علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
5

مقدمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة على محمد و آله الطاهرين.

لا قائد كالتوفيق‏

للتوفيق معان، منها المصادفة، و منها السداد و النجاح، و مرادي هنا من التوفيق الموافقة من اللّه سبحانه على ما طلبت و سألت أن يمدني بعونه لإتمام هذا الكتاب كما أعانني على غيره مما كتبت و نشرت، فوافق، جلت حكمته، و استجاب و لكن بشرطه و شروطه من الاتكال عليه وحده، و بذل غاية الجهد، و الصبر و الثبات مع رعاية سائر الأسباب.

و روي أن التلاميذ سألوا يوما استاذهم: هل لديك وصف للنجاح؟ فقال:

أجل، الذكاء و الطاقة، و انصراف التلميذ بكل كيانه الى الدرس. و لك أن تطبق هذه القاعدة على كل من يريد النجاح في عمل من أعماله. و في مكتبتي قطعة فنية، و فيها حكمة غالية، كتبها بوصية مني متفوق في الخط، أقرأها في كل لحظة، و أنا أبحث و أفكر و أكتب، و هذه عظتها: «الليل و النهار يعملان فيك فاعمل فيهما».

6

فقه الإمام‏

في أول المقدمة لكتاب فقه الإمام جعفر الصادق (ع) بينت بأوضح عبارة و أطولها أن الهدف منه هو مجرد التيسير و التسهيل على من يجهل هذا الكنز الثمين، و يرغب في معرفته، و لا يجد اليها سبيلا، لأن المراجع الأصيلة في هذا العلم تفتقر الى مترجم عملاق في حل الألغاز و الطلاسم، و كتاب «فقه الإمام» حطّم هذا الطلسم، و كشف ستره و أمره، و أي كتاب لا يأتي بجديد مفيد، أو يذلل الصعب القديم فمآله النسيان و الهجران.

و حدثني أمين في قوله و فعله أنه حضر مجلسا أثنى فيه عبد من عباد اللّه على كتاب «فقه الإمام» بقصد التقرب الى اللّه. فقال شيخ خادش كان مع الحاضرين:

و ما ذا فيه غير الترديد لما قال الفقهاء؟ نطق الشيخ بهذا و هو يعلم أن السلف كصاحب الجواهر و الحدائق و المسالك و غيرهم كثير قد ألفوا في الفقه و كرروا و رددوا ما مضى القول فيه من السابقين الأولين، لأن طبيعة الموضوع تضطرهم الى ذلك.

و ليس من شك اني لو جئت بما لا يعرفه أحد من الفقهاء لطار الشيخ فرحا و قال: تعالوا و انظروا يا ناس ما فعل مغنية! لقد أحيا البدع، و أمات السنن!

نظرة واحدة الى دفاتر (دار العلم للملايين) يعرف الناظر الى أين بلغ هذا الكتاب من النجاح و الرواج. طلبته الجامعات في أمريكا و أوروبا، و اشتراه المستشرقون و المحامون و القضاة و غيرهم من شتى الفئات، و لكن جناب الشيخ الخادش لا يهمه أن ينتشر فقه أهل البيت (ع) و يروج علم الإمام الصادق، و كل همه و اهتمامه أن لا يذكر بخير سواه! عافاه اللّه و شافاه، و سامحني و إياه.

أجل، لقد احتكمت في الفقه و أصوله الى ما احتكم اليه الأئمة و الأقطاب من الأولين و الآخرين، الى كتاب اللّه و سنة نبيه الكريم و ما يرجع اليهما، فإن كان عند الشيخ ما وراء ذلك من شي‏ء فليدلنا عليه!

و بعد، فإن كان شي‏ء يسوغ نسبته إليّ فهو تطوير الأسلوب و أداء الفقه في ثوب جديد يفي بكل متطلبات القارئ المعاصر، و حتى الآن يتوحد كتابي و يتفرد في هذا الباب. و الفضل لمن يخص بفضله من يشاء من عباده و اللّه ذو الفضل العظيم.

7

هذا الكتاب‏

أما الغاية من كتابي هذا فهي نفس الغاية من كتاب فقه الإمام: البساطة و التيسير و تمهيد الطريق الواضح أمام الطالب و الراغب، لا الظهور أو الإظهار بالتبحر و التعمق، على انه يبرز أعمق الأفكار و أشدها صعوبة، بل و يناقشها أيضا بأسهل عبارة و أيسرها على الأفهام.

إن أكثر من ألّف في علم الأصول كتب و ألّف للأستاذ و العالم لا للطالب و المثقف و المتعلم، و فوق ذلك فإن الكثير منهم كانوا يتصورون و يسجلون على الورق كل ما يمر بخيالهم حتى اللمعة البارقة و اللحظة الخاطفة، و حتى لو كان بينها و بين الفقه و استنباطه بعد المشرقين ... و لا شي‏ء أوسع من الخيال، و أيضا لا شي‏ء أكثر من أخطائه.

و حاولت ما أمكن أن أقتصر على ما يصدق عليه اسم أصول الفقه و كفى، و لا أتجاوز هذا الحد إلا بقصد تفهيم الطالب لأهم ما تعرض له الأصوليون، و لا يعذر في جهله، و جعلت نصب عيني قوله تعالى: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏- 190 البقرة» و ان انحرفت لغير ذلك فعن غير قصد، بل بحكم الجو و التربية المدرسية و المشاركة في المهنة .. و أيضا من جملة ما حاولت أن يكون أسلوب هذه الصفحات مثالا يحتذيه أستاذ الأصول على مثال الأستاذ المعاصر كما يفتح مضمونها أمام التلميذ باب الفهم لآراء الأقطاب و عباراتهم المطلسمة.

الاستاذ المعاصر

و لست أعني بالأستاذ المعاصر من يحمل شهادة عليا في التربية و التعليم، كلا و انما أردت من يحكي للطالب- قبل أن يفتح الكتاب- و يروي له قصة ما سيلقيه عليه، و يبين موضوعه و حدوده و ما يهدف اليه، و يحاول جاهدا أن يدخل الطالب في جو الدرس و ما يدور حوله من نقاط و محتويات قبل أن يأخذ بالفروع و التفاصيل.

أما أن يفتتح البيان «بأن قلت قلت» و يفرغ كل ما لديه من كلمات و تصورات‏

8

قيل أن يطرح الفكرة بوضوح، أو قبل أن يعرف الطالب ما ذا قيل و يقال- أما هذا الأسلوب الخانق فتتلاشى معه رغبة التلميذ و تتبخر مع الريح، و يرى الدرس جحيما، و ييأس منه و من فهمه.

يقرأ الطالب النجفي أو القمي من علم الأصول كتاب: المعالم، و الكفاية، و الكتاب المعروف (بالرسائل)، و يمضي في ذلك سنوات خمسا أو أكثر أو أدنى من ذلك، و تنعكس في مخيلته بعض الصور عن أصول الفقه. و قد يترك الدرس لسبب أو لآخر، فتذهب تلك الصور مع الأيام اذا لم يتابع المطالعة و المراجعة. و لو كان قد أتيح له أستاذ معاصر بالمعنى المراد طوال المدة التي قضاها مع الكتب الثلاثة لاختزن عقله الكثير مما استمع اليه و انتفع به من قبل. إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.

اقرأ على مهل‏

و أكثر ما في هذه الصفحات من وحي ما قرأته في الكتب الصعبة و هوامشها، لا من وحي ما سمعت و كفى .. قرأت الكثير الكثير، و أنا مدين بكل ما كتبت و نشرت لكل من قرأت حتى لأهل الطلاسم و الألغاز، و كنت و ما زلت اذا صادفتني كلمة مطلسمة و عبارة مظلمة أصبر عليها صبر العاشق الولهان .. و لا أفر منها، و لا استسلم لوصيدها و تعقيدها، و إذا لم أبلغ منها ما أريد تركتها يوما أو بعض يوم، ثم أسرع الكرّة عليها المرة تلو المرة حتى أفهم، و متى فهمت سخرت من نفسي كيف تبلدت مع أن العبارة لم تكن صعبة كما كنت أتصور!

و أخيرا تعلمت من تجربتي أن ما من أحد يتعمد الفهم و العلم إلا و يأخذ منه بطرف. قال الإمام أمير المؤمنين (ع): من طلب شيئا ناله أو بعضه. و نصيحتي لكل قارئ و طالب أن يقرأ على مهل، و لا يتعجل النهاية، و أن يصبر و لا ييأس و ان طال به الأمد. و هذا أول درس في طريق النجاح.

العبرة بالكيف لا بالكم‏

ربما يقول قائل بنية صالحة أو طالحة: لو كان الكتاب أضخم لكان أعز و أكرم.

9

و جوابي أن العبرة بالكيف لا بالكم، و بعدد القراء المنتفعين لا بتكثير الصفحات و أرقامها، و كل كتاب غير مقروء فهو و المدفون بمنزلة سواء حتى و لو كانت كلماته آيات تهدي للتي هي أقوم. و في طاقتي أن ألخص و أوضح كل ما في القوانين و الفصول و تقريرات الانصاري و النائيني و حاشية التقي، و كل ما جاء في المستصفى و فواتح الرحموت و جامع الجوامع و شروحه و التحرير و كشف الأسرار الذي يشبه في طوله و عرضه الغدير و البحار ... الى غير ذلك من المجلدات و الأسفار.

و لكن من يقرأ؟ و إذا وجد قارئ فأية جدوى من قراءة ما لا رابط بينه و بين الفقه و العلم و لو بمقدار حبة خردل.

ثم أنا بدوري أسأل هذا القائل: هل تعرف الآن لهذه الكتب الضخام من قراء؟ و كم هو عددهم؟ و هل أنت أحدهم؟ ان كتابي هذا يتشوق كثيرا إلى القراء من كل صنف، و بالخصوص أولادنا و شبابنا الذين ستكون لهم الكلمة الأولى في الدين غدا أو بعد غد، و أتمنى أن يشتاقوا لكتابي كما يشتاق اليهم، و هل من سبيل الى التشويق و الترغيب سوى التركيز و الوضوح و الاختصار؟

أنا أعرف الشباب و مقدار رغبتهم في المطالعة و المراجعة، و أعرف أن الكثير منهم يكتفي من الكتاب بتقليب صفحاته دون أن يقرأ و يتأمل، ثم يلقيه جانبا، أنا أعرف ذلك، و تعلمت من معرفتي كيف أحتال لتشويقهم الى قراءة ما أكتب ...

انهم يريدون فكرة صافية، و لغة واضحة، و سرعة نافعة، لأنهم يضنّون بالجهد و الوقت، فألقيت الحجة عليهم بمنطقهم، بهذا المختصر الواضح النافع ان شاء اللّه.

أجل، انه لواضح- كما هو في ظني و تصوري- و لكني تعلمت من تجربتي الطويلة الدائبة أن طريق العلم، أي علم، صعب بطبيعته تماما كالجهاد في ميدان القتال، و ان صعوبته لا تهون أو تتحطم إلا على صخرة الصبر و الجلد، و انه لا فرق في ذلك بين علم و علم سوى أن هذا صعب و ذاك أصعب، و لكن يبقى للأسلوب أثره البالغ في التقريب و التمهيد، و قد تدعو الحاجة و تلح على التيسير و التسهيل، و عندئذ يتحول الشكل و الأسلوب من الوسيلة الى هذه الغاية، و هي القصد الأول من كل ما كتبت و ألّفت في الفقه و أصوله.

و له الحمد و الشكر على ما أنعم، و هو سبحانه المسئول أن يزيدني مما هو أهله. و الصلاة على محمد و أهل بيته الطاهرين.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

مباحث الألفاظ

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

أصول الفقه‏

بين الفقه و أصوله‏

إذا قلنا: الصلاة واجبة، فهذه قضية فقهية، موضوعها الصلاة المعروفة، و محمولها حكم شرعي هو الوجوب، و دليله قول الشارع: أقيموا الصلاة. و إذا قلنا: الأمر يدل على الوجوب، فهذه قضية أصولية، موضوعها الأمر المقابل للنهي، و محمولها الدلالة على الوجوب، و طريق العلم بهذه الدلالة تبادر أهل العرف، و معنى التبادر سبق المعنى من اللفظ الى الفهم تلقائيا و بلا قرينة. و تفترق القضية الفقهية عن القضية الاصولية من وجوه:

1- ان القضية الأصولية متقدمة على القضية الفقهية تقدم الدالّ على المدلول، و الأصل على الفرع حيث نقول: الشارع أمر بالصلاة، و الأمر يقتضي الوجوب، فالصلاة واجبة.

2- ان القضية الفقهية الفرعية يشترك في العمل بها المجتهد و المقلد، لأن فعل الواجب و ترك المحرم لا يختص بفئة دون فئة أو فرد دون فرد، أما القضية الأصولية فهي من اختصاص المجتهد وحده، لأنه أهل و كفؤ لمعرفة الدليل و وجه دلالته على الحكم الشرعي.

3- ان القضية الاصولية تعم و تشمل كلّ أو جلّ أبواب الفقه. أما القضية الفقهية فتختص بباب واحد منه- مثلا- أكل لحم الميتة حرام قضية فقهية تختص بباب الأطعمة. و النهي يدل على الحرمة قضية أصولية تجري في كل أبواب الفقه. و بكلام آخر ان الاصولي ينظر الى دلالة النهي أو الأمر بصرف النظر عما

14

يتعدى اليه الأمر و يتعلق به تماما كالمهندس حين يتكلم عن المربع من حيث هو ذهبا كان أم خشبا. أما الفقيه فإنه ينظر الى ما تعدى اليه الأمر و تعلق به، و يفتي بموجبه تماما كعالم الطبيعة، و من هنا قيل: ان نتيجة القضية الاصولية كلية، و نتيجة القاعدة الفقهية جزئية.

الموضوع‏

تكلم المولعون بنقل الخلاف، و أطالوا الكلام حول موضوع علم الأصول:

هل هو الأدلة الأربعة: الكتاب و السنة و الإجماع و العقل بما هي أدلة، أو بما هي هي بصرف النظر عن وصف الدلالة، أو «لا موضوع لعلم الأصول واقعا» على حد تعبير الشيخ الفياض المقرر لدرس السيد الخوئي، أو «لا لزوم للموضوع و لا دليل عليه» كما في أصول المظفر. و قام جدال حام حول هذه الأقوال و لم يقعد! و ليس هذا الأسلوب من مذهبي في شي‏ء.

و الذي أفهمه ببساطة ان موضوع كل علم هو عين المسائل التي يبحثها ذلك العلم كباب المبتدأ أو الخبر و نحوه في علم النحو، و مبحث التصورات و التصديقات و القياس في علم المنطق. و عليه فكل بحث يتصل بمبدإ من مبادئ الاستنباط لحكم من أحكام الشريعة فهو من مسائل علم الأصول و موضوعه في الصميم.

و قد يقع البحث في علم الأصول في شكل الاستنباط من الأصل و عمليته، لا في اعتباره و كونه حجة لازمة، لأن اعتباره و حجته ثبتت بضرورة الدين.

و من البديهي ان الضرورات لا يبحث العلم عنها، و من هذا النوع الذي ثبتت حجته بضرورة الدين، الأصول الأربعة: الكتاب و السنة و الإجماع و العقل.

و قد يقع البحث في ان هذا الشي‏ء: هل هو أصل من أصول الفقه يتوصل به الى معرفة الحلال و الحرام، أو ليس بأصل؟ كالبحث عن حجية خبر الواحد و القياس و الشهرة و الإجماع المنقول و الاستصحاب و البراءة و غير ذلك. و الحق ان البحث في هذا النوع يرجع أيضا الى البحث عن شئون الأصول الأربعة و ما يستفاد منها، لأن قولنا: هل خبر الواحد أو القياس حجة- مثلا- معناه هل يوجد دليل من الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع أو العقل، على ان القياس أو خبر الواحد أصل من أصول الفقه حيث لا دليل هنا إطلاقا وراء هذه الأصول الأربعة؟

15

و تسأل: لقد رأينا العلماء يطيلون الكلام عن عوارض الموضوع و تقسيمها، و عن الواسطات و أنواعها، فهل من ضرورة لذلك في القدرة على الاستنباط؟

الجواب:

أما بالنسبة إليّ فقد مارست الفقه و أصوله أمدا غير قصير درسا و تدريسا و مذاكرة و كتابة، و ما تصورت على الاطلاق الواسطة في العروض و غيرها. أما بالنسبة الى غيري فهو أدرى.

التعريف‏

الأصول جمع أصل، و أصل الشي‏ء في اللغة أساسه القائم عليه، و هذا المعنى بالذات هو المراد بأصول الفقه، و إذن فلا نقل و لا مجاز في كلمة الأصول هنا.

و قالوا في تعريف علم الأصول: إنه علم بالقواعد التي يتوصل بها الى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، فالأمر يدل على الوجوب قاعدة أصولية، فإذا تعلق بالصلاة مثلا جعلناه قاعدة صغرى في الدليل، و القاعدة الأصولية كبرى و قلنا:

أقيموا الصلاة أمر، و كل أمر يقتضي الوجوب، ينتج ان الصلاة واجبة.

الغاية

و بالتالي نستخلص من هذا التعريف ان كل مسألة لا ينبني عليها حكم شرعي فرعي مباشرة و بلا واسطة فهي دخيلة على علم الأصول و غريبة عنه. و قد وضح مما قدمناه في فقرة «الموضوع و التعريف» أن الغاية من علم الأصول استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. و الأحكام الشرعية نوعان: منها تكليفية، و هي الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة، و منها وضعية مثل الصحة و الفساد، و يأتي التفصيل.

و ليس من شك أن من تمكن من علم الأصول فهو كامل العدة و الآلة لاستخراج الحكم الشرعي من دليله، و يستطيع الدفاع عن رأيه بمنطق الحق و العلم. و هذا هو عين الاجتهاد. و بذلك يتبين معنا انه لا مجتهد بلا علم بأصول الفقه، و لا

16

عالم بأصول الفقه بلا ملكة الاستنباط. و أيضا يتبين معنا ان معرفة الفروع دون الأصول ليست من علم الفقه في شي‏ء حيث اتفق العلماء قولا واحدا على أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، و معنى هذا أن كل فقيه مجتهد، و كل مجتهد فقيه و لو بالملكة، و ان غير المجتهد ليس بفقيه.

متمم الجعل‏

لكل شريعة نصوص حيث لا شرع بلا نص، بل الشرع بيان في معناه و محتواه.

فإذا عرضت للفقيه واقعة يجهل حكمها وجب عليه عقلا و شرعا أن يستفرغ كل وسعه طلبا للنص على حكمها، و يبذل كل جهده بحثا عنه في مظان وجوده، و متى اهتدى اليه حكم بموجبه. و هنا سؤال يطرح نفسه، و هو إذا بحث الفقيه عن النص حتى شعر بالعجز و اليأس من العثور عليه فما ذا يصنع؟.

الجواب:

هناك أصول عقلية و شرعية يلجأ اليها الفقيه و يعمل بموجبها حين يعوزه النص على الواقعة المبتلى بها بحيث يأتي العمل بهذه الأصول في مرتبة متأخرة عن النص على الواقعة.

و إليك التوضيح:

بعد أن يضع الشارع النصوص لأحكام الحوادث الواقعة و المتوقعة في حسبانه، بعد هذا ينص على وظيفة الفقيه الذي لا يجد نصا على الواقعة التي بين يديه مثل قول الشارع: كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي‏ (1). و هذا أصل شرعي لوجود النص عليه من الشارع.

و من الأصول العقلية التي يلجأ اليها الفقيه عند عدم النص- أصل الاحتياط، و ذلك فيما لو علم بوجود التكليف الملزم، و شك في امتثاله و الخروج عن عهدته.

و التفصيل في القسم الثاني من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) و على هذا المبدأ الشرائع الوضعية. قال السنهوري في شرح القانون المدني: «نصت المادة الأولى على أنه إذا لم يوجد نص شرعي حكم القاضي بمقتضى العرف، فاذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فاذا لم توجد فبمقتضى مبدأ القانون الطبيعي و قواعد العدالة».

17

و تجدر الاشارة الى ان بعض العلماء يسمي النص على الواقعة الجعل الأولي، أما النص على وظيفة الفقيه في مواطن حيرته فيسميه الجعل الثانوي، و أيضا يسميه بمتمم الجعل، لأن السكوت عن مثل هذا النص نقص في الشريعة.

و أيضا من متمم الجعل، النص على نية التقرب الى اللّه في العبادة بعد النص على العبادة بالذات، حيث لا يمكن بحال نية الطاعة لأمر اللّه تعالى إلا مع وجود الأمر، و معنى هذا انه لا بد في العبادة من أمرين: أمر بها، و أمر بنية التقرب.

و أيضا من متمم الجعل، السير للحج قبل أوان شعائره، و وجوب الغسل على المستحاضة قبل الفجر من أجل الصوم. (انظر قول النائيني في تقريرات الخراساني ج 3 ص 40 و 123 طبعة سنة 1351 ه).

و القصد من الاشارة الى متمم الجعل هنا هو أولا: لاحظت ان أكثر طلاب الأصول أو الكثير منهم يجهلون الفرق بين الجعل الأولي و الثانوي المتمم له حتى بعد فراغهم من دراسة الكفاية و الرسائل مع ان مكان هذا الفرق في أول درس من دروس الأصول. ثانيا: ان معرفة الفرق بين الجعلين تلقي بعض الأضواء على الفقرة التالية، و هي:

تقسيم الأصول الى لفظية و عملية

دأب علماء الشيعة على تقسيم أصول الفقه الى نوعين، و أطلقوا على النوع الأول اسم (الأصول اللفظية)، لأن أكثر مباحثه في تحديد دلالة الظاهر من اللفظ على معناه كصيغة الأمر و النهي، و العام و الخاص، و المطلق و المقيد، و المنطوق و المفهوم، لأن لدلالة الألفاظ و ظواهرها أثرا ملحوظا في تفسير النصوص الشرعية و استنباط الأحكام منها. و أيضا يبحث علماء الشيعة في الأصول اللفظية دلالة وجوب الشي‏ء على وجوب مقدمته، و على تحريم ضده، و جواز اجتماع الأمر و النهي عقلا باعتبار ان الوجوب و التحريم يستنبطان في الغالب من الخطابات الشرعية.

و يأتي التفصيل.

و أطلقوا على النوع الثاني اسم الأصول العملية، لأن أهم مباحثه هي الأصول التي يطبق الفقيه عمله على مقتضاها عند عدم النص، و قسموا هذه الأصول إلى قسمين: شرعية كأصل الإباحة، و الاستصحاب على قول، و عقلية كأصل الاحتياط و التخيير.

18

طرق المعرفة الى الحقائق الأصولية

إذا كان علم الأصول هو طريق المعرفة بالمسائل الفقهية، فما هو الطريق الى معرفة الحقائق الأصولية؟.

و يعرف الجواب عن هذا السؤال بالرجوع الى كتب أصول الفقه و النظر الى الأدلة و الوسائل التي اعتمد عليها علماء هذا الفن لإثبات حقائقه، كدلالة صيغة الأمر على الوجوب، و النهي على التحريم، و عدم الركون الى الظن إلا ما خرج بالدليل، و الأخذ بالاستصحاب و الخبر الواحد، و العمل بأصل الإباحة، و أصل الاحتياط ..

إلى غير ذلك.

و قد رأيناهم يعتمدون في إثبات الحقائق الأصولية على الكتاب و السنّة المتواترة و الخبر الواحد المحفوف بالقرينة القطعية، و العقل القاطع و الإجماع الكامل، و على تبادر أهل العرف إذا لم تغلبه الحقيقة الشرعية، و على قول اللغوي عند كثيرين إذا لم يغلبه التبادر، و على بناء العقلاء، و سيرة المسلمين الملتزمين بأحكام الإسلام و شريعته. و عليه تكون هذه الوسائل التسع هي طرق المعرفة الى الحقائق الأصولية.

19

البيان‏

معناه‏

القرآن أصل الشريعة و أصولها، و تليه السنة لقول المعصوم: «كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». و الى هذين الأصلين يرد غيرهما من الأصول.

و القرآن بيان قال سبحانه: «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً‏- 138 آل عمران».

و السنة بيان أيضا: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ‏- 44 النحل».

و معنى البيان واضح لا يحتاج الى بيان، و ان كان و لا بد فهو الفصاحة و الدلالة الواضحة، و يستعمل البيان في مجرد الظهور مثل بان الهلال أي ظهر و انكشف، و أيضا يستعمل في الإظهار، و منه قوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏- 19 القيامة» أي إظهاره على لسان محمد (ص). و البيان بمعنى إظهار المقصود هو المراد من نصوص الكتاب و السنة. و للبيان و التعبير ضروب و ألوان كثيرة نذكر منها ما يلي:

البيان بالكلام‏

الكلام و الفكر من خصائص الانسان، أو من أبرز مظاهره، و هما عنصران متفاعلان متكاملان، بل قيل: التفكير مرادف للكلام. و قال آخر: إن الكلام لفي الفؤاد، و اللسان أداته. و أيا كان فإن الكلام يجري فيه التقسيم الى الحقيقة و المجاز، و الصحيح و الأعم، و الجامد و المشتق، و الاسم و الفعل و الحرف، و المترادف و المتباين، و المتواطئ و المشترك، و صيغة النهي و الأمر، و دلالة هذا على المرة أو التكرار، و التراخي أو الفور، أو لا ذا و لا ذاك إلا مع القرينة،

20

و أيضا يجري في الكلام التقسيم الى العام و الخاص، و المطلق و المقيد، و المنطوق و المفهوم، و المفصّل و المجمل ... الى غير ذلك من مباحث الألفاظ. و بيان القرآن مختص بالكلام فقط.

و لمناسبة ذكر المفصل نشير الى أن له قسمين: نصا، و هو لا يقبل احتمال الخلاف، و ظاهرا، و هو يقبل احتمال الخلاف، أما المحكم و المبين فهما مرادفان للمفصل. و سنعود الى الموضوع ثانية إن شاء اللّه.

البيان بالفعل‏

و يكون البيان بالفعل كالركوب في سيارة الأجرة، و الجلوس على كرسي المزين، و الى مائدة المطعم، و أخذ السلعة المكتوب عليها ثمنها و دفعه كاملا للبائع.

و اتفق المسلمون قولا واحدا على أن السنّة النبوية هي قول النبي و فعله و تقريره أي أن الثاني و الثالث كالأول في إفادة الأحكام على التفصيل الآتي. و هنا سؤال لا بد و أن يطرح، و هو هل فعل النبي بيان للواجب أو للمندوب أو للمباح و عدم الحظر؟ و الجواب ليس للفعل صيغة تدل على الوجوب أو على غيره من الأحكام سواء أصدر عن المعصوم أم عن غير المعصوم، و إنما يختلف نوع الفعل تبعا للوجوه و الاعتبارات، أجل إن فعل المعصوم قد يكون بيانا للحكم الشرعي، و قد لا يكون. و إليك التفصيل:

1- أن يفعل النبي كإنسان لا كمبلغ للوحي كالأكل و المشي في الأسواق.

و هذا النوع ليس من السنّة و بيان الشريعة في شي‏ء.

2- أن يفعل ما نعلم أنه من خصائصه دون أمته كالزواج الدائم بأكثر من أربع. و هذا ليس شرعا لنا كي نستن به.

3- أن يفعل و نحن نعلم أنه يهدف من جملة ما يهدف من فعله هذا الى بيان واجب مجمل نجهل كيفيته و شروطه و أجزاءه كالصلاة، و الحج، فيصلي الفريضة، و يؤدي المناسك و يقول: «صلّوا كما رأيتموني أصلي. خذوا عني مناسككم». و ليس من شك ان هذا النوع شرع و سنّة على الوجوب في حق الجميع. و كذلك لو علمنا بوجه الندب كالدعاء عند رؤية الهلال، و جلسة الاستراحة بعد السجدة الثانية و قبل القيام للركعة التالية. و بكلمة ان فعل النبي يدل على الوجوب إن كان تفسيرا لواجب، و على الندب ان كان تفسير لمندوب.

21

4- أن يفعل النبي ما نجهل وجه الفعل و صفته، و هل هو واجب أو مندوب أو مباح؟ و ليس من شك ان هذا الفعل إن كان عبادة فهو على الندب و مجرد الرجحان، لأن عبادة اللّه سبحانه شكر و طاعة، و ان لم يكن عبادة يخرج عن الحظر و كفى، فيجوز فعله لأن النبي (ص) فعله كما هو الفرض، و يجوز تركه حيث لا دليل على الوجوب و الإلزام بعد أن افترضنا ان حكم الفعل متردد بين الوجوب و الندب و الإباحة. و يأتي في باب البراءة ان شاء اللّه أن أية واقعة تردد حكمها بين الوجوب و غير الحرمة فالأصل فيها الإباحة بإجماع الأصوليين و كبار الإخباريين.

و قيل: بل حكم فعله (ص) الذي نجهل وجهه هو الندب و ان لم يكن من نوع العبادة لقوله تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ- 21 الأحزاب».

و يبطل هذا القيل بأن المراد من حسن التأسي هنا أن نوقع الفعل على الوجه الذي أوقعه الرسول، إن واجبا فواجب، أو ندبا فمثله، أو مباحا فكذلك. و من حمل فعل الرسول على وجه لا يعرفه فهو غير متأس به، بل مفتر عليه إلا مع الشبهة.

البيان بالتقرير

إذا حدث أمر من قول أو فعل بمرأى المعصوم و مسمعه، و سكت عنه حيث لا حاجز و لا مانع من الإنكار و الردع، إذا كانت هذه هي الحال، كان سكوته دليلا على الرضى و التقرير. و تسأل: كيف يكون السكوت بيانا؟ أ لم يتفق الفقهاء على انه لا ينسب لساكت قول و لا رضى؟ و أي فقيه يقول بأن سكوت المدعى عليه اعتراف منه بالدعوى؟.

الجواب:

إن حكم السكوت يختلف تبعا لحال الساكت و وظيفته، فإن كانت وظيفته الكلام و البيان، و النهي عن المنكر كان سكوته دليلا على رضاه، ما في ذلك ريب، و إلا لزم التقرير على الحرام، و تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو محال في حق المعصوم. أجل، يجوز تأخير البيان الى وقت الحاجة أي وقت امتثال التكليف، أما عنها فلا. و بديهي ان وظيفة النبي هي الأمر بالمعروف و النهي‏

22

عن المنكر، كما في العديد من الآيات، و منها الآية 157 من سورة آل عمران.

و هناك دلالات كثيرة غير لفظية، و لكنها تلحق باللفظية حجة و اعتبارا، منها الدلالة العقلية كدلالة الحدوث على المحدث، و المعلول على علته، و منها دلالة المعجزة على صدق دعوى النبوة، و منها دلالة الضد على ضده، كما قال المتنبي: «و بضدها تتبين الأشياء». و قيل للإمام أمير المؤمنين (ع): صف لنا العاقل. قال: هو الذي يضع الشي‏ء في موضعه. فقيل له: صف لنا الجاهل.

فقال: قد فعلت.

و منها دلالة الشي‏ء المذكور على حكم مسكوت عنه، لأنه ملازم حتما للمذكور.

مثال ذلك قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ‏- 11 النساء».

فالمذكور في الآية سهم الأم فقط و هو الثلث، و المسكوت عنه سهم الأب، و لكن السامع أو القارئ يمكن أن يعرف سهم الأب و انه الثلثان، من ثلث الأم لأنه لازم طبيعي لحصر الارث بهما. و هذه هي طريقة القرآن الكريم في الإيجاز، فإنه يحذف من الآية أو القصة كل ما يمكن فهمه بالملازمة الحتمية.

و منها دلالة مفهوم الموافقة أو فحوى الخطاب مثل‏ «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏- 23 الإسراء» حيث دل النهي المذكور على النهي المسكوت عنه، و هو الشتم و الضرب.

و منها دلالة الاقتضاء، و ذلك اذا توقفت صحة الكلام على التقدير مثل «إن اللّه وضع عن أمتي الخطأ و النسيان» مع العلم بأن أمة محمد (ص) كغيرها في عدم العصمة من الخطأ و النسيان. و اذن فلا مناص من تقدير محذوف به يصح الكلام، و هو إثم الخطأ و النسيان أو حكمهما. احفظ هذا فإنه مفتاح لفهم بعض الدروس الآتية، و حل لطلاسمها.

23

الحقيقة و المجاز

المعنى‏

في نصوص الكتاب و السنّة حقيقة و مجاز، كما في غيرها من الكلام. و قد وضع علماء الإسلام كتبا خاصة في مجازات النصوص الدينية، و منهم الشريف الرضي و أبو عبيد القاسم بن سلام.

و الحقيقة أصل، و حدّها استعمال اللفظ فيما وضع له. و المجاز فرع، لأنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و ليس معنى هذا أن كل لفظ يسوغ استعماله في غير موضوعه على سبيل المجاز .. كلا، بل لا بد من مناسبة ما بين المعنى الحقيقي و المجازي تستدعي العرف أن يستسيغ الاستعمال، و لا يمجه، كاستعمال الأسد في الشجاع، و الحمار في البليد و إلا كان غلطا و هذرا تماما كاستعمال الشمس في الذبابة.

و لكل مجاز حقيقة و لا عكس أي ليس لكل حقيقة مجاز- مثلا- أسماء الأعلام كزيد و بكر لا مجاز لها، و كذا كلمة شي‏ء و ما إليه مما لا أعم منه و أشمل.

الوضع‏

الوضع عبارة عن عملية تسمية المعنى بلفظ معين و اختصاص المسمى بهذا اللفظ، و يحدث هذا الاختصاص أو هذه التسمية بطريق من اثنين لا ثالث لهما: الأول أن يكون الوضع بجعل واضع مختار و تعيينه، كمن يسمي ولده عليا، و يقال‏

24

لهذا النوع من الوضع التعييني، لأن الذي عيّنه و بيّنه واضع مريد.

الثاني أن ينشأ الوضع من الاستعمال مع القرينة و على سبيل المجاز، ثم يتكرر حتى يلتصق و يلتحم المعنى باللفظ، و يفهم منه بلا قرينة، و يصبح المعنى الأول منسيا. و عندئذ يصبح حقيقة فيه، و يسمى هذا بالوضع التعيني، لأن سببه طبيعي لا إرادي. و بكلام أوضح إن التعيين من فعل الانسان و إرادته، أما التعين فأثر حتمي للاستعمال و شيوعه.

و تجدر الاشارة الى ان الوضع من حيث هو لا يتصف بالكلية و الجزئية، و لا بالعام و الخاص، إذ لا وجود له في الخارج يقع تحت حاسة من الحواس.

الوضع‏

كثرت الأقوال حول أصل اللغة، و اختلفت اختلافا كبيرا، فمن قائل: انه غيبي إلهي، و قائل: إن أصل اللغة صيحات و صرخات كانت تعبر عن مشاعر الانسان، ثم تطورت مع الزمن الى كلمات. و قال ثالث: بل الأصل تقليد أصوات الطبيعة و محاكاتها. أما تمحيص هذه الأقوال و غيرها فمضيعة للوقت، لبعدها عن الفقه و أصوله .. هذا مع العلم بأني أجهل تاريخ اللغات و أصولها.

طرق المعرفة الى الوضع‏

من الواضح ان مجرد استعمال اللفظ في المعنى لا يدل على انه حقيقة فيه أو مجاز، لأن الاستعمال أعم، و العام لا يدل على خاص بعينه .. أجل، اذا شككنا في مراد المتكلم من اللفظ حملناه على المعنى الظاهر من كلامه، و بديهي ان الأصل هو العمل بالظاهر في تعيين المراد، شي‏ء و إثبات الوضع بان الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، شي‏ء آخر .. و المدرك الأول للفرق هو مبنى العقلاء.

و هناك طرق لمعرفة الوضع غير الاستعمال، ذكر منها المحقق القمّي في قوانينه أربعة، و الشيخ التقي في حاشيته على المعالم اثني عشر طريقا، و أنهاها بعضهم الى عشرين أو تزيد، و أكثرها حبر على ورق. و في الطرق الثلاث الآتية كفاية و زيادة، و غنى عن مئونة الاعتساف:

25

1- النقل الموثوق به و ان لم يحصل منه العلم، لأن العلم بنص الواضع مباشرة متعذر، و الظن هو المعتمد في معرفة اللغة و مدلولاتها عند العقلاء قديما و حديثا.

2- التبادر، و المراد به سبق المعنى الى الفهم من اللفظ تلقائيا و بلا قرينة.

و قد يظن ان الجاهل بالوضع هو الذي يتبادر المعنى الى فهمه، و انه يكتشف من تبادره هو بالذات ان اللفظ موضوع للمعنى الذي تصوره عند إطلاق اللفظ ..

و هذا الظن خطأ و اشتباه، لأن التبادر يتوقف على العلم بالوضع، فإذا توقف أيضا العلم بالوضع على التبادر لزم الدور المحال.

و الصحيح ان الجاهل بالوضع يستكشفه و يعلم به من تبادر الآخرين من أهل اللسان و اللغة، لا من تبادره هو- مثلا- اذا كنا نجهل معنى كلمة «الطلح» ثم رأينا أهل اللغة يفهمون من إطلاقها عند التخاطب هذا الشي‏ء المعروف بالموز، اذا كان الأمر كذلك حصل لنا العلم بالتبادر عند أهل اللغة، و من علمنا هذا يحصل لنا العلم بأن كلمة «الطلح» موضوعة للموز.

أما كيف؟ و من أين يأتي العلم بالوضع لأهل اللغة حتى تبادروا و سبقت المعاني الى أفهامهم، أما الجواب عن هذا السؤال فعند أهل الاختصاص. و بالإجمال يحصل العلم باللغة من الالتحام بالأم في عهد الطفولة، و بأفراد الأسرة، و من المدرسة و البيئة، و يتسع هذا العلم بالثقافة و الممارسة.

3- عدم صحة السلب في نظر أهل اللغة العارفين بمعانيها و وجوه التخاطب بها، شريطة أن لا يكون السلب ناظرا الى اللفظ من حيث هو و بصرف النظر عن معناه، لأن الاسم غير المسمى بحكم البديهة، و لا أن يكون سلب اللفظ باعتبار معناه العام الشامل للمعنى الحقيقي و المجازي، لأن العام لا يدل على خاص بعينه، بل يسلب اللفظ باعتبار معناه الحقيقي فقط. و الشرط الثالث و الأخير أن يكون السلب مجردا عن القرينة.

و متى حصل ذلك بالتمام و الكمال دل عدم صحة السلب على الحقيقة و إلا فلا.

و المثال الواضح لعدم صحة السلب أن يقال للنار: ليست هذه بنار بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة. و لعل هذا الطريق أي عدم صحة السلب هو أقوى الطرق الى معرفة المعنى الحقيقي.

26

و إذا كان عدم صدق النفي دليلا على الحقيقة كان صدقه دليلا على المجاز.

و تجدر الإشارة إلى أن عدم صحة السلب عند العارفين بالوضع هو طريق العلم به لمن يجهل الوضع تماما كما هو الشأن في التبادر.

و الخلاصة إذا كان المخاطب على علم اليقين من مراد المتكلم بنى عليه، و عمل بمقتضاه، سواء استعمل المتكلم كلامه في معناه الحقيقي أم المجازي، و ان لم يعلم المراد، و كان من أهل اللغة اعتمد على ما يفهمه من ظاهر الكلام و سياقه و ألغى جميع الاحتمالات المضادة، و لا علاقة لذلك بالوضع و علاماته. و يأتي التفصيل.

و ان لم يفهم المخاطب شيئا من اللفظ- و هنا محل الكلام- لم يفهم لأنه غريب عن اللغة، أو كان من أبنائها و لكنه غير متمكن منها، و لا يملك ناصيتها، ان كان كذلك فسّر المعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ، فسره بالنقل الموثوق به، أو بتبادر الآخرين من أهل اللغة، أو بعدم صحة السلب عندهم.

الظاهر و مراد المتكلم‏

في الفقرة السابقة أشرنا إلى أنه لا أساس إطلاقا لأصل الحقيقة في الاستعمال، أما العمل بظاهر الكلام كأصل و مقياس لمعرفة مراد المتكلم و العلم بإرادته من الكلام فإنه حق لا ريب فيه لتباني العقلاء قديما و حديثا على إلغاء الاحتمال المضاد لدلالة الظاهر من اللفظ. و ليس من شك ان الشارع على هذه السبيل في كلامه و خطاباته.

قال سبحانه: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ‏- 4 إبراهيم».

أي يخاطبهم بنفس الاسلوب الذي يجرون عليه، و يترجم رسالة اللّه الى لغة الناس و إلا انتفت الغاية من الرسالة، و لم تكن الدعوة حكيمة، و الموعظة حسنة.

و للظهور في اللغة العديد من المعاني، و منها البيان، يقال: أظهر الشي‏ء أي بيّنه سواء أ كان البيان قويا لا يقترن باحتمال مضاد، أم ضعيفا يقترن به. و أيضا للنص أكثر من معنى في اللغة، و من ذلك الظهور و البيان يقال: هذا الحكم فيه نص أو منصوص عليه في الشريعة، أي ان الشارع أظهره و بيّنه للناس، سواء اقترن باحتمال النقيض أم لم يقترن. و معنى هذا أن النص و الظهور في اللغة قد يعبران عن معنى واحد.

27

و لكن النص في اصطلاح الكثير من أهل العلم بالفقه و أصوله هو اللفظ الذي لا يتطرق اليه احتمال مضاد مثل قوله تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا- 32 الإسراء». أما الظاهر فيتطرق اليه هذا الاحتمال مثل‏ «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا» حيث نحتمل أن بيع الحصى و الملامسة محرمان‏ (1). و أيضا نحتمل أنه لا ربا بين الآباء و الأبناء، و لكن العلماء كلهم أو جلهم اتفقوا على ان العمل بظاهر اللفظ هو الأصل و الأساس في الخطابات الشرعية و العرفية حتى يثبت العكس، و بهذا نلغي كل احتمال مضاد، نلغيه من حيث العمل و التأثير.

لأن ظاهر الكلام يجسد إرادة المتكلم، و يجعلها بحكم عمله يستحق عليها الثواب و العقاب بعد أن أعلنها بواسطة اللفظ و نقلها من عالم الداخل الى عالم الخارج.

و تسمى هذه الإرادة الإرادة الظاهرة حيث تمّ التعبير عنها بالكلام، و هي بطبيعتها تكشف عن الإرادة الحقيقية التي تدور الأحكام مدارها وجودا و عدما. و من هنا يدرس علماء النفس اللغة كمظهر أساسي من سلوك الانسان، و الى هذا يومئ قول الإمام أمير المؤمنين (ع): «من علم ان كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه».

و تسأل: هل العمل بظاهر اللفظ هو الأصل مطلقا حتى و لو لم يحصل الظن بمراد المتكلم، أو بشرط وجوده و حصوله بحيث يكون الظاهر لغوا مع عدم الظن.

الجواب:

إن الركون الى هذا الأصل يستند الى وجود الظاهر، لا الى وجود الظن الناشئ من الظاهر أو غيره. و الدليل القاطع على ذلك ان المخاطب بظاهر الكلام يجب عليه شرعا و عرفا و عقلا أن يسمع و يطيع على كل حال، و لا يسوغ له أن يخالف ما ظهر الى غيره متذرعا بعدم حصول الظن و حدوثه، و اذا خالف الظاهر و عصاه استحق الذم و العقاب، كما انه اذا أطاعه استحق المدح و الثواب، و ان لم يحصل له الظن، أو حصل الظن المعاكس.

و من هنا رأينا العلماء قديما و حديثا يأخذون بعموم العام و إطلاق المطلق و بكل‏

____________

(1) بيع الحصى أن يقول البائع للمشتري بعتك ما تقع عليه حصاؤك بكذا اذا رميت بها. و بيع الملامسة أن يقول:

إذا لمست المبيع فقد وجب البيع. و كان هذان البيعان في الجاهلية، و نهى عنهما الإسلام.

28

ما يظهره اللفظ حتى مع الظن بوجود المخصص و المقيد و الصارف .. أجل، لو حصل الشك في ظهور اللفظ و وجوده من الأساس و في تمامه و انعقاده لا فيما يعرض له بعد وجوده و تمامه، لو حصل ذلك- لامتنع التمسك و الأخذ بالظاهر حيث لا عين له و لا أثر. و بديهي انه لا نقش بلا عرش. و سلام على من قال: «و لا أظن اللّه يعرفه».

و شاع على ألسنة أساتذة هذا الفن و طلابه: «الأحكام تتبع الأسماء» أي ان معاني الألفاظ و مدلولاتها هي موضوعات الأحكام الشرعية، و ان علينا أن نتعبد بها لمجرد دلالة الألفاظ عليها سواء أحصل لنا الظن الموافق لها، أم الظن المخالف ما دام هذا الظن المعاكس بلا دليل يعضده.

و يتفرع على ذلك ان أي كلام تصورنا له معنيين: أحدهما لا تحتاج إرادته الى ضميمة و مزيد من البيان على الكلام الموجود بالفعل. و ثانيهما تحتاج إرادته الى بيان زائد، لأن دلالة الكلام الموجود لا تفي به، و لا تتسع له، اذا تردد حمل اللفظ على أحد هذين المعنيين- تعين حمله على الأول، لأن المعنى الزائد لا ينكشف إلا ببيان زائد، و المفروض عدمه. و مثال ذلك أمره تعالى بني اسرائيل على لسان موسى بأن يذبحوا بقرة دون بيان قيد أو شرط. و لو انهم منذ البداية ذبحوا بقرة، أية بقرة، لامتثلوا و انتهى الأمر، لأن إرادة الخصوصيات تحتاج الى بيان زائد، و هو منتف بالأصل، و لكن الإسرائيليين كانوا و ما زالوا يرفضون الأصول و القواعد، و من هنا شدد سبحانه عليهم، و باءوا بغضب منه.

و مما تقدم يتبين معنا ان أصل بقاء العام على عمومه، و المطلق على إطلاقه، و اصل عدم النقل و الاشتراك و التقدير، كل اولاء و ما اليها من الأصول اللفظية مردها جميعا الى أن الأخذ بالظاهر هو الأصل، و ما زاد لا يعمل به، أي ان الأصل اللفظي يثبت و ينفي، يثبت ما دل عليه الظاهر و ينفي ما زاد عليه.

احفظ هذا فإنه أساس في الاستنباط، و إطار عام لجميع الأصول اللفظية التي لا يعذر الفقيه بجهلها، و لا بنسيانها لأنها تماما كالفاعل مرفوع و الباء حرف جر.

الحقيقة الشرعية

الشرط الأساسي في القضية الدينية أن ترتدي صفة الوحي، و تنسب اليه موضوعا

29

و حكما كقولنا: الصلاة واجبة، أو حكما لا موضوعا كالزنى حرام في دين اللّه. و اذا فقدت القضية هذه النسبة فما هي من الدين و شرعه في شي‏ء، و قضايا العبادات بكاملها شرعية و توقيفية موضوعا و حكما، فالشارع وحده يحدد موضوعها و يبين حكمها، لأنه هو الذي صممها و رسمها و استحدثها بكامل ما فيها من شروط و أجزاء.

أما قضايا المعاملات و ما اليها فهي شرعية توقيفية في حكمها فقط. و الموضوع يحدده الناس بلغة مصطلحاتهم و حوارهم حيث لا اختراع و اصطلاح للشارع فيها، و انما موقفه منها موقف التقرير أو الإلغاء أو التقليم و التطعيم.

و العبادات التي تكلم عنها الفقهاء و اشترطوا فيها نية القربة هي الوضوء و التيمم و الاغسال المعروفة، و أفردوا لهذه المجموعة بابا خاصا بعنوان «الطهارة». و أيضا الصلاة و الزكاة و الخمس و الصوم و الحج، و لكل واحد من هذه الموضوعات الخمسة باب مستقل في كتب الفقه.

و لا يختلف فقيه مع آخر في أن ألفاظ العبادات بكاملها كالصوم و الصلاة و الحج و الزكاة- قد أعطاها الإسلام مدلولا جديدا خاصا، و ان هذه الألفاظ قد أصبحت أسماء حقيقية للمعنى الجديد تستعمل فيه بلا قرينة، كل هذا لا خلاف فيه، و إنما الخلاف في نسبة هذه الحقيقة و تسميتها: هل ننسبها الى الشارع و نسميها حقيقة شرعية لأن الوضع حدث في عهده لا من بعده، أو ننسبها الى المتشرعين الملتزمين بالدين و شريعته فقهاء كانوا أم أميين، و نسميها حقيقة متشرعية لأن الوضع حدث بعد الشارع لا في عهده؟.

هذا هو بالذات جوهر النزاع و الصراع في الحقيقة الشرعية .. أما ثمرته و فائدته فتظهر- على حد قول المختلفين- فيما إذا وردت كلمة الصلاة و ما اليها من العبادات في كلام الشارع بلا قرينة، فبناء على ان هذه الحقيقة الموجودة بالفعل هي شرعية لا متشرعية- تحمل كلمة الشارع على المعنى الشرعي. و بناء على انها متشرعية لا شرعية تحمل على المعنى اللغوي الذي كان قبل الشرع و الشارع.

و في رأينا أن هذا النزاع لا جدوى منه إلا تكثير الكلام، إذ لا يرتبط به أي حكم شرعي، و لا تبتني عليه أية مسألة فقهية. و دليلنا على ذلك أقوال الفقهاء المختلفين أنفسهم، و هي بين أيدينا، فما وجدنا فقيها واحدا حمل لفظ الصلاة

30

في كلام الشارع على الدعاء، و الزكاة على النمو، و الحج على القصد، و الصوم على مجرد الإمساك، و الوضوء على النظافة، و التيمم على التعمد إلا مع القرينة مثل‏ «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏- 56 الأحزاب». أي يعظمون من شأنه، و مثل‏ «فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ‏- 32 النجم»- أي لا تثنوا عليها «هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏». أما الاغسال الشرعية فهي دائما أو غالبا مع القرينة في كلام الشارع و المتشرعة مثل غسل الجنابة و الحائض و المستحاضة و الميت. و إذن فأين هي الثمرة و الفائدة من هذا النزاع القائم المرهق؟.

بين الشرع و العرف و اللغة

سبقت الإشارة الى أن أية كلمة من ألفاظ العبادة وردت في كلام الشارع بلا قرينة- فإن الفقهاء يحملونها على المعنى الشرعي. و الآن نتساءل: إذا كانت كلمة الشارع من غير ألفاظ العبادة كاللعان مثلا، و كان لها في الشرع معنى، و في العرف العام آخر، و في اللغة ثالث، و لا قرينة حالية أو مقالية على واحد بعينه، إذا كان الأمر كذلك فأي معنى نقدم؟.

الجواب:

ان أمكن حمل كلمة الشارع على المعنى الشرعي- أي لا تنفيه الدلائل- فهو المقدم، لأن كل متكلم يحمل كلامه على عرفه و اصطلاحه حتى يثبت العكس، و ان تعذر الحمل على الشرع لسبب أو لآخر حملت الكلمة على العرف العام، لأنه الأكثر و الأغلب في التخاطب، هذا ان وجد عرف عام في عهد الشارع و إلا تعين الحمل على اللغة.

و كذلك الشأن في غير الشارع إذا نطق بكلمة في عقد أو نذر أو وقف أو وصية و ما أشبه، و ترددت كلمته بين المعنى الشرعي و العرفي و اللغوي- فإنها تحمل حتما على لغته هو و عرفه، و ان خالف الشرع فضلا عن اللغة. و على هذا الأساس قرر الفقهاء العديد من الأحكام الشرعية في المعاملات و الالتزامات.

31

معاني الحروف‏

ليس من شك ان الفقيه في أشد الحاجة الى معرفة معاني الحروف، لأن عليها مدار الكثير من مسائل الفقه و استنباط الأحكام من نصوص الكتاب و السنّة. و من ذلك على سبيل المثال:

قوله تعالى: «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏- 6 المائدة». و لو لا مكان الباء في الآية لوجب مسح الرأس كله لا بعضه.

و قوله: «فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ- 89 المائدة» حيث دلت «أو» ان الواجب من هذه الثلاثة واحد على التخيير، فأيها فعل فقد امتثل، و الباقي قربة و تطوع.

و قوله: «فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى‏- 9 الأعلى» فالشرط المدلول عليه ب «إن» ليس شرطا اصطلاحيا، و لا قيدا للأمر بالنفع، و انما هو ذم في صورة الشرط لمن لا ينتفع بالذكرى تماما كقولك للواعظ: عظ الطغاة ان سمعوا منك .. الى كثير من آيات الأحكام و أحاديثها.

و قد يقول قائل: أجل، ان في آيات الأحكام و أحاديثها حروفا كثيرة، و العلاقة بين معانيها و بين الاستنباط واضحة و قوية، و لكن هذه العلاقة بالذات موجودة أيضا بين الاستنباط و معاني الأسماء و الأفعال التي وردت في النصوص الشرعية، و هي أكثر عددا من الحروف أضعافا. و من ذلك- أيضا لمجرد التمثيل- «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ‏- 178 البقرة» .. «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ- 3 المائدة» فكتب و حرم من الأفعال، و القصاص و الميتة الخ من الأسماء. و الآيتان من آيات الأحكام.

فلما ذا اهتم الأصوليون بمعاني الحروف دون الأفعال و الأسماء؟ أ ليس الكل بمنزلة سواء من حيث حاجة الفقيه اليها، و توقف الاستنباط عليها؟ هذا، الى أن معاني المفردات من الأسماء و الأفعال و الحروف- تحددها و تبينها معاجم اللغة و مصطلحات العرف، و أيضا كتب النحو بالنسبة الى معاني الحروف، و ليس كتب الأصول.

و أجيب عن هذا السؤال بأن حاجة الفقيه الى العلم بمعاني الحروف أشد من‏

32

حاجته الى العلم بمعاني الأسماء و الأفعال! .. و أحسب ان هذا الجواب لا يقنع أحدا من أهل العلم و التحصيل ما دام على الفقيه أن يعد نفسه إعدادا كاملا و مكينا للاستنباط، و أن يحيط بكل ما يتوقف عليه العلم بمراد الشارع من نصه و خطابه.

هذا، الى ان المعنى الحرفي الذي درسناه نحن في كتب الأصول عند أساتذة النجف- لا يمت بأي سبب الى الفقه و استنباط الأحكام حيث تكلم مؤلف الكتاب الذي ندرسه، و أطال الكلام هو و الأستاذ و أرباب الشروح و الحواشي و التعليقات، و أطنبوا في الوضع و أقسامه، و في تصور الموضوع له عند الوضع و خصوصه و عمومه و في الملحوظ و اللاحظ و تعدد اللحاظ و فنائه في المستعمل فيه .. الى غير ذلك مما طلقته الحياة و الثقافة و الفقه و أصوله- ثلاثا لا رجعة فيها.

و بعد، فإن لكل زمان شئونه و أفكاره، و لا لوم على من ساير الزمان و أهله، و انما اللوم على من عاش بجسمه في عصر الفضاء، و بعقله في القرون الوسطى.

عودا و بدءا

كان من قصدي أن أمسك و لا أزيد شيئا عما قلت حول المعنى الحرفي حيث رأيت فيه آنذاك ما يفي بالمطلوب، و حين أوشكت أن أقدم هذا الجزء الى المطبعة أحسست من نفسي الرغبة في أن أعطف على ما سبق الإيجاز التالي خشية أن أكون قد أهملت ما لا ينبغي إهماله، على أن يكون المعطوف عودا و بدءا، تابعا و مستأنفا في آن واحد.

يطلق لفظ الحروف على حروف التهجي التسعة و العشرين التي تبدأ بالألف و تنتهي بالياء، و هي لمجرد تأليف الكلمة و تركيبها، و لا وظيفة لها وراء ذلك، و لا تدل بنفسها على شي‏ء إلا عند الصوفية الذين يكفرون بالحس و العقل، و لا يؤمنون إلا بشي‏ء يسمونه حدسا تارة، و تارة بأسماء يسمونها تكشف بزعمهم عما وراء الأستار و العقول و الأبصار. و يقولون- على سبيل التوضيح-: الألف تشير إلى السماء لأنها كالاصبع حين تشير الى أعلى، و الياء ترمز الى الأرض لأنها كالنعل تدوس وجه الأرض .. الى آخر الشطحات و الخيالات.

و أيضا تطلق الحروف على حروف المعاني، و هي التي تدل بنفسها على معنى‏

33

في غيرها مثل «من و إلى» و من أجل هذا قالوا في تعريف المعنى الحرفي بأنه تابع لغيره و لا يستقل بنفسه وجودا و لا تعقلا، و لا يكون ركنا في الكلام إلا مع الضميمة، و يقابله المعنى الاسمي أي هو الذي يستقل بنفسه وجودا و تصورا و يكون ركنا في الكلام بلا ضميمة مثل رجل و فرس و شجر و حجر.

و بعد هذه الإشارة الى الفرق بين المعنى الاسمي و الحرفي، نشير بإيجاز الى أقسام الوضع تبعا لمن فعل ذلك من الأصوليين .. و اقرأ معي على مهل- يا طالب النفع و الفائدة- ما ألقوه عليّ و عليك من تلك الغوامض و الدقائق: إذا تصور الواضع- مثلا- فردا خاصا و معينا تصدق عليه كلمة إنسان، تصوره بقصد أن يسميه هو بالذات لا أن يسمي الانسان الكلي، و بالفعل سمى هذا الفرد الخاص زيدا، إذا حدث هذا يكون الوضع فيه و في أمثاله خاصا و الموضوع له خاصا. و قالوا:

هذا القسم من الوضع ممكن و واقع بلا خلاف.

و إذا تصور الواضع معنى عاما كالانسان بهويته الحيوانية الناطقة بقصد أن يسميه هو لا أحدا سواه، و سماه بهذه الكلمة أو بغيرها- يكون الوضع عاما و الموضوع له عاما لصدقه على كثير. و أيضا هذا القسم من الوضع ممكن عندهم و واقع بلا خلاف.

و إذا تصور الواضع معنى عاما كالإنسان، و لكن لا بقصد أن يسميه هو بالذات، بل اتخذ من تصوره طريقا و وسيلة الى تصور فرد معين من أفراده لكي يسميه، و سماه زيدا- مثلا- لأنه مشتمل عليه، إذا كان ذلك يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا. و هذا القسم من الوضع متفق على جوازه و إمكانه، و إنما الخلاف في حدوثه و وجوده بالفعل.

قال صاحب الحاشية الكبرى على المعالم: ان جماعة من المحققين قالوا بوقوعه و عدّوا منه معاني الحروف و المبهمات كالضمائر و أسماء الموصول و الاشارة و كلمات الاستفهام و نحوها.

و إذا تصور الواضع فردا من كلي عام، كما لو تصور زيدا الذي يشتمل على ماهية الانسان، تصور هذا الفرد لا بقصد أن يسميه، بل ليتخذ من تصوره وسيلة الى تصور الانسان الكلي و تسميته، و بالفعل وضع له كلمة إنسان أو غيرها، إذا كان هكذا يكون الوضع خاصا و الموضوع له عاما. و قد اختلفوا في إمكان هذا القسم و جوازه فضلا عن وقوعه.

34

و قال صاحب الحاشية التي أشرنا اليها ما معناه لا سبيل لإمكان الوضع الخاص و الموضوع له عام، لأن الصغير لا يكون وجها للكبير، و البيضة بما هي لا تتسع للأرض بحدودها و جميع أقطارها.

و الخلاصة أن أقسام الوضع عندهم أربعة:

1- الموضوع بالوضع الخاص و الموضوع له خاص.

2- الموضوع بالوضع العام و الموضوع له عام. و هذان القسمان محل وفاق إمكانا و وقوعا.

3- الموضوع بالوضع العام و الموضوع له خاص. و هذا القسم محل وفاق إمكانا، و اختلفوا في وقوعه. و وضع الحروف عند الكبار من هذا القسم. أما الموضوع بالوضع الخاص و الموضوع له عام فهو محل الخلاف إمكانا فضلا عن الوقوع.

35

الصحيح و الأعم‏

لمجرد التمهيد

نمهد لهذا الفصل بالمثال الآتي: لنفترض انك باشرت بالصلاة تلبية لأمره تعالى، و بعد الفراغ منها أيقنت بإقامتها على الوجه الأكمل، اذا حصل لك هذا اليقين فقد امتثلت و خرجت من عهدة التكليف حتى و لو كانت الصلاة باطلة في واقعها ما دمت غير و ان و لا مقصر، و اذا أيقنت بفساد ما أتيت فعليك الإعادة، أما اذا شككت في أمرها و هل أقمتها صحيحة أو باطلة فعليك قبل كل شي‏ء أن تنظر الى السبب الموجب لهذا الشك. و الفروض كثيرة، و نذكر منها اثنين:

1- أن يكون سبب الشك هو انك بعد الفراغ احتملت الإخلال بجزء واجب من الصلاة كالفاتحة. و الحكم هنا المضي و عدم الإعادة بالاتفاق، لأن الشك حدث بعد الفراغ. و ليست هذه المسألة من موضوعنا في شي‏ء و ذكرناها للتمييز بين الأصيل و الدخيل.

2- أن يكون سبب الشك هو انك تركت شيئا كالسورة عن قصد و عمد ظنا منك بعدم وجوبها، و بعد الفراغ شككت في صحة الصلاة حيث خيّل اليك مجددا ان ما تركته عامدا ربما كان واجبا في الواقع، و ان ظنك كان مجرد وهم، اذا حدث مثل هذا فما هو الحكم؟ و هل هناك أصل لفظي يثبت صحة هذه الصلاة و الاكتفاء بها مثل‏ «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* أو لا وجود لهذا الأصل و الاطلاق.

و عندئذ يتحتم الرجوع الى الأصول العملية كالبراءة أو الاحتياط؟.

و الجواب عن هذا التساؤل يتوقف على معرفة النتيجة لمبحث الصحيح و الأعم الذي عقدنا له هذا الفصل.

36

محل النزاع‏

قلنا في الفصل السابق فقرة «الحقيقة الشرعية»: إن ألفاظ العبادات هي أسماء حقيقية للمسميات التي استحدثها الإسلام حسب شريعته .. و نشير الآن الى أن هذه العبادات و المسميات تنقسم من حيث هي و بصرف النظر عن أمر الشارع بها و مراده لها، تنقسم الى صحيحة كالصلاة يقيمها المصلي على وجهها بلا زيادة أو نقصان، و إلى باطلة كما لو ترك منها أو أضاف اليها ما يفسد و يبطل .. و لا أحد يشك حتى من نفى الحقيقة الشرعية- أن الشارع استعمل أسماء العبادة في كل من القسمين مثل‏ «أَقِيمُوا الصَّلاةَ»* حيث أراد الصحيحة بلا ريب، و مثل «لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» حيث أطلق كلمة الصلاة على الناقصة الباطلة.

و بعد الإشارة الى هذا التقسيم نتساءل: قد ترد في كلام الشارع كلمة من ألفاظ العبادات و نعلم بأنه أراد المعنى الجديد الخاص لوجود الصارف عن المعنى اللغوي القديم، أي مجرد الدعاء، نعلم ذلك و مع هذا نشك هل أراد بكلمته هذه المعنى الصحيح بالخصوص، أو الأعم منه و من الفاسد، و لا قرينة ترشدنا الى ارادة أيهما على التعيين، كما لو نهى عن المرور بين يدي المصلي، و لا ندري هل أراد بنهيه صلاة من أداها صحيحة حتى إذا علمنا بفسادها جاز المرور، أو أراد مطلق الصلاة حتى مع العلم بالفساد، إذا كان الأمر كذلك فما ذا نصنع؟

هل نحمل كلمة الشارع على المعنى الصحيح بالخصوص أو الأعم؟ و تأتي الإشارة الى الأقوال.

هذا هو محل النزاع بين الأصوليين في أوضح صورة و أجمعها لأقوالهم و آرائهم في المسألة المعروفة بالصحيح و الأعم.

و بهذا يتبين معنا أنه يسوغ لمن نفى الحقيقة الشرعية و قال بأن ألفاظ العبادة لم تنقل عن معانيها القديمة، يسوغ له أن يكون طرفا في محل النزاع في مسألة الصحيح و الأعم، و أن يختار ما يشاء، لأنه يعترف و يسلم بأن الشارع قد استعمل أسماء العبادة الجديدة في الصحيح و الفاسد مع القرينة تارة، و تارة بلا قرينة، و في مثل هذه الحال (أي إطلاق اللفظ بلا قرينة) يسوغ لمن ينفي الحقيقة الشرعية أن يحمل لفظ الشارع على الصحيح فقط أو على الأعم أو يتوقف إن شاء.

37

الأقوال‏

و هي ثلاثة: الأول الحمل على الصحيح الجامع لكل شرط و جزء. الثاني الحمل على ما يعم و يشمل الصحيح و الفاسد. الثالث التفصيل بين الجزء و الشرط، و ذلك بالحمل على ما توافرت فيه جميع الأجزاء سواء وجدت الشروط أم فقدت، فالصلاة مثلا يفهم منها الركوع و السجود و القراءة و غير ذلك من الأجزاء، و لا يفهم منها الوضوء، لأن الجزء من صلب المسمى، أما الشرط فخارج عنه.

و ذهب أكثر أهل النظر و التحقيق أو الكثير منهم، الى الأعم، و استدلوا من جملة ما استدلوا بما يلي:

1- التبادر، حيث يسبق المعنى الأعم الى الافهام من قول القائل: رأيت فلانا يصلّي أو يواظب على الصلاة أو يصلّي في أول الأوقات .. الى غير ذلك كثير.

2- عدم صحة السلب، فلا يقال في حق من كانت صلاته فاسدة: لم يصلّ، و من كان صيامه باطلا: لم يصم بقول مطلق، و عدم صحة السلب من غير قيد دليل على حقيقة الاطلاق، كما ان صحة السلب دليل على مجازيته.

3- صحة الاستثناء، و من ذلك كل صلاة تقرّب الى اللّه إلا الفاسدة، و بديهي انه لا استثناء بلا عموم إلا المنقطع.

القدر الجامع‏

و هنا سؤال لا بد من طرحه، و هو ان المقارنة بين الصحيح و الفاسد هي عين المقارنة بين الضدين اللذين لا قاسم مشترك بينهما و لا جامع يجمعهما، و القول بالأعم يستدعي حتما وجود الجامع بين الشي‏ء و ضده، و هذا بعيد عن التصور، بل و كذلك الشأن في أفراد الصلاة الصحيحة لما بينهما من شدة التفاوت، فأي جامع بين صلاة القادر المختار، و صلاة العاجز و المضطر الذي يؤديها إيماء أو بحضور القلب كالغريق.

و أجيب عن ذلك بوجوه، و لعل أقربها إلى الافهام أن القدر الجامع بين القسمين‏

38

هو مجرد الاشتراك في الشكل و الهيئة (1) بين أكثر الأفراد و أغلبها، فإن الصلاة الصحيحة تماما كالفاسدة صورة و مظهرا، و كذلك الحج و الصوم و الوضوء. أما صلاة الغريق و نحوها فنادرة الوقوع، و النادر بحكم العدم .. و هذه كلمة «إنسان» تطلق على كل فرد، و الأكثرية الكاثرة يصدق عليها قول الإمام (ع): «الصورة صورة إنسان، و القلب قلب حيوان، و ذلك ميت الأحياء».

ثمرة الأقوال‏

أعيد هنا ما مهدت به في أول هذا الفصل، و أكرره بأسلوب آخر: إذا سألنا سائل قائلا: بعد إقامتي الصلاة المكتوبة شككت في امتثال أمرها و الخروج من عهدته فما ذا أصنع؟ إذا سألنا مثل هذا السؤال فلا يسوغ لنا أن نسرع الى الجواب التقليدي المعروف، و نقول للسائل: عليك أن تحتاط لأن التكليف القطعي يستدعي الامتثال القطعي، بل علينا أن ننظر الى حال السائل و نسأله عن السبب الموجب لشكه في الامتثال هل هو الشك في وجوب جزء أو شرط زائد، أو ان السبب شي‏ء آخر؟.

فإن كان السبب هو الشك في وجوب جزء أو شرط فلا يسوغ لنا أيضا أن نسرع الى الجواب المحفوظ عن ظهر قلب و نقول: الأصل فيه البراءة لأنه شك في أصل التكليف، لا يسوغ ذلك لأن البراءة أصل عملي لا يلجأ اليه إلا بعد اليأس من وجود الأصل اللفظي، فإن وجد فعليه العمل و إلا فآخر الدواء و الأصول العملية.

و بعد هذا التمهيد نعود الى من شك في الامتثال و نفترض انه ترك شيئا من صلاته عن عمد ظنا منه أنه ليس بجزء و لا شرط، و بعد الفراغ شك في أنها غير مجزية، و احتمل ان المتروك عمدا هو جزء أو شرط لأن الظن لا يغني عن الحق، إذا كان الأمر على هذا فهل هناك أصل لفظي ينفي وجوب هذا المشكوك‏

____________

(1) المعروف عند الفلاسفة أن حقيقة الشي‏ء بصورته لا بمادته، و لذا اذا تحول الإنسان إلى تراب لم يصدق عليه اسم الإنسان، و كذلك تحول العنب إلى خل، و الزيتون إلى زيت.

39

في حكمه حتى لا تجب الاعادة، أو لا وجود لهذا الأصل كي يجب الرجوع الى الأصول العملية؟.

الجواب:

ان وجود هذا الأصل، و هو هنا الاطلاق ان وجد- يتوقف على صحة تسمية الفعل المأتي به باسم الصلاة بحيث يكون الشك فيما زاد على المسمى الموجود لا في نفس التسمية. أما إذا تسرب اليها بالذات فينتفي موضوع الاطلاق من الأساس سواء أ كانت ألفاظ العبادة أسامي للصحيح أو للأعم، إذ لا نقش بلا عرش.

و لا مكان لصحة التسمية و صدق الاسم على العمل المشكوك في حكمه إلا إذا كان لفظ الصلاة موضوعا للأعم لا للصحيح بالخصوص، و توضيح ذلك أن القول بالوضع للصحيح فقط معناه ان الصحة جزء من مفهوم المسمى الشرعي، و عليه يكون الشك في الصحة شكا في التسمية و وجود المسمى بالذات، و عندئذ ينتفي موضوع الاطلاق و يتحتم الرجوع الى الأصول العملية.

أما القول بالوضع للأعم فمعناه ان الصحة ليست جزءا من المسمى الشرعي، و ان الشك فيها لا يلازم الشك في التسمية و المسمى، و عليه يصدق اسم الصلاة على ما أتى به المصلي في المثال المفروض، و نتمسك بإطلاق كلمة الصلاة لنفي الزائد المشكوك في وجوبه، و نحكم بالإجزاء و الامتثال بدون الرجوع الى الأصل العملي لأن الأصل رافع لموضوعه.

و الخلاصة ان ثمرة القول بالأعم تظهر في الفرد الذي صحت فيه و صدقت عليه التسمية، و لكنه ظل مرددا بين الصحيح و الفاسد، تظهر الثمرة حيث يجوز التمسك بالاطلاق- بناء على الأعم- لزوال الشك عن هذا الفرد المردد و إعطائه حكم الصحيح، أما ثمرة القول بالصحيح فقط فهي عدم وجود الاطلاق من الأساس و الرجوع في حكم الفرد المذكور الى الأصول العملية.

المعاملات‏

سبق القول: إن الشارع اخترع و ابتكر معاني جديدة خاصة في العبادات،

40

و ان ألفاظها تعم و تشمل الصحيح و غيره عند طائفة من العلماء، و على قولهم جاز التمسك بالاطلاق، و تقدم التفصيل. أما المعاملات فلا جديد للشارع فيها، بل هي باقية على معانيها القديمة، و الشارع أمضى و أقر الناس في معاملاتهم مع بعض التقليم و التطعيم.

و معنى هذا ان كل ما هو سبب عند العرف للملك أو الإسقاط أو الالتزام و نحو ذلك فهو أيضا سبب عند الشارع إلا ما خرج بالدليل كبيع الملامسة و المنابذة.

و من الأدلة على ان الشارع أمضى الأسباب العرفية قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ- 1 المائدة» أي اعملوا بموجب كل ما يراه الناس عقدا، و التزموا بآثاره، و قريب من هذه الآية قوله تعالى: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ‏- 181 البقرة».

و من هنا اتفق العلماء قديما و حديثا على مبدأ عام هو أن التعيين بالعرف تماما كالتعيين بالنص في الموضوعات العرفية و آثارها إلا ما خرج، و فرعوا على هذا المبدأ ان أي لفظ تكلم به راشد مختار، و صدق عليه عرفا العنوان الذي تعلق به حكم شرعي- فعليه طاعته و الالتزام به، و اذا شككنا في قيد زائد عما صدقت عليه التسمية أخذنا بإطلاق الاسم، و نفينا الزائد.

و عليه فالنزاع الجاري في العبادات من أن ألفاظها اسام للصحيح أو للأعم، هذا النزاع لا يجري بحال في المعاملات، لأن المدرك الوحيد للتمسك بإطلاقها هو التسمية العرفية، فإن وجدت تحقق موضوع الاطلاق، و أخذ به بالاتفاق لنفي الزائد، و ان فقدت التسمية فلا موضوع للاطلاق من الأساس حتى نتمسك به.

و قد يقول قائل: أجل، ان هذا النزاع لا يجري في المعاملات اذا كان في الصحة الشرعية، و هل هي جزء من معنى لفظ المعاملة أو ليست بجزء؟ إذ المفروض انه لا حقيقة شرعية و لا متشرعية في المعاملات، أما اذا جعلنا النزاع في الصحة العرفية، و هل هي جزء من المعنى العرفي أو غير جزء- فإن النزاع يجري يقينا في المعاملات حيث تتحقق التسمية العرفية على القول بالأعم، و حينئذ نتمسك بالاطلاق، و لا تتحقق التسمية على القول بالصحيح فقط فلا إطلاق تماما كما هي الحال في العبادات.

41

و الجواب باختصار و بساطة: إن مرجع الشك في التسمية العرفية و اللغوية أيا كان مصدره هو التبادر و عدم صحة السلب، و ليس الاطلاق و غيره من الأصول اللفظية، لأن هذه الأصول وسيلة لإثبات الحكم للموضوع، و ليست وسيلة لتشخيص الموضوع و تعيينه- مثلا- قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وارد لبيان حكم العقد و وجوب الالتزام به، لا لتعريف العقد و تفسيره.

42

المشتق‏

المراد من المشتق‏

اختار الأصوليون لهذا الفصل اسم المشتق، و جعلوه عنوانا له، و المشتق في عرف النحاة إخراج الكلمة من مصدرها، كإخراج المسافر من السفر، و ليس هذا موضوع البحث، و فيما يلي البيان.

إذا أسندنا الى الذات اسما يمكن وصفها بمعناه- فلا يخلو هذا المعنى الموصوف به من كونه واحدا من الفروض التالية:

1- أن يكون نفس الذات المسند اليها، أو من مقوماتها بحيث تدور معه وجودا و عدما مثل المثلث له ثلاثة أضلاع، و الحجر جسم، و الانسان حيوان.

و هذا النوع خارج عن موضوع البحث لما يأتي:

2- أن يكون خارجا عن حقيقة الذات، و لكنه لازم لا ينفصل عنها كغريزة حب الذات و الحرص على الحياة. و هذا خارج أيضا عن محل الكلام.

3- أن يكون عارضا على الذات، و يمكن فصله عنها في الوجود بحيث ينقضي الوصف، و تبقى الذات. و هذا النوع من صميم ما نحن بصدده، و منه يتضح السبب الموجب لخروج الفرض الأول و الثاني، و دخول كل ما يمكن حمله على الذات، شريطة أن لا يكون ذاتيا و لا ملازما للذات، مشتقا كان كالضارب و المضروب، أو غير مشتق كالزوج و ذي عيال، أو اسم مكان كالمسجد أو اسم آلة كالمفتاح .. الى كل وصف لا يزول الموصوف بزواله.

43

و بهذا يتضح معنا أن موضوع البحث يعم و يشمل بعض الأسماء الجامدة، و يخرج منه بعض المشتقات، أما الأفعال فخارجة عنه تخصصا لا تخصيصا.

الزمان و المشتق‏

إذا قال قائل: زيد ضارب فهل تدل صيغة «فاعل» على أن الضرب حدث في الزمان الحاضر أو الماضي أو الآتي؟.

الجواب:

ان الأسماء بكاملها لا تدل على الزمان من قريب أو بعيد، أما الجامد منها كالقلم و الكتاب فواضح، و أما المشتق فهو موضوع للذات المتصفة بالمعنى الذي انبثق منه اسم الفاعل أو المفعول أو الصفة المشبهة- مثلا- الضارب اسم فاعل مشتق من الضرب، و الضرب يدل على الحدث و كفى. و هكذا سائر المشتقات.

و إذن فمن أين تأتي الدلالة على الزمان؟ أما قول النحاة: ان اسم الفاعل و المفعول إذا تجردا من اللام فلا يعملان عمل الفعل في المفعول إلا إذا كانا بمعنى الحال أو الاستقبال، أما هذا القول فالمراد به الدلالة على الزمان مع القرينة مثل الآن و الغد.

و على هذا جميع الاصوليين، بل قال صاحب الكفاية و غيره: حتى الأفعال لا دلالة فيها على الزمان، لأن صيغة افعل تدل على طلب الفعل فقط، و صيغة فعل تدل على مجرد الإخبار عن الحدوث و كفى، و صيغة يفعل تدل على أن الفعل ما زال في عالم الكتمان، و أنه سيظهر الى عالم الوجود. فأين هو الزمان و الدلالة عليه؟

أجل، ان الإخبار عن حدوث الفعل و وقوعه يدل بالملازمة العقلية على أنه حدث قبل زمان النطق في مكان ما، و ان الإخبار عما سيحدث يدل أيضا بهذه الملازمة على أن الحدوث يأتي بعد زمان النطق في مكان من الأمكنة. و بديهي ان دلالة اللفظ شي‏ء، و دلالة العقل شي‏ء آخر .. هذا، الى أن دلالة العقل يستوي فيها الزمان و المكان، و لا قائل بأن الفعل يدل على المكان، فالقياس يقضي أن لا يدل الفعل بوضعه على الزمان.

44

الحال و الماضي و الاستقبال‏

و تسأل: كيف يمكن الجمع بين قول الأصوليين: المشتق لا يدل على الزمان، و قولهم: هو حقيقة فيمن تلبس بالمبدإ في الحال، و مجاز فيمن تلبس به في الاستقبال اتفاقا، و محل الخلاف فيمن تلبس به في الماضي، فمن قائل بأنه مجاز، و قائل بأنه حقيقة في القدر المشترك بين الماضي و الحال؟.

الجواب:

أراد الأصوليون بالتلبس هنا مجرد اتصاف الذات بالمعنى و مباشرتها له في أي زمان، و مرادهم بالمبدإ المعنى و المصدر الذي انبثق منه الوصف، و أما الحال الذي أوقع السائل و غيره في الالتباس- فإن الأصوليين لا يريدون به الزمان، ما في ذلك ريب، و انما يريدون حالة اتصاف الذات بالمعنى و تلبسها به، و مباشرتها له بصرف النظر عن زمان الاتصاف و التلبس تماما كما تقول: قبض على فلان بالجرم المشهود، أي حال مباشرته الجريمة بصرف النظر عن زمن حدوثها.

أجل، ان المراد هنا بكل من الماضي و الاستقبال- الزمان، و لكن على انه ظرف لاتصاف الذات بالمبدإ و المصدر الذي انبثق منه الوصف، و ليس قيدا له (أي لمدلول المشتق). و هذا الظرف الذي حدث فيه الاتصاف قد يكون مقارنا لزمن النطق، و قد يكون سابقا عليه، أو لاحقا له. و بناء على ان الزمان ليس قيدا لمدلول المشتق نتساءل: اذا أطلقنا المشتق على الذات المتصفة بمصدره و مبدأه، و أردنا انها كذلك في زمان معين من الأزمنة الثلاثة- فهل يكون هذا الاطلاق حقيقة أم مجازا؟ و الجواب عن هذا التساؤل يستدعي التفصيل التالي:

1- أن نطلق المشتق على الذات لمجرد أنها قد اتصفت به في آن ما، مثل فاعل السوء مجزي به، و السارق يقطع، و الزاني يجلد، و من عبد صنما لا يكون إماما. و هذا النحو من الإطلاق حقيقة بالاتفاق، و خارج عن موضوع البحث.

2- أن نطلق كلمة ضارب على زيد- مثلا- قبل أن يباشر الضرب، نطلقها عليه لمجرد الحكاية و الإخبار بأنه سيكون ضاربا غدا. و قد اتفقوا على أن مثل هذا الاطلاق حقيقة حيث لاحظنا و اعتبرنا حالة الاتصاف و التلبس الآتية،

45

و على أساسها استعملنا اللفظ، و من الذي يشك في أن «باسما» مستعمل فيمن وضع له في قولنا: سوف يأتي زيد باسما.

3- أن تباشر الذات نوعا من الفعل في وقت ما، ثم ينقضي الفعل و تبقى الذات، كما لو ضرب زيد شخصا، و بعد الضرب قلنا: زيد ضارب، و أردنا مجرد الحكاية و الإخبار بأنه كان ضاربا في الأمس أي انه كان مصداقا لهذا الوصف في الماضي لا في الحاضر. و اتفق الجميع على ان هذا الإطلاق حقيقة و ليس بمجاز، لنفس السبب الذي أشرنا اليه في الصورة الثانية.

و إذا قصدنا أن مفهوم الضارب يصدق الآن على زيد الذي ضرب بالأمس، و انه بالفعل مصداق له و فرد من أفراده تماما كما لو كان الآن مباشرا للضرب دون أدنى تفاوت، إذا أردنا ذلك فهو محل الكلام، و من أجله جرى الخلاف و النزاع في أنه حقيقة أو مجاز. و يأتي البيان في الفقرة التالية.

محل النزاع‏

و الآن و بعد التمهيد بما يلقي الضوء على محل النزاع نشير اليه بالآتي:

اختلفوا في أن المشتق هل وضع لخصوص الذات المتصفة فعلا بالمبدإ و المصدر الذي انبثق منه المشتق بحيث لا يصدق على الذات حقيقة إلا اذا كان الوصف قائما فيها، و كانت هي متلبسة به حين الاطلاق حتى اذا زال الوصف و انتهى صدق المشتق على الذات مجازا لا حقيقة، أو أن المشتق موضوع للقدر الجامع الذي يعم و يشمل من اتصف بالمبدإ فعلا، و من انتهى عنه أيضا بحيث يستوي استعماله فيهما على قدم المساواة، و يكون إطلاق الضارب مثلا على الذات بعد الضرب حقيقة تماما كإطلاقه عليها حين الضرب، لأن كلا منهما فرد حقيقي للمشتق.

و تظهر ثمرة هذا النزاع فيما اذا تعلق خطاب الشارع بوصف، ثم زال و بقيت الذات، مثال ذلك أن يقول الشارع: «لا تقبل شهادة العدو على عدوه» و أن تحدث عداوة بين اثنين، و بعد ذهاب الشحناء و تصافي القلوب شهد أحدهما على الآخر، و شككنا في قبول هذه الشهادة، و السبب الموجب لشكنا هذا هو أن كلمة العدو هل تصدق حقيقة على من كان عدوا بالأمس دون اليوم أو لا؟

46

فبناء على ان المشتق موضوع لخصوص من تلبس بالوصف فعلا- يجب قبول الشهادة لعدم صدق التسمية و العنوان، و بناء على ان المشتق موضوع للأعم يجب ردها لصدق العنوان و التسمية.

الأقوال‏

و هي كثيرة، و المشهور منها قولان: الأول الوضع لخصوص المتصف فعلا دون غيره. الثاني للأعم، و استدل كل من الفريقين من جملة ما استدل بالتبادر و صحة السلب! .. و نميل نحن الى القول الأخص دون الأعم، لأن الماضي صار في خبر كان. و من الذي يشك في ان معنى فقير ذات ثبت لها الفقر، و معنى غني ذات ثبت لها الغنى، و ان من استعمل كلا من الكلمتين في معناها الفعلي فقد استعمل اللفظ فيما وضع له، و ان من استعمل كلمة الغني في الفقير لأنه كان غنيا فافتقر، و كلمة الفقير في الغني لأنه كان فقيرا فاغتنى- فقد استعمل اللفظ في غير ما وضع له؟.

و تسأل: لقد رأينا الناس يلقبون الانسان بكلمة قالها، أو فعلة فعلها حتى تصير علما عليه في حياته و بعد مماته، أ ليس هذا دليلا على ان المشتق للأعم؟.

الجواب:

كلا، لأن هذا اللقب أو هذا الاستعمال إنما جرى باعتبار حالة الاتصاف و التلبس تماما كالحكاية عما جرى و كان. و هذا خارج عن محل الكلام، كما تقدم.

و أتوا البيوت من أبوابها

و بعد، فإن بعض الأصوليين تحدث في هذا الفصل و أطال في التفريع و التعليل و العراك مع الخصوم في ساحة الكلام! و مرحبا بذلك و أكثر منه لو كان يهدي الى رشد في الفقه و مسائله.

ان المشتقات في النصوص الشرعية واضحة المعنى و المرمى، و يمكن ردها من حيث تعلق الحكم الشرعي بها الى نوعين: الأول المشتق الذي تعلق به الحكم ما دام الوصف قائما في الذات بالفعل بحيث يدور معه وجودا و عدما كالمسافر يقصر، و الحاضر يتم، و الجنب لا يمس الكتاب العزيز.

47

الثاني: المشتق الذي تعلق به الحكم لمجرد صدق الوصف على الذات في آن من الآنات بحيث يكون مجرد عروض الوصف علة للحكم حدوثا و بقاء كالسارق و السارقة فاقطعوا أيديهما، و كالزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما، و مثل لا ينال عهدي الظالمين .. الى غير ذلك كثير.

و كل من هذين النوعين أوضح و أبين من عبارة «الشيخ و المحقق». و ان دعت الحاجة الى الكلام في المشتق- فالذي ذكرناه فيه الكفاية و زيادة: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏- 189 البقرة».

48

لفظ الأمر

مادة الأمر

تقوم التكاليف الشرعية على الأمر و النهي، و بهما نميز بين حلال اللّه و حرامه و تتحقق الطاعة و الخروج عن عهدة التكليف، و من هنا كان لا بد لطالب الفقه من معرفة الأمر و النهي لفظا و معنى، و ما لكل من خصائص و أثر في دين اللّه و شريعته.

و للأمر مادة أي (أ م ر) و هي موضوع البحث في هذا الفصل، و له أيضا العديد من الصيغ نشير اليها في الفصل التالي مباشرة. و قد استعمل القرآن الكريم كلمة الأمر في معان شتى، و ما هي من شغلنا ما دامت لا تمت الى الفقه و أصوله بسبب، و الذي يهمنا هو أن كلمة الأمر اذا أطلقت بلا قرينة فأي شي‏ء يفهم منها. و في رأينا ان الأمر عند إطلاقه يدل على الحتم و الوجوب، إما بالوضع منذ البداية، و إما بالانصراف لغلبة الاستعمال، و لا يحمل على الندب إلا بقرينة، إذ لا فرق عند العرف بين قول الشارع: أمرت، و قوله: أوجبت أو حتمت أو فرضت أو كتبت عليكم.

و قيل: هو للقدر المشترك بين الوجوب و الندب، لأنه ينقسم اليهما، و يقال:

الأمر منه وجوب و منه ندب. و نجيب بأن هذا التقسيم إن دل على شي‏ء فإنه يدل على صحة الاستعمال و كفى، و بديهي ان الاستعمال يعم الحقيقة و المجاز، و العام لا يدل على فرد منه بعينه .. هذا، الى أن الأمر ينقسم أيضا الى التهديد و التعجيز و الإهانة، و لا قائل بأنه حقيقة في شي‏ء من ذلك.

49

و أيضا قيل: إن مادة أمر موضوعة لطلب القول الدال على طلب الفعل بصيغة أفعل و ما في معناها، فإذا استعملت هذه المادة في طلب القول مثل: و أمر أهلك بالصلاة، كان الاستعمال على سبيل الحقيقة، و ان استعملت في طلب الفعل مباشرة مثل أمرتك بالصلاة- فمجاز.

و نجيب بأن مادة الأمر تدل على الوجوب سواء تعلق هذا الوجوب بالقول، أم بالفعل، لأن كل واحد منهما فرد من أفراد المأمور به.

و من أوضح الأدلة على أن الأمر بمادته يدل على الوجوب قوله تعالى لإبليس:

«ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏- 12 الأعراف». فإن التعليل «بإذ» يومئ إلى أن الأمر بمجرده للإلزام، و مثل هذه الآية في الصراحة و الوضوح قوله سبحانه: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏- 63 النور». لأن الذم و التهديد إنما يتوجهان لمن أعرض و تولى عما وجب عليه وفاؤه و أداؤه. و قال: «أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي‏- 93 طه». و لا معصية بلا وجوب.

و قال الرسول الأعظم (ص): «لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» أي لو أمر لوجب، و لكنه لم يأمر فلم يجب. و يثبت الندب بدلالة الإشارة دون العبارة حيث لا مشقة في المندوب.

أما القول بأن الوجوب في الأمر مدلول للعقل دون اللفظ لحكمه بطاعة المولى فلسنا بحاجة اليه ما دام الأمر هو السبب الموجب، مباشرة أو بالواسطة و لا فرق في الحالين من حيث النتيجة.

العلو و الاستعلاء

قالت طائفة من الأصوليين القدامى و الجدد: ان العلو و الاستعلاء أو أحدهما جزء أو قيد لمدلول الأمر احترازا عن الدعاء و الالتماس، و مرادهم بالعلو سمو المكانة في الواقع و نفس الأمر، و بالاستعلاء إظهار العلو سواء أ كان لهذا الإظهار واقع أم لم يكن.

و نحن نرفض التعالي و العلو، لأن للإنسان و صفاته كلمات خاصة تدل عليه و عليها، و ليس منها أمره و نهيه، أجل قد يقال: فلان ذو أمر و نهي كناية

50

عن شأنه و مكانته، كما يقال: هو عريض القفا كناية عن البله و البلادة، و لكن الكناية عن العلو شي‏ء، و اعتباره قيدا لمدلول الأمر شي‏ء آخر.

و تسأل: إذا لم تعتبر العلو أو الاستعلاء في مفهوم الأمر فبأي شي‏ء نحترز من طلب الداني و المساوي؟

الجواب:

إن أمر الداني و المساوي يدل بالوضع على الوجوب تماما كأمر العالي، و لكن الطاعة لا تجب إلا بحكم العقل، و هو لا يحكم بها إلا اذا صدر الأمر من العالي بحق حيث لا قدسية لغيره.

اتحاد الطلب و الارادة

هذه المسألة مكانها في علم الكلام، لأنها كلامية بحت، و لا تمت الى الفقه و أصوله بسبب، و لكن علماء السنّة أشاروا اليها في كتب الأصول، و في مبحث الأمر بالخصوص لا لشي‏ء إلا لمكان كلمة الأمر و الطلب، و تبعهم جماعة من علماء الشيعة، و أطالوا الحوار نقضا و إبراما بلغة العلّامة المتعمق لا بلغة خالي الذهن و طالب الفهم! و أشرنا اليها نحن لإعطاء فكرة واضحة عن أصل الموضوع و بقصد التسهيل و شق السبيل الى فهم عبارة الكفاية المقررة للتدريس و غيرها، و ليكون الطالب على بينة مما يقرأ و يسمع، و لا يخبط في التيه، و هو في توهمه الطريق الواضح.

بين المعتزلة اتباع واصل بن عطاء، و الأشاعرة- و هم السنّة- أتباع أبي الحسن الأشعري، بين هاتين الطائفتين خلاف كبير في العديد من مسائل العقيدة .. و الشيعة الإمامية يلتقون مع السنّة في بعض هذه المسائل دون المعتزلة، و أيضا يلتقون مع المعتزلة دون السنّة في بعضها الآخر (1). و من هذا البعض مسألة اتحاد الطلب و الإرادة.

____________

(1) في آخر كتاب معالم الفلسفة الإسلامية فصل بعنوان الإمامية بين الأشاعرة و المعتزلة- ذكرت فيه طرفا من هذه المسائل. و للأخ العلامة السيد هاشم معروف كتاب خاص باسم الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة.

51

و ملخصها أن السنّة قالوا في كتب علم الكلام و أصول الفقه: لا تلازم إطلاقا بين الإرادة و الطلب المدلول عليه بالأمر و النهي، و ان اللّه سبحانه كثيرا ما يأمر عبده بما يكرهه منه و لا يريده، و ينهاه عما يحبه منه و يريده. و استدلوا على ذلك بأن كل ما وقع و يقع في الوجود من خير و شر فهو مراد للّه، و كل ما لم و لن يقع فهو غير مراد له خيرا كان أم شرا، لأنه تعالى ما شاء كان، و ما لم يشأ لم يكن.

و الثابت بالقطع و الاتفاق أن اللّه طلب الإيمان من الكافر الذي عصى و أصر على الكفر، و لو كانت الإرادة عين الطلب أو لا تنفصل عنه بحال لكان اللّه مريدا للإيمان الذي طلبه من العاصي، و هذا محال لأن معناه ان اللّه أراد شيئا من عبده و لكن العبد غلب الخالق على ما أراد .. مضافا الى أن اللّه سبحانه يعلم مقدما أن العاصي المتمرد لن يؤمن بحال و مع ذلك طلب منه الإيمان و أمره به، و بديهي أن الحكيم يستحيل في حقه أن يريد شيئا و هو يعلم سلفا بأنه ممتنع الوجود و مستحيل الوقوع. و إذا بطل هذا تعين أنه لا تلازم بين الطلب و الإرادة. و أنه تعالى يطلب الإيمان من المتمرد و لا يريده بدليل عدم تحققه، و انه سبحانه ينهاه عن الكفر و هو يريده منه بدليل تحققه. (انظر من كتب الأصول للسنّة كتاب جمع الجوامع و شرحه مبحث الأمر، و من كتب علم الكلام الجزء الثامن من المواقف و شرحه المقصد الرابع في ان اللّه مريد لجميع الكائنات، غير مريد لما لا يكون).

و قال الشيعة و المعتزلة: ان الارادة لا تنفصل عن الطلب بحال، و الدليل على ذلك واضح و بسيط، و هو أن الناس، كل الناس، يفهمون بالفطرة أن العاقل إذا أراد شيئا من غيره طلبه منه و أمره به، و إذا كره شيئا منه نهاه عنه و حذره منه. و يستحيل في حقه تعالى أن يطلب الايمان من المعاند و لا يريده، و ينهاه عن الكفر و يريده، يستحيل ذلك لأمرين:

1- ان من طلب شيئا لا يريده، أو نهى عن شي‏ء يريده فهو أحمق و سفيه في نظر العقلاء. تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا. و اذا استحال في حق الحكيم أن يريد ما يعلم مقدما انه محال و ممتنع- كما يقول السنّة- فأيضا يستحيل في حقه أن يطلبه و يأمر به.

52

2- قال سبحانه: «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ‏- 6 المائدة». و ليس من شك ان إرادة التطهير منه تعالى لعباده هي عين إرادة الإيمان و كراهية الكفر، و الى هذا يومئ قوله:

«لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ» حيث لا نعمة إطلاقا توازي نعمة الإيمان. و أيضا قال سبحانه: «وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ- 7 الزمر» .. «وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ- 31 غافر». و اذا عطفنا على هذه الآيات و أمثالها، عطفنا عليها الآيات الآمرة بالإيمان الناهية عن الكفر- تبين لنا جليا ان إرادته لا تنفصل عن طلبه أمرا و نهيا.

أما القول بأن اللّه لو أراد الإيمان من المعاند المتمرد لكان سبحانه مغلوبا على أمره، لأنه لم يبلغ ما أراد، أما هذا القول فجوابه ان للّه إرادتين: إرادة الخلق و التكوين، و هي التي يوجد المراد بمجرد وجودها، و لا ينفصل عنها بحال و لا تحتاج الى كلام و صيغة حتى يقال: هل هي متحدة مع الطلب أو منفصلة عنه. و الارادة الثانية إرادة التشريع و دعوة المكلف الى الطاعة و الامتثال بإرادته و اختياره. و لا بد لهذه الارادة من أمر و نهي و دعوة لعمل الخير و الكف عن الشر بلا جبر و إكراه.

و من قال باتحاد الطلب و الارادة أو بالتلازم بينهما قصد إرادة الإرشاد و التشريع لا إرادة الخلق و التكوين. و ليس من شك ان إرادة التشريع و الدعوة لا تستلزم المراد إلا اذا اختار المكلف، لأن المأمور به أو المنهي عنه مشروط بهذا الاختيار ..

و أي عالم يشك في أن اللّه أمر بالمشروعات و نهى عن المحظورات بإرادة التشريع دون التكوين، و ان عليها وحدها مدار الابتلاء و المثوبة و العقوبة. قال سبحانه:

«لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- الكهف». و في نهج البلاغة: «إن اللّه يختبرهم ..

و ان كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، و لكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب و العقاب».

53

صيغة افعل‏

الأمر دون حروفه‏

عقد الأصوليون للأمر فصلين، تحدثوا في الأول عن لفظه و مادته (أ م ر).

و تكلموا في الثاني عن صيغته دون حروفه مجتمعة. و نحن وجدنا آباءنا على أمة فاقتدينا و خصصنا الفصل السابق للمادة، و هذا الفصل لكل صيغة تدل على الأمر تماما كما فعل السلف.

و تسأل: ان موضوع البحث عام في هذا الفصل لكل صيغ الأمر كما أشرت سواء أ كانت فعل أمر كأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة، أم فعل مضارع اقترن باللام مثل فلينفق ذو سعة من سعته، أم جملة خبرية كالمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أم اسم فعل نحو صه بمعنى اسكت، و مه بمعنى اكفف و غير ذلك.

و ما دام البحث بهذا العموم و الشمول فلما ذا عنونه الأصوليون بصيغة «افعل»؟.

الجواب:

لخفتها و كثر استعمالها بخاصة في النصوص الشرعية.

سؤال ثان: ان معنى مادة الأمر و صيغته واحد، و لا فرق إلا في الشكل و اللفظ، فلما ذا أفرد الأصوليون لكل منهما فصلا مستقلا؟.

الجواب:

1- قد جرى الخلاف حول لفظ الأمر هل هو موضوع الطلب القول:

افعل فقط، أو لطلب هذا القول و الفعل، كما سبقت الإشارة، و هذا النزاع لا يتصور إطلاقا في صيغة افعل.

54

2- من تتبع النصوص الشرعية كثيرا ما يرى صيغة افعل مستعملة في الندب حتى ظن كثيرون أنها موضوعة للقدر المشترك بينه و بين الوجوب، و لم يرد لفظ الأمر للندب في هذه النصوص، أو ورد نادرا. و من هنا جرى البحث في كل على حدة.

العرف و صيغة افعل‏

في كتاب (جمع الجوامع و شرحه) ان صيغة افعل ترد لستة و عشرين معنى، و ذكرها كاملة مع التمثيل لكل معنى، من ذلك الوجوب: أَقِيمُوا الصَّلاةَ،* و الندب: فَكاتِبُوهُمْ، و الامتنان: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ،* و الإكرام: ادْخُلُوها بِسَلامٍ،* و التعجيز: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، و الامتهان: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ* الخ ..

و من النظرة الأولى الى أكثر هذه المعاني و مواردها- نجد صيغة افعل مستعملة في غير مكانها الطبيعي، و كفى بذلك دليلا على الخروج عن محل الكلام.

و في تقريرات النائيني لتلميذه الخراساني أن صيغة افعل لم تستعمل إطلاقا في أي معنى من تلك المعاني حتى الوجوب، و يتلخص دليله المطول بأن المادة في افعل موضوعة للحدث، و الهيئة للنسبة الانشائية، و لا شي‏ء وراء ذلك- مثلا- المادة في اضرب موضوعة للضرب، و الهيئة لنسبة الضرب الى الضارب ان شاء لا إخبارا، فأين الوجوب و التهديد و ما اليهما؟.

أجل، ان انشاء النسبة يكون مرة بقصد الطلب، و تارة بدافع الامتهان، وحينا بداعي التهديد، الى آخر ال 26 معنى. و ليس معنى هذا ان كلمة افعل بمادتها أو بهيئتها أو بهما معا- موضوعة أو مستعملة في شي‏ء من هذه المعاني، كلا بل مستعملة في معنى واحد فقط، و هو انشاء النسبة، كما أشرنا. و بعد ثلاث صفحات قال المقرر ما معناه: نعم، اذا أنشأ الشارع أو المولى نسبة الفعل الى الفاعل مريدا بعثه و تحريكه نحو الفعل، اذا كان الأمر كذلك حكم العقل بوجوب الطاعة، و عليه يكون الوجوب بحكم العقل لا بدلالة اللفظ.

و قد يكون هذا القول مسموعا من جانب النقاش النظري، أما من الجانب العملي فلا جدوى منه، و لا يسوغ الركون اليه في محل النزاع و الخلاف، و هو كما حرره الأصوليون، ما ذا يفهم أهل العرف من صيغة افعل اذا تجردت عن‏