شرح الرسائل - ج3

- مصطفى الاعتمادي المزيد...
672 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الكلام في الاستصحاب‏

(الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[في تعريف الاستصحاب‏]

المقام الثاني: في الاستصحاب و هو لغة أخذ الشي‏ء مصاحبا و منه)

أي من الاستصحاب بالمعنى اللغوي قول الفقهاء في عداد المبطلات‏

(استصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة و عند الأصوليين عرف بتعاريف)

تبلغ عشرة و نيف المذكور منها هنا سبعة

(أسدّها)

من حيث السلامة عن الايراد

(و أخصرها)

من حيث اللفظ

(ابقاء ما كان)

.

أقول: يمكن اسناد الابقاء إلى المكلّف فالاستصحاب أي ابقاء المكلّف لما كان، و حينئذ يكون نقل الاستصحاب عن معناه اللغوي إلى هذا المعنى نقلا للكلي إلى الفرد بعد تنزيل غير المحسوس منزلة المحسوس و يصح الاشتقاقات كمستصحب- بالفتح و الكسر- و يستصحب و نستصحب و يكون معنى قولنا: الاستصحاب حجة أنّ هذا الابقاء حق من جهة النص أو الإجماع أو العقل أو بناء العقلاء تعبّدا أو للظن بالبقاء، و يمكن اسناده إلى العقل أو الشرع فالاستصحاب أي ابقاء العقل أو الشرع لما كان.

(و المراد بالابقاء)

حينئذ هو

(الحكم بالبقاء)

لأنّ العقل أو الشرع إنّما

4

يحكمان ببقاء الموجود السابق لا أنّهما يأخذانه مصاحبا، و حينئذ يكون نقل الاستصحاب عن معناه اللغوي، أي أخذ الشي‏ء مصاحبا إلى هذا المعنى، أي الحكم بالبقاء نقلا إلى المباين، لأنّ الحكم بالبقاء أصحاب لا استصحاب و يكون المشتقات مغايرا في المعنى مع المشتق منه كما لا يخفى و كلاهما خلاف الأصل، ثم المراد من حكم العقل بالبقاء ظن العقل بالبقاء و النزاع في حجيته يرجع تارة إلى أصل الوجود بمعنى أنّ العقل يظن بالبقاء أم لا، و تارة إلى اعتبار هذا الظن على فرض وجوده، و المراد من حكم الشرع بالبقاء ايجاب الشارع ابقاء ما كان، فالنزاع في حجيته يرجع إلى أصل الوجود بمعنى أنّ الشارع أوجب الابقاء أم لا نظير البحث في حجية المفاهيم.

(و دخل الوصف «كون» في الموضوع «ما كان» مشعر بعلّيته «وصف» للحكم «ابقاء» فعلّة الابقاء هو أنّه كان، فيخرج ابقاء الحكم لأجل وجود علّته أو دليله)

فالابقاء قد يكون ببقاء العلّة كبقاء حرمة المائع ببقاء سكره، و قد يكون ببقاء الدليل كبقاء حكم الحنطة من الحل و الحرمة و الطهارة و النجاسة عند صيرورته دقيقا أو عجينا أو خبزا، فإنّ الدليل المثبت لحكم الحنطة شامل لجميع الحالات المتبادلة للقطع بعدم مدخلية عنوان الحنطة فيه، و هذان ليسا باستصحاب، و قد يكون لمجرد أنّه كان و هذا استصحاب‏

(و إلى ما ذكرنا يرجع تعريفه في الزبدة بأنّه اثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمن الأوّل بل نسبه «تعريف»)

المحقق الخوانساري‏

(شارح الدروس إلى القوم فقال:

إنّ القوم ذكروا أنّ الاستصحاب اثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه و أزيف التعاريف تعريفه)

في القوانين‏

(بأنّه كون حكم)

كالوجوب‏

(أو وصف)

كالحياة

(يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق، إذ لا يخفى أنّ كون حكم أو وصف كذلك هو محقق مورد الاستصحاب و محلّه لا نفسه)

أي كون شي‏ء متيقّنا ثم مشكوكا يوجب كون هذا الشي‏ء مجرى‏

5

الاستصحاب لا أنّ هذا الكون بعينه استصحاب‏

(و لذا صرّح في المعالم كما عن غاية المأمول بأنّ استصحاب الحال محله أن يثبت حكم في وقت ثم يجي‏ء وقت آخر و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على ما كان و هو الاستصحاب. انتهى.

و يمكن توجيه التعريف المذكور)

في القوانين‏

(بأنّ المحدود هو الاستصحاب المعدود من الأدلّة و ليس الدليل إلّا ما أفاد العلم أو الظن بالحكم، و المفيد للظن بوجود الحكم في الآن اللاحق ليس إلّا كونه يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق فلا مناص عن تعريف الاستصحاب المعدود من الأمارات إلّا بما ذكره- قده-)

حاصله: أنّ الاستصحاب عند المتأخّرين من الأصول التعبّدية فلا بدّ من تعريفه بابقاء ما كان لأنّه الوظيفة المقرّرة للشاك في مقام العمل، و عند القدماء من الأمارات الظنية و أمارة الظن هي كون الشي‏ء يقيني الحصول سابقا مشكوك البقاء لا حقا فهو الاستصحاب عندهم.

(لكن فيه)

مضافا إلى أنّ نقل الاستصحاب عن معناه اللغوي إلى هذا المعنى نقل إلى المباين و أنّه لا يصح منه المشتقات و قد ملئوا بها طواميرهم‏

(أنّ الاستصحاب كما صرّح به هو- قده- في أوّل الكتاب)

القوانين‏

(إن أخذ من العقل)

فإنّه يظن ببقاء ما كان‏

(كان داخلا في دليل العقل، و إن أخذ من الأخبار)

لقوله- (عليه السلام)-: لا تنقض اليقين إلخ‏

(فيدخل في السنّة، و على كل تقدير فلا يستقيم تعريفه بما ذكره)

غرضه إنّا نسلّم بالضرورة أنّ الدليل الموجب للظن و الأمارة المفيدة له هو كون الشي‏ء يقيني الحصول في السابق، مشكوك البقاء في اللاحق إلّا أنّ الاستصحاب أمر مغاير لذلك سواء جعلناه داخلا في دليل العقل أو في السنّة

(لأنّ دليل العقل هو حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي، و ليس هنا)

أي في مورد الشك في البقاء

(إلّا حكم العقل ببقاء ما كان، و المأخوذ من السنّة ليس إلّا وجوب الحكم ببقاء ما كان على ما كان.

6

فكون الشي‏ء معلوما سابقا مشكوكا فيه)

لاحقا

(لا ينطبق على الاستصحاب بأحد الوجهين)

. إن قلت: فكيف تطلق الأمارة على الاستصحاب. قلت: إمّا من باب اطلاق اسم السبب على المسبب حيث إنّ كون شي‏ء يقيني الحصول في السابق مشكوك البقاء في اللاحق سبب على ظن العقل بالبقاء، و امّا من جهة أنّ الأمارة كما يطلق على موجب الظن يطلق على نفس الظن أيضا

(نعم ذكر)

العضدي‏

(شارح المختصر)

لابن الحاجب‏

(أنّ معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يظن عدمه، و كلّما كان كذلك فهو مظنون البقاء فإن كان الحد هو خصوص الصغرى انطبق على التعريف المذكور)

في القوانين كما لا يخفى‏

(و إن جعل خصوص الكبرى انطبق على تعاريف المشهور)

لأنّ قولنا: كلّما كان كذلك فهو مظنون البقاء مرجعه إلى أنّ العقل يظن بقاء الشي‏ء الكذائي و هو الاستصحاب عند المتقدمين‏

(و كان صاحب الوافية استظهر منه كون التعريف مجموع المقدمتين فوافقه في ذلك، فقال: الاستصحاب هو التمسّك بثبوت ما ثبت في وقت)

كوجوب الصوم في رمضان‏

(أو حال على بقائه)

كتنجّس الماء حال التغيّر

(فيما بعد ذلك الوقت)

كيوم الشك من شوال‏

(أو في غير تلك الحال)

كزوال التغيّر بنفسه‏

(فيقال: إنّ الأمر الفلاني قد كان و لم يعلم عدمه و كلّما كان كذلك فهو باق. انتهى، و لا ثمرة مهمة في ذلك.

بقي الكلام في أمور:

[الأمر الأوّل إنّ عد الاستصحاب من الأصول مبني على استفادته من الأخبار]

الأوّل: إنّ عد الاستصحاب من الأحكام الظاهرية الثابتة للشي‏ء بوصف كونه مشكوك الحكم)

و بعبارة أخرى: كون الاستصحاب من الأصول و الوظائف التعبّدية المقرّرة للشاك في مقام العمل‏

(نظير أصل البراءة و قاعدة الاشتغال مبني على استفادته من الأخبار)

حاصله: أنّ بعضهم جعل الاستصحاب من الأصول التعبّدية كالبراءة و الاشتغال أي كما أنّ شرب التتن بمجرد أنّه مشكوك الحرمة حكمه الحلّية و البراءة، و صلاة الجمعة بمجرد الشك في أنّها واجبة أو الظهر

7

حكمها الاشتغال كذلك الماء الزائل تغيّره من قبل نفسه بمجرد الشك في بقاء نجاسته حكمه النجاسة، و هذا إنّما يتم إذا استفدناه من الأخبار فإنّها تأمرنا بأخذ الحالة السابقة

(و أمّا بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظني اجتهادي نظير القياس و الاستقراء على القول بهما)

إذ كما أنّ العقل يظن بالحكم الشرعي بوسيلة القياس أو الاستقراء، كذلك يظن بالحكم السابق بوسيلة كونه متيقّنا سابقا مشكوكا لاحقا

(و حيث إنّ المختار عندنا هو الأوّل ذكرناه في الأصول العملية المقررة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم.

لكن ظاهر كلمات الأكثر كالشيخ و السيدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم كونه حكما عقليا و لذا لم يتمسّك أحد هؤلاء فيه بخبر من الأخبار.

نعم ذكر في العدّة انتصارا للقائل بحجيته ما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من أنّ الشيطان ينفخ بين أليي المصلّي فلا ينصرفن أحدكم إلّا بعد أن يسمع صوتا أو يجد ريحا)

فأمر (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بالبقاء على الطهارة السابقة.

(و من العجب أنّه انتصر بهذا الخبر الضعيف)

لكونه نبويّا

(المختص بمورد خاص)

و ليس بقاعدة كلية

(و لم يتمسّك بالأخبار الصحيحة العامة المعدودة في حديث الأربعمائة من أبواب العلوم)

عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- عن آبائه: انّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- علّم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب قال في الباب 130: من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه‏

(و أوّل من تمسّك بهذه الأخبار فيما وجدته والد الشيخ البهائي فيما حكى عنه في العقد الطهماسي و تبعه صاحب الذخيرة و شارح الدروس و شاع بين من تأخّر عنهم. نعم ربما يظهر من الحلّي في السرائر الاعتماد على هذه الأخبار حيث عبر عن استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره من قبل نفسه بعدم نقض اليقين إلّا باليقين و هذه العبارة ظاهرة في أنّها مأخوذة من الأخبار.

[الأمر الثاني إنّ الاستصحاب على تقدير اعتباره من باب افادة الظن من الأدلّة العقلية]

الثاني: إنّ عد الاستصحاب على تقدير اعتباره من باب افادة الظن من‏

8

الأدلّة العقلية كما فعله غير واحد منهم)

و بالجملة عدّ الاستصحاب من الأمارات‏

(باعتبار أنّه حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي بواسطة خطاب الشارع)

حاصله: أنّك قد عرفت أنّ الاستصحاب إن كان معتبرا من باب الظن بالبقاء فهو معدود من الأدلّة العقلية، لأنّ العقل هو الذي يظن ببقاء الشي‏ء إذا كان متيقّنا سابقا مشكوكا لاحقا، و الدليل العقلي على قسمين مستقل و هو حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي بلا حاجة إلى خطاب الشرع كمسائل التحسين و التقبيح فيقال مثلا: الاحسان حسن و كل حسن مطلوب للشارع، فالاحسان مطلوب له و غير مستقل و هو حكم عقلي يتوصّل به إلى حكم شرعي بانضمام خطاب شرعي كالاستصحاب.

(فنقول: إنّ الحكم الشرعي الفلاني ثبت سابقا)

كنجاسة الماء المتغيّر

(و لم يعلم ارتفاعه)

بزوال التغيّر بنفسه مثلا

(و كلّما كان كذلك فهو باق فالصغرى شرعية و الكبرى عقلية ظنية فهو «استصحاب» و القياس و الاستحسان و الاستقراء نظير المفاهيم)

الوصفية و الشرطية و الغائية و غيرها

(و الاستلزامات)

كاستلزام الأمر بالشي‏ء وجوب مقدمته و حرمة ضده‏

(من العقليات الغير المستقلة)

فلاحظ العقل حرمة الخمر و ظن بمناطية السكر فيحرم النبذ، و لاحظ حرمة النظر إلى الأجنبية و الاستمتاعات كلّها فرجّح حرمة كلّما يناسب ذلك فيحرم التكلم و استقرأ حرمة بيع العنب ليعمل خمرا و حرمة بيع السلاح لأعداء الدين و نحو ذلك، فظن بحرمة مقدمة الحرام فيحرم أكل ما يتقوّى به للزنا، و لاحظ قوله: الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجسه شي‏ء، فقطع بالانتفاء عند الانتفاء فيتنجّس القليل بالملاقاة، و لاحظ اشتراط الصلاة بالطهارة فقطع بوجوب ما لا يتم الواجب إلّا به فيجب الوضوء.

[الأمر الثالث إنّ مسألة حجّية الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقلية مسألة أصولية]

(الثالث: إنّ مسألة)

حجّية

(الاستصحاب على القول بكونه «استصحاب» من الأحكام العقلية مسألة أصولية يبحث فيها عن كون الشي‏ء «استصحاب»

9

دليلا على الحكم الشرعي)

لأنّ مسائل كل علم تبحث عن عواض موضوعه، فالاستصحاب إذا كان من الأحكام العقلية، أي كان عبارة عن ظن العقل ببقاء ما كان فهو موضوع لعلم الأصول و الدليلية من عوارضه، فالبحث عنها مسألة أصولية

(نظير)

البحث عن‏

(حجية القياس و الاستقراء. نعم يشكل ذلك)

أي كون المسألة أصولية

(بما ذكره المحقق القمي- قده- في القوانين و حاشيته من أنّ مسائل الأصول ما يبحث فيها عن حال الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا)

كالبحث عن حالات الكتاب و السنّة من النسخ و التعارض و غيرهما بعد الفراغ عن دليليتهما في علم الكلام‏

(لا عن دليلية الدليل)

.

حاصله: أنّ موضوع علم الأصول ليس هو ذوات الأدلّة أي ذات الكتاب و السنّة و القياس و الاستصحاب و الخبر و غيرها حتى يكون البحث عن الدليلية بحثا عن العوارض و داخلا في المسائل بل الموضوع هو هذه الأمور بعد الفراغ عن دليليّتها، فالبحث عن الدليلية في جميع موارده بحث عن الموضوع و داخل في المبادئ كما قال:

(و على ما ذكره- قده- فيكون مسألة الاستصحاب كمسائل حجية الأدلّة الظنية كظاهر الكتاب و خبر الواحد و نحوهما)

من الإجماع المنقول و الشهرة و القياس و غيرها

(من المبادئ التصديقية للمسائل الأصولية، و حيث لم يبيّن في علم آخر)

بخلاف حجية الكتاب و السنّة فإنّها من الواضحات‏

(احتيج إلى بيانها في نفس العلم كأكثر المبادئ التصوّرية)

المبادئ التصورية هي تعريف العلم و بيان موضوعه، و غايته كما يقال: الأصول علم بالقواعد الممهدة إلى آخره.

و موضوعه الدليل و غايته الاستنباط، و المبادئ التصديقية قضايا يتوقّف الاستدلال في المسائل عليها مثلا الاستدلال على حكم تعارض الاستصحابين موقوف على تصديق حجيته.

(نعم، ذكر بعضهم أنّ موضوع الأصول ذوات الأدلّة من حيث يبحث عن دليليتها أو عمّا يعرض لها بعد الدليلية)

من التعارض و غيره. حاصله: أنّ صاحب‏

10

الفصول جعل موضوع الأصول ذوات الأدلّة، أي مع قطع النظر عن وصف دليليتها ثم جعل البحث عن دليليّتها من العوارض كالبحث عن التعارض و غيره فجعل مثلا ذات الاستصحاب موضوعا للأصول و جعل البحث عن دليليّته بحثا عن عوارض الموضوع كالتعارض فيدخل في المسائل، و القمي جعله موضوعا بوصف دليليته، فالبحث عنه يدخل في المبادئ‏

(و لعلّه موافق لتعريف الأصول بأنّه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الفرعية عن أدلتها)

فإنّ ظاهره أنّ وظيفة علم الأصول تعليم القواعد التي بمعونتها يستنبط الأحكام عن أدلّتها.

و بعبارة أخرى: تعليم الحجة فالبحث عن الحجية يعد من المسائل.

هذا كلّه على القول بكون الاستصحاب من الأدلّة الظنية و الأحكام العقلية

(أمّا على القول بكونه من الأصول العملية)

المقررة للشاك تعبّدا

(ففي كونه من المسائل الأصولية غموض)

بل هو بالقواعد الفقهية أشبه‏

(لأنّ الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنّة)

و هي حرمة نقض اليقين بالشك‏

(و ليس التكلّم فيه تكلّما في أحوال السنّة)

من التعارض و التخصيص و غيرهما

(بل هو)

تكلّم في مفاد السنّة

(نظير سائر القواعد المستفادة من الكتاب و السنّة، و المسألة الأصولية هي التي بمعونتها يستنبط هذه القاعدة من قولهم- (عليهم السلام)-: لا تنقض اليقين بالشك و هي المسائل الباحثة عن أحوال طريق الخبر)

كحجية خبر الثقة

(و عن أحوال الألفاظ الواقعة فيه)

كحجية ظواهر الألفاظ فإنّه إذا ثبت في الأصول حجية خبر الثقة و ظواهر الألفاظ فبمعونتها يستفاد من قوله- (عليه السلام)-: لا تنقض إلخ، وجوب ابقاء ما كان.

(فهذه القاعدة كقاعدة البراءة و الاشتغال نظير قاعدة نفي الضرر و الحرج من القواعد الفرعية المتعلّقة بعمل المكلّف)

.

اعلم انّ المسألة الفقهية تكون محمولها عارضا لفعل المكلّف و هي إمّا مسألة جزئية مثل الصلاة واجبة فإنّ الوجوب عارض للصلاة، و إمّا قاعدة كلية واقعية

11

أوّلية مثل: كلّما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فإنّ الضمان عارض للعقد الفاسد المضمون بصحيحه، و إمّا واقعية ثانوية مثل: لا حرج في الدين، فإنّ نفي التكليف عارض للأفعال الحرجية، و إمّا ظاهرية كقاعدة الاستصحاب فإنّ الوجوب عارض لا بقاء ما كان‏

(نعم يندرج تحت هذه القاعدة مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب)

كأصالة عدم التخصيص و النسخ و غيرهما

(كما تندرج المسألة الأصولية أحيانا تحت أدلّة نفي الحرج كما ينفي وجوب الفحص عن المعارض حتى يقطع بعدمه)

أي كما يستدل على كفاية الظن بعدم المعارض و عدم لزوم الفحص إلى حد القطع بالعدم‏

(بنفي الحرج)

فالاستصحاب من حيث جريانه في الفروع قاعدة فقهية و من حيث جريانه في الأصول مسألة أصولية كما لا يخفى، كما أنّ قاعدة نفي الحرج أيضا كذلك.

(نعم، يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية بأنّ اجرائها في مواردها، أعني: صورة الشك في بقاء الحكم الشرعي السابق كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره مختص بالمجتهد)

لأنّه الذي يتفحّص عن الدليل و له يحصل اليأس عنه فيتمسّك به‏

(و ليس وظيفة للمقلّد)

غرضه أنّ التكلّم في الاستصحاب و إن لم يعد من المسائل الأصولية بملاحظة أنّه تكلّم في مفاد السنّة لا في عوارض السنّة إلّا أنّه يعد من المسائل الأصولية بملاحظة أنّ اجراءه في الشبهات الحكمية وظيفة المجتهد فقط

(فهي ممّا يحتاج إليه المجتهد فقط و لا ينفع للمقلّد، و هذا من خواص المسألة الأصولية فإنّ المسائل الأصولية لما مهدت للاجتهاد و استنباط الأحكام من الأدلّة اختص التكلّم فيها بالمستنبط و لا حظّ لغيره فيها)

فاستفيد من كلامه- ره- أنّ الموجب لكون المسألة أصولية ثلاثة أمور: كون البحث عن عوارض الموضوع و اندراج المسألة الأصولية تحتها و اختصاص الانتفاع بها للمستنبط، و أمّا مجرد ذكرها في الاصول أو شهادة الأصولي فلا يوجبه.

(فإن قلت: إنّ اختصاص هذه المسألة بالمجتهد لأجل أنّ موضوعها و هو

12

الشك في الحكم الشرعي)

الكلي بسبب دليل غير معتبر

(و عدم قيام الدليل الاجتهادي)

المعتبر بعد الفحص‏

(عليه لا يتشخّص إلّا للمجتهد، و إلّا فمضمونه و هو العمل على طبق الحالة السابقة و ترتيب آثارها مشترك بين المجتهد و المقلّد.

قلت: جميع المسائل الأصولية كذلك لأنّ وجوب العلم بخبر الواحد و ترتيب آثار الصدق عليه ليس مختصّا بالمجتهد)

و قد كان معاصري المعصومين- (عليهم السلام)- و مقاربي أعصارهم من أهل اللسان يعملون بالروايات بل هم المخاطبون بوجوب العمل بروايات الثقات لقدرتهم يومئذ على تحصيل شرائط العمل أو لصدور الخطاب في زمن الحاجة. نعم ربما كانوا يقلّدون أيضا من رخّص المعصوم في تقليده، و أمّا في أمثال زماننا فلا بدّ من التقليد لعدم قدرة الجاهل على تحصيل شرائط العمل بالرواية و إن كان من أهل اللسان كما قال:

(نعم تشخيص مجرى خبر الواحد و تعيين مدلوله و تحصيل شروط العمل به مختصّ بالمجتهد لتمكّنه من ذلك و عجز المقلّد عنه، فكأنّ المجتهد نائب عن المقلّد في تحصيل مقدمات العمل بالأدلّة الاجتهادية و تشخيص مجاري الأصول العملية و إلّا فحكم اللّه الشرعي في الأصول و الفروع مشترك بين المجتهد و المقلّد)

و قلّما يختصّ حكم اللّه ببعض المناصب كفصل الخصومات و اجراء الحدود فإنّ الخطاب بأمثال ذلك متوجّه إلى الحكام و قيل: بأنّ الخطاب بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مختص بالإمام و نائبه الخاص.

(و قد جعل بعض السادة الفحول)

أي العلامة الطباطبائي بحر العلوم- ره-

(الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده)

كاثبات نجاسة الماء الزائل تغيّره بنفسه بالاستصحاب‏

(و جعل قولهم- (عليهم السلام)-: لا تنقض اليقين بالشك دليلا على الدليل نظير آية النبأ بالنسبة إلى خبر الواحد)

غرضه أنّ الاستصحاب ليس هو عين مفاد أخبار لا تنقض حتى يكون قاعدة فقهية مستفادة من السنّة كسائر القواعد الفقهية، بل هو عبارة عن ابقاء ما كان، و دليل اعتباره هو أخبار لا تنقض و مفادة

13

الحكم الشرعي كتنجّس الماء المتنجّس سابقا فهو نظير خبر العادل فإنّ دليل اعتباره آية النبأ و مفاده حرمة العصير مثلا، فكما أنّ البحث عن اعتبار خبر العادل مسألة أصولية كذلك البحث عن اعتبار الاستصحاب‏

(قال: إنّ استصحاب الحكم المخالف للأصل في شي‏ء)

كاستصحاب حرمة العنب بالغليان بعد صيرورته زبيبا المخالف لأصالة الحل‏

(دليل شرعي رافع لحكم الأصل. و)

بعبارة أخرى‏

(مخصص لعمومات الحل- إلى أن قال في آخر كلام له سيأتي نقله:- و ليس عموم قولهم: لا تنقض اليقين بالشك، بالقياس إلى أفراد الاستصحاب و جزئياته إلّا كعموم آية النبأ بالقياس إلى آحاد الأخبار المعتبرة. انتهى.

أقول: معنى الاستصحاب الجزئي في المورد الخاص كاستصحاب نجاسة الماء المتغيّر ليس إلّا الحكم بثبوت النجاسة في ذلك الماء النجس سابقا، و هل هذا إلّا نفس الحكم الشرعي، و هل الدليل عليه إلّا قولهم- (عليهم السلام)-: لا تنقض اليقين بالشك)

حاصله: أنّ الموجود في موارد اجراء الاستصحاب أمران: أحدهما: الحكم الشرعي كنجاسة الماء النجس سابقا، و الآخر الدليل و هو أخبار لا تنقض، و في موارد العمل بالخبر ثلاثة أمور: حرمة العصير مثلا، و دليله خبر زرارة مثلا و دليل الدليل آية النبأ، فالاستصحاب ليس أمرا آخر غير الحكم الشرعي المستفاد من السنّة حتى يكون البحث فيه مسألة أصولية بخلاف الخبر.

(و بالجملة فلا فرق بين الاستصحاب و سائر القواعد المستفادة من العمومات)

في أنّها قواعد فقهية إلّا أنّ في قاعدة الاستصحاب خصوصية توجب عدّها من المسائل الأصولية أيضا

(هذا كلّه في الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية المثبت للحكم الظاهري الكلي)

كنجاسة الماء الزائل تغيّره بنفسه، و طهارة من خرج عنه المذي‏

(و أمّا الجاري في الشبهة الموضوعية كعدالة زيد و نجاسة ثوبه و فسق عمرو و طهارة بدنه، فلا إشكال في كونه حكما فرعيا)

.

لأن المسألة الأصولية كما مرّت الاشارة هي التي تقع نتيجتها في طريق‏

14

استنباط الحكم الكلي مثلا، نتيجة المسألة الأصولية حجية خبر الثقة فيقول الفقيه في مقام الاستنباط نجاسة العصير دل عليها خبر الثقة و هو حجة، أي مؤدّاه حكم اللّه، فنجاسة العصير حكم اللّه، و على هذا تكون مسألة الاستصحاب بالنسبة إلى موارد الشبهة الحكمية مسألة أصولية، و بالنسبة إلى موارد الشبهة الموضوعية مسألة فقهية. أمّا الأوّل فلأنّ نتيجة المسألة و هي حجية الاستصحاب في الشبهة الحكمية يقع في طريق الاستنباط فيقول الفقيه مثلا الماء الزائل تغيّره بنفسه كان نجسا فهو باق بحكم الاستصحاب فالماء المذكور نجس، و أمّا الثاني فلأنّ نتيجة المسألة و هي حجية الاستصحاب في الشبهات الموضوعية، تكون مسألة فقهية يشترك فيها المجتهد و المقلّد و ستعرف سرّه‏

(سواء كان التكلّم فيه من باب الظن أم كان من باب كونها قاعدة تعبّدية مستفادة من الأخبار.

لأنّ التكلّم فيه على الأوّل)

أي بناء على كونه من الأمارات الظنية

(نظير التكلّم في اعتبار سائر الأمارات كيد المسلمين و سوقهم و البيّنة و الغلبة و نحوها)

من الأمارات الجارية

(في الشبهات الخارجية، و على الثاني)

أي بناء على كونه من الأصول التعبّدية

(من باب أصالة الطهارة و عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ و نحو ذلك)

و السر في ذلك أنّ الأمور التي يتمسّك بها في الأحكام دليلا كان أو أصلا يتوقّف التمسّك بها على مقدمات لا تحصل إلّا للمجتهد كما مرّ، فهي تقع في طريق الاستنباط المختص للمجتهد فيبحث عنها في الأصول، و أمّا الأمور التي يتمسّك بها في الموضوعات أمارة كان أو أصلا فلا يتوقّف التمسّك بها على الفحص و غيره، فيمكن اجرائها لكل مكلّف فهي لا تقع في طريق الاستنباط، و من هنا تراهم أنّهم لا يلقون أدلّة الأحكام على المقلّد بل يذكرون فتواهم بأنّ الماء إذا زال تغيّره بنفسه تبقى نجاسته بخلاف أدلّة الموضوعات فيلقونها إلى المقلّد و يقولون مثلا بأنّه لو قامت البيّنة على نجاسة الماء يؤخذ بها و لو كان ماء نجسا فشك فيه يستصحب.

15

[الرابع إنّ المناط في اعتبار الاستصحاب هل هو عدم العلم بالخلاف‏]

الرابع: إنّ المناط في اعتبار الاستصحاب)

هل هو عدم العلم بالخلاف الشامل لصور الظن بالبقاء و الظن بالارتفاع و الشك فيهما أو المناط هو الظن الشخصي بالبقاء فلا يجري في مورد الشك و لا الظن بالخلاف أو المناط عدم الظن بالخلاف فيجري في مورد الشك، و الظن بالبقاء أو المناط الظن النوعي بمعنى أنّ الأمر الثابت لو خلّي و طبعه و قطع النظر عن المزاحمات و العوارض يظن ببقائه فيجري مطلقا كالفرض الأوّل نقول مناط الاستصحاب‏

(على القول بكونه من باب التعبّد الظاهري)

الثابت بالأخبار

(هو مجرد عدم العلم بزوال الحالة السابقة)

لأنّه المراد من الشك في قوله- (عليه السلام)-: لا تنقض اليقين بالشك، لا الاحتمال المتساوي الطرفين فقط بقرينة وقوعه في جميع الأخبار في مقابل اليقين و حصر الناقض فيها باليقين بالخلاف كما يأتي في التنبيه الثاني عشر. غاية الأمر أنّه إذا قام الظن بالخلاف و كان معتبرا يكون مقدما على الاستصحاب من باب الحكومة لا أنّ مناط الاستصحاب عدم الظن بالخلاف، و يظهر من العبارة الآتية من الشهيد اختصاص الأخبار بصورة الظن بالبقاء و هو فاسد.

(و أمّا على القول بكونه من باب الظن)

أي حكم العقل بدوام ما ثبت‏

(فالمعهود من طريقة الفقهاء عدم اعتبار افادة الظن في خصوص المقام)

أي عدم اعتبار الظن الشخصي في كل مورد

(كما يعلم ذلك من حكمهم بمقتضيات الأصول كلية)

فيحكمون مثلا بأنّ من تيقّن بالطهارة و شك في الحدث فهو متطهّر و بالعكس‏

(مع عدم اعتبارهم أن يكون العامل بها ظانّا ببقاء الحالة السابقة، و يظهر ذلك لأدنى متتبع في أحكام العبادات)

كالمثال المتقدم‏

(و المعاملات)

كأصالة بقاء العدة و الوكالة و الحياة

(و المرافعات)

كما يحكمون بأنّ المنكر هو الذي كان قوله موافقا لأصل كأصالة عدم الدين و عدم النقل‏

(و السياسات)

كاستصحاب الحد على شارب الخمر إذا تاب بعد قيام البيّنة.

(نعم)

يظهر من كلام العضدي حيث قال: معنى استصحاب الحال أنّ‏

16

الحكم الفلاني قد كان و لم يظن عدمه إلخ، أنّه يعتبر عدم الظن بالخلاف، و

(ذكر شيخنا البهائي- قده- في الحبل المتين في باب الشك في الحدث بعد الطهارة ما يظهر منه اعتبار الظن الشخصي حيث قال: لا يخفى أنّ الظن الحاصل بالاستصحاب فيمن تيقّن الطهارة و شك في الحدث لا يبقى على نهج واحد بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا، بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان، بل ربما يصير الراجح مرجوحا كما إذا توضّأ عند الصبح و ذهل عن التحفظ ثم شك عند المغرب في صدور الحدث منه و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت، و الحاصل أنّ المدار على الظن فما دام باقيا فالعمل عليه و إن ضعف، انتهى كلامه- رفع مقامه-.

و يظهر من)

المحقق الخوانساري‏

(شارح الدروس ارتضائه حيث قال- بعد حكاية هذا الكلام-: و لا يخفى أنّ هذا)

أي كون المناط هو الظن الشخصي‏

(إنّما يصح)

بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الأمارية. و بعبارة أخرى يصح‏

(لو بنى المسألة على أنّ ما تيقّن بحصوله في وقت و لم يعلم أو يظن طرو ما يزيله يحصل الظن ببقائه و الشك في نقيضه)

أي مجرد احتمال الارتفاع‏

(لا يعارضه إذ الضعيف لا يعارض القوي، لكن هذا البناء ضعيف جدا بل بنائها على الروايات مؤيدة بأصالة البراءة في بعض الموارد)

و هي موارد كون الاستصحاب نافيا للتكليف كاستصحاب البراءة قبل الشرع أو حال الصغر أو الجنون عند الشك في وجوب شي‏ء أو حرمته فإنّه يجوز هنا التمسّك بأصل البراءة أيضا.

(و هي «روايات» تشمل الشك و الظن معا فاخراج الظن منها)

و استفادة صورة الظن بالبقاء فقط

(ممّا لا وجه له أصلا، انتهى كلامه، و يمكن استظهار ذلك من الشهيد- قده- في الذكرى حيث ذكر أنّ قولنا اليقين لا ينقضه الشك لا يعنى به اجتماع اليقين و الشك)

و هو محال‏

(بل المراد أنّ اليقين الذي كان في الزمن الأوّل لا يخرج عن حكمه بالشك في الزمن الثاني لأصالة بقاء ما كان فيؤول‏

17

إلى اجتماع الظن و الشك في الزمان الواحد، فيرجّح الظن عليه كما هو)

أي ترجيح الظن الشخصي على الشك‏

(مطّرد في العبادات. انتهى كلامه)

فإنّ المصلّي إذا شك في ركعات الصلاة يقدّم ظنّه الشخصي على شكه. نعم قد يكون المقدّم على الشك هو الظن النوعي كرجوع الشاكّ من الإمام و المأموم على الحافظ منهما

(و مراده من الشك)

ليس هو الاحتمال المتساوي الطرفين لأنّه لا يجتمع مع الظن كعدم اجتماعه مع اليقين، بل‏

(مجرد الاحتمال)

الضعيف المجامع مع الظن‏

(بل ظاهر كلامه)

أي ظاهر قوله: قولنا اليقين لا ينقضه الشك‏

(أنّ المناط في اعتبار الاستصحاب من باب أخبار عدم نقض اليقين بالشك هو الظن)

الشخصي‏

(أيضا فتأمّل)

فإنّ مجرد تعبير الشهيد- ره- بأنّ اليقين لا ينقضه الشك لا يدلّ على أنّه أخذ الاستصحاب من الأخبار، و أنّ مراد الأخبار اعتبار الظن الشخصي بالبقاء.

[الأمر الخامس في الفرق بين الاستصحاب و الاستصحاب القهقرى و قاعدة اليقين‏]

(الخامس: إنّ)

كلّا من الاستصحاب المصطلح و الاستصحاب القهقرى و قاعدة اليقين يحتاج إلى يقين و شك إلّا انّ بينها تباين كلي لا يجمعها دليل واحد إذ

(المستفاد من تعريفنا السابق)

أي ابقاء ما كان‏

(الظاهر في اسناد الحكم بالبقاء إلى مجرد الوجود السابق)

أي ابقاء ما كان لمجرد أنّه كان و إن لم يكن معلوما حينما كان‏

(انّ الاستصحاب يتقوّم بأمرين:

أحدهما: وجود الشي‏ء في زمان سواء علم به في زمان وجوده)

كما إذا كان زيد يوم الجمعة عادلا و كان العلم به يومئذ حاصلا

(أم لا)

بأن تقدّم الوجود و تأخّر العلم أو الظن المعتبر كما قال:

(نعم لا بدّ من احراز ذلك حين ارادة الحكم بالبقاء بالعلم أو الظن المعتبر)

كما إذا علمنا يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة

(و أمّا مجرد الاعتقاد بوجود شي‏ء في زمان مع زوال ذلك الاعتقاد في زمان آخر)

كما إذا علمنا يوم الجمعة بعدالة زيد يوم الجمعة ثم شككنا يوم السبت في عدالته يوم الجمعة

(فلا يتحقق معه الاستصحاب الاصطلاحي)

بل يتحقق قاعدة

18

اليقين المسماة بالشك الساري لسراية الشك إلى المتيقّن‏

(و أنّ توهّم بعضهم جريان عموم لا تنقض فيه كما سننبّه عليه)

و ننبّه بأنّ الأخبار لا يمكن أن يشملهما للزوم الاستعمال في الأكثر بلا جامع.

(و الثاني: الشك في وجوده في زمان لا حق عليه «زمان» فلو شك في زمان سابق عليه «زمان»)

كما إذا ثبت عدالة زيد يوم الجمعة و شك في عدالته يوم الخميس‏

(فلا استصحاب و قد يطلق عليه الاستصحاب القهقرى مجازا)

لأنّه أيضا جر المتيقّن إلى زمن الشك و لكن لا يشمله الأخبار و لا وجه لحجيته إن لم يرجع إلى المصطلح كأصالة عدم النقل عند الشك في المعنى اللغوي مع العلم بالمعنى العرفي. و بالجملة إن كان المتيقّن غير المشكوك و كان المشكوك متأخّرا فهو مورد الاستصحاب المصطلح أو متقدما فهو مورد الاستصحاب القهقري و إن كان المتيقّن عين المشكوك فهو مورد قاعدة اليقين.

(ثم المعتبر هو الشك الفعلي الموجود حال الالتفات إليه «شي‏ء» أمّا لو لم يلتفت فلا استصحاب و إن فرض شك فيه على فرض الالتفات)

حاصله: أنّ اليقين و الشك قد يكونان فعليين كما إذا التفت إلى حاله و شك في أنّه تطهّر بعد الحدث أم لا، و قد يكونان تقديريين كما إذا غفل عن حاله بعد الحدث و لكنّه بحيث لو التفت لكان شاكا فيه، و الاستصحاب يجري في الفرض الأوّل فقط لأنّ حرمة النقض في الأخبار موضوعه الشك في بقاء ما كان فما دام لم يكن الموضوع فعليا لا يكون حرمة النقض فعليا، و أيضا ما دام لم يشك في بقاء الحدث لا معنى لجعل الحكم الظاهري، أعني: وجوب الطهارة على الشاك في رفع الحدث و أشار إلى ثمرة المطلب بقوله:

(فالمتيقن للحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق)

قبل الصلاة

(فشك جرى الاستصحاب في حقه)

أي يحكم عليه ظاهرا بوجوب التطهّر

(فلو غفل عن ذلك)

أي عن كون وظيفته التطهّر لأجل الاستصحاب‏

(و صلّى، بطلت صلاته لسبق الأمر بالطهارة و لا يجري في حقه حكم الشك في الصحة بعد

19

الفراغ عن العمل لأنّ مجراه)

أي قاعدة الفراغ‏

(الشك الحادث بعد الفراغ لا الموجود من قبل)

و الفرض أنّ هذا الشك حصل له قبل الصلاة و جرى في حقه الاستصحاب.

(نعم)

لو لم يعرض له شك قبل الصلاة أصلا أي‏

(لو غفل عن حاله بعد اليقين بالحدث و صلّى ثم التفت و شك في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهّرا أجرى في حقه قاعدة الشك بعد الفراغ لحدوث الشك)

و الالتفات إلى الحال‏

(بعد العمل و عدم وجوده قبله حتى يوجب الأمر بالطهارة و النهي عن الدخول فيه بدونها. نعم هذا الشك اللاحق يوجب الاعادة بحكم استصحاب عدم الطهارة لو لا حكومة قاعدة الشك بعد الفراغ عليه «استصحاب» فافهم)

فانّ هذا أصل مثبت لأنّ استصحاب الحدث يستلزم عقلا كون المأتي به غير المأمور به و هو يستلزم عقلا وجوب الاعادة.

[الأمر السادس في تقسيم الاستصحاب‏]

(السادس: في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام: ليعرف أنّ الخلاف في مسألة الاستصحاب في كلّها أو في بعضها فنقول: إنّ له تقسيما باعتبار المستصحب و آخر باعتبار الدليل الدال عليه و ثالثا باعتبار الشك المأخوذ فيه)

و بالجملة أركان الاستصحاب ثلاثة: المستصحب و اليقين و الشك فهو ينقسم باعتبار هذه الثلاثة و حيث إنّ اليقين يحتاج إلى الدليل فيلاحظ في التقسيم حاله لا حال نفس اليقين ثم إنّ الأقسام كثيرة إلّا أنّ المقصود التعرّض بمحل الخلاف و الوفاق و بماله نفع معتد به.

(أمّا)

تقسيم الاستصحاب‏

(بالاعتبار الأوّل)

أي المستصحب‏

(فمن وجوه:

أحدها: من حيث إنّ المستصحب قد يكون أمرا وجوديا)

سواء كان حكما تكليفيا

(كوجوب شي‏ء أو)

وضعيا مثل‏

(طهارته أو)

موضوعا خارجيا مثل‏

(رطوبته أو نحو ذلك، و قد يكون عدميا و هو على قسمين: أحدهما:)

عدم‏

(اشتغال الذمة بتكليف شرعي و يسمّى عند بعضهم بالبراءة الأصلية و أصالة

20

النفي)

. و بالجملة استصحاب عدم التكليف الثابت قبل الشرع أو حال الصغر أو الجنون‏

(و الثاني غيره)

سواء كان راجعا إلى الألفاظ

(كعدم نقل اللفظ عن معناه و عدم القرينة و)

عدم التخصيص و التقييد أو راجعا إلى غيرها مثل‏

(عدم موت زيد و)

عدم‏

(رطوبة الثوب و)

عدم‏

(حدوث موجب الوضوء أو الغسل و نحو ذلك.

و لا خلاف في كون الوجودي محل النزاع، و أمّا العدمي فقد مال الأستاذ)

شريف العلماء

(- قده- إلى عدم الخلاف فيه تبعا لما حكاه عن استاذه السيد صاحب الرياض من دعوى الإجماع على اعتباره في العدميات، و استشهد)

الأستاذ

(على ذلك بعد نقل الإجماع المذكور باستقرار سيرة العلماء على التمسك بالأصول العدمية مثل أصالة عدم القرينة و النقل و الاشتراك و غير ذلك، و)

استشهد أيضا

(ببنائهم هذه المسألة على كفاية العلّة المحدثة للابقاء)

حاصله: أنّ كل ما يوجد في العالم لا يخلو عن علّة محدثة، و هذه العلّة إن كانت مبقية أيضا فيجري الاستصحاب عند الشك و إلّا فلا، و معلوم أنّ هذا الكلام مختص بالوجوديات لأنّ العدم لا يحتاج إلى علّة حتى يبحث في كونها مبقية.

(أقول: ما استظهره- قده- لا يخلو عن خفاء أمّا دعوى الإجماع فلا مسرح)

أي لا مجال‏

(لها في المقام مع ما سيمر بك من تصريحات كثيرة بخلافها «دعوى»)

فأين الإجماع‏

(و إن كان يشهد لها ظاهر التفتازاني في شرح الشرح)

للعضدي لكتاب مختصر الأصول لابن حاجب‏

(حيث قال: إنّ خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنّما هو في الاثبات دون النفي الأصلي)

لعلّ مراده منه استصحاب عدم التكليف قبل الشرع و نحوه.

(و أمّا سيرة العلماء فقد استقرّت في باب الألفاظ على التمسّك بالأصول الوجودية)

كأصالة بقاء المعنى الأوّل‏

(و العدمية)

كأصالة عدم القرينة

(كلتيهما)

حاصله: أنّ حجية الأصول اللفظية ليست مبتنية على حجية الاستصحاب بل من جهة الظهور النوعي الذي يعتمده أهل اللسان من دون فرق بين الأصول‏

21

الوجودية و العدمية

(قال الوحيد البهبهاني في رسالته الاستصحابية بعد نقل القول بانكار اعتبار الاستصحاب مطلقا عن بعض و اثباته عن بعض و التفصيل عن بعض آخر ما هذا لفظه: لكن الذي نجد من الجميع حتى من المنكر مطلقا أنّهم يستدلون بأصالة عدم النقل فيقولون: الأمر حقيقة في الوجوب عرفا، فكذا لغة لأصالة عدم النقل، و يستدلون بأصالة بقاء المعنى اللغوي فينكرون الحقيقة الشرعية إلى غير ذلك كما لا يخفى على المتتبع انتهى، و حينئذ)

أي إذا كانت الأصول اللفظية منوطة بالظهور المعتبر عند أهل اللسان‏

(فلا شهادة في السيرة الجارية في باب الألفاظ على خروج العدميات)

عن محل الخلاف في باب الاستصحاب.

(و أمّا استدلالهم على اثبات الاستصحاب باستغناء الباقي عن المؤثر الظاهر الاختصاص بالوجودي)

لما مرّ من أنّ العدم لا يحتاج إلى العلّة أصلا حتى يبحث في أنّ بقاءه محتاج إلى العلّة أو يكفي العلّة المحدثة

(فمع أنّه)

إنّما يتم في العدم الأزلي، و أمّا العدم بعدم الوجود فيحتاج إلى العلّة و يجري فيه الكلام المتقدم، و مع أنّه‏

(معارض باختصاص بعض أدلتهم الآتي بالعدمي)

مثل إنّ الاستصحاب لو كان حجة لترجح بيّنة المنكر لكونها مؤيدة بأصالة العدم. و بالجملة لو كان اختصاص بعض الأدلة بالوجوديات دليلا على خروج العدميات لكان اختصاص بعضها الآخر بالعدميات دليلا على خروج الوجوديات عن محل النزاع‏

(و)

مع أنّه معارض‏

(بأنّه يقتضي أن يكون النزاع مختصّا بالشك من حيث المقتضي)

كالشك في بقاء نجاسة الماء بعد زوال تغيّره بنفسه‏

(لا من حيث الرافع)

كالشك في بقاء الطهارة إذ في موارد الشك في الرافع لا معنى للبحث في أنّ الباقي محتاج إلى العلّة أم لا إذ وجود المؤثر في البقاء مقطوع فيه، فإنّ الوضوء يؤثر في الطهارة ما لم يعرض رافع فيكون الاستصحاب فيه وفاقيا و ليس كذلك.

و بالجملة مضافا إلى جميع ذلك‏

(يمكن توجيهه أيضا بأنّ الغرض الأصلي‏

22

هنا لما كان هو المتكلّم في الاستصحاب الذي هو من أدلة الأحكام الشرعية اكتفوا بذكر ما يثبت الاستصحاب الوجودي)

حاصله: أنّ الاستصحاب العدمي ليس بخارج عن محل النزاع إلّا أنّ المقصود العمدة للأصولي هو البحث عن القواعد الممهدة لاثبات الأحكام الشرعية الكلية، و من جملة هذه القواعد هو الاستصحاب الوجودي إن تم حجيته فاكتفوا بذكر ما يثبته و هو استغناء الباقي عن المؤثر.

(مع أنّه يمكن أن يكون الغرض تتميم المطلب في العدمي بالإجماع المركب)

لأنّ منهم من قال: بحجية الاستصحاب مطلقا، و منهم من قال: بعدمها مطلقا، و منهم من قال: بحجيته في العدمي دون الوجودي و لم يقل أحد بالعكس، فإذا ثبت حجيته في الوجودي ثبت في العدمي بالإجماع المركب‏

(بل الأولوية لأنّ الموجود إذا لم يحتج في بقائه إلى المؤثر)

لكفاية العلّة المحدثة في البقاء

(فالمعدوم كذلك بالطريق الأولى. نعم ظاهر عنوانهم للمسألة باستصحاب الحال و تعريفهم له)

بابقاء ما كان‏

(ظاهر الاختصاص بالوجودي)

لأنّ المراد بالحال الحال الموجود، و المراد بما كان هو ما وجد سابقا

(إلّا أنّ)

ذلك أيضا كالوجوه الثلاثة المتقدمة لا يثبت المدّعى، أعني: خروج العدميات عن محل الخلاف لأنّ‏

(الوجه فيه)

أي في العنوان باستصحاب الحال و التعريف بابقاء ما كان‏

(بيان الاستصحاب الذي هو من الأدلة الشرعية للأحكام، و لذا عنونه بعضهم بل الأكثر باستصحاب حال الشرع)

مع أنّ الاستصحاب الذي هو محل البحث أعم من استصحاب الحكم و الموضوع.

(و ممّا ذكرنا يظهر عدم جواز الاستشهاد على اختصاص محل النزاع بظاهر قولهم في عنوان المسألة باستصحاب الحال في الوجودي)

الجار متعلّق بالاختصاص‏

(و إلّا لدلّ تقييد كثير منهم العنوان باستصحاب حال الشرع على اختصاص النزاع بغير الأمور الخارجية)

و بالجملة محل النزاع أعم من الاستصحاب الوجودي و العدمي و الحكمي و الموضوعي، و عنوان استصحاب‏

23

الحال من جهة أنّ العمدة بيان الاستصحاب الوجود المثبت للحكم الشرعي الكلي لا أنّ العدمي خارج عن محل النزاع، كما أنّ عنوان حال الشرع أيضا من جهة ذلك لا أنّ الموضوعي خارج عن محل النزاع.

(و ممن يظهر منه دخول العدميات في محل الخلاف الوحيد البهبهاني فيما تقدّم منه)

من انكار بعضهم الاستصحاب مطلقا و اثبات بعضهم له مطلقا و تفصيل بعضهم، فإنّ الظاهر أنّ معنى قوله مطلقا أي أعم من الوجودي و العدمي و الحكمي و الأمر الخارجي و إن احتمل ضعيفا أن يكون معناه أي أعم من الحكمي و الأمر الخارجي من دون نظر إلى الوجودي و العدمي‏

(بل لعلّه صرّح بذلك بملاحظة ما ذكره قبل ذلك في تقسيم الاستصحاب)

فإنّه قسّمه إلى العدميات و الوجوديات و الحكميات و الخارجيات فيكون قوله: مطلقا راجعا إلى جميعها بالصراحة

(و أصرح من ذلك في عموم محل النزاع استدلال النافين في كتب الخاصة و العامّة بأنّه لو كان الاستصحاب معتبرا لزم)

عند تعارض البيّنات‏

(ترجيح بيّنة النافي لاعتضاده بالاستصحاب)

أي بأصالة العدم‏

(و استدلال المثبتين كما في المنية «لعميد الدين» بأنّه لو لم يعتبر الاستصحاب لانسد باب استنباط الأحكام من الأدلة لتطرق احتمالات فيها)

كوجود المعارض و التخصيص و النسخ و النقل و غير ذلك‏

(لا يندفع إلّا بالاستصحاب)

أي بالأصول العدمية كأصالة عدم النسخ و التخصيص و القرينة. و بالجملة يعلم من دليل الطرفين أنّ العدميات أيضا محل البحث.

(و ممّن أنكر الاستصحاب في العدميات صاحب المدارك حيث أنكر اعتبار استصحاب عدم التذكية الذي تمسّك به الأكثر لنجاسة الجلد المطروح)

في الطريق، و علّله بعدم اعتبار الاستصحاب أصلا، و بأنّه معارض باستصحاب عدم الموت حتف أنف‏

(و بالجملة فالظاهر أنّ المتتبع يشهد بأنّ العدميات ليست خارجة عن محل النزاع بل سيجي‏ء عند بيان أدلّة الأقوال إنّ القول بالتفصيل بين‏

24

العدمي و الوجودي بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظن، وجوده بين العلماء لا يخلو من اشكال فضلا عن اتفاق النافين عليه إذ ما من استصحاب وجودي إلّا و يمكن معه فرض استصحاب عدمي يلزم من الظن به «عدمي» الظن بذلك المستصحب الوجودي، فيسقط فائدة نفي اعتبار الاستصحابات الوجودية)

.

حاصله: أنّه لو كان الاستصحابات العدمية حجة بلا خلاف لكان البحث في حجية الاستصحابات الوجودية لغوا إذ في جميع موارد ارادة الاستصحاب الوجودي يمكن تعويضه بالاستصحاب العدمي مثلا استصحاب حياة زيد لاثبات وجوب نفقة عياله يعوّض باستصحاب عدم موته، و كذا استصحاب طهارة الماء لاثبات طهارة الثوب المغسول به يعوّض باستصحاب عدم نجاسته، و هكذا لأنّ لكل شي‏ء ضد فبنفي أحد الضدين يثبت الضد الآخر كما يثبت الحياة بنفي الموت و الطهارة بنفي النجاسة، إلّا أنّ هذا أي اثبات أحد الضدين بنفي الآخر أصل مثبت لأنّ الحياة من اللوازم العقلية لعدم الموت، و الطهارة من اللوازم العقلية لعدم النجاسة، و حجية الأصل المثبت تتم بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظن لأنّ الظن بعدم الموت عين الظن بالحياة، و أمّا بناء على اعتباره من باب الأخبار فلا كما يأتي‏

(و انتظر لتمام الكلام.

و ممّا يشهد بعدم الاتفاق في العدميات اختلافهم في أنّ النافي يحتاج إلى دليل أم لا فلاحظ ذلك العنوان تجده شاهد صدق على ما ادّعينا)

حاصله: أنّ كل واقعة اختلف فيها بين النفي و الاثبات كأن يقول أحدهما: بالتكليف و الآخر بعدمه، أو يقول أحدهما: بنقل اللفظ عن معناه و أنكره الآخر، أو يقول أحدهما:

بتحقّق المعاملة و أنكرها الآخر، يكون قول النافي موافقا لأصل العدم دائما، فذهب جمع إلى أنّ النافي لا يحتاج إلى الدليل يعني أنّ أصالة العدم حجة له مكفية، و جمع إلى أنّه محتاج إلى الدليل يعني أنّ أصالة العدم لا تغني عن شي‏ء.

25

(نعم ربّما يظهر من بعضهم خروج بعض الأقسام من العدميات من محل النزاع كاستصحاب النفي المسمّى بالبراءة الأصلية)

أي استصحاب عدم التكليف قبل الشرع أو حال الصغر و الجنون‏

(فإنّ المصرح به في كلام جماعة كالمحقق و العلامة و الفاضل الجواد الاطباق على العمل عليه، و كاستصحاب عدم النسخ فإنّ المصرح به في كلام غير واحد كالمحدث الأسترآبادي و المحدث البحراني عدم الخلاف فيه، بل مال الأوّل إلى كونه من ضروريات الدين و ألحق الثاني بذلك)

أي بأصالة عدم النسخ‏

(استصحاب عدم المخصّص و المقيّد.

و التحقيق أنّ اعتبار الاستصحاب بمعنى التعويل في تحقق شي‏ء في الزمان الثاني على تحققه في الزمان السابق عليه مختلف فيه من غير فرق بين الوجودي و العدمي. نعم قد يتحقق في بعض الموارد قاعدة أخرى يوجب الأخذ بمقتضى الحالة السابقة كقاعدة قبح التكليف من غير بيان)

فإنّه ممّا استقل به العقل‏

(أو عدم الدليل دليل العدم)

هذه القاعدة لا دليل على حجيتها

(أو ظهور الدليل الدال على الحكم في استمراره)

المنافي للنسخ‏

(أو عمومه أو اطلاقه أو غير ذلك)

كارادة الحقيقة

(و هذا لا ربط له باعتبار الاستصحاب)

.

حاصله: أنّ الاستصحاب محل خلاف مطلقا و الموارد المذكورة ليست من باب الاستصحاب بمعنى التعويل على الثبوت في السابق بل من باب الحكم على طبق الحالة السابقة لأجل قاعدة أخرى، فإنّه إذا شك في التكليف يحكم بالبراءة، و هذا الحكم مطابق للبراءة الأصلية الثابتة قبل الشرع أو حال الصغر و الجنون، إلّا أنّه ليس من باب التعويل على الثبوت السابق بل من أجل قبح التكليف بلا بيان.

و بالجملة عند الشك في التكليف لا حاجة إلى استصحاب البراءة الأصلية بل يتمسّك بأصل البراءة المطابق للبراءة الأصلية، و كذا إذا شك في تخصيص أمد الدليل المسمّى بالنسخ أو في تخصيص العام أو تقييد المطلق و نحو ذلك يحكم بالعدم، و هذا الحكم مطابق للحالة السابقة إلّا أنّه ليس من أجل استصحاب‏

26

الحالة السابقة بل لأجل بناء العقلاء و أهل اللسان على الأخذ بظاهر الدليل و البناء على عدم هذه المحتملات.

(ثم إنّا لم نجد في أصحابنا من فرّق بين الوجودي و العدمي. نعم حكى شارح الشرح هذا التفصيل عن الحنفية.

الثاني: إنّ المستصحب قد يكون حكما شرعيا)

كليا

(كالطهارة)

عن الحدث‏

(المستصحبة بعد خروج المذي و النجاسة المستصحبة بعد زوال تغيّر)

الماء

(المتغيّر)

أي زواله‏

(من قبل نفسه)

أو جزئيا كطهارة الشاك في الحدث و بالعكس‏

(و قد يكون غيره كاستصحاب الكرية و الرطوبة، و الوضع الأوّل عند الشك في حدوث النقل أو في تاريخه)

كما إذا شككنا في أنّ الصلاة نقلت عن الدعاء إلى الأركان في زمن المعصوم- (عليه السلام)- أو بعدهم في لسان المتشرّعة، يستصحب عدم النقل في زمن المعصوم- (عليه السلام)-

(و الظاهر بل صريح جماعة وقوع الخلاف في كلا القسمين)

فمنهم من أثبت اعتبار الاستصحاب مطلقا و منهم من نفاه مطلقا

(نعم نسب إلى بعض التفصيل بينهما بانكار الأوّل «حكم» و الاعتراف بالثاني «موضوع» و نسب إلى آخر العكس حكاهما الفاضل القمي- ره- في القوانين)

.

اعلم أنّ هناك مضافا إلى القول بالثبوت مطلقا ثلاثة أقوال أخر بالتفصيل سينقلها المصنف: أحدها: الثبوت في الحكم الشرعي كليا و جزئيا و النفي في الأمر الخارجي. ثانيها: الثبوت في الحكم الشرعي الجزئي و الأمر الخارجي و النفي في الحكم الشرعي الكلّي. ثالثها: الثبوت في الحكم الشرعي الجزئي و النفي في الحكم الشرعي الكلي و الأمر الخارجي، فعرفت أنّه ليس هناك قولين بالتفصيل على وجه التعاكس كما زعم القمي- ره- و إليه أشار بقوله:

(و فيه نظر يظهر بتوضيح المراد من الحكم الشرعي و غيره، فنقول الحكم الشرعي يراد به تارة الحكم الكلي الذي من شأنه أن يؤخذ من الشارع كطهارة من خرج منه المذي أو نجاسة ما زال تغيّره بنفسه)

فإنّ رفع الشبهة في المثالين إنّما يحصل ببيان الشرع‏

(و أخرى يراد به ما يعم)

الحكم الكلي المذكور

(و الحكم الجزئي‏

27

الخاص في الموضوع الخاص كطهارة هذا الثوب و نجاسته فإنّ الحكم بهما من جهة عدم ملاقاته للنجس أو ملاقاته ليس وظيفة الشارع)

أي ليس وظيفته بيان أنّ هذا الثوب لاقى النجس فتنجّس أو لم يلاق به فطاهر

(نعم وظيفته اثبات الطهارة الكلية لكل شي‏ء شك في ملاقاته للنجس و عدمها)

بأن يقول: كل شي‏ء لك طاهر حتى تعلم أنّه نجس أو يقول: لا تنقض اليقين بالشك.

(و على الاطلاق الأوّل)

أي اطلاق الحكم على الحكم الشرعي الكلي‏

(جرى الأخباريون حيث أنكروا اعتبار الاستصحاب في نفس أحكام اللّه تعالى، و جعله «استصحاب» الأسترآبادي من أغلاط من تأخّر عن المفيد مع اعترافه باعتبار الاستصحاب في مثل طهارة الثوب و نجاسته و غيرهما ممّا شك فيه من الأحكام الجزئية لأجل الاشتباه في الأمور الخارجية)

كالشك في وجوب نفقة زوجة زيد للشك في حياته‏

(و صرح المحدث الحر العاملي بأنّ أخبار الاستصحاب لا يدلّ على اعتباره في نفس الحكم الشرعي)

الكلي‏

(و إنّما يدلّ على اعتباره في موضوعاته و متعلّقاته)

من حياة زيد و طهارة ثوبه و نجاسته‏

(و الأصل «منشأ» في ذلك عندهم «أخباريين» أنّ الشبهة في الحكم الكلي لا مرجع فيها إلّا الاحتياط دون البراءة أو الاستصحاب فإنّهما عندهم مختصّان بالشبهة في الموضوع)

فافهم.

(و على الاطلاق الثاني)

أي الحكم بالمعنى الأعم‏

(جرى بعض آخر، قال المحقق الخوانساري في مسألة الاستنجاء بالأحجار: و ينقسم الاستصحاب إلى قسمين باعتبار الحكم المأخوذ فيه)

الاستصحاب‏

(إلى شرعي و غيره، و مثّل للأوّل بنجاسة الثوب أو البدن)

فيعلم من تمثيله بذلك أنّ مراده من الحكم الشرعي أعم من الحكم الجزئي، و كان حقه أن يمثّل من الكلي أيضا كطهارة من خرج عنه المذي و نجاسة الماء الزائل تغيّره بنفسه‏

(و للثاني برطوبته، ثم قال: ذهب بعضهم إلى حجية القسمين و بعضهم إلى حجية القسم الأوّل فقط. انتهى.

إذا عرفت ما ذكرنا ظهر أنّ عدّ القول بالتفصيل بين الأحكام الشرعية

28

و الأمور الخارجية قولين متعاكسين)

كما صنع القمي- ره-

(ليس على ما ينبغي لأنّ المراد بالحكم الشرعي إن كان هو الحكم الكلي الذي أنكره الأخباريون فليس هنا من يقول)

بالعكس أي‏

(باعتبار الاستصحاب فيه و نفيه في غيره)

و بالجملة إن كان مراد القمي- ره- من الحكم الشرعي هو الكلي، فالتفصيل الأوّل أعني انكار الاستصحاب في الحكم الشرعي و اعتباره في غيره صحيح لأنّه مذهب الأخباري و لكن لا عكس له أي لم يقل أحد باعتبار الاستصحاب في الحكم الكلي و انكاره في غيره‏

(فإنّ ما حكاه المحقق الخوانساري و استظهره السبزواري)

ليس هو اعتباره في الحكم الكلي فقط، بل‏

(هو اعتباره في الحكم الشرعي بالاطلاق الثاني الذي هو الأعم من الأوّل، و إن أريد بالحكم الشرعي الاطلاق الثاني الأعم فلم يقل أحد باعتباره في غير الحكم الشرعي و عدمه في الحكم الشرعي)

أي إن كان مراد القمي- ره- من الحكم الشرعي هو المعنى الأعم فالتفصيل الثاني صحيح لأنّ المحقق الخوانساري يعتبر الاستصحاب في الحكم الشرعي مطلقا و ينكره في الأمور الخارجية، و لكن لا عكس له أي لم يقل أحد باعتباره في الأمور الخارجية و انكاره في الحكم الشرعي مطلقا

(لأنّ الأخباريين)

إنّما ينكرون الاستصحاب في الحكم الكلي فقط و

(لا ينكرون الاستصحاب في الأحكام الجزئية.

ثم إنّ المحصّل من القول بالتفصيل بين القسمين المذكورين في هذا التقسيم)

أي الحكم الشرعي و الأمور الخارجي‏

(ثلاثة: الأوّل: اعتبار الاستصحاب في الحكم الشرعي مطلقا جزئيا كان كنجاسة الثوب أو كليا كنجاسة الماء المتغيّر بعد زوال التغيّر، و هو الظاهر ممّا حكاه المحقق الخوانساري. الثاني: اعتباره فيما عدا الحكم الشرعي الكلي و إن كان حكما جزئيا)

كنجاسة الثوب‏

(و هو الذي حكاه في الرسالة الاستصحابية عن الأخباريين. الثالث: اعتباره في الحكم الجزئي دون الكلي و دون الأمور الخارجية و هو الذي ربّما يستظهر ممّا حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له)

«خوانساري» في حواشي اللمعة

(على‏

29

قول الشهيد في تحريم استعمال الماء النجس و المشتبه.

الوجه الثالث)

من وجوه تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب‏

(من حيث إنّ المستصحب قد يكون حكما تكليفيا)

كالأحكام الخمسة

(و قد يكون وضعيا شرعيا)

فإنّ الحكم إن كان تخييريا كالاباحة أو طلبيا وجوبا أو ندبا أو تحريما أو كراهة فتكليفي و إلّا فوضعي‏

(كالأسباب)

أي سببية الأسباب‏

(و)

شرطية

(الشرائط و)

مانعية

(الموانع)

و قاطعية القواطع، و لا ينحصر فيما ذكر أو في الصحة و البطلان أو مع زيادة العلية و العلامية أو مع زيادة الرخصة و العزيمة، بل كل ما يصح أن يعتبره الشارع غير الخمسة التكليفية وضعي حتى الضمان و الملكية و غيرهما

(و قد وقع الخلاف من هذه الجهة ففصّل صاحب الوافية بين التكليفي و غيره بالانكار في الأوّل دون الثاني.

و إنّما لم ندرج هذا التقسيم)

الثالث‏

(في التقسيم الثاني مع أنّه تقسيم لأحد قسميه)

«ثاني» لأنّ التقسيم الثاني كان عبارة عن تقسيم المستصحب إلى الحكم الشرعي و غيره، و هذا التقسيم الثالث، أعني: التقسيم إلى التكليفي و الوضعي تقسيم للحكم الشرعي الذي هو أحد قسمي التقسيم الثاني، فكان الحق ادراجه فيه كما أدرج فيه التقسيم إلى الحكم الكلي و الجزئي. و بالجملة مرّ هاهنا تثليث التفصيل و كان الحق تربيعه.

(لأنّ ظاهر كلام المفصل المذكور و إن كان هو التفصيل بين الحكم التكليفي و الوضعي إلّا أنّ آخر كلامه ظاهر في اجراء الاستصحاب في نفس الأسباب و الشروط و الموانع دون السببية و الشرطية و المانعية)

.

فإنّه- ره- بعد ما زعم عدم تصوّر شك يرجع فيه إلى الاستصحاب في الأحكام التكليفية و الوضعية بمعنى السببية و نحوها قال: فظهر ممّا ذكرنا أنّ الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلّا في الأحكام الوضعية، أعني: الأسباب و الشرائط و الموانع كما يستصحب في المتيمّم الواجد للماء في الأثناء نفس الشرط،

30

أعني: كون الشخص متطهّرا دون شرطية الطهارة إذ لا شك فيها و يستصحب في الكر المتغيّر الزائل تغيّره بنفسه نفس المانع، أعني: كون الماء نجسا لا مانعية النجاسة. فالتوني- ره- لم يفصّل في الأحكام بل فصّل بين الحكم و غيره. إن قلت:

ينبغي أيضا ادراجه في التقسيم الثاني لأنّ التوني- ره- حينئذ قال بعكس ما حكاه الخوانساري إذ مرّ في التقسيم الثاني أنّ الخوانساري حكى عن بعض اعتبار الاستصحاب في الأحكام دون غيرها، فالتوني- ره- بالعكس، فتكون التفصيلات أربعا. قلت: أفرد هذا التقسيم لنكتة و هي توضيح أنّه كيف فرق بين السبب و السببية و هكذا

(و سيتضح ذلك عند نقل عبارته عند التعرّض لأدلّة الأقوال.

و أمّا)

تقسيمه‏

(بالاعتبار الثاني «دليل» فمن وجوه أيضا، أحدها: من حيث إنّ الدليل المثبت للمستصحب إمّا أن يكون هو الإجماع)

كما إذا قام الإجماع على تنجّس الكر بالتغيّر فشك في بقائه بعد زوال التغيّر بنفسه‏

(و إمّا أن يكون غيره)

من الكتاب و السنّة

(و قد فصّل بين هذين القسمين الغزالي فأنكر الاستصحاب في الأوّل، و ربّما يظهر من صاحب الحدائق فيما حكى عنه في الدرر النجفية)

أي يظهر منه- ره-

(أنّ محل النزاع في الاستصحاب منحصر في استصحاب حال الإجماع، و سيأتي تفصيل ذلك عند نقل أدلّة الأقوال إن شاء اللّه.

الثاني: من حيث إنّه «مستصحب» قد يثبت بالدليل الشرعي)

مثلا قام الإجماع على تنجّس الكر بالتغيّر فيشك في بقاء النجاسة بعد زوال التغيّر بنفسه‏

(و قد يثبت بالدليل العقلي)

مثلا يحكم العقل بقبح التصرّف في ملك الغير بدون اذن منه، فيدل ذلك على حرمته شرعا لقاعدة كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، فربّما يشك في بقاء الحرمة لاحتمال صيرورته ملكا للمتصرّف أو لاحتمال حصول اذن من المالك‏

(و لم أجد من فصّل بينهما)

بأن يقول بحجية الاستصحاب في الحكم الشرعي الثابت بالدليل الشرعي لا في الثابت بالدليل العقلي أو بالعكس‏

(إلّا أنّ في تحقّق الاستصحاب مع ثبوت الحكم)

الشرعي‏

(بالدليل‏

31

العقلي و هو الحكم العقلي المتوصّل به إلى الحكم الشرعي)

كما مرّ من المثال‏

(تأمّلا)

.

و بالجملة لا بحث هنا من حيث الحجية و عدمها و لكن البحث من حيث التحقق و عدمه‏

(نظرا إلى)

أنّ الشك في بقاء الحكم الشرعي الثابت بالدليل العقلي يرجع دائما إلى الشك في بقاء موضوعه كما سنوضّحه، و لا معنى لاستصحاب شي‏ء بدون احراز موضوعه كما يأتي مفصّلا في الخاتمة، و أمّا الشك في بقاء الحكم الشرعي الثابت بالدليل الشرعي فربما يحصل مع احراز موضوعه العرفي المأخوذ في الدليل كما يأتي، فيتحقق معه الاستصحاب و إن كان هو أيضا يرجع لبّا إلى الشك في بقاء الموضوع.

توضيح الكلام:

(إنّ الأحكام العقلية كلّها مبيّنة مفصّلة من حيث)

جهات المصالح و المفاسد التي هي‏

(مناط الحكم الشرعي)

بمعنى أنّ العقل لا يحكم بحسن شي‏ء أو قبحه إلّا بعد ملاحظة جميع ما له دخل في ذلك من المقتضي و عدم المانع، فيلاحظ مثلا أنّ التصرّف في ملك الغير مقتض للقبح و اذن المالك مانع عنه، فيحكم بقبح التصرّف في ملك الغير بدون اذن منه بداهة أنّ الحاكم عقلا كان أو شرعا أو عرفا لا يحكم بشي‏ء ما لم يدرك موضوعه بجميع قيوده لأنّ الموضوع علّة للحكم.

(و)

حينئذ

(الشك في بقاء المستصحب و عدمه)

أي الشك في بقاء قبح التصرّف و عدمه مثلا

(لا بد و أن يرجع إلى الشك في موضوع الحكم)

هل هو تصرّف في ملك الغير أو هل هو تصرّف بدون الاذن‏

(لأنّ الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح)

ككونه ملك الغير و عدم حصول الاذن‏

(كلّها راجعة إلى قيود فعل المكلّف «تصرف» الذي هو الموضوع)

و بالجملة موضوع حكم العقل مبيّن مفصّل من كل جهة، و الجهات قيود للموضوع، و الشك في الحكم يحصل من جهة الشك في احدى هذه الجهات، فالشك في الحكم يرجع إلى الشك في‏

32

الموضوع مثلا الشك في قبح التصرّف يرجع إلى الشك في أنّه للغير أو في أنّه حصل الاذن.

(فالشك في حكم العقل حتى لأجل وجود الرافع)

كاذن المالك‏

(لا يكون إلّا للشك في موضوعه)

و هو التصرّف بدون الاذن لأنّ جميع الجهات قيود الموضوع‏

(و الموضوع لا بدّ أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب)

أي لا يعقل استصحاب القبح من دون احراز أنّه تصرّف في ملك الغير بغير اذن‏

(كما سيجي‏ء)

في الخاتمة.

إن قلت: ما معنى الشك في بقاء حكم العقل و هل يمكن الشك في الحكم من نفس الحاكم. قلت: هذا مسامحة في التعبير و المقصود الشك في بقاء الحسن و القبح الواقعيين لا أنّ العقل يشك في أنّه يحكم بالحسن أو القبح أم لا، فإنّ العقل يحكم بثبوت القبح للتصرّف في ملك الغير بغير اذن، فإذا شك في بقاء الموضوع المذكور يتوقّف العقل عن الحكم بثبوت القبح إلّا أنّه يحتمل حصول القبح واقعا فإنّ القبح الواقعي لا يدور مدار حكم العقل بالقبح.

إن قلت: سلّمنا أنّه لا يجري الاستصحاب في حكم العقل أي ثبوت القبح لرجوع الشك إلى بقاء الموضوع لكن لا مانع من اجرائه في حكم الشرع، أعني:

الحرمة. قلت: المفروض أنّ الحرمة ثبتت بحكم العقل بالقبح فالقيود المأخوذة في موضوع حكم العقل مأخوذة في موضوع حكم الشرع أيضا، فالشك مطلقا يرجع إلى الموضوع. إن قلت: يجري الاستصحاب في طرف الموضوع فيستصحب أنّه تصرّف في ملك الغير بغير اذن فيترتب الحرمة الشرعية و إن لم يترتب القبح العقلي لكونه أصلا مثبتا. قلت: نعم لا بأس به كما يأتي في التنبيه الثالث إلّا أنّ البحث في اجرائه في نفس الحكم و الغرض أنّ الحكم الشرعي إن ثبت بالدليل الشرعي يجري الاستصحاب في نفسه، و إن ثبت بالدليل العقلي لا يجري في نفسه.

(و لا فرق فيما ذكرنا)

من عدم جريان الاستصحاب في حكم العقل و في‏

33

حكم الشرع الثابت به‏

(بين أن يكون الشك من جهة الشك في وجود الرافع)

كاحتمال حصول الاذن‏

(و بين أن يكون لأجل الشك في استعداد الحكم)

كاحتمال زوال عنوان ملك الغير

(لأنّ ارتفاع الحكم العقلي لا يكون إلّا بارتفاع موضوعه)

المبيّن و المفصّل من كل جهة

(فيرجع الأمر بالآخرة)

أي على كلا التقديرين‏

(إلى تبدّل العنوان، أ لا ترى أنّ العقل إذا حكم بقبح الصدق الضار فحكمه يرجع إلى أنّ الضار من حيث إنّه ضار حرام)

فجهة الضارية عنوان الموضوع‏

(و معلوم أنّ هذه القضية غير قابلة للاستصحاب عند الشك في الضرر مع العلم بتحقّقه سابقا)

و بالجملة لا يجوز في المثال المفروض أن يقال: إنّ الصدق الضار كان قبيحا فيستصحب‏

(لأنّ قولنا المضر قبيح حكم دائمي لا يحتمل ارتفاعه أبدا و لا ينفع في اثبات القبح عند الشك في بقاء الضرر)

لتبدّل العنوان‏

(و)

بالجملة

(لا يجوز أن يقال: إنّ هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه لأنّ الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق بل عنوان المضر و الحكم له مقطوع البقاء)

و أمّا استصحاب الضرر فخارج عن محل البحث، أعني: استصحاب نفس الحكم.

(و هذا)

أي كون موضوع الحكم العقلي مبيّنا مفصّلا الموجب لرجوع الشك إلى الموضوع‏

(بخلاف الأحكام الشرعية)

الثابتة بالدليل الشرعي‏

(فإنّه قد يحكم الشارع على الصدق)

الخاص‏

(بكونه حراما، و لا يعلم أنّ المناط الحقيقي فيه)

ما ذا و أنّه‏

(باق في زمان الشك أو مرتفع فيستصحب الحكم الشرعي)

إذ مع عدم العلم بالمناط يحكم العرف بأنّ هذا الصدق كان حراما و شك الآن في حرمته، فالموضوع العرفي محرز و الشك في حكمه فيستصحب.

(فإن قلت: على القول بكون الأحكام الشرعية تابعة للأحكام العقلية)

كما أنّ الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي مبيّن موضوعه، و الشك فيه يرجع إلى الشك في بقاء الموضوع، و المناط كذلك الحكم الشرعي الثابت بالدليل الشرعي مبيّن موضوعه واقعا في نظر الشارع، فالشك فيه أيضا يرجع إلى الشك في بقاء

34

الموضوع و المناط

(فما هو مناط الحكم و موضوعه في الحكم العقلي بقبح هذا الصدق فهو الموضوع، و المناط في حكم الشرع بحرمته إذ المفروض بقاعدة التطابق «كلّما حكم به الشرع حكم به العقل و بالعكس» أنّ موضوع الحرمة و مناطه هو بعينه موضوع القبح و مناطه)

.

حاصل الكلام: أنّه لا شك في أنّ حكم الشارع بحرمة هذا الصدق مثلا ناش عن مصلحة و مناط مبيّن للشارع و إن لم نكن نعلمه تفصيلا هو بعينه مناط حكم العقل بقبحه، غاية الأمر فرض قصور العقل عن ادراكه ما لم يكشف عنه الشرع بطريق التحريم، و لذا قالوا بأنّ الأحكام الشرعية ارفاقات في موارد الأحكام العقلية، و حينئذ فالشك في الحكم دائما مستند إلى الشك في الموضوع، فكما لا يجري الاستصحاب في الحكم الشرعي المستند إلى الحكم العقلي كما سيأتي، لا بدّ أن لا يجري في الحكم الشرعي الغير المستند إليه.

(قلت: هذا مسلّم لكنّه مانع عن الفرق بين الحكم الشرعي و العقلي من حيث الظن بالبقاء في الآن اللاحق)

حاصله: أنّ وحدة مناط الحكم العقلي و الشرعي توجب عدم الفرق بينهما من حيث العلم أو الظن أو الشك بمعنى أنّه إن علم بقاء المناط يعلم بقاء حكم العقل و الشرع و إن ظنّ ببقائه يظن ببقائهما، و إن شك في بقائه يشك في بقائهما، فمن قال بحجية الاستصحاب من باب الظن لا يمكن له الفرق من حيث حصول الظن بالبقاء بين حكم العقل و حكم الشرع، فلا بدّ أن يلتزم بعدم جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي كالعقلي لانتفاء الظن بالبقاء و لو نوعيا، و أمّا استصحاب الموضوع فهو أمر آخر يأتي الكلام فيه.

(لا من حيث جريان أخبار الاستصحاب و عدمه)

.

بمعنى أنّ وحدة المناط لا يوجب الملازمة بين شمول الأخبار للحكم الشرعي و شمولها للحكم العقلي، بل هي تختص بمورد احراز الموضوع و هو الشك في الحكم الشرعي، فمن قال باعتبار الاستصحاب من باب تعبّد الأخبار لا بدّ أن‏

35

يفرّق بين الحكم العقلي و الشرعي لأنّ الملازمة و وحدة المناط و إن كانت مسلّمة إلّا أنّ المعيار في الموضوع المعتبر احرازه في استصحاب الحكم ليس هو الموضوع و المناط الواقعي، بل ما هو الموضوع بحسب فهم العرف من لسان الدليل كما قال:

(فإنّه)

أي جريان أخبار الاستصحاب‏

(تابع لتحقّق موضوع المستصحب و معروضه بحكم العرف.

فإذا حكم الشارع بحرمة شي‏ء في زمان و شك في الزمان الثاني و لم يعلم أنّ المناط الحقيقي واقعا الذي هو عنوان الموضوع في حكم العقل باق هنا أم لا)

كما إذا حكم الشارع بحرمة الخمر ثم شك في الحرمة لزوال السكر المحتمل كونه مناطا أو للشك في زواله‏

(فيصدق هنا أنّ الحكم الشرعي الثابت لما «خمر» هو الموضوع له في الأدلّة الشرعية كان موجودا سابقا و يشك في بقائه و يجري فيه أخبار الاستصحاب)

فالموضوع العرفي محرز و الشك إنّما هو في الحكم فيستصحب‏

(نعم لو علم مناط هذا الحكم و عنوانه المعلّق عليه في حكم العقل)

كما إذا قال: الخمر المسكر حرام ثم شك في العنوان مثلا

(لم يجر الاستصحاب لما ذكرنا من عدم احراز الموضوع.

و ممّا ذكرنا)

من رجوع الشك في موارد حكم العقل إلى بقاء الموضوع‏

(يظهر أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام العقلية و لا في الأحكام الشرعية المستندة إليها سواء كانت)

الأحكام الشرعية

(وجودية)

كما مرّ من قبح الصدق الضار المستتبع لحرمته شرعا، فعند الشك لا يستصحب القبح و لا الحرمة

(أم عدمية إذا كان العدم مستندا إلى القضية العقلية)

توضيحه: أنّ القضية الشرعية الوجودية تستند أبدا إلى القضية العقلية الوجودية إذا كانت موجودة لأنّ الوجود لا يحصل إلّا بحصول جميع مقدماته مثلا حكم العقل بقبح التصرّف يحصل بوجود المقتضي أي كون الملك للغير بانضمام عدم المانع أي الاذن، فحكم الشرع بالحرمة لا بدّ أن تستند إليه إذ لا يعقل حكم العقل بالقبح لوجود المقتضي فقط، و حكم الشرع بالحرمة

36

لعدم المانع فقط إذ الحكم يتوقّف بتمام العلّة.

و كذا لا يعقل حكم العقل بالقبح بملاحظة هذه العلّة التامة و حكم الشرع بالحرمة بملاحظة علّة أخرى إذ يلزم حينئذ إمّا اجتماع علّتين تامّتين على معلول واحد، و إمّا خطاء أحدهما، و إمّا العدم، فهو يحصل بانتفاء احدى المقدمات فيمكن أن يحكم العقل بعدم قبح التصرّف لادراكه مجرد أنّه ليس ملكا للغير، و يحكم الشارع بعدم الحرمة لعلمه بالاذن، فلا يستند العدم الشرعي حينئذ إلى القضية. و بالجملة إذا كان العدم الشرعي مستندا إلى القضية العقلية

(كعدم وجوب الصلاة مع السورة على ناسيها، فإنّه)

ممّا يحكم به العقل في حق الناسي حال النسيان و الشرع أيضا يحكم به بقاعدة الملازمة، و حينئذ

(لا يجوز استصحابه «عدم» بعد الالتفات)

لتبدّل العنوان، فإنّ الناسي صار ذاكرا

(كما صدر)

الاستصحاب‏

(من بعض من)

كالقمي- ره-

(مال إلى الحكم بالاجزاء في هذه الصورة و أمثالها من موارد الأعذار العقلية)

كالنسيان و الجهل عن قصور و العجز و غيرها

(الرافعة للتكليف مع قيام مقتضيه)

فإنّ مصلحة قراءة السورة في الصلاة تقتضي وجوبها على كل مصلّ إلّا أنّه مرتفع عن ذوي الأعذار العقلية.

قوله:

(و أمّا إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضية العقلية)

هذا تمهيد مقدمة لتوجيه استصحاب حال العقل المتداول في الألسنة. و بالجملة إذا كان هناك قضية شرعية عدمية و لم تستند إلى القضية العقلية العدمية

(بل كان لعدم المقتضي و إن كان القضية العقلية موجودة أيضا، فلا بأس باستصحاب العدم المطلق)

أي من دون لحاظ أنّه لعدم المقتضي أو لوجود المانع‏

(بعد ارتفاع القضية العقلية)

مثلا العقل يحكم بعدم وجود تكليف على الصبي، و الشرع أيضا يحكم به، و الثاني ليس بمستند إلى الأوّل، بل العقل يحكم بالعدم لوجود المانع أي عدم التمييز، و الشرع يحكم به لعدم المقتضي إلى زمن البلوغ و إن حصل التمييز و العقل لا يعتقد بانحصار علّة العدم في وجود المانع حتى يلزم خطأه، بل إنّما حكم بالعدم‏

37

لادراكه وجود المانع بحيث لو لم يدركه لتوقّف عن الحكم محتملا كون العدم في الواقع مستندا إلى شي‏ء آخر.

و بالجملة: بعد البلوغ و ارتفاع القضية العقلية إذا شك في التكليف كحرمة التتن مثلا يجوز استصحاب العدم السابق كما قال:

(و من هذا الباب)

أي عدم استناد القضية الشرعية إلى العقلية

(استصحاب حال العقل المراد به في اصطلاحهم استصحاب البراءة و النفي)

حال الصغر

(فالمراد استصحاب الحال التي يحكم العقل على طبقها و هو عدم التكليف لا الحال المستندة إلى العقل)

أي المراد باستصحاب حال العقل استصحاب العدم المطلق الذي يطابق بحكم العقل لا استصحاب نفس حكم العقل بعدم التكليف لوجود المانع‏

(حتى يقال:

إنّ مقتضى ما تقدم)

من عدم جريان الاستصحاب في حكم العقل و لا في حكم الشرع المستند إليه‏

(هو عدم جواز استصحاب عدم التكليف عند ارتفاع القضية العقلية و هي قبح تكليف غير المميز أو المعدوم.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّه لا وجه للاعتراض على القوم في تخصيص استصحاب حال العقل باستصحاب النفي و البراءة)

حاصله: أنّ القوم خصّوا استصحاب حال العقل باستصحاب البراءة قبل البلوغ فاعترض عليهم في الفصول‏

(بأنّ الثابت بالعقل قد يكون عدميا)

كعدم التكليف حال العدم أو الصغر و عدم الزوجية و عدم الملكية و غيرهما من الأعدام الحاصلة قبل تحقق أسباب وجودها

(و قد يكون وجوديا)

كاباحة الأشياء ما لم يثبت الحظر شرعا، و كحرمة التصرّف في ملك الغير، و وجوب رد الوديعة، و اشتراط التكليف بالعلم و القدرة

(فلا وجه للتخصيص)

بل كلّما شك في بقاء حكم من أحكام العقل يجري استصحاب حال العقل.

(و ذلك)

الذي ذكرنا من أنّه لا وجه لهذا الاعتراض‏

(لما عرفت من أنّ الحال المستند إلى العقل المنوط بالقضية العقلية لا يجري فيها الاستصحاب وجوديا كان‏

38

أو عدميا)

و بالجملة لا يجري الاستصحاب في حكم من أحكام العقل أبدا و لا في حكم الشرع المستند إليه، و إنّما يجري في الحكم الشرعي الغير المستند إليه، و مرّ أنّه لا يعقل أن يكون في المسألة قضية عقلية و قضية شرعية من دون استناد الشرعية إلى العقلية إلّا في العدميات، و لم يوجد في العدميات إلّا في مورد واحد و هو عدم التكليف حال الصغر، فحكموا بجواز استصحابه و سمّوه باستصحاب حال العقل بمعنى استصحاب عدم التكليف الذي يطابق حكم العقل لا بمعنى استصحاب نفس حكم العقل بالعدم‏

(و ما ذكره من الأمثلة يظهر الحال فيها ممّا تقدم)

فإنّ موضوع حكم العقل في جميع موارده مبيّن مفصّل، فما دام الموضوع بنظر العقل باق لا يشك في الحكم، و إذا زال أو صار مشكوكا يتوقّف عن الحكم لا أنّه يشك في حكمه، و انتظر التفصيل في التنبيه الثالث.

(الثالث:)

إنّ دليل‏

(المستصحب إمّا أن يدلّ على استمرار الحكم إلى حصول رافع)

و هو الذي يؤثّر في رفع ما لولاه كان مستمرا مثلا الطهارة مقتضية للاستمرار و يرفعها الحدث و الإنسان مستعد للبقاء مائة سنة مثلا و يرفعه الموت لعارض قبل بلوغ المائة.

(أو غاية)

و هي منتهى استعداد الشي‏ء للبقاء كاستمرار وجوب الصوم إلى الليل فالشك في الغاية من قبيل الشك في المقتضي‏

(و إمّا أن لا يدل)

كالدليل على ثبوت خيار الغبن فإنّه مهمل و ساكت عن كونه فوريا أو مستمرا إلى غاية، فيشك في الاقتضاء و الاستعداد

(و قد فصّل بين هذين القسمين المحقّق في المعارج و المحقق الخوانساري في شرح الدروس فأنكرا الحجية في الثاني)

لعدم الدليل على الابقاء

(و اعترفا بها في الأوّل)

لدلالة دليل الحكم على استمراره، و يأتي أنّ هذا بمجرده غير كاف إن لم يضم إليه بناء العقلاء أو أخبار لا تنقض‏

(مطلقا كما يظهر من المعارج أو بشرط كون الشك في وجود الغاية)

لا غائية الموجود

(كما يأتي من شارح الدروس «خوانساري»)

.

فإنّ صور الشك في الرافع خمسة:

39

1- الشك في وجوده كالشك في الحدث.

2- الشك في رافعية الموجود كرافعية المذي.

3- الشك في اندراجه في الرافع كدخول الخفقة في النوم.

4- الشك في مصداقيته للرافع كتردد الرطوبة بين البول و المذي.

5- تردد المتيقّن السابق بين ما يرتفع بهذا و ما لا يرتفع به، كما إذا غسل ثوبه مرة و شك في تنجّسه بالدم المرتفع بها أو بالبول المتوقّف بالمرتين، و كذا الغاية فقد يشك في وجودها كدخول الليل و قد يشك في غائية الموجود ككون خفاء الأذان حد الترخّص، و قد يشك في اندراجه في الغاية كدخول ما بين الاستتار و ذهاب الحمرة في الليل، و قد يشك في مصداقيته للغاية كما إذا وجب مشي فرسخ فمشى إلى موضع شك في فرسخيته، و قد يتردد المتيقّن بين ما يحصل غايته بهذا و ما لا يحصل به كما إذا خفى أذان المحلة دون البلد فشك في أنّ المناط هو المحلة ليحصل به حد الترخّص أو البلد ليتوقّف على خفاء أذانه، فالمحقق يقول بالاستصحاب في جميع الصور، و الخوانساري في الصورة الأولى فقط، لكن هذا مناف لما يأتي من اسناد القول الحادي عشر إليه، و أيضا مذهب المحقق اعتبار الاستصحاب في صور الشك في الرافع لا في صور الشك في الغاية أيضا كالخوانساري، فالنسبة بين مذهبهما عموم من وجه، ثم إنّ هذا التفصيل مختص بالشك في الحكم الكلي و لا ربط له بالحكم الجزئي و لا الموضوع الخارجي.

(و تخيّل بعضهم تبعا لصاحب المعالم أنّ قول المحقق- قده- موافق للمنكرين لأنّ محل النزاع ما لم يكن الدليل مقتضيا للحكم في الآن اللاحق)

حاصله: أنّ المحقق لما خصّ اعتبار الاستصحاب بمورد دلالة الدليل على استمرار الحكم إلى حصول الرافع أي خصّه بالشك في الرافع فزعم بعضهم أنّه من المنكرين إذ لا نزاع في اعتبار الاستصحاب فيما ذكره، إنّما النزاع في مورد اهمال الدليل أي في الشك في المقتضي و هو ينكره فيه‏

(و لو لا الشك في الرافع)

أي محل‏

40

النزاع هو مورد الشك في الاقتضاء و إن لم يكن هناك شك في الرافع‏

(و هو)

أي خروج مورد الشك في الرافع عن محل النزاع‏

(غير بعيد بالنظر إلى كلام السيد و الشيخ و ابن زهرة و غيرهم حيث إنّ المفروض في كلامهم هو كون دليل الحكم في الزمان الأوّل قضية مهملة ساكتة عن حكم الزمان الثاني و لو مع فرض عدم الرافع)

أي جعلوا البحث في الشك في المقتضي كثبوت خيار الغبن في الجملة، فالشك في الرافع كأنّه خارج عن محيط النزاع.

(إلّا أنّ الذي يقتضيه التدبّر في بعض كلماتهم مثل انكار السيّد لاستصحاب البلد المبني على ساحل البحر مع كون الشك فيه نظير الشك في وجود الرافع للحكم الشرعي)

لأنّ البلد يستمر إلى أن يرفعه طغيان البحر مثلا كاستمرار الطهارة إلى أن يرفعها الحدث‏

(و غير ذلك ممّا يظهر للمتأمّل و)

الذي‏

(يقتضيه الجمع بين كلماتهم)

حيث ترى أنّ شخصا واحدا قد يدّعي اعتبار الاستصحاب و قد ينكره‏

(و ما)

عطف على الذي و لفظة بين سهوية

(يظهر من بعض استدلال المثبتين)

كاستدلالهم بأنّ المقتضي موجود الخ، فإنّه صريح في مورد الشك في الرافع‏

(و النافين)

كاستدلالهم بأنّه لو كان الاستصحاب معتبرا للزم في مورد تعارض البيّنات تقديم بيّنة النافي لاعتضاده باستصحاب العدم، فانّ الظاهر أنّ الاعدام ممّا فيه اقتضاء الاستمرار و الوجود رافع. ملخّص العبارة: أنّ الذي يقتضيه تدبّر الكلمات، و الذي يقتضيه الجمع بين الكلمات، و الذي يظهر من الاستدلالات‏

(هو عموم النزاع لما ذكره المحقق)

و عدم اختصاصه بالشك في المقتضي كما زعم البعض.

(فما ذكره في المعارج أخيرا ليس رجوعا عمّا ذكره أوّلا)

حاصله: أنّ المحقق ذكر أوّلا اعتبار الاستصحاب وفاقا للمفيد- ره- و بين الأدلّة، ثم نقل عن السيد انكاره ثم قال: و الذي نختاره أن ننظر في دليل الحكم المشكوك فإن اقتضاه مطلقا نحكم باستمراره، قال في المعالم: هذا الذي ذكره أخيرا من اعتبار الاستصحاب‏

41

في الشك في الرافع خارج عن محيط النزاع لأنّ النزاع مختص بالشك في المقتضي و هو أنكره، فصار في رديف المنكرين كالسيد، و قد كان أوّلا في رديف المثبتين كالمفيد فرجع عن مختاره، فردّه المصنف- ره- بأنّ الشك في الرافع أيضا في محيط النزاع و أنّ مختاره أوّلا و آخرا اعتبار الاستصحاب فيه فقط كما قال:

(بل لعلّه)

أي ما ذكره أخيرا

(بيان لمورد تلك الأدلة التي ذكرها)

أوّلا

(لاعتبار الاستصحاب و أنّها «أدلة» لا تقتضي اعتبارا أزيد من مورد يكون الدليل فيه مقتضيا للحكم مطلقا)

أي مستمرا

(و يشك في رافعه)

.

و ربما يقال بأنّ تعبير المحقّق بأنّ الدليل إن اقتضاه مطلقا يحكم باستمراره يحتمل المعنيين: أحدهما: أن يدل الدليل بنفسه على بقاء الحكم كقوله: لا تخرج من المنزل يوم الجمعة أو أكرم زيدا ما دمت حيا فإنّ ثبوت الحكم في جميع آنات الجمعة أو الحياة مستفاد من نفس الدليل أي لو شك في ثبوته في آن من هذه الآنات يتمسّك بأصالة العموم و استصحابه، و لو شك في اعتبار قيد من الصحة و المرض و غير ذلك يتمسّك بأصالة الاطلاق أو استصحابه، و استصحاب العموم و الاطلاق ليس من الاستصحاب المصطلح بل هو أخذ بالظاهر بحكم العرف و أهل اللسان.

ثانيهما: أن يثبت بالدليل كون المستصحب مقتضيا للاستمرار إلى حصول الرافع كالطهارة، فإنّ قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ ... إلخ، لا يدل على استمرار الطهارة بل قام الإجماع مثلا على أنّ الطهارة إذا حصلت تستمر إلى حصول رافع، و كذا النكاح و غيره فعند الشك في الرافع يتمسك بالاستصحاب، فصاحب المعالم حمل كلام المحقق على المعنى الأوّل الذي لا معنى للاستصحاب فيه بالاتفاق فجعله من المنكرين له، و المصنف حمله على المعنى الثاني فجعله من المثبتين له في مورد الشك في الرافع، و الحق معه لأنّ المحقق مثّل بالنكاح و هو من قبيل اقتضاء المستصحب للاستمرار لا من قبيل دلالة الدليل عليه و هو: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

42

مثلا.

و أمّا باعتبار الشك في البقاء فمن وجوه أيضا: أحدها: من جهة أنّ الشك قد ينشأ من اشتباه الأمر الخارجي مثل الشك في)

بقاء الطهارة لاحتمال‏

(حدوث البول أو كون الحادث بولا أو وذيا، و يسمّى بالشبهة في الموضوع سواء كان المستصحب حكما شرعيا جزئيا كالطهارة في المثالين أم موضوعا)

خارجيا

(كالرطوبة و الكرية و نقل اللفظ عن معناه الأصلي و شبه ذلك، و قد ينشأ من اشتباه الحكم الشرعي الصادر من الشارع كالشك في بقاء نجاسة المتغيّر بعد زوال تغيّره)

الناشئ من عدم العلم بأنّ مجرد زوال التغيّر و لو بنفسه يرفع النجاسة شرعا أم لا

(و طهارة المكلّف بعد حدوث المذي منه)

الناشئ من احتمال كون المذي أيضا كالبول من النواقض شرعا

(و نحو ذلك.

و الظاهر دخول القسمين في محل النزاع كما يظهر من كلام المنكرين حيث ينكرون استصحاب زيد بعد غيبته عن النظر و البلد المبني على ساحل البحر)

و هما من الشبهة الموضوعية

(و من كلام المثبتين حيث يستدلون بتوقّف نظام معاش الناس و معادهم على الاستصحاب)

فإنّهم لنيل مقاصدهم و رفع حوائجهم يطلبون المواضع التي عهدوها فيها و يصلّون بثيابهم و يستعملون مياههم اعتمادا على طهارتها السابقة.

(و يحكى عن الأخباريين اختصاص الخلاف بالثاني و هو الذي صرح به المحدّث البحراني، و يظهر من كلام المحدث الأسترآبادي حيث قال في فوائده:

اعلم أنّ للاستصحاب صورتين معتبرتين باتفاق الأمّة بل أقول اعتبارهما من ضروريات الدين: أحدهما: أنّ الصحابة و غيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أن يجي‏ء ما ينسخه)

قد يقال بأنّ استصحاب عدم النسخ ليس من الاستصحاب المصطلح، بل هو أخذ بظاهر الدليل الدال على دوام الحكم كاستصحاب العموم و الاطلاق‏

(الثانية: إنّا نستصحب كل أمر من الأمور

43

الشرعية مثل كون الرجل مالك أرض و كونه زوج امرأة و كونه عبد رجل و كونه على وضوء و كون الثوب طاهرا أو نجسا و كون الليل أو النهار باقيا و كون ذمة الإنسان مشغولا بصلاة أو طواف)

.

و بالجملة اتفقوا على اجراء الاستصحاب في الشبهات الموضوعية

(إلى أن)

تقوم أمارة معتبرة على زوال الحالة السابقة و هو المراد بقوله:

(يقطع بوجود شي‏ء جعله الشارع سببا مزيلا لنقض تلك الأمور ثم ذلك الشي‏ء)

أي الأمارة المعتبرة المزيلة

(قد تكون شهادة العدلين)

فإنّ البيّنة معتبرة في الموضوعات‏

(و قد يكون قول الحجام المسلم أو من في حكمه)

كالجراح إذا أخبر بتطهير الموضع‏

(و قد يكون قول القصار)

هو من يغسل دنس الثياب فيخبر بتطهيرها

(أو من في حكمه)

كالزوجة تخبر بتطهير ما في يدها من الأثاث‏

(و قد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح و الغسل)

أي بيعه‏

(في سوق المسلمين)

فإنّ سوق المسلم يمنع عن استصحاب عدم التذكية أو عدم الغسل‏

(و أشباه ذلك)

الأمثلة المتقدمة

(من الأمور الحسية)

كاستصحاب الخمرية و الخلية و غيرهما

(انتهى.

و لو لا تمثيله باستصحاب الليل و النهار لاحتمل أن يكون معقد اجماعه الشك من حيث المانع وجودا أو منعا)

حاصله: أنّ الأمثلة التي ذكرها الأسترآبادي للصورة الثانية كلّها من قبيل الشك في الرافع أي وجود الرافع كالشك في أنّه طلّقها أم لا، أو رافعية الموجود كالشك في أنّ الطلاق يحصل بهذه الألفاظ أم لا، إلّا أنّ مثال الليل و النهار من الشك في المقتضي فلو لا هذا المثال لاحتمل أن يكون مراده من الصورتين استصحاب عدم النسخ و الاستصحاب عند الشك في الرافع، و نظرا إلى هذا الاحتمال. قال المصنف- ره-: و يظهر من كلام الأسترآبادي و لم يقل صرّح الأسترآبادي‏

(إلّا أنّ الجامع بين جميع أمثلة الصورة الثانية ليس إلّا الشبهة الموضوعية فكأنّه «أسترآبادي» استثنى من محل الخلاف صورة واحدة من الشبهة الحكمية، أعني: الشك في النسخ)

و مرّ ما

44

فيه‏

(و جميع صور الشبهة الموضوعية.

و أصرح من العبارة المذكورة في اختصاص محل الخلاف بالشبهة الحكمية ما حكي عنه «أسترآبادي» في الفوائد أنّه قال في جملة كلام له: أنّ صور الاستصحاب المختلف فيه راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته)

كثبوت النجاسة للكر حال تغيّره‏

(نجريه «حكم» في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها فيه)

بأن صار المتغيّر غير متغيّر

(و من المعلوم أنّه إذا تبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد)

أي تبدل التغيّر بعدمه‏

(اختلف موضوع المسألتين، فالذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة إلى اجراء حكم لموضوع إلى موضوع)

آخر

(متحد معه بالذات)

و هو الماء الكر مثلا

(مختلف بالقيد و الصفات)

أي بالتغيّر و عدمه‏

(انتهى.

الثاني: من حيث إنّ الشك بالمعنى الأعم الذي هو المأخوذ في تعريف الاستصحاب)

حيث قالوا: الاستصحاب كون شي‏ء يقيني الحصول في السابق مشكوك البقاء في اللاحق‏

(قد يكون مع تساوي الطرفين و قد يكون مع رجحان البقاء أو الارتفاع)

و بالجملة قد يكون احتمال البقاء و الارتفاع متساويين، و قد يكون البقاء مظنونا، و قد يكون الارتفاع مظنونا، و يعبّر عنه بالظن بالخلاف.

(و لا اشكال في دخول الأوّلين في محل النزاع، و أمّا الثالث فقد يتراءى من بعض كلماتهم عدم وقوع الخلاف فيه)

أي لا خلاف في عدم اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف‏

(قال شارح المختصر: معنى استصحاب لحال أنّ الحكم الفلاني قد كان و لم يظن عدمه)

هذا التعبير يدل على اشتراط عدم الظن بالخلاف‏

(و كلما كان كذلك هو مظنون البقاء، و قد اختلف في حجيته لافادته الظن و عدمها لعدم افادته. انتهى.

و التحقيق أنّ محل الخلاف إن كان في اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد و الطريق الظاهري)

المستفاد من الأخبار

(عمّ)

النزاع‏

(صورة الظن الغير المعتبر

45

بالخلاف)

كما إذا دل خبر ضعيف على طهارة الماء بعد زوال تغيّره، و التقييد بغير المعتبر من جهة أنّه لو كان ظنا معتبرا أخذ به دون الاستصحاب كما إذا دل خبر عادل على طهارة الماء بعد زوال تغيّره بنفسه، و الظن بالوفاق أيضا يراد به الظن الغير المعتبر إذ لو كان معتبرا فالعمل به لا بالاستصحاب‏

(و إن كان من باب افادة الظن)

بالبقاء

(كما صرح به شارح المختصر، فإن كان)

أي اعتبار الاستصحاب‏

(من باب الظن الشخصي كما يظهر من كلمات بعضهم كشيخنا البهائي في حبل المتين و بعض من تأخّر عنه كان محل الخلاف في غير صورة الظن بالخلاف)

و هو صورة الظن الفعلي بالبقاء، و صورة الشك المتساوي الطرفين لأنّ الشاك بالفعل إذا لاحظ الثبوت في السابق يصير ظانّا بالوفاق بخلاف الظان بالخلاف، كما قال‏

(إذ مع وجوده لا يعقل ظن البقاء و إن كان)

أي اعتبار الاستصحاب‏

(من باب افادة نوعه الظن لو خلي و طبعه، و إن عرض لبعض أفراده ما يسقطه عن افادة الظن)

كقيام أمارة غير معتبرة على الخلاف‏

(عمّ الخلاف صورة الظن بالخلاف أيضا، و يمكن أن يحمل كلام العضدي)

و هو قوله: و كلّما كان كذلك فهو مظنون البقاء

(على ارادة أنّ الاستصحاب من شأنه بالنوع أن يفيد الظن عند فرض عدم الظن بالخلاف، و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك إن شاء اللّه.

الثالث: من حيث إنّ الشك في بقاء المستصحب قد يكون من جهة المقتضي، و المراد به الشك من حيث استعداده و قابليته في ذاته للبقاء كالشك في بقاء الليل و النهار)

فإنّ لهما في ذاتهما حد محدود يتصرمان بالتدريج و ينقضيان في تمام الحد

(و خيار الغبن بعد الزمان الأوّل)

حيث لا يعلم أنّه فوري أو مستعد للبقاء مدة

(و قد يكون من جهة طرو الرافع مع القطع باستعداده للبقاء)

.

و الفرق بين هذا التفصيل و التفصيل المتقدم عن المحقق و الخوانساري مضافا إلى أنّ المتقدم كان باعتبار دلالة الدليل على الاستمرار و عدمه، و هذا كائن باعتبار الشك في الرافع أو المقتضي، ففي مثال الطهارة مثلا يمكن الحكم باعتبار

46

الاستصحاب بمجرد ملاحظة دلالة الدليل على استمرارها إلى حصول الرافع كما صنعه المحقق و الخوانساري، و يمكن الحكم به بملاحظة أنّه شك في الرافع، و أدلة الاستصحاب من الأخبار و غيرها تفيد اعتباره فيه كما صنع المصنف، و في مثال خيار الغبن يمكن منع الاستصحاب لكون دليله مهملا ساكتا و يمكن منعه لأنّه شك في المقتضي. و بالجملة مضافا إلى ذلك أنّ الشك في الغاية بصورة الخمس مورد الاستصحاب على التفصيل المتقدم لدلالة الدليل على الاستمرار إلى حصول الغاية لا على هذا التفصيل لأنّه شك في المقتضي، و أيضا التفصيل المتقدم كان مختصا بالشبهة الحكمية، و هذا يعمها و يعم الشبهة الموضوعية و الشبهة في الأمور الخارجية.

(و هذا على أقسام)

قد مرّ بيان الأقسام الخمسة للشك في الرافع و الشك في الغاية

(لأنّ الشك إمّا في وجود الرافع كالشك في حدوث البول، و إمّا أن يكون في رافعية الموجود إمّا لعدم تعيّن المستصحب و تردده بين ما يكون الموجود رافعا و بين ما لا يكون كفعل الظهر المشكوك كونه رافعا لشغل الذمة بالصلاة المكلّف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردده بين الظهر و الجمعة)

. حاصله: أنّ الواجب في ظهر الجمعة مردد بين صلاة الظهر و صلاة الجمعة، و حينئذ فإذا صلّى الظهر يشك في رافعيتها إذ لا يعلم أنّ الواجب كان هو الظهر حتى يرتفع الاشتغال بسبب اتيانها أو كان هو الجمعة حتى يبقى الاشتغال‏

(و إمّا للجهل بصفة الموجود من كونه رافعا كالمذي)

حيث لا يعلم أنّ الشارع جعله رافعا كالبول أم لا

(أو)

من كونه‏

(مصداقا لرافع معلوم المفهوم كالرطوبة المرددة بين البول و الوذي أو مجهول المفهوم)

كما إذا لم يعلم أنّ الخفقة داخلة في مفهوم النوم الرافع للطهارة أم لا.

(و لا إشكال في كون ما عدا الشك في وجود الرافع)

و هو الشك في المقتضي و الشك في رافعية الموجود بصورة الأربع‏

(محلّا للخلاف)

و ليس عدم اعتبار

47

الاستصحاب في الشك في المقتضي متفقا عليه‏

(و إن كان ظاهر استدلال بعض المثبتين بأنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود إلى آخره، يوهم الخلاف)

أي يوهم اختصاص النزاع بمورد الشك في الرافع و كون عدم الاعتبار متفقا عليه في الشك في المقتضي‏

(و إمّا هو)

أي الشك في وجود الرافع‏

(فالظاهر أيضا وقوع الخلاف فيه)

و عدم كون الاستصحاب فيه متفقا عليه‏

(كما يظهر من انكار السيد للاستصحاب في البلد المبني على ساحل البحر و زيد الغائب عن النظر)

فمع أنّهما من الشك في وجود الرافع أنكر السيد فيهما الاستصحاب‏

(و)

يظهر أيضا من بعض أدلّة النافين و هو

(أنّ الاستصحاب لو كان حجة لكان بيّنة النافي أولى لاعتضادها بالاستصحاب)

فعدم تقديمها دليل على عدم اعتبار الاستصحاب إذ لو كان معتبرا لجرى أصل العدم و تعاضد به بيّنة النفي و تقدمت على بيّنة الاثبات، و معلوم أنّ الشك في بقاء الاعدام شك في الرافع، و هذا و إن أجيب عنه في محله إلّا أنّه يعلم منه أنّ الشك في الرافع أيضا محل خلاف.

(و كيف كان فقد يفصل بين كون الشك من جهة المقتضي و بين كونه من جهة الرافع، فينكر الاستصحاب في الأوّل، و قد يفصل في الرافع بين الشك في وجوده و الشك في رافعيته فينكر الثاني مطلقا)

أي في جميع صوره الأربع‏

(أو إذا لم يكن الشك في المصداق الخارجي)

كالشك في أنّ هذه الرطوبة بول أو مذي.

(هذه جملة ما حضرني من كلمات الأصحاب و المتحصّل منها في بادئ النظر أحد عشر قولا: الأوّل: القول بالحجية مطلقا. الثاني: عدمها مطلقا. الثالث:

التفصيل بين العدمي و الوجودي. الرابع: التفصيل بين الأمور الخارجية و بين الحكم الشرعي مطلقا فلا يعتبر في الأوّل. الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي و غيره فلا يعتبر في الأوّل إلّا في عدم النسخ. السادس: التفصيل بين الحكم الجزئي و غيره فلا يعتبر في غير الأوّل، و هذا هو الذي تقدم أنّه ربّما يستظهر من كلام المحقق الخوانساري في حاشية شرح الدروس على ما حكاه السيد في شرح‏

48

الوافية. السابع: التفصيل بين الأحكام الوضعية يعني نفس الأسباب و الشروط و الموانع و الأحكام التكليفية التابعة لها و بين غيرها من الأحكام الشرعية فيجري في الأوّل)

.

فالمتيمّم الواجد للماء في الأثناء يستصحب نفس الشرط أي كونه على حال يصح منه الصلاة لا شرطية ذلك لعدم شك فيه، و يستصحب أيضا التكليف التابع له كوجوب المضي في الصلاة، و في الكر المتغيّر الزائل تغيّره بنفسه يستصحب نفس المانع، أعني: النجاسة لا مانعية النجاسة لعدم شك فيه، و يستصحب الحكم التكليفي التابع له كحرمة استعماله للصلاة

(دون الثاني)

أي لا يجري في نفس الأحكام تكليفية كانت من الوجوب و الحرمة و غيرهما أو وضعية من الشرطية و المانعية و غيرهما على خيال فاسد تخيّله الفاضل التوني و هو عدم تصوّر شك فيها

(الثامن: التفصيل بين ما ثبت بالإجماع و غيره، فلا يعتبر في الأوّل.

التاسع: التفصيل بين كون المستصحب ممّا ثبت بدليله أو من الخارج استمراره)

الأوّل: بأن يقول مثلا المتوضّئ متطهّر حتى يحدث حدثا، و الثاني: بأن يقول تطهّر للصلاة و يقوم الإجماع على أنّ الطهارة إذا حصلت لا ترتفع إلّا برافع‏

(فشك في الغاية الرافعة له)

و قد مرّ بيان الصور الخمس للشك في الرافع‏

(و بين غيره)

من موارد الشك في المقتضي‏

(فيعتبر في الأوّل دون الثاني كما هو ظاهر المعارج.

العاشر: هذا التفصيل مع اختصاص الشك بوجود الغاية)

الرافعة فلا يعتبر في الشك في المقتضي و لا في الشك في رافعية الموجود بصورة الأربع‏

(كما هو الظاهر من المحقق السبزواري فيما سيجي‏ء من كلامه. الحادي عشر:)

اعتبار الاستصحاب في صورة الشك في وجود الرافع مع‏

(زيادة)

صورة أخرى من صور الشك في رافعية الموجود و هي صورة

(الشك في مصداق الغاية)

الرافعة

(من جهة الاشتباه المصداقي)

كتردد الرطوبة بين البول و المذي‏

(دون المفهومي)

كالشك في رافعية الخفقة لاحتمال دخولها في مفهوم النوم‏

(كما هو ظاهر ما سيجي‏ء من المحقق‏

49

الخوانساري)

لا يخفى أنّه- ره- لا يفرّق بين الشك في الرافع كالحدث و الشك في الغاية كالليل، و قد مرّ مفصّلا بيانه‏

(ثم إنّه لو بنى على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرّض لهذه المسألة في الأصول و الفروع لزادت الأقوال على العدد المذكور بكثير)

قيل: تبلغ الأقوال إلى نيف و خمسين‏

(بل يحصل لعالم واحد قولان أو أزيد في المسألة إلّا أنّ صرف الوقت في هذا ممّا لا ينبغي)

.

الاستصحاب حجة عند الشك في الرافع دون المقتضي‏

(و الأقوى هو القول التاسع و هو الذي اختاره المحقق)

في المعارج، و فيه ما مرّ من أنّ المحقق فصل بين دلالة الدليل على الاستمرار إلى حصول الرافع و بين عدمها، و محل هذا التفصيل هو الشبهات الحكمية، و المصنف- ره- فصّل بين الشك في الرافع و الشك في المقتضي و هو يعم موارد الشبهة الحكمية و الموضوعية و الشك في الأمور الخارجية

(فإنّ المحكي عنه في المعارج أنّه قال: إذا ثبت حكم في وقت)

كالتيمّم عند تعذّر الماء

(ثم جاء وقت آخر)

كما إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فأريق بلا مهلة

(و لم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم)

أي شك في انتقاض التيمّم‏

(هل يحكم ببقائه ما لم يقم دلالة على نفيه أم يفتقر الحكم في الوقت الثاني إلى دلالة، حكي عن المفيد- قده- أنّه يحكم ببقائه و هو المختار، و قال المرتضى- قده-: لا يحكم ثم مثّل بالمتيمّم الواجد للماء في أثناء الصلاة ثم احتج للحجية بوجوه منها أنّ المقتضي للحكم الأوّل موجود)

لا يخفى أنّ دليله هذا شاهد صدق على أنّ نظره في اعتبار الاستصحاب وفاقا للمفيد هو مورد احراز المقتضي، و الشك في الرافع‏

(ثم ذكر أدلّة المانعين و أجاب عنها.

ثم قال: و الذي نختاره أن ننظر في دليل ذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقا)

أي مستمرا إلى حصول الرافع‏

(وجب الحكم باستمرار الحكم كعقد

50

النكاح فإنّه يوجب حل الوطي مطلقا، فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق)

كأنت خلية أو أنت برية

(فالمستدل على أنّ الطلاق لا يقع بها لو قال حل الوطي ثابت قبل النطق بهذه الألفاظ فكذا بعده كان صحيحا لأنّ المقتضي للتحليل و هو العقد اقتضاه مطلقا، و لا يعلم أنّ الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء فيثبت الحكم عملا بالمقتضي، لا يقال: إنّ المقتضي هو العقد و لم يثبت أنّه باق لأنّا نقول: وقوع العقد اقتضى حل الوطي لا مقيّدا بوقت)

أي اقتضاه مستمرا إلى حصول الرافع‏

(فيلزم دوام الحل نظرا إلى وقوع المقتضي لا إلى دوامه)

بمعنى أنّ دوام الحل لا يتوقف على دوام المقتضي حتى يقال بأنّ الدوام غير محرز بل يتوقّف على وقوع المقتضي للاستمرار إذ بعد وقوع المقتضي له فالارتفاع يحتاج إلى الاحراز دون البقاء.

(فيجب أن يثبت الحل حتى يثبت الرافع)

و أورد عليه المصنف- ره- فيما يأتي بأنّ الحكم بوجود شي‏ء يتوقّف على احراز علّته، فلا يصح الحكم بالبقاء بمجرد وجود المقتضي بل لا بدّ من احراز عدم الرافع أيضا، و حينئذ فلا بدّ من ضمّ شي‏ء آخر كبناء العقلاء و أخبار الاستصحاب أي ضمه على وجود المقتضي‏

(ثم قال: فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس هذا عملا بغير دليل و إن كان يعني أمرا آخر وراء هذا)

كالاستصحاب في موارد الشك في المقتضي‏

(فنحن مضربون عنه. انتهى. و يظهر من صاحب المعالم اختياره حيث جعل هذا القول من المحقق نفيا لحجية الاستصحاب)

فإن جعل القول بحجية الاستصحاب في الشك في الرافع راجعا إلى القول بعدم حجية الاستصحاب معناه أنّ الحجية في الشك في الرافع خارجة عن محيط النزاع.

(فيظهر أنّ الاستصحاب المختلف فيه غيره.

لنا على ذلك وجوه: الأوّل: ظهور كلمات جماعة في الاتفاق عليه فمنها ما عن المبادي حيث قال: الاستصحاب حجة لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل‏

51

حكم ثم وقع الشك في أنّه طرأ ما يزيله أم لا)

أي شك في الرافع‏

(وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلا، و لو لا القول بأنّ الاستصحاب حجة لكان ترجيحا لأحد طرفي الممكن من غير مرجح، انتهى. و مراده و إن كان الاستدلال به على حجية مطلق الاستصحاب بناء على ما ادعاه من)

تنقيح المناط و هو

(أنّ الوجه في الإجماع على الاستصحاب مع الشك في طرو المزيل هو اعتبار الحالة السابقة مطلقا لكنّه)

أي ما ادعاه‏

(ممنوع لعدم الملازمة)

ملخّص الكلام: أنّه لا اشكال في اختصاص معقد الإجماع بالشك في الرافع لأنّه المراد من الشك في طرو المزيل إلّا أنّ صاحب المبادي أراد الاستدلال به على حجية مطلق الاستصحاب بطريق تنقيح المناط فمنع عنه المصنف- ره- بأنّه لا ملازمة بين حجية الاستصحاب في الشك في الرافع و حجيته في الشك في المقتضي لوجود الفرق الفاحش.

(كما سيجي‏ء، و نظير هذا ما عن النهاية من أنّ الفقهاء بأسرهم على كثرة اختلافهم اتفقوا على أنّا متى تيقّنّا حصول شي‏ء و شككنا في حدوث المزيل له أخذنا بالمتيقّن و هو عين الاستصحاب لأنّهم رجحوا بقاء الثابت على حدوث الحادث)

المزيل‏

(و منها تصريح صاحب المعالم و الفاضل الجواد بأنّ ما ذكره المحقق أخيرا في المعارج)

من اختصاص الاستصحاب بالشك في الرافع‏

(راجع إلى قول السيد المرتضى المنكر للاستصحاب، فإنّ هذا شهادة منهما على خروج ما ذكره المحقق عن مورد النزاع و كونه موضع وفاق، إلّا أنّ في صحة هذه الشهادة نظر، لأنّ ما مثّل في المعارج من الشك في الرافعية من مثال النكاح هو بعينه ما أنكره الغزالي و مثّل له بالخارج من غير السبيلين)

أي قال: بأنّ مثل النكاح و الألفاظ المشكوك وقوع الطلاق بها مثل الطهارة و خروج البول أو الغائط و الريح من ثقبة غير المخرجين المعتادين‏

(فإنّ الطهارة كالنكاح في أنّ سببها مقتض لتحققه دائما إلى أن يثبت الرافع)

و بالجملة جريان الاستصحاب في الشك في الرافع ليس خارجا عن حريم النزاع بنحو شهادة صاحب المعالم و الفاضل‏

52

الجواد.

(الثاني: إنّا تتبّعنا موارد الشك في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع فلم نجد من أوّل الفقه إلى آخره موردا إلّا و حكم الشارع فيه بالبقاء)

فعند الشك في عروض النجاسة يحكم ببقاء الطهارة و بالعكس عند الشك في حصول البينونة يحكم ببقاء الزوجية، و عند الشك في الانتقال يحكم ببقاء الملك و إذا شك الشاهد في بقاء ما شهده جاز له الشهادة إلى غير ذلك ممّا لا يحصى‏

(إلّا مع أمارة توجب الظن بالخلاف)

فإنّ الأمارة المعتبرة القائمة على خلاف الحالة السابقة تكون حاكمة على الاستصحاب سواء كانت معتبرة بالنوع كخبر العادل و البيّنة، أو اعتبرها الشارع في موارد خاصة في قبال الاستصحاب كموارد تقديم الظاهر على الأصل.

(كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء فإنّ الحكم بها ليس لعدم اعتبار الحالة السابقة و إلّا لوجب الحكم بالطهارة لقاعدة)

أخرى غير الاستصحاب و هي قاعدة

(الطهارة بل لغلبة بقاء جزء من البول أو المني في المخرج فرجح هذا الظاهر على الأصل)

حاصله: أنّ اعتبار الاستصحاب و إن كان محل كلام إلّا أنّ اعتبار أصالة الطهارة لا كلام فيه، و مع ذلك فقد حكم الشارع بنجاسة الرطوبة المشتبهة فيما إذا بال أو أمنى و غسل المخرج من دون استبراء فإنّ المظنون كونها بولا أو منيا لغلبة بقائهما في المجرى، فاعتبره الشارع تقديما للظاهر على الأصل حتى أصالة الطهارة لا لعدم اعتبار الاستصحاب‏

(كما في غسالة الحمام)

فإنّها محكومة بالنجاسة شرعا

(عند بعض)

تقديما للظاهر، و غلبة وجود النجاسة في الأبدان على أصالة الطهارة

(و البناء على الصحة المستند إلى ظهور فعل المسلم)

فإذا صلّى مسلم على ميّت و شككنا في صحتها و براءة ذمتنا أو فسادها و اشتغال ذمتنا يقدم الظن بالصحة الناشئ عن ظاهر حال المسلم على قاعدة الاشتغال.

(و الانصاف أنّ هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع)

أي ليس من الأمارات‏