طريق الوصول إلى تحقيق الأصول‏ - ج3

- الشيخ محمد الكرمي المزيد...
356 /
1

-

2

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين‏

3

المقصد السادس في بيان الامارات المعتبرة شرعا او عقلا

المقصد السادس في بيان الامارات المعتبرة شرعا او عقلا النقاط الرئيسية فى البحث‏ (1) ما هى وظيفة القاطع عند حصول القطع له و ما هى آثار القطع‏

(2) هل التجرى يوجب العقوبة و هل الانقياد يوجب المثوبة

(3) كم هى اقسام القطع‏

(4) هل تقوم الطرق و الامارات المعتبرة مقام القطع‏

(5) هل يمكن ان يؤخذ القطع بحكم فى موضوع نفس هذا الحكم او مثله او ضده‏

(6) هل تنجز التكليف بالقطع كما يقتضى موافقته عملا يقتضى موافقته التزاما

(7) هل بين الاسباب المحصلة للقطع تفاوت في ترتيب الآثار العقلية للقطع‏

(8) هل القطع الاجمالى كالقطع التفصيلى علة تامة لتنجز التكليف‏

و سيأتى بيان معنى الامارة فى اصطلاح الاصولى (و قبل الخوض فى ذلك‏) اى فى بيان الامارات المعتبرة و غير المعتبرة (لا بأس بصرف الكلام الى بيان بعض ما للقطع من الاحكام‏) كالبحث عن التجرى هل انه مستتبع للعقاب و كالبحث عن ان حجية القطع هل هى مجعولة او غير مجعولة (و ان كان‏) بيان هذا البعض (خارجا من مسائل الفن‏) اى فن الاصول لان المنظور بالمسألة الاصولية ما كانت نتيجتها واقعة فى طريق الاستنباط و لا ربط لكون التجرى مستتبعا للعقاب و لا يكون حجية القطع مجعولة او غير مجعولة بعالم استنباط الحكم الفرعى بالمرة كما هو واضح (و كان‏) البحث عن هذا البعض المومأ اليه (اشبه‏) شى‏ء (بمسائل الكلام‏)

4

الباحثة عن احوال المبدا و المعاد و ما يمتّ الى ذلك من موجبات استحقاق الثواب او العقاب: و انما بحث فى علم الاصول عن ذلك (لشدة مناسبة مع المقام‏) لان المقام المعنون باحث عن المدارك الباعثة على الشى‏ء او الزاجرة عنه و هذا البعض الذى نحن بصدد بيانه يمتّ الى الانبعاث و الانزجار بطرف واضح و هو الذي سوغ لنا التعرض له و التصدى لبيانه (فاعلم ان البالغ الذى وضع عليه القلم‏) هذا التعبير تطويل من دون طائل فان ذكر البلوغ مستدرك بما بعده و الاحسن ما عبر به الشيخ (قدس سره) حيث قال ان المكلف اذا التفت (اذا التفت الى حكم فعلى‏) اعلم ان للحكم مراحل اربعة (1) ان يكون مقتضيه موجودا (2) ان يكون له وجود تقنينى انشائى من دون ان يكون للمولى بعث اليه او زجر عنه فعلا كغالب احكام الشرع فى صدر الرسالة مما لم يؤمر النبى (صلّى اللّه عليه و آله) بتبليغه و اظهاره حتى سنحت الفرض فيما بعد (3) ان يستجمع الحكم جميع شرائطه بحيث يكون فى نفسه باعثا و زاجرا إلّا ان حجته لم تقم و لم تتصل بالمكلف لجهله او غفلته و نظير ذلك (4) ان تتم له تلك المراحل اجمع حتى اتصال حجته بالمكلف فالمرحلة الاولى مرحلة الاقتضاء و الثانية مرحلة الانشاء و الثالثة مرحلة الفعلية و الرابعة مرحلة التنجز:

و ستأتى الاشارة الى هذا فى كلام المصنف بعد حين (واقعى‏) المنظور به ما فى نفس الامر فقط (او ظاهرى‏) و المنظور به ما هو اعم من ذلك كما سيجى‏ء بيانه (متعلق به او بمقلديه‏) اذ لا فرق فى عالم التكليف بينه و بينهم الا في الاحكام المترتبة على عنوان المجتهد بما هو كذلك (فاما ان يحصل له‏) عند الالتفات اليه (القطع به اولا) يحصل (و على الثانى‏) و هو عدم حصول القطع له (لا بد من انتهاءه‏) قهرا اما (الى ما استقل به العقل من اتباع الظن لو حصل‏) الظن (له و قد تمت مقدمات الانسداد) ايضا الناهضة بحجيته و ذلك (على تقدير الحكومة) لا الكشف لان الكشف بناء عليه يلحق الظن‏

5

بالعلميات فيكون الظان قاطعا بالحكم الظاهرى (و إلّا) اى و ان لم يحصل له الظن باللون المذكور (فالرجوع الى الاصول العقلية من البراءة و الاشتغال و التخيير على تفصيل يأتى فى محله‏) من هذا الكتاب (ان شاء اللّه تعالى و انما عممنا متعلق القطع‏) بكونه واقعيا او ظاهريا (لعدم اختصاص احكامه‏) اى القطع (بما اذا كان متعلقا بالاحكام الواقعية) بل القطع المتعلق بالحكم الظاهرى تلحقه احكام القطع بلا تفاوت (و خصصنا) الحكم (بالفعلى‏) دون سائر مراتبه (لاختصاصها) اى احكام القطع (بما اذا كان‏) القطع (متعلقا به على ما ستطلع عليه و لذلك‏) اى و لتعميم متعلق القطع للواقعى و الظاهرى اللازم منه تثنية القسمة لان الظنون المعتبرة داخلة فى حيز القطع بالحكم الظاهرى و الغير المعتبرة منها داخلة فى حيز الشك (عدلنا عما فى رسالة شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه من تثليث الاقسام‏) حيث قال (قدس سره) فيها: ان المكلف اذا التفت الى حكم شرعى فاما ان يحصل له الشك فيه او القطع او الظن (و ان ابيت إلّا عن ذلك‏) و هو تثليث القسمة بالقطع و الظن و الشك باعتبار ان الظن فى نفسه صفة مستقلة غير القطع بما هو و غير الشك بما هو ايضا (فالاولى ان يقال‏) فى مقام التقسيم (ان المكلف اما ان يحصل له القطع أو لا و على الثانى اما ان يقوم عنده طريق معتبر) غير العلم نفسه (اولا) و اما ذكر الظن بما هو ظن فليس قسما بحياله لان الظن اذا لم يكن معتبرا فهو بحكم الشك و اذا كان كذلك تداخل الظن و الشك و الى ذلك اشار بقوله (لئلا تتداخل الاقسام‏) فان الطريق المعتبر غير العلم و القطع يستحيل عليه فرض دخوله فى قسم الشك بخلاف الظن بما هو (فيما يذكر لها من الاحكام و مرجعه‏) اى مرجع المكلف (على الاخير) و هو من لم يحصل له القطع و لم يقم عنده طريق معتبر (الى القواعد المقررة عقلا او نقلا لغير القاطع و) غير (من يقوم عنده الطريق‏)

6

(على تفصيل يأتى فى محله ان شاء اللّه تعالى حسبما يقتضى دليلها) اى دليل تلك القواعد المقررة (و كيف كان فبيان احكام القطع و اقسامه يستدعى رسم امور) عديدة

(الامر الاول: لا شبهة فى وجوب العمل على وفق القطع عقلا) بل فطرة و جبلة (و لزوم الحركة على طبقه جزما) بل قهرا بدافع الذات (و) لا شبهة فى (كونه موجبا لتنجز التكليف الفعلى‏) اذا تعلق به (فيما) اذا (اصاب‏) القطع الواقع الحاكم (باستحقاق الذم و العقاب على مخالفته و) لا شبهة فى كونه (عذرا) للقاطع (فيما) اذا (اخطأ) قطعه الواقع (قصورا) لا تقصيرا منه فان المقصر فى التحرى لا يكون فى قطعه اذا اخطأ الواقع معذورا في المخالفة المزبورة (و تأثيره‏) اى تأثير القطع (في ذلك‏) و هو وجوب المتابعة له و الحركة على طبقه الى آخر ما ذكر له (لازم‏) كما اسلفناه بحكم الجبلة و المنطق (و صريح الوجدان به شاهد و حاكم فلا حاجة الى مزيد بيان و اقامة برهان و لا يخفى ان ذلك‏) اللازم له (لا يكون بجعل جاعل‏) لكونه من اللوازم الذاتية و الذى يعقل جعله هو اللازم المفارق (لعدم جعل تأليفى حقيقة بين الشى‏ء و لوازمه‏) الذاتية فان الزوجية تنجعل بمجرد جعل الاربعة في الاعداد (بل‏) انما يصدق جعل اللازم الذاتى (عرضا بتبع جعله‏) اى جعل الملزوم (بسيطا) الذى هو مفاد كان التامة حيث يقال جعلت الاربعة فتنجعل الزوجية تبعا لذلك بالتبعية الغير المنفكة (و بذلك‏) البيان الذى قرأت فيه كون الآثار المزبورة للقطع آثارا ذاتية له (انقدح امتناع المنع عن تأثيره ايضا) بان يقال للقاطع بوجوب الشى‏ء لا تتحرك نحوه فان الحيلولة بين الشى‏ء و اثره الوضعى مما لا مجال لها بطور واضح (مع انه‏) اى المنع عن ما هو لازم القطع كالمنع عن الجرى على موجب‏

7

القطع بكون الشى‏ء واجبا مثلا (يلزم منه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا) بأن يعتقد وجوب الشى‏ء بموجب قطعه و يعتقد خلاف ذلك بموجب منع المولى من دون فرق في لزوم اجتماع الضدين المزبورين بين ان يصيب قطعه الواقع و بين ان لا يصيب (و) يلزم منه اجتماع الضدين (حقيقة في صورة الاصابة) اى اصابة قطعه بوجوب الشى‏ء للواقع فمع فرض النهى عنه يجتمع الضدان حقيقة (كما لا يخفى‏) وجهه.

(ثم: لا يذهب عليك ان التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا) فانك قد قرأت فيما سلف ان الحكم الفعلى ما تم ملاك كل شى‏ء فيه سوى التنجز (و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز) فان مرتبة التنجز مترتبة على الفعلية و الفعلية على الانشائية (و استحقاق العقوبة على المخالفة) انما يكون في مرحلة التنجز فقط فلو أن مكلفا اطلع على الحكم الانشائى و هو بمرتبته هذه كمن علم مثلا بوجوب الزكاة في مرحلته الانشائية قبل ان يصير فعليا و قبل ان يتنجز و لم يجر على طبقه ليس بآثم قطعا (و ان كان ربما توجب موافقته استحقاق المثوبة) لا لانه اطاع تكليفا و قام بفريضة بل لانقياده و حسن عبوديته (و ذلك‏) اى و انما لم يصر فعليا اذا لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر (لان الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة) و هى مرتبة الفعلية (لم يكن حقيقة بأمر و لا نهى‏) صادرين من المولى مشرعين و ان لم يتصلا بالمكلف لجهله او غفلته (و لا) تكون (مخالفته‏) اى مخالفته الحكم الغير الفعلى و ان اطلع المكلف عليه محسوبة (عن عمد و عصيان‏) فان العصيان انما يتحقق للاحكام الفعلية الواصل علمها الى المكلف لا للاحكام الغير الفعلية كالانشائية و ان اطلع المكلف على انشائها فان مخالفتها لا توجب اثما لعدم القائها على عواتق المكلفين حتى العالمين منهم كما اسلفناه (بل كان‏) الحكم الاقتضائى و الانشائى (مما سكت اللّه عنه كما فى الخبر) المروى عن امير المؤمنين‏

8

(عليه السلام) ان اللّه تعالى حدد حدودا فلا تتعدوها و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من اللّه بكم (فلاحظ و تدبر) مفاد هذا الخبر الشريف خصوصا الفقرة في قوله فلا تتكلفوها فانها صريحة في سقوط الوجوب عما لم يصدر به امر المولى و نهيه و ما لا وجوب في فعله لا اثم في تركه كما هو واضح (نعم في كونه‏) اى الحكم (بهذه المرتبة) و هى مرتبة الفعلية الواجدة لملاك البعث و الزجر ما سوى التنجز (موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل‏) و هى الاحكام الظاهرية المجعولة للمكلف بعنوان جهله بالحكم الواقعى (اشكال لزوم اجتماع الضدين‏) فيما لو تخالف الحكم الظاهرى و الواقعى (او) اجتماع (المثلين‏) فيما لو تماثلا (على ما يأتى تفصيله‏) اى تفصيل الاشكال المزبور و هو اجتماع الحكم الواقعى البالغ مرتبة الفعلية و الحكم الظاهرى المقرر للجاهل جميعا على المكلف الجاهل فان الحكم الواقعى الفعلى صادر من المولى و ان لم يتصل بالجاهل فيجتمع على المكلف المزبور حكمان الحكم الواقعى و الحكم الظاهرى و هذه هى جهة الاشكال و سيأتى تفصيله في محله (مع ما هو) اى كما سيأتى ما هو (التحقيق في دفعه في التوفيق بين الحكم الواقعى و الظاهرى فانتظر) محله‏

(الامر الثانى: قد عرفت‏) في الامر الاول (انه لا شبهة في ان القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة) للمقطوع به (و) يوجب استحقاق (المثوبة على الموافقة) له (فى صورة الاصابة) اى اصابة القطع للواقع فلو خالف قطعه المصيب استحق العقوبة و لو وافقه استحق المثوبة (فهل يوجب‏) من خالف قطعه على نفسه (استحقاقها) اى استحقاق العقوبة (فى صورة عدم الاصابة) اى اصابة قطعه للواقع (على‏) مجرد (التجرى بمخالفته‏) لقطعه الغير المصيب (و) هل يوجب (استحقاق المثوبة على الانقياد بموافقته‏) لقطعه الغير المصيب ايضا (أو لا يوجب شيئا) منهما

9

لا العقوبة على تقدير المخالفة و لا المثوبة على فرض الموافقة (الحق انه يوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته و ذمه على تجريه و هتك حرمته‏) اى احترامه (لمولاه و خروجه عن رسوم عبوديته و كونه بصدد الطغيان‏) على مولاه و عدم اصابة الواقع لا ربط لها بجانب العبد المخالف اذ لم يكن حين ارتكاب المخالفة عالما بعدم الاصابة بل و لا محتملا فاصابة الواقع و عدمها فى حقه و بالنسبة الى روحيته على حد سواء (و عزمه على العصيان‏) واحد لا يتفاوت فيه اصابة قطعه للواقع و عدم اصابته كما هو واضح (و صحة مثوبته و مدحه على قيامه بما هو قضية) اى مقتضى (عبوديته من العزم على موافقته و البناء على اطاعته‏) و هكذا فى عالم الموافقة لا تتفاوت حالتا اصابة الواقع و عدمها بالنسبة الى روحيته الطيبة و ضميره الطاهر (و ان قلنا بانه‏) اى العبد (لا يستحق مؤاخذة او مثوبة ما لم يعزم على المخالفة او الموافقة بمجرد سوء سريرته او حسنها) بأن يكون عند ما يقطع بخمرية المائع و لو كان قطعه غير مصادف للواقع فيه لا يتناوله لا لتحرج عنه بل لعفو الخاطر و ان كان يجد نفسه غير معظمة لمناهى اللّه بل متساهلة فيها اتم التساهل و غير متحاشية عنها اذا دعتها الدواعى النفسانية و مثل هذا يكون صاحب سريرة سيئة يلام عليها و يفند و مقابله الذى يحمل نفسا معظمة لحقوق المولى منصرفة عن مظان غضبه يكون صاحب سريرة حسنة يمدح عليها و يوقر من اجلها و هذا مراده من قوله (و ان كان مستحقا للوم او المدح بما يستتبعانه‏) هذان اى بما يستتبعه اللوم و بما يستتبعه المدح (كسائر الصفات و الاخلاق الذميمة) كالمنعقد على نفس غدارة بخيلة تحب الفتنة و الجناية (او الحسنة) كالمنعقد على نفس صافية و ضمير طاهر يحب الكرم و الوفاء و الصدق و الحياء و ما الى ذلك (و بالجملة ما دامت فيه صفة كامنة) كحبه للغدر او حبه للوفاء من دون إعمال لهما فى الخارج (لا يستحق بها) اى بالصفة المزبورة (الا مدحا) ان كانت صفة حسنة (او ذما) ان كانت صفة سيئة (و انما يستحق‏)

10

(الجزاء) العملى (بالمثوبة او العقوبة مضافا الى احدهما) اى مضافا الى المدح او الذم (اذا صار) العبد (بصدد الجرى على طبقها) اى طبق صفته الذميمة او الحسنة بان يبرز صفته الكامنة الى الخارج بأن يكون غدورا او وفيا عملا (و العمل على وفقها و جزم و عزم‏) و تحرك بعد النية (و ذلك‏) اى و انما لا تجوز مؤاخذته على سوء السريرة من دون ان يعمل سوئها فى الخارج (لعدم صحة مؤاخذته بمجرد سوء سريرته من دون ذلك‏) و هو ابرازها عملا (و حسنها) اى المؤاخذة (معه‏) اى مع الجرى على طبقها و العمل على وفقها (كما تشهد به مراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال‏) اى ان حكومة الوجدان فى مثل باب الاطاعة و العصيان حكومة مستقلة لا يشركها فى هذه الحكومة حاكم آخر (في مثل الاطاعة و العصيان و ما يستتبعان من استحقاق النيران او الجنان و) مع التزامنا بان المتجرى يستحق العقوبة لعزمه على العصيان و المنقاد يستحق المثوبة لقيامه بما هو مقتضى العبودية (لكن ذلك‏) جار فى المقام (مع بقاء الفعل المتجرى او المنقاد به على ما هو عليه‏) فى نفسه (من الحسن او القبح و الوجوب او الحرمة واقعا) فالفعل الحسن فى نفسه اذا قطع بقبحه و مع ذلك تجرى فيه لا ينقلب عن حسنه و عن وجوبه الواقعيين و الفعل السيئ فى نفسه اذا قطع بحسنه و انقيد له لا ينقلب عن سوئه و حرمته الواقعيين (بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصفة) بان قطع بحسنه و وجوبه و كان فى الواقع سيئا حراما او بالعكس (و) بلا (تغير جهة حسنه او قبحه‏) الواقعيين (اصلا ضرورة ان القطع بالحسن او القبح‏) لا يؤثر فى واقع الشى‏ء المقطوع به فيكون ما قطع بحسنه حسنا واقعا و ما قطع بسوئه سيئا واقعا (لا) ليس الامر كذلك فان القطع فى نفسه لا (يكون من الوجوه و الاعتبارات التى بها) يحصل و (يكون الحسن و القبح عقلا) بل الحسن و القبح العقليان مدركهما امر وراء القطع‏

11

بكون الشى‏ء حسنا او قبيحا (و) كما ان القطع فى نفسه لا يخلق الحسن و القبح و لا يوجدهما كذلك (لا) يكون (ملاكا للمحبوبية و المبغوضية شرعا) بل المحبوبية و المبغوضية الشرعيتان مرجعهما واقعهما المكشوف بالنهى عن الشى‏ء او الامر به شرعا (ضرورة عدم تغير الفعل عما هو عليه من المبغوضية و المحبوبية للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوبا او مبغوضا له‏) اى لمولاه (فقتل‏) العبد (ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضا له و لو اعتقد العبد بأنه عدوه‏) و انه ليس ولده فاخطأ اعتقاده فيمن قتل بان كان ولده البر الوفى لا عدوه الاجنبى (و كذا قتل‏) العبد (عدوه‏) الواقعى لكن (مع القطع‏) حين اقدامه على قتله (بانه ابنه‏) و بهذا الداعى قتله (لا يخرج عن كونه محبوبا) لمولاه (ابدا) لانه فى الواقع صادف بغيته و ان كانت جريمة العبد فى الفرض الاول تخفّ بانه لم يقصد ايذاء مولاه بل قصد رضاه لانه اراحه من عدوه الثقيل عليه بسبب انطوائه على سريرة سيئة امام مولاه باقدامه على قتل من اعتقد كونه ولده بلا تشكك فيه و على كل حال فالقطع بوجوب الشى‏ء لا يصيره واجبا عليه و لا يصير القيام به تبعا للقطع اداء لوظيفة مرتبة كما ان القطع بحرمة الشى‏ء لا يصيره حراما و ان مرتكبه مرتكب حرام و ان اثيب الاول للانقياد و عوقب الثانى للتجرى و الهجوم على هتك احترام المولى (هذا مع ان الفعل المتجرى به او المنقاد به بما هو) اى بوصف كونه (مقطوع الحرمة او) مقطوع (الوجوب‏) عند ما يقطع بحرمة شى‏ء او بوجوبه بعنوان انه واجب لانه قطع بوجوبه و انه حرام لانه قطع بحرمته لاذعان نفسه باصابة قطعه بل نوع القاطعين لا يتخالجهم شك فى ان الواقع ماثل فى قطعهم و عزوبهم حتى عن احتمال المخالفة (لا يكون اختياريا) خبر لقوله ان الفعل المتجرى به: الخ: اى الفعل المتعلق للقطع حكما و وصفا لا ينتقش في النفس حكمه و وصفه و انه واجب و حسن او حرام و قبيح إلا بلون‏

12

بسيط: حسن واجب: قبيح حرام: و لا يجى‏ء فى النفس انه حرام من طريق القطع او واجب من هذا الطريق ايضا و بعبارة اوضح ان القطع يسبب فى النفس انتقاش الواقع نفسه لا كون الواقع مجلوبا الى النفس من طريق القطع و الفرق بين: انه خمر:

و بين: انه مقطوع الخمرية: واسع جدا لان الملتفت الى هذين المعنيين يعتبر نفسه فى الاول: انه خمر: واقفة على نص الواقع و فى الثانى سالكة اليه من طريق قد يخطأ فى الايصال و بعبارة اوضح مما سلف فى الاول يعتبر نفسه متصلة بالواقع مباشرة: و فى الثانى متوصلة اليه بمعرف بحيث لو لا هذا المعرف لما عرف الواقع و فى مثل هذا ينقدح فى النفس خطأ المعرف دون الاول: و عزوب النفس عن طريقية القطع و ركونها الى انها متصلة بالواقع لا يخرج عنوان طريقية القطع المغفول فى نوع القاطعين عن كونه فى نفسه غير اختيارى فان الملتفتين من القاطعين مع حصول القطع لهم و انبعاثهم على وفقه لا يقطعون باصابة قطعهم بل اذا دققوا حسابه و قرنوه بنظائره التى اصاب منها قسم و اخطأ قسم آخر اتهموه مع حفظه فى مرتبته و جريهم على منواله لانهم يجدونه اقوى الحجج دفعا و ان اتهامه بعدم الاصابة لا يبرر توقفهم فيه و تريثهم عن الجرى كما يقتضيه فقوله (قدس سره) ان الفعل المتجرى او المنقاد به بوصف كونه مقطوع الحرمة او الوجوب لا يكون اختياريا غير صحيح على اطلاقه فان جملة من الملتفتين الى انفسهم اذا قطعوا بوجوب شى‏ء او حرمته ادركوا طريقية قطعهم الى الواقع و ان الوجوب الذى قطعوا به و الحرمة التى قطعوا بها وجوب و حرمة من طريق القطع لا من شهود الواقع و مواجهته وجها لوجه و اما غير الملتفتين الى هذه الدقائق فان طريقية القطع مغفولة عندهم بالمرة و مع هذا فوصف الطريقية عندهم و انه حرام من طريق انه مقطوع الحرمة او واجب من جهة انه مقطوع الوجوب لا يقال له فى حقهم انه غير اختيارى فان غير الاختيارى انما يقال لما

13

ليس للاختيار فيه منفذ لا للمغفول مع صلاحيته لوقوع الاختيار عليه (فان القاطع‏) نوعا (لا يقصده‏) اى الفعل المتجرى او المنقاد به (إلّا بما قطع انه عليه من عنوانه الواقعى الاستقلالى‏) من انه حرام و قبيح واقعا و للاتصال بالواقع مباشرة هكذا ينقدح فى نفسه نوعا (لا) انه يقصد الفعل (بعنوانه الطارئ‏) من طريق القطع و بسببه (الآلي‏) اى لا بمباشرة الواقع نفسه بل بطريقية القطع اليه فان هذا المعنى انما يصح فى الملتفتين من القاطعين كما اسلفناه (بل لا يكون‏) الفعل (غالبا بهذا العنوان‏) و هو كونه بوصف انه مقطوع الوجوب او الحرمة (مما يلتفت اليه فكيف يكون‏) القطع و الحال هذه (من جهات الحسن‏) للفعل (او القبح‏) له (عقلا و من مناطات الوجوب او الحرمة شرعا) لكن الحق ان الحسن و القبح العقليين لا ربط لهما اساسا بالقطع بل هما من ميراث العقول السليمة و مناط الوجوب و الحرمة شرعا هو المصلحة و المفسدة الواقعيتان بلا دخل للقطع فى ذلك اصلا و قوله (و لا تكاد تكون صفة موجبة لذلك‏) الحسن او القبح و الوجوب او الحرمة (إلّا اذا كانت‏) الصفة (اختيارية) و لعمرى اىّ دخل للصفات الاختيارية فى ايجاب الحسن او القبح العقليين و الوجوب او الحرمة الشرعيين و ملاك الجميع هو ما عرفناك به (ان قلت اذا لم يكن الفعل كذلك‏) اى بما هو مقطوع الحرمة او الوجوب اختياريا (فلا وجه‏) حينئذ (لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع و هل كان العقاب عليها) اى على مخالفة القطع باعتبار ان الفعل المتجرى او المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة او الوجوب غير اختيارى (الا عقابا على ما ليس بالاختيار) و العقاب على خارج الاختيار تدفعه العقول السليمة بلا مماراة (قلت العقاب‏) الذى نثبته (انما يكون على قصد العصيان و العزم على الطغيان‏) و هما امران اختياريان بلا ريب (لا) ان العقاب (على الفعل الصادر بهذا العنوان‏) اى بما هو مقطوع الحرمة او الوجوب المغفول عنه فى الاعم‏

14

الاغلب و الذى قلنا فيه انه (بلا اختيار: ان قلت‏) ما دفعت به من ان العقاب انما هو على قصد العصيان و العزم على الطغيان غير وجيه ف (إن القصد و العزم انما يكون من مبادي الاختيار) كما سبق تفصيله فى مباحث الالفاظ (و هى‏) اى مبادي الاختيار كنفس الاختيار غير اختيارية (و إلّا لتسلسل‏) باحتياج القصد الى قصد آخر و العزم الى عزم آخر و الاختيار الى اختيار آخر و هو باطل فاذا كان القصد و العزم غير اختياريين امتنع العقاب عليهما (قلت مضافا الى ان الاختيار) فى نفسه (و ان لم يكن بالاختيار إلّا ان بعض مبادية غالبا) مما (يكون وجوده بالاختيار) فان خطور الشى‏ء فى النفس تارة مما يحصل عفوا و اخرى مما يكون باستجلاب خاطرته اليها و هكذا بعض القصود مما تنقدح فى النفس لا عن سابقة و بعضها مما تخلقه فعالية النفس و هذا المعنى حاصل فى كافة مبادي الاختيار على طولها فالنفس اذا كانت فى خلاقية الشى‏ء مختارة كانت فى عدمه نوعا كذلك إلّا ان تحول قوة دفع الوجود لها بينها و بين القدرة على العدم (للتمكن من عدمه‏) غالبا (بالتأمل فيما يترتب على ما عزم عليه من تبعة) تفسير لقوله فيما يترتب (العقوبة و اللوم و المذمة) فان الماشى الى الفاحشة بالدواعى التى دعته اولا ان يمشى اليها قد ينقطع عن مواصلة المشى اليها اذا تأمل فيما يترتب عليها من وخامة و سماجة (يمكن ان يقال‏) هذا من توابع قوله مضافا (ان حسن المؤاخذة و العقوبة انما يكون من تبعة بعده عن سيده بتجريه عليه‏) موجبات البعد و القرب من المولى كما تكون فى الوظائف المحررة منه بان يعصيه فيما ينهاه و يأمره مولويا تكون فى الاخلاقيات الصرفة الخارجة عن مدار التكاليف كالانسان القائم بالوظيفة خوفا من تبعات التخلف عنها إلّا انه جاف لمولاه فيما سوى ذلك من الامور المندوبة المدعو اليها بلسان الادب الشرعى فى حال ان العبد لا يستحق العقوبة من مولاه و ان كان بعيدا عنه الا فى‏

15

المعاصى فقط فالبعد عن المولى ليس من ملاكات ايجاب العقوبة و لا حسنها شرعا و القائل به متطرف فى علوم الشريعة ذاهب بنفسه مذهب العرفاء و لا وزن لآرائهم فى الدين من حيث انه دين قائم على نظام محدد الجنبات (كما كان‏) حسن المؤاخذة و العقوبة (من تبعته‏) اى تبعة بعده عن سيده (بالعصيان فى صورة المصادفة) اى مصادفة قطعه للواقع و مخالفته لقطعه المزبور (فكما انه‏) اى العصيان (يوجب البعد عنه‏) اى عن سيده (كذلك لا غرو فى ان يوجب حسن العقوبة فانه‏) اى ان ارتكابه لمخالفة قطعه عمدا (و ان لم يكن باختياره‏) لان المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة ما كانت عن مخالفة عمدية و المخالفة العمدية بما هى عمدية ليست باختيارية لانها ليست مبعوثة عن عمد آخر و إلّا لتسلسل و من هنا كان العمد امرا غير اختيارى: هذا ملخص ما يريده المصنف و هو باطل فإن المنظور بما يقابل الاختيار هو الالجاء و القسر المخرجان للفاعل عن كونه فى فعله مختارا و العامد انما يقال للقاصد المنبعث قصده عن نفسه و هذا هو المختار و لا يشترط فيه ان يكون عمده مبعوثا عن عمد آخر كما ان العمد و القصد الى الشى‏ء تارة يكون باستجلاب النفس ما يوجبه و اخرى مما يحصل عفوا و كلام المصنف الآنف مما لازمه ان كلا قسمى الذاهل و العامد خارجان عن حيز الاختيار اما الذاهل فواضح و اما العامد فلان عمده لا يكون عن عمد فلا يكون اختياريا و لازم هذا ان لا يعاقب ذاهل و لا عامد و هو خلاف ضرورة العقول فى الثانى فان العقل لا يعتبر في الامور الاختيارية التى هى محطة الثواب و العقاب وراء العمد و القصد شيئا آخر و الملاك موجود فى العامد الذى نحن بصدده فى البحث عن مسألتنا هذه فلا وجه لما قاله (إلّا انه‏) اى ارتكابه مخالفة القطع (بسوء سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و امكانا) و هذا الكلام من المصنف فضلا عن كونه‏

16

من مخالفات العقول القاضية بان الثواب و العقاب لا يجوز ان يكونا الا على الكسب و الاختيار و الناقص ذاتا المبتور استعدادا لا تجوز مؤاخذته على ما هو من جوهر ذاته فكما يستحيل خطاب غير الطائر بالطيران يستحيل عقابه على ذلك حيث لم يطر و حاشا اللّه الحكيم ان يخلق عبدا خبيثا فى اصل خلقته ثم يعاقبه على خبثه الدخيل فى مقام ذاته المبعوث معه فى عالم امكانه: اى بما هو موجود ممكن الوجود خلق ناقصا ذاتا و فطر استعداده فى عالم امكانه على الخبث و النقصان و على ذلك يعاقب: مخالف لصريح النقول الصحيحة المدعومة بمسايرة العلماء الاجلاء و لا نستريب فى وجود اخبار غثة تنطق بما يقول به المصنف إلّا انها منبوذة فى العراء لخروجها عن الميزان العلمى و مصادمتها للعقول الصحيحة و الآثار الرصينة و المصنف على أصله الكاسد بنى قوله (و اذا انتهى الامر اليه‏) اى الى اقتضاء الاستعداد و النقصان الذاتى (يرتفع الاشكال و ينقطع السؤال بلم فان الذاتيات‏) من الخبث الذاتى و السوء الذاتى و النقص الذاتى (ضرورية الثبوت للذات و بذلك ايضا ينقطع السؤال عن انه لم اختار الكافر و العاصى الكفر و العصيان و المطيع و المؤمن الاطاعة و الايمان‏) بعد احراز ان اللّه: تعالى عن هذه النسبة: و ان لم يتحاش عنها المصنف: جعل كفر الكافر و عصيان العاصى و اطاعة المطيع و ايمان المؤمن جزء من ذواتهم و ذاتيا من ذاتياتهم كما فطر الخيل على الصهيل و الحمير على النهيق و على هذا المبنى الزائف قال المصنف (فانه‏) اى ان السؤال بلم اختار الكافر الكفر (يساوق السؤال عن ان الحمار لم يكون ناهقا و الانسان لم يكون ناطقا) فى حال ان كافة العقلاء برسلهم الفطرى يتساءلون عن موجب كفر الكافر و يجيب المجيب منهم بانه اختار الكفر اما لسفسطة سدّت منافذ عقله و استولت على حسه و اما لتمرد و تعنت و لذلك يذمون المتمرد المتعنت و يعذرون المشتبه الذى حاول الوصول الى‏

17

درك الحقيقة فحالت الشبهات دونه و بهذا يثبت ان صفة الكفر و العصيان و الطاعة و الايمان من الامور الى تستجلب للنفس بالكسب و الاختيار: و برسلهم الفطرى لا يتساءلون عن انه لم نهق الحمار و نطق الانسان و صهل الحصان لعلمهم ان ذلك من ذاتيات هاته الموجودات فكم من فرق بين المقاس و المقاس عليه و كيف تلبد هذا الامر الواضح على المصنف: و على أصله الفاسد ايضا بنى قوله (و بالجملة تفاوت افراد الانسان فى القرب‏) الذاتى (منه جلّ شأنه و عظمت كبرياؤه و البعد) الذاتى (عنه سبب لاختلافها فى استحقاق الجنة و درجاتها) بحسب درجات القرب (و) استحقاق (النار و دركاتها) بحسب درجات البعد (و) كذلك التفاوت المزبور (موجب لتفاوتها فى نيل الشفاعة و عدمها و تفاوتها فى ذلك‏) القرب و درجاته و البعد و مراتبه و نيل الشفاعة و عدمها (بالاخرة يكون ذاتيا) لان المصنف يرى ان ذلك كله معجون فى ذات صاحب الذات منذ خلقته (و) اذا صار ذاتيا فيه فإن (الذاتى لا يعلل‏) و هذا كما اسلفناه باطل فاننا لا ننكر تفاوت الافراد اليه تعالى فى القرب و درجاته و البعد عنه و مراتبه و نيل الشفاعة و عدمها إلّا ان ذلك كله بالكسب و بالعمل و ما يأتيه الانسان فى عالم التكليف و ما يذر و هو اوضح من ان يخفى و لا ربط له بمقام الذات حتى لا يعلل (ان قلت على هذا) الاصل الذى قررته يا ايها المصنف من كون كفر الكافر ذاتيا و هكذا عصيان العاصى و اطاعة المطيع و ايمان المؤمن (فلا فائدة فى بعث الرسل و انزال الكتب و الوعظ و الانذار) فان هذه الوسائل انما تنجع فيما لو كان الكفر و العصيان و الاطاعة و الايمان من الامور الاختيارية الى يتمكن الانسان ان يأخذها و ان يذرها لا فيما لو كانت ذاتية جبلية فان ارسال الرسل و انزال الكتب و الوعظ و الانذار معها يعدّ غلطا كمن يريد من الجدار استماعا و من الصخر الاصمّ جوابا و من العقرب ان تنفع و لا تلسع و نظير ذلك لا انه بلا فائدة فقط فانه ربما يكون‏

18

شى‏ء لا فائدة فيه إلّا انه ليس بغلط تهيج من جراءه الالسنة و تفنيد المفندين فهذا الاشكال بجميع شراشره حق و صدق و اما الجواب عنه بقوله (قلت ذلك‏) اى الداعى لارسال الرسل و انزال الكتب و الوعظ و الانذار (لينتفع به من حسنت سريرته و طابت طينته لتكمل به نفسه و يخلص مع ربه انسه‏) فهو مخدوش فان حسن السريرة و طيب الطينة اذا كان من القسريات التكوينية كحلاوة التمر و مرارة الصبر امتنع معه موضوع الانذار و الوعظ و لا يكاد يفيد فى زيادة الايمان و الكفر اذ المفروض ان كل ذلك: الايمان بدرجاته و الكفر بمراتبه: تكوينى جبلى ذاتى فى حال ان الامر بصريح العيان ليس كما يقوله المصنف فكم آمن بوسيلة الرسل اناس كافرون و اهتدى عصاة فاسقون و انقلبت اجيال من حال الى حال و النظر في تاريخ سيرة الانبياء و الامم قاض بذلك بوضوح و صراحة و لا شاهد له فى قوله تعالى (ما كنا لنهتدى لو لا أن هدانا اللّه‏) فان الآية الشريفة تحتمل وجهين من المعنى الوجه الاول ان تعليم اللّه لصحة مقدماته و استدلاله يلفت نظر المسترشد الى وجه الصواب بما لا يحصل ذلك من غيره الوجه الثانى ان اللطف على اللّه واجب للعبد المتوجه فان العبد اذا بقى بمفرده لا يستطيع الوصول الى المقصود بسهولة حتى لو بذل جهده لان الوصول الى المقاصد العالية من الايمان و المعارف الراقية ليس بالامر السهل بل مما يحتاج كسبه الى طىّ مراحل طويلة و مسافات شاسعة فاذا توجه العبد الى ربه و طلب منه المعونة على ما هو بصدده من الاتصال برضوانه وجب على اللّه من باب اللطف مساعدته و معاونته و اين هذا من باب القسر و التكوين و اما قوله (قال اللّه تعالى: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏) فلا شاهد له فيه فان الآية لا تنفى انتفاع الكافر و العاصى بالتذكير بل العيان شاهد صدق على انتفاع الكافر و العاصى بذلك ايضا: و قوله (و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته‏) عليه لا له فان‏

19

سوء السريرة اذا كان تكوينيا و خبث الطينة اذا كان ذاتيا امتنعت الحجج بالقهر أن تقوم عليه اذ لا مجال لها بالمرة و انما تقام الحجة على من به اكتساب الفضيلة و الرذيلة لقدرته على اكتسابهما مختارا (ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حىّ عن بينة كيلا يكون للناس على اللّه حجة بل كانت له‏) تعالى (الحجة البالغة) على خلقه المختارين.

(و لا يخفى: ان فى الآيات‏) مثل قوله تعالى ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا: و الشاهد من الآية في مسئولية الفؤاد الذى هو ليس من الجوارح العاملة للاعمال التى بها تكون المعصية فان القلب محطة القصد و العزم لا اكثر:

و مثل قوله تعالى‏ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏: و اكتساب القلب هو العزم و القصد و النية كما سلف: و قوله تعالى‏ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏: الشاهد منها فى قوله او تخفوه يحاسبكم به اللّه فان اخفاء الشى‏ء فى النفس معناه مجرد العزيمة على فعله: و قوله تعالى‏ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏: علق اللّه تعالى عذابهم على حبهم للفاحشة و الحب امر قلبى لا عمل جوارحى (و الروايات‏) مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نية الكافر شرّ من عمله: و قوله: انما يحشر الناس على نياتهم و ما ورد من انه اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول فى النار قيل يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لانه اراد قتل صاحبه و يجمع بين هذه الروايات و الروايات القائلة بان العقاب على الاعمال لا على قصد المعصية من دون ارتكاب لها بان القصد المنقطع و القاصد المرتدع لا شى‏ء عليه و ان القصد المستمر و القاصد الماضى على قصده معاقب حتى لو لم يتسنّ له فعل المعصية اذ لا يجوز اطراح طرف من هاتين الطائفتين لصحة ورودهما فى الاثر (شهادة على صحة ما حكم به الوجدان‏) من ذم و عقوبة

20

المتجرى فان الوجدان هو (الحاكم‏) المستقل (على الاطلاق فى باب الاستحقاق للعقوبة و المثوبة) و به يناطان و تكون امثال الروايات و الآيات السالفة مؤيدة له و مرشدة اليه (و معه‏) اى و مع حكم الوجدان بصحة لوم المتجرى و ذمه و استحقاقه للعقاب (لا حاجة الى ما استدل‏) به المحقق السبزوارى على ما حكى عنه (على استحقاق المتجرى للعقاب بما حاصله‏) انا اذا فرضنا شخصين قطع احدهما بكون مائع خمرا و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما للواقع دون الآخر فاما ان يستحق الاثنان جميعا العقاب و هو المطلوب او لا يستحق احد منهما ذلك و يلزم منه عدم استحقاق العاصى للعقاب و لم يقل به احد قطعا او يستحق العقاب من اخطأ قطعه الواقع دون الآخر و فساده واضح او يستحق من صادف قطعه الواقع دون المخطئ و هذا يلزم منه اناطة العقاب بأمر غير اختيارى اذ مصادفة الواقع غير اختيارية للمتجرى المصادف كما ان عدم المصادفة غير اختيارية ايضا اذ المفروض ان كلا الشخصين لا علم لهما إلّا بما قطعا به و المصادفة و عدمها خارجة عنهما و يعدان من الامور الاتفاقية التصادفية بالنسبة اليهما و اناطة العقاب بأمر غير اختيارى غير صحيح كما هو واضح (انه‏) اى الامر و الشأن (لولاه‏) اى لو لا القول باستحقاق المتجرى العقاب (مع‏) الاعتراف ب (استحقاق العاصى له‏) اى للعقاب (يلزم‏) بناء على حذف المتجرى عن دائرة العقاب و اختصاصها بالمتجرى المصادف قطعه للواقع (اناطة استحقاق العقوبة بما هو خارج عن الاختيار من مصادفة قطعه الخارج عن تحت قدرته و اختياره‏) قوله من مصادفة بيان لقوله بما هو خارج عن الاختيار (مع بطلانه و فساده‏) اى ان الاستدلال المزبور فضلا عن كونه مستغنى عنه لصحة حكم الوجدان باستحقاق المتجرى للعقوبة هو فى نفسه باطل و فاسد (اذ للخصم أن يقول بان استحقاق العاصى‏) المصادف قطعه للواقع العقاب (دونه‏) اى دون‏

21

المتجرى المخطئ قطعه للواقع (انما هو) اى استحقاق العاصى للعقاب دون المتجرى (لتحقق سبب الاستحقاق فيه‏) اى فى العاصى (و هو مخالفته‏) لقطعه عن عمد و اختيار فيصدق فى حقه انه عامدا فعل الخطيئة (و عدم تحققه‏) اى تحقق سبب الاستحقاق للعقاب (فيه‏) اى فى المتجرى (لعدم مخالفته‏) للواقع اصلا (و لو) كان عدم مخالفته للواقع (بلا اختيار) منه لان مصادفة الواقع و عدمها خارجة عن اختيار القاطع و انما الاختيارى له تعمد مخالفة القطع لا مخالفة الواقع او موافقته لكن هذا الايراد على استدلال المحقق السبزوارى ليس بصحيح من طريق المنطق فان العلة الموجبة لعقاب العاصى مركبة من جزءين احدهما اختيارى و هو تعمد مخالفة القطع و ثانيهما غير اختيارى و هو مصادفة قطعه للواقع فاذا كان درك الواقع دخيلا فى استحقاق العقاب فقد رتب العقاب على مجموعة من امر اختيارى و غير اختيارى و غير الاختيارى لا يجوز اخذه لخروجه عن قدرة المكلف فلم يبق الا الاختيارى و هو تعمد مخالفة القطع و هذا الملاك موجود فى التجرى اذن فملاك استحقاق العاصى و المتجرى للعقوبة واحد فى الميزان العلمى و منه يظهر ان العقوبة انما تترتب على تعمد مخالفة القطع لا على مصادفة الواقع و ان سمة العصيان ان صحت نسبتها للمتجرى فذاك و لو لم يصادف قطعه الواقع و اما لو علقت على مصادفة الواقع فقط فاطلاق السمة المزبورة عليه من غير مبرر فان اطلاقها عليه حينئذ كاطلاق عنوان الغاصب على من لم يسبق بالغصب و لم يدر به و ان صادف تصرفه ملك الغير من غير اذنه و على كل حال فمخالفة الواقع و مصادفته فى كل قاطع لا اطلاع عنده من الواقع الا من طريق قطعه الذى يصيب تارة و يخطأ اخرى خارجتان عن اختيار القطع الجارى على قطعه او المخالف له إلّا ان الفعل المتعلق لقطعه تارة يصدر منه بالاختيار و تارة لا يصدر منه بالاختيار

22

فالاول كالخطأ فى حكم الموضوع كما لو اعتقد ان استعمال التتن حرام فشربه فان شرب التتن بعنوان تتنيته صدر عنه بالاختيار و الثانى كالخطأ فى الموضوع نفسه كما لو اعتقد ان مائعا خمر و هو فى الواقع ليس بخمر بل ماء فشربه فهذا الانسان لم يشرب الماء بسمة انه ماء مختارا لغفلته عنه و لم يشرب الخمر مختارا لانه ليس بخمر فى الواقع و هذا هو معنى قوله (بل عدم صدور فعل منه‏) اى من المتجرى (فى بعض افراده‏) اى افراد التجرى (بالاختيار) و ذلك يكون فى صورة الخطأ فى الموضوع نفسه كما شرحناه و كما اشار اليه بقوله (كما فى التجرى بارتكاب ما قطع انه من مصاديق الحرام‏) و لم يكن فى الواقع من مصاديقه (كما اذا قطع مثلا بأن مائعا خمر مع انه لم يكن بالخمر) بل كان ماء (فيحتاج‏) هذا المستدل و هو المحقق السبزوارى (الى اثبات ان المخالفة الاعتقادية) و لو لم تطابق الواقع (سبب‏) للعقوبة (كا) لمخالفة (الواقعية الاختيارية) نظير من اطلع على الواقع و خالفه تعمدا و كون المخالفة الاعتقادية سببا للعقوبة فضلا عن ثبوتها بالآيات و الروايات و حكم الوجدان بذلك كما سلف ثابتة بلسان دليل المستدل المزبور فانه اثبت ان العقوبة لا تجوز بالخارج عن الاختيار و الاختيار صرفا انما يتحقق بتعمد مخالفة القطع و هو معنى المخالفة الاعتقادية (كما عرفت‏) ذلك آنفا (بما لا مزيد عليه‏) فلا تغفل‏

(ثم‏) انك قد قرأت عنا آنفا ان مصادفة القطع للواقع و عدمها خارجان عن اختيار المكلف فبالميزان العلمى لا تجوز العقوبة على المخالف لقطعه الا من باب المخالفة الاعتقادية لانها الموجودة فى المقام لتعذر المخالفة الواقعية الاختيارية فيه و عليه ان يكن عصيان و عقاب فعلى عنوان التجرى اعمّ من ان يصادف الواقع بمخالفته او لم يصادفه و على هذا فمنشأ العقوبة فى المتجرى واحد و هو قصده‏

23

للعصيان و عزمه على الطغيان و حتى لو صادفت مخالفته لقطعه الواقع لا يسمى باعتبار مصادفة الواقع عاصيا إلّا بتساهل كثير و ارخاء عنان نعم يسمى عاصيا لو سمى كل متجر عاصيا ففى النتيجة عندنا عقاب واحد لا عقابان متداخلان او غير متداخلين و علة العقاب المزبور هو التجرى لا مصادفة الواقع فما عليه المصنف من كون عقاب المصادف للواقع مبتنيا على المصادفة المزبورة ليس فى محله كما ان ما عليه صاحب الفصول من كون المتجرى المصادف للواقع عليه عقابان عقاب لتجريه و ثان لمصادفته للواقع ليس فى محله ايضا و المصنف فى كلامه الآتي لم يلتفت الى ضعف مبناه و انما التفت الى ضعف مبنى صاحب الفصول و لذلك ردّ عليه بقوله (لا يذهب عليك انه ليس فى المعصية الحقيقية) و يريد بها مصادفة الواقع اعم من ان تكون باختيار او بغير اختيار و هذا على عمومه مخدوش كما عرفت (الا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد) يتحقق تارة بالمخالفة الاعتقادية و اخرى بالمخالفة الواقعية الاختيارية (فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم‏) صاحب الفصول (قدس سره) (مع ضرورة ان المعصية الواحدة لا توجب الا عقوبة واحدة كما لا وجه‏) بعد ثبوت تعددهما (لتداخلهما على تقدير استحقاقهما) لان كلا من السببين مستقل فى تأثيره (و لا منشأ لتوهمه‏) اى توهم التداخل (إلّا بداهة انه ليس فى معصية واحدة) و هى مخالفة الواقع (الا عقوبة واحدة) تترتب على المخالفة المزبورة إذ مع مخالفة الواقع لا مجال لعدّ مخالفة القطع امرا آخر (مع الغفلة) من صاحب الفصول (رحمه اللّه) (عن ان وحدة المسبب‏) و هو العقاب (تكشف بنحو الإنّ‏) و هو الانتقال من المعلول الى العلة (عن وحدة السبب‏) اذ لو كان السبب متعددا بنحو الاستقلال لكان لكل سبب مسبب على حده فلما اتحد المسبب كشف عن اتحاد السبب‏

24

(الامر الثالث: انه‏) اى الامر و الشأن (قد عرفت ان القطع بالتكليف اخطأ) القطع الواقع (او أصابه‏) (يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب‏) على تقدير الموافقة (او الذم و العقاب‏) على تقدير المخالفة لكن استحقاق المدح و الثواب او الذم و العقاب كما عرفت امر عقلى لا شرعى و هو حكم القطع الطريقى الذى لم يجعل طريقيته جاعل حتى الشرع و هذا هو المنظور بقوله (من دون ان يؤخذ شرعا فى خطاب‏) يصدره الشارع (و قد يؤخذ) القطع (فى موضوع حكم آخر) مثل القطع بوجوب الصلاة الذى حكمه وجوب التصدق بكذا مثلا فقد اخذ القطع فى موضوع هو وجوب الصلاة و حكم هذا الموضوع وجوب التصدق بكذا (يخالف‏) الحكم المزبور حكم (متعلقه‏) اى متعلق القطع بما هو قطع فان متعلق القطع بما هو حكمه لزوم الجرى عليه و حكم الموضوع المزبور هو وجوب التصدق فالحكمان كما ترى متخالفان لا ان احدهما عين الآخر و (لا يماثله و لا يضاده‏) و سيجى‏ء فى الامر الرابع وجه عدم جواز كونه مماثلا او مضادا (كما) مثال لمفروض الباب و هو اخذ القطع فى موضوع حكم آخر يخالف متعلقه (اذا ورد مثلا فى الخطاب انه‏) الضمير للشأن (اذا قطعت بوجوب شى‏ء يجب عليك التصدق بكذا تارة) هو قيد لقوله و قد يؤخذ فى موضوع حكم (بنحو يكون‏) القطع (تمام الموضوع‏) بهذا اللون (بأن يكون القطع بالوجوب‏) اى وجوب الصلاة فى المثال (مطلقا) اى اصاب القطع الواقع أم اخطأه و هذا هو المنظور بقوله (و لو اخطأ موجبا لذلك‏) اى للتصدق بكذا و منظوره بكونه تمام الموضوع ان القطع متى حصل لصاحبه بوجوب الصلاة مثلا اوجب التصدق اعم من ان يكون القطع المزبور مصادفا للواقع او مخطئا له فموضوع وجوب التصدق على هذا هو القطع بوجوب الصلاة بلا مئونة زائدة على ذلك (و) تارة (اخرى‏) يؤخذ

25

القطع فى الموضوع (بنحو يكون جزءه و قيده‏) بهذا اللون (بأن يكون القطع به‏) اى بالموضوع (فى خصوص ما اصاب‏) الواقع (موجبا له‏) اى للتصدق مثلا و ذلك بأن يكون القطع بوجوب الصلاة جزء للموضوع و مصادفته للواقع جزء آخر فلا يترتب وجوب التصدق على القطع بوجوب الصلاة اذا اخطأ و انما يترتب وجوب التصدق المزبور اذا قطع بوجوب الصلاة و كان ذلك مطابقا للواقع (و فى كل منهما) اى من اخذه تمام الموضوع او جزء الموضوع (يؤخذ طورا بما هو كاشف و حاك عن متعلقه‏) اى ان القطع المأخوذ فى وجوب الصلاة الذى هو موضوع ترتب وجوب التصدق عليه فى عرض اخذه تمام الموضوع او جزءه تلحظ فيه طريقيته الى الواقع فمعنى القطع بوجوب الصلاة ليس هو حصول صفة القطع للقاطع بما هى صفة قائمة بنفسه بل هو حصول القطع باعتباره طريقا الى درك الواقع فمعنى قولنا اذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق بدرهم اذا قطعت بما يكون قطعك طريقا الى الواقع بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق المزبور: هذا فى المأخوذ بنحو تمامية الموضوع: و يقال فى المأخوذ بنحو جزءه: اذا قطعت بما يكون قطعك طريقا الى الواقع بوجوب الصلاة و صادفه ايضا وجب عليك التصدق بكذا (و) طورا (آخر) يؤخذ القطع فى الموضوع بنحو التمامية او الجزئية (بما هو صفة خاصة) فمعنى اذا قطعت اذا حصلت لك هذه الصفة و قامت فى نفسك و من اجلها تسمى قاطعا وجب عليك التصدق: هذا فى تمام الموضوع: او اذا قطعت بمعنى حصلت فى نفسك صفة القطع و صادف مضمونها الواقع وجب عليك التصدق: هذا فى جزء الموضوع: و هذه الصفة تارة تضاف (للقاطع‏) بان يقال اذا قطعت بما يقال لك انك قاطع (او المقطوع به‏) بان يقال اذا قطعت بشى‏ء بما يقال لما قطعت به انه مقطوع به (و ذلك‏) اى و انما جاز اضافة الصفة المزبورة للقاطع و للمقطوع به جميعا (لان القطع‏) فى نفسه (لما)

26

(كان من الصفات الحقيقية) اى التى لها وجود راهن فى النفس (ذات الاضافة) اى مع راهنيتها تصلح لان تضاف الى ما امتدّ اليه شعاعها فيقال فيها قطع و باعتبار اطراف نسبتها قاطع و مقطوع به و هذا هو معنى قوله (و لذا كان العلم نورا لنفسه‏) باعتبار راهنيته (و نورا لغيره‏) باعتبار اشعاعه عليه: او يقال فى الترجمة عن قوله و ذلك لان القطع: الخ: اى و انما جاز ان يؤخذ القطع بما هو كاشف تارة و بما هو صفة اخرى لان القطع لما كان من الصفات الحقيقية الراهنة من ناحية و من كونها قابلة للاضافة من ناحية ثانية فباعتبار ارتهانه فى نفسه و كونه من الحقائق الثابتة (صحّ ان يؤخذ) القطع (فيه‏) اى فى الموضوع (بما هو) اى القطع (صفة خاصة) فى مقابل الصفات الاخرى فيقال القطع فى مقابل الظن او الاحتمال او غير ذلك من الصفات القائمة فى النفس (و حالة مخصوصة بالغاء) اى مع صرف النظر عن (جهة كشفه‏) عن الواقع و طريقيته اليه (او) الغاء (اعتبار خصوصية اخرى فيه‏) اى فى القطع (معها) اى مع كونه صفة خاصة بأن لا يعتبر القطع بما هو صفة خاصة فقط فى الموضوع بل يعتبر معها كونه فى زمان خاص او من سبب خاص او من انسان خاص حتى يكون الزمان المخصوص مثل يوم الجمعة دخيلا فى اخذ القطع موضوعا بان يقال اذا قطعت فى يوم الجمعة بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق او اذا قطع زيدا و اذا قطعت من الاسباب المتأكدة المتثبت فيها الى غير ذلك (كما صحّ ان يؤخذ) القطع (بما هو كاشف عن متعلقه و حاك عنه فتكون اقسامه‏) اى اقسام القطع على هذا المنوال (اربعة) القطع بنحو الكاشفية و القطع بنحو الصفتية القطع بنحو تمام الموضوع و القطع بنحو جزء الموضوع (مضافة) هذه الاربعة المأخوذة فى الموضوع تارة بنحو الكشف و ثانية بنحو الصفة بنحو تمام الموضوع مرة و بنحو جزءه مرة اخرى (الى ما) اى الى القطع الذى (هو طريق‏) الى الواقع (محض عقلا غير مأخوذ)

27

(فى الموضوع شرعا) فتصير اقسامه خمسة.

(1) القطع الطريقى المحض.

(2) القطع الموضوعى بنحو تمام الموضوع بلون الصفتية.

(3)»» بنحو جزء الموضوع»»

(4) القطع الموضوعى بنحو تمام الموضوع بلون الكاشفية.

(5)»» بنحو جزء الموضوع بلون»»

قيام الطرق و الامارات مقام القطع‏

قيام الطرق و الامارات مقام القطع‏ يقال الطريق للحجة القائمة على الحكم الشرعى مثل خبر الواحد المعتبر و تقال الامارة للحجة القائمة على الموضوع الخارجى كاليد و البينة و قد يختلطان فى الاطلاق كما هو الاعم الاغلب (ثم لا ريب فى قيام الطرق و الامارات المعتبرة بدليل حجيتها و اعتبارها) اى انما تقوم الطرق و الامارات مقام القطع الطريقى من جهة الدليل الناهض على حجيتها القائم على اعتبارها فان لسانه ناطق بان اعتبارها من جهة كونها طرقا الى الواقع كالقطع الطريقى إلّا ان طريقيتها اليه مجعولة للشارع و طريقية القطع اليه عقلية كما سلف (مقام هذا القسم‏) و هو القطع الطريقى المحض (كما لا ريب فى عدم قيامها) اى الطرق و الامارات (بمجرد ذلك الدليل‏) القائم على حجيتها و اعتبارها (مقام ما) اى مقام القطع الذى (اخذ فى الموضوع على نحو الصفتية) المحضة (من تلك الاقسام‏) الاربعة الراجعة لاخذ القطع فى الموضوع (بل لا بدّ) فى ارادة قيامها مقام القطع الصفتى (من دليل آخر) غير دليل حجيتها و اعتبارها يقوم الدليل الآخر المومأ اليه (على التنزيل‏) حتى مقام القطع الصفتى (فان قضية) اى مقتضى (الحجية) اى حجية الامارات و الطرق (و الاعتبار) المجعول لها من ناحية الشرع هو (ترتيب ما)

28

(ما للقطع بما هو حجة من الآثار) و القطع الذى هو حجة القطع الطريقى و آثاره المنجزية عند الاصابة و المعذرية عند الخطأ كما سلف بيانه فمثل هذا الاثر يترتب على الطرق و الامارات للدليل القائم على حجيتها (لا) ترتيب ما (له‏) من الآثار (بما هو صفة و موضوع ضرورة انه‏) اى القطع (كذلك‏) اى بنحو الصفتية و الموضوعية (يكون كسائر الموضوعات‏) المتشتتة (و الصفات‏) الحقيقية و لا يكون للامارات و الطرق المجعولة اىّ ربط به اصلا و كما لا تحمل آثار موضوع على موضوع آخر منفرز عنه مباين له هكذا لا تحمل آثار صفة على صفة اخرى (و منه‏) اى من عدم قيام الطرق و الامارات مقام القطع المأخوذ فى الموضوع بنحو الصفتية (قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل‏) القائم على حجيتها (مقام ما اخذ فى الموضوع‏) من القطع (على نحو الكشف فان القطع المأخوذ بهذا النحو) و هو الكشف (فى الموضوع شرعا) يكون حاله (كسائر ما له دخل فى الموضوعات ايضا) فكما ان الموضوعات و الصفات لها احكام بحيالها كما عرفت كذلك يكون كل ما له دخل فى الموضوع فانه يعدّ من توابعه (فلا يقوم مقامه شى‏ء بمجرد حجيته او قيام دليل على اعتباره ما لم يقم دليل‏) مصرح بنصه او بفحواه (على تنزيله و دخله فى الموضوع كدخله‏) اى كدخل القطع و بعبارة اوضح ان يقوم دليل ينزل الطريق و الامارة منزلة القطع بعموم التنزيل و ما لم يقم دليل كذلك فالمحرز منه هو تنزيلهما منزلته فى الطريق الى الواقع فقط و ما زاد على ذلك مئونة تحتاج الى اثبات و بدونه لا تكون لها قيمة لان قيامها مقام القطع الطريقى انما صحّ لها بالجعل و لولاه لما صحّ (و توهم كفاية دليل الاعتبار) القائم على حجيتها (الدال‏) بادعاء التوسعة فى مفاده و مدلوله بتقريب ان دليل الحجية غير منحصر الدلالة على تنزيلها منزلة القطع الطريقى فقط بل يمكن ان يدّعى فى دلالته عموم المفاد و التنزيل و انه دال (على الغاء احتمال خلافه‏) اى‏

29

خلاف الواقع و ادعاء ان الامارة و الطريق لا يخطئانه و انما يعبران عنه (و جعله‏) اى جعل ما قام عليه دليل الاعتبار (بمنزلة القطع‏) فى كل شى‏ء (من جهة كونه موضوعا و من جهة كونه طريقا فيقوم‏) ما دلّ عليه دليل الاعتبار (مقامه‏) اى مقام القطع (طريقا كان‏) القطع (او موضوعا فاسد جدا) خبر لقوله و توهم (فان الدليل الدال على الغاء الاحتمال لا يكاد يفى إلّا بأحد التنزيلين‏) و هو تنزيل الامارة منزلة القطع فى طريقيته الى الواقع و كشفه عنه لان هذا التنزيل هو معنى القول بالغاء الاحتمال فى الامارة القائمة على شى‏ء و اما مراعاة التنزيلين كليهما فى عرض واحد الطريقية و الموضوعية على ان يكون كل منهما فى طرف مقابل للآخر فمما لا يجوز (حيث لا بد فى كل تنزيل منهما من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه و لحاظهما فى احدهما) اى احد التنزيلين (آليّ‏) و هو كونهما طريقين الى الواقع (و فى‏) التنزيل (الآخر استقلاليّ‏) و هو كونهما مأخوذين بنحو الموضوعية لا الطريقية (بداهة ان النظر في حجيته و تنزيله منزلة القطع فى طريقيته فى الحقيقة الى الواقع و مؤدى الطريق‏) و هذا معنى الالية فيهما (و) ان النظر (فى كونه‏) اى فى كون ما قام عليه دليل الاعتبار (بمنزلته‏) اى بمنزلة القطع (فى دخله فى الموضوع الى انفسهما) اى ان المنظور اليه بالموضوعية هو نفس القطع و نفس الامارة لا كونهما طريقين الى الواقع و هذا معنى الاستقلالية فيهما (و لا يكاد يمكن الجمع بينهما) اى بين الالية و الاستقلالية بطور يكون كل منهما هدفا خاصا نعم يجوز ان يراعى فى الموضوعية الكشف كما سبق ذلك بنحو يندمج الكشف فى الموضوعية بان يقال القطع بما هو كاشف عن متعلقه قد اخذ موضوعا و هذا لا مانع منه بالضرورة و المصنف ايضا يعترف به كما سلف منه فى اقسام القطع الموضوعى و اليه قد تكون الاشارة بقوله (نعم لو كان فى البين ما بمفهومه جامع بينهما) اى بين الالية و الاستقلالية بنحو مندمج (يمكن ان‏)

30

(يكون دليلا على التنزيلين‏) الطريقية و الموضوعية (و المفروض انه ليس‏) عندنا دليل يقوم على اعتبار الامارة و الطريق باللحن المزبور و الموجود منه ما يعطى جعله قيام الامارة و الطريق مقام الكواشف عن الواقع من قطع و علم (فلا يكون‏) دليل اعتبار الطرق و الامارات (دليلا على التنزيل إلّا بذاك اللحاظ الآليّ‏) الطريقىّ (فيكون‏) قيام الطريق او الامارة على شى‏ء (حجة موجبة لتنجز متعلقه و صحة العقوبة على مخالفته فى صورتى اصابته و خطأه‏) فان التنجز تابع للاصابة و صحة العقوبة على المخالفة تابعة لل (بناء على استحقاق المتجرى‏) كما سلف بيانه فى القطع (او) يكون دليلا على التنزيل (بذلك اللحاظ الآخر الاستقلالى فيكون‏) الطريق و الامارة (مثله‏) اى مثل القطع (فى دخله فى الموضوع و ترتيب ما له‏) اى للقطع و ما ينزل منزلته بنحو الموضوعية (عليه من الحكم الشرعى‏) المترتب على الموضوع الذى اخذ فيه القطع و ما نزل منزلته فى موضوعيته (لا يقال على هذا) التردد منك ايها المصنف فيما يعطيه لسان دليل الامارة و الطريق و انه صالح لان تفاد به الطريقية كما تفاد به الموضوعية (لا يكون‏) دليل اعتبار الطرق و الامارات (دليلا) ناصا (على احد التنزيلين‏) بخصوصه و انه الطريقية وحدها او الموضوعية وحدها ف (ما لم تكن هناك قرينة فى البين‏) لا يجوز الحكم باحدهما و ان الامارات و الطرق مثل القطع الطريقى لا غير او مثل القطع الموضوعى لا غير (فانه يقال لا اشكال في كونه‏) اى كون دليل الاعتبار القائم على الطرق و الامارات (دليلا على حجيته‏) اى حجية ما قام عليه الدليل المذكور و معنى حجيته كونه طريقا الى الواقع (فان ظهوره‏) اى ظهور دليل الاعتبار (فى انه‏) اى الدليل المزبور (بحسب اللحاظ الآلي‏) الطريقى (مما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه و انما يحتاج تنزيله بحسب اللحاظ الآخر الاستقلالى الى نصب دلالة عليه‏) و بدونها لا يستفاد من دليل الاعتبار اقلّ شى‏ء من الموضوعية (فتأمل‏)

31

(في المقام فانه دقيق و) من (مزالّ الاقدام للاعلام و لا يخفى انه لو لا ذلك‏) و هو امتناع الجمع بين لحاظى الآلية و الاستقلالية الطريقية و الموضوعية بنحو منفرز لا مندمج (لأمكن ان يقوم الطريق‏) و الأمارة (بدليل واحد) و هو دليل اعتبارهما (دال على الغاء احتمال خلافه مقام القطع بتمام اقسامه‏) التى عرفتها سابقا (و لو فيما اخذ في الموضوع على نحو الصفتية) المحضة (كان‏) القطع (تمامه‏) اى تمام الموضوع (او قيده و به قوامه‏) و هو ما اخذ بنحو جزء الموضوع لكن بشرط ان يكون لحن دليل اعتبار الامارة و الطريق وافيا بافادة عموم تنزيلهما منزلة القطع (فتلخص بما ذكرنا ان الامارة لا تقوم بدليل اعتبارها الا مقام ما ليس مأخوذا فى الموضوع اصلا) لا بنحو الصفتية و لا بنحو الكاشفية و انما تقوم مقام الطريقىّ المحض من القطع (و اما الاصول‏) المقررة لعمل الجاهل فى ظرف جهله (فلا معنى لقيامها مقامه‏) اى مقام القطع (بادلتها ايضا) اى كالطرق و الامارات اذا روعى فيها جانب الموضوعية فان ادلة الطرفين تشترك فى عدم تنزيل الاصول و الامارات مقام القطع الموضوعى و تزيد الاصول على ذلك انها لا تقوم مقام الطريقى ايضا (غير الاستصحاب‏) فهو على انه من الاصول العملية له بحث فى المقام بحياله و انما لا تقوم الاصول مقام القطع (لوضوح ان المراد من قيام المقام‏) و هو الاصل مقام القطع (ترتيب ما له‏) اى للقطع (من الآثار و الاحكام من تنجز التكاليف‏) عند الاصابة و المعذورية عند الخطأ و صحة العقوبة على التجرى (و غيره كما مرّت اليه الاشارة) فى صدر هذه البحوث (و هى‏) اى و الحال ان الاصول (ليست إلّا وظائف‏) عملية (مقررة للجاهل‏) فى ظرف جهله (فى مقام العمل شرعا) فى الاصول الشرعية كالبراءة الشرعية (او عقلا) فى الاصول العقلية كالبراءة العقلية و ما يكون فى نفسه وظيفة للجاهل فى ظرف جهله و بعنوانه هذا لا معنى لأن يقال فيه انه طريق‏

32

الى الواقع كما هو واضح للتدافع الصريح بين العنوانين المزبورين (لا يقال ان الاحتياط) من بين الاصول (لا بأس بالقول بقيامه مقامه‏) اى مقام القطع الطريقى (فى تنجز التكليف لو كان‏) فى الواقع تكليف فان الاحتياط فى العمل معناه درك الواقع بمقدار الجهد فهو اذن طريق الى الواقع مثل القطع (فانه يقال اما الاحتياط العقلى‏) الذى مدركه العقل (فليس‏) هو (إلّا نفس حكم العقل بتنجز التكليف و صحة العقوبة على مخالفته‏) فالاحتياط العقلى على هذا عين حكم العقل لا انه موضوع له و حكم العقل مترتب عليه و (لا) انه (شى‏ء يقوم مقامه‏) اى مقام القطع (فى هذا الحكم‏) و هو تنجز التكليف و حينئذ فأصل تنزيل الاحتياط العقلى بمعناه الذى عرفته منزلة القطع لا مجال له لانه نفس حكم العقل بتنجز التكليف لا انه طريق اليه (و اما) الاحتياط (النقلى‏) الذى مدركه الآثار الشرعية (فإلزام الشارع به و ان كان مما يوجب التنجز و صحة العقوبة على المخالفة كالقطع‏) فى هذه الآثار (إلّا انه‏) اى الاحتياط النقلى (لا نقول به فى الشبهة البدوية) بعد الفحص بل تكون مجرى للبراءة (و لا يكون‏) الاحتياط (بنقلى فى‏) الشبهة (المقرونة بالعلم الاجمالى‏) بل موافقة العلم الاجمالى حينئذ تكون عقلية صرفة و اذا صارت عقلية كان الاحتياط عقليا و قد عرفت القول فى الاحتياط العقلى (ثم لا يخفى ان دليل الاستصحاب‏) مثل لا تنقض اليقين بالشك واضح الدلالة على تنزيله منزلة القطع الطريقى فى ابقاء ما كان و ترتيب آثاره الشرعية عليه فهو منجز للتكليف و مصحح للعقوبة على المخالفة و اما دليل الاستصحاب بالنسبة الى تنزيله منزلة القطع الموضوعى فهو (ايضا) اى كسائر ادلة الطرق و الاصول (لا يفى بقيامه‏) اى الاستصحاب (مقام القطع المأخوذ فى الموضوع مطلقا) لا بنحو الصفتية و لا بنحو الكاشفية تمام الموضوع كان او جزءه (و ان مثل لا تنقض اليقين‏) بالشك ليس به الا مراعاة

33

لحاظ واحد اما لحاظ الآلية الى الواقع كالقطع الطريقى و اما لحاظ الاستقلالية بجعل اليقين نفسه موضوعا كالقطع الموضوعى فدليل الاستصحاب ليس به مراعاة اللحاظين الآلية و الاستقلالية بنحو منفرز لامتناع اجتماعهما كما سلف بل (لا بد من ان يكون‏) دليل الاستصحاب (مسوقا اما بلحاظ المتيقن‏) و جعل اليقين طريقا اليه و هو اللحاظ الآلي (او بلحاظ نفس اليقين‏) من دون ان تراعى فيه الطريقية الى المتيقن بل تراعى نفسه كالقطع الموضوعى و هو اللحاظ الاستقلالى و اما مراعاة الجمع بينهما فقد عرفت امتناعها (و ما ذكرنا فى الحاشية) على الرسائل (فى وجه تصحيح لحاظ واحد فى‏) جواز (التنزيل منزلة الواقع‏) الذى هو تنزيل طريقى (او القطع‏) الذى هو تنزيل موضوعى بتقريب ان ادلة الطرق و الامارات انما توجب تنزيل المؤدى منزلة الواقع و هذا معنى طريقيتها و لمكان العلم بحجية الامارات و انها حجج مجعولة لا يستراب فيها يتحقق العلم بالمؤدى و انه بمنزلة الواقع و من تنزيل المؤدى منزلة الواقع و تحقق العلم بالمؤدى و انه بمنزلة الواقع تحصل ملازمة عرفية مفادها ان المؤدى لما نزّل منزلة الواقع صار كأنه متعلق للعلم به و العلم به بمنزلة العلم بالواقع فيتحقق مباشرة اللحاظ الآلي و هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع و ينجرّ اليه بالتبع اللحاظ الاستقلالى و هو العلم بالواقع المتولد من العلم بحجية الامارة المنزل مؤداها منزلة الواقع فليس فى البين مراعاة للحاظين على ان تكون مراعاة كل لحاظ على سبيل الاستقلال (و) هذا هو ما يريده بقوله (ان دليل الاعتبار) اى اعتبار الامارات و حجيتها (انما يوجب‏) مباشرة (تنزيل المستصحب‏) في الاستصحاب (و المؤدى‏) فى الطرق و الامارات (منزلة الواقع‏) فهى طرق اليه كالقطع الطريقى (و انما كان‏) اى و انما حصل (تنزيل القطع فيما) اى فى القطع الذى (له دخل فى الموضوع بالملازمة) العرفية: اى ان دليل الاعتبار انما يفيد تنزيل‏

34

المؤدى منزلة الواقع و ان الطرق و الامارات كالقطع الطريقى فى كونها طرقا الى الواقع و سبلا اليه و اما تنزيل القطع التنزيلى الذى هو عبارة عن الطرق و الامارات المنزلة منزلته فيما له دخل في الموضوع منزلة القطع الحقيقى بالموضوع فهو ليس مفادا بلسان دليل الاعتبار حتى يلزم الجمع في لسان الدليل المزبور بين لحاظ الآلية و الاستقلالية بل انما حصل بالملازمة (بين تنزيلهما) اى المستصحب و المؤدى منزلة الواقع (و) بين (تنزيل القطع بالواقع تنزيلا و تعبدا) اى و بين تنزيل القطع بالواقع التنزيلى التعبدى و المنظور بالقطع بالواقع التنزيلى هو القطع بالمؤدى المنزل منزلة الواقع و عبارته الجامعة ان يقال ان تنزيل المستصحب و المؤدى منزلة الواقع يستلزم القطع بالواقع لكن تنزيلا لمكان دليل اعتبار الامارات فيكون المستصحب و المؤدى بمنزلة الواقع حقيقة و يكون القطع بواقعيتهما بمنزلة القطع بالواقع حقيقة كذلك (لا يخلو من تكلف بل تعسف‏) خبر لقوله و ما ذكرنا في الحاشية (فانه‏) الضمير للشان (لا يكاد يصحّ تنزيل جزء الموضوع او قيده‏) بان نعتبر موضوع الحكم الخمر المقطوع بها بالقطع التنزيلى و حكمه هو كونها ذات كذا اثر فالقطع التنزيلى نظير مؤدى الامارة و الطريق و ما قام عليه الاستصحاب جزء الموضوع المذكور اذا اعتبرناه مركبا من القطع التنزيلى و من الخمر و قيده اذا اعتبرنا الموضوع هو الخمر المقيدة بالقطع بها (بما هو كذلك‏) اى بما هو جزء و بما هو قيد (بلحاظ اثره‏) اى بلحاظ اثر المركب او المقيد اذا كان للمركب من الخمر و القطع بها اثر خاص لا يتهيأ للخمر بما هى خمر و لا للقطع بما هو قطع بل للطرفين بما هما منضمان (الا فيما كان جزؤه‏) اى جزء الموضوع (الآخر) عند مراعاة التركيب (او) فيما كانت (ذاته‏) اى ذات الموضوع عند مراعاة التقييد (محرزا بالوجدان‏) نظير الماء الكرّ اذا احرزت مائية هذا

35

الموضوع بالوجدان انه ماء و احرزت كريته بالاستصحاب مثلا و نظير الخمر المقطوع بها اذا كان لوصف القطع بها دخل فى موضوعية هذا الموضوع اذا احرزت الخمرية بالوجدان انها خمر و احرز القطع بها بالتنزيل (او) احرز جزؤه الآخر ب (تنزيله فى عرضه‏) اى في عرض تنزيل الجزء الاول بأن نزّل المائع الكذائى منزلة الخمر الواقعى و القطع التنزيلى به منزلة القطع الحقيقى و بناء على هذه المقدمة (فلا يكاد يكون دليل الامارة او الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع‏) فى المؤدى و المستصحب المأخوذين فى الموضوع نظير اخذ القطع فى الموضوع: اى ان دليل الامارة و الاستصحاب لا يكون دليلا على تنزيل المؤدى و المستصحب منزلة الواقع اذا اخذا بنحو الموضوعية (ما) دام (لم يكن هناك دليل‏) آخر (على تنزيل جزءه الآخر) و هو الخمرية منزلة الخمر الحقيقى (فيما) اى و انما يحتاج الجزء الآخر الى تنزيل اذا (لم يكن‏) الجزء المزبور (محرزا حقيقة) بالوجدان فان المحرز بالوجدان لا يحتاج الى تنزيل كاحراز خمرية مائع معين بالوجدان (و فيما لم يكن دليل على تنزيلهما) اى تنزيل جزئى الموضوع المركب منهما (بالمطابقة) بان يكون تنزيل كل واحد على نحو الاستقلال لا أن تنزيل احدهما تابع لتنزيل الآخر بملازمة عرفية او ادنى ملابسة (كما فيما نحن فيه على ما عرفت‏) فان ما نحن فيه من الطرق و الامارات و الاصول التنزيلية كالاستصحاب ان يكن فيه تنزيل منزلة القطع الطريقى و الموضوعى فبملازمة عرفية لا بالمطابقة و بنحو الاستقلال كما هو الشرط (لم يكن‏) اى و على هذا لا يكون (دليل‏) اعتبار (الامارة دليلا عليه‏) اى على تنزيل المؤدى منزلة القطع الطريقى و القطع الموضوعى لان هاتين المنزلتين تابعتان للحاظين منفرزين لحاظ الآلية و لحاظ الاستقلالية بنحو المطابقة و انه غير حاصل (اصلا: فان دلالته‏) اى‏

36

دلالة دليل اعتبار الامارة (على تنزيل المؤدى‏) منزلة الواقع (يتوقف على دلالته‏) اى الدليل (على تنزيل القطع‏) منزلة الواقع (بالملازمة) اى بطريق الملازمة فان مؤدى الامارة انما نزل منزلة الواقع لقيامه مقام القطع فالقطع المقاس عليه لا بدّ من تنزيله منزلة الواقع (و لا دلالة له‏) اى للدليل (كذلك‏) اى على تنزيل القطع المقاس عليه منزلة الواقع (الا بعد دلالته‏) اى دلالة الدليل (على تنزيل المؤدى‏) منزلة الواقع اى و الحال ان تنزيل المؤدى منزلة الواقع انما هو لقيامه مقام القطع تعبدا فاذا كان القطع المنزل عليه لتنزيله منزلة الواقع منشأ لتنزيل المؤدى منزلة الواقع لان المؤدى قيس على القطع فكيف يكون تنزيل القطع منزلة الواقع مدلولا عليه من طريق دليل اعتبار الامارة و هل هو إلّا فرض المتقدم- و هو القطع المنزل عليه- متأخرا لفرض انه يفاد من دليل اعتبار الامارة المنزلة عليه (فان الملازمة) التى آنفناها (انما تدّعى بين تنزيل القطع به‏) اى بالمؤدى المأخوذ فى الموضوع (منزلة القطع بالموضوع الحقيقى‏) اى ان القطع بالمؤدى المأخوذ فى الموضوع كالقطع الحقيقى بالموضوع (و) بين (تنزيل المؤدى منزلة الواقع‏) و هذا التنزيل انما استفيد من قيام الامارة مقام القطع و انما اقيمت مقامه لشدة كشفه عن الواقع بما انه قطع فى مقابل الظن و الوهم الضعيفى الكشف فكيف يستفاد تنزيله منزلة الواقع من دليل جعل الامارة مقامه فى حال ان القطع كان منشأ تنزيل الامارة منزلته لشدة كشفه عن الواقع و هذا هو الدور الذى اسلفنا ذكره (كما لا يخفى فتأمل جيدا فانه لا يخلو عن دقة ثم لا يذهب عليك ان هذا) التوجيه الذى سلكناه فى حاشية الرسائل لتصحيح لحاظ واحد فى تنزيل الاستصحاب منزلة الواقع فى لحاظ الآلية: و منزلة القطع: فى لحاظ الاستقلالية: (لو تمّ‏) و لم يخدش بالتكلف و التعسف اللذين ذكرهما المصنف‏

37

في الكفاية كما قرأت شرحه (لعمّ‏) حتى الاستصحاب المأخوذ بنحو الصفتية فى الموضوع لان تنزيل المستصحب و المؤدى منزلة القطع ان تمّ على عمومه لا يكون فيه فرق بين المأخوذ منهما بنحو الموضوعية مع الكشف او بنحو الموضوعية مع الوصف لان القطع المنزل عليه لما جازت فيه تصويراته الخمسة السالفة الذكر جازت في المنزل عين التصويرات المزبورة نعم تصوير الموضوعية بنحو الكشف يفترق عن تصوير الموضوعية بنحو الصفة فى ان الاول تراعى فيه الطريقية ايضا اى فضلا عن نفس الموضوعية بخلاف الثانى فان لحاظ الطريقية و الكشف فيه مغفول لا انه منقطع فنفس صلاحية القطع لتصويراته الخمسة المذكورة و صلاحية المستصحب و المؤدى المنزلين عليه لذلك مما يوجب اشتراك الجميع فى ملاك واحد و لهذا قال (و لا اختصاص له‏) اى للتوجيه الذى ذكره فى الحاشية (بما اذا كان القطع مأخوذا على نحو الكشف‏) و ان كان اخذه بنحو الكشف فيه ملائمة تامة لاعتبار لحاظ واحد تستتبع فيه الالية لحاظ الاستقلالية فان اخذه بنحو الصفتية المحضة ليس فيه هذا الظهور فان المراعى فيه لحاظ الاستقلالية فقط إلّا ان ذلك لا يفقده صلاحيته من حيث هو لتصويراته التى تصحّ له و من جملتها الوصف كما عرفت.

[ما يجوز من اخذ القطع فى الموضوع‏]

(الامر الرابع: لا يكاد يمكن ان يؤخذ القطع بحكم‏) كالقطع بنجاسة الخمر مثلا (فى موضوع نفس هذا الحكم‏) بأن يفرض الموضوع هو الخمر و حكمه هو النجاسة فيؤخذ القطع بنجاسة الخمر فى الموضوع المفروض بأن يقال الخمر المقطوع بنجاستها نجسة و انما لا يجوز ذلك لامرين (للزوم الدور) فان اخذ الحكم: مثل النجاسة: في الموضوع: مثل الخمر مما لازمه اخذ متأخر في متقدم و توقف المتقدم على المتأخر فان الحكم من لازمه القهرى تحقق موضوعه اولا و بعد تحققه يترتب عليه‏

38

فاذا اخذ هذا المتأخر في المتقدم و قيل: الخمر المقطوع بنجاستها فقد توقف وجود هذا المتقدم و هو الموضوع المومأ اليه: الخمر المقطوع بنجاستها على ما هو متأخر عنه قهرا و هو الحكم بالنجاسة عليها مضافا الى لغوية امثال هذه القضية: الخمر المقطوع بنجاستها نجسة: كما هو واضح (و لا) يؤخذ القطع بحكم في موضوع مثل هذا الحكم و هو المنظور بقوله في (مثله‏) بأن يقال الخمر المقطوع بنجاستها نجسة بمثل النجاسة المقطوع بها و انما لا يجوز ذلك لا للزوم الدور لان النجاسة المأخوذة فى حكم القضية ليست هى النجاسة المأخوذة فى موضوعها حتى يتوقف تحقق الموضوع على المحمول و المحمول على الموضوع فيلزم الدور بل المأخوذة فى حكم القضية نجاسة مماثلة للنجاسة المأخوذة فى موضوعها فهما اثنان المأخوذة فى الموضوع غير المأخوذة فى المحمول فلا دور بل (للزوم اجتماع المثلين‏) و المحلّ الواحد لا يتحمل حكمين فالخمر لا تحمل نجاستين نجاسة باعتبار القطع بنجاسة الخمر و نجاسة اخرى باعتبار الحكم عليها بنجاسة من مثل تلك النجاسة المقطوع بها حيث يقال الخمر المقطوع بنجاستها نجسة بمثل تلك النجاسة هذا فضلا عن لغوية مثل هذا التركيب ايضا (و لا) يؤخذ القطع بحكم فى موضوع ضد هذا الحكم و هو المنظور بقوله فى (ضده‏) بأن يقال الخمر المقطوع بنجاستها طاهرة و انما لا يجوز ذلك (للزوم اجتماع الضدين‏) على محلّ واحد و هو فى مثالنا الخمر فان من لازم صحة القضية المزبورة كون الخمر فى عرض كونها نجسة طاهرة و هذان الحكمان ضدّ ان (نعم يصح اخذ القطع بمرتبة من الحكم‏) كالقطع بنجاسة الخمر فى مرتبة الانشاء (فى مرتبة اخرى منه‏) اى من الحكم بأن يقال الخمر المقطوع بنجاستها فى مرتبة الانشاء نجسة فى مرتبة الفعلية فان اختلاف المرتبتين مما يجعل المتوقف و المتوقف عليه اثنين لا واحدا و بذلك ترتفع حزازة

39

الدور (او مثله‏) بأن يقال الخمر المقطوع بنجاستها فى مرتبة الانشاء نجسة بمثل تلك النجاسة فى مرتبة الفعلية و هنا لم يجتمع المثلان فى مرتبة واحدة بل كل مثل مختص بمرتبة على حدة واحد لمرتبة الانشاء و واحد لمرتبة الفعلية (او ضده‏) بأن يقال الخمر المقطوع بنجاستها فى مرتبة الانشاء طاهرة فى مرتبة الفعلية فلم يجتمع الضدان لان النجاسة حكم مرتبة الانشاء و الطهارة حكم مرتبة الفعلية و هما مما يجوز ان يختلفا فى الحكم كما هو واضح: ثم لا يخفى أن من خصائص العلم و القطع بشى‏ء عدم جواز ان يوظّف الشرع بازاء ذلك وظيفة اخرى اذ لا مجال لها مع استقرار القطع و العلم فيمن حصلا له فإن العلم بالشى‏ء يدفع كل ما يخالفه بقهر الطبيعة و اما غير العلم كالظن فباعتبار درك النفس لجهلها بالواقع الامن طرف غير مجزوم لها انه يتصل به و يوصل اليه يجوز ان يوظّف الشرع للظانّ بشى‏ء حكما مخالفا لمظنونه حتى مع حفظ الظن فيه و بذلك يفترق حكم الظن عن العلم و لذلك قال (و اما الظن بالحكم فهو و ان كان كالقطع فى عدم جواز اخذه فى موضوع نفس ذاك الحكم المظنون‏) بأن يقال الخمر المظنون بنجاستها نجسة بعين النجاسة المزبورة و انما لا يجوز ذلك للزوم الدور الذى سلف بيانه فى القطع و للغوية الانفة طابق النعل بالنعل (إلّا انه‏) الضمير للشأن (لما كان معه‏) اى مع الظن (مرتبة الحكم الظاهرى محفوظة) حتى مع مخالفتها للظن (كان جعل حكم آخر) غير ما تعلق به الظنّ (فى مورده‏) اى فى مورد الظن (مثل الحكم المظنون او ضده بمكان من الامكان‏) كأن يقال الخمر المظنون نجاستها نجسة بمثل النجاسة المزبورة لقيام الامارة الكذائية عليها او الخمر المظنون نجاستها طاهرة لقيام الامارة الفلانية على طهارتها و انما جاز مثل هذا لان الحكم المظنون لا اثر له مع جعل حكم آخر فلا يكون المقام من باب اجتماع مثلين او ضدين نعم يكون المقام من الباب المزبور

40

لو كان الحكم المظنون معتبرا فى عرض الحكم الآخر المجعول فى حال ان الامر ليس كذلك (ان قلت ان كان الحكم المتعلق به الظن فعليا ايضا) اى كالحكم الآخر المجعول (بأن يكون الظن متعلقا بالحكم الفعلى‏) لا الاقتضائى و لا الانشائى حتى تختلف مرتبة الحكم الراجع للظن و مرتبة الحكم الراجع للامارة مثلا فترتفع الحزازة كما سبق مثله فى القطع و اذا كان الظن متعلقا بالحكم الفعلى و الدليل الظاهرى كذلك فحينئذ (لا يمكن اخذه‏) اى الظن (فى موضوع حكم فعلىّ آخر مثله‏) كان (او ضدّه لاستلزامه الظن باجتماع الضدين او المثلين‏) لان المفروض ان كلا الحكمين المتعلق باحدهما الظن و بثانيهما الدليل الظاهرى المفيد للظن ايضا فانّ الظنّ كما تثيره اسباب غير مجعولة للشرع تثيره الاسباب المجعولة ايضا فيكون الانسان فى عرض واحد ظانا بشى‏ء لاسباب غير مجعولة و بخلافه لاسباب مجعولة و ان كان بالاخرة لا بدّ من انقهار احد الظنين فيه بالآخر طبعا: فعليان:

لا مختلفان فى الرتبة و اذا كانا كذلك امتنع فيهما ان يحملا على موضوع واحد فأنهما ان كانا متماثلين كانا من باب اجتماع الحكمين المتماثلين على محكوم واحد و ان كانا متضادين كانا من باب اجتماع الحكمين المتضادين على محكوم كذلك (و انما يصحّ اخذه‏) اى الظن (فى موضوع حكم آخر) متعلق به الدليل الظاهرى اذا اختلف الحكمان مرتبة بأن كان الحكم الراجع للظن فى مرتبة انشائية مثلا و الراجع للدليل الظاهرى فى مرتبة فعلية (كما) سبق نظير هذا الكلام (فى القطع طابق النعل بالنعل قلت يمكن ان يكون الحكم فعليا بمعنى انه لو تعلق به القطع على ما هو عليه من الحال‏) و صلاحية التنجز (لتنجز و استحق على مخالفته العقوبة) فان الحكم المتعلق به الظن مهما فرضت له فعلية فان معنى فعليته تقديرى كما ذكر المصنف بانه لو تعلق به القطع و العلم على ما هو عليه من الصلاحية التامة

41

فى نفسه للتنجز لتنجز و مثل هذه الفعلية ما دامت غير مبعوثة بباعث ملزم شرعا و عقلا كالعلم و ما اقيم مقامه من الطرق و الامارات لا تخرج عن الشأنية الصرفة فليست هى اذن بمنزلة الفعليات الباعثة او الزاجرة (و مع ذلك‏) اى و مع كون الفعلية المومأ اليها واجدة لصلاحية التنجز متهيأة من حيث نفسها للفعلية الصادقة قد (لا يجب على الحاكم‏) و هو الشارع (رفع عذر المكلف‏) بعدم قيامه بما ظنه لانه لا يرى الظن ملزما شرعيا بالقيام على موجبه و رفع الشارع عذر المكلف يكون تارة (برفع جهله لو امكن‏) رفع جهله بكشف الواقع فيتبدل ظنه الى العلم فينبعث نحو المعلوم قطعا (او) يرفع عذره (بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما امكن‏) الاحتياط فان جعل الاحتياط على المكلف فيما يمكن الاحتياط فيه كرفع جهله رافع لعذره فى مقام التخلف (بل يجوز) للشارع فى عرض وجود الظن عند المكلف بلا رفع جهله بالعلم او بجعل لزوم الاحتياط عليه (جعل اصل او امارة مؤدية اليه‏) اى الى ما ادّى ظنه (تارة و الى ضده اخرى‏) و يكون الحكم المنجز هو ما تعلق به الاصل او الامارة لا ما تعلق به الظن (و لا يكاد يمكن مع القطع به‏) اى بالحكم (جعل حكم آخر مثله او ضده‏) لان العلم لا تجعل بازائه وظيفة اخرى (كما لا يخفى فافهم‏) بخلاف الظن (ان قلت كيف يمكن ذلك‏) و هو جواز اجتماع حكم فعلىّ بمعنى انه لو تعلق به القطع لتنجز مع حكم فعلى آخر تعلق به اصل او امارة (و هل هو إلّا انه يكون مستلزما لاجتماع المثلين او الضدين‏) فان الحكم المظنون بالنحو المزبور له مرتبة من الواقع و المفروض ان فى عرضه حكما آخر ادّاه الاصل او الامارة و مثل هذا يلزم منه اجتماع مثلين او ضدين و هو غير جائز (قلت لا بأس باجتماع الحكم الواقعى الفعلىّ بذاك المعنى اى لو قطع به من باب الاتفاق‏) و الصدفة (لتنجز) فانه على هذا لا يكون واقعيا فعليا بمعناه المتداول و هو الواصل الى مرتبة البعث و الزجر فعلا

42

لا تقديرا و اذا لم يكن كذلك فلا مانع من اجتماعه بلونه المزبور (مع حكم آخر فعلى‏) منجز (في مورده‏) اى في مورد ذاك الحكم الفعلى بمعناه السالف و هذا الحكم الآخر كان (بمقتضى الاصل او الامارة او) بمقتضى (دليل اخذ فى موضوعه‏) اى فى موضوع الدليل المزبور (الظن بالحكم بالخصوص‏) اى اخذ فيه ظنّ خاص بالحكم كأن يقال اذا قامت البينة على خمرية مائع و ظننت من هذا الطريق الخاص بواقع خمريته فهو نجس فان هذا الدليل و هو البينة و ان كان قد اخذ فيه الظن ايضا بحيث لولاه لما ترتب الحكم الفعلى و هو النجاسة على ما قامت عليه البينة وحدها إلّا ان المجموع بما هو مجموع لما تناوله الجعل صار حجة منجزة لما تعلق به بخلاف الظن بما هو ظن فانه بمجرد كونه رجحان طرف على طرف لا حجية فيه إلّا بتعزيز من الشرع و ما دام الشرع غير مقرر له فهو ليس بحجة منجزة و اذا لم يكن كذلك فاجتماع حجتين احداهما منجزة و الثانية غير منجزة على مورد واحد متماثلتين كانتا فى الحكم ام متضادتين لا مانع منه اذ لا تزاحم فيه (على ما سيأتى من التحقيق فى‏) وجه (التوفيق بين الحكم الظاهرى و الواقعى‏) المجتمعين فى مورد واحد فانك ستعرف هناك ان الواقعى لما لم يكن منجزا لم يكن مزاحما لما يؤديه الدليل الظاهرى و لا ممانعا له‏

[وجوب الالتزام‏]

(الامر الخامس‏) اعلم ان عندنا احكاما عقائدية خالصة كالاعتقاد باصول الديانة و ضرورياتها المتوقف على الاعتقاد بها اصل التدين بالدين و هذا ما لا ريب فى وجوب الالتزام به و التسليم له و الانقياد اليه و عندنا احكام اخرى عملية بمعنى ان المقصود الاهمّ منها جانب اعمالها كنوع الافعال الواجبة و المحرمة فى الشريعة من الصلاة و الصيام و الزكاة و ما الى ذلك و الغيبة و النميمة و الكذب و ما الى ذلك ايضا فهل يصحّ ان يقال ان التكليف بفعل الصلاة ينحلّ الى وظيفتين الاولى عقد القلب على وجوبها و الثانية ايجادها فى الخارج عملا و ان امتثال هذا التكليف قائم بالوظيفتين‏

43

المزبورتين بمعنى ان عقد القلب على وجوبها يقوم باداء وظيفة واحدة بالاداء المزبورة تحصل طاعة و ثواب و ان الامتثال الخارجى يقوم باداء وظيفة اخرى به تحصل طاعة و ثواب ايضا و ان معصية احدى الوظيفتين بان عقد القلب على وجوبها لكنه لم يأت بها خارجا او اتى بها من دون ان يعقد قلبه على وجوبها عصيان لاصل التكليف بفعل الصلاة او عصيان للوظيفة المتخلف عنها و طاعة للوظيفة الثانية المأتى بها او ان العصيان صرفا متوقف على التخلف العملى لا على عقد القلب فمن صلى غير عاقد قلبه على وجوب الصلاة و لكن لدفع احتمال ان تكون واجبة فى الواقع يكون ممتثلا طائعا مثابا- فى المقام احتمالات كما رأيت- إلّا ان المتحصل من الميزان العلمى هو ان معنى التدين بأىّ دين يفرض الالتزام عقيدة بمقررات ذاك الدين رئيسية كانت المقررات المزبورة ام دونها بدرجات شأن ترتب الواجبات و المحرمات الشرعية فى الدرجات و ان الاعمال وحدها من دون ان تنبعث عن العقائد لا قيمة لها فى الدين و انما يترتب عليها الاثر الوضعى و هو خارج عن مرحلة الدين و شئونه و اما ان المكلف يثاب على عقد قلبه بوجوب الشى‏ء او حرمته و يثاب ايضا على عمله الخارجى المنبعث عن العقد المزبور فمما لا دليل عليه نعم يثاب الانسان على اصل اعتناقه للدين الصحيح كما يثاب على اعماله المنشعثة المبعوثة عن مقررات الدين إلّا ان هذا المعنى لا ربط له بما صوّرناه من اثابته على كل عقد لكل عمل يأتى به فالمصلى انما يثاب ثوابا واحدا على صلاته لا ثوابين احدهما على عقد قلبه على وجوبها و ثانيهما على العمل الخارجى فان هذا التصوير لا مدرك له لا من الوجهة الاعتبارية و لا من الجهة الشرعية: ثم الامور الاعتناقية قد تكون مبعوثة عن قطع المعتنق بها فاعتقاد القاطع بموجب قطعه امر ضرورى الثبوت له بقهر كونه قاطعا و قد تكون مبعوثة عن التعبد بشريعة فاعتقاد المتعبد بما تعبد به كذلك ضرورى له ما دام متعبدا: نعم فى باب الموالى العرفيين لا

44

يكون الامر كذلك فان المنظور من المولى العرفى بالنسبة الى عبده قيام العبد بما يريده المولى من شتات اشغاله التى يحوّل انجازها على عاتق عبده ففى مثل هذا المجال لا يلزم العبد اكثر من الامتثال عملا و تعتبر طاعته هو القيام بذلك و لو عن تكلف فيه باطنا و معصيته هو التخلف عن ذلك نعم لا ريب ان قيامه بالوظيفة ان كان مشفوعا بصفاء باطن كان ذلك مقربا له من مولاه اذا وقف عليه و ان كان عن تكلف و استكراه كان ذلك مبعدا له منه و هذا من الوضوح بمكان و الظاهر انّ مراد المصنف مما يجى‏ء من كلامه هو باب الموالى و العبيد العرفيين لا باب الشرائع و المتدينين و اما التزام القاطع بموجب قطعه فقد عرفت انه ضرورى له و لا يجوز النقاش فيه إلّا ان ينهدم فرض كونه قاطعا و هو خروج عن البحث اذا احطت بذلك خبرا فقد قال المصنف (هل تنجز التكليف بالقطع‏) عند حصوله للقاطع (كما يقتضى موافقته عملا) و الجرى على وفقه (يقتضى موافقته التزاما) و عقد القلب على موجبه (و التسليم له اعتقادا و انقيادا) نعم يقتضى ذلك فى القاطع بضرورة قاطعة بل عقد القلب على موجبه لازم لا ينفكّ و اما العمل الخارجى على طبقه فقد لا يحصل فانه ليس من الممتنع تصوير قاطع بوجود منفعة فى عمل من الاعمال و مع ذلك لا يقوم به إلّا ان اعتقاد ما قطع به حاصل له على كل حال كما هو من الوضوح بمكان (كما هو) اى الاعتقاد قلبا و الانقياد لبا (اللازم فى الاصول الدينية و الامور الاعتقادية) بل في جميع مقررات الدين و لو كانت عملية كاعتقاده بوجوب الصلاة و الصيام و الحجّ و الزكاة و ما الى ذلك و بحرمة الغيبة و الزنا و اللواط و اشباه ذلك ايضا فان معنى التدين بالدين هو ذلك و لا يعدّ الانسان متدينا و هو لا يعتقد بالمقررات المذكورة و ان كان يجرى على موجبها عفوا لا عن دافع عقيدة (بحيث كان له امتثالان و طاعتان احداهما بحسب القلب و الجنان‏) بالنسبة الى اصل التدين بالدين و الخضوع لمقرراته بالعقيدة و

45

اذعان النفس لها طلبا لمرضاة الخالق و توقعا لنيل القرب منه (و الاخرى بحسب العمل بالاركان‏) خارجا بان يثاب على عمله الصلاتى و نظيره (فيستحق العقوبة على عدم الموافقة التزاما) بان لا يعتقد بالمقررات الدينية و لا تخضع نفسه لقبولها (و لو مع الموافقة عملا) بان يصلى لا لاعتقاده بوجوب الصلاة و نظيرها فانه لا ريب فى سقوط عمله هذا عن الوزن ما دام عاريا عن العقيدة كما سلف بيانه منا (اولا يقتضى‏) القطع بشى‏ء لزوم عقد القلب عليه و قد عرفت ان هذا التردد فى القطع انه لا يقتضى او يقتضى غير صحيح فان استسلام القاطع لقطعه اعتقادا و انقيادا ما دام قاطعا من اللوازم الغير المنفكة و هكذا استسلام المتعبد للمقررات دينه المتعبد به ما دام متعبدا به و اما فى العبد العرفى (فلا يستحق العقوبة عليه‏) اى على عدم اعتقاده و عقد قلبه بما اصدره مولاه من امر و من نهى (بل انما يستحقها) اى العقوبة (على المخالفة العملية) اذا لم يقم بواجب ما حوّله المولى على عاتقه من اشغال و اعمال (الحقّ هو الثانى‏) و هو عدم لزوم الاعتقاد قلبا في قسم الموالى و العبيد العرفيين لا فى القطع و لا فى امور الدين نعم يفترق القطع عن الدين انه لو فرض محالا عدم عقد القاطع قلبه على موجب قطعه فى غير الامور الدينية و عدم جريه على موجبه ايضا لا يستحق العقوبة على ذلك كمن قطع بحصول نفع له فى معاملة خاصة فلم يعقد قلبه عليها و لو بفرض المحال و لم يجر على موجبها عملا (لشهادة الوجدان الحاكم فى باب الاطاعة و العصيان بذلك‏) فى باب الموالى و العبيد العرفيين (و استقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لامر سيده الا المثوبة) على الامتثال العملى (دون العقوبة و لو لم يكن مسلما و ملتزما) قلبا (به‏) اى بأمر مولاه و نهيه (و معتقدا و منقادا له و ان كان ذلك‏) و هو عدم انقياده قلبا لمولاه و ان سعت جوارحه الى تحقيق مراده (يوجب تنقيصه و انحطاط درجته لدى سيده لعدم اتصافه بما يليق ان يتصف العبد به من‏)

46

(الاعتقاد باحكام مولاه و الانقياد لها و هذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لامره او نهيه التزاما مع موافقته عملا) اى ان استحقاق العبد الملامة من باب الادب لانه لم ينقد لمولاه نفسا و عقيدة غير استحقاق العقوبة على القول به لمن يوجبه على مجرد عدم الانقياد القلبى و ان قام العبد بالموافقة عملا (كما لا يخفى: ثم لا يذهب عليك انه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية و كان المكلف متمكنا منها) اى من الموافقة المزبورة التى هى بمعنى عقد القلب بالمقرر عليه (تجب‏) الموافقة الالتزامية (و لو فيما لا تجب الموافقة القطعية عملا و لا تحرم المخالفة القطعية عليه كذلك‏) اى عملا و انما لا تجب الموافقة القطعية و لا تحرم المخالفة القطعية عملا (لامتناعهما) بحيث لا يقدر المكلف على احراز الموافقة القطعية و لا المخالفة القطعية لتعذر ذلك عليه (كما اذا علم اجمالا بوجوب شى‏ء او حرمته‏) اى انه يدرى ان للشى‏ء المزبور حكما الزاميا فى الواقع لكنه لا يدرى انه الوجوب او الحرمة فمثل هذا الانسان تتعذر فى حقه الموافقة القطعية التى معناها فى المثال المزبور فعل الشى‏ء لاحتمال ان يكون حكمه الوجوب و تركه لاحتمال ان يكون حكمه الحرمة فان الشى‏ء الواحد لا يعقل فيه فى عرض واحد ان يفعل و ان يترك كما تتعذر فى حقه المخالفة القطعية التى معناها فى المثال ترك فعل ما احتمل وجوبه و فعل ما احتمل حرمته فانهما فى عرض واحد غير ممكنين و اما من حيث عقد القلب على موجب هذا العلم الاجمالى فممكن (للتمكن من الالتزام بما هو الثابت واقعا و الانقياد له و الاعتقاد به بما هو الواقع و الثابت و ان لم يعلم‏) تفصيلا (انه الوجوب‏) وحده (او الحرمة) وحدها (و ان ابيت إلّا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه‏) التفصيلى و لزوم ان يعتقد انه واجب او حرام مثلا فى كل مقرر القى على عاتقه و ان الاعتقاد بالمجملات لا قيمة له ففى مثل الفرض‏

47

الذى هو دوران حكمه بين الوجوب و الحرمة (لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ) اى حين اذ لم يعلم بالحكم الا اجمالا (ممكنة) لانه كيف يمكن اعتقاده بالوجوب نصا و هو لا يعلمه إلّا احتمالا و كيف يمكن اعتقاده بالحرمة نصا و هو لا يعلمها كذلك إلّا احتمالا (و لما وجب عليه الالتزام بواحد) من الوجوب او الحرمة (قطعا فان‏) الالتزام بالوجوب نصا او الحرمة كذلك فيه (محذور الالتزام بضد التكليف‏) الواقعى فانه لو التزم بالوجوب نصا يحتمل بالاحتمال العقلائى انه التزم بضد التكليف اذ قد يكون الواقع متكفلا بحرمة ما التزم بوجوبه و بالعكس و محذور الالتزام بضد التكليف (عقلا ليس بأقل من محذور عدم الالتزام به‏) اى بالوجوب نصا او بالحرمة نصا (بداهة) فان قيل يلتزم المكلف بواحد من الوجوب و الحرمة تخييرا بان يعتقد اما الوجوب او الحرمة و هذا كاف في الالتزام التفصيلى فردّه المصنف بقوله (مع ضرورة ان التكليف لو قيل باقتضائه للالتزام‏) به عقيدة (لم يكد يقتضى‏) التكليف المزبور (الا الالتزام بنفسه عينا) كما هو ثابت فى الواقع و الثابت في الواقع هو احد الامرين نصا الوجوب وحده او الحرمة وحدها لا الامر المردد بينهما فان المردد ليس امرا واقعيا قطعا و لذلك قال (لا) يقتضى التكليف (الالتزام به او بضده تخييرا) فان الذى فى الواقع امر معين لا مخير و لا مردد (و من هنا) اى من عدم وجوب الالتزام تفصيلا فى اطراف العلم الاجمالى و كفاية الالتزام- لو قيل به- بما هو الثابت فى الواقع (قد انقدح انه‏) الضمير للشان (لا يكون من قبل‏) اى من جهة (لزوم الالتزام‏) اجمالا و بما هو الثابت فى الواقع (مانع عن اجراء الاصول الحكمية) كالبراءة (او) الاصول (الموضوعية) كالاستصحاب (في اطراف العلم لو كانت‏) بنفسها (جارية مع قطع النظر عنه‏) اى عن وجوب الالتزام بالتكليف و عدم وجوبه لان وجوب الالتزام فى التكليف الاجمالى كما

48

اسلفناه ان يكن فبطور اجمالى: اى ما هو الثابت فى الواقع بلا تعرض للاطراف لعدم امكانه حينئذ كما عرفت: و مع اجمال الالتزام و عدم تعرضه للاطراف على التفصيل لا يكون من ناحيته مانع عن جريان الاصول فيها (كما لا يدفع بها) اى بالاصول الجارية في اطراف العلم (محذور عدم الالتزام به‏) بان يقال ان الاصول لما جرت فى الاطراف كان من لازمها عدم وجوب الالتزام بالحكم فى مورد الدوران و رفع محذوريته فى المورد المزبور لان الالتزام بشى‏ء متيقن فى مورد الدوران يناقض جريان الاصول فيه فلما جرت الاصول كشف ذلك عن عدم وجوب الالتزام فى المورد و دفع محذوريته (بل‏) لا مانع حينئذ من (الالتزام بخلافه‏) و هو ان يلتزم المكلف بمؤدى الاصل الجارى فى الاطراف كالالتزام بالاباحة المخالفة لما فى الواقع من وجوب او حرمة (لو قيل بالمحذور فيه‏) اى فى عدم الالتزام (حينئذ) اى حين اذ يدور العلم الاجمالى بين وجوب فعل الشى‏ء او حرمته (ايضا) اى كما يقال بالمحذور فيه فى العلم التفصيلى بالحكم فانه مع العلم التفصيلى بالحكم لو لم يلتزم به المكلف كان فى عدم التزامه به محذور و اما اذا لم يقل بالمحذور فى عدم الالتزام فى موارد دوران العلم بين محذورين كوجوب فعل الشى‏ء او حرمته فلا يتأتى القول بان اجراء الاصول فى مورد العلم الاجمالى المزبور و نظيره يدفع محذور عدم الالتزام به او لا يدفع لفرض اننا لا نقول بمحذور عدم الالتزام حينئذ و بناء على ما سبق لا يدفع بالاصول الجارية فى اطراف العلم محذور عدم الالتزام به (الاعلى وجه دائر) و ذلك (لان جريانها) اى الاصول فى الاطراف (موقوف على عدم محذور فى عدم الالتزام‏) اذ لو كان فى عدم الالتزام فى الموارد المزبورة محذور لما جرت و عدم الالتزام هو (اللازم من جريانها و هو) اى عدم محذور فى عدم الالتزام (موقوف على جريانها) اى الاصول (بحسب الفرض‏) لان المفروض‏

49

ان جريانها يدفع محذور عدم الالتزام (اللهم‏) هذا اشارة الى عدم لزوم الدور لان لزومه مبتن على القول بالمحذور فى عدم الالتزام حتى فى مورد الدوران بين المحذورين (إلّا ان يقال ان استقلال العقل بالمحذور فيه‏) اى فى عدم الالتزام (انما يكون فيما اذا لم يكن هناك ترخيص فى الاقدام و الاقتحام فى الاطراف و معه‏) اى مع وجود الترخيص فى الاقدام على الاطراف كما هو مفاد اجراء الاصل في مورد الدوران بين المحذورين (لا محذور فيه‏) اى فى عدم الالتزام اصلا (بل و لا) محذور فى مورد الدوران (فى الالتزام بحكم آخر) كالاباحة فى حال ان المعلوم المردد هو الوجوب او الحرمة و ذلك لان الحكم الواقعى لما جرى فى مورده الاصل و اباحه ففضلا عن ان الالتزام به فى مثل المورد لا مجال له يجوز الالتزام بخلافه الذى حكم به الاصل بحكم الشرع: و فى بعض النسخ زيادة قوله كما لا يدفع بها محذور الى آخر قوله بحكم آخر و الحقّ انه كذلك لانه تطويل من غير طائل (إلّا ان الشأن حينئذ) اى حين اذ نقطع النظر عن وجوب الالتزام بالحكم فى مورد الدوران بين المحذورين و لا يكون من ناحيته منع لجريان الاصول فى الاطراف (فى جواز جريان الاصول فى اطراف العلم الاجمالى‏) مما نحن فيه من مورد الدوران بين المحذورين و نظيره (مع عدم ترتب اثر عملىّ عليها) اى على اجرائها و ذلك ان مثل الدوران بين وجوب فعل الشى‏ء او حرمته من لازمه القهرى الطبيعى هو التخيير بين الفعل و الترك اذ ليس بمقدور المكلف غير ذلك فانه بالنسبة الى الشى‏ء اما فاعل له او تارك فاجراء الاصل فى اطراف العلم المزبور غاية ما يعطيه اباحة الفعل و الترك و هذا الاثر موجود بقهر الطبيعة للمكلف قبل اجراء الاصل المزبور فمع عدم ترتب اثر عملى على الاصول لا مجال لا جرائها (مع انها احكام عملية) انما شرعت للعمل (كسائر الاحكام الفرعية) فاذا عقمت‏

50

عن الانتاج لم يكن مجال لاجرائها (مضافا الى عدم شمول ادلتها) اى الاصول (لاطرافه‏) اى اطراف العلم الاجمالى (للزوم‏) وقوع (التناقض فى مدلولها) اى مدلول الادلة المزبورة (على تقدير شمولها) لاطراف العلم (كما ادعاه شيخنا العلامة) الانصارى (أعلى اللّه مقامه‏) حيث قال فى باب الاستصحاب ان ادلته لا تشمل اطراف العلم الاجمالى لانه يلزم من شمولها اياها وقوع التناقض بين صدر الدليل و ذيله فان قول الحجة (عليه السلام) فى صدر ما اثر عنه: لا تنقض اليقين بالشك: يتناول كل شك مسبوق بيقين حتى فى اطراف العلم الاجمالى فالمتيقن من طهارة الإناءين كليهما اذا حصل له شك فى طهارة كل واحد منهما لقطرة بول وقعت فى احدهما الغير المعين عنده كان من لازمه بموجب: لا تنقض اليقين بالشك: ان لا ينقض يقينه السابق بطهارة كل واحد منهما بسبب الشك الذى حصل له فى كل واحد منهما على اثر وقوع القطرة فى احدهما الغير المعين عنده: و قوله فى ذيل الاثر المزبور: و لكن تنقضه بيقين آخر: يشمل العلم الاجمالى فانه يقين آخر بالنجاسة طرأ على يقين سابق بالطهارة فهو و ان كان قبل وقوع قطرة البول في احد الإناءين متيقنا من طهارتهما معا إلّا انه اخيرا تيقن بحصول النجاسة لهما و لو بطريق الاجمال و من المعلوم ان العمل على موجب ذيل الرواية ينافى العمل على موجب صدرها و بالعكس و حيث لا مرجح يحكم بسقوطهما معا فلا يجرى الاصل فى الاطراف للمحذور الذى عرفت لكن المصنف تنظر فيما افاده الشيخ و قال (و ان كان محلّ تأمل و نظر فتدبر جيدا) و يجى‏ء الكلام على هذا النظر فى بابه فانتظر:

[قطع القطاع‏]

(الامر السادس: لا تفاوت فى نظر العقل اصلا فيما يترتب على القطع‏) اذا حصل للقاطع (من الآثار عقلا) كالتنجز و ايجابه المثوبة على الموافقة و العقوبة على المخالفة و العذرية فيما لو اخطأ الواقع الى غير ذلك مما سلف بيانه فى اول‏