شرح هداية المسترشدين( حجية الظن)

- الشيخ محمد باقر الأصفهاني النجفي المزيد...
832 /
5

تقديم بقلم: سماحة آية اللّه الشيخ هادي النجفي (دام ظله) آل العلامة التقي صاحب الهداية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين و اللعن على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

أمّا بعد، فإنّ أئمة أهل البيت- (سلام اللّه عليهم أجمعين) - و سيّما الإمام محمّد بن علي بن الحسين الباقر (عليه السّلام) و نجله الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) يعدّون المبتكرين و المؤسّسين لعلم الاصول.

[بعض الروايات الاصولية]

لأنّهم ألقوا على تلاميذهم و رواة أحاديثهم اسس التفكير الأصولي، و أنت تجد في رواياتهم بذرتها، نشير إلى عدّة من الروايات حتّى تعلم ذلك بيقين:

منها: صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك و لا يمكن القدوم، و يجى‏ء الرجل من أصحابنا فيسألني و ليس عندي كلّ ما يسألني عنه، فقال: ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي فإنّه سمع‏

6

من أبي و كان عنده وجيها (1).

و منها: صحيحة شعيب العقرقوفي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ربّما احتجنا أن نسأل عن الشي‏ء فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي- يعني أبا بصير- (2).

و منها: معتبرة أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: سألته و قلت:

من اعامل؟ أو عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون.

قال: و سألت أبا محمّد (عليه السّلام) عن مثل ذلك، فقال: العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما و أطعهما، فإنّهما الثقتان المأمونان الحديث‏ (3).

و منها: صحيحة سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ما أجد أحدا يحيي ذكرنا و أحاديث أبي إلّا زرارة و أبو بصير ليث المرادي و محمّد بن مسلم و بريد بن معاوية العجلي، و لو لا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين و امناء أبي على حلال اللّه و حرامه و هم السابقون إلينا في الدنيا و السابقون إلينا في الآخرة (4).

و منها: خبر أحمد بن إبراهيم المراغي قال: ورد على القاسم بن العلاء- و ذكر توقيعا شريفا يقول فيه-: فإنّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما

____________

(1) رجال الكشي 161 ح 273 و نقل عنه في وسائل الشيعة 27/ 144 ح 23 طبع آل البيت.

(2) رجال الكشي 400 ح 291 و نقل عنه في وسائل الشيعة 27/ 142 ح 15.

(3) الكافي 1/ 265 ح 1 و نقل عنه في وسائل الشيعة 27/ 138 ح 4.

(4) رجال الكشي 1/ 136 ح 219 و نقل عنه في وسائل الشيعة 27/ 144 ح 21.

7

يرويه عنّا ثقاتنا قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا و نحملهم إيّاه إليهم‏ (1).

أقول: الروايات الواردة في حجّية أخبار الثقات كثيرة ذكر صاحب الوسائل‏ (2) أكثر من أربعين رواية، و صاحب المستدرك‏ (3) أكثر من ثلاثين رواية، و جاءت في جامع أحاديث الشيعة (4) أكثر من مائة و عشرين رواية.

و لا يخفى على من له إلمام بالفقه بأنّ أخبار الثقات و حجّيتها أساس الفقه، و لولاها لا يمكن الاستنباط و الاجتهاد في أبواب الفقه، و لذا يبحث عن حجّيتها في اصول الفقه.

و منها: مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحا كما- إلى أن قال:- فإن كان كلّ واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكون الناظرين في حقّهما و اختلفا في ما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما، و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه، قال: فقال: ينظر إلى ما كان من رواياتهما عنّا في ذلك الذي حكما به، المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه- إلى أن قال- فإن كان الخبران عنكم بمشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم‏

____________

(1) رجال الكشي 2/ 535 ح 1020 و نقل عنه في وسائل الشيعة 27/ 149 ح 40.

(2) وسائل الشيعة 27/ 136.

(3) مستدرك الوسائل 17/ 311.

(4) جامع أحاديث الشيعة 1/ 268 الطبعة الحديثة.

8

الكتاب و السنّة و خالف العامّة. يؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة. قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد، فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك، و يؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات‏ (1).

أقول: الروايات الواردة في ما يعالج به تعارض الروايات كثيرة، ذكر صاحبي الوسائل‏ (2) و مستدركه‏ (3) ستّين رواية في ذلك المجال. و من أهمّ الأبحاث في علم الأصول بحث التعادل و التراجيح في الروايات.

و منها: صحيحة زرارة قال: قال لي أبو جعفر محمّد بن علي (عليه السّلام): يا زرارة إيّاك و أصحاب القياس في الدين، فإنّهم تركوا علم ما وكّلوا به، و تكلّفوا ما قد كفوه، يتأوّلون الأخبار، و يكذبون على اللّه عزّ و جل، و كأنّي بالرجل منهم ينادي من بين يديه فيجيب من خلفه، و ينادي من خلفه فيجيب من بين يديه، قد تاهوا و تحيّروا في الأرض و الدين‏ (4).

و منها: صحيحة أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما تقول في‏

____________

(1) الكافي 1/ 54 ح 10 و نقل عنه في وسائل الشيعة 27/ 106 ح 1.

(2) وسائل الشيعة 27/ 106.

(3) مستدرك الوسائل 17/ 302.

(4) أمالي المفيد. المجلس السادس ح 12/ 51 و نقل عنه في وسائل الشيعة 27/ 59 ح 43.

9

رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: عشرة من الإبل. قلت: قطع اثنتين؟ قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثا؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعا؟ قال:

عشرون. قلت: سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون و يقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟ إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول: الذي جاء به شيطان! فقال: مهلا يا أبان هذا حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت الى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين‏ (1).

أقول: القياس حجّة عند العامّة، و لكن ردّه الأئمة من أهل البيت (عليهم السّلام) و أنكروه عليهم أشدّ الإنكار، و الروايات الواردة في عدم حجّية القياس كثيرة، ذكر صاحب الوسائل‏ (2) أكثر من خمسين رواية و صاحب المستدرك‏ (3) أكثر من ثلاثين و جاءت في جامع أحاديث الشيعة (4) أكثر من مائة و ثلاثين رواية.

و منها: صحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) رفع عن امتي تسعة: الخطاء، و النسيان، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة (5).

أقول: يجى‏ء البحث عن حديث الرفع في بحث البراءة الشرعيّة من علم‏

____________

(1) الكافي 7/ 299 ح 1 و نقل عنه في وسائل الشيعة 29/ 352 ح 1.

(2) وسائل الشيعة 27/ 35.

(3) مستدرك الوسائل 17/ 252.

(4) جامع أحاديث الشيعة 1/ 326.

(5) الخصال/ 417 و نقل عنه في جامع أحاديث الشيعة 1/ 389 ح 3.

10

الاصول.

و منها: صحيحة زرارة قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من مني فعلّمت أثره إلى أن اصيب له من الماء فأصبت، و حضرت الصلاة و نسيت أنّ بثوبي شيئا و صلّيت، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة و تغسله، قلت:

فإنّي لم أكن رأيت موضعه و علمت أن قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه، فلمّا صلّيت وجدته، قال: تغسله و تعيد، قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك فنظرت و لم أر شيئا ثمّ صلّيت و رأيت فيه، قال: تغسله و لا تعيد الصلاة، قلت:

و لم ذلك؟ قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا، الحديث‏ (1).

أقول: الإضمار في الرواية لا يضرّ بها حيث مضمرها زرارة، و له في هذا المجال صحاح أخر، فراجع إن شئت إلى جامع أحاديث الشيعة (2) و يبحث عنها في بحث الاستصحاب من علم الاصول.

ثمّ هذه عشرة من صحاح الأحاديث و هي و أمثالها بذرة التفكير الاصولي المنتشرة من أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام).

و هناك روايات أخر حول بعض مسائل تبحث عنها في علم الاصول نحو حديث «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» و قاعدة الميسور، و قاعدة القرعة، و قاعدة اليد، و أصالة الطهارة، و أصالة الحلّية، و نحو ذلك.

و أيضا هناك روايات أخر لا تبحث عنها في علم الاصول، بل تبحث في‏

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 421 و نقل عنه في جامع أحاديث الشيعة 1/ 406 ح 4.

(2) جامع أحاديث الشيعة 1/ 405.

11

علم القواعد الفقهية، و هي القواعد التي تنطبق على الحكم الشرعي الفرعي في أبواب مختلفة و مسائل متعدّدة في علم الفقه، و هي كثيرة:

منها: قاعدة الإتلاف، قاعدة الإقرار، قاعدة الإلزام، قاعدة الغرور، قاعدة نفي السبيل، قاعدة الجبّ، قاعدة الإحسان، قاعدة سوق المسلمين، قاعدة حجّية البيّنة، قاعدة التقيّة، و غيرها من القواعد الفقهية.

و الفارق الرئيسي بين القواعد الفقهية و المسائل الاصولية:

أنّ القواعد الفقهية كبريات تنطبق على الحكم الشرعي الفرعي، و أمّا المسائل الاصولية فتقع نتائجها في كبرى قياس الاستنباط، فينتج منه العلم بالحكم الشرعي الفرعي.

فعلى ما ذكرنا لا يجوز التقليد في المسائل الاصولية، لأنّها ليست من المسائل الفرعية التي نعلم بجواز التقليد فيها، و لكن يجوز التقليد في القواعد الفقهية لأنّها من المسائل الفرعية الشرعيّة، فاغتنم.

و الحاصل أنّ بذرة التفكير الاصولي انتشرت من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) و صنّف بعض أصحابهم رسالات في علم الاصول من جمع أحاديثهم:

و منهم: هشام بن الحكم من أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام) صنّف كتاب الألفاظ و مباحثها كما صرّح به ابن النديم في الفهرست‏ (1).

و منهم: يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين صنّف كتاب اختلاف الحديث و مسائله عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السّلام) و هو مبحث تعارض الحديثين كما صرّح به الشيخ في الفهرست‏ (2).

____________

(1) الفهرست لابن النديم/ 244.

(2) الفهرست للشيخ الطوسي/ 181 الرقم 789.

12

ثمّ لعلم الاصول أدوار و عصور قد مرّ من والدنا (1) (قدس سرّه) إجماله في مقدمته على كتاب جدّه العلّامة المحقّق آية اللّه العظمى أبي المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الأصفهاني طاب ثراه المتوفّى عام 1362 الموسوم ب «وقاية الأذهان» المنتشرة ثانيا بواسطة مؤسسة آل البيت- لا زالت مؤيّدة لنشر تراث أهل البيت (عليهم السّلام) فراجعها إن شئت.

امّا هذا الكتاب‏

كتب العلّامة الثاني آية اللّه العظمى الشيخ محمد تقي الرازي النجفي الأصفهاني المتوفّى في وقت الزوال من يوم الجمعة منتصف شهر شوال المكرم عام 1248 (قدس سرّه) حاشيته على مقدمة كتاب «معالم الدين في ملاذ المجتهدين» في علم الاصول، للشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني المتوفّى عام 1011 (قدس سرّه)، و قد طبع باسم «هداية المسترشدين في شرح اصول معالم الدين» عدة مرّات و آخرها عام 1420 في ثلاث مجلّدات ضمن منشورات جماعة المدرسين بقم المقدسة.

و قد كتب على هذه الطبعة والدنا العلّامة آية اللّه الشيخ مهدي غياث الدين مجد الإسلام النجفي (قدس سرّه) المتوفّى عام 1422 مقدمة عرّف فيها هداية المسترشدين خير تعريف و ثبت انّها كتاب يرجع إليه أعلام الطائفة الحقّة من بعده‏

____________

(1) راجع ترجمته في كتابي: قبيله عالمان دين/ (208- 153).

13

في كتبهم و أبحاثهم الأصوليّة في مرحلة الدراسات العالية المسمى بالخارج، و يغنينا عن التعريف بالهداية.

و قال في مقدّمته تحت عنوان شرح الهداية: «أوّل من شرح قسما من كتاب الهداية نجل المؤلف العلّامة الفقيه المحقّق الرئيس آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمد باقر النجفي الاصفهاني المعروف بحجة الإسلام طاب ثراه عام 1301، فإنّه شرح بحث حجّية المظنة من هداية والده، و قد طبع مع الهداية في عام 1283 في قريب من مائة و ثلاثين صفحة كبير من الطبع الحجري ...» (1).

و قال العلّامة الطهراني في تعريف الكتاب: «شرح حجّية المظنة من هداية المسترشدين في شرح معالم الدين تأليف الشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم الاصفهاني المتوفّى 1248 ه، لولده العلّامة الشيخ محمد باقر والد الآقا نجفي و المتوفى سنة 1301 ه، اوّله: الحمد للّه الذي شرح صدور العلماء العاملين بإشراق أنوار اليقين ... الخ يقرب من 12000 بيتا، رأيت منه نسخة في مكتبة شيخ الشريعة الاصفهاني في النجف فرغ منها الكاتب سنة 1279 ه» (2).

و قال المؤلف في شأن كتابه: «... إنّي لما رأيت الرسالة الشريفة بل الجوهرة النفيسة التي ادرجت في كتاب «هداية المسترشدين في شرح اصول معالم الدين» التي صنّفها و هذّبها والدي الإمام عماد الإسلام فقيه أهل البيت (عليهم السّلام) ... وجدتها مشتملة على تحقيقات فائقة تفرد بها عن السابقين، و تدقيقات رائقة لم يسبقه إليها أحد من الأوّلين و الآخرين، قد عملها في إبطال‏

____________

(1) هداية المسترشدين 1/ 12.

(2) الذريعة 13/ 185 الرقم 641.

14

القول بالظن المطلق و إثبات مذهب الحق، كشف فيها عن مشكلات هذه المسألة نقابها، و ذلّل صعابها، و ملك رقابها، و حلّل للعقول عقالها، و أوضح قيلها و قالها، ففوائدها في سماء الإفادة نجوم، و للشكوك و الشبهات رجوم، غير أنّها قد استصعبت على علماء هذا العصر حتى اختفت عليهم دقائقها و انطوت عنهم حقائقها، فجعلوها غرضا لسهام النقض و الإبرام، و ليس ذلك إلّا من زلل الإفهام، و حيث وجدت الأمر بهذه المثابة مع كون المسألة من أعظم المسائل التي تعمّ بها البليّة و تشتدّ إليها الحاجة، بل يبتني عليها اساس استنباط الأحكام الشرعيّة، رأيت أن أكتب عليها شرحا وافيا بإيضاح مبهماتها، كافيا في بيان مشكلاتها، متكفّلا بدفع الشكوك و الشبهات عنها و تنقيح مطالبها و تهذيب مقاصدها ...» (1).

ثم من بعده استفاد الأعلام من هذا الشرح الشريف لتبيين مراد والده العلّامة (قدس سرّه)ما:

منهم: حفيده العلّامة الشيخ أبي المجد محمد الرضا النجفي الاصفهاني المتوفى عام 1362 في كتابه وقاية الأذهان قال فيه: «تفسير الجد حجة الاسلام لكلام والده الإمام طاب ثراهما» (2) ثم تعرض لهذا التفسير بعد التعرض ايماء بشهادة عمّه آية اللّه العظمى الحاج آقا نور اللّه النجفي طاب ثراه في عام 1346 ق بمدينة قم بيد رضا خان البهلوي لعنه اللّه تعالى.

و هكذا تعرّض لكلامه في مواضع اخرى من كتابه‏ (3).

____________

(1) راجع هذا الكتاب ص 62.

(2) وقاية الأذهان/ 597 طبع مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(3) راجع في هذا المجال وقاية الأذهان/ 569 و 573.

15

و منهم: العلّامة المحقّق الشيخ محمد حسين الأصفهاني المعروف بالكمباني المتوفّى عام 1361 في تعليقته المشهورة على الكفاية فإنّه ذكر بيان المؤلّف في شرح كلام والده المحقّق، عقد له تنبيه، قال: «ذكر بعض الأجلّة (رحمه اللّه) في شرح كلام والده المحقّق (قدس سرّه) ...» (1).

و امّا المؤلّف‏

اسمه: الحاج الشيخ محمد باقر النجفي الاصفهاني المعروف بالشيخ الكبير و الملقّب بحجّة الإسلام.

والده: العلّامة الفقيه الاصولي الشيخ محمد تقي ابن الحاج محمد رحيم الرازي النجفي الاصفهاني.

أمّه: نسمة خاتون المعروفة بحبابة- بنت الشيخ الأكبر الشيخ جعفر النجفي صاحب كشف الغطاء- المتوفاة عام 1295 و دفنت في جوار مرقد زوجة العلّامة في بقعته الخاصة بتخت فولاد أصبهان. ذكرها السيد المهدوي و وصفها ب «العالمة و الفاضلة و الزاهدة» (2).

ولادته: المشهور بين أرباب التراجم أنّه ولد عام 1235 بأصفهان، و لكن يظهر من بعض‏ (3) أنّه ولد في عام 1234.

____________

(1) نهاية الدراية 3/ 326 طبع مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(2) دانشمندان و بزرگان اصفهان 1/ 89 من الطبعة الحديثة في عام 1384 ش.

(3) كما يظهر من كلام حفيده العلّامة محمد باقر الفت في كتابه المخطوط نسب‏نامه. و السيد محسن الامين-

16

اساتيده و مشايخه و هجرته الى النجف الاشرف‏

اشتغل بالتحصيل في مسقط رأسه اصبهان عند أعلامها، ثمّ بعد وفاة والده انتقل إلى النجف الأشرف بهمّة والدته العالمة، و حضر على جماعة، و قد ذكروا هؤلاء الأعلام من أساتيده و مشايخه، و هم آيات اللّه العظام:

1- والده العلّامة الشيخ محمد تقي صاحب هداية المسترشدين عام 1248.

2- الحاج السيد محمد باقر الموسوي الشفتي المعروف بحجة الاسلام المتوفّى عام 1260.

3- الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر المتوفّى عام 1266.

4- خاله الشيخ حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء صاحب أنوار الفقاهة المتوفّى عام 1262.

5- عديل والده، و والد زوجته السيد صدر الدين الموسوي العاملي المتوفّى عام 1264.

6- الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الانصاري المتوفّى عام 1281.

و قد استفاد من الشيخ الأعظم في أوائل تدريس الشيخ في بيته و قرأ عليه هداية والده و تشرف الى حجّ بيت اللّه معه و أجازه الشيخ بخطه و هي صورتها إليك:

____________

- في اعيان الشيعة 13/ 439 (طبع عام 1420) و الدكتور محمد باقر الكتابي و هو من أسباطه في رجال اصفهان 1/ 137.

17

صورة إجازة الشيخ الأعظم الأنصاري بخطه للمؤلّف (قدس سرّه)ما

18

قالوا في حقه‏

1- كتب آية اللّه السيد محمد حسن الحسيني الميرزا الشيرازي الكبير المتوفى عام 1312- و هو من تلاميذ والده العلّامة في جواب استفتاء حيث سأل عنه فيها ما يكون معرّبه: «المرحوم جنّة المكان الحاج الشيخ محمد باقر- أعلى اللّه مقامه- في أيام حياته تصرّف في امور يرجع إلى الحاكم الشرع المطاع، فهل هذه التصرّفات ممضيّ، و يبقى على حاله بعد موته أم لا؟ و حيث يكون محل الحاجة تفضلوا بخطكم المبارك».

و كتب الميرزا بخطه الشريف ما ترجمته بالعربية:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم نعم، ممضّ و نافذ.

حرّره الأحقر محمّد حسن الحسيني».

ثم ختمه بخاتمه الشريفة و اليك صورة نص الاستفتاء و جوابه بالفارسية:

19

[صورة خط الميرزا الشيرازى الكبير فى حق المؤلف‏]

تصوير خط الميرزا الشيرازى الكبير في تصديق كون المؤلّف هو الحاكم الشرع المطاع و أنّ تصرفاته نافذة في حال حياته و بعد مماته‏

20

2- قال آخر من تلاميذ والده و المجازين من الولد (1) و هو صاحب الروضات في ختام ترجمة والده: «... و لصاحب الترجمة أيضا ولد فاضل جليل، و خلف بارع نبيل، من ابنة شيخنا الأفقه الأفخر الشيخ جعفر يسمّى بالحاج شيخ محمد باقر- أطاب اللّه تعالى ثراه- و كان أيام وفاة والده المبرور في حدود المراهقة أو الصبا، فصبى على مثل تلك الحالة إلى تحصيل المرتبة القصوى و المنزلة العليا بسعى والدته الحميدة الكبرى، و انتقل بعد برهة من اشتغاله في أصفهان على بعض تلامذة والده الأعيان، و تزوّجه بابنة خالته الّتي هي من سلالة سيدنا السيد صدر الدين الموسوي العاملي إلى أرض النجف الأشرف الأطهر، فتتلمذ بها أيضا سنين عند خاله العلّامة الشيخ حسن [ا] بن الشيخ جعفر، و كذلك عند شيخنا البارع العلّامة الشيخ مرتضى الدزفولي الانصاري المنتهى إليه رئاسة الطائفة في هذا الزمان- حفظه اللّه من نوائب الأزمان- في طريق مسافرتهما إلى حجّ بيت اللّه الحرام و غيرها إلى أن اجيز له في الرواية و الفتوى فردّ إلى وطنه سالما غانما، و عاد إلى مسكنه عالما حازما و أخذ

____________

(1) نقل العلّامة السيد أحمد الروضاتى عن ظهر نسخة أمل الأمل التي كلّها بخطّه جده صاحب الروضات، عن خطه اجازة آية اللّه الشيخ محمّد باقر النجفى مؤلّف هذا الكتاب للمحقق الفقيه السيد محمّد باقر صاحب الروضات هكذا: «بسمه تعالى و الحمد للّه و صلى اللّه على محمّد و آله لقد أجازني شفاها بعد التنطّق بالحمد و الصلاة، جناب الشيخ السمى سلّمه اللّه في رواية جميع ما صحت روايته عن شيخه الفاضل المدقّق المرحوم الشيخ مرتضى عن المحقّق النراقي، و عن شيخيه الآخرين الفاخرين الشيخ محمّد حسن صاحب جواهر الكلام و الشيخ حسن [ا] بن الشيخ جعفر خاله الرفيع المقام عن مشايخهم عليهم رضوان اللّه الملك العلّام، و كان ذا في شهر محرم الحرام 1286 و الحمد للّه أوّلا و آخرا. [فراجع مقدمة كتاب علماء الاسرة/ 80].

21

هنالك في الترويج و التدريس و الإمامة و التأسيس و التصنيف و التأليف و القيام بحقّ التكليف- و هو سلمه اللّه تعالى-. من أجلّة مشفقينا المعظّمين و المحرّصين على تتميم هذا الكتاب المتين- أتاه اللّه ما لم يؤت أحدا من العالمين» (1).

3- و قال تلميذه العلّامة المحقّق الشيخ محمّد حسين النائيني (قدس سرّه) استاذ الفقهاء في النجف الأشرف على منبر تدريسه بعد التذكر باسم شيخنا المترجم له:

«كان فقيها كبيرا»- ثلاث مرات- (2).

4- و قال حفيده العلّامة أبي المجد الشيخ محمد الرضا النجفي الأصفهاني في شأنه: «كلّ لسان من وصفه قاصر، و كلّ فكر في كهنه حاسر (3)، أحسن وصف لمعاليه أنّه أشبه الخلق بأبيه، كان وقت وفاة والده العلّامة مراهقا أو بلغ الحلم، و بعد بلوغه بمدّة قليلة بعثته والدته الصالحة العابدة بنت الشيخ الأكبر الشيخ جعفر إلى النجف الأشرف لتحصيل العلم، و لم يزل مشغولا بتحصيل العلم عند خاله الفقيه الأعظم صاحب أنوار الفقاهة و عند صاحب الجواهر و حضر في فن اصول الفقه على العلّامة الشيخ مرتضى و كان ذلك ابتداء أمر الشيخ، كان يمضي إلى داره و يقرأ عليه حاشية والده و هو أوّل تلامذته و أعظم من استفاد من صحبته و اشتغل من خلال ذلك بتكميل مراتب التقوى و بتحسين الأخلاق و المجاهدات، حتّى منحه اللّه سبحانه حالات شريفة و عرضت له كرامات منيفة

____________

(1) روضات الجنات 2/ 1217.

(2) كتبه بعض تلاميذ المحقّق النائيني في تقريظه على رسالتي «إزاحة الشكوك عن حكم اللباس المشكوك» و هي لا يزال مخطوطة.

(3) حسر بصره يحسر حسورا، أي كلّ و انقطع نظره من طول مدى و ما أشبه ذلك، فهو حسير، و محسور أيضا.

22

لا أرى ذكرها ...» (1).

5- و قال صاحب أحسن الوديعة: «آية اللّه العظمى الفقيه الماهر، فخر الأوائل و الأواخر، ابن الأعلم الأفضل الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية المشهورة على المعالم، مولانا الحاج الشيخ محمد باقر الأصفهاني، و كان هذا الشيخ من أكابر الفقهاء و المجتهدين و أعاظم العلماء المحقّقين، و أفاضل الدنيا و الدين، مجسّمة الزهد و الورع و التقوى، تاركا بالكلّية الدنيا، مشتغلا بامور الاخرى» (2).

6- و قال المؤرّخ الميرزا حسن خان الجابري الأنصاري (قدس سرّهما) معناه بالعربية: «له النسب الأعلى من الفردين العظيمين، و هو شمس القلادة من البيتين الجليلين، و هما الشيخ الكبير جعفر و الشيخ محمد تقي نوّر اللّه مضجعهما، و كان مرجعا لتقليد الأكابر و الأعاظم، و ربيعا للعلم و العمل، و ساعيا في إعلاء لواء الشريعة بحيث لم يكن فوقه متصوّرا، و في زمن رئاسته على مسند الشريعة يعيشون قاطبة الناس في راحة ...» (3).

7- و قال السيد محسن الأمين (رحمه اللّه): «شيخ شيوخ اصفهان و أحد أعيان الرؤساء في ايران، رأس بعد أبيه ... ثمّ عاد إلى اصفهان اتفق موت إمامها السيد اسد اللّه و غيره من الشيوخ فانحصر الأمر فيه و رأس بها زعامة قلّما تتفق حتّى أقام الحدود الشرعيّة من القتل قصاصا و قصده الناس في المهام إلى غير ذلك و لم يبق معه شأن لولاة اصفهان، أبطل حكومتهم حتّى ضاق بهم الخناق بل كان‏

____________

(1) حلي الدهر العاطل في من أدركته من الأفاضل، و نقل عنه في فوائد الرضوية 2/ 410.

(2) أحسن الوديعة 2/ 16.

(3) تاريخ اصفهان 1/ 98.

23

حكمه فوق كلّ حكم و تعدي ذلك إلى غيرها من بلاد إيران خصوصا بعد رحلاته إلى طهران و قد قصده طلاب الفقه من كلّ صوب و تخرجوا به و بعضهم من المشاهير مثل: السيد اسماعيل الصدر و السيد كاظم اليزدي الطباطبائي و شيخ الشريعة الأصفهاني و اولاده المشهورون (أي أولاد المترجم) ...» (1).

8- و قال السيد حسن الأمين (رحمه اللّه) «... ثمّ عاد إلى اصفهان و تولى التدريس مكان والده في حوزة مسجد الشاه و قد تخرج عليه عدد من العلماء. و بعد وفاة كبار علماء اصفهان اشتغل بأمور الناس و جلس للقضاء بينهم و حلّ مشاكلهم و اصبح هو صاحب السلطة الفعلية في اصفهان و تولّى إقامة الحدود الشرعيّة فقتل عدد من البابيين بأمر منه، كما حكم بإعدام سبعة و عشرين شخصا في يوم واحد، أعدم منهم اثنا عشر و تمكن الباقون من الفرار ...» (2).

9- و قال حفيده الآخر العلّامة محمد باقر الفت (رحمه اللّه) ما معربة: «اشتهر بالعلم و التقوى اشتهارا واسعا، و صار إماما لأئمة الدين بأصبهان ... و كان في أواخر عمره أوّلا من الأشخاص المتنفذين في ولاية أصبهان، و يحسب من جملة الاوّلين من العلماء الروحانيّين في إيران و غيره ...» (3).

10- و قال في نفحات الروضات في ذيل ترجمة والده: «... و ولده الشيخ محمد باقر أيضا عالم فاضل من أجلّة علماء المعاصرين و كان زمن وفاة والده في حدود المراهقة فاشتغل بأصفهان مدّة، ثم قدم العراق و قرأ بها و فاز من العلم و العمل المرتبة العليا فقدم أصفهان و هو الآن بها من مروجي الدين- سلمه اللّه‏

____________

(1) اعيان الشيعة 13/ 439 طبع عام 1420 في بيروت.

(2) مستدركات اعيان الشيعة 9/ 208 طبع عام 1419 في بيروت.

(3) نسب‏نامه/ مخطوط.

24

تعالى-» (1).

11- و قال حفيده الآخر العلّامة آية اللّه الشيخ مهدي النجفي المتوفّى عام 1393 في شأنه ما ترجمته بالعربية: «كان فقيها كاملا و عالما متجرا، و يجمع بين حسنى الصورة و السيرة، و يكون خليقا و وقورا، و له جديّة تامة في إعلاء كلمة الدين و رفع شرّ الظالمين و إشاعة الخيرات و دفع المنكرات، و يكون خدماته إلى الدين الحنيف مشهودا للعالمين ...» (2).

12- و قال العلّامة الطهراني (رحمه اللّه): «الشيخ محمد باقر الاصفهاني الكبير، هو الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي محشي المعالم الاصفهاني من مشاهير علماء عصره. ولد في اصفهان (1235) و توفّى والده العالم الكبير و هو في سنّ المراهقة، و بعد بلوغه بعثته والدته بنت الشيخ الأكبر كاشف الغطاء إلى النجف، فاشتغل عند خاله الفقيه الشيخ حسن مؤلّف أنوار الفقاهة و العلّامة مؤلّف الجواهر و الشيخ الأنصاري، ثم عاد إلى اصفهان فقام مقام والده في البحث و التدريس و إقامة الشعائر و إمامة الجماعة في مسجد شاه، خرج من مجلس درسه جماعة من الفقهاء الأعلام، و له تصانيف جليلة منها: رسالة في حجّية الظن الطريقي طبعت مع حاشية والده على المعالم، و لبّ الاصول قال سيدنا في التكملة: لا أدري أنّه تمّ أم لا؟ و كذا كتاب لبّ الفقه الموجود عنده مجلد منه في الطهارة ناقصا و ...» (3).

____________

(1) نفحات الروضات/ 166 الرقم 148 و هي اختصار روضات الجنات بقلم العلّامة محمد باقر الفت.

و قد طبعها العلّامة المرحوم السيد احمد الروضاتي «رهما».

(2) أنهار/ 28.

(3) نقباء البشر 1/ 198 الرقم 439.

25

13- قال الشيخ عبّاس القمّي (رحمه اللّه) في شأنه: «كان عالما جليلا، أمّه بنت الشيخ الأكبر كاشف الغطاء، و زوجته بنت العلّامة السيّد صدر الدين الموسوي، و كانت بنت خالته أيضا، تلمّذ على بعض تلامذة والده، ثمّ على خاله العلّامة حسن بن الشيخ جعفر، و على العلّامة، المحقّق الشيخ مرتضى الأنصارى- (رضوان اللّه تعالى عليهم)- توفّى في النجف الأشرف سنة 1301 (غشا)» (1).

14- قال السيد محمد مهدي ابن السيد محمد علي ابن السيد محمد باقر حجة الإسلام الشفتي قدس اللّه أسرارهم المتوفّى عام 1326 في ترجمة والده:

«... و له ولد جليل عالم محقّق عامل ماهر الشيخ محمد باقر قدّس روحه، قد انتهت إليه أواخر عمره رئاسة العامة ببلدة اصفهان و بعض بلاد ايران، و قد لقّب بلقب حجة الاسلام و كان بمحلّه، و قد انتقل إلى جوار اللّه بعد تشرّفه بزيارة أولياء اللّه عام الواحد و ثلاث مائة بعد الألف و دفن جنب قبر كاشف الغطاء في الغري‏ (2) على مشرفه ألف سلام، و لا يخفى أنّ هذا من كراماته فإنّه كان في نهاية العجلة بهذه المسافرة نوّر قبره و (قدس سرّه)» (3).

15- و قال العلّامة السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس سرّه) المتوفّى عام 1377 في كتابه بغية الراغبين بعد ترجمة والده: «... و كان ولده الشيخ محمد باقر حينئذ [يعني حين وفاة والده في عام 1248] في سنّ المراهقة فنشط لتهذيب نفسه و تصفيتها من كلّ شائبة، مشمّرا عن ساعد الجدّ في ذلك، قائما في تحصيل‏

____________

(1) الكنى و الألقاب 2/ 6.

(2) و كان عمره قريبا من سبعين (حاشية من السيد محمد مهدي على متنه).

(3) غرقاب/ مخطوطة بخط المؤلف.

26

العلوم و تمحيص الحقائق على ساق، فما اكتهل حتى كان خلف أبيه و عمّه، يمثلهما في هديه و فهمه و ينسج على منوالهما في علمه و حلمه و حكمه و يسير سيرتهما في أفعال و أقواله و ينهج نهجهما في جميع أحواله ... و كان في ايران ركنا من أركان الهدى و الإيمان، و علما من أعلام التقى و الرضوان على شاكلة أستاذه و مربّيه و مخرّجه و حميه‏ (1) السيد صدر الدين بن السيد صالح شرف الدين الموسوي العاملي، و قد أبلى السيد في تدريبه و تثقيفه بلاء حسنا، زقه العلوم و الآداب زقا.

و كان الشيخ صهر السيد على كريمته‏ (2) و هي أم العلماء الأعلام من أولاد الشيخ و بهذا نال من الخطوة بالسيد ما لم يتسن لغيره، فبرز أعلى اللّه مقامه مرجعا في الدين و مفزعا للمؤمنين، و كان يجيب نداء العافي بلسان نداه، و يروى صدى اللهيف قبل رجع صداه، إلى أن دعاء ربّه فلباه في السنة الاولى بعد الألف و الثلاثمائة» (3).

16- و قال العلّامة المؤرّخ الشيخ محمد على المعلّم الحبيب‏آبادي (رحمه اللّه) ما تعريبه: «... و بعد سكن اصفهان و صلّى بالناس في مسجد شاه و أقام الدرس هناك و حصل له رئاسة حقّة و تموّل كامل. و كان عند الشدائد مرجعا و ملجأ لاناس البلد ...» (4).

17- و قال العلّامة السيد مصلح الدين المهدوى (رحمه اللّه) في شأنه ما تعريبه:

____________

(1) أي والد زوجته.

(2) و كانت كريمة السيد بنت خالة الشيخ لأنّ أمّه و امّها اختان أبوهما الشيخ الأكبر كاشف الغطاء.

(3) بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين 1/ 156.

(4) مكارم الآثار/ 3/ 1007.

27

«من أكابر العلماء و المجتهدين و رؤساء الملّة و الدين ... تتلمّذ حتّى صار عالما جليلا و محقّقا وحيدا، و استفادوا عنه جمع كثير من أكابر العلماء و الفضلاء ...» (1).

18- قال العلّامة السيد احمد الروضاتي (رحمه اللّه) في شأنه: «الإمام العلّامة الفقيه المرجع الديني الحاج الشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي صاحب حاشية المعالم ...» (2).

رجوعه إلى اصبهان‏

في حدود عام 1260 عاد إلى موطنه أصبهان و سكن منزل والده و اقام الجماعة في مسجد الجامع العبّاسي و اشتغل بالإرشاد و الهداية، و كان مجدّا في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و يجرى الحدود الشرعيّة و لذا لقّبه الناس بحجة الاسلام بعد العلّامة السيد محمد باقر الشفتي المتوفّى عام 1260-، فإنّها قد انقطعت بعده حتّى يجريها المترجم له.

فيصير في رأس أعلام أصبهان و يكون أبا و إماما و مرجعا و ملجأ لهم حتّى أنّه في عام المجاعة 1288 الّتي اشتهر بأنّه يأكل الناس بعضهم بعضا استقرض ما يعادل جميع ما يملكه، و أنفقه بفقراء المؤمنين الّذين يكونون في معرض الهلكة.

____________

(1) دانشمندان و بزرگان اصفهان/ 160 (1/ 312 من الطبعة الحديثة في عام 1384 ش).

(2) مقدمة نفحات الروضات/ 116.

28

و في عام 1292 حيث يريد الشاه وضع ضريبة حديثة على الناس، سافر شيخنا المترجم له بنفسه إلى طهران و أخذ من الشاه حذف تلك الضريبة الحديثة لعموم الساكنين بمحروسة اصبهان.

و في عام 1299 بنى مسجدا عظيما في سوق أصبهان يسمّى بمسجد نو، و قيل في تاريخ بنائه بالفارسية:

«اصفهان را مسجد نو شمع شد»

1299

و جميع هذه الأمور صار سببا لبلوغ هلاله إلى البدر التمام فصار أوّل الشخص المتنفذ من العلماء الفقهاء، لا في اصفهان فقط بل في ايران.

تدريسه و بعض تلاميذه‏

قام بالتدريس من أوّل وروده الى أصبهان و قد اجتمع الطلّاب عليه و صعد منبر التدريس أربعين سنة، و استفاد منه في العلوم جمع كثير، قد ذكر العلّامة السيد مصلح الدين المهدوي (قدس سرّه) في كتابه‏ (1) قريبا من ثمانين شخصا من تلاميذه، و لكن هنا أذكر بعضهم، و بين من أذكر و بين من ذكره السيد المهدوي يكون عموما و خصوصا من وجه. و هم آيات اللّه العظام:

____________

(1) بيان سبل الهداية في ذكر اعقاب صاحب الهداية أو تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 1/ 321 و 3/ 356.

29

1- الآخوند محمد ابراهيم بن محمد رضا الأنجداني الأراكي.

و قد أجازه بالرواية و الاجتهاد و هو صاحب المصابيح الثلاثة و هي:

الف: مصباح القلوب في حرمة الغيبة.

ب: مصباح الكرامة في الرضاع.

ج: مصباح السعادة في حرمة الغناء المطبوع في «ميراث فقهي غنا و موسيقي» 2/ (1054- 985)، و العجب من مصححه حيث نسب اجازة شيخنا المترجم له إلى غيره، و سبحان من لا يسهو.

2- الميرزا أبو تراب البروجردي الاصفهاني المتوفّى عام 1328 ق.

3- السيد أبو تراب الموسوي الخوانساري النجفي (1217- 1346).

4- السيد أبو القاسم الحسيني الدهكردي (1272- 1353).

5- الشيخ أبو القاسم الدهاقاني يعرف بصدر العلماء المتوفّى عام 1354 ق.

6- الميرزا أبو القاسم القاضي الاصفهاني‏ (1).

7- الحاج الميرزا أبو الهدى ابن أبي المعالي ابن الحاجي محمد ابراهيم الكلباسي المتوفّى عام 1356 (2).

8- الملا اسماعيل الحكيم البسطامي‏ (3).

9- السيد اسماعيل الصدر ابن السيد صدر الدين (1258- 1338).

____________

(1) ذكره السيد على الجناب في الأصفهان/ مخطوط.

(2) كتاب خاندان كلباسي/ 248.

(3) عنونه السيد على الجناب في الأصفهان/ مخطوط.

30

10- الشيخ محمد باقر البيرجندي (1276- 1352).

11- الشيخ محمد باقر الفشاركي المتوفّى عام 1314.

12- الشيخ محمد تقي آقا النجفي الاصفهاني، نجله (1262- 1332).

13- جهانگير خان القشقائي‏ (1).

14- الشيخ جمال الدين النجفي الاصفهاني ولده (1284- 1354).

15- الميرزا حسن بن ابراهيم المحرّر العراقي المتوفّى عام 1324 (2).

16- الميرزا محمد حسين المدرسه‏ئي النطنزي‏ (3) (1270- 1346).

17- الشيخ محمد حسين النائيني (1277- 1355).

18- الشيخ محمد حسين النجفي الاصفهاني ولده (1266- 1308).

19- الشيخ حسين الورنامخواستي اللنجاني الاصفهاني‏ (4).

20- الشيخ الملّا زين العابدين النخعى الگلپايگاني.

21- السيد محمد صادق الچهارسوقي ابن ميرزا زين العابدين الموسوي الخوانساري‏ (5).

22- الشيخ عباس كاشف الغطاء (1235- 1323).

23- الشيخ الميرزا عبد الجواد النوري، صهر الحاج محمد ابراهيم‏

____________

(1) ذكره السيد علي الجناب في الأصفهان/ مخطوط.

(2) ذكره السيد علي الجناب في الأصفهان/ مخطوط.

(3) المذكور في كتاب ميراث فرهنگى نطنز 2/ 217 تأليف السيد حسين الأعظم الواقفى.

(4) قد ذكروا هذا الرجل من تلامذ والده الشيخ محمّد تقي صاحب الهداية و لكن الصحيح أنّه من تلاميذ نجله الشيخ محمّد باقر كما في نقباء البشر 2/ 495 الرقم 888 الطبعة المصححة.

(5) ذكره السيد علي الجناب في الأصفهان/ مخطوط.

31

الكلباسي المتوفّى عام 1323 (1).

24- الملا عبد الكريم الجزي‏ (2).

25- السيد عبد الكريم الخواجوئي‏ (3).

26- السيد عبد المجيد الفريدني المتوفّى عام 1313 في طريق الرجوع من مكة المكرمة (4).

27- الشيخ علي بن محمد رضا كاشف الغطاء (1268- 1350).

28- الشيخ محمد علي النجفي الاصفهاني، ولده (1271- 1318).

29- السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي صاحب العروة الوثقى (1247- 1337).

30- السيد محمد بن محمد صادق الحسيني الخوانساري‏ (5).

31- الآخوند محمد الكاشاني‏ (6).

32- الشيخ محمّد الگلپايگاني‏ (7).

33- السيد محمود الموسوي الخوانساري‏ (8) المجاز من المؤلّف في عام 1298.

____________

(1) كتاب خاندان كلباسي/ 143.

(2، 3، 4،) ذكره السيد علي الجناب في الأصفهان/ مخطوط.

(5) تراجم الرجال 3/ 15.

(6) ذكره السيد على الجناب في الأصفهان/ مخطوط.

(7) و قد اجازه في شهر رجب المرجب 1274 ق و طبعت الاجازة في شرح حال دانشمندان گلپايگان 3/ 111 و 112.

(8) تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 3/ 357 و تراجم الرجال 3/ 434.

32

34- الميرزا محمود بن عبد العظيم الموسوي الخوانساري المتوفّى عام 1315 (1).

35- السيد مصطفى الكاشاني (1260- 1336).

36- الحاج آقا منير الدين البروجردي (1269- 1342).

تأليفاته‏

كثرة اشتغالاته لا يمنعه من التأليف و التصنيف و يبقى لنا تراثا قيّما في هذا المجال:

1- تعليقة فتوائية على الرسالة الصلاتية

أصلها تكون لأبيه العلّامة بالفارسية و هي كتاب فتواه. و بعده علّق عليها ولده شيخنا المترجم له و أضاف في أوّلها فصل الاجتهاد و التقليد و قد وفّقنا اللّه تعالى لطبع الرسالة مع التعليقة للوالد و الولد، (سلام اللّه عليهما) في عام 1425.

2- رسالة في الاستصحاب‏

تكون صورة خطه في هذه الرسالة عندنا موجودة.

3- رسالة في النقود و الموازين و المكائيل و المقاييس‏

ذكره العلّامة المهدوي في كتابه‏ (2).

____________

(1) تراجم الرجال 3/ 437.

(2) تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 1/ 326.

33

4- شرح هداية المسترشدين، حجّية الظن‏

و هو الكتاب الذي بين يديك و قد مرّ منّا تعريفه.

5- لبّ الاصول‏

ذكره العلّامة الطهراني في الذريعة (1) و نقباء البشر (2).

6- لبّ الفقه‏

ذكره العلّامة الطهراني في الذريعة (3) و نقباء البشر (4).

اولاده‏

رزقه اللّه ثلاث بنات و ستة ذكورهم:

1- آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمد تقي آقا النجفي الاصفهاني (1262- 1332)

ذكره جميع أرباب كتب التراجم و التاريخ في كتبهم لأنّه من أشهر الفقهاء في المائة الرابعة بعد العشرة و عنونه العلّامة المهدوي في أكثر من مأتي صفحة في كتابه‏ (5)، و قد انتشرت ترجمته أيضا في كتابين مستقلين بالفارسية: «حكم نافذ آقا نجفي» و «در حريم وصال».

____________

(1) الذريعة 18/ 282.

(2) نقباء البشر 1/ 199.

(3) الذريعة 18/ 287.

(4) نقباء البشر 1/ 198.

(5) تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 1/ 341 و ما بعدها.

34

2- آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمد حسين النجفي الاصفهاني (1266- 1308)

صاحب التفسير المشهور «مجد البيان في تفسير القرآن» و ترجمه تلميذه و أخيه الحاج آقا نور اللّه في رسالة مستقلة مطبوعة مع التفسير، و أنا أيضا كتبت ترجمته في كتابي «قبيله عالمان دين»/ (84- 63).

3- آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمد علي النجفي الاصفهاني (1271- 1318)

كان من المراجع و الفقهاء و قد ترجمه ولده آية اللّه الشيخ مهدي النجفي المتوفى عام 1393 في كتابه «الأنهار» المطبوع و العلّامة المهدوي‏ (1) و سبطه الدكتور الكتابي‏ (2) و أنت تجد ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء (3).

4- آية اللّه العظمى الحاج الشيخ نور اللّه النجفي الاصفهاني (1278- 1346)

كان في الواقع أبا للثورة المشروطية بايران و استشهد على يد «رضا خان الپهلوي» مسموما بقم، و انتقل جنازته إلى النجف الاشرف و دفن هناك و ترجمته تكون زينة لكتب التراجم و التاريخ، ذكره العلّامة المهدوي في قريب من مأتي صفحه من كتابه‏ (4) و قد انتشر كتابات مستقلات بالفارسية في ترجمته‏ (5).

____________

(1) تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 3/ 109.

(2) رجال اصفهان 1/ 157.

(3) موسوعة طبقات الفقهاء، الجزء الثاني من مجلد 14/ 774.

(4) تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 2/ (198- 9).

(5) انديشه سياسي و تاريخ نهضت بيدارگرانه حاج آقا نور اللّه اصفهاني- و- حاج آقا نور اللّه اصفهاني،-

35

5- آية اللّه العظمى الحاج الشيخ جمال الدين النجفي الاصفهاني (1284- 1354)

كان من المراجع التقليد و أقام الجماعة في مسجد الشيخ لطف اللّه الميسي باصبهان، و في أيام إقامته الإجبارية بطهران أقام الجماعة في مسجد الحاج السيد عزيز اللّه في السوق و جاءت ترجمته في كتب التراجم منها: تاريخ اصفهان/ 326 للجابري الانصاري، تاريخ اصفهان/ 116 مجلد الابنية و العمارات للهمائي، مكارم الآثار 7/ 2613 و نقباء البشر 1/ 308 و تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان 3/ 68 و غيرها.

6- آية اللّه العظمى الحاج الشيخ محمد اسماعيل النجفي الاصفهاني (1288- 1370)

و هو من العلماء و الفقهاء الكبار، أقام الجماعة في مسجد الجامع العباسي و انتقل جنازته بعد ارتحاله إلى كربلاء المعلى و دفن في إحدى حجرات صحن أبي الفضل العباس (عليه السّلام). و أنت تجد ترجمته في نقباء البشر 1/ 152 و أعيان الشيعة 5/ 179 الرقم 2406 و مكارم الآثار 8/ 2888 و المسلسلات 2/ 347 و تاريخ علمي و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 3/ 27.

قال حفيده العلّامة الشيخ أبي المجد محمد الرضا النجفي الاصفهاني في شأن اولاده: «له اولاد علماء و أجلاء من أعلام الدين، لم يتفق لأحد من علماء

____________

- ستاره اصفهان- و- تنهاتر از پگاه- و- قيام آية اللّه حاج آقا نور اللّه نجفى اصفهانى- و- فرازى از زندگانى سياسى حاج آقا نور اللّه اصفهانى به روايت اسناد- و- مجموعة مقالات، طبعت في ترجمته- و- اقيمت له حفل تأبينيّ بمناسبة مرور ثمانين عاما لاستشهاده بمدينة اصبهان في يوم الإثنين، الثاني من رجب المرجب 1426- 17 مراد 1384-.

36

عصرنا ما اتفق له من فضل الاولاد» (1).

و قال السيد شرف الدين: «و خلفه أبناؤه الأبطال الأبدال و كلّهم جاءوا على غراره و جروا على أعراقه ...» (2).

و قال صاحب الروضات: «آتاه اللّه ما لم يؤت أحدا من العالمين» (3).

و قال العلّامة السيد جعفر الحلي (1277- 1315) في قصيدته التي مدح بها آية اللّه الحاج آقا نور اللّه النجفي في ستّين بيتا:

رعى اللّه أبناء التقي فكلّهم‏* * * نجوم بهم نهدى اذا دجّت السبل‏

لقد ثبتت أقدامهم في مزالق‏* * * على مثلها لا يثبت الأعصم الوعل‏

زهت عمة العرب الكرام عليهم‏* * * و للتاج تاج الكسرويين هم أهل‏

اباحوا دماء المظهرين بديننا* * * زخاريف لا يرضى بها اللّه و الرسل‏

فكم باب جور سده كان منهم‏* * * و شدّ عليه من حمايتهم قفل‏

و لو فرّ بابي مدى العمر هاربا* * * لقالت له أقلامهم خلفك القتل‏

إذا نقضوا أمرا أبي اللّه شدّه‏* * * و إن عقدوا أمرا فليس له حلّ‏

إلى آخر قصيدته فراجعها إن شئت في ديوانه المطبوع سحر بابل و سجع البلابل المطبوع عام 1331 في صيدا لبنان‏ (4) بإشراف العلّامة المحقّق آية اللّه الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء طاب ثراهما.

____________

(1) حلى الدهر العاطل في من أدركته من الأفاضل و نقل عنه في فوائد الرضوية 2/ 410.

(2) بغية الراغبين 1/ 156.

(3) روضات الجنات 2/ 127.

(4) سحر بابل و سجع البلابل/ 368.

37

وفاته و مدفنه و رثائه‏

في أيّام انزواء، و عبادته السنوية عند قبر والده العلّامة بتخت فولاد أصبهان في شهر رجب عام 1300 الهم بأنّ موته قريب، فلذا ترك أصبهان و ساكنيه من دون وداع معهم خوفا من ممانعتهم لخروجه، و قصد العراق و عتباته العاليات بسرعة تامة بحيث يسير في يوم واحد مسير يومين و لم يدخل في كثير من البلاد خوفا من الاستقبال و الضيافة و الزيارة و اعتذر منهم بأنّي عاجل في هذا السفر، و هكذا اعتذر من العلّامة السيد محسن العراقي (رحمه اللّه) في مدينة سلطان‏آباد [اراك‏] و لم يدخل البلد.

سار بهذه الكيفية حتى يدخل مدينة كربلاء في ليلة عاشوراء من سنة 1301 فزار مولاه الإمام الحسين (عليه السّلام) في ثلاث ليال ثمّ خرج إلى مدينة النجف الاشرف و عند دخوله زار أمير المؤمنين (عليه السّلام) ثمّ ذهب إلى بقعة جدّه الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدس سرّه) و بها أعيان أولاده و هم أخواله و أبنائهم، و عيّن لنفسه قبرا و أمر بحفره ثمّ خرج من المقبرة و دخل في منزل جدّه الشيخ جعفر كاشف الغطاء حيث عيّن له من قبل و لم يبق أياما حتّى وافاه الأجل في ثمان ليال مضى من شهر صفر عام 1301 و دفن عند قبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء في الغري الشريف.

يحكى لنا حفيده العلّامة الشيخ أبي المجد محمد الرضا النجفي الاصفهاني (قدس سرّه) هذه الواقعة و حيث كان هو و أبوه الشيخ محمد حسين (قدس سرّه)ما في معيّة الشيخ في السفرة العاجلة من أصبهان إلى النجف الأشرف: «و لما كان شهر رجب سنة 1300 و عمره يقرب من السبعة و الستين اعتزل أيّاما عند قبر والده‏

38

العلّامة خارج البلد و كان ذلك رأيه في كلّ سنة يعتزل أيّاما من ذلك الشهر هناك مشغولا بالعبادة و الطاعات، و لمّا رجع إلى البلد لم يكن له همّ إلّا السفر إلى العراق و زيارة قبور الأئمة (عليهم السّلام) هناك، و اجتمع لمنعه جميع أصناف أهل البلد فلم يزده إلّا الأمر بالتعجيل.

حدثني والدي قال: إنّي سألته ذات يوم عن سبب هذه العجلة؟ فقال: لمّا كنت معتزلا في تخت فولاد ظهر لي بسبب غير عاديّ أنّ أجلي قريب، فرأيت أن أسرع إلى تلك البقاع الشريفة و لا أدع حمل جنازتي إلى غيري، فخرج مختفيّا ليلا مخافة منع الناس و لم يزل يطوي المنازل و يغذ في السير إلى أن ورد كربلاء غياب الشمس من ليلة عاشوراء سنة 1301 و لم يبق بها إلّا ثلاث ليال، فلمّا كان اليوم الثالث خرج إلى النجف و كانت السماء تمطر شديدا، و لمّا ورد النجف تشرّف بالحضرة ثمّ خرج و ذهب إلى بقعة جدّه الشيخ جعفر و جلس هناك و معه المشايخ من آل كاشف الغطاء، فقال لهم: عيّنوا لى موضعا للدفن، فلمّا تعيّن أمر بإحضار الفعلة فحفر الموضع و لم يقم من المقبرة إلّا بعد ذلك، ثم جاء إلى الدار المعدّة لنزوله و هي دار جدّه الأكبر الشيخ جعفر و لم تمض أيام حتى فجعه الدهر بموت العالم الشيخ علي ابن الشيخ عباس ابن الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة فتطيّر الشيخ من ذلك، فتمرض و لم تطل أيام مرضه حتّى لقى ربّه و قضى نحبه في شهر صفر سنة 1301» (1).

قال المؤرّخ الميرزا حسن خان الجابري الأنصاري ما معربة: «خلّف منه دينا يعادل عشرين ألف تومانا و العلماء العاملين و الذكر المخلّد» (2).

____________

(1) حلي الدهر العاطل في من أدركته من الأفاضل و نقل عنه في فوائد الرضوية 2/ 410.

(2) تاريخ اصفهان/ 313.

39

و قد رثاه جمع من العلماء و الشعراء في أبيات:

منهم: العلّامة الشيخ محمد السماويّ صاحب الطليعة من شعراء الشيعة قال في رثائه و مادة تاريخ وفاته:

و شيخنا الباقر الاصفهاني‏* * * ابن التقى العالم الرباني‏

مضى به قبر بقرب الجسم‏* * * ارّخ «مضى بباقر و علم» (1)

(1301)

و منهم: الحاج الميرزا علي المستوفي الأنصاري (1248- 1305) والد الميرزا حسن الجابري الأنصاري صاحب تاريخ اصفهان يقول في بيتين فيه مادة تاريخ وفاته بالفارسية:

أصل او چون ز نجف بود سوى أصل برفت‏* * * اين جهان داد و جنان يافت بپاداش عمل‏

سال تاريخش از انصارى جستم گفتا* * * «موطن شيخ نجف بود به انجام و ازل» (2)

(1301)

و منهم: الأديب الأريب و الشاعر الأستاذ فضل اللّه خان الاعتمادي الخوئي المتخلص ببرنا المولود عام 1309 ش- حفظه اللّه تعالى- يقول إجابة لدعوتنا في أبيات بالفارسية فيها مادة تاريخ وفاته:

شيخ مفتى، محمد باقر* * * فحل نامى و مقتداى صفى‏

____________

(1) عنوان الشرف في وشي النجف/ 92 و نقل عنه العلّامة الروضاتي في مقدمة نفحات الروضات/ 119.

(2) تاريخ اصفهان و رى/ 290.

40

آنكه چندى زمام دينى شهر* * * به كفش بوده ز آشكار و خفى‏

آنكه در أمر حاكمين رأيش‏* * * بوده نافذ ز دينى و عرفى‏

آنكه فتواش در حدود و قصاص‏* * * بوده بر همگنان او مكفى‏

بيتى اندر وفات او برنا* * * بنوشت از براى حبر حفى‏

شخص مجد الأفاضل آنكه بود* * * هادى فاضل و صديق وفىّ‏

«باز از قيد و كيد و حكم أجل‏* * * باقر ابن تقى بود نجفى» (1)

(1301)

____________

(1) قبيله عالمان دين/ 61.

41

مصادر ترجمة المؤلف‏

أنت تجد ترجمته في جميع كتب التراجم و حتى كثير من كتب التاريخ منها:

تاريخ علمى و اجتماعي اصفهان در دو قرن اخير 1/ 311

قبيله عالمان دين (62- 41)

رساله صلاتيه (53- 44)

روضات الجنات 2/ 126

شهداء الفضيلة/ 350

المآثر و الآثار/ 142

لباب الألقاب/ 50

تاريخ اصفهان/ 313 للميرزا حسن خان الجابري الانصاري طبع عام 1378 ش‏

دانشمندان و بزرگان اصفهان/ 160 (1/ 312)

دائرة المعارف الاسلامية 2/ 11

نقباء البشر 1/ 198

رجال اصفهان 1/ 137 للدكتور الكتابي‏

الذريعة في مختلف مجلداته منها 18/ 287

دائرة المعارف بزرگ اسلامي 1/ 481

42

ريحانة الادب 3/ 404

اثرآفرينان 3/ 83

مكارم الآثار 3/ 1007

موسوعة طبقات الفقهاء الجزء الثاني من 14/ 616

اعيان الشيعة 44/ 104 (13/ 439)

مستدركات أعيان الشيعة 9/ 208

تذكرة القبور/ 47

بغية الراغبين 1/ 156

فوائد الرضوية 2/ 409

تاريخ اصفهان/ 102 مجلد الأبنية و العمارات لجلال الدين الهمائي‏

هدية الأحباب/ 185

الكنى و الألقاب 2/ 6 طبعة جماعة المدرسين‏

أنهار/ 28 للشيخ مهدي النجفي المسجد شاهي‏

نسب‏نامه الفت/ مخطوطة

ريشه‏ها و جلوه‏هاى تشيع و حوزه علميه اصفهان 1/ 505

نفحات الروضات/ 166 الرقم 148

وارسته پيوسته/ 65

43

شكر و تقدير

في ختام هذا المقال يجب علينا أن نشكر من المحقّق الجليل حجة الإسلام الحاج الشيخ مهدي الباقري- دامت بركاته- حيث حقّق هذا الكتاب الشريف و صحح متنه مع نسخة واحدة مطبوعة حجريّة عام 1283، حيث لم يجد منه مخطوطة و خرّج مصادره على قدر الوسع و الطاقة و أعطانا متنا مصححا منقحا محققا. جزاه اللّه عنّا و عن العلم خير الجزاء و آتاه اللّه خير الدنيا و العقبى.

و نشكر أيضا من الفاضل الألمعي الأستاذ رحيم القاسمي- حفظه اللّه تعالى- من مقابلته المتن مع النسخة الحجرية و تصحيحاته و ملاحظاته على الكتاب قبيل الطبع وفّقه اللّه تعالى لإحياء التراث و لما يحبّ و يرضى.

قد تمّت هذه المقدّمة في يوم الثلاثاء السادس عشر من شهر جمادي الثانية عام 1425 في المشهد المقدس الرضوي حيث سافرت إليه قبل أيّام لأجل زيارة سيّدي و مولاي و إمامي علي بن موسى الرضا عليه آلاف التحية و الثناء و رزقني اللّه شفاعته في الدارين.

و أنا العبد هادي ابن الشيخ مهدي ابن الشيخ مجد الدين ابن الشيخ محمد الرضا ابن الشيخ محمد حسين ابن الشيخ محمد باقر مؤلّف شرح هداية المسترشدين ابن الشيخ محمد تقي الرازي النجفي الأصفهاني صاحب هداية المسترشدين في شرح اصول معالم الدين. رحمة اللّه عليهم أجمعين و جعل‏

44

الجنة مثواهم و منزلهم.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا و صلّى اللّه على سيدنا محمّد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

45

مقدمة المحقّق‏

بسم اللّه الرّحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره و سببا للمزيد من فضله و دليلا على آلائه و عظمته و الصلاة و السلام على أمين وحيه و خاتم رسله و بشير رحمته و نذير نقمته محمّد المصطفى و على آله الطاهرين لا سيّما مولانا بقية اللّه في الأرضين- أرواح العالمين له الفداء- و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين.

[تعريف علم الاصول و الإشارة إلى ادواره‏]

امّا بعد فقد يقال: في تعريف علم الاصول ب «أنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة» (1).

اجتاز هذا العلم من لدن تأسيسه في زمن الإمامين الهمامين أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر و أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السّلام)- لأنّهما ألقيا القواعد الكلّية في الاستنباط على اصحابهما (2)- إلى زماننا مراحل مختلفة.

____________

(1) كفاية الاصول/ 9.

(2) و إن كان تشمّ رائحة اسّ بعض مسائل علم الاصول في كلمات سائر المعصومين (عليهم السّلام) و لكن تكون اعتزازها في زمن هذين الإمامين (عليهما السّلام)، و جدير بالذكر أنّ بعض اصحابنا الاماميّة- قدّس اللّه أسرارهم- قد جمعوا هذه القواعد الكليّة في الاستنباط و رتّبها على ترتيب مباحث علم الاصول منهم:-

46

و لهذا العلم- كغيره من العلوم- أدوار و تطوّرات بين صعود و اعتزاز و خمود و اعتزال و ما كنت في هذا المجال بصدد بيان هذا السير التاريخي، بل غرضي الآن بيان مرحلة كانت بعدها منّا قريب من مأتين عاما و يعبّر المحقّقون من أصحابنا منها بمرحلة الإبداع و الابتكار؛ و لهذه المرحلة و مؤسّسها و التي جرت قبلها و ما انجرّ إليها دور خاصّ في تبويب مباحث العلم كفنّ راق لا يشبه مستواه فيما سلف عليه من العصور.

قد انتشرت مسلك الأخبارية بمساعي الشيخ محمّد أمين الأسترآبادي (المتوفّى 1033 ه) في أواخر القرن العاشر و بداية القرن الحادي عشر فهجم هجمة عظيمة على الأصول و الاصوليّين و طعن على مسلك الاجتهاد المبني على القواعد الاصولية، فكلامه في ذمّ الاجتهاد و المجتهدين معروف و مشهور؛ و من أراد أن يطّلع عليها فليراجع كتابه «الفوائد المدنيّة» (1).

و مع هذه الهجمة العظيمة من ناحية الأخبارية و على رأسهم محمّد أمين الأسترآبادي نرى قيام بعض الأعلام بتأليف كتب يمكن أن يعبّر عنه بحركة تمهيديّة علميّة للأصولي الكبير، البطل المقدام، الزعيم المؤسّس المحيي لعلم‏

____________

- ألف: المحدث الخبير الشيخ حرّ العاملي (المتوفّى 1104 ه) في كتابه «الفصول المهمّة في اصول الأئمة».

ب: المحقّق العلّامة السيّد عبد اللّه شبّر (المتوفّى 1242 ه) في كتابه «الاصول الأصليّة».

ج: الفقيه المتبحّر الميرزا هاشم بن زين العابدين الخوانساري (المتوفّى 1318 ه) في كتابه «أصول آل الرسول».

(1) الفوائد المدنيّة/ 30.

47

الاصول و المتكفّل بتربية جيل من المفكّرين و العلماء على اسس مستقاة من الكتاب و السنّة و العقل الصريح و اتّفاق الأصحاب، و هو الشيخ محمّد باقر الأصفهاني المشهور بالوحيد البهبهاني (المتوفّى 1206 ه).

و نحن نذكر هذه المرحلة ثمّ هذه المقدّمة في طيّ مقامين:

المقام الأوّل: بعض المؤلّفات و مؤلّفيها في هذه الحركة التمهيديّة العلميّة:

1- الوافية في علم الاصول؛ للشيخ عبد اللّه بن محمّد البشروي الخراساني المعروف بالفاضل التوني (المتوفّى 1071 ه).

2- التعليقة على المعالم للمحقّق الشيخ محمّد بن الحسن الشيرواني (المتوفّى 1098 ه).

3- التعليقة على شرح مختصر الأصول للمحقّق جمال الدين محمّد بن الحسين الخوانساري (المتوفّى 1121 ه).

المقام الثاني: الأدوار الثلاثة بعد الوحيد البهبهاني:

و جدير بالذكر و التأمّل أنّ الموقع السامي في هذه المراحل الثلاثة للشيخ محمّد تقي صاحب الهداية و أخيه العلّامة الشيخ محمّد حسين صاحب الفصول (المتوفى 1255 ه) و نجله الجليل الشيخ محمّد باقر شارح الهداية (المتوفّى 1301 ه)؛ و لكلّ من هؤلاء الأعلام الثلاثة في هذه المراحل موقع و مكانة.

الف: الدور الأوّل المعبّر عنه بدور الانفتاح.

كان بدأ هذا الدور حصيلة جهد قام به بعض تلامذة الوحيد في مجالي التدريس و التأليف، نأتي هاهنا بقائمة تمثّل أهمّ هؤلاء التلاميذ و ما حبّرته‏

48

يراعتهم:

1- الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي (المتوفّى 1228 ه)، و تأليفه الخالد «كشف الغطاء» قد أورد في مقدّماته أبحاثا أصولية و صنّف كتابا في اصول الفقه سمّاه «غاية المأمول في علم الاصول».

2- الاصولي المتبحّر الميرزا أبو القاسم الجيلاني القمّي (المتوفّى 1231 ه) و أثره القيّم «قوانين الاصول».

3- رئيس المحقّقين‏ (1) الشيخ محمّد تقي بن محمّد رحيم الرازي النجفي الاصفهاني (المتوفّى 1248 ه) و أثره الكبير «هداية المسترشدين».

ب: الدور الثاني المعبّر عنه بدور النضوج.

تكوّن هذا الدور بيد خرّيجي مدرسة الوحيد البهبهاني. و نخصّ بالذكر من بينهم:

1- الشيخ الجليل محمّد شريف الآملي المعروف بشريف العلماء المازندراني (المتوفّى 1245 ه)، و من آثاره رسالة «جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء الشرط».

2- الاصولي الكبير الشيخ محمّد حسين الاصفهاني الحائري (المتوفّى 1255 ه)، و تراثه القيّم «الفصول الغروية».

ج: الدور الثالث المعبّر عنه بدور التكامل.

____________

(1) هذا التعبير قد ذكره بعض أعلام علم الاصول و هو المحقّق الكبير آية اللّه العظمى الشيخ حسين علي التويسركاني مشيرا إلى مرتبته السامية بين أعلام هذا الفن و أساتذته، و هو من أعاظم تلامذته و القائم مقامه في التدريس.

49

و الجدير بالذكر في هذا الدور و في تطوّرات تكون بعده المقام العالي و المكان الرفيع للبطل الباحث و الاصولي الكبير، بل من كان في سماء علم الاصول كالبدر المنير و النجم الساطع الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي المشهور بالشيخ الأعظم الأنصاري (المتوفّى 1281 ه) و تراثه الاصولي الخالد «فرائد الاصول»- الذي كان منذ تأليفه و حتى الآن قطب رحى الأبحاث العلميّة العليا في الأوساط العلميّة- و خريجي مدرسته الاصوليّة؛ و أذكر في هذا المجال ثلّة منهم و ليس من الجزاف في القول لو عدّهم أحد أعلام تلك المدرسة المباركة، و هم حسب التسلسل الزمنيّ كالتالي- كما قد راعينا هذا التسلسل فيما مضى من هذه التقدمة-:

1- الفقيه الأصولي الشيخ محمّد باقر النجفي الاصفهاني (المتوفّى 1301 ه) مؤلّف «شرح هداية المسترشدين» (مبحث حجيّة الظن).

و حيث إنّ آثاره لم تصل إلى المحقّقين و لم تطبع منها إلّا «شرح هداية المسترشدين»- المطبوع حجريّا في عام 1283 ه-، فقد خفى عند المحقّقين و الأعلام مقامه العالي إلّا القليل منهم، و هم تلامذته و تلامذة تلامذته.

2- السيّد الإمام المجدّد الشيرازي (المتوفّى 1312 ه) صاحب التقريرات.

3- المحقّق الكبير الشيخ محمّد كاظم الخراساني (المتوفّى 1329 ه) مؤلّف كتاب «كفاية الاصول»؛ و لهذا الكتاب مكانة كمكانة الفرائد لاستاذه الشيخ الأعظم الأنصاري.

50

المؤلّف في سطور:

قد أغنانا عن ذكر ترجمة المؤلّف في هذه التقدمة ما أورد حفيد المؤلّف العلّامة الجليل الاستاذ الشيخ هادي النجفي- سلّمه اللّه تعالى- في تقديمه على كتابنا هذا، فنحن بينما نشكره لما جاء به في هذا الصدد نأتي بعبائر بعض الأعلام حول مكانة الشيخ المؤلّف العلميّة.

1- قال استاذه الشيخ الأعظم الأنصاري في إجازته له: «... للأعزّ الأمجد و الأتقى الأوحد ... صاحب التدقيقات الرائقة بالذهن و التحقيقات الفائقة بالفهم المستقيم سلالة الفحول ...» (1).

2- قال المحقّق المتتبع السيّد علي أصغر الجابلقي البروجردي (المتوفّى 1313 ه) في شأنه: «الحاج شيخ محمّد باقر بن الشيخ محمّد تقي الآن في اصفهان، بل في غيرها من البلدان كنار على علم، نعم! و من يشابه أبه فما ظلم‏ (2)، رئيس مطبوع القول عند السلطان، مجر للحدود و السياسات» (3).

3- قال تلميذه الفاضل الفقيه الاصولي و الرجالي الكبير الحاج آقا منير الدين البروجردي الاصفهاني (المتوفّى 1342 ه) في رسالته القيّمة الموسومة ب «الفرق بين النافلة و الفريضة»:

«... نعم قد حكى شيخنا المحقّق العلّامة [الشيخ محمّد باقر النجفي الاصفهاني‏] في بعض الأيّام في أزمنة حضوري في حلقة درسه الميمون عن‏

____________

(1) تجد هذه الإجازة بخط المجيز في كتاب «قبيله عالمان دين»/ 45 و مقدمة هذا الكتاب.

(2) و تمامه: «و بأبه اقتدى عدي في الكرم»، ينسب هذا البيت لرؤبة بن العجاج. انظر: مجمع الأمثال 2/ 300، الرقم 4020.

(3) طرائف المقال 1/ 50، الرقم 57.

51

خاله العالي صاحب المفاخر و المعالي الشيخ حسن بن الشيخ جعفر الغروي [كاشف الغطاء] أعلى اللّه مقامهما ...» (1).

4- قال تلميذه الآخر الشيخ الملّا زين العابدين النخعي الگلپايگاني في شأن اساتيده بأصفهان: «... أجلّهم و أسناهم الشيخ الجليل و العالم النبيل البحر الزاخر و العلم الباهر صاحب المناقب و المفاخر الحاج شيخ محمّد باقر (قدس سرّه) ابن المحقق قطب فلك التحقيق و مركز دائرة التدقيق العالم العامل الصفي التقي الشيخ محمّد تقي (قدس سرّه) صاحب التعليقات على المعالم و كان (قدس سرّه) مع ما فيه من الحسب المنيع و النسب الرفيع و مرجعيته للناس و جامعيته للأساس، ذا تواضع و تكارم و تحمّل و تحلّم و سماحة الوجه و بشاشة الخلق و كان قد يتفق من بعض تلامذته سوء الأدب في المكالمة و المشاجرة حين التدريس و المذاكرة و هو (رحمه اللّه) يغمض العين كانّه لم يقع في البين، و توفى إلى رحمة اللّه في الأرض الغري النجف- على ثاويها آلاف التحية و التحف- حين تشرفه بزيارة ساداتي المدفونين في العراق فأعلى اللّه درجته و حشره معهم و في زمرتهم؛ و كنت حينئذ مشرفا في الأرض الغري او المشهد المقدّس كربلاء و تشرفت بخدمته و توفّى بعده بقليل من الأيّام فرضى اللّه عنه و أرضاه عنّي» (2).

5- المحدّث الخبير الشيخ عباس القمّي (المتوفّى 1359 ه) قال في‏

____________

(1) الفرق بين النافلة و الفريضة: 7، و للمحقّق البروجردي رسائل اخرى ك «رسالة في قبض الوقف» طبعت بتحقيقنا في مجلة «ميراث حوزه اصفهان»، المجموعة الثانية؛ «و أسئلة و أجوبة فقهيّة» و «رسالة الفوائد» لم تطبع بعد و قد وفقنا اللّه تعالى لإحياء هذين الأثرين القيّمين و تصحيحهما و تحقيقهما و ستصدران قريبا إن شاء اللّه.

(2) «مصباح الطالبين» المطبوع في ضمن «شرح حال دانشمندان گلپايگان» 3/ 283.

52

«الفوائد الرضوية» ما ترجمته بالعربيّة:

«... و هو [الشيخ محمّد باقر النجفي الاصفهاني‏] من الطبقة الاولى من تلامذة الشيخ الانصارى ...» (1).

إلمام إلى ما للمؤلّف من الحالات النفسيّة النفيسة:

إنّ للمؤلّف تلامذة كثيرين منهم الاستاذ الأعظم للحوزة العلميّة في النجف الأشرف الفقيه المحقّق الاصولي آية اللّه الشيخ محمّد حسين النائينى (المتوفّى 1355 ه)- قدّس اللّه نفسه الزكيّة- و هو ممّن نشأ في بيت المؤلّف و ترعرع في حجر تربيته؛ و هو يقول عن حالاته النفسيّة و ارتباطه مع الربّ الودود: «كتب والدي- المرحوم الشيخ عبد الرحيم شيخ الإسلام النائيني- إلى المرحوم الشيخ محمّد باقر الاصفهاني: إنّي أريد أن ارسل ولدي إلى محضركم ليستفيض منكم، فقبل الشيخ ذلك.

و كان عمري في هذه الآونة قريبا من 16 سنة حيث وصلت إلى خدمة الشيخ، فدعاني إلى السكنى في منزله و كان في برّاني منزله عدّة غرف يسكن فيها المشتغلون بأموره فسكنت في إحداها و في صباح كلّ يوم كنت أذهب إلى المدرسة طلبا للحضور في محضره و محضر غيره من السادة المدرّسين و كان هذا برنامجي في مدّة ثمان سنوات حيث كنت مشغولا بالتحصيل في مدينة اصفهان.

و كان الشيخ يأتي في أشهر رمضان المباركة إلى برّاني منزله قبل طلوع‏

____________

(1) فوائد الرضوية 2/ 409.

53

الفجر بساعتين أو ثلاث ساعات ليقوم بما أخذه على عاتقه من التهجّد و قراءة الدعاء المعروف بأبي حمزة الثمالي مصليا باكيا قائما على رجليه.

و ما تركت يوما واحدا تلك الدروس حتّى أبحاثه الخاصّة التي كان يلقيها على جماعة من خصيصي فضلائه ...» (1).

المؤلّف في سطور

من الآثار الّتي تظهر و تكشف لنا المقام العلمي الرفيع للمحقّق النحرير و الاصولي الكبير الفقيه الماهر الشيخ محمّد باقر النجفي الأصفهاني هذا الكتاب الّذي بين يديك- أيّها القارئ الكريم-، و لا يخفى أنّ مؤلّفه هو نجل صاحب الهداية مضافا إلى أنّه من أفضل و أقدم تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سرّه)، و هو صاحب الفكر المستقيم و الذوق السليم و الاستعداد الذاتي الذي ورثه من أبيه العلّامة الشيخ محمّد تقي و أمّه الفاضلة بنت الشيخ الأكبر الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء.

المؤلّف (قدس سرّه) يحاكم في هذا الأثر النفيس بين آراء والده العلّامة و استاذه الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سرّه)ما، و قد يتعرّض لأقوال عمّه العلّامة الشيخ محمّد حسين صاحب الفصول، و ربّما يتعرّض لأقوال الاصولي الكبير الميرزا أبي القاسم المعروف بالمحقّق القمّي صاحب القوانين (قدس سرّه).

و لعمري أنّه (قدس سرّه) جلس على مسند التمييز بين الآراء و تبيّن صحيحها من‏

____________

(1) نقل هذا البيان عن المحقّق النائيني تلميذه و صهره آية اللّه السيّد محمّد الحسيني الهمداني.

انظر: مجلة حوزه، الرقم 30/ 40- 39.

54

سقيمها، و يرى الناظر في الكتاب أنّه ما جلس إلّا في مجلسه و ما تصدّر لأمر إلّا لما هو الحقّ له ... إن يقبل قولا فيستدلّ عليه بالدليل المحكم و إن لم يقبله فيذكر دليل ردّه من دون تعصّب و عناد؛ و هذه طريقة أبيه العلّامة الشيخ محمّد تقي صاحب الهداية في تراثه الاصولي و الفقهي‏ (1). و إن شئت الاطلاع على تفصيل هذه الطريقة فراجع إلى ما كتبناه في تقدمتنا المطبوعة على «رساله صلاتيه» (2) لصاحب الهداية.

بعض ميزات هذا الأثر القيّم‏

1- قد صنّف هذا الأثر في زمن حياة الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سرّه) و من المحتمل أنّ الشيخ رأى هذا التصنيف، لأنّ المصنّف عبّر عنه في كتابه بما يشعر بحياة الأستاذ حيث عبّر عنه ب «سلّمه اللّه تعالى» (3).

و هكذا يؤيّد هذا الاحتمال أنّه طبع- لأوّل مرّة، على الحجر- بعد عامين من وفاة الشيخ الأعظم في سنة 1283 ه.

2- النسخة الّتي كانت بيد المؤلّف من الهداية لأبيه و الفرائد لأستاذه تعدّ من أصحّ النسخ، و سيتّضح هذا في ما بعد إن شاء اللّه.

____________

(1) و جدير بالذكر أنّ للمحقّق الشيخ محمّد تقي صاحب الهداية أثران قيّمان في الفقه أحدهما: «تبصرة الفقهاء» استدلالية سيصدر قريبا في مجلّدين.

ثانيهما: رسالة عمليّة لا تخلو من الاستدلال و نقل الأقوال و وفقنا اللّه تعالى لإحيائها و تصحيحها و تحقيقها و قد طبعت باسم «رساله صلاتيه» في عام 1425 ه فله الشكر و الحمد.

(2) رساله صلاتيه/ 59- 58.

(3) انظر: الصفحة 282 من هذا الكتاب.