بقوله: (و قد تسمّى ...) من أجل أنّ هذين التعبيرين كما سوف يأتي لا حقا يطلقان على ما إذا كانت القدرة مأخوذة في لسان الدليل فتسمّى بالقدرة الشرعيّة، و بين ما إذا لم تكن مأخوذة فيه فتسمّى بالقدرة

26

العقليّة، و وجه التسمية هناك واضح؛ لأنّ أخذ القدرة في لسان الدليل يتناسب مع إطلاق القدرة الشرعيّة عليها، و عدم أخذها في الدليل يعني أنّ العقل هو الذي يحكم باشتراط القدرة فقط، و حينئذ لا بدّ من ملاحظة المرتبة التي يقيّدها العقل بالقدرة.

و أمّا وجه التسمية هنا فلأنّ القدرة إن كانت شرطا في الملاك و الإرادة فهذا معناه أنّ الشارع هو الذي اشترطها فيهما؛ لأنّ الملاك و الإرادة بنفسهما غير آبيين عن اشتراطهما أو عدم اشتراطهما، فتكون القدرة شرعيّة؛ لأنّ الشارع هو الذي لاحظها في الملاك و الإرادة. و إن لم تكن القدرة شرطا فيهما كانت القدرة عقليّة، بمعنى أنّ القدرة شرط بحكم العقل، و حينئذ لا بدّ من مراجعة حكم العقل لنرى أي مرتبة من مراتب التكليف يشترط القدرة فيها.

و أمّا في مرتبة الحكم فإذا لوحظت هذه المرتبة بصورة مجرّدة لم نجد مانعا عقليّا عن شمولها للعاجز؛ لأنّها اعتبار للوجوب و الاعتبار سهل المئونة، و قد يوجّه إلى المكلّف على الإطلاق لإبراز أنّ المبادئ ثابتة في حقّ الجميع. و لكن قد نفترض جعل الحكم بداعي البعث و التحريك المولوي، و من الواضح هنا أنّ التحريك المولوي إنّما هو بسبب الإدانة و حكم العقل بالمسئوليّة، و مع العجز لا إدانة و لا مسئوليّة كما تقدّم، فيستحيل التحريك المولوي، و بهذا يمتنع جعل الحكم بداعي التحريك المولوي.

و حيث إنّ مفاد الدليل عرفا هو جعل الحكم بهذا الداعي فيختصّ لا محالة بالقادر، و تكون القدرة شرطا في الحكم المجعول بهذا الداعي.

و أمّا بلحاظ مرتبة جعل الحكم، فقد تقدّم أنّ هذه المرتبة يمكن تصوّرها بنحوين:

فتارة يكون جعل الحكم و الاعتبار لمجرّد إبراز الملاك و الإرادة و الكشف عنهما، فيكون الاعتبار مجرّد صياغة تعبيريّة و إنشاء محضا، و أخرى يكون جعل الحكم بداعي البعث و التحريك المولوي للمكلّف و تسجيل الفعل على ذمّته و إدخاله في عهدته، فيكون الاعتبار و جعل الحكم من باب التقنين و التشريع لا مجرّد صياغة إنشائيّة فقط.

فإن كان جعل الحكم بالنحو الأوّل فلا مانع حينئذ من عدم اشتراط التكليف بالقدرة في هذه المرتبة؛ لأنّ مجرّد الاعتبار و الإنشاء و الصياغة من غير أن يكون وراء ذلك شي‏ء آخر، لا يمتنع بحكم العقل أن يكون مطلقا و غير مشروط بالقدرة؛ لأنّه ما

27

دام التحريك منتفيا فبالتالي لا اشتغال للذمّة و لا مسئوليّة و لا عقوبة و لا إدانة على شي‏ء.

و ليس ذلك إلا مجرّد اعتبار و إنشاءات لفظيّة فقط و هي سهلة المئونة؛ لأنّ الاعتبار بمجرّده من دون أن يكون وراءه شي‏ء و من دون أن يكون معبّرا عن شي‏ء حقيقي لا يعدو عن كونه مجرّد لفظ فقط.

فإن قيل: ما هي الفائدة و النكتة من إبراز الخطاب مطلقا حتّى يشمل موارد العجز، مع أنّه في موارد العجز لن يكون لهذا الخطاب مؤثّريّة أصلا؟

كان الجواب: أنّ الفائدة من ذلك هي إظهار الملاكات و الإرادة و الشوق المولوي بهذا الخطاب المطلق، و أنّها مطلقة و شاملة حتّى للعاجز بمعنى ثبوت الملاك و الإرادة في موارد العجز، ممّا يعني أنّ القدرة لم تؤخذ شرطا فيهما.

و قد تقدّم آنفا أنّ الملاك و الإرادة لا يمتنع تعلّقهما بغير المقدور ذاتا أو الممتنع بالغير، فمن أجل إبراز هذا الأمر و الكشف عنه كان الخطاب و الاعتبار الإنشائي مطلقا و غير مقيّد بالقدرة أيضا.

و أمّا إن كان جعل الحكم بالنحو الثاني أي بداعي البعث و التحريك، فمن الواضح أنّ القدرة شرط فيه؛ و ذلك لأنّ البعث و التحريك للمكلّف يقتضيان إدخال الفعل في عهدته و صيرورته مسئولا عنه و مطالبا به، و يستحقّ العقوبة على مخالفته، و بالتالي يصبح مدانا عقلا.

و قد تقدّم أنّ القدرة شرط في التكليف في مرحلة الإدانة إذ يمتنع عقلا إدانة العاجز؛ لأنّه غير مختار، و ما دامت المحركيّة مجعولة من أجل الإدانة أو هي مقدّمة للإدانة و سبب لها فهي مشروطة بالقدرة أيضا.

و بتعبير آخر: إنّ الداعي و الهدف إن كان هو تحريك المكلّف، فمن الواضح أنّ العاجز لا يمكنه تحريكه و لا يمكن تحرّكه عن الخطاب المولوي و الجعل الشرعي، فكان الجعل بهذا الداعي مقيّدا بحكم العقل بالقدرة.

و أمّا الصحيح: فقد تقدّم في محلّه إنّ جعل الحكم إنّما هو بداعي البعث و التحريك و ليس مجرّد صياغة إنشائيّة اعتباريّة محضة؛ و ذلك لأنّ العرف يفهم من الجعل الشرعي هذا المعنى؛ لأنّه هو المتداول في المحاورات العرفيّة بين الآمرين و المأمورين‏

28

العرفيّة، و ما دام جعل الحكم بداعي البعث و التحريك إذا فهو مشروط بالقدرة عقلا.

و بهذا ظهر أنّ القدرة إنّما تكون شرطا فيما يلي:

1- في مرحلة الإدانة و العقوبة فلا إدانة و لا عقوبة على العاجز.

2- في مرحلة جعل الحكم بداعي البعث و التحريك، فلا محركيّة و لا بعث بحقّ العاجز.

و أمّا في مرحلتي الملاك و الإرادة فقد تكون دخيلة و شرطا، و قد لا تكون شرطا فيهما.

و أمّا في مرحلة جعل الحكم كاعتبار محض فهي ليست شرطا فيمكن جعل الاعتبار مطلقا.

و القدرة إنّما تتحقّق في مورد يكون الفعل فيه تحت اختيار المكلّف فإذا كان خارجا عن اختياره فلا يمكن التكليف به لا إيجابا و لا تحريما، سواء كان ضروري الوقوع تكوينا أو ضروري الترك كذلك، أو كان ممّا قد يقع و قد لا يقع، و لكن بدون دخالة لاختيار المكلّف في ذلك كنبع الماء في جوف الأرض، فإنّه في كلّ ذلك لا تكون القدرة محقّقة.

معنى القدرة هنا:

المراد من القدرة المبحوث عنها هو كون الفعل واقعا تحت اختيار المكلّف، بحيث يمكن للمكلّف فعله أو تركه، فالمكلّف القادر هو الذي يمكنه أن يفعل كما يمكنه أن يترك، بحيث ينتسب الفعل أو الترك إلى اختياره.

فإذا لم يكن المكلّف مختارا في الفعل أو الترك لم يكن قادرا، فتنتفي القدرة فيما إذا سلب الاختيار عن المكلّف في الفعل أو الترك، و مع انتفاء القدرة لا تكليف لا إيجابا و لا تحريما.

فإذا كان الفعل ضروري الوقوع من المكلّف لم يكن مختارا؛ لأنّه ليس قادرا على الترك فلا تكليف عليه كما في دقّات القلب مثلا، فإنّها ضروريّة الوقوع منه.

و إذا كان الفعل ضروري الترك منه لم يكن مختارا؛ لأنّه ليس بقادر على الفعل فلا تكليف عليه أيضا، كما في الخروج من الأرض مثلا من دون وسيلة لذلك.

و هكذا الحال فيما لو كان الفعل ممّا يقع و لا يقع من المكلّف و لكن من دون اختيار منه، أي أنّ الفعل في نفسه ممكن إلا أنّه ليس داخلا تحت إرادته مطلقا، بل في بعض‏

29

الحالات فقط، فهنا أيضا لا يكون مختارا فيه فلا يكلّف به لعدم قدرته عليه؛ لأنّه هنا غير مختار في أصل الفعل و إن كان مختارا في حالاته فقط؛ كنبع الماء في جوف الأرض، فإنّه قد يقع من المكلّف و قد لا يقع منه، و لكن في حالة وقوعه منه كما إذا حفر بئرا فخرج نبع الماء لا يكون استناد الخروج إليه؛ لأنّ خروجه مستند إلى أسبابه و علله التكوينيّة، و الحفر إنّما هو مقدّمة أو وسيلة للكشف عن هذا النبع.

أو كالنوم مثلا فإنّ أصل النوم ليس داخلا في اختيار المكلّف، بل هو مضطر للنوم.

نعم، حالات النوم و أوقاته باختياره، كالليل أو النهار أو الصباح أو الظهر أو الكثرة أو القلّة منه.

و بهذا يتّضح أنّ القدرة المأخوذة شرطا في التكليف بداعي البعث و التحريك أو في الإدانة و استحقاق العقوبة إنّما هي القدرة، بمعنى تساوي الفعل و الترك للمكلّف و قدرته عليهما، بحيث يستند كلّ منهما إلى فعله و اختياره و إرادته، و في غير ذلك يكون مسلوب القدرة و الاختيار فلا تكليف عليه و لا عقوبة.

و ثمرة دخل القدرة في الإدانة واضحة، و أمّا ثمرة دخلها في جعل الحكم الذي هو مفاد الدليل فتظهر بلحاظ وجوب القضاء، و ذلك في حالتين:

ثمرة البحث:

تقدّم أنّ القدرة شرط في التكليف في مرحلة الإدانة، و هذا معناه أنّ العاجز و غير القادر لا يكون مدانا شرعا على عدم امتثاله أو عصيانه؛ و ذلك لأنّه خارج عن اختياره و قدرته، و التكليف لا يكون إلا بما هو داخل ضمن اختيار المكلّف.

و أمّا إذا لم تكن شرطا في الإدانة فيكون العاجز الذي لم يمتثل التكليف مدانا، و هذا يستحيل ثبوته من الشارع كما هو واضح.

و هكذا بالنسبة لدخالتها أو عدم دخالتها في الحكم بلحاظ مرتبتي الملاك و الإرادة، فأيضا تقدّم أنّ القدرة إن كانت دخيلة في الملاك و الإرادة فهذا يعني أنّ العاجز و غير القادر لا ملاك في الفعل الذي يصدر منه و لو اتّفاقا، و لا يكون هو المراد للشارع أيضا، و أمّا إذا لم تكن دخيلة فيهما فالعاجز إذا صدر منه الفعل و لو اتّفاقا كان واجدا للملاك و كان مرادا للشارع.

و يترتّب على دخالة القدرة أو عدم دخالتها هنا الإجزاء و عدمه بالنسبة للعاجز الذي صدر منه الفعل و لو اتّفاقا، فإنّه بناء على دخالتها فيهما لا يكون هناك إجزاء،

30

بل تجب عليه الإعادة أو القضاء. و بناء على عدم دخالتها يكون الإجزاء متحقّقا و يقال بالامتثال للمأمور به أو المنهي عنه.

و أمّا بالنسبة لاشتراط القدرة في التكليف بلحاظ مرتبة جعل الحكم، حيث تقدّم إنّ المراد من جعل الحكم هو الداعي للبعث و التحريك، فتكون القدرة شرطا فيه.

فثمرة اشتراط القدرة قد تبدو غير واضحة هنا؛ إذ قد يشكل على ذلك فيقال: إنّ القدرة ما دامت شرطا في الإدانة بحيث لا يمكن إدانة العاجز و لا يكون العاجز مستحقّا للعقاب، فسواء قلنا باشتراط القدرة في التكليف بلحاظ مرتبة جعل الحكم أم لم نقل باشتراطها فيه، فالعاجز لن يكون مدانا على كلّ حال؛ لأنّه سواء كان مخاطبا بالتكليف أم لم يكن مخاطبا به، فعجزه عنه معذّر له عن الامتثال و الإطاعة.

و لكن يجاب: أنّ لاشتراط القدرة في التكليف بلحاظ مرحلة جعل الحكم ثمرة تظهر بلحاظ وجوب القضاء فيما إذا كان للفعل المأمور به قضاء، فإنّه حينئذ يمكن أن يبحث من هذه الجهة في وجوب القضاء على العاجز عن التكليف في وقته، و لكن بعد انقضاء الوقت إذا ارتفع عجزه فهل يثبت عليه القضاء أم لا؟

و النكتة في انفتاح هذا البحث هي أنّ الملاك هل هو نحو ملاك يختصّ بحالات القدرة فقط، أو أنّه ملاك يشمل حتّى حالات العجز أيضا، فإنّه سوف يؤدّي إلى التساؤل بحقّ العاجز في كون الملاك شاملا له أم لا؟

[حالات ظهور الثمرة:]

و من هنا سوف تظهر لنا الثمرة في حالتين، هما:

الأولى: أن يعجز المكلّف عن أداء الواجب في وقته، و نفترض أنّ وجوب القضاء يدور إثباتا و نفيا مدار كون هذا العجز مفوّتا للملاك على المكلّف و عدم كونه كذلك، فإنّه إذا لم نقل باشتراط القدرة في مرتبة جعل الحكم الذي هو مفاد الدليل أمكن التمسّك بإطلاق الدليل لإثبات الوجوب على العاجز- و إن لم تكن هناك إدانة- و نثبت حينئذ بالدلالة الالتزاميّة شمول الملاك و مبادئ الحكم له.

و بهذا نعرف أنّ العاجز قد فوّت العجز عليه الملاك فيجب عليه القضاء، و خلافا لذلك ما إذا قلنا بالاشتراط فإنّ الدليل حينئذ يسقط إطلاقه عن الصلاحيّة لإثبات الوجوب على العاجز، و تبعا لذلك تسقط دلالته الالتزاميّة على المبادئ فلا يبقى كاشف عن الفوت المستتبع لوجوب القضاء.

31

[الحالة] الأولى:

إذا فرض أنّ المكلّف قد عجز عن الإتيان بالواجب المأمور به في وقته، كما إذا عجز عن أداء صلاة الصبح في وقتها، أو عجز عن صوم يوم من أيّام شهر رمضان، فهنا هل يجب عليه قضاء هذا اليوم أو هذه الصلاة أم لا؟

و الجواب: أنّنا إذا بنينا فقهيّا على أنّ وجوب القضاء للفعل المأمور به إذا لم يؤت به في وقته كان منوطا إثباتا و نفيا بمسألة الملاك، فإنّه تارة يكون العجز عن الفعل في وقته مفوّتا لتمام الملاك، و أخرى لا يكون كذلك و إنّما كان هناك شي‏ء من الملاك يبقى حتّى مع عجز المكلّف عن الفعل في وقته، و هذا الملاك الباقي يمكن استيفاؤه بعد الوقت، فإن كان مفوّتا لتمام الملاك فلا يبقى شي‏ء من الغرض لا في وقته و لا في خارجه فلا يجب القضاء، و إن كان هناك ملاك يمكن استيفاؤه فهنا تظهر الثمرة؛ و ذلك لأنّنا إذا لم نقل باشتراط القدرة في التكليف في مرحلة جعل الحكم الذي هو مفاد الدليل الشرعي، فإنّ مثل: أَقِيمُوا الصَّلاةَ أو فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ تدلّ على البعث و التحريك و جعل الحكم لعنوان المكلّف، سواء كان قادرا أم عاجزا.

و هذا يعني أنّنا يمكننا أن نتمسّك بإطلاق مثل هذا الخطاب لإثبات الوجوب على العاجز أيضا، و إذا كان الوجوب ثابتا على العاجز و الذي هو المدلول المطابقي للخطاب نثبت بالدلالة الالتزاميّة ثبوت الملاك بحقّه؛ لأنّ الوجوب وراءه الملاك و المبادئ في كلّ مورد يثبت فيه.

و هذا معناه أنّ العاجز قد فوّت العجز عليه الملاك، و الحال أنّه يمكنه استيفاؤه بعد الوقت فيجب عليه القضاء؛ لأنّ الواجب المأمور به لا يسقط إلا إذا امتثل المكلّف الفعل المأمور به، أو حقّق ملاكه و الغرض منه، فإنّه يحقّق الامتثال أيضا.

و أمّا إذا كانت القدرة شرطا في التكليف في مرحلة جعل الحكم، فالخطاب المذكور مقيّد عقلا بالقدرة، ممّا يعني أنّه لا يشمل العاجز، فالعاجز لا خطاب بحقّه، بمعنى أنّ الشارع لا يخاطبه بوجوب الصلاة أو الصوم حال عجزه، و إذا لم يكن مشمولا للخطاب الشرعي و كان المدلول المطابقي- أي الوجوب- ساقطا، فلا يبقى دليل على وجوب القضاء بحقّه؛ لأنّ المفروض عدم وجود الدليل الخاصّ على ذلك، و الدليل الاجتهادي المذكور ساقط عنه، و مع سقوط الوجوب و المدلول المطابقي‏

32

يسقط المدلول الالتزامي و الملاك و المبادئ بمعنى عدم وجود ما يكشف عن ثبوتها حال العجز، و بالتالي لا يوجد ما يدلّ على ثبوت القضاء بحقّه.

و بتعبير آخر: إنّ الوجوب ساقط عنه فلا يجب عليه الأداء، و الملاك لا دليل على ثبوته فلا يجب عليه القضاء.

و بهذا ظهر أنّ لاشتراط القدرة في التكليف في مرحلة جعل الحكم فائدة و ثمرة غير مسألة الإدانة، فإنّ العاجز لا يدان على كلّ حال.

الثانية: أن يكون الفعل خارجا عن اختيار المكلّف، و لكنّه صدر منه بدون اختيار على سبيل الصدفة، ففي هذه الحالة إذا قيل بعدم الاشتراط تمسّكنا بإطلاق الدليل لإثبات الوجوب بمبادئه على هذا المكلّف، و يعتبر ما صدر منه صدفة حينئذ مصداقا للواجب فلا معنى لوجوب القضاء عليه لحصول الاستيفاء.

و خلافا لذلك ما إذا قلنا بالاشتراط، فإنّ ما أتى به لا يتعيّن بالدليل أنّه مسقط لوجوب القضاء و ناف له، بل لا بد من طلب حاله من قاعدة أخرى من دليل أو أصل.

[الحالة] الثانية:

و تظهر فيما إذا فرض أنّ المكلّف قد عجز عن الإتيان بالفعل المأمور به، و لكن و من دون اختيار منه صدر الفعل منه على سبيل الصدفة، فهل مثل هذا الفعل يكون مجزيا عن المأمور به و مسقطا للتكليف أم لا؟

و الجواب: أنّ التكليف لا إشكال في سقوطه فيما إذا امتثل المكلّف المأمور به، فإنّه يستوفي بذلك تمام الملاك و الغرض المطلوب، كما أنّ التكليف يسقط بعصيانه عن الفاعليّة و إن بقيت الفعليّة فيجب عليه القضاء بعد ذلك كما سيأتي في بحث التعجيز، و هكذا إذا كان للتكليف المأمور به بدل فإنّه يسقط بامتثاله بدله.

و هناك قسم آخر من الامتثال و هو فيما إذا حقّق المكلّف الملاك و الغرض و إن لم يكن مخاطبا بالوجوب، فإنّ الذمّة كما تشتغل بالفعل إذا خوطب بالوجوب و نحوه، كذلك إذا خوطب بالملاك أو كان الملاك شاملا للمكلّف في مورد، فإنّه يكفي لاشتغال الذمّة و يكفي أيضا لسقوط التكليف أن يؤتى بالملاك، و هنا تظهر هذه الثمرة.

فإنّنا إذا لم نقل باشتراط القدرة في التكليف في مرحلة الجعل، فهذا معناه أنّ العاجز مشمول للخطاب بالوجوب، غاية الأمر كونه معذورا و غير مدان بسبب‏

33

عجزه، و لمّا كان مشمولا للوجوب فالملاك ثابت بحقّه، فإذا صدر منه الفعل فقد حقّق الملاك و استوفاه، فيسقط التكليف عن عهدته، فلا يجب عليه القضاء؛ لكونه قد حقّق المطلوب منه و هو الملاك، و إن صدر منه الفعل صدفة، فإنّ الملاك أمر تكويني يتحقّق بإيجاده سواء كان عن قصد أم صدفة، و مع تحقّق الملاك فقد ثبت الامتثال فيسقط التكليف، فلا يكون قد فاته شي‏ء ليبحث عن وجوب قضائه و عدمه؛ لأنّه يكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

و أمّا إذا قلنا باشتراط القدرة في التكليف في مرحلة جعل الحكم، فالعاجز غير مكلّف و ليس مخاطبا بالوجوب، بمعنى أنّ المدلول المطابقي ساقط عنه، و مع سقوطه يسقط المدلول الالتزامي، فلا ملاك بحقّه أيضا.

و عليه، فإذا صدر منه الفعل على سبيل الصدفة فهو فعل لم يكن مخاطبا به، و لا واجبا عليه؛ لكونه عاجزا، و هو أيضا غير محصّل للملاك؛ لأنّ الملاك يرتفع بحقّ العاجز فلا ملاك في حالات العجز، فيكون المكلّف قد صدر منه فعل ليس بواجب عليه، و ليس وافيا بالملاك. و حينئذ ينفتح البحث عن وجوب القضاء عليه؛ لأنّه لم يأت بالمأمور به و لا بملاكه في وقته، أو بتعبير آخر لا دليل على كون ما صدر منه صدفة مسقطا للتكليف، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟

و هذا يجاب عنه في بحث الإجزاء، و أنّه هل تجري البراءة لكون الشكّ في وجوب القضاء شكّا في التكليف الزائد، أو تجري أصالة الاشتغال و الاحتياط؛ لأنّه كان مشتغل الذمّة و يشكّ في خروجه عن عهدة التكليف بسبب عجزه عن الفعل في وقته؟

و الفارق بين الثمرتين هو أنّ الثمرة الأولى يشكّ في وجوب القضاء عليه و عدم وجوبه، لأنّه لم يأت بالمأمور به في وقته و يشكّ في دخالة القدرة في التكليف في مرحلة جعل الحكم و عدمه.

بينما الثمرة الثانية يشكّ في الإجزاء و عدمه، بمعنى أنّ ما صدر منه صدفة حال عجزه هل يكون مجزيا فلا يجب القضاء، أو لا يكون مجزيا فيبحث عن وجوب القضاء و عدمه؟

***

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

حالات ارتفاع القدرة

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

حالات ارتفاع القدرة ثمّ إنّ القدرة التي هي شرط في الإدانة، و في التكليف قد تكون موجودة حين توجّه التكليف، ثمّ تزول بعد ذلك و زوالها يرجع إلى أحد أسباب:

الأوّل: العصيان، فإنّ الإنسان قد يعصي و يؤخّر الصلاة حتّى لا يبقى من الوقت ما يتاح له أن يصلّي فيه.

الثاني: التعجيز، و ذلك بأن يعجّز المكلّف نفسه عن أداء الواجب، بأن يكلّفه المولى بالوضوء و الماء موجود أمامه فيريقه و يصبح عاجزا.

الثالث: العجز الطارئ لسبب خارج عن اختيار المكلّف.

تقدّم سابقا أنّ القدرة شرط في مرحلتي الإدانة و جعل الحكم و التكليف، فالخطاب المولوي لا يشمل العاجز من أوّل الأمر، و إنّما يختصّ بمن كان قادرا، و لكن المكلّف الذي يكون قادرا حدوثا أثناء توجّه الخطاب إليه أو حين علمه بالخطاب أو حين إرادته امتثال الأمر في وقته، قد تزول قدرته عنه قبل امتثاله، و سبب زوال القدرة عن الفعل بقاء له أسباب ثلاثة:

[السبب‏] الأوّل: العصيان‏

، فالمكلّف القادر على الصلاة أو الصوم إذا جاء وقتهما فلم يمتثل، حتّى انتهى الوقت المحدّد لهما يصبح عاجزا و غير قادر على امتثال الصلاة أو الصوم في الوقت، إلا أنّ سبب عجزه و زوال قدرته بقاء كان هو العصيان و التمرّد على الأمر المولوي.

[السبب‏] الثاني: التعجيز

، و ذلك بأن يكون المكلّف قادرا على الفعل في وقته، و لكنّه يوقع نفسه بالعجز، و ذلك بأن لا يأتي بالمقدّمات المطلوبة منه أو يأتي بعمل يصبح معه عاجزا عن الفعل المطلوب، فهو و إن لم يعص المأمور به اختيارا و مباشرة، و لكنّه جاء بشي‏ء يلزم منه أن يصبح عاجزا على الفعل، فهذا هو التعجيز، كما إذا كان لديه ماء

38

فحضر وقت الصلاة و لكنّه أراق الماء بدلا من أن يتوضّأ به، فهنا صار عاجزا عن الوضوء بسبب إراقته الماء لا بسبب عصيانه و تمرّده و عدم امتثاله لأمر الوضوء مع وجود الماء.

و هذا التعجيز تارة يكون بسوء الاختيار، و أخرى لا يكون بسوء الاختيار، و الفعل الذي صار عاجزا عنه تارة يكون له بدل، و أخرى لا يكون له بدل، و سوف يأتي تفصيل ذلك لا حقا.

[السبب‏] الثالث: [طرو أمر يسلب قدرة المكلف على الفعل في وقت الامتثال‏]

أن يكون المكلّف قادرا على الفعل و لكن حينما يأتي وقت الامتثال يعرض عليه أمر يسلب عنه القدرة لا باختيار منه أو باختياره، كما إذا كان لديه ماء فجاءت الريح فأراقته، أو كان لديه ماء و جاء شخص مشرف على الموت من العطش فأعطاه إياه، فهنا طرأ عليه العجز من دون أن يعصي اختيارا و من دون أن يوقع نفسه بالمعصية.

و واضح أنّ الإدانة ثابتة في حالات السببين الأوّل و الثاني؛ لأنّ القدرة على الامتثال كافية لإدخال التكليف في دائرة حقّ الطاعة، و أمّا في الحالة الثالثة فالمكلّف إذا فوجئ بالسبب المعجّز فلا إدانة، و إذا كان عالما بأنّه سيطرأ و تماهل في الامتثال حتّى طرأ فهو مدان أيضا.

و على ضوء ما تقدّم يقال عادة: (إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا)، أي أنّه لا ينفي القدرة بالقدر المعتبر شرطا في الإدانة و العقاب. و يراد بالاضطرار بسوء الاختيار ما نشأ عن العصيان أو التعجيز.

هل تسقط الإدانة في الحالات الثلاث أم لا؟

أمّا في الحالة الأولى: فإذا عصى المكلّف الأمر و لم يمتثل المأمور به حتّى فات الوقت، فلا إشكال في ثبوت العقاب و كون المكلّف مدانا؛ لأنّ زوال القدرة بقاء كان بسبب العصيان و التمرّد، فزوال القدرة كان باختيار المكلّف تماما، و مع الاختيار في عدم الامتثال يستحقّ المكلّف الإدانة بحكم العقل؛ لأنّ العقل يحكم بوجوب الإطاعة و الامتثال لأوامر المولى الذي له حقّ الطاعة.

و هكذا في الحالة الثانية، فإنّ المكلّف لمّا كان قادرا على الفعل و لكنّه أوقع نفسه بالعجز اختيارا فصار مسلوب القدرة في الوقت عن الإتيان بالفعل، فهو أيضا يستحقّ‏

39

الإدانة و العقاب؛ و ذلك لأنّه لمّا كان قادرا على الفعل فالعقل يحكم عليه بوجوب الإطاعة و الامتثال، فلمّا عجّز نفسه باختياره كان هذا عصيانا أيضا و خروجا عن رسم العبوديّة و الطاعة.

و لا فرق في هاتين الحالتين من جهة تحقّق المعصية بالاختيار و عدم امتثال المأمور به بالاختيار، و إن كانت القدرة في الحالة الأولى مسلوبة بالاختيار إلى انتهاء الوقت، بينما في الحالة الثانية كانت بعد التعجيز مسلوبة لا بالاختيار. نعم، هو الذي عجّز نفسه، فلذلك يشتركان في كون القدرة زالت بالاختيار.

و أمّا في الحالة الثالثة أي حالة طروء العجز فهنا صورتان:

الأولى: أن يطرأ العجز من دون علم المكلّف به مسبقا، و إنّما يفاجأ به اتّفاقا، كما إذا كان لديه ماء للوضوء فجاءت الريح و أراقته، فهنا لا يكون مدانا و لا مستحقّا للعقاب؛ لأنّ سلب القدرة منه لم يكن باختياره، و إنّما كان رغم إرادته و العقاب يدور مدار القدرة و الاختيار.

الثانية: أن يطرأ العجز في الأثناء و لكنّه مسبوق بعلم المكلّف به، كما إذا علم بأن الماء سوف ينقطع في أثناء الوقت فتجاهل و لم يحصّل الطهارة أو لم يوفّر الماء لذلك.

و بتعبير آخر: أخلّ بالمقدّمات فصار عاجزا، فهنا يكون مدانا و مستحقّا للعقاب أيضا؛ لأنّه باختيار صار عاجزا في الوقت.

و على هذا يقال: (إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا)، بمعنى أنّ المكلّف إذا صار مضطرّا و عاجزا بسبب سوء اختياره فإنّه يبقى مستحقّا للعقاب، و لا منافاة بين هذا الاضطرار و بين استحقاقه للعقاب؛ لأنّ الاختيار موجود في البين.

و أمّا التكليف فقد يقال: إنّه يسقط بطروّ العجز مطلقا، سواء كان هذا العجز منافيا للعقاب و الإدانة أم لا؛ لأنّه على أيّة حال تكليف بغير المقدور و هو مستحيل.

و من هنا يكون العجز الناشئ من العصيان أو التعجيز مسقطا للتكليف و إن كان لا يسقط العقاب. و على هذا الأساس يردف ما تقدّم من أنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا بقولهم: (إنّه ينافيه خطابا)، و مقصودهم بذلك سقوط التكليف.

هل يسقط التكليف في الحالات الثلاث المتقدّمة أم لا؟

40

المشهور أنّ التكليف و الخطاب الشرعي يسقط في جميع حالات ارتفاع القدرة، أي سواء كان ارتفاع القدرة منافيا للعقاب أم كان مصحّحا له، ففي حالات العصيان أو التعجيز أو طروء العجز مع العلم به أو مع عدم العلم به سوف لا يكون العاجز مكلّفا، و لا يتوجّه إليه الخطاب المولوي؛ و ذلك لأنّنا قلنا سابقا: إنّ القدرة شرط في التكليف بمعنى الباعثيّة و المحركيّة، فحيث لا محركيّة و لا باعثيّة لا خطاب، و في مقامنا تمتنع المحركيّة و الباعثيّة من المكلّف العاجز فيسقط التكليف بحقّه، نعم لا يسقط العقاب و الإدانة كما تقدّم؛ لأنّ القدرة المصحّحة للعقاب هي القدرة ابتداء و إن زالت بقاء بسوء الاختيار.

و بتعبير آخر: إنّ الإنسان الذي أصبح عاجزا بالفعل- سواء كان عجزه عن اختيار منه أم لا- لا يصحّ توجيه الخطاب إليه؛ لأنّه لا يصحّ تحرّكه و انبعاثه نحو الفعل حال العجز و ارتفاع القدرة.

و من هنا أضافوا إلى ما تقدّم أنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا و لكنّه ينافيه خطابا.

بمعنى أنّ الاضطرار مهما كان سببه و منشؤه فهو ينافي الخطاب و التكليف بسبب ارتفاع القدرة التي هي شرط في التكليف، و شرطيّتها للتكليف ليست كشرطيّة القدرة في الإدانة تكفي حدوثا و إن زالت بقاء، بل هي شرطيّة لا بدّ من تحقّقها و وجودها حال توجّه الخطاب.

و الصحيح: أنّهم إن قصدوا بسقوط التكليف سقوط فاعليّته و محركيّته فهذا واضح؛ إذ لا يعقل محركيّته مع العجز الفعلي، و لو كان هذا العجز ناشئا من العصيان.

و إن قصدوا سقوط فعليّته فيرد عليهم: أنّ الوجوب المجعول إنّما يرتفع إذا كان مشروطا بالقدرة ما دام ثابتا، فحيث لا قدرة بقاء لا وجوب كذلك، و أمّا إذا كان مشروطا بالقدرة بالقدر الذي يحقّق الإدانة و المسئوليّة فهذا حاصل بنفس حدوث القدرة في أوّل الأمر، فلا يكون الوجوب في بقائه منوطا ببقائها.

و الصحيح: أنّ ما ذكره المشهور من أنّ ارتفاع القدرة مطلقا ينافي التكليف غير

41

مقبول؛ و ذلك لأنّه إن أريد من سقوط التكليف سقوطه عن الفاعليّة و المحركيّة، بمعنى أنّ العاجز مهما كان منشأ عجزه و سببه فهو لن يتحرّك نحو الفعل فلا محركيّة للخطاب نحو متعلّقه، فهذا المعنى صحيح و نحن نقبله أيضا، و لكنّه لا يعني سقوط الخطاب عن الفعليّة.

بمعنى أنّ الخطاب لا يزال موجودا و فعليّا بحيث لو ارتفع عجزه لصار محرّكا و باعثا له نحو الفعل، و لا يحتاج معه إلى خطاب آخر، بل لو فرض سقوط الخطاب رأسا لم يحكم العقل بالإدانة و العقل؛ لأنّ حكمه بها كان لأجل خروج المكلّف عن حقّ الطاعة، فحيث لا تكليف لا حقّ طاعة فلا عقاب.

و أمّا إن أريد من سقوط الخطاب سقوطه عن الفعليّة رأسا، فمع العجز يسقط الخطاب بحقّ العاجز فلا يكون مكلّفا بشي‏ء من حين عجزه، فهذا غير مقبول؛ و ذلك لأنّ القدرة التي هي شرط في التكليف و الحكم كما تقدّم، إن قيل بأنّها شرط في التكليف ما دام التكليف ثابتا فيكون سقوط التكليف رأسا حين ارتفاع القدرة و لو في الأثناء صحيحا.

إلا أنّ شرطيّة القدرة في التكليف ليست بهذا المعنى، و إنّما هي بمعنى آخر و هو أنّ القدرة شرط في التكليف بالمقدار الذي يكون مصحّحا للعقاب و الإدانة، فإنّه لا تصحّ الإدانة إذا لم يكن هناك تكليف، و الإدانة مشروطة بالقدرة، إذا فالتكليف مشروط بالقدرة أيضا، و لكن بمقدار شرطيّتها في الإدانة لا أكثر.

فالعقل يحكم باستحقاق من كان قادرا على الامتثال فلم يمتثل للعقاب و الإدانة، لأنّه كان قادرا و لأنّه كان مكلّفا و كان قادرا حين توجّه الخطاب إليه، فإذا عجّز نفسه أو صار عاجزا بسوء الاختيار بقيت الإدانة ثابتة، و معها يكون التكليف باقيا؛ لأنّه إنّما يعاقب على تكليف لم يمتثله.

فلا بدّ من فرض بقاء التكليف ليصحّ إدانته، و أمّا إنّ التكليف مشروط بالقدرة بمعنى أنّ بقاء التكليف في عمود الزمان مشروط ببقاء القدرة كذلك فهذا غير تام و لا دليل عليه عقلا، بل الصحيح هو كفاية القدرة حدوثا.

و البرهان على أنّ اشتراط القدرة في التكليف لا يقتضي أكثر من ذلك و هو أنّ التكليف قد جعل بداعي التحريك المولوي، و لا تحريك مولوي إلا مع الإدانة، و لا

42

إدانة إلا مع القدرة حدوثا، فما هو شرط التكليف إذن بموجب هذا البرهان هو القدرة حدوثا.

و من هنا صحّ أن يقال: إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي إطلاق الخطاب و الوجوب المجعول أيضا؛ تبعا لعدم منافاته للعقاب و الإدانة.

و الدليل على كفاية القدرة حدوثا و عدم اشتراط بقائها هو: أنّ التكليف قد جعل بداعي البعث و التحريك من المولى كما تقدّم، و حينئذ يحكم العقل بوجوب التحرّك و الانبعاث عن أمر المولى و تكليفه و لزوم إطاعته و امتثاله و استحقاق العقوبة على مخالفته و عصيانه.

و هذا معناه أنّ التحريك المولوي يستلزم الإدانة و العقاب على المخالفة، فحيث ثبتت المحركيّة تثبت الإدانة، و إذا انتفت المحركيّة تنتفي الإدانة أيضا، فهما أمران متلازمان ثبوتا و انتفاء.

و لكن حيث إنّ القدرة شرط في الإدانة حدوثا فيكفي أن يكون المكلّف قادرا على الفعل ابتداء، و إن زالت قدرته عليه بقاء، فيكون مدانا لو لم يمتثل، فكذلك التكليف المولوي؛ لأنّ المحركيّة لمّا كانت ملازمة للإدانة فلا بدّ أن تكون مشروطة بالقدرة بنفس القدر الذي اشترطت فيه الإدانة، و هو القدرة حدوثا و إن زالت بقاء؛ لأنّه لو كانت القدرة في التكليف شرطا بقاء أيضا فإذا زالت لا تكليف، فالمفروض حينئذ ألّا يكون مدانا أيضا؛ لأنّ الإدانة تنشأ عن مخالفة التكليف و هو خلف ما تقدّم.

إذا يتعيّن بهذا البرهان أنّ القدرة في التكليف كالقدرة في الإدانة يشترط وجودها حدوثا و إن ارتفعت بقاء.

و من هنا صحّ أن يقال: (إنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقابا و لا ينافيه تكليفا أيضا)، فالخطاب مطلق و يشمل القادر في تمام الوقت و يشمل القادر الذي زالت قدرته فيما بعد كالإدانة تماما.

نعم، لا أثر عمليّا لهذا الإطلاق، إذ سواء قلنا به أم لا، فروح التكليف محفوظة على كلّ حال، و فاعليّته ساقطة على كلّ حال، و الإدانة مسجّلة على المكلّف عقلا بلا إشكال.

و أمّا الفائدة و الأثر العملي بين القولين:

43

ذكرنا أنّه يوجد فارق بين القولين و لكنّه فارق نظري، فقول المشهور: من أنّ القدرة شرط بقاء في التكليف و قول السيّد الشهيد من كفاية اشتراطها حدوثا، يفترقان في مسألة بقاء التكليف على فعليته و عدمها فقط.

و أمّا عمليّا فسواء قلنا ببقاء التكليف على الفعليّة و كون الخطاب مطلقا و الوجوب المجعول شاملا للقادر بقاء و ابتداء، فالتكليف ساقط عن الفاعليّة و المحركيّة عمليّا و لا أثر له على المكلّف من ناحية العمل؛ لأنّه لن يتحقّق التحرّك و الانبعاث من المكلّف على كلّ حال، أي سواء كان التكليف ثابتا أم منتفيا ما دامت فاعليّته و محركيّته مرتفعة.

و كذلك بالنسبة لروح الحكم و التكليف من الملاك و المبادئ و الإرادة و الشوق المولوي فإنّها محفوظة على كلّ حال، فسواء كان هناك تكليف بحقّ العاجز بسوء الاختيار أم لا، إلا أنّ ملاكات و مبادئ التكليف موجودة بحقّه؛ لأنّ الفعل الذي عجز أو عجّز نفسه عنه لا تزال فيه مبادئ الحكم و لا يزال ملاك الحكم موجودا فيه و لا معنى لارتفاعه لمجرّد عجز المكلّف، فإنّ الشوق و الإرادة و الملاك لا يدور أمرها مدار قدرة المكلّف أو عجزه؛ إذ قد تتعلّق إرادة المولى بشي‏ء غير مقدور و يكون محبوبا له.

و هكذا بالنسبة للإدانة فإنّها مسجّلة على هذا المكلّف على كلّ حال أيضا؛ لأنّ العقل يحكم باستحقاق المكلّف الذي لم يمتثل أوامر المولى للعقاب؛ لأنّه كان قادرا على الامتثال فلم يفعل باختياره؛ و لأنّه سلب القدرة عن نفسه باختياره، و مع وجود الاختيار يصحّ العقاب و الإدانة.

و به يظهر أنّ المكلّف في حالات ارتفاع القدرة بسوء الاختيار يستحقّ العقاب سواء كان التكليف باقيا أم منتفيا، و روح الحكم محفوظة أيضا في الحالين، و الفاعليّة و المحركيّة مرتفعة في الحالتين أيضا.

***

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

الجامع بين المقدور و غيره‏

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

الجامع بين المقدور و غيره ما تقدّم حتّى الآن كان يعني أنّ التكليف مشروط بالقدرة على متعلّقه، فإذا كان متعلّقه بكلّ حصصه غير مقدور انطبقت عليه قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور.

و أمّا إذا كان متعلّقه جامعا بين حصّتين إحداهما مقدورة و الأخرى غير مقدورة، فلا شكّ أيضا في استحالة تعلّق التكليف بالجامع على نحو الإطلاق الشمولي، و أمّا تعلّقه بالجامع على نحو الإطلاق البدلي ففي انطباق القاعدة المذكورة عليه كلام بين الأعلام.

تقدّم أنّ التكليف بغير المقدور مستحيل عقلا، فإذا كان الفعل خارج قدرة المكلّف فلا يكلّف و لا يخاطب به و لا يعاقب على عدم امتثاله أيضا، إلا

أنّ غير المقدور يمكن تصوّره من ناحية تعلّق التكليف به على أنحاء:

[النحو] الأوّل: أن يكون التكليف منصبّا ابتداء و مباشرة على الشي‏ء غير المقدور بعينه‏

، و هذا هو الذي كان البحث السابق يتناوله.

و بتعبير آخر: إنّ متعلّق التكليف كان عنوانا بتمام حصصه غير مقدور و كان التكليف به بعينه، فهنا لا إشكال في الاستحالة.

[النحو] الثاني: أن يكون متعلّق التكليف عنوانا أي الجامع، بعض حصصه مقدورة و بعضها الآخر غير مقدورة

، فهنا لا بدّ من ملاحظة كيفيّة تعلّق الحكم، فإن كان الحكم متعلّقا بهذا العنوان الجامع بنحو الإطلاق الشمولي أو العموم الاستغراقي أو المجموعي فهو أيضا مستحيل؛ و ذلك لأنّ الإطلاق أو العموم الشموليين معناهما الانحلال لكلّ فرد فرد من أفراد العنوان، فكلّ حصّة يتعلّق بها حكم، فيكون من التكليف بغير المقدور و هو مستحيل كالقسم الأوّل.

48

[الجامع بين الحصص المقدورة و غير المقدورة هل هو مقدور أم ليس بمقدور؟]

و أمّا إن كان الحكم متعلّقا بالعنوان أي الجامع بنحو الإطلاق أو العموم البدلي بحيث يكون المطلوب حصّة واحدة من الحصص، فهنا نبحث في أنّ عنوان الجامع بين الحصص المقدورة و غير المقدورة و الذي تعلّق التكليف به هل هو مقدور فيعقل التكليف به، أم ليس بمقدور فيستحيل التكليف به؟ و هذا هو الذي وقع موردا للبحث عندهم على أقوال:

و قد ذهب المحقّق النائيني (رحمه الله)

(1)

إلى أنّ التكليف إذا تعلّق بهذا الجامع فيختصّ لا محالة بالحصّة المقدورة منه، و لا يمكن أن يكون للمتعلّق إطلاق للحصّة الأخرى؛ لأنّ التكليف بداعي البعث و التحريك و هو لا يمكن إلا بالنسبة إلى الحصّة المقدورة خاصّة، فنفس كونه بهذا الداعي يوجب اختصاص التكليف بتلك الحصّة.

القول الأوّل: ما ذهب إليه الميرزا النائيني من أنّ التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور مستحيل‏

؛ و ذلك لأنّ التكليف بمثل هذا الجامع سوف يسري إلى الحصّة المقدورة فقط دون الحصّة غير المقدورة، و ذلك باعتبار أنّ التكليف إنّما يجعل بداعي البعث و التحريك كما تقدّم، و الحصّة غير المقدورة لا يمكن التحرّك و الانبعاث نحوها للعجز فيكون مختصّا بالحصّة المقدورة؛ لأنّها التي يمكن الانبعاث و التحرّك نحوها.

و منه يظهر أنّ التكليف حتّى و إن فرض تعلّقه بالعنوان الجامع إلا أنّه في حقيقته و واقعه منصبّ على الحصّة المقدورة فقط، و لا يمكن شموله للحصّة غير المقدورة؛ لأنّ حقيقة الحكم و التكليف منتفية عنها، و لذلك يجب تأويل ما ظاهره التكليف بالجامع بين المقدور و غيره بالرجوع إلى التكليف بالحصّة المقدورة فقط، و أمّا الحصّة غير المقدورة فلا يسري إليها الوجوب من الجامع أصلا؛ لأنّ مبادئ الحكم و ملاكاته و روحه و هي البعث و التحريك منتفية عنها.

و ذهب المحقّق الثاني‏

(2)

- و وافقه جماعة من الأعلام‏

(3)

- إلى إمكان تعلّق‏

____________

(1) أجود التقريرات 1: 367.

(2) حكاه عنه المحقّق النائيني في أجود التقريرات 1: 367، و انظر: جامع المقاصد 5: 13- 14.

(3) راجع مطارح الأنظار: 119.

49

التكليف بالجامع بين المقدور و غيره على نحو يكون للواجب إطلاق بدلي يشمل الحصّة غير المقدورة؛ و ذلك لأنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور، و يكفي ذلك في إمكان التحريك نحوه، و هذا هو الصحيح.

القول الثاني: [التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور ممكن‏]

ما ذهب إليه المحقّق الثاني و جماعة من العلماء و اختاره السيّد الشهيد أيضا، من أنّ التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور ممكن؛ لأنّه مقدور للمكلّف؛ لأنّ التكليف بالجامع المذكور بنحو الإطلاق أو العموم البدلي معناه أنّ المكلّف مخيّر في تطبيق هذا الجامع على أيّة واحدة من حصصه، فالحصّة المقدورة كغير المقدورة يشملها هذا التخيير، غايته كون المكلّف في مقام التطبيق و الامتثال عمليّا لا يمكنه أن يختار إلا الحصّة المقدورة له، لعجزه عن الحصّة الأخرى.

و هذا المعنى من التخيير مقبول لدى العقل و العقلاء و العرف أيضا، و ليس داخلا في التكليف بغير المقدور؛ لأنّ الحصّة غير المقدورة لا يراد إسراء الحكم و التكليف إليها و إنّما يراد كونها مشمولة للتخيير فقط، بمعنى أنّ المكلّف في مقام الامتثال مخيّر بينها و بين غيرها و ليس امتثاله متعيّنا بحصّة خاصّة فقط، بحيث لو فرض ارتفاع عذره و عجزه عنها لأمكن تطبيق الجامع عليها تمسّكا بالتكليف بالجامع و لا يحتاج إلى أمر جديد.

و بتعبير آخر: إنّ التكليف انصبّ على الجامع فالمطلوب من المكلّف امتثال هذا الجامع و إيجاده في الخارج، فلا بدّ من ملاحظة قدرة المكلّف على إيجاد الجامع في الخارج هل هو ممكن له أم لا؟ و المفروض أنّه ممكن و لو ضمن الحصّة المقدورة. إذا فالتكليف بالجامع ممكن؛ لأنّه يمكن التحرّك و الانبعاث عنه و لو ضمن إحدى حصصه؛ إذ لا يشترط في الجمع أن تكون كلّ حصصه مقدورة و ضمن اختيار المكلّف؛ إذ من الواضح أنّ بعض حصص الجامع خارجة عن اختياره و لو من جهة عدم ابتلائه بها لبعدها عنه مثلا.

و ثمرة هذا البحث تظهر فيما إذا وقعت الحصّة غير المقدورة من الفعل الواجب صدفة و بدون اختيار المكلّف، فإنّه على قول المحقّق النائيني يحكم بعدم إجزائها و وجوب إتيان الجامع في ضمن حصّة أخرى؛ لأنّه يفترض اختصاص الوجوب‏

50

بالحصّة المقدورة، فما وقع ليس مصداقا للواجب، و إجزاء غير الواجب عن الواجب يحتاج إلى دليل.

و على قول المحقّق الثاني نتمسّك بإطلاق دليل الواجب لإثبات أنّ الوجوب متعلّق بالجامع بين الحصّتين، فيكون المأتي به فردا من الواجب فيحكم بإجزائه و عدم وجوب الإعادة.

الثمرة بين القولين:

و تظهر الثمرة بين القول باستحالة التكليف بالجامع بين المقدور و غير المقدور، و بين القول بإمكانه في موردين:

[المورد] الأوّل: لم يذكره السيّد الشهيد هنا، و هو

ما تقدّمت الإشارة إليه: من أنّ الحصّة غير المقدورة إذا صارت مقدورة للمكلّف لاحقا، فعلى القول باستحالة التكليف بالجامع بين المقدور و غيره، لم يكن هناك وجوب متعلّق بهذه الحصّة من أوّل الأمر؛ لأنّ الوجوب يسري من الجامع إلى الحصّة المقدورة ابتداء فقط، و لذلك يحتاج إيجابها إلى دليل آخر، بينما على القول بإمكانه لا نحتاج في إيجاب هذه الحصّة التي صارت مقدورة إلى دليل آخر، بل نتمسّك بنفس دليل التكليف بالجامع؛ لأنّه كان شاملا لها من أوّل الأمر، غايته كون المكلّف عاجزا عنها و الآن ارتفع عجزه.

[المورد] الثاني: ما يذكره السيّد الشهيد هنا

من أنّ الحصّة غير المقدورة إذا صدرت من المكلّف صدفة و من دون اختيار منه، فهل يحكم بإجزائها عن المأمور به فلا تجب الإعادة أو لا؟

و الجواب: أنّه على قول الميرزا من استحالة التكليف بالجامع بين المقدور و غيره لا يتحقّق الإجزاء بهذه الحصّة التي صدرت منه صدفة؛ لأنّها لم تكن مشمولة و لا داخلة في التكليف أصلا؛ لأنّ المفروض أنّ التكليف بالجامع يسري إلى الحصّة المقدورة فقط.

و أمّا الحصّة غير المقدورة فلا يمكن أن يتعلّق بها التكليف لا بنفسها و لا بعنوانها، فما وقع من المكلّف لم يكن مصداقا للواجب المأمور به، لأنّ مصداق الواجب المأمور به إنّما هو في الحصّة المقدورة و هذه ليست هي، فيكون إجزاؤها عن الواجب المأمور به محتاجا إلى دليل خاصّ؛ لأنّ بابه باب إجزاء غير الواجب عن الواجب، و هو يحتاج‏

51

إلى دليل خاصّ، و لا يكفي فيه التمسّك بنفس إطلاق دليل التكليف بالجامع؛ لأنّه مختصّ بالحصّة المقدورة فقط.

بينما على قول المحقّق الثاني من إمكان التكليف بالجامع بين المقدور و غيره، فيثبت الإجزاء و سقوط التكليف بهذه الحصّة التي أتى بها صدفة، و الوجه في ذلك هو أنّ دليل التكليف بالجامع كان شاملا من أوّل الأمر للحصّة غير المقدورة أيضا، غايته كون المكلّف عاجزا عن تطبيق عنوان الجامع عليها، و لكن لو ارتفع عذره كما في المورد الأوّل أو صدرت منه صدفة كما هنا لكان ممتثلا للمأمور به؛ لأنّ ما صدر منه يعتبر مصداقا للواجب المأمور به؛ لأنّه مطالب بالجامع و امتثال الجامع يكون بإيجاد إحدى حصصه أو أفراده، و هذه الحصّة من جملة أفراد الجامع فيكون إيجادها و لو من دون اختيار إيجادا للجامع، فيتحقّق الامتثال تمسّكا بإطلاق خطاب التكليف بالجامع و يحكم بالإجزاء و عدم وجوب الإعادة على القاعدة؛ لأنّ ما وقع هو نفسه المأمور به، و لا يحتاج إلى دليل جديد.

و الصحيح من القولين هو القول بإمكان التكليف بالجامع بين المقدور و غيره لما تقدّم.

***

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

شرطيّة القدرة بالمعنى الأعمّ‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}