شرح الحلقة الثالثة - ج5

- الشيخ حسن الفياض العاملي المزيد...
413 /
5

[بقية البحث في الأصول العملية]

الوظيفة عند الشكّ في الأقلّ و الأكثر

1- التقسيم الرئيسي للأقلّ و الأكثر

2- الأقلّ و الأكثر في الأجزاء

3- الأقلّ و الأكثر في الشرائط

4- الدوران بين التعيين و التخيير العقلي‏

5- الدوران بين التعيين و التخيير الشرعي‏

6- ملاحظات عامّة حول الأقلّ و الأكثر

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

التقسيم الرئيسي للأقلّ و الأكثر

درسنا فيما سبق حالة الشكّ في أصل الوجوب، و حالة العلم بالوجوب و تردّد متعلّقه بين أمرين متباينين.

فالأولى هي حالة الشكّ البدوي التي تجري فيها البراءة الشرعيّة.

و الثانية هي حالة الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي التي تجري فيها أصالة الاشتغال.

و الآن ندرس حالة العلم بالوجوب و تردّد الواجب بين الأقلّ و الأكثر، و هي على قسمين:

القسم الرابع من أقسام الشكّ هو الشكّ في الأقلّ و الأكثر.

تقدّم معنا سابقا تقسيم الشكّ إلى أقسام هي:

1- الشكّ البدوي في التكليف، كالشكّ في الوجوب أو الشكّ في الحرمة، و هذا الشكّ مجرى لأصالة البراءة العقليّة عند المشهور، و مجرى لأصالة البراءة الشرعيّة على مسلك حقّ الطاعة.

2- الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، و هذا مجرى لأصالة الاشتغال و الاحتياط.

3- الدوران بين المحذورين، إمّا بنحو الشكّ البدوي و إمّا بنحو الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، كما تقدّم سابقا، و هذا مجرى لأصالة البراءة عقلا و شرعا في القسم الأوّل، و مجرى لأصالة التخيير العقلي في الثاني دون البراءة الشرعيّة.

4- الشكّ في التكليف بين الأقلّ و الأكثر، و ذلك بأن يكون نفس التكليف معلوما تفصيلا و لكن يدور أمره بين أجزاء قليلة أو كثيرة.

و هذا النحو من الشكّ في الأقلّ و الأكثر على قسمين:

الأوّل: دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليين، و هو يعني أنّ ما يتميّز به‏

8

الأكثر على الأقلّ من الزيادة على تقدير وجوبه يكون واجبا مستقلّا عن وجوب الأقلّ، كما إذا علم المكلّف بأنّه مدين لغيره بدرهم أو بدرهمين.

القسم الأوّل: دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين.

و هذا يعني أنّ هناك واجبا و هو وجوب الأقلّ، و هناك واجب آخر و هو وجوب الأكثر، بحيث يكون كلّ منهما مستقلا عن الآخر، فإنّه على تقدير كون الواجب هو الأكثر فهذا يعني وجود وجوب آخر غير الأقلّ؛ لأنّ ما يتميّز به الأكثر عن الأقلّ يجعله وجوبا مستقلا.

كما إذا علم باشتغال ذمّته لشخص و تردّد أمره بين كون الواجب عليه درهما أو درهمين، فإنّه على تقدير كون الأكثر هو الواجب فهو مستقل عن الأقلّ؛ لأنّ الدرهمين غير الدرهم و هكذا العكس، فكلّ واحد مستقلّ عن الآخر.

الثاني: دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين، و هو يعني أنّ هناك وجوبا واحدا له امتثال واحد و عصيان واحد، و هو إمّا متعلّق بالأقلّ أو بالأكثر، كما إذا علم المكلّف بوجوب الصلاة و تردّدت الصلاة عنده بين تسعة أجزاء و عشرة.

القسم الثاني: دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين:

و هذا يعني أنّ هناك وجوبا واحدا و تكليفا واحدا واجب الامتثال و الإطاعة، بحيث تكون هناك مخالفة واحدة و عصيان واحد، أو امتثال و إطاعة واحدة.

و هذا يعني أيضا أنّ وجوب الأكثر ليس مستقلّا عن وجوب الأقلّ، بل هو الأقلّ و زيادة؛ إذ لا معنى لوجوب الزيادة لوحدها مستقلّة عن الأقلّ، بل وجوبها مرتبط بالأقلّ أيضا.

مثاله: أن يعلم بوجوب الصلاة و لكنّه لا يعلم هل الصلاة مركّبة من تسعة أجزاء فقط أو هي مركّبة من عشرة أجزاء، فهنا الشكّ في الجزء العاشر لا يعني أنّه هو الواجب دون سائر الأجزاء؛ لأنّ العشرة مرتبطة بالتسعة إذ لا يتصوّر عشرة من دون تسعة، فلو كان هذا الجزء دخيلا لم يكف امتثال الأقلّ و إن لم يكن دخيلا كفى امتثاله من دون العاشر.

أمّا القسم الأوّل: فلا شكّ في أنّ وجوب الأقلّ فيه منجّز بالعلم، و أنّ وجوب‏

9

الزائد مشكوك بشكّ بدوي، فتجري عنه البراءة عقلا و شرعا أو شرعا فقط، على الخلاف بين المسلكين.

أمّا القسم الأوّل أي الشكّ في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين، فهنا يقال: إنّ وجوب الأقلّ معلوم تفصيلا و على كلّ تقدير؛ لأنّ الواجب لو كان الدرهم فقط فالأقلّ هو الثابت بنحو مستقلّ، و إن كان الثابت هو الدرهمين فالأقلّ أي الدرهم ثابت أيضا ضمن الدرهمين؛ إذ لا يعقل وجود درهمين من دون الدرهم، فيكون الأقلّ منجّزا على كلّ تقدير للعلم به.

و أمّا وجوب الأكثر فإنّه على تقدير كون الواجب هو الأقلّ فهو غير ثابت، و على تقدير كون الواجب هو الدرهمين فهو ثابت، و حيث لا يدري ما هو الثابت منهما فيكون الأكثر مشكوكا شكّا بدويّا، فتجري فيه البراءة العقليّة و الشرعيّة على رأي المشهور، و تجري فيه البراءة الشرعيّة دون العقليّة على مسلك حقّ الطاعة.

و أمّا القسم الثاني: فتندرج فيه عدّة مسائل نذكرها تباعا:

***

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الأجزاء

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

1- الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الأجزاء

و في مثل ذلك قد يقال: بأنّ حاله حال القسم الأوّل، فإنّ وجوب الأقلّ منجّز بالعلم، و وجوب الزيادة- أي ما يشكّ في كونه جزءا- مشكوك بدوي فتجري عنه البراءة؛ لأنّ هذا هو ما يقتضيه الدوران بين الأقلّ و الأكثر بطبعه، فإنّ كلّ دوران من هذا القبيل يتعيّن في علم بالأقلّ و شكّ في الزائد.

إذا تردّد أمر الواجب المركّب من أجزاء بين الأقلّ و الأكثر كما إذا علم بوجوب الصلاة و شكّ في كونها مركّبة من تسعة أجزاء فقط أو أنّها مركّبة من عشرة أجزاء، فهنا مرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في دخالة الجزء و عدم دخالته، كما إذا شكّ في كون السورة جزءا من الصلاة أو ليست بجزء، فإنّه على تقدير كونها جزءا فتكون الصلاة مركّبة من عشرة أجزاء مثلا، و أمّا على تقدير كونها ليست جزءا فالصلاة مركّبة من تسعة أجزاء.

فهل هذا الدوران كالدوران بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين يقتصر فيه على وجوب الأقلّ و تجري البراءة عن وجوب الأكثر، أو أنّه من الدوران بين المتباينين حيث يعلم إجمالا بالجامع بينهما فيجب الاحتياط؟

قد يقال: إنّ حكم هذه المسألة كحكم المسألة السابقة؛ لأنّ وجوب الأقلّ معلوم تفصيلا سواء كان الواجب هو الأقلّ أو الأكثر، فيعلم بوجوب تسعة أجزاء على كلّ حال، فهو منجّز على كلا التقديرين و لا شكّ فيه.

و أمّا وجوب الأكثر (أي الجزء المشكوك دخالته) فهو على بعض التقادير واجب و على التقدير الآخر غير واجب، فيكون مشكوكا شكّا بدويّا فتجري فيه البراءة.

و بتعبير آخر: أنّ القاعدة الأوّليّة في الأقلّ و الأكثر هي كون الأقلّ معلوما تفصيلا،

14

و الأكثر مشكوك بدوا و هو مجرى للبراءة، و هذه القاعدة لا يرفع اليد عنها إلا بوجود مانع يمنع من جريان البراءة.

و عليه ينصبّ البحث هنا في أنّه هل هناك مانع من جريان البراءة أو لا؟

و لكن قد يعترض على إجراء البراءة عن وجوب الزائد في المقام، و يبرهن على عدم جريانها بعدّة براهين:

و هنا ذكرت عدّة موانع عن جريان البراءة، و هذا يعني أنّ الحكم في المسألة هو الاحتياط و لزوم الإتيان بالأكثر، و سوف نستعرض هذه الموانع لنرى مدى مانعيّتها من جريان البراءة، و هنا ذكرت ستّة براهين للمنع من جريان البراءة، و هي:

البرهان الأوّل: و هو يقوم على أساس دعوى وجود العلم الإجمالي المانع عن إجراء البراءة

،

و ليس هو العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو وجوب الزائد لينفى ذلك بأنّ وجوب الزائد لا يحتمل كونه بديلا عن الأقلّ، فكيف يجعل طرفا مقابلا له في العلم الإجمالي؟ بل هو العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو وجوب الأكثر المشتمل على الزائد، و معه لا يمكن إجراء الأصل لنفي وجوب الزائد لكونه جزءا من أحد طرفي العلم الإجمالي.

البرهان الأوّل: أن يقال: إنّه لا يمكن إجراء البراءة هنا؛ لأنّه يوجد علم إجمالي منجّز، و مع وجوده لا مجال للبراءة؛ لأنّ موردها الشكّ البدوي.

و هذا العلم الإجمالي ليس هو العلم الإجمالي الدائر بين وجوب الأقلّ و وجوب العاشر، أي أنّه ليس دائرا بين التسعة و العاشر، ليقال بأنّ وجوب الأقلّ معلوم على كلّ حال و العاشر مشكوك فتجري عنه البراءة؛ لأنّ العاشر لا يمكن أن يقع طرفا مستقلا للعلم الإجمالي بنحو يكون بديلا عن الأقلّ؛ لأنّ العلم الإجمالي معناه أنّ كلا طرفيه صالح لأن يكون هو التكليف المعلوم بالإجمال، فإذا علم بنجاسة أحد الإناءين مثلا كان كلّ واحد من الإناءين صالحا لأن يكون هو النجس، و كذا فيما إذا علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة.

و في مقامنا لا يعقل أن يكون الجزء العاشر صالحا لأن يكون هو التكليف المعلوم بالإجمال بنحو يجعله بديلا عن وجوب الأقلّ؛ إذ لا معنى لوجوب العاشر فقط دون الأقلّ.

15

و بتعبير آخر: إنّ كون الشي‏ء طرفا للعلم الإجمالي معناه كونه صالحا لأن يكون هو المنجّز بدلا عن الطرف الآخر، و هنا العاشر لوحده لا يمكن أن يكون هو المنجّز بنحو بديل عن التسعة؛ إذ لا معنى لوجوب العاشر دون التسعة.

و هكذا نصل إلى أنّ العلم الإجمالي ليس دائرا بين وجوب الأقلّ و وجوب الزائد لوحده، بل هو دائر بين وجوب الأقلّ أو وجوب الأكثر، أي بين وجوب التسعة و التي هي كلّ واحد مترابط، و بين وجوب العشرة و التي هي كلّ واحد مترابط أيضا، و هذا يعني الدوران بين متباينين و كلّ واحد منهما صالح لأن يكون هو المنجّز؛ إذ كما يمكن أن يكون الوجوب متعلّقا بالتسعة كذلك يمكن أن يكون متعلّقا بالعشرة المركّبة من التسعة و الزيادة.

و مثل هذا العلم الإجمالي منجّز فيجب الاحتياط بالإتيان بالعشرة لكي يعلم ببراءة ذمّته يقينا، حيث إنّها مشتغلة يقينا بالتكليف؛ لأنّ الاكتفاء بالأقلّ من دون الإتيان بالجزء العاشر لا يجعل الذمّة بريئة.

و لا يمكن هنا نفي الجزء العاشر الزائد بنحو مستقلّ؛ لأنّه مرتبط بالأجزاء التسعة المكوّنة لوجوب الأكثر و نفيه ضمن نفي وجوب الأكثر غير ممكن أيضا؛ لأنّه طرف للعلم الإجمالي و الذي يمنع من جريان الأصول الترخيصيّة في طرفيها للتعارض بينهما.

و قد أجيب على هذا البرهان بوجوه:

منها: أنّ العلم الإجمالي المذكور منحلّ بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير؛ لأنّ الواجب إن كان هو الأقلّ فهو واجب نفسي و إن كان الواجب هو الأكثر فالأقلّ واجب غيري؛ لأنّه جزء الواجب و جزء الواجب مقدّمة له.

ثمّ إنّه قد ذكرت عدّة أجوبة على هذا البرهان نذكر منها ما يلي:

الجواب الأوّل: ما ذكره الشيخ الأنصاري كما هو ظاهر عباراته من أنّ هذا العلم الإجمالي منحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ و الشكّ البدوي في وجوب الأكثر.

و توضيحه: أنّ الأقلّ إن كان هو الواجب فالأقلّ واجب نفسي، و إن كان الواجب هو الأكثر فالأقلّ واجب غيري؛ لأنّه داخل في الأكثر؛ إذ هو من المقدّمات الداخليّة

16

لتحقّق الأكثر، و عليه فيكون وجوب الأقلّ معلوما على كلّ تقدير؛ لأنّه إمّا واجب نفسي، و إمّا واجب غيري، فيكون وجوبه معلوما على كلا التقديرين، فهو منجّز قطعا، و لا شكّ في ذلك.

و أمّا الأكثر فهو إنّما يكون واجبا على تقدير تعلّق المعلوم بالإجمال به بحيث يكون هو المعلوم إجمالا لا وجوب الأقلّ، و هذا التقدير غير معلوم فيكون مشكوكا بدوا فتجري عنه البراءة.

و لا مانع من جريان البراءة هنا لانحلال العلم الإجمالي إما حقيقة و إمّا حكما؛ و ذلك لأنّنا إذا قلنا: إنّ الأقلّ معلوم تفصيلا فيسري العلم من الجامع إلى الفرد، و يكون الفرد الثاني مشكوكا بدوا لزوال العلم الإجمالي فهذا انحلال حقيقي، و إذا قلنا: إنّ الأصل الترخيصي يجري في وجوب الأكثر دون الأقلّ؛ لأنّ الأقلّ منجّز على كلّ تقدير فلا مورد لجريان الأصل فيه فيجري الأصل في الأكثر من دون معارض فهذا انحلال حكمي.

و نلاحظ على هذا الوجه: أنّه إن أريد به هدم الركن الثاني من أركان تنجيز العلم الإجمالي.

فالجواب عليه: أنّ الانحلال إنّما يحصل إذا كان المعلوم التفصيلي مصداقا للجامع المعلوم بالإجمال كما تقدّم‏

(1)

، و ليس الأمر في المقام كذلك لأنّ الجامع المعلوم بالإجمال هو الوجوب النفسي و المعلوم التفصيلي وجوب الأقلّ و لو غيريّا، و إن أريد به هدم الركن الثالث بدعوى أنّ وجوب الأقلّ منجّز على أي حال و لا تجري البراءة عنه فتجري البراءة عن الآخر بلا معارض.

فالجواب عليه: أنّ الوجوب الغيري لا يساهم في التنجيز كما تقدّم في مباحث المقدّمة

(2).

و يرد عليه: أنّ الانحلال المذكور تارة يراد به الانحلال الحقيقي، و أخرى يراد به الانحلال الحكمي.

____________

(1) تحت عنوان: أركان منجّزيّة العلم الإجمالي، عند بيان الركن الثاني.

(2) في بحث الدليل العقلي من الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة، تحت عنوان: خصائص الوجوب الغيري.

17

فإن أريد به الانحلال الحقيقي بدعوى أنّ الركن الثاني منهدم و أنّ العلم سرى من الجامع إلى الفرد، فهذا يتوقّف على إثبات أنّ المعلوم التفصيلي مصداق للمعلوم الإجمالي، أو على الأقلّ يصلح لأن يكون مصداقا له مع عدم وجود ميزة و خصوصيّة في المعلوم الإجمالي، و إلا اشترط إحرازها في المعلوم التفصيلي.

و في مقامنا لا يمكن أن يكون المعلوم التفصيلي مصداقا للمعلوم الإجمالي؛ و ذلك لأنّه يوجد ميزة في المعلوم الإجمالي لا يحرز وجودها في المعلوم التفصيلي فيكون هناك شبهة مصداقيّة للانحلال، فلا يمكن التمسّك بدليل الانحلال فيها؛ لأنّه من التمسّك بالعامّ لإثبات مصداقه و هو ممنوع.

و الوجه في ذلك: أنّ المعلوم التفصيلي هو وجوب الأقلّ على كلّ تقدير سواء كان نفسيّا أم غيريّا، بينما المعلوم إجمالا هو وجوب الأقلّ نفسيّا أو وجوب الأكثر نفسيّا، و الأوّل ليس مصداقا للثاني.

نظير ما إذا علم إجمالا بوجود إنسان طويل في المسجد، ثمّ علم تفصيلا بوجود زيد في المسجد و لكنّه لا يعلم هل هو طويل أو قصير؟ فهذا لا يوجب الانحلال الحقيقي لوجود ميزة و خصوصيّة في المعلوم بالإجمال غير محرزة في المعلوم التفصيلي، و هنا كذلك فإنّ ميزة النفسيّة المعلومة إجمالا غير محرزة تفصيلا؛ لأنّ الأمر فيه مردّد بين النفسي و الغيري.

و إن أريد به الانحلال الحكمي بدعوى أنّ الركن الثالث منهدم، أي أنّ الأصول الترخيصيّة تجري لنفي وجوب الأكثر و لا تعارضها الأصول الترخيصيّة في الأقلّ؛ لأن الأقلّ منجّز على كلّ تقدير، فلا مورد للأصول الترخيصيّة فيه، فهذا يتوقّف على إثبات كون الأقلّ منجّزا على كلّ تقدير، إلا أنّ هذا لا يمكن إثباته هنا.

و الوجه في ذلك: أنّ الأقلّ لو كان واجبا نفسيّا فهو منجّز، لكنّه لو كان واجبا غيريّا فهو غير منجّز بمنجّز مستقلّ، بل منجّزيّته ضمن منجّزيّة الأكثر؛ لأنّ الواجب الغيري لا ينجّز التكليف على ذمّة المكلّف بقطع النظر عن الواجب المرتبط به، فلا يكون وجوب الأقلّ منجّزا على كلّ تقدير، و إنّما يكون منجّزا على تقدير كونه واجبا نفسيّا فقط.

و أمّا على تقدير كونه واجبا غيريّا فالمنجّزيّة لوجوب الأكثر و التي يترشّح منها

18

وجوب غيري للمقدّمات و الأجزاء، و لذلك لا يعاقب على ترك المقدّمات زائدا على ترك الواجب.

و بتعبير آخر: إنّ وجوب المقدّمة لا يكون منجّزا إلا بفرض منجّزيّة ذي المقدّمة نفسه، و هنا إذا فرضنا كون الأقلّ واجبا غيريّا من باب كونه مقدّمة داخليّة للأكثر، فلا يكون منجّزا إلا بعد إحراز منجّزيّة الأكثر، و المفروض أنّ وجوب الأكثر و منجّزيّته مشكوكة للعلم الإجمالي إمّا بوجوبه أو بوجوب الأقلّ، و حيث إنّه لا يعلم بوجوبه فلا يعلم بوجوب الأقلّ الغيري بل هو مشكوك، و حينئذ لا يكون وجوب الأقلّ معلوما على كلّ تقدير لكي لا تجري فيه الأصول الترخيصية، بل هو معلوم على بعض التقادير فقط، فحاله حال وجوب الأكثر فإنّه معلوم على بعض التقادير أيضا، و لذلك تكون الأصول الترخيصيّة نسبتها إليهما على حدّ واحد فتجري فيهما معا، و يقع التعارض بينهما و يحكم بتساقطهما، فيكون العلم الإجمالي على منجّزيّته و لم ينهدم ركنه الثالث.

و منها: أنّ العلم الإجمالي المذكور منحلّ بالعلم التفصيلي بالوجوب النفسي للأقلّ؛ لأنّه واجب نفسا إمّا وحده أو في ضمن الأكثر، و هذا المعلوم التفصيلي مصداق للجامع المعلوم بالإجمال فينحلّ العلم الإجمالي به.

الجواب الثاني: ما يستفاد أيضا من كلمات الشيخ الأنصاري من دعوى الانحلال الحقيقي بتقريب: أنّ العلم الإجمالي هو العلم بالتكليف النفسي الدائر بين الأقلّ و الأكثر، و هذا العلم منحلّ بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ النفسي؛ و ذلك لأنّ الواجب إمّا أن يكون هو الأقلّ فقط فهذا من الواضح كونه واجبا نفسيّا؛ لأنّه واجب استقلالي برأسه، و إمّا أن يكون في ضمن وجوب الأكثر، و هذا واجب نفسي أيضا؛ لأنّ الوجوب الضمني واجب نفسي لا غيري، أي أنّ الوجوب المتعلّق بالمركّب ينحلّ بالتضمّن إلى وجوبات نفسيّة ضمنيّة بعدد الأجزاء، فوجوب التسعة و التي هي الأقلّ واجبة ضمنا بالوجوب النفسي.

و حينئذ نقول: إنّ الخصوصيّة و الميزة الموجودة في المعلوم الإجمالي و هو كون الواجب نفسيّا يعلم بوجودها تفصيلا في الأقلّ؛ لأنّه واجب نفسيّا إما مستقلّا و إمّا ضمنا، و لذلك يسري العلم من الجامع إلى الفرد فيتنجّز، بينما الفرد الآخر مشكوك بدوا فتجري فيه الأصول الترخيصيّة بلا محذور.

19

و قد يجاب على هذا الانحلال بأجوبة نذكر فيما يلي مهمّها:

الجواب الأوّل: أنّ الجامع المعلوم إجمالا هو الوجوب النفسي الاستقلالي إمّا للأقلّ أو للأكثر، و ما هو معلوم بالتفصيل في الأقلّ هو الوجوب النفسي و لو ضمنا، فلا انحلال.

و أورد على هذا الجواب بإيرادات عديدة نذكر أهمّها:

الأوّل: أنّ المعلوم بالإجمال يشتمل على خصوصيّة و ميزة غير محرزة الوجود في المعلوم بالتفصيل، و ذلك لأنّ المعلوم إجمالا هو الوجوب النفسي الاستقلالي إما للأقلّ و إمّا للأكثر؛ لأنّ الأمر مردّد بين وجوب الأقلّ بحدّه و بين وجوب الأكثر بحدّه، يعني إمّا هذا بنحو مستقلّ و إمّا ذلك بنحو مستقلّ، ففي الدقّة يوجد خصوصيّتان معلومتان بالإجمال إحداهما كون الواجب نفسيّا، و الأخرى كونه استقلاليّا.

و أمّا المعلوم بالتفصيل فهو وجوب الأقلّ النفسي المردّد بين الاستقلالي و الضمني؛ لأنّ الواجب النفسي إن كان هو الأقلّ فهو واجب نفسي استقلالي، و إن كان الواجب النفسي هو الأكثر فالأقلّ واجب نفسي ضمني، و حينئذ لا تكون خصوصيّة الاستقلاليّة محرزة الوجود في الأقلّ المعلوم تفصيلا مع أنّها محرزة و دخيلة قطعا لكون العلم الإجمالي مشتملا عليها، و حيث إنّه لا توجد ميزة كذلك فلا يصلح المعلوم التفصيلي للانحلال الحقيقي.

و بتعبير آخر: إنّ حدّ الاستقلاليّة دخيل في المعلوم الإجمالي، و هذا الحدّ لا بدّ من إحرازه تفصيلا لكي يحصل الانحلال الحقيقي.

و في مقامنا لا يحرز وجود هذا الحدّ تفصيلا للتردّد بين الاستقلاليّة و الضمنيّة فلا انحلال إذن.

و يلاحظ: أنّ الاستقلاليّة معنى منتزع من حدّ الوجوب و عدم شموله لغير ما تعلّق به، و الحدّ لا يقبل التنجّز و لا يدخل في العهدة، و إنّما يدخل فيها و يتنجّز ذات الوجوب المحدود، فالعلم الإجمالي بالوجوب النفسي الاستقلالي و إن لم يكن منحلّا، و لكنّ معلوم هذا العلم لا يصلح للدخول في العهدة لعدم قابليّة حدّ الوجوب للتنجّز، و العلم الإجمالي بذات الوجوب المحدود بقطع النظر عن حدّ

20

الاستقلاليّة هو الذي ينجّز معلومه و يدخله في العهدة، و هذا العلم منحلّ بالعلم التفصيلي المشار إليه.

و يرد عليه: أنّ حدّ الاستقلاليّة منتزع من الوجوب، و معناها أنّ هذا الوجوب لا يتعدّى إلى أكثر ممّا تعلّق به و لا يشمل غيره، و ليست حدّا لمتعلّق الوجوب أي للأقلّ أو للأكثر، فهنا أمران:

1- أن نقول: إنّ حدّ الاستقلاليّة حدّ لنفس الأقلّ و لنفس الأكثر، فيكون المراد أنّ الأقلّ بهذا الحدّ هو الواجب فيكون الإتيان بالجزء العاشر مخلّا بتحقّق الأقلّ؛ لعدم الحفاظ على استقلاليّته، و إمّا من جهة الأكثر فيكون حدّ الاستقلاليّة أنّه يجب الإتيان بالعشرة لا أقلّ فيكون العاشر جزءا دخيلا و عدم وجوده يخلّ بالأكثر.

و حينئذ يكون الأمر دائرا بين كون العاشر مانعا أو جزءا، و هذا خروج عن محلّ الكلام؛ لأنّه إن كان الواجب هو الأقلّ بحدّه الاستقلالي فالعاشر مانع و إن كان الواجب هو الأكثر بحدّه الاستقلالي فالعاشر جزء.

2- أن نقول: إنّ حدّ الاستقلاليّة حدّ لنفس الوجوب، أي أنّه منتزع من وجوب الأقلّ أو وجوب الأكثر، بمعنى أنّ وجوب الأقلّ أو الأكثر واجب لنفسه لا لغيره، فهذا صحيح، إلا أنّ حدّ الاستقلاليّة و إن كان معلوما بالإجمال و لكنّه لا يدخل في العهدة و لا تشتغل به الذمّة؛ لأنّه وصف ينتزع من وجود الأقلّ أو الأكثر، فوجوده في طول وجودهما، و هذا يعني أنّ الذمّة تشتغل بذات الوجوب لا بحدّه.

و حينئذ نقول: إنّ العلم الإجمالي المتعلّق بالوجوب النفسي الاستقلالي للأقلّ أو للأكثر، غير منحلّ حقيقة بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ إمّا استقلاليّا و إمّا ضمنيّا؛ لعدم إحراز الميزة الموجودة في العلم الإجمالي.

إلا أنّ المقصود من العلم الإجمالي كونه منجّزا و مدخلا للعهدة و الذمّة، فإذا لم يكن منجّزا لمعلومه فلا أثر له، و حيث إنّ حدّ الاستقلاليّة غير قابل للتنجيز و الدخول في العهدة فلا أثر للعلم الإجمالي به، و عليه فيكون العلم الإجمالي منجّزا للوجوب النفسي دون الاستقلاليّة، و هذا العلم الإجمالي منحلّ حقيقة للعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ النفسي على كلّ تقدير، أي سواء كان استقلاليّا أم ضمنيّا.

و الحاصل: أنّ حدّ الاستقلاليّة حيث لا يمكن دخوله في العهدة فوجوده و عدمه‏

21

على حدّ واحد، و لذلك لا يكون العلم الإجمالي به مانعا من الانحلال الحقيقي بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ النفسي و إن لم تحرز فيه خصوصيّة الاستقلاليّة؛ لأنّ إحرازها و عدم إحرازها لا أثر له في عالم الاشتغال و الدخول في العهدة.

الجواب الثاني: أنّ وجوب الأقلّ إذا كان استقلاليّا فمتعلّقه الأقلّ مطلقا من حيث انضمام الزائد و عدمه، و إذا كان ضمنيّا فمتعلّقه الأقلّ المقيّد بانضمام الزائد، و هذا يعني أنّا نعلم إجمالا إمّا بوجوب التسعة المطلقة أو التسعة المقيّدة، و المقيّد يباين المطلق، و العلم التفصيلي بوجوب التسعة على الإجمال ليس إلا نفس ذلك العلم الإجمالي بعبارة موجزة، فلا معنى لانحلاله به.

الإيراد الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني من المنع عن انحلال العلم الإجمالي حقيقة بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير؛ و ذلك لأنّ وجوب الأقلّ إذا كان استقلاليّا فالواجب هو التسعة مطلقا أي لا بشرط من حيث الزيادة، فسواء ضمّ إليها العاشر أم لا فالتسعة الواجبة متحقّقة، و أمّا إذا كان وجوب الأقلّ ضمنيّا فالواجب هو التسعة المقيّدة بالعاشر أي بشرط الجزء العاشر و الزيادة.

و هذا يعني أنّ وجوب الأقلّ يدور أمره بين كونه مطلقا أو كونه مقيّدا، و الإطلاق و التقييد وصفان متقابلان؛ لأنّ أحدهما مباين للآخر، إلا أنّ هذا العلم التفصيلي لا يحقّق الانحلال؛ لأنّه نفس العلم الإجمالي و عبارة أخرى عنه، إذ العلم بوجوب الأقلّ إمّا مطلقا و إمّا مقيّدا عبارة أخرى و موجزة و مختصرة عن العلم الإجمالي إمّا بوجوب التسعة و إمّا بوجوب العشرة، و الشي‏ء لا ينحلّ بنفسه بل بغيره.

و بتعبير آخر: إنّ العلم بوجوب الأقلّ مطلقا عبارة عن العلم بوجوب التسعة، و العلم بوجوب الأقلّ مقيّدا عبارة عن العلم بوجوب العشرة، فكان العلم التفصيلي عين العلم الإجمالي و عبارة أخرى عنه و إن اختلفت الألفاظ و التعبيرات، إلا أنّ الحقيقة شي‏ء واحد.

و يلاحظ هنا أيضا: أنّ الإطلاق- سواء كان عبارة عن عدم لحاظ القيد أو لحاظ عدم دخل القيد- لا يدخل في العهدة؛ لأنّه يقوّم الصورة الذهنيّة، و ليس له محكي و مرئي يراد إيجابه زائدا على ذات الطبيعة، بخلاف التقييد.

فإن أريد إثبات التنجيز للعلم الإجمالي بالإطلاق أو التقييد فهو غير ممكن؛ لأنّ‏

22

الإطلاق لا يقبل التنجّز، و إن أريد إثبات التنجيز للعلم الإجمالي بالوجوب بالقدر الذي يقبل التنجّز و يدخل في العهدة، فهو منحلّ.

و لكن سيظهر ممّا يلي أنّ دعوى الانحلال غير صحيحة.

و يرد عليه: أنّ حدّ الإطلاق- سواء كان معناه لحاظ عدم القيد أم كان معناه عدم لحاظ القيد- لا يدخل في العهدة و لا تشتغل به الذمّة؛ و ذلك لأنّ الإطلاق و التقييد وصفان للصور الذهنيّة فهما لحاظان ذهنيّان، لا وجود لهما في الخارج؛ لأنّه في الخارج إمّا أن يوجد المفهوم و الطبيعة الواجدة للجزء العاشر أو توجد الماهيّة و الطبيعة الفاقدة لهذا الجزء، و إنّما الذهن هو الذي ينتزع من الخارج هذين الوصفين و يجعلهما حدّين للصور الذهنيّة.

و حينئذ نقول: إنّ ما يدخل في العهدة و تشتغل به الذمّة إمّا الأجزاء التسعة و إمّا الأجزاء العشرة أي ذات الطبيعة، و أمّا وصف الإطلاق فلا يدخل في العهدة و لا تشتغل به الذمّة؛ لأنّه لا يوجد له مرئي و محكي في الخارج بخلاف التقييد فإنّه يحكي عن الخارج وجودا أو عدما.

و عليه، فإن أريد من العلم الإجمالي بوجوب التسعة المطلقة أو بوجوب التسعة المقيّدة إثبات التنجيز المردد بين الأمرين، فهذا غير معقول؛ لأنّ الإطلاق لا يقبل التنجيز فالعلم الإجمالي به لا يكون منجّزا؛ لأنّه ليس دائرا بين تكليفين، أو لأنّه غير صالح لتنجيز معلومه على كل تقدير، فلا يكون هناك علم إجمالي بجامع التكليف؛ لأنّ الجامع بين التنجيز و اللاتنجيز لا يكون منجّزا.

و إن أريد من هذا العلم الإجمالي إثبات التنجيز للقدر الذي يمكن دخوله في العهدة و يمكن اشتغال الذمّة به و هو ذات الطبيعة فهذا و إن كان ممكنا و صحيحا، إلا أنّ هذا العلم الإجمالي منحلّ حقيقة للعلم التفصيلي بوجوب التسعة أي الأقلّ على كلّ تقدير، فيكون الأكثر مشكوكا بدوا فتجري فيه البراءة.

إلا أنّ هذا الانحلال غير تامّ كما سيأتي توضيحه في الجواب الثالث عن البرهان الأوّل.

و منها: أنّه إن لوحظ العلم بالوجوب بخصوصيّاته التي لا تصلح للتنجّز- من قبيل حدّ الاستقلاليّة و الإطلاق- فهناك علم إجمالي و لكنّه لا يصلح للتنجيز.

23

و إن لوحظ العلم بالوجوب بالقدر الصالح للتنجّز فلا علم إجمالي أصلا، بل هناك علم تفصيلي بوجوب التسعة و شكّ بدوي في وجوب الزائد.

فالبرهان الأوّل ساقط إذن، كما أنّ دعوى الانحلال ساقطة أيضا؛ لأنّها تستبطن الاعتراف بوجود علمين لو لا الانحلال، مع أنّه لا يوجد إلا ما عرفت.

الجواب الثالث: و هو الصحيح في الجواب عن دعوى وجود العلم الإجمالي المنجّز الدائر بين الأقلّ و الأكثر، و حاصله: أنّ العلم الإجمالي المدّعى إمّا أن تلاحظ فيه الخصوصيّات جميعا، بما فيها تلك الحدود التي لا تقبل التنجيز و الدخول في العهدة و لا تصلح لاشتغال الذمّة بها، من قبيل وصفي الاستقلاليّة و الإطلاق؛ لأنّهما حدّان منتزعان و لا وجود لهما في الخارج، و إمّا ألّا تلاحظ فيه إلا الخصوصيّات التي تقبل التنجيز و الدخول في العهدة و اشتغال الذمّة.

فإن قيل بالأوّل فهذا العلم الإجمالي غير منحلّ بالعلم التفصيلي بالأقلّ؛ لأنّه لا يحرز وجود مثل هذه الخصوصيّات في الأقلّ؛ إذ الاستقلاليّة أو الإطلاق مشكوكان و الأقلّ مردّد بينهما، فهناك ميزة في الجامع المعلوم بالإجمال لا يحرز وجودها في المعلوم بالتفصيل، إلا أنّ هذا العلم الإجمالي الموجود غير منجّز؛ لأنّ الخصوصيّات المشتمل عليها و الدخيلة فيه بحسب الفرض غير منجّزة و لا تصلح للتنجيز أصلا، و لذلك لا يكون لمثل هذا العلم الإجمالي أثر، و بالتالي يسقط عن الاعتبار إذ لا منجّزيّة له؛ لأنّ الغرض من العلم الإجمالي إثبات التنجيز و هذا غير متحقّق في مقامنا.

و إن قيل بالثاني فالعلم الإجمالي المذكور لا وجود له؛ و ذلك لأنّ ما يقبل التنجيز و الدخول في العهدة هو الأقلّ أو الأكثر، أي التسعة أو العشرة، و هذا معناه أننا نعلم بوجوب التسعة تفصيلا و لو ضمن العشرة، و نشكّ في العاشر فتجري البراءة عنه، كما هو مقتضى الدوران بين الأقلّ و الأكثر.

و بهذا نثبت أنّ البرهان الأوّل ساقط؛ لعدم وجود علم إجمالي.

و من هنا يعرف أنّ دعوى انحلال العلم الإجمالي ساقطة أيضا؛ لأنّ هذه الدعوى تستبطن الاعتراف بكون العلم الإجمالي الأوّل منجّز ثمّ ينحلّ بالعلم التفصيلي المذكور، مع أنّنا أثبتنا أنّه لا وجود للعلم الإجمالي المنجّز؛ لأنّ العلم إذا دار بين الأقلّ‏

24

و الأكثر لم يكن منجّزا أصلا؛ لأنّه عبارة عن علم تفصيلي بالأقلّ و شكّ بدوي بالأكثر.

و منها: دعوى انهدام الركن الثالث؛ لأنّ الأصل يجري عن وجوب الأكثر أو الزائد و لا يعارضه الأصل عن وجوب الأقلّ؛ لأنّه إن أريد به التأمين في حالة ترك الأقلّ مع الإتيان بالأكثر فهو غير معقول؛ إذ لا يعقل ترك الأقلّ مع الإتيان بالأكثر، و إن أريد به التأمين في حالة ترك الأقلّ و ترك الأكثر بتركه رأسا فهو غير ممكن أيضا؛ لأنّ هذه الحالة هي حالة المخالفة القطعيّة و لا يمكن التأمين بلحاظها.

و هكذا نعرف أنّ الأصل المؤمّن عن وجوب الأقلّ ليس له دور معقول، فلا يعارض الأصل الآخر.

الجواب الرابع: ما ذكره السيّد الخوئي من الانحلال الحكمي لهذا العلم الإجمالي؛ و ذلك لاختلال الركن الثالث من أركان المنجّزيّة؛ إذ الأصل المؤمّن يجري لنفي وجوب الأكثر من دون معارض، لأنّ الأصل المؤمّن لا يجري في الأقلّ؛ لأنّ جريانه فيه غير ممكن، بتقريب: أنّ الأصل المؤمّن عن وجوب الأقلّ إن أريد به التأمين في حالة ترك الأقلّ و لكن بشرط الإتيان بالأكثر فهذا غير معقول؛ لأنّ الإتيان بالأكثر يستبطن الإتيان بالأقلّ فلا يعقل ترك الأقلّ حالة الإتيان بالأكثر، فكيف يتمّ التأمين من ناحيته مع أنّه لا بدّ من الإتيان به و لا يمكن تركه تكوينا و واقعا حالة الإتيان بالأكثر؟ فيكون التأمين عنه كذلك بلا أثر و بلا فائدة، بل غير معقول في نفسه، و لا يمكن صدوره من الشارع.

و إن أريد بجريان الأصل المؤمّن عن الأقلّ التأمين حالة ترك الأقلّ عند ترك الأكثر أيضا، أي أنّ المكلّف مؤمّن في ترك الأقلّ إذا ترك الأكثر أيضا، فهذا مستحيل و غير معقول؛ لأنّ التأمين المذكور يعني التأمين عند المخالفة القطعيّة؛ لأنّ ترك الأقلّ و ترك الأكثر معناه الوقوع في المخالفة القطعيّة.

و من الواضح أنّ التأمين عن المخالفة القطعيّة غير معقول، و لا يمكن صدوره من الشارع؛ لما تقدّم في الجزء السابق من عدم إمكان الترخيص لا الواقعي و لا الظاهري في موارد العلم التفصيلي بحكم العقل، و لا يمكن ذلك في موارد العلم الإجمالي عقلائيّا.

25

و بهذا يظهر أنّ الأصل المؤمّن عن الأقلّ مستحيل و لا معنى له فلا يجري، و لذلك يكون جريان الأصل المؤمّن عن وجوب الأكثر لا معارض له، و به يتحقّق الانحلال الحكمي للعلم الإجمالي.

و هذا بيان صحيح في نفسه، و لكنّه يستبطن الاعتراف بالركنين الأوّل و الثاني و محاولة التخلّص بهدم الركن الثالث، مع أنّك عرفت أنّ الركن الثاني غير تامّ في نفسه‏

.

و هذا الجواب و إن كان صحيحا في نفسه لكنّه يستلزم مسبقا الاعتراف بوجود علم إجمالي منجّز و تامّ، ثمّ يصار إلى إسقاطه عن المنجّزيّة بعدم ركنه الثالث.

إلا أنّ مثل هذا العلم الإجمالي المنجّز لا وجود له كما تقدّم في الجواب الثالث، أو منحلّ انحلالا حقيقيّا كما تقدّم في الجوابين الأوّل و الثاني، و حينئذ لا مجال للانحلال الحكمي أصلا.

البرهان الثاني: و البرهان الثاني يقوم على دعوى أنّ المورد من موارد الشكّ في المحصّل بالنسبة إلى الغرض‏

، و ذلك ضمن النقاط التالية:

أوّلا: أنّ هذا الواجب المردّد بين الأقلّ و الأكثر للمولى غرض معيّن من إيجابه؛ لأنّ الأحكام تابعة للملاكات في متعلّقاتها.

ثانيا: أنّ هذا الغرض منجّز لأنّه معلوم، و لا إجمال في العلم به، و ليس مردّدا بين الأقلّ و الأكثر و إنّما يشكّ في أنّه هل يحصل بالأقلّ أو بالأكثر؟

ثالثا: يتبيّن ممّا تقدّم أنّ المقام من الشكّ في المحصّل بالنسبة إلى الغرض، و في مثل ذلك تجري أصالة الاشتغال كما تقدّم‏

.

البرهان الثاني: ما لعلّه يظهر من صاحب (الكفاية) حيث ذكر نظير هذا الكلام في بحث التعبّدي و التوصّلي عند الشكّ فيهما، و دوران أمر الواجب بين كونه تعبّديّا أو توصّليّا.

و هذا البرهان يبتني على جعل المورد من موارد الشكّ في المحصّل لكن بلحاظ الغرض لا بلحاظ نفس التكليف، و لا بلحاظ الخروج عن العهدة، إذ الشكّ في المحصّل تارة يكون بلحاظ التكليف، و ذلك عند الشكّ فيما هو المكلّف به، و أخرى‏

26

يكون بلحاظ الخروج عن عهدة التكليف عند الشكّ في أنّ هذا مصداق للمكلّف به أو ذاك، و ثالثة يكون بلحاظ تحقيق الغرض المطلوب من التكليف.

و مقامنا من القسم الثالث من الشكّ في المحصّل، و توضيحه:

أوّلا: أنّ التكليف كما يدخل في العهدة و تشتغل به الذمّة كذلك يدخل في العهدة الغرض؛ لأنّ كلّ تكليف فيه غرض بناء على ما هو الصحيح عند مذهب العدليّة من أنّ الأحكام الشرعيّة كلّها تابعة للمفاسد و المصالح في متعلّقاتها، و في مقامنا حيث إنّ التكليف معلوم و لو إجمالا فيدخل في العهدة، فكذلك الغرض معلوم و يدخل في العهدة.

و الواجب هنا و إن كان مردّدا بين الأقلّ و الأكثر إلا أنّه على كلا التقديرين يعلم بوجود الغرض المولوي و اشتغال الذمّة به.

و ثانيا: أنّ الغرض يجب تحصيله كما أنّ التكليف يجب تحصيله أيضا، و ذلك على أساس حكم العقل بحقّ الطاعة و لزوم الامتثال، فإنّ هذا الحكم لا يختصّ بالتكليف، بل يشمل الغرض المطلوب من التكليف أيضا، فالغرض واجب إذن فيجب تحصيله أيضا.

و ثالثا: أنّ هذا الغرض الواجب تحصيله بحكم العقل ليس مردّدا بين الأقلّ و الأكثر كما هو حال التكليف، فإنّ التكليف مردّد بين الأقلّ و الأكثر و الأقلّ معلوم تفصيلا و الأكثر مشكوك بدوا فتجري عنه البراءة.

بينما الغرض شي‏ء واحد لا ترديد فيه و لا إجمال، و هذا الغرض الواحد يشكّ في تحقّقه و حصوله بالأقلّ؛ لأنّه لا يعلم هل يتحقّق بالأقلّ أو أنّه يتحقّق بالأكثر.

و بكلمة أخرى: أنّ الواجب مركّب من أجزاء لا يعلم هل هي تسعة أو عشرة؟

فيكون الواجب مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، إلا أنّ الغرض ليس مركّبا بل هو بسيط، و هذا يعني أنّ الأمر يدور بين وجوده أو عدمه أي أنّه هذا الغرض البسيط و الواحد هل يوجد بالأقلّ أو يوجد بالأكثر؟

و رابعا: إنّ المورد ما دام من موارد الشكّ في المحصّل بلحاظ الغرض، و ما دام هذا الغرض واحدا و بسيط أولا يعلم بتحققه عند الإتيان بالأقلّ، إذ بمجرّد الإتيان بالأقلّ لا يعلم بفراغ الذمّة يقينا و خروجها عن عهدة الغرض، فلا بدّ من الاحتياط و الإتيان بالأكثر؛ لأنّه هو الذي يؤدّي إلى فراغ الذمّة يقينا من الغرض.

27

و الحاصل: أنّ الشكّ في المحصّل معناه لزوم الاحتياط استنادا إلى أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، و حيث إنّنا نعلم بالغرض؛ لأنّ الأحكام تابعة للملاكات، و حيث إنّنا لا نعلم ببراءة الذمّة من الغرض عند الإتيان بالأقلّ لاحتمال أن يكون الأكثر هو المحصّل للغرض دون الأقلّ فيجب الاحتياط بالإتيان بالأكثر.

و وجوب الإتيان بالأكثر لا من باب الاحتياط في التكليف بلحاظ الشكّ فيما هو المكلّف به، ليقال بأنّ الأقلّ معلوم يقينا و الأكثر مشكوك فينفى بالبراءة، بل وجوب الأكثر هنا من باب الاحتياط في تحصيل الغرض المطلوب و الذي هو أمر آخر اشتغلت به الذمّة إضافة إلى التكليف، فالذمّة هنا مشغولة بالتكليف و مشغولة بالغرض، و التكليف يكفي فيه الأقلّ لجريان البراءة عن الزائد، بينما الغرض لا يكفي فيه إلا الأكثر عند الشكّ في تحصيله؛ لأنّه أمر وحداني بسيط و ليس مركّبا كالتكليف.

و يلاحظ على ذلك:

أوّلا: أنّه من قال بأنّ الغرض ليس مردّدا بين الأقلّ و الأكثر كنفس الواجب؟

بأن يكون ذا مراتب و بعض مراتبه تحصل بالأقلّ و لا تستوفى كلّها إلا بالأكثر، و يشكّ في أنّ الغرض الفعلي قائم ببعض المراتب أو بكلّها، فيجري عليه نفس ما جرى على الواجب.

و يرد على هذا البرهان أمران:

الأمر الأوّل: أن ننكر كون الغرض واحدا بسيطا في جميع الموارد، بل تارة يكون واحدا و أخرى يكون متعدّدا و ذا مراتب، و حينئذ نقول: كما يحتمل في مقامنا أن يكون الغرض واحدا و بسيطا، و بالتالي حيث يعلم بوجوده و اشتغال الذمّة به يقينا و يشكّ في تحقّقه بالأقلّ، فيجب الإتيان بالأكثر من باب الفراغ اليقيني.

فكذلك يحتمل أن يكون الغرض متعدّدا؛ و ذلك لأنّ الغرض عبارة عن الحسن و القبح الذاتيّين في المتعلّق أو المصلحة و المفسدة فيه، فيحتمل أن يكون الغرض المطلوب مترتّبا على جميع الأفعال بنفسها لكونه حسنة مثلا، بأن يكون كلّ جزء و كلّ فعل فيه مصلحة بذاته لكونه حسنا، فيكون لدينا مجموعة من المصالح لا مصلحة واحدة فقط.

فإذا كان كلّ واحد منهما محتملا، فيعقل حينئذ أن يكون الغرض كالتكليف‏

28

و الواجب مردّدا بين الأقلّ و الأكثر؛ لأنّه إذا كان الغرض ذا مراتب متعدّدة، و بعض هذه المراتب تحصل بالأقلّ بينما يحصل الجميع بالأكثر، فنحن نشكّ في كون الغرض الفعلي هو الغرض القائم ببعض المراتب أو هو الغرض القائم بكلّ المراتب نتيجة الشكّ في كون الواجب هو الأقلّ أو الأكثر؛ لأنّ الأقلّ إن كان هو الواجب فالغرض قائم ببعض المراتب، و إن كان الأكثر هو الواجب فالغرض قائم بكلّ المراتب، و لكن حيث إنّ الغرض القائم ببعض المراتب معلوم تفصيلا و دخيل في العهدة يقينا على كلّ تقدير فيكون الزائد عن ذلك مشكوكا بدوا فتجري عنه البراءة.

و بهذا يظهر أنّه من الممكن تصوير الغرض متعدّدا و ذا مراتب فلا يتمّ فيه البرهان المذكور.

نعم، إذا كان الغرض واحدا و بسيطا فيتمّ البرهان، إلا أنّ معرفة كون الغرض واحدا أو متعدّدا ليس ميسورا للمكلّف لعدم اطّلاعه على الملاكات، و إنّما عهدته على الشارع؛ لأنّه الأعرف بملاكاته، و لذلك لا بدّ من بيان ذلك شرعا، فإذا لم يتبيّن ذلك كان المكلّف شاكّا في كون الغرض واحدا أو متعدّدا، فيكون شاكّا فيما اشتغلت به ذمّته و هل هي مشتغلة بغرض واحد أو بغرض متعدّد؟ و الأوّل ذو مئونة زائدة بخلاف الثاني فيكون من الأقلّ و الأكثر أيضا.

و هذا نقاش صغروي؛ لأنّه مبني على التسليم بوجود غرض منجّز و لكنّه مردّد بين كونه غرضا وحدانيّا بسيطا، أو كونه غرضا مركّبا و ذا مراتب.

و ثانيا: أنّ الغرض إنّما يتنجّز عقلا بالوصول إذا وصل مقرونا بتصدّي المولى لتحصيله التشريعي، و ذلك بجعل الحكم على وفقه أو نحو ذلك.

فما لم يثبت هذا التصدّي التشريعي بالنسبة إلى الأكثر بمنجّز و ما دام مؤمّنا عنه بالأصل فلا أثر لاحتمال قيام ذات الغرض بالأكثر.

الأمر الثاني: و هو نقاش كبروي أي إنكار وجود غرض منجّز في المقام، و توضيحه أن يقال: إنّ الغرض إنّما يتنجّز مع فرض وصوله إلى المكلّف كالتكليف، فما لم يصل الغرض إلى المكلّف فلا يكون منجّزا و بالتالي لا تشتغل به الذمّة، و لا يدخل في العهدة؛ إذ يقبح العقاب على ترك شي‏ء لم يصل إلى المكلّف.

29

فحال الغرض كحال التكليف تماما، فكما لا عقاب على ترك تكليف غير واصل، فكذلك لا عقاب على ترك تحصيل غرض غير واصل.

و أمّا كيفيّة وصول الغرض إلى المكلّف فهذا إنّما يكون بتصدّي الشارع لتحصيله، فإنّه إذا تصدّى المولى لإبراز تحصيل الغرض- إمّا ابتداء و مباشرة بأن جعل الحكم على وفقه، و إمّا بالإخبار عن كونه مطلوبا و محبوبا للمولى- فحينئذ يحكم العقل بلزوم تحصيله، و يكون التقريب المذكور صحيحا و تامّا؛ لأنّ الغرض قد دخل في العهدة و اشتغلت به الذمّة يقينا فيجب إبراؤها اليقيني، و هذا لا يتمّ إلا بالإتيان بالأكثر؛ لأنّ الأقلّ و إن كان معلوما على كلّ تقدير لكنّه من جهة الغرض لا يحرز كونه محصّلا للغرض.

و أمّا إذا لم يتصدّ المولى لإبرازه بنحو من الأنحاء فلا يتنجز و لا يدخل في العهدة و لا تشتغل به الذمّة، حتّى و إن علم به المكلّف من طريق آخر غير طريق الشرع، و حينئذ لا يتمّ التقريب المذكور، بل يكون الغرض على فرض وجوده معلوما ضمن الأقلّ، و يشكّ في وجوده ضمن الأكثر فتجري البراءة لنفيه.

و في مقامنا لم يثبت التصدي المولوي لإبراز الغرض و أنّه ضمن الأكثر؛ إذ المفروض أنّه لا يوجد دليل و لا أصل و لا شي‏ء من أنحاء التنجيز يثبت الأكثر، بل الأصل يثبت التأمين و التعذير من ناحية الأكثر؛ لأنّ الأقلّ معلوم تفصيلا على كلّ حال.

و ما دام الأمر كذلك فلا موجب و لا مبرّر لإثبات كون الغرض في الأكثر، بل هو مشكوك، و بما أنّ الأقلّ معلوم تفصيلا فيعلم بتحقّق الغرض به، فيكون الشكّ في وجوب الغرض بالأكثر شكّا بدويّا و هو مجرى للبراءة لا للاحتياط.

فتبيّن أنّ الغرض ما دام غير ثابت و لا واصل و لا منجّز و لم يتصدّ المولى لإبرازه فلا يحكم العقل بلزوم تحصيله و الاحتياط من ناحيته؛ لأنّه و الحال هذه يكون مشكوكا بدوا.

البرهان الثالث: أنّ وجوب الأقلّ منجّز بحكم كونه معلوما

، و هو مردّد بحسب الفرض بين كونه استقلاليّا أو ضمنيّا، و في حالة الاقتصار على الإتيان بالأقلّ يسقط هذا

30

الوجوب المعلوم على تقدير كونه استقلاليّا؛ لحصول الامتثال، و لا يسقط على تقدير كونه ضمنيّا؛ لأنّ الوجوبات الضمنيّة مترابطة ثبوتا و سقوطا، فما لم تمتثل جميعا لا يسقط شي‏ء منها.

و هذا يعني أنّ المكلّف الآتي بالأقلّ يشكّ في سقوط وجوب الأقلّ و الخروج عن عهدته، فلا بدّ له من الاحتياط.

و ليس هذا الاحتياط بلحاظ احتمال وجوب الزائد، حتّى يقال: إنّه شكّ في التكليف، بل إنّما هو رعاية للتكليف بالأقلّ المنجّز بالعلم و اليقين، نظرا إلى أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

البرهان الثالث: و يقوم على أساس إبراز أنّ المورد من موارد الشكّ في المحصّل بلحاظ الخروج عن عهدة التكليف الذي اشتغلت الذمّة به يقينا، و الذي يكون مجرى لأصالة الاحتياط و الاشتغال العقلي.

و حاصله: أنّنا لو سلّمنا بانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بوجوب الأقلّ و شكّ بدوي في وجوب الأكثر، إلا أنّه مع ذلك يجب الإتيان بالأكثر و لا يكفي الاقتصار على الأقلّ.

ببيان: أنّ الأقلّ بحسب الفرض معلوم وجوبه تفصيلا، إلا أنّه مع ذلك مردّد بين كونه واجبا استقلاليّا فيما إذا كان الواجب الأقلّ وحده أو واجبا ضمنيّا فيما إذا كان الواجب الأقلّ ضمن الأكثر، و هذا معناه اشتغال الذمّة يقينا بالأقلّ على كلا التقديرين، و يجب إخراجها عن عهدته و إبراؤها منه يقينا؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

و عليه فإذا اقتصر في الامتثال و الخروج عن العهدة بالإتيان بالأقلّ وحده، سوف يعلم ببراءة ذمّته ممّا اشتغلت به على تقدير كون الأقلّ الذي اشتغلت به الذمّة هو الأقلّ الاستقلالي، و أمّا على تقدير كون الأقلّ الداخل في العهدة هو الأقلّ الضمني فالذمّة لا تزال مشتغلة به و لم تخرج عن عهدته؛ لأنّ الوجوبات الضمنيّة حيث إنّها مترابطة فيما بينها في عالم الثبوت فهي مترابطة فيما بينها أيضا بلحاظ عالم الامتثال و السقوط و الخروج عن العهدة، إذ الوجوب الضمني لا يمتثل إلا ضمنا، أي أنّ الأقلّ الضمني لا يتحقّق امتثاله إلا بلحاظ كونه ضمنيّا، و هذا لا يتأتّى إلا بالإتيان بالأكثر لكي يتحقّق عنوان الضمنيّة للأقلّ.

31

و بهذا ظهر أنّ المكلّف و إن كان يعلم بوجوب الأقلّ على كلّ حال، إلا أنّه بلحاظ تحصيل الخروج عن العهدة للتكليف الذي اشتغلت به الذمّة لا بدّ له من الاحتياط و الإتيان بالأكثر.

و وجوب الأكثر هنا ليس بابه باب الاحتياط في الإتيان بالتكليف الزائد ليقال: إنّ احتمال التكليف الزائد مجرى للبراءة، بل بابه باب الاحتياط في الخروج عن عهدة التكليف الذي اشتغلت به الذمّة.

فالأكثر في نفسه ليس واجبا و إنّما يجب بلحاظ كونه مقدّمة لتحقيق الامتثال و الفراغ اليقيني.

و الجواب على ذلك: أنّ الشكّ في سقوط تكليف معلوم إنّما يكون مجرى لأصالة الاشتغال فيما إذا كان بسبب الشكّ في الإتيان بمتعلّقه، و هذا غير حاصل في المقام؛ لأنّ التكليف بالأقلّ- سواء كان استقلاليّا أو ضمنيّا- قد أتي بمتعلّقه بحسب الفرض، إذ ليس متعلّقة إلا الأقلّ، و إنما ينشأ احتمال عدم سقوطه من احتمال قصور في نفس الوجوب بلحاظ ضمنيّته المانعة عن سقوطه مستقلّا عن وجوب الزائد.

و هكذا يرجع الشكّ في السقوط هنا إلى الشكّ في ارتباط وجوب الأقلّ بوجوب زائد.

و الجواب على هذا البرهان‏

أن يقال: إنّ الشكّ في سقوط التكليف المعلوم دخوله في العهدة على نحوين:

الأوّل: أن يكون الشكّ ناشئا من الشكّ في الإتيان بالتكليف، أي أنّه لا يعلم هل أتى بمتعلّق التكليف أو لا؟

فهنا سوف يشكّ في أنّه امتثل المأمور به أو لا، و بالتالي سوف يشكّ في سقوط التكليف و خروجه عن عهدته أو أنّه لا يزال مشغول الذمّة به، و هذا الشكّ هو مورد قاعدة الاشتغال اليقيني المستدعي للفراغ اليقيني.

الثاني: أن يكون الشكّ ناشئا من الشكّ في أنّ التكليف هل هو متعلّق بهذا المقدار الذي أتى به أو أنّه متعلّق بشي‏ء آخر أيضا زائدا عليه؟ فهنا يعلم بأنّ ما أتى به متعلّقا للتكليف يقينا و أنّ الذمّة مشتغلة به يقينا، إلا أنّه يشكّ في اشتغاله بشي‏ء آخر

32

زائدا عليه يكون على فرض وجوده و ثبوته و اشتغال الذمّة به مانعا من الخروج عن العهدة و عن سقوط التكليف، و هذا النحو من الشكّ يرجع إلى الشكّ في تكليف زائد عمّا هو معلوم و يكون مجرى لأصالة البراءة.

و في المقام إذا كان الشكّ من النحو الأوّل جرت فيه أصالة الاشتغال العقلي، و أمّا إذا كان من النحو الثاني فهو مجرى لأصالة البراءة العقليّة أو الشرعيّة، و لذلك نقول:

إنّ وجوب الأقلّ المعلوم يقينا اشتغال الذمّة به إمّا استقلالا و إمّا ضمنا قد أتى به المكلّف و امتثله و بالتالي قد سقط التكليف بالأقلّ؛ لأن التكليف متعلّق بالأقلّ و قد أتى به، فلا شكّ في امتثاله للمتعلّق.

إلا أنّه هنا يشكّ في سقوط التكليف من ناحية أخرى، و هي أنّ الأقلّ لو كان وجوبه ضمنيّا فهو لا يسقط بالامتثال الاستقلالي للأقلّ، بمعنى أنّ الإتيان بالأقلّ الاستقلالي يمنع من تحقّق الامتثال فيما لو كان الأقلّ واجبا ضمنا؛ لأنّ الواجب الضمني لا يتحقّق و لا يمتثل إلا بالإتيان به ضمنا.

و هذا النحو من الشكّ مرجعه بالدقّة إلى الشكّ في كون الأقلّ مستقلّا عن الزائد أو هو مرتبط بالزائد، أي أنّ التكليف هل هو متعلّق بالمقدار الذي أتى به فقط، أو أنّه متعلّق بشي‏ء آخر زائد على ذلك؟ و هذا يجعل المورد من القسم الثاني لا الأوّل، و لذلك نقول:

و مثل هذا الشكّ ليس مجرى لأصالة الاشتغال، بل يكون مؤمّنا عنه بالأصل المؤمّن عن ذلك الوجوب الزائد، لا بمعنى أنّ ذلك الأصل يثبت سقوط وجوب الأقلّ، بل بمعنى أنّه يجعل المكلّف غير مطالب من ناحية عدم السقوط الناشئ من وجوب الزائد.

بعد أن تبيّن أنّ الشكّ في مقامنا من الشكّ في وجوب الأقلّ المرتبط بوجوب الزائد، نقول:

إنّ وجوب الزائد المشكوك يجري فيه الأصل المؤمّن؛ لأنّه شكّ في تكليف زائد على التكليف المعلوم، فيثبت أنّ ما تعلّق به التكليف و اشتغلت به الذمّة يقينا و هو الأقلّ قد امتثل؛ لأنّ المكلّف قد أتى بالأقلّ.

و أمّا الأكثر أي وجوب الزائد فهو منفي بالأصل المؤمّن، و هذا الأصل ينفي لنا

33

وجوب الأكثر، بمعنى أنّ الذمّة لم تشتغل به يقينا و لم يدخل في العهدة، و بالتالي لم يتعلّق به التكليف.

و لا يراد بهذا الأصل المؤمّن إثبات سقوط وجوب الأقلّ ليقال بأنّه من الأصل المثبّت بتقريب أنّ جريان البراءة عن الأكثر لازمه ثبوت وجوب الأقلّ، و حيث إنّه امتثله فيتحقّق سقوط وجوبه.

بل المراد بهذا الأصل أنّ المكلّف ليس مطالبا بأكثر من الإتيان بالأقلّ في مقام إسقاط التكليف و الخروج عن العهدة، من جهة أنّ الزائد مؤمّن عنه، فلا حاجة إلى الإتيان به في مقام الخروج عن عهدة التكليف، بل الخروج كذلك يتحقّق بالإتيان بالأقلّ فقط.

البرهان الرابع: و هو علم إجمالي يجري في الواجبات التي يحرم قطعها عند الشروع فيها

كالصلاة، إذ يقال بأنّ المكلّف إذا كبّر تكبيرة الإحرام ملحونة و شكّ في كفايتها حصل له علم إجمالي إمّا بوجوب إعادة الصلاة، أو حرمة قطع هذا الفرد من الصلاة التي بدأ بها؛ لأنّ الجزء إن كان يشمل الملحون حرم عليه قطع ما بيده و إلا وجبت عليه الإعادة، فلا بدّ له من الاحتياط؛ لأنّ أصالة البراءة عن وجوب الزائد تعارض أصالة البراءة عن حرمة قطع هذا الفرد

.

البرهان الرابع: ما ذكره المحقّق العراقي، من إبراز علم إجمالي منجّز، إلا أنّه مختصّ في الموارد التي يكون الواجب فيها مركّبا بنحو لا يجوز قطعه عند الشروع فيه، و بنحو لا تجري فيه قاعدة (لا تعاد)، كما في الصلاة و الحجّ مثلا.

فإنّ المكلّف إذا شكّ في أوّل الصلاة أنّ تكبيرة الإحرام الملحونة هل تكفي لتحقّق المأمور به أو لا بدّ من التكبيرة الصحيحة؟

أو شكّ في أنّ الاستقبال للقبلة هل يكتفى فيه بالبناء على النظر العرفي التسامحي أو لا بدّ فيه من الدقّة؟

و عليه فإذا كبّر تكبيرة ملحونة أو استقبل القبلة من دون بناء على الدقّة فلو كان ذلك كافيا لوجب عليه الإتمام؛ لأنّه شرع في تكليف يحرم قطعه، و إذا لم يكن كافيا بأن كان الواجب هو التكبيرة الصحيحة أو الاستقبال الدقيق وجب عليه الإعادة من‏

34

جديد؛ لأنّه لا يكون قد دخل في الصلاة أصلا. فيكون الأمر دائرا بين وجوب الإتمام أو وجوب الإعادة أي وجوب الإتمام مع الأقلّ أو وجوب الإعادة مع الأكثر، هذا هو التصوير الفنّي و الصحيح لهذا المانع.

و أمّا ما ذكره المحقّق العراقي من دوران الأمر بين وجوب الإعادة و حرمة القطع فهو يتصوّر فيما إذا كان الشكّ في السورة و كونها جزءا من الصلاة أو لا، فإنّه إذا شرع في الصلاة و قرأ الحمد من دون السورة ثمّ ركع- و هذا يعني تجاوز المحلّ لأنّه قد دخل في الركن- سوف يعلم إجمالا: إمّا بحرمة قطع هذه الصلاة و وجوب إتمامها بأن لم تكن السورة جزءا من الصلاة، و إمّا بوجوب القطع و الإعادة بأن كانت السورة جزءا من الصلاة و قد تركها عمدا بحسب الفرض لا نسيانا أو جهلا.

و هذا العلم الإجمالي الدائر بين حرمة القطع و وجوب الإعادة منجّز و يجب الاحتياط تجاهه، و ذلك بأن يتمّ ما بيده من صلاة ثمّ يأتي بصلاة جديدة مع الأكثر فيكون قد امتثل كلا الطرفين.

و هذا العلم الإجمالي ليس منحلّا لا حقيقة و لا حكما.

أمّا الأوّل فواضح، إذ لا علم لنا بأحد الفردين.

و أمّا الثاني فلأنّ الأصل المؤمّن الجاري لنفي وجوب الإعادة معارض بالأصل المؤمّن لنفي حرمة القطع، فإنّ كلّا من وجوب الإعادة و حرمة القطع يعتبر تكليفا زائدا عن الواجب المأمور به و هو الصلاة.

ثمّ إنّ هذا العلم الإجمالي و إن كان دائرا بين الأقلّ و الأكثر قبل الشروع في الصلاة حيث يشكّ في وجوب السورة و عدمها، و لكنّه بعد الشروع في الصلاة و تجاوز المحلّ أي بعد الدخول في الركن كالركوع سوف ينقلب هذا العلم الإجمالي إلى العلم الإجمالي بين وجوب الإتمام أو حرمة القطع، و بين وجوب الإعادة و الاستئناف.

و نلاحظ على ذلك: أنّ حرمة قطع الصلاة موضوعها هو الصلاة التي يجوز للمكلّف بحسب وظيفته الفعليّة الاقتصار عليها في مقام الامتثال؛ إذ لا إطلاق في دليل الحرمة لما هو أوسع من ذلك.

و واضح أنّ انطباق هذا العنوان على الصلاة المفروضة فرع جريان البراءة

35

عن وجوب الزائد، و إلا لما جاز الاقتصار عليها عملا، و هذا يعني أنّ احتمال حرمة القطع مترتّبة على جريان البراءة عن الزائد فلا يعقل أن يستتبع أصلا معارضا له‏

.

و الجواب على هذا البرهان أن يقال: إنّ هذا العلم الإجمالي الدائر بين وجوب إعادة الصلاة و بين حرمة قطعها منحلّ انحلالا حكميّا؛ و ذلك لأنّ البراءة تجري لنفي وجوب الإعادة بلا معارض؛ لأنّ البراءة لا تجري لنفي حرمة قطع الصلاة.

و توضيحه: أنّ حرمة قطع الصلاة موضوعها الصلاة التي يجوز الاكتفاء بها و الاقتصار عليها في مقام الامتثال و لو ظاهرا، فلكي تثبت حرمة القطع لا بدّ أوّلا من إثبات كون الصلاة التي أتى بها و شرع فيها من دون الإتيان بالسورة ممّا يمكن و يصحّ الاكتفاء بها عمليّا، إلا أنّ إثبات ذلك فرع كون السورة مؤمّنا عنها، و هذا إنّما يثبت بجريان البراءة عن الزائد و الاكتفاء بالأقلّ، فإنّه إذا كان الأقلّ كافيا كانت الصلاة صحيحة و بالتالي يحرم قطعها.

و الوجه في ذلك: أنّ دليل حرمة قطع الصلاة هو الإجماع و الذي هو دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن و هو الصلاة الصحيحة و لو ظاهرا، و التي يصحّ الاكتفاء بها في الامتثال، و لا شمول لهذا الدليل لأكثر من هذا المقدار، بل يعلم بعدم الشمول؛ لأنّ الصلاة إذا لم يصحّ الاكتفاء بها فلا معنى لحرمة قطعها؛ لأنّها لا تكون صلاة بالدقّة.

و حينئذ نقول: إنّ حرمة قطع الصلاة مترتّبة و متفرّعة على جريان البراءة أوّلا لنفي وجوب الزائد، فهي في طول جريان البراءة إذ قبل جريانها لا يعلم بحرمة قطع الصلاة؛ لأنّه إذا ترك السورة و كانت جزءا من الصلاة فهذا يعني أنّ صلاته باطلة، و الصلاة الباطلة لا يحرم قطعها إجماعا.

و لذلك لا يمكن أن تجتمع البراءة لنفي الأكثر و الزائد مع البراءة لنفي حرمة قطع الصلاة؛ لأنّ البراءة الثانية للزائد تنقّح موضوع حرمة القطع فتكون الحرمة ثابتة قطعا لثبوت موضوعها، و معه لا مجال لجريان البراءة عنها؛ إذ لا مورد للبراءة في حالة العلم.

و بتعبير آخر: إنّ احتمال حرمة القطع و الذي يكون موردا للبراءة فرع عدم جريان‏

36

البراءة عن وجوب الزائد؛ لأنّه لو جرت البراءة عن وجوب الزائد تنقّح موضوع حرمة القطع فصارت ثابتة قطعا، و إذا لم تجر البراءة كذلك فحرمة القطع محتملة و مشكوكة فتكون مجرى للبراءة.

و هذا يعني أنّه لا يمكن أن تجتمع البراءة لنفي الزائد مع البراءة لنفي حرمة القطع، بل إحداهما فقط هي الجارية، و لذلك يكون العلم الإجمالي المذكور منحلّا حقيقة.

و الحكم في مثل هذا المورد يختلف باختلاف الأصل الجاري في المقام، فقد يكون الأصل الجاري هو البراءة عن وجوب الزائد فيكون الحكم وجوب الإتمام و حرمة القطع، و هذا يكون في مثل الشكّ في جزئيّة السورة.

و أمّا في مثل صحّة التكبيرة الملحونة أو صحّة الاستقبال العرفي المسامحي دون الدقّي و الصحيح، فهنا إذا لم تكن التكبيرة الملحونة كافية فهو لم يشرع في الصلاة أصلا ليحرم قطعها، و إذا كانت كافية فيحرم قطعها فيشكّ في حرمة القطع فتجري عنها البراءة، و تتعارض مع البراءة الجارية بلحاظ وجوب الإعادة؛ لأنّها مشكوكة أيضا فيحكم بالاحتياط أي الإتمام ثمّ الإعادة.

البرهان الخامس: و حاصله تحويل الدوران في المقام إلى دوران الواجب بين عامّين من وجه بدلا عن الأقلّ و الأكثر

، و توضيح ذلك ضمن مقدّمتين:

البرهان الخامس: و هو مختصّ في موارد الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الواجبات العباديّة لا التوصّليّة؛ لأنّ الواجبات العباديّة حيث إنّها تشتمل زائدا على الإتيان بالمتعلّق كون الإتيان به بداعي القربة لله تعالى، فيمكن فيها انقلاب الأقلّ و الأكثر إلى العامّين من وجه، فيكون لكلّ واحد من الأقلّ و الأكثر جهة افتراق عن الآخر و هناك مادّة اجتماع، و إذا دار الأمر كذلك فيتنجّز خصوص مادّة الاجتماع دون مادّتي الافتراق، و مادّة الاجتماع هنا هي الإتيان بالأكثر المشتمل على الزائد.

و أمّا كيفيّة تصوير هذا المطلب فهذا يتّضح ضمن المقدّمتين التاليتين:

الأولى: أنّ الواجب تارة يدور أمره بين المتباينين كالظهر و الجمعة، و أخرى بين العامّين من وجه كإكرام العادل و إكرام الهاشمي، و ثالثة بين الأقلّ و الأكثر.

و لا إشكال في تنجيز العلم الإجمالي في الحالة الأولى الموجب للجمع بين‏

37

الفعلين، و تنجيزه في الحالة الثانية الموجب؛ لعدم جواز الاقتصار على إحدى مادّتي الافتراق، و أمّا الحالة الثالثة فهي محلّ الكلام.

المقدّمة الأولى: أنّ التردّد في الواجب على أنحاء ثلاثة:

1- أن يكون الواجب مردّدا بين المتباينين، كأن يعلم بوجوب الصلاة مثلا و يتردّد أمرها بين الظهر أو الجمعة، و هنا لا إشكال في كون هذا العلم الإجمالي منجّزا لطرفيه بمعنى وجوب الإتيان بالظهر و الجمعة، كما تقدّم في مباحث العلم الإجمالي.

2- أن يكون الواجب مردّدا بين العامّين من وجه، كأن يعلم بوجوب الإكرام مثلا و يتردّد أمره بين إكرام العالم أو إكرام الهاشمي، فهنا العالم يشمل الهاشمي و غير الهاشمي، و الهاشمي يشمل العالم و غير العالم، فيجتمعان في العالم الهاشمي، و يفترق الهاشمي عن العالم في الهاشمي غير العالم، و يفترق العالم عن الهاشمي في العالم غير الهاشمي، و مثل هذا العلم الإجمالي يكون منجّزا لمادّة الاجتماع أي وجوب إكرام العالم الهاشمي، و لا يصحّ الاكتفاء بإحدى مادّتي الافتراق.

3- أن يكون الواجب مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، كأن يعلم بوجوب الصلاة و لا يدري أنّها تسعة أجزاء أو عشرة، و حكم هذا الدوران يتحدّد على أساس أن الأقلّ و الأكثر هل هما من العلم التفصيلي بالأقلّ و الشكّ البدوي في الأكثر، أو هما من المتباينين، أو هما من العامّين من وجه؟

و سوف نرى أنه بالإمكان إرجاعهما إلى العامّين من وجه.

الثانية: أنّ الواجب المردّد في المقام بين التسعة و العشرة إذا كان عباديّا فالنسبة بين امتثال الأمر على تقدير تعلّقه بالأقلّ و امتثاله على تقدير تعلّقه بالأكثر هي العموم من وجه.

و مادّة الافتراق من ناحية الأمر بالأقلّ واضحة، و هي أن يأتي بالتسعة فقط.

و أمّا مادّة الافتراق من ناحية الأمر بالأكثر فلا تخلو من خفاء في النظرة الأولى؛ لأنّ امتثال الأمر بالأكثر يشتمل على الأقلّ حتما، و لكن يمكن تصوير مادّة الافتراق في حالة كون الأمر عباديّا و الإتيان بالأكثر بداعي الأمر المتعلّق بالأكثر على وجه التقييد على نحو لو كان الأمر متعلّقا بالأقلّ فقط لما انبعث عنه، ففي‏

38

مثل ذلك يتحقّق امتثال الأمر بالأكثر على تقدير ثبوته، و لا يكون امتثالا للأمر بالأقلّ على تقدير ثبوته.

المقدّمة الثانية: أنّ مورد تردّد الواجب بين الأقلّ و الأكثر تارة يكون الواجب المردّد توصّليّا، و أخرى يكون عباديّا.

فإن كان توصّليّا فلا كلام في أنّ الزائد تجري فيه البراءة؛ لأنّ الأقلّ معلوم على كلّ تقدير.

و إن كان تعبّديّا كالصلاة فهنا تكون النسبة بين امتثال الأقلّ و امتثال الأكثر العموم و الخصوص من وجه، أي أنّ الأقلّ يفترق عن الأكثر، و الأكثر يفترق عن الأقلّ، و يجتمع كلّ منهما معا.

أمّا مادّة افتراق الأقلّ عن الأكثر فواضحة و هي فيما إذا أتى بالتسعة فقط، فإنّه لا ينطبق عليها عنوان الأكثر.

و أمّا مادّة الاجتماع بينهما فهي الإتيان بالعشرة بقصد امتثال الأمر الواقعي، لا بقصد امتثال الأقلّ بخصوصه، و لا بقصد امتثال الأكثر بخصوصه، فإنّ الإتيان بالعشرة بقصد امتثال مطلق الأمر ينطبق على الأقلّ و الأكثر معا.

و أمّا مادّة افتراق الأكثر عن الأقلّ فقد يقال: إنّ هذا غير معقول إذ لا يمكن تصوّر الأكثر من دون الأقلّ؛ لأنّ العشرة لا تتحقّق إلا بالتسعة، إلا أنّ الصحيح إمكان ذلك استنادا إلى المبنى الفقهي المشهور من أنّ الإتيان بالأكثر بقصد التقييد يمنع من انطباقه على الأقلّ، بمعنى أنّه يقصد الإتيان بالأكثر بعنوان امتثال الأمر المتعلّق بالأكثر بحيث إنّه لو كان الأمر متعلّقا بالأقلّ لما كان امتثله و انبعث نحوه، فيكون الإتيان بالأكثر بهذا القيد امتثالا للأمر بالأكثر دون الأقلّ؛ لأنّه قصد عدم امتثاله و الانبعاث عنه.

نظير ما لو علم بصدور أمر بالصلاة مردّد بين الوجوب و الاستحباب، فإنّه إذا قصد امتثال الأمر الواقعي يكون قد جمع بين الوجوب و الاستحباب، و إذا قصد الاستحباب بخصوصه فلا ينطبق على الوجوب و كذا العكس، و هذا ما يسمّى بقصد الأكثر على نحو التقييد لا على نحو التطبيق.

و حينئذ يقال: إنّ العلم الإجمالي يدور بين العامّين من وجه، و في مثل ذلك يتنجّز

39

مادّة الاجتماع و لا يكتفى بإحدى مادّتي الافتراق، فيجب الإتيان بالأكثر بقصد امتثال الأمر الواقعي.

و يثبت على ضوء هاتين المقدّمتين أنّ العلم الإجمالي في المقام منجّز إذا كان الواجب عباديّا كما هو واضح.

و بهذا ظهر أنّ الدوران بين الأقلّ و الأكثر العباديّين ينقلب إلى الدوران بين العامّين من وجه و الذي يكون منجّزا لمادّة الاجتماع.

و الجواب: أنّ التقييد المفروض في النيّة لا يضرّ بصدق الامتثال على كلّ حال حتّى للأمر بالأقلّ ما دام الانبعاث عن الأمر فعليّا

.

و الجواب عن هذا البرهان أن يقال: إنّ المبنى الفقهي المبتني عليه هذا البرهان غير تامّ؛ و ذلك لأنّنا ننكر أن يكون هناك نحوان من قصد الامتثال: أحدهما بعنوان التطبيق، و الآخر بعنوان التقييد، و إنّما هناك نحو واحد فقط، و هو قصد امتثال الأمر و الانبعاث الفعلي نحو المأمور به الناشئ من تعلّق الأمر به.

و الدليل على ذلك هو: أنّ المستند لوجوب الانبعاث عن الأمر و قصد امتثاله هو الإجماع، و هو دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن منه و هو قصد القربة مطلقا، أو قصد الامتثال و الانبعاث الفعلي عن الأمر، و لذلك فإذا أضاف قيدا زائدا على ذلك و هو كون الانبعاث و الامتثال للأمر بنحو التقييد لخصوص الأكثر لا يكون مضرّا في صدق الانطباق على الأقلّ حقيقة و في صدق تحقّق الانبعاث و الامتثال للأمر.

البرهان السادس: و هو يجري في الواجبات التي اعتبرت الزيادة فيها مانعة و مبطلة كالصلاة

، و الزيادة هي الإتيان بفعل بقصد الجزئيّة للمركّب مع عدم وقوعه جزءا له شرعا.

و حاصل البرهان: أنّ من يشكّ في جزئيّة السورة يعلم إجمالا إمّا بوجوب الإتيان بها و إمّا بأنّ الإتيان بها بقصد الجزئيّة مبطل؛ لأنّها إن كانت جزءا حقّا وجب الإتيان بها، و إلا كان الإتيان بها بقصد الجزئيّة زيادة مبطلة.

و هذا العلم الإجمالي منجّز و تحصل موافقته القطعيّة بالإتيان بها بدون قصد الجزئيّة، بل لرجاء المطلوبيّة أو للمطلوبيّة في الجملة.

البرهان السادس: و هو يبتني على قاعدة فقهيّة صحيحة، و مفادها أنّ الإتيان‏

40

بالجزء بقصد الجزئيّة مانع و مبطل للمركّب، فيما إذا لم يكن هذا الجزء المأتي به جزءا واقعا، فهذا البرهان يختصّ في المركّبات العباديّة التي تعتبر الزيادة فيها على تقدير عدم ثبوتها واقعا مانعة و مبطلة للمركّب إذا قصد الجزئيّة حين الإتيان بها، و حينئذ سوف يكون الدوران بين الأقلّ و الأكثر في مثل هذه الموارد من الدوران بين العامّين من وجه، و التي يكون العلم الإجمالي فيه منجّزا لمورد الاجتماع.

و حاصل البرهان أن يقال: إذا شكّ المكلّف في وجوب السورة و عدم وجوبها، فهذا الشكّ ابتداء من الأقلّ و الأكثر؛ لأنّه إمّا أن تجب تسعة أجزاء أو عشرة، إلا أنّه بالالتفات إلى كون السورة جزءا أو زيادة، فسوف يحصل له علم إجمالي إمّا بوجوب الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة لاحتمال كونها جزءا دخيلا في المركّب واقعا، و إمّا بوجوب تركها و حرمة الإتيان بها بقصد الجزئيّة؛ لأنّها حينئذ سوف تكون زيادة مبطلة للمركّب على تقدير عدم جزئيّتها واقعا.

و هذا العلم الإجمالي دائر بين العامّين من وجه، فيكون منجّزا لمورد الاجتماع، و لا يصحّ الاكتفاء بأحد موردي الافتراق.

و بيان ذلك: أمّا مورد افتراق الأقلّ فهو الإتيان بالمركّب من دون الإتيان بالسورة لكونها زيادة مبطلة.

و أمّا مورد افتراق الأكثر فهو الإتيان بالمركّب مع الاتيان بالسورة بقصد الجزئيّة.

و أمّا مورد الاجتماع فهو الإتيان بالمركّب مع الإتيان بالسورة لا بقصد الجزئيّة، بل بقصد المطلوبيّة للوجوب، أو بقصد مطلق المطلوبيّة الأعمّ من الوجوب و الاستحباب.

فإذا أتى بمورد الاجتماع تحقّقت الموافقة القطعيّة للعلم الإجمالي المذكور، و بذلك يثبت وجوب الإتيان بالأكثر.

و الجواب: أنّ هذا العلم الإجمالي منحلّ؛ و ذلك لأنّ هذا الشاكّ في الجزئيّة يعلم تفصيلا بمبطليّة الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة حتّى لو كانت جزءا في الواقع؛ لأنّ ذلك منه تشريع ما دام شاكّا في الجزئيّة فيكون محرّما و لا يشمله الوجوب الضمني للسورة، و هذا يعني كونه زيادة

.

و الجواب عن ذلك أن يقال: إنّ هذا العلم الإجمالي منحلّ حكما، و ذلك لجريان أصل البراءة عن وجوب الزيادة أي السورة بلا معارض.

41

و تقريبه: أنّ هذا الشاكّ يعلم تفصيلا أنّ الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة زيادة مبطلة على كلّ تقدير، أي سواء كان الواجب في الواقع هو الأقلّ أم كان هو الأكثر.

أمّا على تقدير كون الواجب هو الأقلّ فواضح؛ لأنّ الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة مبطل حتما؛ لأنّه يكون قد أتى بما ليس بواجب، و ما ليس بجزء بهذا القصد.

و أمّا على تقدير كون الأكثر هو الواجب واقعا فكذلك يكون الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة مبطلا؛ لأنّه لا يعلم بوجوب الأكثر و إنّما هو شاكّ في وجوبه، و مع الشكّ في وجوبه يكون الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة تشريعا محضا و هو محرّم؛ لأنّه ينسب إلى الشريعة ما لا يعلم أنّه منها؛ لأنّ الفرض كونه شاكّا في وجوب الأكثر.

يبقى وجوب الإتيان بالسورة لا بقصد الجزئيّة، و هذا الوجوب غير معلوم، بل هو مشكوك بدوا، فتجري فيه البراءة بلا معارض؛ لأنّ معارضه و هو البراءة عن وجوب الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة على كلا التقديرين لا يجري؛ لأنّ وجوب الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة معلوم كونه مبطلا و مانعا تفصيلا، و مع العلم به كذلك لا مجال لجريان البراءة عنه.

يبقى احتمال أن تكون السورة واجبة بالوجوب الضمني، و هذا الاحتمال باطل؛ لأنّ كون السورة واجبة ضمنا فرع أن يكون الأمر بالمركّب متعلّقا بالأكثر، فإنّه إذا كان متعلّقا بالأكثر كان هناك وجوب ضمني لكلّ جزء من أجزائه حتّى السورة، إلا أنّ المفروض أنّ وجوب الأكثر مشكوك فيكون الوجوب الضمني للسورة مشكوكا فتجري فيه البراءة من دون معارض كما تقدّم.

و بهذا اتّضح أنّه ليس هناك مانع من جريان البراءة في مسألة الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الأجزاء؛ لأنّ كلّ ما ذكر من أدلّة و براهين للمنع غير تامّة.

و بهذا ينتهي البحث عن مسألة الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الأجزاء.

***

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الشرائط

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

2- الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الشرائط

و التحقيق فيها- على ضوء المسألة السابقة- هو جريان البراءة عن وجوب الزائد؛ لأنّ مرجع الشرطيّة للواجب إلى تقيّد الواجب بقيد و انبساط الأمر على التقيّد، كما تقدّم في موضعه‏

(1)

، فالشكّ فيها شكّ في الأمر بالتقيّد.

و الدوران إنّما هو بين الأقلّ و الأكثر إذا لوحظ المقدار الذي يدخل في العهدة، و هذا يعني وجود علم تفصيلي بالأقلّ و شكّ بدوي في الزائد فتجري البراءة عنه.

إذا شكّ في وجوب شرط مع الواجب، كما إذا شكّ في وجوب الطهارة مع الصلاة، فهذا من الشكّ في الأقلّ و الأكثر في الشرائط، بمعنى أنّ الواجب هل هو الصلاة فقط، أو الصلاة مع الطهارة؟

و التحقيق في ذلك أن يقال: إنّ البراءة تجري لنفي الشرط الزائد المشكوك، كما هو الحال في الشكّ في الجزء الزائد تماما.

و الوجه في ذلك: أنّ مرجع الشكّ في الشرطيّة للواجب إلى الشكّ في أنّ المأمور به هل هو ذات الطبيعة أو حصّة خاصّة من الطبيعة؟ لأنّ الشرطيّة للواجب معناها تقيّد الواجب بقيد، و تعلّق الأمر بذات الواجب و بالتقيّد بذلك القيد لا بذات الواجب فقط؛ لأنّ القيد يحصّص الواجب إلى حصّتين، الأولى الصلاة من دون القيد و الثانية الصلاة مع القيد، بحيث يكون المأمور به هو الحصّة الخاصّة من الواجب لا الواجب كيفما اتّفق.

و حينئذ يكون الشكّ في الشرط مرجعه في الحقيقة إلى الشكّ في الأمر بالتقيّد زائدا على ذات الواجب، و هذا يعني أنّه دوران بين الأقلّ و الأكثر؛ لأنّ ذات الواجب‏

____________

(1) بحث الدليل العقلي من الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة، تحت عنوان: المسئوليّة تجاه القيود و المقدّمات.

46

معلوم على كلّ تقدير سواء كان الشرط موجودا أم لا، و يشكّ في وجوب زائد و هو تقيّد الواجب بهذا القيد فتجري فيه البراءة؛ لأنّه تكليف زائد مشكوك.

و بهذا يكون هذا العلم الإجمالي منحلّا انحلالا حقيقيّا؛ لأنّ ما يدخل في العهدة على كلّ تقدير هو ذات الواجب، و يشكّ في دخول شي‏ء زائد في العهدة و هو التقيّد الناشئ من الشكّ في وجوب الشرط.

و الحاصل: أنّ الشكّ في دخالة الشرط كالشكّ في دخالة الجزء في كونه مجرى للبراءة.

غاية الأمر الفرق بينهما من جهة أنّ الجزء يكون بنفسه مأمورا به بنحو الوجوب الضمني المترشّح عليه من الأمر بالمركّب، بينما الشرط لا يكون بنفسه مأمورا به، بل المأمور به هو تقيّد الواجب بهذا الشرط لا الشرط نفسه، و إنّما الشرط يفيدنا في تحصيص الواجب إلى حصّتين حصّة مطلقة و حصّة مقيّدة، ثمّ ينصبّ الأمر على الحصّة المقيّدة و التي هي بالتحليل العقلي تقسّم إلى جزءين ذات الواجب و الشرط، فهو جزء تحليلي للواجب.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون الشرط المشكوك راجعا إلى متعلّق الأمر كما في الشكّ في اشتراط العتق بالصيغة العربيّة و اشتراط الصلاة بالطهارة، أو إلى متعلّق المتعلّق، كما في الشكّ في اشتراط الرقبة التي يجب عتقها بالإيمان أو الفقير الذي يجب إطعامه بالهاشميّة.

ثمّ إنّ الحكم الذي ذكرناه عند الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الشرائط و هو جريان البراءة، لا يختلف سواء كان الشكّ في الشرطيّة راجعا إلى متعلّق الأمر أم كان راجعا إلى متعلّق المتعلّق.

أمّا النحو الأوّل أي يكون الشكّ راجعا إلى متعلّق الأمر، كما إذا شكّ في اشتراط الصلاة بالطهارة، فإنّ الطهارة هنا شرط للمادّة أي لمتعلّق الأمر و هو الصلاة في المثال، لا للوجوب؛ لأنّ الوجوب ثابت على كلّ تقدير عند زوال الشمس سواء كان متطهّرا أم لا، و إنّما الواجب عند الزوال هو الصلاة مع الطهارة لا بدونها، فهذا الشرط شرط للمادّة أي للواجب.

و أمّا النحو الثاني أي يكون الشكّ راجعا إلى متعلّق المتعلّق و هو الموضوع، كما إذا

47

شكّ في اشتراط الإيمان في الرقبة التي يجب عتقها، فإنّ العتق متعلّق للوجوب، و الرقبة متعلّق للعتق، و الإيمان متعلّق بالرقبة لا بالوجوب و لا بالعتق، فهي شرط في الموضوع.

و كذا وجوب إطعام الفقير الذي شكّ في اشتراط الهاشميّة فيه، فإنّ الهاشميّة شرط لمتعلّق المتعلّق أي للموضوع؛ لأنّ الحكم هو الوجوب المتعلّق بالإطعام فهو المادّة أو متعلّق الأمر، و الإطعام متعلّق بالفقير فهو متعلّق المتعلّق و الهاشميّة شرط في الفقير أي الموضوع.

ففي هذين النحوين يكون الشكّ في الشرطيّة مجرى للبراءة؛ لأنّ مرجعه كما قلنا إلى الأمر بالتقيّد زائدا على ذات الطبيعة المعلومة على كلّ تقدير.

هذا هو الصحيح في المسألة، إلا أنّ المحقّق العراقي له تفصيل في المقام و هو:

و قد ذهب المحقّق العراقي- (قدّس الله روحه)-

(1)

إلى عدم جريان البراءة في بعض الحالات المذكورة.

و مردّ دعواه إلى أنّ الشرطيّة المحتملة على تقدير ثبوتها: تارة تتطلّب من المكلّف في حالة إرادته الإتيان بالأقلّ أن يكمّله و يضمّ إليه شرطه، و أخرى تتطلّب منه في الحالة المذكورة صرفه عن ذلك الأقلّ الناقص رأسا و إلغاءه إذا كان قد أتى به و دفعه إلى الإتيان بفرد آخر كامل واجد للشرط.

و مثال الحالة الأولى: أن يعتق رقبة كافرة فإنّ شرطيّة الإيمان في الرقبة تتطلّب منه أن يجعلها مؤمنة عند عتقها، و حيث إنّ جعل الكافر مؤمنا ممكن فالشرطيّة لا تقتضي إلغاء الأقلّ رأسا بل تكميله، و ذلك بأن يجعل الكافر مؤمنا عند عتقه له فيعتقه و هو مؤمن.

و مثال الثاني: أن يطعم فقيرا غير هاشمي فإنّ شرطيّة الهاشميّة تتطلّب منه إلغاء ذلك رأسا و صرفه إلى الإتيان بفرد جديد من الإطعام؛ لأنّ غير الهاشمي لا يمكن جعله هاشميّا.

و هنا تفصيل للمحقّق العراقي يفرّق على أساسه بين الشرط الراجع إلى المتعلّق و الشرط الراجع إلى متعلّق المتعلّق، فتجري البراءة في النحو الأوّل دون الثاني، و لكن‏

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 399.

48

يمكن إرجاع تفصيله إلى مطلب آخر لعلّه هو مراده فنقول: أنّ الشرطيّة المحتملة على تقدير ثبوتها واقعا على نحوين:

الأوّل: أن تكون الشرطيّة تستدعي من المكلّف أن يضمّ شيئا زائدا على ما أتى به، بحيث إنّ الأقلّ لا يكفي، بل لا بدّ من تكميله بضمّ الزائد إليه لكي تتحقّق الشرطيّة.

كما إذا قيل أعتق رقبة و شكّ في شرطيّة الإيمان في الرقبة، فهنا إذا أراد أن يعتق رقبة غير مؤمنة فشرطيّة الإيمان المحتملة لا تتطلّب منه أن يلغي ما أراد الشروع فيه رأسا و يأتي برقبة مؤمنة غير الرقبة التي يريدها، بل تتطلّب منه أن يضمّ إلى هذه الرقبة الكافرة شرطا زائدا عليها و هو شرط الإيمان، و ذلك بأن يجعل هذا الكافر مؤمنا، فإنّ جعل الكافر مؤمنا ممكن فيكون واقعا تحت الاختيار و يصحّ تعلّق الأمر به، و لذلك إذا جعل هذا الكافر مؤمنا عند إرادة عتقه فلا يكون قد جاء بمتعلّق آخر، و إنّما نفس المتعلّق الذي تحت يده غاية الأمر أنّه ضمّ إليه شيئا زائدا و أكمله بالشرط المحتمل، و أوضح منه ما إذا كان الشرط المحتمل في العتق هو قصد القربة.

الثاني: أن تكون الشرطيّة تستدعي من المكلّف أن يلغي ما أراد الشروع فيه رأسا، و يأتي بمتعلّق آخر غير هذا، و ذلك بأن يكون الشرط المحتمل الثبوت غير ممكن جعله و ضمّه إلى ما بيده، بل لا بدّ من كونه موجودا في نفسه من قبل، فهو خارج عن إرادته و اختياره.

كما إذا قيل: أكرم الفقير، و شكّ في شرطيّة الهاشميّة فيه، فهنا إذا أراد أن يكرم فقيرا غير هاشمي فلا يمكنه أن يضمّ إليه شرط الهاشميّة؛ لأنّ الهاشميّة ليست دخيلة تحت إرادة المكلّف و لا يمكنه جعلها، و لذلك تكون هذه الشرطيّة على تقدير ثبوتها تستدعي من المكلّف أن يصرف نظره عن المتعلّق الذي يريد إكرامه فيما إذا لم يكن واجدا للشرط، و عليه أن يبحث عن فرد آخر يكون واجدا لهذا الشرط في نفسه؛ لأنّ هذا الفرد يباين و يغاير الفرد السابق.

فاتّضح على ضوء هذا التفصيل أنّ الشرطيّة تارة تكون واقعة تحت إرادة المكلّف و اختياره فلا تتطلّب منه إلا ضمّ الزائد إلى نفس المتعلّق، و أخرى لا تكون تحت اختياره و إرادته فهنا تتطلّب منه أن يأتي بمتعلّق آخر واجد للشرط؛ لأنّ المتعلّق الذي‏

49

بيده لا يمكن أن يضمّ إليه الشرط؛ لأنّه غير ممكن له و خارج عن اختياره، و حينئذ نقول:

ففي الحالة الأولى: تجري البراءة عن الشرطيّة المشكوكة؛ لأنّ مرجع الشكّ فيها إلى الشكّ في إيجاب ضمّ أمر زائد على ما أتى به بعد الفراغ عن كون ما أتى به مصداقا للمطلوب في الجملة، و هذا معنى العلم بوجوب الأقلّ و الشكّ في وجوب الزائد، فالأقلّ محفوظ على كلّ حال و الزائد مشكوك.

و في الحالة الثانية: لا تجري البراءة عن الشرطيّة؛ لأنّ الأقلّ المأتي به ليس محفوظا على كلّ حال، إذ على تقدير الشرط لا بدّ من إلغائه رأسا، فليس الشكّ في وجوب ضمّ أمر زائد إلى ما أتى به ليكون من دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر.

الفرق بين الصورتين:

ففي الحالة الأولى: تجري البراءة عن الشرطيّة المشكوكة و المحتملة الثبوت؛ و ذلك لأنّ ما في يده يحتمل فيه أن يكون محقّقا للمأمور به و كافيا في الامتثال و الخروج عن العهدة، و ذلك على تقدير ألا يكون الشرط ثابتا، و يحتمل ألّا يكون كافيا كذلك إلا بضمّ الشرط إليه.

و هذا معناه أنّه يشكّ في وجوب شي‏ء زائد عمّا في يده، فما في يده معلوم الوجوب على كلّ تقدير سواء كان هو الواجب فقط أم كان هو مع الشي‏ء الآخر، و أمّا الشي‏ء الزائد و هو الشرطيّة فهي مشكوكة فتجري فيها البراءة بلا معارض؛ لأنّ البراءة عن الفعل الذي بيده لا معنى لها؛ لأنّه معلوم الوجوب تفصيلا، فهو من الدوران بين الأقلّ و الأكثر حقيقة، و الذي ينحلّ بالدقّة إلى علم تفصيلي بالأقلّ و شكّ بدوي في الزائد و الذي تجري عنه البراءة.

فمثلا إذا كان الشكّ في شرطيّة قصد القربة في العتق للرقبة، فعتق الرقبة معلوم تفصيلا و يشك في وجوب شي‏ء آخر زائدا عليه و هو قصد القربة فتجري البراءة عنه بلا معارض.

و أمّا الحالة الثانية: فلا تجري البراءة عن الشرطيّة المحتملة الثبوت؛ و ذلك لأنّ الفرد المأتي به و الذي لا يكون واجدا للشرطيّة- على تقدير ثبوت الشرطيّة واقعا- لا يكون محقّقا للمأمور به، من جهة أنّه ليس مصداقا له رأسا لا من جهة أنّه فاقد لشي‏ء زائد،

50

إذ المفروض أنّ هذا الشي‏ء الزائد لا يمكنه إيجاده؛ لأنّه خارج عن قدرته و اختياره، و لذلك لا بدّ من الإتيان بفرد آخر يكون واجدا في نفسه للشرط.

و هذا معناه أنّه يشكّ في مصداق الواجب هل هو هذا الفرد الفاقد للشرط أو ذاك الفرد الواجد للشرط؟ و هذا علم إجمالي دائر بين المتباينين و ليس هناك قدر متيقّن و معلوم على كلّ حال، بل إمّا هذا الواجب أو ذاك.

و في مثل ذلك يكون العلم الإجمالي منجّزا للإتيان بالأكثر؛ لأنّه يتحقّق المأمور به على كلا التقديرين، بخلاف ما لو أتى بالأقلّ فإنّه على تقدير يكون محقّقا و على تقدير آخر لا يكون محقّقا، فيكون الشكّ فيما هو المحقّق للمأمور به فيجب الاحتياط.

و هذا التحقيق لا يمكن الأخذ به، فإنّ الدوران في كلتا الحالتين دوران بين الأقلّ و الأكثر؛ لأنّ الملحوظ فيه إنّما هو عالم الجعل و تعلّق الوجوب، و في هذا العالم ذات الطبيعي معروض للوجوب جزما، و يشكّ في عروضه على التقيّد، فتجري البراءة عنه، و ليس الملحوظ في الدوران عالم التطبيق خارجا ليقال: إنّ ما أتي به من الأقلّ خارجا قد لا يصلح لضمّ الزائد إليه و لا بدّ من إلغائه رأسا على تقدير الشرطيّة.

و الصحيح: أنّ هذا التفصيل و إن كان تحقيقا في المقام لكنّه خارج عن محلّ البحث، و ذلك لأنّ الدوران بين الأقلّ و الأكثر تارة يلحظ في عالم الجعل و التشريع، و أخرى يلحظ في عالم التطبيق و الامتثال.

فإن لوحظ الأقلّ و الأكثر في عالم التطبيق و الامتثال كان هذا التفصيل وجيها.

و إن لوحظ الأقلّ و الأكثر في عالم الجعل و التشريع فلا يتمّ هذا التفصيل؛ لأنّ عالم الجعل و التشريع هو عالم تعلّق الحكم بموضوعه، فإذا قيل: أكرم الفقير أو اعتق رقبة كان وجوب الإكرام عارضا على موضوعه و هو ذات الفقير، و كذلك وجوب العتق عارض على ذات الرقبة، فإذا شكّ في شرطيّة الهاشميّة في الفقير أو شرطيّة الإيمان و قصد القربة في العتق أو الرقبة، كان هذا الشكّ من الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين؛ لأنّ وجوب الأقلّ و هو ذات الفقير أو ذات الرقبة معلوم الوجوب تفصيلا؛ لأنّه هو معروض الحكم، و يشكّ في وجوب شي‏ء زائد عليه و هو تقيّد

51

الفقير بالهاشميّة أو تقيّد الرقبة بالإيمان أو تقيّد العتق بقصد القربة؛ لأنّ الشكّ في الشرطيّة مرجعه- كما قلنا- إلى الشكّ في التقيّد؛ لأنّ الشرط على تقدير ثبوته يكون محصّصا للواجب إلى حصّتين فهو أمر بالواجب و أمر بالتقييد بالقيد، و حيث إنّ ذات الواجب معلوم؛ لأنّه هو معروض الحكم فيكون الشكّ في التقيّد شكّا في تكليف زائد فتجري عنه البراءة.

و اللحاظ الأوّل خارج عن محلّ البحث و الكلام؛ لأنّنا نريد أن نحدّد المقدار الداخل في الذمّة و الذي اشتغلت به في مرحلة سابقة عن الامتثال و التطبيق، و هذا إنّما يكون بتحديد الموضوع الذي انصبّ عليه الحكم، و لذلك لا بدّ من ملاحظة الدوران في عالم الجعل و التشريع؛ لأنّه هو الذي يحدّد المقدار الداخل في العهدة.

و بهذا ظهر أنّ الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الشرائط تجري فيه البراءة مطلقا، سواء كان الشرط راجعا إلى متعلّق الأمر أم كان راجعا إلى متعلّق المتعلّق، و سواء كان الشرط ممّا يمكن إيجاده للمكلّف أم كان ممّا لا يمكن إيجاده.

و بهذا يتمّ الكلام حول الشكّ في الشرطيّة.

و لا يختلف الحال في جريان البراءة عند الشكّ في الشرطيّة و وجوب التقيّد بين أن يكون القيد المشكوك أمرا وجوديّا و هو ما يعبّر عنه بالشرط عادة، أو عدم أمر وجودي و يعبّر عن الأمر الوجودي حينئذ بالمانع.

فكما لا يجب على المكلّف إيجاد ما يحتمل شرطيّته كذلك لا يجب عليه الاجتناب عمّا يحتمل مانعيّته، و ذلك لجريان الأصل المؤمّن.

الشكّ في المانعيّة: ذكرنا فيما تقدّم أنّه إذا شكّ في شرطيّة شي‏ء فتجري البراءة لنفي الشرطيّة.

ثمّ إنّ هذه الشرطيّة على نحوين:

الأوّل: أن تكون الشرطيّة المحتملة الثبوت أمرا وجوديّا، و هذا ما يسمّى بالشرط عادة كالأمثلة المتقدّمة سابقا، فإنّ الشكّ في شرطيّة الهاشميّة في الفقير مثلا شكّ في أمر وجودي؛ لأنّ الهاشميّة صفة وجوديّة، و يكون الشكّ فيها راجعا إلى تقيّد الواجب بهذا القيد، و الذي تجري عنه البراءة كما تقدّم.

الثاني: أن تكون الشرطيّة المحتملة الثبوت أمرا عدميّا أو عدم أمر وجودي، و هذا ما

52

يسمّى بالمانع على تقدير وجود هذا الأمر، كما إذا شكّ في مانعيّة الضحك أو البكاء في الصلاة، أو شكّ في مانعيّة لبس الجلد المشكوك في الصلاة، فإنّ الشكّ هنا مرجعه إلى تقيّد الواجب بعدم هذا الأمر الوجودي، فتجري فيه البراءة لأنّه شكّ في تكليف زائد عمّا هو متيقّن و هو ذات الواجب.

***

53

دوران الواجب بين التعيين و التخيير العقلي‏

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}