طريق الوصول إلى تحقيق الأصول‏ - ج4

- الشيخ محمد الكرمي المزيد...
351 /
1

-

2

[مقدمة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الصلاة و السلام على خيرته من خلقه محمد و آله الطاهرين:

و بعد فانه يؤسفنى ان يتأخر طبع و نشر هذا الجزء الذى به يختتم شرح طريق الوصول الى تحقيق كفاية الاصول عن طبع و نشر ما سلف من اخواته فاصلة سنوات ثلاث لعوائق جمة و موانع مهمة و مع ذلك نحمده تعالى أن وفقنا لنشره و جدد فينا العزيمة و النشاط لتهيئة غيره.

3

تتمة (المقصد السابع: في الأصول العملية)

[تتمة (فصل) لو شك فى المكلف به مع العلم بالتكليف‏]

(المقام الثانى: فى دوران الامر بين الاقل و الاكثر الارتباطيين)

النقاط الرئيسية فى البحث‏ (1) ما حكم الدوران بين الاقل و الاكثر الارتباطيين‏

(2) ما هو حكم الدوران بين المشروط بشى‏ء و مطلقه و بين الخاص المنطقى كالانسان و عامه كالحيوان‏

(3) ما هو الاصل فيما اذا شك فى جزئية شى‏ء او شرطيته فى حال نسيانه‏

(4) ما هو حال زيادة الجزء اذا فى شك اعتبار عدمها فى الواجب‏

(5) ما حكم ما لو علم بجزئية شى‏ء او شرطيته فى الجملة و دار بين ان يكون جزءا او شرطا مطلقا او فى خصوص حال التمكن منه‏

(6) ما حكم ما لو دار الامر بين جزئية شى‏ء او شرطيته و بين مانعيته او قاطعيته‏

يراد من الارتباطى المركب الذى لا يترتب الاثر المتوخى منه عليه الا فى ظرف اجتماع أجزائه نظير الصلاة فان الغرض المقصود منها لا يترتب على ابعاضها الا فى ظرف انضمام بعضها لبعض بما تعود الابعاض معه سلسلة مترابطة الحلقات و يراد بالاستقلالى ما يترتب عليه الغرض و لو مع تفكك الابعاض كالصوم فان صوم اليوم الواحد يترتب عليه الغرض كما يترتب الغرض على صوم الشهر كله بوصف المجموع و لا ريب فى خروج دوران الامر بين الاقل و الاكثر الاستقلاليين عن حريم نزاع الباب للاجماع على كون الشك فى وجوب الاكثر الاستقلالى من الشكوك البدوية و الواجب المنجز هو الاقل فمن شك انه يجب عليه ان يصوم يوما او يومين تنجز عليه صوم اليوم و كان‏

4

الزائد عليه مجرى للبراءة لكونه شكا بدويا صرفا لعدم ارتباط وجوب احدهما بالآخر فان وجوب كل منهما نفسى مستقل و اما الاقل و الاكثر الارتباطيان من حيث جريان البراءة من وجوب الاكثر نظيران يعلم بوجوب الصلاة عليه و لكنه يشك هل انها المركب ذو الاجزاء الكذائية فقط او ذلك بضميمة السورة ففيهما اقوال ثلاثة: (1) عدم جريان البراءة عقلا و نقلا بدليل ان العلم الاجمالى بالوجوب المردد بينهما يقضى بالاحتياط و انه لا مجال لجريان الاصول الشرعية و العقلية النافية للتكليف فى اطرافه (2).

جريان البراءة عقلا و نقلا لانحلال العلم الاجمالى الى العلم التفصيلى بوجوب الاقل و الشك البدوى فى وجوب الاكثر بدليل ان الشك فى الاكثر شك فى تكليف نفسى مولوى فلو استتبعت مخالفته العقاب لكان العقاب على تركه بلا بيان و هو قبيح و بما ان الجهل بوجوب الاكثر متحقق قطعا يكون ذلك من مجارى حديث الرفع و اخواته (3) عدم جريان البراءة عقلا و جريانها شرعا و هو مختار المصنف فى متن الكفاية كما هو مختار المحقق النائينى و لكن من طريقين اما طريق المصنف فى الاستدلال فسيجي‏ء عند التعرض لشرح كلامه و اما طريق المحقق النائينى (قدس سره) فهو انه لا اشكال فى ان العقل يستقل بعدم كفاية الامتثال الاحتمالى للتكليف القطعى و لا يكفى احتمال الفراغ بعد تنجز التكليف بالعلم به و لو اجمالا و يتم البيان الذى يستقل العقل بتوقف صحة العقاب عليه فلو صادف التكليف فى الطرف الآخر الغير المأتى به لا يكون العقاب على تركه- ح- بلا بيان ففيما نحن فيه لا يجوز الاقتصار على الاقل عقلا لانه يشك معه فى الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف المعلوم فى البين و لا يحصل العلم بالامتثال الا بعد ضم الخصوصية الزائدة المشكوكة و العلم التفصيلى بوجوب الاقل المردد بين كونه لا بشرط او بشرط شى‏ء هو عين العلم الاجمالى بالتكليف المردد بين الاقل‏

5

و الاكثر فالعلم التفصيلى بوجوب الاقل و ان كان غير قابل للانكار إلّا انه فى الحقيقة تفصيله عين اجماله لتردد وجوبه بين كونه لا بشرط او بشرط شى‏ء و العلم التفصيلى المردد بين ذلك يرجع الى العلم الاجمالى بين الاقل و الاكثر بل هو عينه فلا سبيل الى دعوى الانحلال و اما البراءة الشرعية فلا محذور فى جريانها لان رفع القيدية انما هو من وظيفة الشارع كجعلها غايته ان وضعها و رفعها انما يكون بوضع منشأ الانتزاع و رفعه و هو التكليف بالاكثر و بسطه على الجزء المشكوك فيه فكما ان للشارع الامر بالمركب على وجه يعم الجزء الزائد كذلك للشارع رفعه بمثل قوله (ص) رفع ما لا يعلمون و نحو ذلك من الادلة الشرعية المتقدمة و بذلك ينحل العلم الاجمالى و يرتفع الاجمال عن الاقل و يثبت اطلاق الامر به و كون وجوبه لا بشرط بالنسبة الى انضمام الزائد اليه: و استدل المصنف على مبناه بقوله‏ (و الحق ان العلم الاجمالى بثبوت التكليف بينهما) اى بين الاقل و الاكثر الارتباطيين‏ (ايضا) اى كالعلم الاجمالى بين المتباينين‏ (يوجب الاحتياط عقلا باتيان الاكثر لتنجزه) اى التكليف‏ (به) اى بالاكثر (حيث تعلق) العلم‏ (بثبوته) اى التكليف‏ (فعلا) اى للقطع بكون العلم الاجمالى فى المقام متعلقا بتكليف و اصل الى مرتبة الفعلية و إلّا لما تنجز العلم لا بالاقل و لا بالاكثر لان التكليف اذا لم يصل الى مرتبة الفعلية لا يتنجز كما سلف البحث عنه: و ليعلم مقدمة ان وجوب الاجزاء وجوب نفسى لا غيرى مقدمى حتى على القول بثبوت المقدمة الداخلية و لا اظنك تنسى ما سلف عن المصنف فى بحث مقدمة الواجب انه قال ثم لا يخفى انه ينبغى خروج الاجزاء عن محل النزاع كما صرح به بعض و ذلك لما عرفت من كون الاجزاء بالاسر عين المأمور به ذاتا و انما كانت المغايرة بينهما اعتبارا فتكون واجبة بعين وجوبه و مبعوثا

6

اليها بنفس الامر الباعث اليه فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر لامتناع اجتماع المثلين و لو قيل بكفاية تعدد الجهة و جواز اجتماع الامر و النهى معه لعدم تعددها هاهنا لان الواجب بالوجوب الغيرى لو كان انما هو نفس الاجزاء لا عنوان مقدميتها و التوسل بها الى المركب المأمور به ضرورة ان الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة لانه المتوقف عليه لا عنوانها نعم يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من اجزاء الواجب بالوجوب النفسى و الغيرى باعتبارين فاعتبار كونه فى ضمن الكل واجب نفسى و باعتبار كونه مما يتوسل به الى الكل واجب غيرى اللهم إلّا ان يريد ان فيه ملاك الوجوبين و ان كان واجبا بوجوب واحد نفسى لسبقه: فاذا تميزت ان وجوب الاجزاء وجوب نفسى كان القول بالانحلال من هذا الوجه موجها فان الذى يعلم بوجوب الصلاة مثلا و يتردد علمه بين ان تكون الصلاة هى الماهية ذات التكبير و الفاتحة و السورة و الركوع و السجود و السلام مثلا فقط او ذلك مع التشهد لا شبهة فى كونه قاطعا بوجوب ما عدا التشهد شاكا فى وجوب التشهد و هذا هو الانحلال و قياسه على المتباينين مع الفارق نعم من جهة لزوم احراز الامتثال و الخروج عن العهدة يبقى فى نفس الانسان شى‏ء و هو انه هل امتثل الصلاة الواجبة عليه قطعا باتيان ما سوى التشهد او انه لم يمتثل بنحو قطعى- لا- لم يمتثل بنحو قطعى: كما لا ريب فى عدم الانحلال لو قيل بان وجوب الجزء يجوز ان يكون غيريا مترشحا من وجوب المركب فمع تردد وجوب الاجزاء المأتى بها فى ضمن الاقل بين كونه غيريا مستمدا من ذى مقدمة و بين كونه نفسيا لا يجوز الاقتصار على الاقل لا من ناحية لزوم الامتثال القطعى بل من ناحية كونه مشكوك الوجوب مع‏

7

عدم الاتيان بالاكثر الذى هو ذو المقدمة و منه يترشح الوجوب على الاجزاء و على فرض اتصاف المقدمة بالوجوب حتى لو لم يترتب ذو المقدمة عليها لم يحرز كون الوجوب الممتثل بسبب اتيانها وجوبا نفسيا فى حال ان العلم بوجوب الصلاة تعلق بوجوب نفسى قطعا فلم يحرز التطابق بين الوجوب المعلوم الذى هو نفسى قطعا و المأتى به المردد بين الغيرية و النفسية و هذا هو عمدة مؤاخذة المصنف على من قال بالانحلال مع تجويزه لكون وجوب الاجزاء غيريا لا نفسيا:

و على هذا المبنى قال‏ (و توهم انحلاله) اى العلم الاجمالى بثبوت التكليف بين الاقل و الاكثر الارتباطيين‏ (الى العلم بوجوب الاقل تفصيلا و) الى‏ (الشك فى وجوب الاكثر بدوا ضرورة) تعليل للانحلال الى العلم بوجوب الاقل تفصيلا و الى الشك فى وجوب الاكثر بدوا (لزوم الاتيان بالاقل لنفسه شرعا) على القول بكون وجوب الاجزاء نفسيا و ان التكليف الوارد من الشارع على الماهية المركبة وارد عليها بورود واحد (او لغيره) بناء على القول بجواز كون وجوب الاجزاء غيريا (كذلك) اى شرعا على القول بكون وجوب المقدمات الغيرى شرعيا (او عقلا) على القول بكون الوجوب الغيرى عقليا صرفا جائيا عن الاعتراف بالملازمة بين المقدمة و ذيها (و معه) اى مع لزوم الاتيان بالاقل لنفسه او لغيره‏ (لا يوجب) العلم‏ (بتنجزه) اى التكليف‏ (لو كان) التكليف فى الواقع‏ (متعلقا بالاكثر) للانحلال الذى اومأ اليه المستدل لكنه على سياقه المزبور (فاسد قطعا لاستلزام الانحلال) بالنحو الذى ذكره هذا المستدل‏ (المحال) جهة المحالية (بداهة توقف لزوم الاقل فعلا) اى نقدا (اما لنفسه او لغيره) اى مع فرض تردد وجوبه بين النفسية و الغيرية (على تنجز التكليف مطلقا) اى‏ (و لو كان) التكليف‏ (متعلقا بالاكثر) و انما توقف على تنجز التكليف مطلقا لفرض ان وجوب الاقل مردد بين‏

8

النفسية و الغيرية فما دام وجوبه محتمل الغيرية و الوجوب الغيرى مستمد من الاكثر قطعا كان لزوم الاقل على كل حال متوقفا على تنجز التكليف مطلقا احرازا لقولنا- على كل حال- و إلّا لتحقق بعض الاحوال و هو حال كون وجوبه نفسيا فقط و المفروض ان وجوبه مردد بين النفسية و الغيرية كما قرأت فى لسان المستدل‏ (فلو كان لزومه كذلك) اى اما لنفسه او لغيره‏ (مستلزما لعدم تنجزه) اى التكليف‏ (الّا اذا كان) التكليف‏ (متعلقا بالاقل كان خلفا) للفرض لان المفروض ان وجوبه الفعلى مردد بين كونه لنفسه و لغيره و هذا التردد كما علمت يتوقف على تنجز التكليف مطلقا اى و لو كان متعلقا بالاكثر (مع انه) اى الانحلال المزبور (يلزم من وجوده عدمه لاستلزامه) اى انحلال العلم الاجمالى الى العلم بالاقل المردد بين النفسية و الغيرية (عدم تنجز التكليف على كل حال) بل على حال الاقل المردد فقط (المستلزم) هذا المعنى‏ (لعدم لزوم الاقل مطلقا) بل انما يستلزمه لو كان وجوبه مقطوع النفسية ليس غير (المستلزم) عدم لزوم الاقل على كل حال بل الاقل على تقدير النفسية و المفروض انه مردد بينها و بين الغيرية (لعدم الانحلال) لان الانحلال انما يصح على فرض النفسية فقط و المفروض فى لسان المستدل تردد وجوب الاقل بينها و بين الغيرية (و ما يلزم من وجوده عدمه محال) بطور قاطع فان الشى‏ء لا يقتضى نقيضه‏ (نعم انما ينحل) العلم الاجمالى المردد بين الاقل و الاكثر (اذا كان الاقل ذا مصلحة ملزمة) يشير بذلك الى الاقل و الاكثر الاستقلاليين فان فى الاقل منهما مصلحة ملزمة لاستقلالها لكن الحق جريان مثل ذلك فى الاقل الارتباطى ايضا بناء على ما هو الحق من وجوبه النفسى فان مصلحته المتيقنة ملزمة كذلك و لا يضرها احتمال دخالة الاكثر فانه احتمال مجرد (فان وجوبه) اى الاقل الاستقلالى‏

9

على ما يرومه المصنف (قدس سره)‏ (حينئذ) اى حين اذ يدور العلم بينه و بين الاكثر (يكون معلوما له) اى للمكلف‏ (و انما كان الترديد) بين انه يجب عليه ان يصوم يوما واحدا او يومين‏ (لاحتمال ان يكون الاكثر) و هو اليومان‏ (ذا مصلحتين) مضاعفتين من مصلحة الاقل و لا ريب ان مصلحة صيام اليومين مضاعفة بالنسبة الى صيام اليوم الواحد (او) يكون الاكثر ذا (مصلحة اقوى من مصلحة الاقل فالعقل فى مثله) اى مثل هذا الفرض و هو فرض الاستقلالية بين الاقل و الاكثر (و ان استقل بالبراءة) من الاكثر (بلا كلام إلّا انه خارج عما هو محل النقض و الابرام فى المقام) و هو دوران الامر بين الاقل و الاكثر الارتباطيين‏ (هذا) الذى ذكره المصنف مؤاخذة واحدة (مع ان) هناك مؤاخذة اخرى و هى‏ (ان الغرض الداعى) للآمر (الى الامر) بالصلاة مثلا التى ترددت اجزاؤها بين الاقل و الاكثر (لا يكاد يحرز) المكلف و انه قطعا حصل غرض مولاه بما اتى به‏ (إلّا) بالاتيان‏ (بالاكثر) بلا ريب لان مع الاتيان بالاقل تبقى النفس مترددة فى تحصيل غرض المولى و لا بد فى مقام الامتثال من القطع بتحصيل غرض المولى الذى دعاه الى الامر: فان قيل من اين تقول ان اوامر المولى مدفوعة عن اغراض فقد يكون المولى يأمر لا عن غرض كما يقول الاشاعرة فقال‏ (بناء على ما ذهب اليه المشهور من العدلية من تبعية الاوامر و النواهى للمصالح و المفاسد) القائمة (فى المأمور بها و المنهى عنها) و ان مصلحة متعلق الامر هى التى تدعو الى الامر به و هكذا المفسدة فى متعلق النهى هى التى تدعو الى النهى عنه‏ (و كون الواجبات الشرعية ألطافا فى الواجبات العقلية) بمعنى ان الشارع من لطفه بعباده يكشف عن الواجب العقلى الذى يلوح للمكلفين و لكن لا يقطعون به لعدم دركهم له تماما بل احتمالا و هذا مما يوجب تساهلهم فيه‏

10

فتفوتهم مصلحته اما اذا كشف الشارع عنه و الزم به قاموا به اداء للوظيفة فيدركون حينئذ مصلحته و يستفيدون بها (و قد مر) فى باب الاوامر (اعتبار موافقة الغرض و حصوله) اى و لزوم تحصيله من المكلف بان يفعل ما يوجب تحصيله و لو كان لسان الامر قاصرا عن الوفاء به‏ (عقلا فى) مقام‏ (إطاعة الامر و سقوطه فلا بد من إحرازه) اى الغرض و هو انما يكون بفعل الاكثر (فى احرازها) اى احراز الاطاعة (كما لا يخفى: و لا وجه للتفصى عنه) اى عن الاشكال بلزوم احراز الغرض الداعى الى الامر (تارة بعدم ابتناء مسألة البراءة و الاحتياط على ما ذهب اليه مشهور العدلية) فان مسألة البراءة و الاحتياط مسألة بحيالها يتكلم عليها حتى الاشعري و حتى من لا يقول بتبعية الاوامر و النواهى للمصالح و المفاسد فى متعلقاتها من العدلية و لذلك قال‏ (و جريانها على ما ذهبت اليه الاشاعرة المنكرون لذلك او بعض العدلية المكتفون بكون المصلحة فى نفس الامر دون المأمور به) و على هذا فلا غرض فى البين حتى يلزم احرازه بفعل الاكثر (و) تارة (اخرى بان حصول المصلحة و اللطف فى العبادات) بناء على وجود الاغراض الداعية الى فعل المأمور به و ترك المنهى عنه‏ (لا يكاد يكون إلّا باتيانها) اى العبادات‏ (على وجه الامتثال) لاوامرها المتعلقة بها المبعوثة عن اغراض واقعية مركزة فيها (و حينئذ كان لاحتمال اعتبار معرفة اجزائها تفصيلا) بان اجزاء العباد:

هى تكبيرة الاحرام و الفاتحة و الركوع و السجود مثلا بطور تفصيلى لا تردد فيه‏ (ليؤتى بها) اى بالاجزاء المزبورة (مع قصد الوجه) و هو نية الوجوب بها اذا كانت كلها واجبة او بضم نية الاستحباب للاستحبابى منها (مجال و معه) اى مع هذا المجال لاحتمال اعتبار معرفة اجزائها تفصيلا ليؤتى بها مع قصد الوجه‏ (لا يكاد يقطع بحصول اللطف و المصلحة الداعية الى الامر)

11

مع الاتيان بالاكثر المشكوك الوجوب لانه اذا فعل مع اهمال معرفة كونه جزءا او غير جزء واجبا او غير واجب كان خلفا لفرض احتمال اعتبار معرفة الاجزاء تفصيلا ليؤتى بها مع قصد الوجه و اذا جزم بجزئيته و وجوبه كان ذلك تشريعا و كان خلاف اللطف و المصلحة الداعية الى الامر و عليه‏ (فلم يبق) علينا فى مقام العلم بالتكليف المردد بين الاقل و الاكثر (الا التخلص عن تبعة مخالفته باتيان ما علم تعلقه به) و هو الاقل فان التكليف معلوم التعلق به قطعا بخلاف الاكثر (فانه واجب عقلا و ان لم يكن فى المأمور به مصلحة و) لا (لطف رأسا) و بالمرة و ذلك‏ (لتنجزه) اى التكليف بالاقل‏ (بالعلم به اجمالا و اما الزائد) على الاقل‏ (لو كان) واجبا واقعا (فلا تبعة على مخالفته من جهته) اى من جهة الزائد المزبور المشكوك ظاهرا (فان العقوبة عليه بلا بيان) فهى قبيحة (و ذلك) تعليل لقوله سابقا و لا وجه للتفصى عنه‏ (ضرورة ان حكم العقل بالبراءة: على مذهب الاشعري:) المنكر لتبعية الاوامر و النواهى للمصالح و المفاسد فى متعلقاتها (لا يجدى من ذهب الى ما عليه المشهور من العدلية) و هم كل الامامية او جلهم‏ (بل) لا يجدى حتى‏ (من ذهب) من العدلية (الى ما عليه غير المشهور) لان هذا الفريق كما يجوّز ان يكون الداعى الى الامر وجود المصلحة فيه نفسه يجوز ان يكون الداعى اليه وجود المصلحة فى متعلقه و ليس مصرّا على كون الداعى هو وجود المصلحة فى الامر نفسه ليس غير (لاحتمال ان يكون الداعى الى الامر و مصلحته على هذا المذهب ايضا) اى كما عليه المشهور (هو ما فى الواجبات من المصلحة و كونها) اى الواجبات انفسها (ألطافا) و عليه فالمأمور به على رأى هذا الفريق ايضا مما يحتمل ان يكون مبعوثا عن غرض فيه فلا بد فى مقام الامتثال من احرازه و لا يكون ذلك إلّا باتيان الاكثر (فافهم) ذلك جيدا

12

(و حصول اللطف و المصلحة فى العبادة) هذا رد على قول المتفصى بان حصول المصلحة و اللطف فى العبادات لا يكاد يكون إلّا باتيانها على وجه الامتثال و حينئذ كان لاحتمال اعتبار معرفة اجزائها تفصيلا ليؤتى بها مع قصد الوجه مجال الى آخر ما ذكر آنفا (و ان كان يتوقف على الاتيان بها) اى بالعبادة (على وجه الامتثال) و الطاعة و قصد القربة (إلّا انه لا مجال) وراء ذلك‏ (لاحتمال اعتبار معرفة الاجزاء و اتيانها على وجهها) من وجوب و استحباب‏ (كيف) يكون اعتبار معرفة الاجزاء و اتيانها على وجهها لازما (و لا اشكال فى امكان الاحتياط هاهنا) اى فى الارتباطيين حتى عند من يقول بالبراءة من الاكثر فانه لا يمنع من الاحتياط باتيانه‏ (كما) ان الاحتياط (فى المتباينين) ممكن بل لازم‏ (و لا يكاد يمكن) الاحتياط (مع اعتباره) اى مع اعتبار معرفة الاجزاء و اتيانها على وجهها الوجوبى او الاستحبابى تفصيلا فان فرض التفصيل فى ذلك ينافى فرض العلم الاجمالى و فرض امكان الاحتياط او لزومه من اجله‏ (هذا مع وضوح بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه كذلك) و هو ان يؤتى بالاجزاء على وجهها تفصيلا حتى لو لم يكن المقام مقام علم اجمالى فان اعتبار ذلك بلا ملزم‏ (و المراد بالوجه فى كلام من صرح بوجوب ايقاع الواجب على وجهه و وجوب اقترانه) اى الواجب‏ (به) اى بالوجه‏ (هو وجه نفسه) نفس العمل بما هو كالصلاة بلا تعرض لاعداد اجزائها و انه ما هو الواجب منها و ما هو المستحب‏ (من وجوبه النفسى) فان وجوب نفس العمل كالصلاة وجوب نفسى‏ (لا وجه اجزاءه من وجوبها الغيرى) على القول بان الوجوب فى الاجزاء غيرى‏ (او وجوبها العرضى) باعتبار ان الوجوب النفسى يعرض اولا لذات المركب كالصلاة و يعرض للاجزاء عرضا و هو فى كلا حاليه نفسى‏ (و اتيان) العمل‏ (الواجب) كالصلاة بعنوانها الجملى‏ (مقترنا بوجهه غاية) بان يقول فى النية

13

اصلى صلاة الظهر لوجوبها (و وصفا) بان يقول اصلى صلاة الظهر الواجبة (باتيان الاكثر) و هو ان يجى‏ء فى الصلاة بالتشهد الذى هو فى طرف الاكثر عند ما يتردد علمه بوجوب الصلاة بين الصلاة بلا تشهد و مع التشهد (بمكان من الامكان) لانه عند ما ينوى بالصلاة المحتوية على التشهد انى اصلى صلاة الظهر لوجوبها او صلاة الظهر الواجبة لم ينو نية بشى‏ء مشكوك لقطعه بوجوب الصلاة على اجمالها و هو لم ينو اكثر من ذلك فلو فرض ان التشهد المأتى به فى ضمنها ليس بواجب لما اضرّ ذلك بنية الوجوب لصلاة الظهر على اجمالها و الصلاة الواجبة فى الواقع تنطبق ايضا على هذه الصلاة ذات التشهد فان احتوائها على ما ليس بواجب لا يخرجها عن المصداقية قطعا كما لا يخرج الفرد من الانسان اذا كان ذا اربعة ايدى عن كونه مصداقا للانسان و لهذا قال‏ (لانطباق الواجب عليه) اى على الاكثر (و لو كان) الواجب واقعا (هو الاقل) لا الاكثر (فيتأتى من المكلف معه) اى مع الاتيان بالاكثر (قصد الوجه) فى العمل المقترن بوجهه غاية او وصفا (و احتمال اشتماله) اى العمل المحتوى على الاكثر (على ما ليس من اجزاءه) واقعا (ليس بضائر) فى الواجب الواقعى المنطبق على العمل المحتوى على الاكثر (اذا قصد وجوب المأتى) به‏ (على اجماله بلا تمييز ما له دخل فى الواجب من اجزاءه لا سيما اذا دار) الجزء (الزائد بين كونه جزء لماهيته و جزءا لفرده) كالماهيات المشككة الصادقة على القليل و الكثير فان تردد الجزء المشكوك الزيادة بين كونه من اجزاء الماهية او من مشخصات الفرد فقط مما يقوّى انطباق الواجب الواقعى على المأتى به‏ (حيث ينطبق الواجب) الواقعى‏ (على المأتى) به‏ (حينئذ) اى حين اذ يدور امر الزائد المشكوك الزيادة بين كونه جزءا للماهية او جزءا للفرد (بتمامه و كماله) و ذلك‏ (لان) الكلى‏ (الطبيعى يصدق على الفرد بمشخصاته) فى حال ان مشخصات الفرد لا ربط لها

14

بالكلى بما هو قطعا (نعم لو دار) امر المشكوك الزيادة (بين كونه جزء و) بين كونه امرا خارجيا لكنه وقع‏ (مقارنا) للعمل المأتى به‏ (لما كان) الواجب الواقعى‏ (منطبقا عليه) اى على هذا المأتى به المحتوى على المقارن الخارجى‏ (بتمامه لو لم يكن) هذا المشكوك الزيادة فى الواقع‏ (جزء) بل كان فى الواقع اجنبيا مقارنا (لكنه) مع ذلك‏ (غير ضائر لانطباقه) اى الواجب الواقعى‏ (عليه) اى على المأتى به‏ (ايضا) اى حتى‏ (فيما لم يكن ذاك الزائد) المشكوك الزيادة (جزء) فان الكلى لا تمنعه الزيادة فى الفرد عن الصدق عليه‏ (غايته لا بتمامه بل بسائر اجزاءه) المحرزة الجزئية (هذا) كله مجارات للخصم‏ (مضافا الى ان اعتبار قصد الوجه) فى اصل العمل‏ (من رأس مما يقطع بخلافه) و انما تعتبر القربة صرفا فى امتثال العمل‏ (مع ان الكلام فى هذه المسألة) مسألة دوران الامر بين الاقل و الاكثر الارتباطيين‏ (لا يختص بما لا بد ان يؤتى به على وجه الامتثال من العبادات) بل يشمل الواجبات التى لا يعتبر فيها الاتيان على وجه الامتثال و هى الواجبات التوصلية التى لا يعتبر فيها الا صرف الاتيان بالعمل حتى من دون قصد القربة فضلا عن نية الوجه‏ (مع انه لو قيل باعتبار قصد الوجه فى الامتثال فيها) اى فى العبادات‏ (على وجه ينافيه التردد و الاحتمال) بل لا بد من قصد الوجه مفصلا مميزا غير قابل للتردد و الاحتمال للزم مع هذا الشرط سقوط التكليف بالعمل المتردد بين الاقل و الاكثر لتعذر امتثاله‏ (فلا وجه معه للزوم مراعاة الامر المعلوم) المردد بين الاقل و الاكثر (اصلا و لو باتيان الاقل) لان الاقل و ان كان مقطوع الدخول فى الامر المعلوم إلّا انه غير مجزوم به انه الواجب الواقعى الذى لا بد فى مقام امتثاله من الجزم بنيته فان الاقل غير محرز المكافئة للواجب الواقعى‏ (لو لم يحصل الغرض) مع الاتيان بالاقل و اما لو حصل الغرض الداعى‏

15

الى الامر بمجرد الاتيان بالاقل كفى ذلك فى لزوم الاتيان لكن مع هذا الفرض يكون قصد الوجه مفصلا مميزا لان العلم بحصول الغرض من مجرد فعل الاقل كاشف عن ان الامر انما تعلق بالاقل و بذلك حصل الغرض منه‏ (و) اما لو قلنا بان قصد الوجه فى الامتثال فى العبادات لا ينافيه التردد و الاحتمال‏ (للزم الاحتياط باتيان الاكثر) تحصيلا لبراءة الذمة من التكليف المتيقن‏ (مع حصوله) اى مع حصول الغرض قطعا بفعل الاكثر و الداعى للزوم الاحتياط عقلا بفعل الاكثر (ليحصل القطع بالفراغ بعد القطع بالاشتغال لاحتمال بقاءه) اى التكليف‏ (مع) فعل‏ (الاقل بسبب بقاء غرضه) اى الغرض الداعى الى التكليف‏ (فافهم) ذلك جيدا (هذا) كله حكم المسألة (بحسب حكم العقل) و قد عرفت ان العقل حاكم بالاحتياط فيها للعلة المومأ اليها (و اما) حكم‏ (النقل) فى المسألة (فالظاهر ان عموم مثل حديث الرفع قاض برفع جزئية ما شك فى جزئيته فبمثله) اى بمثل عموم حديث الرفع القاضى برفع جزئية ما شك فى جزئيته‏ (يرتفع الاجمال) من العلم بوجوب الصلاة المرددة مثلا بين ان تكون مع التشهد او بدونه‏ (و التردد عما تردد امره بين الاقل) الصلاة بدون التشهد مثلا (و الاكثر) الصلاة مع التشهد (و يعينه) اى يعين الامر المردد بين الاقل و الاكثر (فى الاول) و هو الاقل و ينفى الاكثر (لا يقال ان جزئية السورة المجهولة مثلا ليست بمجعولة) لان الجزئية امر اعتبارى ينتزع من وجوب السورة فى الصلاة فاذا وجبت السورة فى الصلاة قيل انها جزء لها (و ليس لها) اى للجزئية (اثر مجعول) لان ما يتصور لها من اثر هو وجوب اعادة الصلاة عند تركها فى حال ان هذا الاثر ليس لها و انما هو اثر بقاء اصل التكليف بفعل الصلاة لان العقل ملزم بوجوب اطاعة الامر بفعل المأمور به تاما غير ناقص‏ (و المرفوع بحديث الرفع انما

16

هو للمجعول) الشرعى‏ (بنفسه او اثره و) اما (وجوب الاعادة) عند الاخلال بالسورة التى هى جزء (فانما هو اثر بقاء الامر الاول) باصل فعل الصلاة (بعد العلم) به فان من يعلم بوجوب الصلاة عليه يلزمه ان يأتى بها تامة غير ناقصة (مع انه) اى وجوب الاعادة لفعل المأمور به ناقصا (عقلى و) انه‏ (ليس إلّا من باب وجوب الاطاعة عقلا) و الاثر العقلى لا يرفعه حديث الرفع‏ (لانه يقال) فى الجواب عن هذا الاشكال‏ (ان الجزئية و ان كانت غير مجعولة بنفسها إلّا انها مجعولة بمنشإ انتزاعها) و هو وجوب السورة فى الصلاة (و هذا كاف فى صحة رفعها) فانه اذا ارتفع منشأ انتزاعها ارتفعت‏ (لا يقال انما يكون ارتفاع الامر الانتزاعى) مثل جزئية السورة (برفع منشأ انتزاعه و هو) اى منشأ الانتزاع‏ (الامر الاول) الوارد على الصلاة فاذا ارتفع الامر الاول بقى الاقل بلا دليل يوجبه‏ (و لا دليل آخر) غير ما دل على وجوب الصلاة (على امر آخر) يتعلق‏ (بالخالى عنه) اى بالخالى عن الجزء المشكوك فان كل ما عندنا امر واحد اوجب علينا الصلاة فاذا رفعه دليل الرفع لكونه منشأ انتزاع الجزئية للسورة المشكوكة الوجوب فى الصلاة لم يبق عندنا امر آخر يدل على وجوب ما عدا السورة و هو ما يسمى بالاقل‏ (لانه يقال نعم و ان كان ارتفاعه) اى الامر الانتزاعى‏ (بارتفاع منشأ انتزاعه) و هو الوجوب الذى بيد الشارع رفعه و وضعه إلّا ان دليل الرفع لا يرفع إلّا الوجوب المجهول بالنسبة الى السورة لا مطلق الوجوب المنبسط على الاجزاء المعلومة لان هناك ادلة قائمة على وجوبها فنسبة حديث الرفع بالنسبة الى الادلة المزبورة نسبة الاستثناء و لذلك قال‏ (إلّا ان نسبة حديث الرفع الناظر الى الادلة الدالة على بيان الاجزاء اليها) اى نسبته الى الادلة المزبورة (نسبة الاستثناء و هو) اى حديث الرفع‏ (معها) اى مع الادلة المذكورة

17

(يكون دالّا على جزئيتها) اى مثل السورة (الا مع الجهل بها كما لا يخفى فتدبر جيدا) حتى تدرك حقيقة الحال‏

(و ينبغى التنبيه على امور)

و ليعلم ان عندنا مركبا خارجيا و هو ما كان لمّ اجزاءه و تحليلها مما لا يحتاج الى دقة فكر و تأمل عقل لدلالة نفسه على نفسه بالتركيب نظير الامر بالصلاة مع السورة او مع الطهارة فان نفس قول القائل صل مع السورة او مع الطهارة كاشف عن التركب و مركبا عقليا و هو ما كان لمّ اجزاءه و تحليلها يحتاج الى دقة عقل و أعمال فكر لعدم دلالة نفسه بظاهره على نفسه بالتركيب نظير الانواع و الاجناس كالانسان و الحيوان فان الانسان لا يدل من نفسه على نفسه بالتركيب و كذلك الحيوان نعم تدقيقات العقول تحلل الانسان الى حيوان ناطق و الحيوان الى جسم نامى متحرك بالارادة حساس اذا تحققت من هذه المقدمة فاعلم ان الشك فى شرطية شى‏ء لشى‏ء حكمه حكم الشك فى جزئية شى‏ء لآخر بلا ادنى تفاوت سواء قلنا فى حكم الشك فى الجزئية عقلا انه البراءة او الاحتياط و ذلك لكونهما جميعا من المركبات الخارجية و اما لو دار الامر بين الخاص و العام المنطقيين المعبر عنهما بالمركبات التحليلية كالانواع و الاجناس فهو كالدوران بين المتباينين بل هو عينه فى كونه محلا للاشتغال قولا واحدا و ذلك لان الاجناس يستحيل تحققها فى الخارج من دون صورة نوعية فانه لا حيوان فى الخارج لا يكون انسانا و لا فرسا و لا حمارا و لا و لا: الخ: فاذا دار الامر فى ان الذى طلبه المولى هو الانسان او الحيوان كان ذلك فى معنى دوران الامر بين الانسان و الفرس او البقر او الحمار الى غير ذلك و لا شبهة فى كون الدوران المزبور من الدوران بين المتباينين الذى هو من مظان الاشتغال‏

18

اذا عرفت هذا فتعال الى عبارة المصنف قال:

الامر (الاول:)

(انه ظهر مما مر حال دوران الامر بين المشروط بشى‏ء) كقوله صل مع الطهارة (و مطلقه) اى الخالى من الشرط فلم ندر انه اريدت الصلاة مع الطهارة او الصلاة بلا قيد الطهارة (و) هكذا دوران الامر (بين الخاص) المنطقى‏ (كالانسان و عامه) المنطقى ايضا (كالحيوان) فلم ندر انه اريد منا الانسان او حيوان آخر (و انه لا مجال هاهنا) اى فى الشك فى شرطية شى‏ء لشى‏ء او فى الخاص و العام المنطقيين‏ (للبراءة عقلا بل كان الامر فيهما اظهر) مما قيل فى الدوران بين الاقل و الاكثر الارتباطيين و فيه نظر فان الشك فى الشرطية كالشك فى الجزئية و لا اظهرية لاحدهما على الآخر و اما فى الخاص و العام المنطقيين فهو من مقولة الدوران بين المتباينين لا من الاقل و الاكثر كما عرفت ذلك‏ (فان الانحلال المتوهم فى الاقل و الاكثر) الى العلم التفصيلى بالاقل و الشك البدوى فى الاكثر (لا يكاد يتوهم هاهنا) اى فى الشك بشرطية شى‏ء لآخر و الدوران بين الخاص و العام المنطقيين لكنه (قدس سره) لم يصب فى الاول لان القول فى الجزئية و الشرطية من واد واحد نعم لا يتوهم الانحلال فى الخاص و العام المنطقيين لانهما من مقولة المتباينين لا الاقل و الاكثر (بداهة ان الاجزاء التحليلة) التى لا تتصور الا فى مثل الانواع و الاجناس‏ (لا تكاد تتصف باللزوم) اى لزوم الاتيان بها (من باب المقدمة) الداخلية للواجب‏ (عقلا) لفقد التركب الخارجى فيها المتصور فى الاجزاء و الشرائط الخارجية نظير الامر بالصلاة مع السورة او مع الطهارة فانه يصح ان يقال للسورة انها مقدمة للواجب الذى هو المركب منها و من غيرها و هكذا يقال فى الطهارة و تمثيله بالصلاة فى مقام التكلم عن الاجزاء التحليلية ليس فى محله فان التمثيل بها من مقولة المركبات الخارجية قطعا (فالصلاة مثلا فى ضمن‏

19

الصلاة المشروطة) بشى‏ء (او) الصلاة (الخاصة موجودة بعين وجودها فى ضمن صلاة اخرى فاقدة لشرطها و خصوصيتها تكون) الصلاة الاخرى الفاقدة لشرطها و خصوصيتها (مباينة للمأمور بها) و التنظير انما يصح فى المقام بمثل الانسان و الفرس الذى به يتحقق الحيوان خارجا و يكون كل منهما مباينا للآخر و اما التمثيل بالصلاة و غيرها من المركبات الخارجية فلا ربط له بمقام التكلم على الاجزاء التحليلية كما اسلفناه‏ (نعم لا بأس بجريان البراءة النقلية فى خصوص دوران الامر بين المشروط و غيره) كدوران الامر بين انه جزء او ليس بجزء فان الاجزاء و الشروط لما كان وضعها و رفعها بيد الشارع كانت مجالا لعموم حديث الرفع و امثاله‏ (دون دوران الامر بين الخاص و غيره) كالانواع و الاجناس‏ (لدلالة مثل حديث الرفع على عدم شرطية ما شك فى شرطيته و ليست كذلك خصوصية الخاص فانها) اى خصوصية الخاص‏ (انما تكون منتزعة عن نفس الخاص) اى من حاق ذاته كانتزاع الانسانية من الحيوان الناطق‏ (فيكون الدوران بينه) اى بين الخاص المنطقى‏ (و بين غيره من قبيل الدوران بين المتباينين فتأمل جيدا) حتى تعرف الفرق بين الخاص و العام و بين غيره.

الامر (الثانى:)

(انه لا يخفى ان الاصل فيما اذا شك فى جزئية شى‏ء او شرطيته فى حال نسيانه) اى انه شك فى جزئية الشى‏ء او شرطيته لاجل عروض النسيان عن فعله مع القطع بكونه جزءا و شرطا لو لا النسيان فهذا المنسى هل يكون حتى فى حال النسيان جزءا او شرطا فيوجب بطلان الصلاة مثلا لانها غير مأمور بها الا مع المنسى او انه فى حال النسيان لا يكون جزءا و لا شرطا فتصح صلاة ناسية فقال الاصل فى مثل الشك المزبور (عقلا و نقلا ما ذكر فى الشك فى اصل الجزئية او الشرطية) من الاشتغال عقلا

20

و البراءة نقلا (فلو لا مثل حديث الرفع مطلقا) اى الجارى فى الصلاة و غيرها الدال على رفع المجهول و المنسى فيما للشارع وضعه و رفعه كما فى المقام فان الحديث المزبور بالنسبة الى الادلة المثبتة للتكليف كالاستثناء يخرج به ما دل على اخراجه و يبقى الباقى مشمولا لادلته‏ (و) حديث‏ (لا تعاد) الصلاة الا من خمسة الوقت و الطهور و القبلة و الركوع و السجود الوارد (فى) خصوص باب‏ (الصلاة يحكم) عند نسيان الجزء و الشرط (عقلا بلزوم اعادة ما اخل بجزئه او شرطه نسيانا) لان العقل ملزم باطاعة التكليف الصادر و المفروض صدوره شاملا للمنسى فلما أهمل المنسى كان العمل كله كأنه لم يؤت به‏ (كما هو) اى لزوم الاعادة (الحال فيما ثبتت شرعا جزئيته او شرطيته مطلقا) اى فى حالتى الذكر و النسيان نظير الطهور و الركوع فان الاول شرط على كل حال شرعا و هكذا الثانى جزء على كل حال‏ (نصا) كالخمسة التى قرأتها فى حديث لا تعاد (او اجماعا) كتكبيرة الاحرام و القيام المتصل بها و بالركوع فانهما جزءان فى الصلاة على كل حال اجماعا و ان لم يكن لهما ذكر فى حديث لا تعاد و نظائره‏ (ثم لا يذهب عليك انه كما يمكن رفع الجزئية او الشرطية فى هذا الحال) و هو النسيان‏ (بمثل حديث الرفع) لان حديث الرفع و نظائره بالنسبة الى الادلة المثبتة للتكاليف كالاستثناء يخرج من الجزئية و الشرطية ما اخرجه الحديث المزبور و يبقى الباقى تحت ما دل عليه‏ (كذلك يمكن تخصيصهما) اى الجزئية و الشرطية (بهذا الحال) اى يقال ان الشى‏ء الفلانى جزء او شرط الا فى حال النسيان‏ (بحسب الادلة الاجتهادية) اى المتكفلة لبيان الاحكام الواقعية للاشياء: هذا مقام تعريض من المصنف بالشيخ (قدس سره) حيث ذكر فى هذه المسألة ما ملخصه ان الاقوى فيها اصالة بطلان العبادة بنقص الجزء

21

سهوا إلّا ان يقوم دليل عام او خاص على الصحة لان ما كان جزءا فى حال العمد كان جزءا فى حال الغفلة فاذا انتفى انتفى المركب فلم يكن المأتى به موافقا للمأمور به و هو معنى فساده اما عموم جزئيته لحال الغفلة فلان الغفلة لا توجب تغيير المأمور به فان المخاطب بالصلاة مع السورة اذا غفل عن السورة فى الاثناء لم يتغير الامر المتوجه اليه قبل الغفلة و لم يحدث بالنسبة اليه من الشارع امر آخر حين الغفلة لانه غافل عن غفلته فالصلاة المأتى بها من غير سورة غير مأمور بها بأمر اصلا غاية الامر عدم توجه الامر بالصلاة مع السورة اليه لاستحالة تكليف الغافل فالتكليف ساقط عنه ما دامت الغفلة نظير من غفل عن الصلاة رأسا فاذا التفتت اليها و الوقت باق وجب الاتيان عليه بمقتضى الامر الاول الى ان يقول بعد كلام ان اريد بعدم جزئية ما ثبتت جزئيته فى الجملة فى حق الناس ايجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء عليه فهو غير قابل لتوجه الخطاب اليه بالنسبة الى المغفول عنه: الى ان يقول: و ليس فى المقام امر بما اتى به الناسى اصلا: و المصنف عليه الرحمة:

يروم بيان امكان التفكيك بين الناسى و الملتفت و انه يمكن ان يكون الشى‏ء جزء فى حق الملتفت و ان لا يكون جزء فى حق الناسى و لا يتوقف ذلك على جعل الناسى موضوعا للخطاب بقوله ايها الناسى حتى يرد محذور ان تنبيه الناسى مخرج له عن كونه ناسيا بل يمكن ان يكون ذلك على احد وجوه الاول ما اشار اليه بقوله‏ (كما اذا وجه الخطاب) ممن له توجيه الخطاب‏ (على نحو يعم الذاكر و الناسى بالخالى عما شك فى دخله مطلقا) اى بنحو الجزئية او الشرطية بان يجعل موضوع الخطاب هو المكلف بما هو مكلف بأن يقول ايها المكلف تجب عليك تكبيرة الاحرام و الفاتحة و الركوع و السجود الى غير ذلك و لا تذكر السورة الا فى تكليف آخر يوجه‏

22

الى الملتفت كما قال‏ (و قد دلّ دليل آخر على دخله) اى المنسىّ مثل السورة (فى حق الذاكر) له: الثانى من الوجوه ما اشار اليه بقوله‏ (او وجه الى الناسى خطاب يخصه) هو من دون ان يعم الذاكر (بوجوب الخالى) عن المنسى‏ (بعنوان آخر) غير عنوان الناسى بقوله ايها الناسى حتى يرد المحذور بل بعنوان آخر (عام) كضعيف الدماغ او بلغمى المزاج مما يلازم النسيان نوعا فيقول يا بلغمى المزاج تجب عليك تكبيرة الاحرام و الفاتحة و الركوع و السجود و لا يؤتى للسورة بذكر (او خاص) كان يقول يا زيد الذى هو علم المكلف الناسى يجب عليك كذا و كذا بدون ذكر للمنسى و يوجه الى الملتفت الذاكر خطاب بتمام الاجزاء و الشرائط (لا) ان يوجه الخطاب الى الناسى‏ (بعنوان الناسى كى يلزم استحالة ايجاب ذلك عليه) اى ايجاب الخالى عليه‏ (بهذا العنوان) اى بعنوان ايها الناسى‏ (لخروجه عنه) اى عن كونه ناسيا (بتوجيه الخطاب اليه) بما يخرجه عن كونه ناسيا لان قول يا ايها الناسى إلفات منه الى نسيانه فيتذكر (لا محالة كما توهم) و المتوهم فى نظر المصنف هو الشيخ (قدس سره) كما سلف طرف من كلامه آنفا (لذلك) اى لاستحالة توجيه الخطاب بالخالى الى الناسى بعنوان يا ايها الناسى‏ (استحالة تخصيص الجزئية او الشرطية بحال الذكر و ايجاب العمل الخالى عن المنسى على الناسى فلا تغفل) عما صورناه من الوجهين: الثالث من الوجوه ما ذكره المصنف على ما حكى عن حاشيته على الرسائل و هو ان يكلف الملتفت بالتمام و لا يكلف الناسى بتكليف آخر و لكن يصح فعله للناقص لاشتماله على المصلحة و يكفى فى بعثه الى الناقص اعتقاده توجه امر الملتفت اليه فيأتى بالناقص بداعى موافقة امر الملتفت بالتمام‏

الامر (الثالث:)

(انه ظهر مما مر) فى الكلام على الشك فى جزئية شى‏ء او شرطيته للمأمور به من ان حكمه الاشتغال عقلا و البراءة نقلا (حال زيادة)

23

(الجزء) فيما لو احرزت زيادته‏ (اذا شك فى اعتبار عدمها) اى عدم الزيادة (شرطا او شطرا فى الواجب) اى شك فى ان عدم الزيادة على الاجزاء و الشرائط المسلمة هل هو مأخوذ فى الواجب بنحو الشرط او الشطر اما تصوير الشرطية فى الشى‏ء بعدم شى‏ء آخر يكون فيه او معه فجدّ واضح لكن تصوير اخذ عدم الشى‏ء جزءا فى شى‏ء آخر غير صحيح لان العدم ليس بمنشإ اثر حتى يصح اخذه جزءا لمركب ذى اثر كما هو واضح‏ (مع عدم اعتباره) اى اعتبار عدم الزيادة فى الجزء (فى جزئيته) اى جزئية الجزء اى اخذ الجزء بشرط لا اى بشرط ان لا يتكرر فانه اذا شرط فيه عدم التكرر و تكرر كان ذلك هادما للجزء لان المشروط عدم عند عدم شرطه و لذلك قال‏ (و إلّا) اى بان اعتبر عدم الزيادة فى الجزء بنحو الشرط و مع ذلك تكرر (لم يكن) الفرض حينئذ (من زيادته) اى من باب زيادة الجزء (بل من) باب‏ (نقصانه) لفرض ان الجزء اخذ بشرط لا فاذا تكرر فقد فقد شرطه و المشروط عدم عند عدم شرطه‏ (و ذلك) اى و انما يكون حال زيادة الجزء اذا شك فى اعتبار عدمه حال ما سلف من الشك من الجزئية و الشرطية (لاندراجه) اى اندراج هذا الفرض‏ (فى الشك فى دخل شى‏ء فيه) اى فى الواجب‏ (جزءا او شرطا) لان عدم الزيادة يشك فيه هل انه مأخوذ فى الواجب بعنوان جزء او شرط فيكون مفروض البحث من جزئيات باب الشك فى جزئية شى‏ء لشى‏ء او شرطيته له و قد عرفت ان حكم هذا الباب هو الاشتغال عقلا و البراءة نقلا: ثم اعلم ان الزيادة العمدية لا تمتنع ان تجتمع مع صحة العمل و ذلك فيما لو اخذ الواجب لا بشرط بالنسبة الى الزيادة العمدية فلو شك فى اخذه لا بشرط رجع ذلك الى الشك فى مانعية الزيادة فتجرى البراءة عن المانعية شرعا و اذا كان حال الزيادة العمدية هو ما عرفت فاجدر بالزيادة السهوية ان تكون اولى بذلك و لهذا قال‏ (فيصح)

24

(لو اتى به) اى بالواجب‏ (مع الزيادة عمدا تشريعا) اى من نفسه لاعتقاده ان الواقع كذلك و ان اخطأ فى اعتقاده‏ (او جهلا) بما فى الواقع بان لا يدرى ان ما زاده زائد على النصاب الواقعى اولا و الجهل تارة يكون‏ (قصورا او تقصيرا) و قوله‏ (او سهوا) فى مقابل قوله عمدا تشريعا او جهلا فان الجاهل عامد (و ان استقل العقل) كما هو القاعدة عند المصنف فى باب الشك فى الجزئية و الشرطية (لو لا) وجود (النقل) بالبراءة (بلزوم الاحتياط) مع زيادة الجزء المشكوك عدم اعتبارها (لقاعدة الاشتغال) هذا كله جدّ واضح فى الواجبات التوصلية التى لا يشترط فيها اكثر من اتيان الواجب و اما فى الواجبات العبادية المشتملة على الزيادة فباعتبار ان قصد التقرب معتبر فى صحتها و لا تقع بدونه صحيحة يتطرق الموضوع اشكال و هو ان الامر الواقعى بالعبادة لما لم يكن محرزا لقصد إلّا بدون الزيادة المشكوك عدم اعتبارها فمع الزيادة لا يكون الاتيان بمجموع الزائد و المزيد فيه إلّا بداعى غير الامر الواقعى و غير الامر الواقعى لا يقصد التقرب به غايته ان هذا الاشكال يؤثر فى بعض فروض المسألة و لا يؤثر فى البعض الآخر اما الذى يؤثر فيه البطلان فهو ان يلتزم المكلف من نفسه بامر قائم بالمجموع المذكور فى الزائد و المزيد فيه و يأتى بالمجموع بداعى هذا الامر الذى التزم به من تلقاء نفسه لا من الشرع و هو ما اشار اليه بقوله‏ (نعم لو كان) الواجب‏ (عبادة و اتى به كذلك) اى عامدا مشرعا (على نحو لو لم يكن للزائد دخل فيه) اى فى الواجب‏ (لما يدعو اليه وجوبه) اى لما دعى اليه و لكنه لدخالته فيه دعى اليه الوجوب المتعلق بالواجب‏ (لكان باطلا مطلقا) اى سواء كان واقعا للزائد دخل فى الواجب بان كان اعتباره زائدا ليس له محل من الواقع بل هو واقعا دخيل فى الواجب او لم يكن له دخل فيه اما بطلانه فى صورة دخله واقعا فيه فلا وجه‏

25

له بالمرة لانه اشبه ما يكون بمن يعتقد عدم وجوب شى‏ء و يفعله بالتزام به من نفسه لكنه يكون فى الواقع واجبا غاية ما فى الباب ان يدعى ان هذا الانسان لم يأت بالعمل إلّا بداعى الامر التشريعى لا الامر الواقعى لكنه لا اثر له بعد ما يكون ما يراه امرا تشريعيا هو عين الواقع فان انطباق الواقع عليه قهرى‏ (او) لكان باطلا (فى صورة عدم دخله) اى ما فعله من الزيادة (فيه) اى فى الواجب العبادى و انما يكون باطلا (لعدم تصور الامتثال) و قصد التقرب‏ (فى هذه الصورة) التى ليس فيها إلّا الاتيان بداعى الامر التشريعى لا الواقعى‏ (مع استقلال العقل بلزوم الاعادة مع اشتباه الحال) هل انه حصل امتثال للواجب المفروض او لم يحصل امتثال‏ (لقاعدة) ان‏ (الاشتغال) اليقينى يقتضى البراءة اليقينية (و اما لو اتى به) اى بالواجب العبادى المزيد فيه‏ (على نحو يدعوه اليه) اى يدعو الامر الشرعى المتعلق به الى ايجاده و فعله‏ (على اىّ حال) بمعنى ان داعوية الامر الشرعى حاصلة لهذا المكلف على كل حال زاد من نفسه فى الواجب شيئا او لم يزده التزم بانطباق الخالى عن الزيادة على ما زاد فيه بان لا يعتبر الزيادة التى يفعلها مفككة بين ما اتى به و بين الواجب المراد منه او لم يلتزم لكن مع عدم تصرفه فى الامر الشرعى بان يكون انسياقه بداعوية امر الشرع فقط ففى هذه الصورة يتصور فى حقه الامتثال و صحة قصد التقرب و (كان) ما اتى به‏ (صحيحا و لو كان مشرعا فى دخله) اى فى اعتباره‏ (الزائد فيه) اى فى الواجب الواقعى‏ (بنحو) من الانحاء التى شرحناها عن قريب‏ (مع عدم علمه) اى هذا المكلف‏ (بدخله) اى بدخل هذا الزائد فى المزيد فيه فانه اذا علم بدخله فيه و لو اخطأ فى علمه لا يسمى مشرعا و على كل حال‏ (فان تشريعه) هذا لا يضر بصحة عبادته لانه تشريع‏ (فى تطبيق المأتى) به الذى فعله‏ (مع المأمور به) الواقعى و جهة كونه مشرعا فى ذلك‏

26

انه اعتبر ما فيه الزيادة كفاقدها باندفاع من نفسه لا باعتبار من الشرع‏ (و هو لا ينافى قصده الامتثال و التقرب به على كل حال) بعد حفظ كون الداعى له هو الامر الشرعى ليس غير (ثم انه ربما تمسك لصحة ما اتى به مع الزيادة باستصحاب الصحة) الثابتة للاجزاء السابقة على فعل الزائد لكن هذا الاستصحاب لا قيمة له لان المفيد من الصحة ترتب الاثر المنظور باتيان المأمور به كله و هذا المعنى لا وجود له الا بعد الفراغ من العمل كله و اما الاعتداد بصحة الاجزاء السابقة على فعل الزيادة فهو انما يعطى كون الاجزاء السابقة لها اهلية الانضمام الى الاجزاء اللاحقة بما يتكون من الجميع المركب المأمور به و هذه الاهلية بالنسبة الى الاجزاء السابقة موجودة لها حتى مع القطع بمانعية الزيادة عن لحوق الاجزاء اللاحقة فان الشى‏ء لا ينقلب عما وقع عليه لكن هذا المعنى كما اومأنا اليه لا يعطينا بالنسبة الى مجموع العمل اقل ثمرة و لهذا قال المصنف‏ (و هو لا يخلو من كلام و نقض و ابرام خارج عما هو المهم فى المقام و يأتى تحقيقه فى مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى).

الامر (الرابع:)

(انه لو علم بجزئية شى‏ء او شرطيته فى الجملة) اى لا يتشكك فى كونه جزء للمركب او شرطا فى المشروط (و) لكن بعد الاحراز المزبور (دار الامر) اى امر هذا الجزء او الشرط المعلومين‏ (بين ان يكون جزء او شرطا مطلقا) اى‏ (و لو فى حال العجز عنه) اى ان جزئيته او شرطيته‏ (لا تنفك بحال و لازم هذا ان العمل لا مجال للاتيان به بدون جزءه او شرطه المومأ اليهما (و بين ان يكون جزءا او شرطا فى خصوص حال التمكن منه) اى ان جزئيته او شرطيته غير لازمة للعمل على كل حال بحيث يكون مجال للاتيان به بدون الجزء او الشرط المزبورين‏ (فيسقط الامر) عن المأمور (بالعجز عنه) اى بسبب عجزه عن الجزء او الشرط بناء (على الاول) و هو كون جزئيته‏

27

او شرطيته مطلقة و لو فى حال العجز عنه فاذا كان متعلق الامر هو الاطلاق المزبور فلا ريب فى سقوط اصل التكليف لتعذر متعلقه‏ (لعدم القدرة حينئذ) على المأمور به و لكن‏ (لا) يسقط الامر عن المأمور بناء (على الثانى) و هو كون جزئيته او شرطيته مخصوصة بحال التمكن منه و مع عدم التمكن لا يكون جزءا و لا شرطا (فيبقى) الامر (معلقا بالباقى) و لو كان فاقدا للجزء او الشرط المذكورين هذا (و) مع الدوران المزبور (لم يكن هناك) اى عندنا (ما يعين احد الامرين) اى ان اخذ جزئيته او شرطيته بنحو الاطلاق او فى خصوص حال التمكن منه فان قيدية القيد تارة تستفاد من الامر بالمركب بان يكون الامر بالمركب مفصلا لجميع اجزاءه و شروطه كأن يقول صل و يفسر قوله هذا بقوله اى تطهر و استقبل القبلة و كبر تكبيرة الاحرام و اقرأ الفاتحة و التوحيد و اركع و اسجد و تشهد و سلم مثلا و اخرى تستفاد من امر متعلق بها وراء الامر بالمركب كأن يقول صل و هو الامر بالمركب ثم يقول و تطهر لصلاتك او اركع فيها و اسجد مثلا و على التقديرين تارة يكون لما يفيد جزئية الشى‏ء او شرطيته اطلاق يشمل حال العجز عنه نظير لا صلاة إلّا بطهور و اخرى يكون مجملا او مهملا لا يستفاد منه ذلك: و فى خلاصة هذا التفصيل قال المصنف و لم يكن هناك ما يعين احد الامرين‏ (من اطلاق دليل اعتباره) اى اعتبار الشى‏ء المعلوم الجزئية او الشرطية اجمالا و المراد به الدليل المستقل القائم على جزئية الشى‏ء او شرطيته غير الامر بالمركب‏ (جزءا او شرطا او اطلاق دليل المأمور به) و هو الامر القائم بالمركب فانه لو احرز للامر بالمركب اطلاق بحيث يشمل حتى حالة العجز لاخذ به حتى‏ (مع اجمال دليل اعتباره او احتماله) اى حتى لو كان هناك امر بالجزء او بالشرط على نحو الاستقلال لكنه كان مجملا

28

فان اجماله لا يؤثر على اطلاق امر المركب لو فرض له اطلاق‏ (لاستقل) جواب قوله فى اول الفصل لو علم بجزئيته الخ اى لو كان مفروض البحث ما ذكر لكان مقتضى الدوران المزبور استقلال‏ (العقل بالبراءة عن الباقى) عند العجز عن الاتيان بالعمل مقرونا بالجزء او الشرط غير المتيسرين للمكلف‏ (فان العقاب على تركه) اى ترك الباقى‏ (بلا بيان و المؤاخذة عليه بلا برهان) لان البيان و البرهان انما قاما على مركب تعذر الاتيان بجميعه المورود للطلب و الباقى هوية ثانية لا يعلم تعلق امر بها فاحتمال التكليف بها من الشكوك البدوية و هى من مجارى البراءة (لا يقال نعم) ما ذكرته له وجه‏ (و لكن قضية مثل حديث الرفع) المفيد لرفع مجهول الجزئية و الشرطية بحيث لا يدرى انهما كذلك و لو فى حال العجز او فى خصوص حال التمكن فحديث الرفع يفيد (عدم الجزئية او الشرطية الا فى حال التمكن منه) و هذا معناه ارتفاع المشكوك وحده فيبقى الباقى تحت عهدة التكليف فيجب الاتيان به‏ (فانه يقال) فى الجواب عن هذا الاشكال‏ (انه لا مجال هاهنا لمثله) اى لمثل حديث الرفع فانك تريد من تمشيته فى الباب اثبات التكليف بالباقى فى حال ان حديث الرفع انما قرره الشرع للتخفيف عن الامة و الامتنان عليها بالتسهيل و مقتضى التخفيف و التسهيل اسقاط التكليف عن الباقى لا اثباته كما هو واضح و لذلك قال‏ (بداهة انه ورد فى مقام الامتنان فيختص بما يوجب نفى التكليف لا اثباته نعم) عندنا ما يعارض اجراء البراءة عن الباقى و هو اجراء الاستصحاب فى المقام باللون الذى يجى‏ء و لا مجال للبراءة مع الاستصحاب فانه من الاصول التنزيلية و هو ما يريد ان يفيده بقوله‏ (ربما يقال بأن قضية الاستصحاب فى بعض الصور) و هو استصحاب كلى الوجوب الشامل للتام و للباقى‏ (وجوب الباقى فى حال التعذر) عن فعل التام‏ (ايضا)

29

اى كوجوب الباقى عند التمكن من فعل التام المحتوى على الباقى‏ (و لكنه) اى هذا القول‏ (لا يكاد يصح إلا بناء على صحة القسم الثالث من استصحاب الكلى) و هو ما اذا شك فى حدوث فرد آخر مقارنا لارتفاع الفرد المتيقن نظير ما نحن فيه فان الفرد المتيقن المرتفع هو وجوب التام لانه المورود للتكليف و الفرد المشكوك الحدوث مقارنا لارتفاع المتيقن هو وجوب الباقى فانا بعد تعذر التام نشك فى وجوب الباقى علينا (او) بناء (على المسامحة) العرفية (فى تعيين الموضوع فى الاستصحاب) بدعوى اتحاد الباقى مع التام عرفا فيقال كانت الصلاة بالتشهد واجبة فهى مع تعذر التشهد باقية على وجوبها (و كان ما تعذر مما يتسامح به عرفا بحيث يصدق مع تعذره) اى التام بجميعه‏ (بقاء الوجوب) الكلى‏ (لو قيل بوجوب الباقى و ارتفاعه) اى ارتفاع الوجوب الكلى بارتفاع التام‏ (لو قيل بعدم وجوبه) اى بعدم وجوب الباقى‏ (و يأتى تحقيق الكلام فيه فى غير المقام) عند التكلم على الاستصحاب و تنبيهاته هذا ما تقتضيه القواعد الاولية فى المسألة لكن للآثار السمعية فيها جولة و هو ما اشار اليه بقوله‏ (كما ان وجوب الباقى فى الجملة) لا كل باقى فانه رب باق لا يقال فيه انه ميسور ما تعسر لضآلته و مباينته مع المتعسر تماما و سيجى‏ء التعرض لذلك‏ (ربما قيل بكونه مقتضى ما يستفاد من قوله (ص) اذا امرتكم بشى‏ء فأتوا منه ما استطعتم: و قوله: الميسور لا يسقط بالمعسور: و قوله: ما لا يدرك كله لا يترك كله) و هذه الآثار لو خليت هى و ما ينسبق منها الى اذهان الاوساط من اهل اللسان لافادت بصراحة وجوب الباقى فمعنى الاثر الاول اذا امرتكم بشى‏ء فأتوا من ذلك الشى‏ء ما تستطيعونه و الميسور من الشى‏ء لا يسقط بمعسوره و الشى‏ء الذى لا يدرك بأسره لا يترك بأسره و على هذا المفاد جرى الاوساط فيما بينهم فى كافة عرفياتهم فيستدلون على من يترك ما

30

تيسر له فى مورد تكليفه معتذرا بانه لا يستطيع القيام بما وجه اليه من تكليف بمثل الاثر الآنف غاية ما هناك ان الاثر الاول مقرون فى مورد اصداره بما يكسر من حدّة مفاده الذى آنفناه كما سيجى‏ء فى كلام المصنف‏ (و دلالة الاول) اذا امرتكم بشى‏ء فأتوا منه ما استطعتم‏ (مبنية على كون كلمة من تبعيضية) اى فأتوا من ابعاضه ما استطعتم‏ (لا بيانية و لا بمعنى الباء) و من البيانية و التى بمعنى الباء من باب واحد فان المنظور بهما بيان ما قبل من بما بعدها و عليه فمعنى الاثر اذا امرتكم بشى‏ء فأتوا به ما استطعتم اى فانتم ملزومون للاتيان به ما دامت لكم قدرة على الاتيان به و لا ريب ان هذا المفاد لا ربط له بالمفاد الاول القائم على التبعيض لكن ظهور الجملة مع التبعيض لا مع البيان‏ (و ظهورها فى التبعيض و ان كان مما لا يكاد يخفى إلّا ان كونه بحسب الاجزاء) فى المركبات‏ (غير واضح لاحتمال ان يكون بلحاظ الافراد) بمعنى اذا امرتكم بعام فأتوا من افراده ما استطعتم لكن الحق انه بحسب الاجزاء واضح بل اوضح و احتمال لحاظ الافراد مرجوح‏ (و لو سلم) وضوح كونه بحسب الاجزاء (فلا محيص عن انه) اى الشى‏ء فى قوله (ص) اذا امرتكم بشى‏ء (هاهنا) اى فى مورده الذى ورد فيه و سبب قول النبى (ص) له‏ (بهذا اللحاظ) و هو لحاظ الافراد لا الاجزاء (يراد حيث ورد) قوله (ص) اذا امرتكم بشى‏ء فأتوا منه ما استطعتم‏ (جوابا عن السؤال عن تكرار) فعل‏ (الحج) كل سنة (بعد امره) ص‏ (به) اى بالحج نفسه‏ (فقد روى انه خطب رسول اللّه (ص) فقال ان اللّه كتب عليكم الحج فقام عكاشة و يروى سراقة بن مالك فقال فى كل عام يا رسول اللّه فاعرض عنه حتى اعاد مرتين او ثلاثا فقال ويحك و ما يؤمنك ان اقول نعم و اللّه لو قلت نعم) اى فى كل عام‏ (لوجب) كذلك‏ (و لو وجب) فى كل عام‏ (ما استطعتم) اتيانه فى كل سنة لاحتياج ذلك الى‏

31

نفقة زائدة عن الحضر و قد لا تحصل و الى صحة و قد لا تكون و الى مقارنات مسهلة للفعل و قد لا تتيسر (و لو تركتم) فعل هذا الواجب المكرر (لكفرتم فاتركونى ما تركتكم و انما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم الى انبيائهم فاذا امرتكم بشى‏ء فأتوا منه ما استطعتم) و الحق انه لا شاهد فى مورد الرواية لما يرومه المصنف فانه لم يثبت عن الرسول وجوب تكرار الحج او غيره حتى يكون المراد بقوله اذا امرتكم بشى‏ء الشى‏ء ذا الافراد لا ذا الاجزاء بل الظاهر منه عدم وجوب تكرار الحج لمكان قوله (ص) و ما يؤمنك ان اقول نعم الخ و الحق ان صدر الحديث لا ينجرّ من باب ترتيب مقدمات و اخذ نتيجة الى قول فاذا امرتكم بشى‏ء فاتوا منه ما استطعتم‏ (و اذا نهيتكم عن شى‏ء فاجتنبوه) اذ لا يرتبط به ارتباط لا حق بسابق و متفرع على متفرع عليه كما هو واضح نعم قد يستشم من قوله (ص) فاتركونى ما تركتكم ما يجوز معه تفريع فاذا امرتكم بشى‏ء: الخ: عليه و ذلك ان مفاد قوله (ص) فاتركونى ما تركتكم بقرينة ما قبله هو انى اذا لم اذكر تكليفا بشى‏ء فلا تتكلفوا السؤال عنه انه واجب او ليس بواجب حرام او ليس بحرام و اذا ذكرت لكم تكليف فعل او تكليف ترك فلا تفحصوا منى عن شأنه اما تكليف الفعل فقوموا به اذا استطعتموه جميعا و إلّا فاتوا منه ما استطعتم و اما المنهى عنه فاجتنبوه كذلك فجملتا اذا امرتكم بشى‏ء فاتوا منه ما استطعتم و اذا نهيتكم عن شى‏ء فاجتنبوه من القواعد الشرعية الكلية التى لم يختص بها موردها اصلا و لا يصرفها عن ظاهرها المنعقد لها لو كانت بمجردها بلا سابق عليها و لا لاحق لها (و من ذلك) و هو ان يراد من الشى‏ء فى قوله (ص) اذا امرتكم بشى‏ء هو العام ذو الافراد لا المركب ذو الاجزاء (ظهر الاشكال فى دلالة الثانى) من الآثار الثلاثة السابقة الذكر و هو قوله: الميسور

32

لا يسقط بالمعسور (ايضا) اى لظهور الاشكال فى الاثر الاول‏ (حيث لم يظهر) قوله الميسور لا يسقط بالمعسور (فى عدم سقوط الميسور من الاجزاء بمعسورها) فى المركبات لاحتمال ارادة عدم سقوط الميسور من افراد العام بالمعسور منها) لكن هذا الاحتمال لا يدفع ظهور المدعى فان مدعى الظهور لا يقول انه نص بحيث لا يحتمل فيه غير المركبات و اجزائها (هذا) اشكال‏ (مضافا الى عدم دلالته) اى دلالة قوله لا يسقط (على عدم السقوط لزوما) حتى يكون الاتيان بالميسور واجبا (لعدم اختصاصه) اى الخبر المزبور (بالواجب) بل يشمل بلسانه و بملاكه المستحبات ايضا (و لا مجال معه) اى مع عدم اختصاصه بالواجب‏ (لتوهم دلالته) اى دلالة قوله لا يسقط (على انه) اى عدم السقوط (بنحو اللزوم إلّا ان يكون المراد عدم سقوطه) اى الميسور (بماله من الحكم وجوبا كان او ندبا) فيكون الاتيان بميسور الواجب واجبا و بميسور المندوب مندوبا (بسبب سقوطه) اى الحكم الاعم من الوجوب و الندب‏ (عن المعسور بان تكون قضية الميسور كناية عن عدم سقوطه بحكمه) لا بمعنى عدم سقوطه هو فى نفسه‏ (حيث ان الظاهر من مثله) اى من مثل السياق المزبور (هو ذلك) اى سقوط الموضوع او ثبوته بماله من حكم لا بما هو فى نفسه‏ (كما ان الظاهر من مثل لا ضرر و لا ضرار هو نفى) الموضوع‏ (بما له من تكليف او وضع) كما تقدم الكلام عليه آنفا و يجى‏ء لا حقا (لا انها) اى قضية الميسور (عبارة عن عدم سقوطه بنفسه و بقاءه) هو (على عهدة المكلف كى لا تكون له) اى للحديث‏ (دلالة على جريان القاعدة) اى قاعدة الميسور (فى المستحبات على وجه) و هو اذا اخذ لا يسقط بنحو اللزوم‏ (او لا تكون له دلالة على وجوب الميسور فى الواجبات على) وجه‏ (آخر) و هو اذا اخذ لا يسقط بنحو الرجحان فقط فانه حينئذ لا يدل على وجوب‏

33

الميسور فى الواجبات‏ (فافهم) ذلك جيدا (و اما) الخبر (الثالث) و هو قوله ما لا يدرك كله لا يترك كله‏ (فبعد تسليم ظهور كون الكل) فى قوله لا يدرك كله‏ (فى المجموعى) و هى المركبات ذوات الاجزاء (لا الافرادى) و هو العام ذو الافراد (لا دلالة له الا على رجحان الاتيان بباقى الفعل المأمور به واجبا) كان الفعل المزبور (او مستحبا عند تعذر بعض اجزاءه لظهور الموصول) و هو ما فى قوله ما لا يدرك كله‏ (فيما يعمهما) اى يعم الواجبات و المستحبات اذ لا ظهور لقوله لا يترك فى اللزوم الحتمى بل هو ظاهر فى مطلق رجحان الفعل المتيسر (و ليس ظهور لا يترك) الذى هو جملة خبرية (فى الوجوب لو سلم) ظهورها فيه من باب ان الجمل الخبرية قد تدل على الوجوب و الحرمة بطور اوضح من دلالة صيغة افعل و لا تفعل كما تقدم الكلام على ذلك فى باب الاوامر (موجبا لتخصيصه) اى تخصيص قوله لا يترك‏ (بالواجب) و فيه نظر فان التخصيص المزبور لا بد منه على القول بظهور لا يترك فى الوجوب نعم بتنقيح الملاك يكون المستحب مثل الواجب فى ان ميسوره يكون مستحبا كما ان ميسور الواجب يكون واجبا (لو لم يكن ظهوره) اى ظهور لا يترك‏ (فى الاعم) من الوجوب و الاستحباب و هو مطلق الرجحان و هذه الدعوى تنافى دعوى ظهوره فى الوجوب و انما تصح حيث لا يدعى ظهوره فى الوجوب‏ (قرينة على ارادة خصوص الكراهة) من قوله لا يترك‏ (او مطلق المرجوحية فى النفى) و هو: لا: فى قوله لا يترك فاذا كان اقصى ما يدل عليه لا يترك هو الكراهة او مطلق المرجوحية كان ما يظهر من الحديث مطلق الرجحان الشامل للواجبات و المستحبات جميعا (و كيف كان فليس) قوله لا يترك‏ (ظاهرا فى اللزوم هاهنا) اى فى باب الميسور و المعسور (و لو قيل بظهوره) اى بظهور مثله من الجمل الخبرية (فيه) اى فى اللزوم من وجوب و حرمة (فى غير)

34

(المقام) اى غير هذا الباب المتناول للواجبات و المستحبات كما اسلفناه‏ (ثم انه حيث كان الملاك فى) اجراء (قاعدة الميسور) فى مقام تعذر او تعسر كل العمل و تيسر بعضه‏ (هو صدق الميسور على الباقى عرفا) اذ ليس كل باق ميسورا للكل فى نظر العرف‏ (كانت القاعدة) المزبورة (جارية) لا فقط فى مقام تعذر بعض الاجزاء بل حتى‏ (مع تعذر الشرط ايضا لصدقه) اى الميسور (حقيقة عليه) اى على فاقد الشرط (مع تعذره) اى الشرط (عرفا) قيد لقوله لصدقه‏ (كصدقه) اى الميسور (عليه) اى على الباقى‏ (كذلك) اى عرفا (مع تعذر الجزء فى الجملة) و انما جاء بقيد: فى الجملة: ليشعر ان تعذر بعض الاجزاء لا يصدق معه الباقى و الميسور عرفا (و ان كان فاقد الشرط) يعدّ امرا (مباينا للواجد عقلا) فان واجد الشرط فى نظر العقل مباين لفاقده إلّا ان ذلك لا يضر بالصدق العرفى‏ (و لاجل ذلك) و هو ان الملاك صدق الميسور على الباقى عرفا لا عقلا (ربما لا يكون الباقى الفاقد لمعظم الاجزاء او لركنها موردا لها) اى لقاعدة الميسور (فيما اذا لم يصدق عليه الميسور عرفا و ان كان) الفاقد (غير مباين للواجد عقلا) اذ لا ملاكية بنظر العقل بل بنظر العرف كما سلف مكررا نعم نظر العرف انما يتبع اذا لم يخطئه الشرع فلو خطأه فاعتبر ما ليس بميسور فى نظر العرف ميسورا عنده او ما هو ميسور عند العرف غير ميسور فى نظره كان المتبع هو الشرع لا العرف و ذلك هو ما اشار اليه بقوله‏ (نعم ربما يلحق به) اى بالميسور (شرعا ما لا يعد بميسور عرفا بتخطئته) اى الشرع‏ (للعرف و ان عدم العدّ) اى عدم عدّ العرف للباقى ميسورا للمتعذر او المتعسر (كان لعدم الاطلاع) اى لعدم اطلاع العرف‏ (على ما هو عليه الفاقد من قيامه فى هذا الحال) و هو حال فقد انه لبعض الاجزاء (بتمام ما قام عليه الواجد) لجميع اجزاءه‏ (او) لا اقل‏ (بمعظمه)

35

(فى غير الحال) اى فى غير حال النقصان‏ (و إلّا) اى لو قام الفاقد بتمام ما قام عليه الواجد او بمعظمه‏ (عدّ) الفاقد بوصفه المزبور (انه ميسوره كما ربما يقوم الدليل) الشرعى‏ (على سقوط) اعتبار (ميسور عرفى لذلك اى للتخطئة) اى لتخطئة الشرع العرف‏ (و انه) اى ان ما يعدّه العرف ميسورا (لا يقوم بشى‏ء من ذلك) اى- لا بتمام ما قام عليه الواجد و لا بمعظمه‏ (و بالجملة ما لم يكن دليل) شرعى خاص يقوم‏ (على الاخراج) و انه ليس بميسور و ان عدّه العرف ميسورا (او الالحاق) و انه ميسور و ان عدّه العرف غير ميسور (كان المرجع هو الاطلاق) اى اطلاق دليل الميسور الذى يناط تشخيصه بالعرف‏ (و يستكشف منه) اى من الاطلاق المزبور (ان الباقى) الذى يقال فى حقه انه ميسور (قائم بما يكون المأمور به قائما بتمامه! و بمقدار) مهم بحيث‏ (يوجب ايجابه فى الواجب و استحبابه فى المستحب و اذا قام دليل) شرعى خاص‏ (على احدهما) من الاخراج و الالحاق‏ (فيخرج او يدرج تخطئة او تخصيصا) بأن نقول ان الشارع اخرج هذا الباقى مما يعدّه العرف ميسورا تخصيصا لعموم ما يراه العرف ميسورا لو انه انما اخرجه لخروجه عن الميسور موضوعا فهو من باب التخصص لا التخصيص بخلاف الاول‏ (فى الاول) اى فى الاخراج‏ (و تشريكا) من الشرع فيما يراه ميسورا فى حال ان العرف لا يراه كذلك‏ (فى الحكم) اى فى حكم الميسور العرفى‏ (من دون الاندراج) اى من دون ان يدرجه الشرع فى موضوع الميسور العرفى بحيث يكون ما يراه الشرع ميسورا فردا من افراد الميسور العرفى و داخلا (فى الموضوع) المزبور (فى الثانى) اى فى الادراج‏ (فافهم) ذلك جيدا.

(تذنيب: لا يخفى انه اذا دار الامر بين جزئية شى‏ء او شرطيته و بين مانعيته او قاطعيته)

نظير ان يدور الامر مثلا بين ان يكون التكتف فى الصلاة

36

جزءا منها او شرطا لصحتها و بين ان يكون مانعا من صحتها او قاطعا لها (لكان) الدوران المزبور (من قبيل) الدوران بين‏ (المتباينين) الممكن فيه الاحتياط كما تقدم‏ (و لا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين) غير الممكن فيه الاحتياط و انما كان الدوران المزبور من قبيل الدوران بين المتباينين‏ (لامكان الاحتياط باتيان العمل مرتين مع ذاك الشى‏ء مرة) بأن يتكتف المصلى فى احدى المرتين من صلاته‏ (و بدونه اخرى) بأن يصلى المرة الثانية من غير تكتف فان احدى صلاتيه تصادف الواقع قطعا (كما هو اوضح من ان يخفى) فالتفت لذلك.

خلاصة البحث‏

(1) حكم الدوران بين الاقل و الاكثر الارتباطيين هو الاحتياط بالاكثر عقلا لتحصيل اليقين بالبراءة من التكليف المتيقن و البراءة منه نقلا (2) حكم دوران الامر بين المشروط بشى‏ء و مطلقه حكم الاقل و الاكثر الارتباطيين و لكن حكم دوران الامر بين الخاص المنطقى كالانسان و عامه كالحيوان حكم المتباينين.

(3) الاصل فيما لو احرز جزئية الشى‏ء او شرطيته اجمالا و شكّ هل ان ذلك ثابت حتى فى حال النسيان اولا هو الاحتياط عقلا و البراءة نقلا (4) حكم زيادة الجزء المشكوك اعتبار عدمها فى الواجب حكم الشك فى دخل شى‏ء فى الواجب جزء او شرطا و هو الاحتياط عقلا و البراءة نقلا (5) دوران امر الشرط او الجزء بين ان يكون مأخوذا فى الواجب لو فى حال العجز عنه و بين ان يكون مأخوذا حال التمكن منه فقط و لم يكن هناك ما يعين احد الامرين حكمه البراءة عقلا عن الباقى و الاحتياط بحكم ادلة الميسور.

(6) و حكم دوران الامر بين جزئية شى‏ء او شرطيته و بين مانعيته او قاطعيته حكم المتباينين.

37

(خاتمة فى شرائط الاصول)

النقاط الرئيسية فى البحث‏ (1) هل يشترط فى إعمال الاحتياط شرط اولا

(2) و هل يشترط فى اجراء البراءة شرط اولا

(3) ما هو مفاد ادلة نفى الضرر

بمعنى انه هل يجوز الاحتياط مطلقا او بشرط و هل يجوز اعمال البراءة بمجرد الشك فى الحكم او فى الموضوع او لا بد من الفحص و هكذا القول فى التخيير

(اما الاحتياط:)

(فلا يعتبر فى حسنه شى‏ء اصلا بل يحسن على كل حال) لان به احراز الواقع‏ (إلّا اذا كان موجبا لاختلال النظام) فانه لا يجوز حينئذ (و لا تفاوت فيه) اى فى الاحتياط و حسنه‏ (بين المعاملات) بمعناها الاعم‏ (و العبادات مطلقا) اى‏ (و لو كان) الاحتياط (موجبا للتكرار) اى لتكرار العمل‏ (فيها) لاجل احراز الواقع بالعمل المكرر (و توهم كون التكرار عبثا و لعبا بامر المولى) لان ما تعلق به امره معين فى الواقع لا مردد (و هو) اى كون التكرار موجبا للعبث و اللعب بامر المولى‏ (ينافى قصد الامتثال) فانه يجب ان يتوجه الى عمل بعينه لا الى عمل مردد بين اعمال‏ (المعتبر فى العبادة) فانها بلا قصد امتثال لا تصح‏ (فاسد) خبر لقوله و توهم كون التكرار (لوضوح ان التكرار ربما يكون بداع صحيح عقلائى) و هو ان الفحص الذى يوجب تعين المأمور به من بين محتملات كثيرة ربما يستلزم مشقة و عسرا و يكون التكرار اخف مئونة منه على انه انما يفعل لاجل درك غرض المولى و مثل هذا لا يقال له عبث بل يقال له تورع و تثبت‏ (مع انه لو لم يكن بهذا الداعى) العقلائى الذى بيناه‏ (و كان اصل اتيانه) اى العمل المكرر (بداعى امر مولاه بلا داع له سواه) اى لم يدعه فى اعماله المكررة الا امتثال امر مولاه لا داعى اللعب و العبث‏ (لما) كان‏

38

ذلك منه‏ (ينافى قصد الامتثال) بل هو عين قصد الامتثال‏ (و ان كان لاعبا فى كيفية امتثاله فافهم) قد يكون اشار بذلك الى انه اذا كان متمكنا من الاتيان بما امر به المولى معينا غير مردد و مع ذلك جنح الى المردد حتى لو كان بداعى امر المولى لا يصدق فى حقه انه قاصد للامتثال فى اعماله المكررة بل هو لاعب حتى فى القصد نفسه فيبطل عمله: هذا (بل يحسن) الاحتياط (ايضا) اى لا فقط فى مقام الشك بل حتى‏ (فيما) لو (قامت الحجة على البراءة من التكليف) مثل حديث الرفع و غيره فانه يحسن من المكلف ان يتكلف بما فيه احراز الواقع قطعا و ان لم يكن منجزا عليه‏ (لئلا يقع فيما كان فى مخالفته على تقدير ثبوته) واقعا (من) بيان لقوله فيما كان‏ (المفسدة) على تقدير فعله‏ (و فوت المصلحة) على تقدير تركه‏

(و اما البراءة العقلية:)

التى تتركز على قاعدة قبح العقاب بلا بيان و قبل الفحص عن وجود البيان و عدمه و لو ظاهرا لا يصدق نفى البيان فلا يقبح العقاب معه‏ (فلا يجوز اجراؤها الا بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالحجة على التكليف) التى هى عبارة ثانية عن البيان‏ (لما مرت الاشارة اليه) فى صدر بحث البراءة (من عدم استقلال العقل بها) اى بالبراءة (الا بعدهما) اى بعد الفحص و اليأس عن الظفر بالحجة على التكليف.

(و اما البراءة النقلية:)

المفادة بمثل حديث الرفع‏ (فقضية اطلاق ادلتها) المفيدة لها و قد تقدم سردها فى الاستدلال عليها (و ان كان هو عدم اعتبار الفحص فى جريانها) فان اطلاق رفع ما لا يعلمون شامل لعدم العلم بالحكم قبل الفحص عنه و بعده‏ (كما هو) اى الاطلاق‏ (حالها) اى حال الادلة القائمة على البراءة (فى الشبهات الموضوعية) فان البراءة تجرى فى الشبهة الموضوعية حتى لو امكن الفحص و ازالة الشبهة: و فيه نظر فان اجراء البراءة فى جملة من الشبهات الموضوعية قبل الفحص مخالف للشريعة قطعا ففى بعض فروع النكاح بالشبهة

39

الموضوعية لا يجوز الاقتحام قبل الفحص حذرا من استباحة الفروج المحرمة و كذلك فى مثل الفحص عن حال نفسه انه مستطيع او مالك للنصاب فانه لا يجوز له الاهمال و الاتكال فى مقام الشك فى كونه مستطيعا او مالكا للنصاب على البراءة فى حال انه لو فحص عن موجوديه من المال و الانعام و الاطعمة لتجلى له حال نفسه انه مستطيع او غير مستطيع مالك للنصاب او غير مالك له فان الاهمال بهذه الصورة موجب لمخالفة الواقع كثيرا و هو لا يجتمع مع الشرع قطعا و هكذا لو كان العلم بالموضوع لا يحتاج الى مئونة زائدة فان الاتكال فى مثله على الاصول المبيحة لا يلتئم مع الشرع كمن لا يحتاج اطلاعه على الفجر الا الى النظر فى الافق فان تساهله فى ذلك و اتكاله على استصحاب الليل و هكذا من تردد المائع الذى فى اناءه بين ان يكون ماء مباحا او خمرا فى حال ان طريق احرازه لاحدهما سهل عليه جدا بسؤال من الى جنبه موجب لخروجه عن الدين مرة واحدة كما هو واضح‏ (إلّا انه استدل على اعتباره) اى اعتبار الفحص و اليأس عن الظفر بالحجة على التكليف قبل اجراء البراءة (بالاجماع) على عدم جواز اجراء البراءة قبل الفحص و سيأتى الكلام عليه‏ (و بالعقل) و جهة الاستدلال به‏ (فانه لا مجال لها) اى للبراءة (بدونه) اى بدون الفحص‏ (حيث يعلم اجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث لو تفحص) المكلف‏ (عنه) اى عن التكليف الموجود بين موارد الشبهات‏ (لظفر به) و مع هذا الحيث كيف يجوز له اقتحام كافة الشبهات‏ (و لا يخفى ان الاجماع) المحصل‏ (هاهنا) اى فى هذه المسألة (غير حاصل) حتى يكون حجة (و نقله) اى الاجماع المنقول‏ (لوهنه) فى نفسه كما تقدم القول فيه‏ (بلا طائل) اذ لا حجية فيه‏ (فان تحصيله) اى تحصيل الاجماع على ان يكون كاشفا لرأى الامام‏ (فى مثل هذه المسألة) التى هى‏ (مما للعقل اليه سبيل)

40

(صعب) و جهة صعوبته احتمال ان يكون جملة ممن حصل اجماعهم استند الى العقل فى منعه عن البراءة قبل الفحص و اذا كان الامر كذلك فالاجماع بالصورة المحررة حتى لو حصل لا يكون حجة اذ لا حجية للاجماع فى العقليات و لذلك قال المصنف‏ (لو لم يكن عادة بمستحيل لقوة احتمال ان يكون المستند للجل) من العلماء (لو لا الكل) اى لو لم نقل الكل‏ (هو ما ذكر من حكم العقل) بانه مع العلم اجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث لو تفحص عنه لظفر به لا يجوز الاندفاع للبراءة رأسا (و ان الكلام فى البراءة) عطف على قوله ان الاجماع هاهنا غير حاصل اى و لا يخفى ان الكلام فى البراءة (فيما لم يكن هناك علم) اجمالى‏ (موجب) للتنجز اذ مع وجود علم اجمالى منجز لا قائل بالبراءة اصلا فان قيل تضمن الدليل العقلى الآنف العلم اجمالا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث لو تفحص عنه لظفر به و هو موجب للتنجز فقال لا ايجاب للتنجز فيه‏ (اما لانحلال العلم الاجمالى) بثبوت التكليف بين موارد الشبهات‏ (بالظفر به بالمقدار المعلوم بالاجمال) فهذا المقدار الذى ظفر به من التكليف ينحل العلم الاجمالى السابق الى علم تفصيلى و شك بدوى و نحن انما نجرى البراءة فى هذه الشكوك البدوية (او) لا نقول بانحلال العلم الاجمالى الانف و لكن نقول باننا انما نجرى البراءة فى موارد الشبهة (لعدم الابتلاء إلّا بما لا يكون) من موارد الشبهة (بينها علم بالتكليف) فالمبتلى به‏ (من موارد الشبهات) لا علم لنا بوجود التكليف فى ضمنه‏ (و لو) كان انما نشأ ذلك‏ (لعدم الالتفات) منا (اليها) اى الى موارد الشبهات المرة بان لا يحصل لنا التفات الى ما نبتلى به انه شبهة او غير شبهة لكن من لازم هذا الفرض كون المكلف بعيدا و اجنبيا عن الدين بالمرة نظير جملة من وحوش سكان البوادى او البعيدين عن الامم المتدينة

41

و ان ملكوا شيئا من الحضارة (فالاولى الاستدلال للوجوب) اى وجوب الفحص قبل اجراء البراءة (بما دل من الآيات و الاخبار على وجوب التفقه) فى الدين‏ (و التعلم) لاحكام الشريعة (و) دل على‏ (المؤاخذة على ترك التعلم فى مقام الاعتذار) من المكلف‏ (عن عدم العمل بعدم العلم) اى يعتذر المكلف عن عدم عمله بانه لا يعلم التكليف بما عوتب عليه‏ (بقوله تعالى) متعلق بقوله و المؤاخذة (كما فى الخبر) الوارد تفسيرا لآية: فللّه الحجة البالغة: (هلا تعلمت) المفيد للتأنيب و الاستنكار (فيقيد بها) اى بالآيات و الروايات المزبورة كل ما دل على البراءة من‏ (اخبار البراءة لقوة ظهورها) اي ظهور الآيات و الروايات مثل هلّا تعلمت‏ (فى ان المؤاخذة و الاحتجاج) من اللّه على عبده‏ (ب-) سبب‏ (ترك التعلم فيما لم يعلم) اى انه مؤاخذ على جهله لتركه التعلم الموجب لرفع جهالته‏ (لا) ان المؤاخذة (ب-) سبب‏ (ترك العمل فيما علم وجوبه و لو اجمالا) المنجز هذا العلم الاجمالى عليه و لم يقم بموجبه و عليه‏ (فلا مجال للتوفيق) بين ما دل على الاستنكار على عدم التعلم و بين اخبار البراءة (بحمل هذه الاخبار) الدالة على الاستنكار على عدم التعلم‏ (على ما اذا علم اجمالا) و لم يقم بموجب علمه الاجمالى اذ لا معنى لهذا التوفيق بعد وضوح دلالة الاخبار المستنكرة على عدم التعلم لا على عدم العمل بما علم كما هو واضح‏ (فافهم) ذلك جيدا (و لا يخفى اعتبار) لزوم‏ (الفحص فى التخيير العقلى ايضا) اى كما فى البراءة العقلية فان التخيير العقلى انما يجوز حيث لا بيان على احد عدلى التخيير و مع وجود البيان الشرعى على احدهما لا مجال للتخيير عقلا (بعين ما ذكر فى البراءة) العقلية (فلا تغفل) عما اسلفناه.

(و لا بأس بصرف الكلام فى بيان بعض ما للعمل بالبراءة قبل الفحص) عن البيان الشرعى فى المورد (من التبعة) على الاقدام على‏

42

العمل بالبراءة لو صادف مخالفة الواقع او مطلقا كما سيجى‏ء (و الاحكام) بوجوب اعادة ما اتى به اذا لم يدرك الواقع بالبيان الذى يجى‏ء (اما) الكلام فى‏ (التبعة فلا شبهة فى استحقاق العقوبة على المخالفة) للواقع‏ (فيما اذا كان ترك التعلم و الفحص مؤديا اليها) اى الى المخالفة (فانها) اى المخالفة (و ان كانت مغفولة) غير ملتفت اليها (حينها) اى حين المخالفة لان المكلف لو كان ملتفتا اليها لما اجرى البراءة قطعا و لما عمل على موجبها و لكنه لغفلته عن الواقع بالمرة اذ أهمل طريق التعلم الموفى على تميز الواقع من عدمه لم ير في حق نفسه الا البراءة (و) هكذا كانت المخالفة للواقع بسبب اهمال طرق التعلم‏ (بلا اختيار) اى حصلت المخالفة منه لا من طريق اختياره للمخالفة بل عفوا (إلّا انها منتهية الى الاختيار) بتركه التعلم المسبب للوقوع فى مخالفة الواقع كثيرا (و هو) اى انتهاؤه الى الاختيار (كاف فى صحة العقوبة) من المولى له‏ (بل مجرد تركهما) اى ترك التعلم و الفحص‏ (كاف فى صحتها) اى العقوبة (و ان لم يكن) ترك التعلم و الفحص‏ (مؤديا الى المخالفة) للواقع‏ (مع احتماله) اى مع احتمال المكلف ان تركه لهما مما يؤدى الى المخالفة كثيرا فانه يعاقب حتى فى هذه الصورة (لاجل التجرى و عدم المبالات بها) اى بمخالفة الواقع اذ لو كان مباليا بها لما أهمل طرق التعلم و الفحص‏ (نعم يشكل) وجوب التعلم و الفحص و العقاب على تركهما (فى الواجب المشروط) قبل حصول شرطه بناء على ان وجوبه معلق على الشرط لا ان وجوبه مطلق و الواجب مشروط به كما هو رأى الشيخ (قدس سره) على ما سبق فى بحث مقدمة الواجب‏ (و) هكذا يشكل فى الواجب‏ (الموقت) قبل حضور وقته‏ (و لو ادى تركهما) اى ترك التعلم و الفحص عما يتعلق بالمشروط و الموقت‏ (قبل) حصول‏ (الشرط و الوقت) الجالبين لوجوب الواجب‏ (الى المخالفة بعدهما) اى‏

43

بعد حصول الشرط و حضور الوقت لعدم التمكن بعدهما من التعلم و الفحص و لضيق الوقت عن ذلك‏ (فضلا عما اذا لم يؤد اليها) اى الى المخالفة فاذا كان استحقاق العقاب على ترك التعلم و الفحص فيهما قبل الشرط و الوقت و لو ادى ذلك الى المخالفة بعدهما محل اشكال فاجدر بقوة الاشكال فيما اذا لم يؤد الترك الى المخالفة بل كان فيه محض التجرى و عدم المبالات بها: و انما يشكل فى الواجب المشروط و الموقت‏ (حيث لا يكون حينئذ) اى اذ يترك التعلم و الفحص‏ (تكليف فعلى) بهما (اصلا لا قبلهما) اى لا قبل حصول الشرط و حضور الوقت‏ (و هو واضح) لانه لا وجوب لهما قبل حصولهما فكيف يجب التعلم الذى هو مقدمة لهما (و لا بعدهما) اى بعد حصول الشرط و حضور الوقت‏ (و هو كذلك) اى واضح و ذلك‏ (لعدم التمكن منه) اى من التعلم‏ (بسبب الغفلة) عن اصل التعلم لانه لو كان ملتفتا الى ان تعلمه لتكاليفه ضربة لازب عليه حتى لا يقع فى شرك المخالفة لساق نفسه الى التعلم حتى قبل حصول الشرط و حضور الوقت حذرا من فوات الواقع المنجز عليه و لو بعد حين و خوفا من مؤاخذته على الاهمال و عدم المبالاة و تهيبا من عدم قدرته على تعلم ما يلزمه بعد حصول الشرط و حضور الوقت اما لعدم المعلم حينذاك او لتكلفه اكثر من اللازم او لقصور الوقت عنه و ما الى ذلك من المحاذير التى تتردد فى نفس المكلف المحتاط لدينه الهائب لمولاه الخائف من مؤاخذته‏ (و لذا) اى من طريق الاشكال فى الواجب المشروط و الموقت‏ (التجأ المحقق الاردبيلى و صاحب المدارك (قدس سرهما) الى الالتزام بوجوب التفقه و التعلم نفسيا تهيئيا) لا مقدميا غيريا (فتكون العقوبة) حينئذ (على ترك التعلم نفسه لا على ما ادى اليه من المخالفة فلا اشكال حينئذ) حتى‏ (فى المشروط و الموقت و يسهل بذلك) اى بالالتزام‏

44

بكون وجوب التعلم نفسيا لا غيريا (الامر فى غيرهما) اى غير المشروط و الموقت‏ (لو صعب على احد) ان يصدق صحة العقوبة على ما لا بالاختيار اذا كان منتهيا الى ما بالاختيار: (أو لم تصدق) رأسا (كفاية الانتهاء الى الاختيار فى استحقاق العقوبة على ما كان فعلا) اى حين المخالفة للواقع‏ (مغفولا عنه) غير ملتفت اليه اصلا (و) كان حينذاك‏ (ليس بالاختيار) و جهة السهولة حينئذ ان المكلف التارك للتعلم انما يعاقب على تركه للتعلم لا على ما يؤدى الترك المزبور اليه من مخالفة الواقع او عدم المبالات بها (و لا يخفى انه لا يكاد ينحل هذا الاشكال) الذى حررناه فى الواجب المشروط و الموقت‏ (إلّا بذلك) اى بالتزام كون التعلم فى نفسه واجبا لا بغيره‏ (او) ب- (الالتزام بكون المشروط و الموقت) واجبا (مطلقا) وجوبه من الشرط و الوقت و يكون نفس الواجب‏ (معلقا) على الشرط و الوقت نظير مقالة الشيخ (قدس سره) فى الواجب المشروط ان وجوبه حالى لكن زمن ايجاد الواجب فى الخارج استقبالى‏ (لكنه) اى لكن هذا الواجب المشروط و الموقت الذى هو من ناحية وجوبه مطلق يشمل ما قبل الشرط و الوقت و من ناحية ذات الواجب معلق على الشرط و الوقت‏ (قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته الوجودية عقلا بالوجوب قبل الشرط او الوقت غير التعلم فيكون الايجاب) للتعلم‏ (حاليا و ان كان) زمن ايجاد عمل‏ (الواجب) فى الخارج‏ (استقباليا قد اخذ) هذا الواجب‏ (على نحو لا يكاد يتصف بالوجوب شرطه) لانه مأخوذ بنحو القضية الاتفاقية و الشرط المأخوذ بنحو الاتفاق لا يجب قطعا كما سلف بيانه مفصلا فى مباحث مقدمة الواجب‏ (و لا غير التعلم من مقدماته قبل) حصول‏ (شرطه او) حضور (وقته) فان قلت لم قال لكنه قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته الوجودية عقلا بالوجوب قبل الشرط او الوقت‏

45

غير التعلم بعد فرضه الالتزام بكون المشروط من المطلق المعلق الذى يكون وجوبه حاليا و ان كان زمن الواجب استقباليا فان هذا عين مبنى الشيخ فى الواجب المشروط و على هذا تتصف المقدمات الوجودية بالوجوب قبل الشرط لا انها لا تتصف قلت اراد المصنف بتصويره الذى ذكره طريق فرار عن لزوم الاشكال فى الواجب المشروط و الموقت لا الاعتراف بمبنى الشيخ (قدس سره) و يكفيه فى الفرار عن الاشكال ما ذكره هنا لكنه (رحمه اللّه) متطرف باختراعه هذا الطريق المخالف لمبنى الشيخ فى جملة منه و لمبنى المشهور فى الواجب المشروط (و اما لو قيل بعدم الايجاب) للواجب المشروط و الموقت‏ (الا بعد) حصول‏ (الشرط و) حضور (الوقت كما هو ظاهر الادلة و فتاوى المشهور فلا محيص عن) اختيار (الالتزام بكون وجوب التعلم نفسيا) لا غيريا (لتكون العقوبة لو قيل بها على تركه) اى التعلم نفسه‏ (لا على ما ادى اليه من المخالفة) للواقع‏ (و لا بأس به) اى بهذا الالتزام للتخلص عن الاشكال الانف‏ (كما لا يخفى و لا ينافيه) اى لا ينافى الالتزام بكون التعلم واجبا نفسيا (ما يظهر من الاخبار من كون وجوب التعلم انما هو لغيره لا لنفسه) فاذا كان كذلك لا يكون معنى لوجوبه النفسى فاجاب عن عدم المنافاة بقوله ان الواجب لغيره لا يلزم ان يكون واجبا غيريا يترشح عليه الوجوب من الغير فان نوع الواجبات النفسية انما وجبت للغايات المترتبة عليها كالصلاة التى لا ريب فى ان وجوبها نفسى انما وجبت لما يترتب عليها من المعراجية و القربانية و النهى عن الفحشاء الى غير ذلك و هكذا يقال فى وجوب التعلم‏ (حيث ان وجوبه لغيره لا يوجب كونه واجبا غيريا يترشح وجوبه من وجوب غيره فيكون) حينئذ (مقدميا بل) وجوبه نفسى‏ (للتهيؤ لايجابه) اى لايجاب الغير فهو فى نفسه واجب و الغير الذى يتهيأ له به فى نفسه واجب ايضا و لا منافاة (فافهم) ذلك جيدا

46

(و اما الاحكام) للمورد الذى تجرى فيه البراءة قبل الفحص‏ (فلا اشكال فى وجوب الاعادة فى صورة المخالفة) للواقع‏ (بل) لا اشكال فى وجوب الاعادة حتى‏ (فى صورة الموافقة) للواقع‏ (ايضا فى العبادة) التى لا يكفى فى امتثالها مجرد ايجادها فى الخارج بل لا بد فيه من قصد القربة و ذلك‏ (فيما لا يتأتى منه قصد القربة) بان اتى بالفعل الذى صادف الواقع لا بعنوان انه الواقع او انه المأمور به بل اتى به جزافا (و ذلك) اى و انما تجب الاعادة فى كل ذلك‏ (لعدم الاتيان بالمأمور به مع عدم دليل) شرعى‏ (على الصحة و الاجزاء الا) فى موردين‏ (فى الاتمام فى موضع القصر) ففى صحيح زرارة و محمد بن مسلم قالا قلنا لابى جعفر (ع) رجل صلى فى السفر اربعا أ يعيد ام لا قال‏ (ع) ان كان قرأت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى اربعا اعاد و ان لم يكن قرأت عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه‏ (او الاجهار او الاخفات فى موضع الآخر) ففى صحيح زرارة عن ابى جعفر (ع) عن رجل جهر فيما لا ينبغى الاجهار فيه و اخفى فيما لا ينبغى الاخفاء فيه فقال (عليه السلام) اىّ ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته و عليه الاعادة فان فعل ذلك ناسيا او ساهيا او لا يدرى فلا شى‏ء عليه و قد تمت صلاته‏ (فورد فى الصحيح) كما اسلفناه‏ (و قد افتى به المشهور صحة الصلاة و تماميتها فى الموضعين) الاتمام فى موضع القصر و الاجهار او الاخفات فى موضع الآخر (مع الجهل مطلقا) اى و حتى‏ (لو كان عن تقصير موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الصلاة المأمور بها لان ما اتى بها و ان صحت و تمت) بقبول الشرع لها (إلّا انها ليست بمأمور بها) فان المأمور به فى السفر هو القصر و فى موضع الجهر هو الاجهار لا الاخفات و لا الاعم منهما و بالعكس‏ (ان قلت كيف يحكم بصحتها مع عدم الامر بها و كيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة التى امر بها) مطلقا اى‏ (حتى فيما اذا تمكن مما امر بها) بأن كان‏

47

الوقت متسعا لاعادة ما صلاه تماما قصرا و ما صلاه اخفاتا جهرا و بالعكس‏ (كما هو) اى اطلاق القول باستحقاق العقوبة مطلقا (ظاهر اطلاقاتهم بان علم بوجوب القصر او الجهر بعد الاتمام و الاخفات و قد بقى من الوقت مقدار اعادتها قصرا او جهرا ضرورة انه لا تقصير هاهنا) و هو ما لو تمكن من اعادتها على الوجه الصحيح فى فسحة الوقت‏ (يوجب استحقاق العقوبة و بالجملة) اجمال بعد تفصيل‏ (كيف يحكم بالصحة بدون الامر و كيف يحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة لو لا الحكم شرعا بسقوطها) اى الاعادة (و صحة ما اتى بها) و ان لم تكن مأمورا بها (قلت) فى وجه التعليل عما ورد فى الشرع‏ (انما حكم بالصحة لاجل اشتمالها) اى الصلاة التامة فى موضع القصر و الاخفاتية فى مكان الجهر (على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء فى نفسها مهمة فى حد ذاتها و ان كانت) مصلحتها (دون) و اقل من‏ (مصلحة الجهر و القصر و انما لم يؤمر بها لاجل انه امر بما كانت واجدة لتلك المصلحة) باضافة ان الوجدان المزبور كان‏ (على النحو الاكمل و الاتم) فما دام للامر بالاكمل و الاتم مجال لا يكون مجال للامر بالناقص هذا من ناحية التعليل عن جهة حكم الشرع بصحة الصلاة التامة فى السفر و الاخفات فى مكان الجهر (و اما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة فانها) اى الاعادة تكون‏ (بلا فائدة) و ذلك‏ (اذ مع استيفاء تلك المصلحة) الموجودة فى القصر بفعل صلاة التمام و لو بنحو ناقص‏ (لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التى كانت فى المأمور بها) لان ما يبقى من شوب المصلحة فى المأمور به غير قابل للتدارك مع فعل الناقص نسبة (و لذا اتى بها) اى بالناقصة المصلحة (فى موضع الآخر) و هو التام المصلحة (جهلا مع تمكنه من التعلم فقد قصر) فى تركه للتعلم و صحّ ما اتى به لقيامه بالمصلحة اللازمة الاستيفاء و ان قلّت بالنسبة الى التام إلّا

48

ان الناقص غير قابل للجبران‏ (و لو علم بعده) اى بعد الاتيان بالناقص المصلحة (و قد وسع الوقت) لاعادة العمل تاما اذ لا يقع هذا التام الا مسلوب المنفعة لقيام العمل السابق بها (فانقدح) من مجموع ما بيناه‏ (انه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الاتمام و لا من الجهر كذلك) اى صحيحة (بعد فعل صلاة الاخفات و ان كان الوقت باقيا) و سرّه ان المنفعة التى فى المعاد مستوفاة فى العمل السابق عليه‏ (ان قلت على هذا) و هو كون فعل صلاة الاتمام يقع صحيحا مع تفويته لمصلحة القصر (يكون كل منهما فى موضع الآخر) الاتمام فى موضع القصر و بالعكس و الاخفات فى مكان الجهر و بالعكس‏ (سببا لتفويت الواجب فعلا) اى الواجب الفعلى و هو القصر فى السفر و الاتمام فى الحضر و الجهر فى صلوات الصبح و المغرب و العشاء و الاخفات فى الظهرين‏ (و ما هو السبب لتفويت الواجب كذلك) اى الفعلى‏ (حرام و حرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام) فكيف مع ذلك يحكم بصحة الاتمام جهلا و لو تقصيرا فى السفر و الاخفات فى مكان الجهر (قلت ليس) احدهما (سببا لذلك) اى لتفويت الآخر (غايته انه يكون مضادا له و قد حققنا فى محله) و هو مبحث الضد (ان الضد و عدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف اصلا) حتى يفسد احدهما فى مكان الآخر (لا يقال على هذا) و هو ان صحة الاتمام فى موضع القصر انما كانت لقيام الاتمام بالمصلحة كقيام القصر بها و ان كان قيام القصر بها فى السفر اكمل و اتم‏ (فلو صلى تماما او صلى اخفاتا فى موضع القصر و الجهر مع العلم بوجوبهما) اى وجوب القصر فى السفر و الجهر فى صلوات الصبح و العشاءين‏ (فى موضعهما لكانت صلاته صحيحة) لقيامها بالمصلحة (و ان عوقب على) مجرد (مخالفة الامر بالقصر او الجهر: فانه يقال: لا بأس بالقول به) من حيث الاعتبار العقلى و لكن‏ (لو دل دليل) شرعى‏

49

(على انها) اى صلاة الاتمام مثلا (تكون مشتملة على المصلحة) التى فى القصر (و لو مع العلم) بان تكليف المسافر هو القصر (لاحتمال اختصاص ان تكون كذلك) اى تكون صلاة الاتمام فى السفر مشتملة على مصلحة صلاة القصر (فى صورة الجهل) فقط لا مطلقا (و لا بعد اصلا فى اختلاف الحال فيها) عند الشارع‏ (باختلاف حالتى العلم بوجوب شى‏ء) فلا يشتمل ما يؤتى به فى حالة العلم على مصلحة ما لم يؤت به‏ (و الجهل به) فيشتمل على ذلك‏ (كما لا يخفى:

و قد صار بعض الفحول) و هو الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء (بصدد بيان امكان كون المأتى) به‏ (فى غير موضعه) كالاتمام فى موضع القصر و الاخفات فى مكان الجهر (مأمورا به بنحو الترتب) و كون الواجب على المكلف اولا هو القصر و عند العصيان و ترك الصلاة المقصورة و لو لجهله بالحكم يجب عليه الاتمام: و بما ان المصنف من نفاة الترتب رأسا اشار الى بطلان ما ذهب اليه الشيخ بقوله‏ (و قد حققنا فى مبحث الضد امتناع الامر بالضدين مطلقا) اى‏ (و لو بنحو الترتب بما لا مزيد عليه فلا نعيد) و لكن المقدس النائينى (قدس سره) يرى ان رأى الشيخ اجنبى عن الخطاب الترتبى بالمرة و ذلك حيث يقول و فيه ان المقام اجنبى عن الخطاب الترتبى و لا يندرج فى ذاك الباب لانه يعتبر فى الخطاب الترتبى ان يكون كل من متعلق الخطابين واجدا لتمام ما هو الملاك و مناط الحكم بلا قصور لاحدهما فى ذلك و يكون المانع عن تعلق الامر بكل منهما هو عدم القدرة على الجمع بين المتعلقين فى الامتثال لما بين المتعلقين من التضاد و المقام ليس من هذا القبيل لعدم ثبوت الملاك فى كل من القصر و الاتمام و إلّا لتعلق الامر بكل منهما لامكان الجمع بينهما و ليسا كالضدين فعدم تعلق الامر بكل منهما يكون كاشفا قطعيا عن عدم قيام الملاك فيهما هذا مع انه يعتبر فى الخطاب الترتبى ان يكون خطاب المهم مشروطا بعصيان خطاب الاهم‏

50

و فى المقام لا يمكن ذلك اذ لا يعقل ان يخاطب التارك للقصر بعنوان العاصى فانه لا يلتفت الى هذا العنوان لجهله بالحكم و لو التفت الى عصيانه لخرج عن عنوان الجاهل و لا تصح منه الصلاة التامة- اه- و فى جملة مما بينه‏ (ره) قوة و متانة.

(ثم انه ذكر لاصل البراءة شرطان آخران)

و الذاكر هو الفاضل التونى فى شرحه على الوافية و المنظور بقوله شرطان آخران اى غير شرط الفحص‏

(احدهما ان لا يكون) اجراء اصل البراءة (موجبا لثبوت حكم شرعى من جهة اخرى)

كما اذا علم نجاسة احد الإناءين و اشتبه بالآخر فان الاستدلال باصالة عدم وجوب الاجتناب عن احدهما بعينه لو صح يستلزم وجوب الاجتناب عن الآخر و كذا فى الثوبين المشتبه طاهرهما بنجسهما و الزوجة المشتبهة بالاجنبية و الحلال المشتبه بالحرام المحصور و نحو ذلك فذلك كله لا يجوز لانه اثبات حكم بلا دليل هذا خلاصة ما حكى عنه فى الشرط الاول‏

(ثانيهما ان لا يكون) اجراء الاصل‏ (موجبا للضرر على آخر)

قال (رحمه اللّه) فى شرح الوافية ثانى الشروط ان لا يتضرر بسبب التمسك بالاصل مسلم او من فى حكمه مثلا اذا فتح انسان قفصا لطائر فطار او حبس شاة فمات ولدها او امسك رجلا فهربت دابته و ضلت او نحو ذلك فانه لا يصح حينئذ التمسك ببراة الذمة بل ينبغى للمفتى التوقف عن الافتاء و لصاحب الواقعة الصلح اذا لم يكن منصوصا بنص خاص او عام لاحتمال اندراج مثل هذه الصورة فى قوله لا ضرر و لا ضرار انتهى ملخصا فتعرض المصنف و غيره لرده و احسن من رد عليه بالنسبة الى الشرط الاول هو المحقق النائينى (قدس سره) فانه قال ان كان المراد منه ان اصالة البراءة لا تثبت اللوازم و الاحكام المترتبة على نفى الحكم بالبراءتين العقلية و