علم الأصول تاريخاً وتطوراً

- الشيخ علي القائيني المزيد...
212 /
5

فهرس الموضوعات‏

كلمة المؤلف 11

القسم الاول 13

الفصل الاول فى الامور العامة 15

تعريف علم الاصول 17

الادلة: 17

القرآن 17

السنة 18

الاجماع 18

العقل 18

ارتباط علم الاصول و علم الفقه 19

مقدمات عملية الاستنباط 19

علم النحو، تفسير القرآن، علم المنطق، علم الحديث، علم الرجال، علم الاصول. 20

اولا القرآن الكريم، ذكر قسم من كتب آيات الاحكام 20

ثانيا السنة، السنة تنحصر باحاديث الرسول، او تشمل روايات اهل البيت (ع)؟ 23

ثالثا الاجماع 24

رابعا العقل 25

خامسا فى امور اخرى تقع فى طريق الاستنباط 25

الفصل الثاني 27

الاجتهاد في عصر الائمة (ع) 29

6

الادلة العقلية 31

الادلة النقلية 33

روايات الادلة النقلية: 34

الاجتهاد، 35

التقليد و شرائط من يصحّ تقليده 35

وجوب الرّد الى الكتاب و السنّة و اخذ الاحكام منهما، و حجيّة الظواهر و العموم 36

جواز العمل بالعام و المطلق و نحوهما، و جواز التفريع على الاصول الكليّة 37

اصل البراءة 37

اصالة الحل في المشتبه مع عدم العلم 38

حجيّة خبر الواحد الثقة 39

جواز نقل الحديث بالمعنى 39

عدم جواز التكليف بما لا يطاق 39

وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة 40

الاستصحاب 40

عدم جواز العمل بالقياس و الرأي 42

التعادل و الترجيح بين الاخبار المتعارضة 42

كلام السيد الصدر في ابطال الزعم بتقدم اهل السنة فى الاجتهاد على الشيعة 43

الفصل الثالث 47

الزمامة الدينية للفقهاء 49

عملية الاستنباط عند الاصوليين و الاخباريين 50

الفتوى في الصدر الاول 52

كلام مع الشهيد الصدر 55

كلام المحدث الجزائرى 56

العوامل التي ادّت الى حدوث الفكرة الاخبارية 58

الفصل الرابع 61

موقف الشيعة من القياس و الاستحسان 63

القسم الثانى 65

7

الفصل الاول 67

تمهيد، موجز المباحث في المدارس الاربعة 69

المدرسة الاولى 72

علماء الاصول في المدرسة الاولى 72

المعاهد العلمية: 74

مدرسة المدينة المنوّرة 74

ملامح المعهد الثقافي للمدينة المنوّرة 77

مدرسة الكوفة 82

ملامح مدرسة الكوفة 83

مدرسة قم 84

قم فى العصر الحديث 88

مميزات مدرسة قم 90

الفصل الثاني 93

المدرسة الثانية 95

المبحث الاول: اهم علماء الاصول في هذه المدرسة 95

السيد المرتضى و عدم عمله بالخبر الواحد 108

ملامح المدرسة الثانية 116

المبحث الثاني: اهم الكتب الاصولية 117

المبحث الثالث: المعاهد العلمية 119

مدرسة بغداد 119

ملامح مدرسة بغداد 121

الفصل الثالث 125

المدرسة الثالثة 125

المبحث الاول اهم رجال هذه المدرسة: 127

الشيخ الطوسى 127

ابن ادريس الحلي 136

المحقق الحلي 137

العلامة الحلي 138

فخر المحققين 140

8

الشهيد الاول 141

الشهيد الثاني 144

العلامة البهائى العاملي 145

صاحب المعالم 146

النزعة الاخبارية 148

الوحيد البهبهاني يصوّر الصراع مع الازمة الاخبارية 149

البحث الاصولي في الازمة الاخبارية 150

الفاضل التوني 151

المحقق الخوانسارى 151

سلطان العلماء 152

المحقق الشيرواني 152

ظواهر و ملامح المدرسة الثالثة 153

المبحث الثاني اهم الكتب الاصولية في هذه المدرسة 155

المبحث الثالث اهم المعاهد العلمية في المدرسة الثالثة 159

مدرسة النجف الاشرف 159

ملامح مدرسة النجف الاشرف 161

مدرسة الحلة 162

ملامح مدرسة الحلة 163

مدرسة المشهد الرضوى في خراسان 163

الفصل الرابع 165

المدرسة الرابعة 165

المبحث الاول: اهم رجال هذه المدرسة 168

مقاومة الوحيد البهبهاني للازمة الاخبارية 168

عوامل انتصار المحقق البهبهاني على النزعة الاخبارية 169

الدور الاول 170

السيد مهدى بحر العلوم 170

كاشف الغطاء 171

اسد اللّه التستري 172

المرزا القمى 173

سيد على صاحب الرياض 174

9

الدور الثاني 174

محمد تقى الاصفهاني 174

محمد حسن الاصفهاني 175

شريف العلماء المازندرانى 175

ملا احمد النراقي 176

السيد ابراهيم القزوينى 177

محمد ابراهيم الكلباسى 178

محمد حسن صاحب الجواهر النجفي 178

السيد محسن الاعرجى 179

الدور الثالث 179

المحقق الانصارى 179

تلامذة المحقق الانصارى 186

مرزا حسن الشيرازى 186

مرزا ابو القاسم كلانتر 188

مرزا حبيب اللّه الرشتى 189

محمد حسن الآشتياني 190

الآخوند الخراساني 192

مروّجو مدرسة المحقق الانصارى 194

مرزا حسين النائيني 194

آغا ضياء العراقي 195

محمد حسين الاصفهاني الكمپاني 196

المبحث الثاني: اهم الكتب الاصولية في هذه المدرسة 197

المبحث الثالث: اهم المعاهد العلمية في هذه المدرسة 204

مدرسة كربلاء 204

مدرسة اصفهان 204

الخاتمة 207

فوائد عامة 207

اصول الفقه 207

الحاشية 208

التقريرات 209

كلمة الختام 210

المصادر 211

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

كلمة المؤلف‏

انّ أصحابنا الإمامية في سالف الزمان كانوا يسعون في بسط العلوم الاسلامية في أجواء المجتمع عن طريق التدريس و التأليف و المحاورات و غيرها من طرق التعليم و النشر.

و لقد تقدّموا تقدّما كبيرا في مختلف ميادين العلم بحيث انّهم توصّلوا الى أشياء لم يسبقهم إليها أحد، فبلغوا بتطوّر علومهم أعلى الدرجات.

و الباحث في هذا المجال بعد التحقيق و الدراسة الشاملة لكلّ الجوانب يعطي النصفة من نفسه، و يعترف بمدى هذا الجهد العظيم الذي بذله علماؤنا الإمامية في هذا الميدان.

و كان سبب هذا الجهد المتواصل من أصحابنا، و بذل جميع طاقاتهم لإحساسهم بحاجة المجتمع الاسلامي الى هذه العلوم، و كلّما أحسّوا بظهور بعض العلوم بذلوا الجهد و العناء في سبيل تحصيل ذلك.

و العامل المهم في هذا المجال و حصول هذه الثقافة العظيمة التي لم يسبق لها مثيل في العالم، هو: مجي‏ء الإسلام و تصميم أبنائه على الوصول الى مجتمع انساني، و بناء ثقافة جديدة في جميع الجهات، و لم يكتف بارشاد أبنائه فقط.

بل تعدّى ذلك الى سدّ حاجة المجتمع في جميع المجالات العلمية كالهندسية و الطّبيّة و غيرها.

و بما انّ الحصول على علم الطبّ و مسائله يتوقّف على دراسة هذا العلم، لذا فانّنا نرى الشريعة قد جعلت تحصيل هذه العلوم فرضا كفائيّا على أبناء الاسلام.

إذ بدون وجود هذه العلوم لم يكن ممكنا الوصول الى النظام الكامل، الذي هو أمنية الاسلام و هدفه.

12

فقد علم ممّا ذكر: انّ العلوم الاسلامية هي ما يتوقّف عليها حفظ النظام، و ما يوجب تقدّم المجتمع الاسلامي.

و من أجل ذلك وجدت الثقافة الاسلامية في مختلف العصور، و كانت هذه العلوم موضع اهتمام و رعاية أبناء الاسلام، و لو نظرنا الى ما جاء في التعلّم و التعليم من الترغيب و الفضيلة، لوجدنا انّ الاسلام قد ارتفع بهذه المسألة حتى عدّها من الفرائض: فقد حثّ الاسلام أبناءه على طلب العلم بشتى الوسائل و مهما كانت المشقّات، كمشقة السفر الى البلاد البعيدة و غير ذلك.

فها هو الرسول الأكرم (ص) يطالبنا بأحاديثه الشريفة في هذا الباب فيقول:

«أطلب العلم و لو بالصين» و يقول: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم و مسلمة».

و ممّا يمتاز به الاسلام السماح لأبنائه في تحصيل ما يحتاجون إليه من العلوم بصرف النظر عن مصادر تلك العلوم من جهة كونها اسلامية أو غيرها.

و لذا نرى انّ الثقافة الاسلامية قد أخذت من الثقافات الأخرى و استخدمتها، دون ما مسّ باستقلال الثقافة الاسلامية، بل على العكس أضفت الثقافة الاسلامية صبغتها على ما أخذته من الثقافات الأخرى، و عكست صورتها على جميع ما استخدمه أبناء الاسلام من الثقافات القائمة آنذاك كالثقافة الهنديّة و اليونانيّة و الإيرانيّة و غيرها.

و لذا نجد انّ المحقّقين المنصفين في الشرق و الغرب قد اعترفوا بأنّ الثقافة الاسلامية تعدّ من أوسع الثقافات العالمية القائمة.

و نحن ما قمنا بهذا البحث إلّا لدراسة جانب من الثقافة الاسلامية التي قامت على أكتاف أصحابنا من علماء المذهب الإمامي ذلك هو «علم أصول الفقه»، و بما انّ بحث و دراسة جميع العلوم الاسلامية يحتاج الى لجان متعددة تصبّ فيها طاقات كثيرة و مختلفة.

لذا اختصرنا في دراستنا هذه على علم أصول الفقه من بين تلك العلوم الجمّة، و في هذه الحلقة من البحث نقدّم:

1- نشوء هذا العلم و ظروف تأسيسه.

2- المدارس الكبيرة و أعظم الشخصيات المعروفة الذين كان لهم دور في تطوير هذا العلم، و قد أرجأنا دراسة تطوّر مباني هذا العلم الى الحلقة الثانية إن شاء اللّه.

و بناء على قلة الذين بحثوا في هذا الموضوع و درسه فقد تحمّلنا صعوبة هذا البحث مستمدّين من اللّه العون و التوفيق.

قم المقدّسة: علي الفاضل القائني النجفي‏

27 رجب 1403 ه

13

القسم الاول نشأة علم الاصول و ظروف تأسيسه‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

الفصل الأول في الأمور العامة

* تعريف علم الأصول‏

* الأدلة

* ارتباط علم الأصول و علم الفقه‏

* في مقدمات عملية الاستنباط

* تفصيل الأدلة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الأمور العامة

و لا بدّ لنا قبل البحث أن نذكر أمورا:

الأمر الأوّل تعريف علم الأصول:

عرّف علم الأصول بأنّه: «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية».

و غايته:

هي القدرة على استنباط الأحكام الشرعية عن مداركها المعيّنة.

و موضوعه:

الأدلّة الأربعة، أو ما يقع في طريق الاستنباط.

الأمر الثاني: [الأدلة]

و الآن و بعد أن تعرفنا على علم أصول الفقه و انّه هو الذي يوصلنا الى استنباط الحكم الشرعي من أدلته التفصيلية لا بدّ أن نتعرف على ماهية تلك الأدلة و هي عند الشيعة:

1- القرآن الكريم:

و يعبّر عنه ب «الكتاب» و هو الدستور الإلهي، و قد جاءت فيه جملة من أمّهات الأحكام.

18

2- السنّة:

و هي عبارة:

1- أوامر المعصوم و نواهيه، و تعليماته التي فاه بها.

2- أفعاله و أعماله التي قام بها، و التي نشعر باباحتها، إلّا إذا أتى بها بعنوان الوجوب أو الاستحباب، فتدلّ على وجوب ذلك العمل أو استحبابه، ما لم يكن ما أتى به من خصائصه كنوافل الليل و نحوها.

3- تقريراته التي أقرّ بها على عمل من أصحابه بمحضر و منظر منه.

3- الإجماع:

فاذا لم يجد من أراد الظفر بحكم، و لم يحصّل بغيته في ظواهر الكتاب، و لم يتمكّن من الوصول إليه عن طريق السنّة، فانّ وجد انّ الفقهاء قد اتّفقوا على فتوى واحدة في ذلك الحكم وجب عليه الأخذ بإجماعهم، إمّا لأنّ الأمّة لا تتفق على الخطأ، أو لأنّ اجماعهم يكشف عن قول المعصوم.

4- العقل:

. فاذا لم يحصّل الطالب، أو المجتهد بغيته في الكتاب، و لا السنة، و لم يكن هناك اجماع للأصحاب في المسألة، يصل الأمر و تعيين الوظيفة بما يقتضيه العقل من الأصول العملية.

مثلا إذا لم يعثر على حكم التدخين في الكتاب و السنة و الإجماع، فلا بدّ من الرجوع الى حكم العقل الذي يحكم «بقبح العقاب من دون بيان» فتكون النتيجة: ترخيص التدخين في الشريعة، لعدم وصول بيان في هذا الموضوع من قبل الشارع في الكتاب و السنة و لم يقم فيه اجماع، فعليه يحكم العقل باباحة التدخين، و براءة ذمة المكلّف من الحرمة.

19

فاتّضح من هذا أنّ عملية استنباط و استخراج الحكم الشرعي إنّما تكون من هذه المصادر الأربعة، أعني: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل، و سنتكلّم عن كلّ من هذه المصادر بتفصيل أكثر إن شاء اللّه.

*** [الأمر الثالث: ارتباط علم الاصول و علم الفقه‏]

الأمر الثالث: انّ علم أصول الفقه له ارتباط عميق مع «علم الفقه»، و النسبة الموجودة بينهما نسبة المقدمة الى ذي المقدمة، فهو بالنسبة للفقه كالمنطق بالنسبة الى الفلسفة.

و لأجل هذه الرابطة العميقة بين علم الأصول و علم الفقه يعبّر عن هذا العلم ب «أصول الفقه»، أي انّ علم الأصول يعدّ بمثابة الأسس و الأركان لعلم الفقه.

فعلم الفقه إذا:

في اللغة: الفهم، و اصطلاحا: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها التفصيلية.

و أخذ الكلمة «الفرعية» في هذا التعريف لحصر البحث و خروج الأصول الاعتقادية عن دائرة موضوع الفقه.

و تحصيل العلم بالأحكام الشرعية له طرق و أسباب خاصة سوف نبحث فيها.

[الأمر الرابع: مقدمات عملية الاستنباط]

الأمر الرابع: انّ الفقيه هو الذي يحصل له العلم بالأحكام الشرعية بواسطة عملية الاستنباط، و بذل طاقته من الأدلة و المنابع الخاصة، و هذه العملية تتوقّف على تحصيل مقدمات و هي:

1- علم النحو، و الصرف، و اللغة، و المعاني و البيان، و البديع،

و ذلك انّ القرآن و الحديث باللغة العربية و بدون الاحاطة و العلم بهذه المواد المذكورة لا يمكن استخراج الحكم و الاستفادة من القرآن و الحديث.

2- تفسير القرآن الكريم.

نظرا الى انّ الفقيه يريد الرجوع الى القرآن المجيد و استنباط الحكم الإلهي منه فلا بدّ أن يكون عالما و لو على نحو الإجمال بعلوم القرآن و التفسير.

20

3- علم المنطق،

كلّ علم استخدم فيه الاستدلال لا ثبات مسائله لا بدّ لطالبه من التضلّع و العلم بالقواعد المنطقية حتى يتمكّن من الوصول الى هدفه و الحصول على ما يبتغيه من ذلك العلم.

4- علم الحديث،

فالفقيه لا بدّ من أن يكون عارفا بأقسام الحديث من الصحيح و الضعيف و غيرهما من الأحوال التي يبحثها هذا العلم.

5- علم الرّجال،

و هذا العلم يتناول رجال سند الحديث و شهادات أصحاب كتب الرجال لهؤلاء بالوثاقة، أو عدمها لتحديد امكانية الاعتماد عليهم في صحة الروايات التي رووها عن المعصومين (عليهم السلام).

فعلم الحديث يتناول الراوي من جهة كونه عدلا، إماميّا، أو ثقة، أو ضعيف، أو مجهول، و ما الى ذلك من أحوال الراوي.

6- علم الأصول،

و هو أهم ما يحتاج إليه الفقيه في عملية استنباط و استخراج الحكم الشرعي من الأدلة، و هذا العلم يبيّن لنا كيفية الاستنباط و اخراج الحكم من المصادر التي سنبحثها.

و لأجل أهميّة عملية استنباط و استخراج الحكم الشرعي من المنابع و الأدلة سنرسم لك صورة واضحة لكلّ من هذه الأدلة.

أولا: القرآن الكريم‏

القرآن الكريم و هو أوّل مصدر لعملية الاستنباط و تحصيل الحكم الشرعي، و لا يعني هذا انّ جميع الآيات القرآنية عبارة عن أحكام شرعية، و إنّما قسم منها (حوالي خمسمائة آية من ستة آلاف و ستمائة و ستين آية على المشهور).

و لقد اجتهد أصحابنا و بذلوا طاقتهم في تفسير هذه الآيات، و لهم كتب و تصانيف تختصّ بهذه الآيات، و يعبّر عنها ب «آيات الأحكام» و قد تفنّن المؤلفون في دراسة هذه الآيات، و أشهر الأساليب المتبعة في تفسير آيات الأحكام أسلوبان:

1- ترتيب الآيات حسب السور الواردة في القرآن الكريم من سورة البقرة الى آخره.

21

2- ترتيبها بحسب الأبواب الفقهية المتّبعة في تصانيف الفقهاء (من كتاب الطهارة الى كتاب الدّيات).

أوّل من ألّف و صنّف في «آيات الأحكام» أو فقه القرآن هو محمد بن السائب الكلبي كما قال السيد الصدر في تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام‏ (1).

و يؤيّد كلام السيد الصدر قول ابن النديم في الفهرست عند ذكره للكتب المؤلفة في أحكام القرآن ما لفظه:

كتاب أحكام القرآن للكلبي، رواه عن ابن عبّاس‏ (2)

و هذا لا يتّفق و ما أورده السيوطي في كتابه «الأوائل»: من انّ الإمام الشافعي هو أوّل من صنّف كتابا في آيات الأحكام، فانّ محمد بن السائب الكلبي توفي في سنة (146) هجرية كما سنرى بينما نجد انّ الإمام الشافعي قد توفي سنة (204) هجرية، و كان له من العمر (54) سنة.

و ذكر في طبقات النحاة أوّل من كتب في أحكام القرآن هو القاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياتي القرطبي الأندلسي الأخباري اللغوي المتوفى (304) ه عن ثلاث و سبعين سنة (3).

و أيّا ما كان فهو متأخّر عن محمد بن السائب، اللهم إلّا أن يريد أوّل من صنّف في هذا من علماء السنة و الجماعة، و ذلك لا ينافي لما ذكرنا من تقدّم أصحابنا الإمامية في ذلك.

و قد ألّف و صنّف من علماء الشيعة في فقه القرآن جمّ غفير، و سنتعرّض فيما يلي الى أهمّ من كتب في ذلك:

1- أبو النضر محمد بن السائب الكلبي المتوفى (146) ه و كان من أصحاب الإمام أبي جعفر الباقر، و الإمام أبي عبد اللّه الصادق (عليهما السلام).

2- أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشر بن زيد بن أدرك بن بهمن الخراساني البلخي ثمّ‏

____________

(1)- تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام/ 321.

(2)- فهرست ابن النديم/ 57.

(3)- تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام/ 321.

22

الرازي المتوفى (150).

3- أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكوفي المتوفى (206) و كان كأبيه من أصحاب الصادقين (عليهما السلام).

4- الوزير أبو الحسن عبّاد بن عبّاس بن عبّاد الطالقاني المتوفى (385).

5- ابنه الوزير كافي الكفاة الصاحب اسماعيل بن عبّاد المتوفى (385).

6- قطب الدين أبو الحسن سعيد بن هبة اللّه بن الحسن الراوندي المتوفى (573).

7- أبو الحسن محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيشابوري الكيدري المتوفى بعد (576).

8- فخر الدين أحمد بن عبد اللّه بن سعيد بن المتوّج البحراني المتوفى بعد (771).

9- أبو عبد اللّه المقداد بن عبد اللّه بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري الأسدي الحلي النجفي المتوفى (826).

10- جمال الدين أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن الحسن بن المتوّج البحراني المتوفى بعد (836).

11- ناصر بن جمال الدين أحمد المتوفى حدّ (860).

12- كمال الدين حسن بن شمس الدين محمد الاسترابادي النجفي المتوفى حد (900).

13- شرف الدين علي بن محمد الشهفينكي المتوفى (907).

14- أحمد بن محمد المحقق الأردبيلي النجفي المتوفى (993).

15- أبو الفتح بن الأمير مخدوم بن الأمير شمس الدين محمد الحسيني المتوفى سنة (986).

16- شجاع الدين محمود بن علي الحسيني المرعشي المازندراني توفي زمن السلطان طهماسب الأول الصفوي.

17- مرزا محمد بن علي بن ابراهيم الحسيني الأسترآبادي المتوفى سنة (1026).

18- رفيع الدين محمد الصدر بن شجاع الدين الحسيني المرعشي المتوفى سنة (1034).

19- محمد اليزدي الشهير بشاه قاضي المتوفى حد (1040).

20- محمد بن الحسين العاملي المتوفى حد (1080).

21- محمد سعيد بن سراج الدين قاسم الطباطبائي القهبائي المتوفى سنة (1092).

22- محمد بن علي بن حيدر الموسوي العاملي المكّي المتوفى سنة (1139).

23- المرزا محمد ابراهيم الشهير بالميرزا إبراهيم الحسيني التبريزي المتوفى سنة (1149).

24- أحمد بن اسماعيل الجزائري المتوفى سنة (1150).

25- ملّا محمد جعفر بن سيف الدين الاسترابادي الشهير بشريعتمدار المتوفى سنة (1263).

26- علي بن ملّا محمد جعفر الاسترابادي الشريعتمداري المتوفى سنة (1315).

27- محمد ثقة الاسلام بن فضل اللّه الساروي المتوفى سنة (1342).

28- محمد مهدي البنابي المراغي الحائري المتوفى سنة (1345).

29- محمد باقر بن محمد حسن القايني البيرجندي المتوفى سنة (1352). (1)

____________

(1)- و لمزيد الاطلاع فليراجع كتاب الذريعة 4: 231.

23

ثانيا السنة:

و هي عبارة عن قول و فعل و تقرير النبي أو الإمام.

فلو ثبت من طريق الأحاديث ان حكما بيّنه النبي أو الإمام، أو حصل لنا العلم بأن المعصوم فعل شيئا، أو أتى بعمل. أو ثبت انّ عملا أتى به أحد أصحابه في مرئى و مسمع منع و لم يردع و يمنع عنه فان عدم ردعه عن ذلك العمل إمضاء له.

و لا خلاف بين طوائف المسلمين في حجّيّة السنة، انّما حصل الخلاف في أمرين:

الأمر الأوّل- هل السنة هي الروايات المنقولة عن النبي (ص) و لم تشمل روايات أئمة أهل البيت (ع)؟ أو انّ السنة تشمل ذلك أيضا؟

ذهب أهل السنة و الجماعة الى حجيّة السنة النبوية فقط، و امّا الشيعة فيعتبرون أقوال الأئمة (ع)، و أفعالهم، و تقريراتهم امتدادا للسنّة النبوية المطهّرة في عملية الاستنباط، و ذلك استنادا الى روايات وردت عن الرسول (ص) و لم ينفرد الشيعة بروايتها، و إنّما ذكرت في مجاميع أهل السنة أيضا مثل قوله (ص): انّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما، و انّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض‏ (1).

الأمر الثاني- هل انّ حجيّة السنة و العمل بها يتوقّف على ما كان قطعي الصدور من قول و فعل و تقرير المعصوم؟ أم انّ الحجيّة تتعدّى الى أبعد من ذلك فتشمل ما كان ظنّي الصدور و خبر الواحد؟ و إذا كانت الحجية تتوقّف على الروايات القطعية فكيف تكون حال المسلمين و نحن نعلم انّ الروايات المقطوع بصدورها عنهم (ع) قليلة جدا؟

فقد ذهب أبو حنيفة الى عدم الاعتماد على الأحاديث في الاستنباط إلّا على سبعة عشر حديثا، بينما ذهب جماعة الى الاعتماد حتى على الضعيف في الأحاديث.

و غير خفيّ على المرء ما بين هذين المذهبين من تناقض واضح. و أمّا الشيعة

____________

(1)- صحيح مسلم 4: فضائل علي (ع) الحديث 36- 37، و مسند أحمد 3: 17.

24

فقد اقتصروا في الاعتماد على الأحاديث الصحيحة و الموثقة، و معنى الصحيحة:

الأحاديث التي صدرت عن راو عدل إماميّ.

و معنى الموثقة: الأحاديث التي صدرت عن راو ثقة و إن لم يكن إماميا.

و هنا يبرز دور علم الرجال الذي يبحث في أحوال رواة الحديث من جرح و تعديل، و سائر الأقوال التي وردت فيهم.

و لا يختص هذا العلم بالشيعة فقط، بل لأهل السنّة فيه كتب و تصانيف كثيرة.

و إن كان بين الشيعة جماعة تسمّى ب «الأخباريين» و هم يعتمدون على الأحاديث المرويّة في الكتب الأربعة:

1- الكافي: لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة (328) ه.

2- من لا يحضره الفقيه: لأبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المتوفى سنة (381).

3- تهذيب الأحكام.

4- كتاب الاستبصار: كلاهما لأبى جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة (460) ه.

و في موضع آخر سوف نتكلّم عن هؤلاء العلماء بتفصيل أكثر.

ثالثا الإجماع:

الإجماع هو اتّفاق آراء علماء الاسلام في مسألة.

و عند الشيعة الاجماع ليس حجّة بنفسه، و إنّما بلحاظ كونه كاشفا عن رأي المعصوم و رضاه.

و عند أهل السنة فان الإجماع حجّة بنفسه، فلو انّ علماء المسلمين أجمعوا على مسألة من المسائل في عصر من العصور كان اجماعهم حجّة، و هو في قوة الحكم الإلهي الذي لا تجوز تخطئته.

25

رابعا العقل:

و العقل عبارة: عن قوة في النفس معدّة لقبول العلم و الإدراك، و لذا قيل: انّه نور روحاني تدرك النفس به العلوم الضرورية النظرية. فلو كان للعقل حكم قطعي في مسألة فهذا الحكم يكون حجة، لحجيّة مدركات العقل، و هو مرجعا علميا عند فقدان الدليل، و يكون حكم العقل حكما شرعيا مستنبطا.

خامسا في امور أخرى تقع في طريق الاستنباط:

ذكر علماء الأصول في مقام تحديد موضوع علم الأصول انّ موضوعه الأدلة الأربعة: الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل.

اعترض على ذلك: بأنّ الأدلة الأربعة ليست عنوانا جامعا لجميع موضوعات مسائل علم الأصول، فمثلا مسائل الاستلزامات موضوعها الحكم، إذ يقال مثلا: انّ الحكم بالوجوب على شي‏ء هل يستلزم تحريم ضده أو لا؟.

و مسائل حجيّة الإمارات الظنيّة كثيرا ما يكون موضوعها الذي يبحث عن حجيّة شي‏ء خارج عن الأدلة الأربعة، كالشهرة، و خبر الواحد.

و مسائل الأصول العملية موضوعها الشك في التكليف على أنحائه، و هو أجنبي عن الأدلة الأربعة أيضا.

و لذا عدل المحقّق الخراساني عن تعريف المشهور و قال: انّ موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّة لا خصوص الأدلة الأربعة ... (1)

و قال الشهيد السيد الصدر: انّ موضوع علم الأصول هو كلّ ما يترتّب أن يكون دليلا و عنصرا مشتركا في عملية استنباط الحكم الشرعي و الاستدلال عليه، و البحث في كلّ مسألة أصولية، إنّما يتناول شيئا ممّا يترتب أن يكون كذلك، و يتّجه الى‏

____________

(1)- كفاية الأصول 1: 6.

26

تحقيق دليليّته و الاستدلال عليها اثباتا و نفيا، فالبحث في حجية الظهور أو خبر الواحد أو الشهرة بحث في دليليتها، و البحث في أنّ الحكم بالوجوب على شي‏ء هل يستلزم تحريم ضدّه بحث في دليليته الحكم بوجوب شي‏ء على حرمة الضدّ، و مسائل الأصول العملية يبحث فيها عن دليليته الشك و عدم البيان على المعذرية، و هكذا ...

فصح انّ موضوع علم الأصول هو الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي، و البحث الأصولي يدور دائما حول دليليتها (1).

و بعد أن تعرّفنا على الأدلة التي تستخدم في عملية الاستنباط فتأدّى الى ما يعرف لدينا بالاجتهاد، لا بدّ أن نتكلّم شيئا عن الاجتهاد من حيث تاريخه و أهميته.

يبرز السؤال التالي هل انّ فقهاء الإمامية أخذوا يستفيدون من هذه الأدلة بعد عصر الأئمة (ع)؟، أو انّهم كانوا يستفيدون منها مع وجود الأئمة (ع)؟، و الفصل التالي كفيل ببيان هذه المسألة.

____________

(1)- دروس في علم الأصول الحلقة الثانية/ 10- 11.

27

الفصل الثاني الاجتهاد في عصر الأئمة

* في الأدلة العقلية

* في الأدلة النقلية

* روايات الأدلة النقلية

* كلام السيد الصدر

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الاجتهاد في عصر الأئمة (ع):

إنّ أكثر الباحثين تصوّروا: انّ الاجتهاد الذي هو عبارة عن التفريع ورد الفروع على الأصول، و معنى ذلك انّ الفقيه يستنبط حكما فرعيا من قاعدة عامة (أصل من أصول الفقه) فمثلا انّ المجتهد الذي يقول باعتبار حجيّة خبر الثقة أصلا من أصول الفقه من جهة و من جهة أخرى ورد خبر الثقة ناصا على انّ البسملة جزء من كلّ سورة، فعلى هذا المجتهد في مثل هذه الحال ان يعتبر البسملة جزءا من كلّ سورة بناء على الأصل الذي اعتبره.

إنّ هؤلاء الباحثين تصوّروا بأنّ الاجتهاد بهذا المعنى أمر حادث لم يكن في عصر الأئمة (ع)، و انّ عملية الاجتهاد عند الشيعة قد وجدت بعد انقضاء عصر الأئمة (ع).

و إنّ عملية الاجتهاد كانت ثابتة حتى في عهد الرسول عند أهل السنة، فكان الصحابة عند الحاجة يجتهدون في عصر الرسول.

قال المحقق الشيخ آغا بزرك الطهراني: بل ذكر في بعض التواريخ و جزم به المقريزي: «انّ العشرة المبشّرة كانوا يجتهدون، و يفتون في حياة النبي (ص) ...

و على كلّ حال فلا شبهة في أنّ الأصحاب صاروا مرجعا للأحكام الدينية بعد وفاته و نفروا الى أطراف البلاد الاسلامية، و نزلوا بها لتعليم القرآن و الأحكام.

30

قال المقريزي: انّ الأصحاب تفرّقوا بعد رحلة النبي (ص) الى البلاد. و بقي بعضهم في المدينة مع أبي بكر، فكان أبو بكر يقضي بما كان عنده من الكتاب و السنة، فان لم يكن عنده شي‏ء سأل من بحضرته من الأصحاب، فان لم يكن عندهم شي‏ء اجتهدوا في الحكم‏ (1).

و من الأسباب التي يذكرها القائلون بأنّ عملية الاجتهاد مختصة بأهل السنة و إنّ الشيعة لم يكن لديهم اجتهاد ما دام أئمتهم بينهم: انّ الشيعة لم يكونوا بحاجة الى الاجتهاد لوجود أئمتهم بين ظهرانيهم، و معنى ذلك انّهم إذا احتاجوا الى مسألة أو حكم شرعي أخذوها مباشرة عن الأئمة (ع) إلّا إذا تعذّر الوصول الى الإمام فعندئذ يضطرّون الى اللجوء الى الأصول العلمية لاستنباط الحكم الشرعي منها، و مع القدرة لتحصيل العلم بالحكم الشرعي بواسطة السؤال عن الأئمة (ع) ما هي الحاجة الى الاجتهاد في تحصيل الأحكام الشرعية؟

سواء قلنا انّ الاجتهاد عبارة عن: التفريع و ردّ الفروع الى الأصول، كما مثلناه، أو قلنا انّ الاجتهاد هو بمعنى القياس و الرأي كما تذهب اليه أهل السنة.

و من أولئك الذين يزعمون بتأخّر الشيعة في الرجوع الى الاجتهاد الدكتور «مستر چارلز آدامس» قال: لو أردنا أن نفهم لما ذا تأخّر الشيعة في عملية الاجتهاد عن أهل السنة لسنا بحاجة الى أن نذهب بعيدا في هذه المسألة، انّ الشيعة لم يحتاجوا الى الرجوع الى «أصول الفقه» مع وجود الأئمة فيما بينهم، و لم يستعينوا في حلّ مشاكلهم بعملية الاجتهاد، لكن بعد غيبة الامام الثاني عشر (ع) تغيّرت الفكرة الشيعية، و التجأت الى الاجتهاد و مراجعة الأدلة (2).

و ذهب الى هذا الزعم أيضا الاستاذ محمود الشهابي‏ (3). و قد تابعة في هذه الفكرة بعض المتأخرين.

____________

(1)- تاريخ حصر الاجتهاد/ 90، و الخطط المقريزية 2: 332.

(2)- هزاره شيخ طوسي 2: 27.

(3)- تقريرات الأصول/ 43.

31

و لقد عقدنا هذا الفصل من أجل تزييف هذا الزعم و ابطال حجج زاعميه، و هو ينقسم الى مبحثين:

المبحث الأول في الأدلة العقلية.

المبحث الثاني في الأدلة النقلية.

الأول في الأدلة العقلية:

أ- انّ الفكرة التي تزعم بأنّ باب العلم كان مفتوحا في عصر الأئمة، و معه لم تكن حاجة الى الاجتهاد و الفتوى-: انّ الأئمة كانوا غالبا يعيشون في «المدينة المنورة» المعهد الثقافي الاسلامي الذي وضع حجره الأساس الرسول الأعظم (ص) فكان يتيسّر للشيعة القاطنين هناك الوصول الى أئمتهم و يأخذوا عنهم الأحكام، و امّا بقية الشيعة الذين كانوا يعيشون في البلدان المختلفة كالعراق و خراسان ... فكيف كانوا يتلقّون الأحكام الشرعية، و عن أيّ طريق كانوا يأخذونها عن الأئمة (ع)؟ و لأجل ذلك كانوا يراجعون تلامذة الأئمة و أصحابهم، و رواة الحديث عنهم، أو الذي حضر مدة عند الامام و استنار من مجلسه الشريف، حتى كان لبعض أصحاب الأئمة كتبا و رسائل كانت تحتوي على ما سمعه من الأئمة.

و بما انّ المسائل الشرعية كان يتكرر السؤال عنها فكان رواة الحديث يعرفون حكمها لعلمهم بالجواب الصادر عن الأئمة حول تلك الأسئلة.

و تارة تكون المسائل التي يرجع الشيعة فيها الى الرواة و أصحاب الأئمة من المسائل المستحدثة التي لم يسبق لهم معرفة حكمها، فكان عليهم البحث عن حكم هذه المسائل المشكلة.

و التاريخ يذكر لنا: انّ الشيعة في العراق و خراسان، و سائر البلدان كانوا يجمعون أسئلتهم و يرسلونها مع الحجاج، و كان الجواب قد لا يصل اليهم إلّا بعد ستة أشهر أو سنة.

ب- في حال كون الأئمة (ع) في السجن و تحت المراقبة و الاقامة الجبرية لفترات‏

32

من الزمن، فالامام الصادق (ع) كان فترة من الزمن تحت المراقبة الشديدة في زمن المنصور، و في هذه المدة لم تسنح الفرصة لأحد أن يزور الامام أو يصاحبه، حتى انّه أراد أحد أن يسأل الامام (ع) مسئلة فاحتال، بأن جعل نفسه بياعا للخيار، و تحت هذا العنوان دخل بيت الامام و سأل مشكلته.

و هكذا الامام موسى بن جعفر (ع) كان طيلة سنوات في سجن البصرة و بغداد، حتى انّه قضى نحبه و استشهد في السجن.

و نحن نتساءل هنا، أ لم تكن تعرض للشيعة مسائل طيلة هذه الفترات؟ و كيف كانوا يعالجون مثل هذه المشاكل في حال عروضها مع عدم وجود الامام و عدم الحصول على جواب من الامام في هذه المسائل قبل حبسه أو مراقبته.

لا شك انّهم في هذه الحالة كانوا يلجئوا الى شكل من أشكال الاجتهاد.

ج- انّ الروايات الواردة عن الأئمة (ع) فيها العام و الخاص، و المطلق و المقيّد، فلو كان الرواة- بمقتضى ما سيذكر في الأدلة النقلية- يفتون الناس لكان لزاما عليهم أن يجمعوا بين هذه الروايات و أن يرفعوا التعارض الحاصل بينهما، أو يطرحوا بعضا منها، و هذا العمل كان يحدث للرواة حتى في عصر الأئمة (ع) و ليس منحصرا في عصرنا هذا فقط، و هذه العملية ليست إلّا عملية «الاجتهاد و الاستنباط».

د- انّ روايات العلاجية الواردة في علاج الأخبار المتعارضة مثل ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في «عوالي اللئالي» عن العلامة مرفوعة الى زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران و الحديثان المتعارضان فأيّهما آخذ؟ فقال (ع): يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر. فقلت:

يا سيّدي انّهما معا مشهوران مأثوران عنكم؟ فقال (ع): خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك.

فقلت: انّهما معا عدلان مرضيان موثقان؟

فقال (ع): انظر ما وافق منهما العامة فاتركه، و خذ بما خالف فانّ الحقّ فيما

33

خالفهم ... (1)

فهذه الرواية و غيرها ليست مقيدة بغير زمان الأئمة، بل هي مطلقة تشمل حتى عصر الأئمة.

و اختصاص الروايات العلاجية الواردة في مورد تعارض الأخبار لعصر غير الأئمة تحتاج الى دليل خاص، و لم نجد ذلك، فتبقى الروايات على اطلاقها.

و من هنا نعلم انّ جانبا كبيرا من الاجتهاد يتوقّف على معالجة الروايات المتعارضة.

ه- انّ «علم الأصول» الذي يبتنى عليه الاجتهاد و الاستنباط لم يكن أمرا حادثا لدى الشيعة، فهو لم يبتكر بعد عصر الأئمة (ع) كما ذهب البعض الى ذلك، بل انّ الأصحاب و الرواة في عصر الأئمة (ع) كان لهم في علم الأصول رسائل و تأليفات في مختلف مسائل الأصول، كما سنذكر ذلك عن السيد الصدر (رحمه اللّه) في الدراسة عن «أول من صنّف في علم الأصول».

الثاني في الأدلة النقلية:

أ- انّ التاريخ يشهد بأنّ الأئمة (ع) كانوا يأمرون أكابر صحابتهم و تلامذتهم الذين كانوا يعلمون الأصول و مبادئ الفقه بأن يجلسوا في المسجد و يفتون الناس، و من جهة أخرى كانوا يدعون الناس الى أخذ الفتيى من هؤلاء، بعد أن وضعوا لمن يتصدّى للإفتاء شروطا معيّنة.

و نسوق فيما يلي بعض الروايات و الحوادث التي تثبت ما ندعيه:

1- قال الامام الصادق (ع) لأبان بن تغلب: اجلس في مسجد المدينة وافت الناس، فانّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك‏ (2).

2- ما رواه عبد العزيز بن المهتدي عن الامام الرضا (ع) قال: سألته فقلت: انّي‏

____________

(1)- الرسائل للمحقق الأنصاري/ 465.

(2)- جامع الرواة 1: 9.

34

لا أقدر على لقائك في كلّ وقت، فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال (ع): خذ عن يونس بن عبد الرحمن‏ (1).

3- رواية علي بن المسيّب الهمداني عن الامام الرضا (ع) قال: قلت للرضا (ع) شقتي بعيدة و لست أصل إليك في كلّ وقت، فمن آخذ عنه معالم ديني؟ قال (ع):

زكريا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا (2).

4- روى الكليني عن الصادق (ع) ... ينظران الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوه حكما ... (3).

أ- روى الطبرسي في الاحتجاج عن أبي محمد بن الحسن العسكري (ع) ... فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه ... (4)

ب- الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) في أصول الفقه.

روايات الأدلة النقلية:

و رأيت اتماما للفائدة أن أعقد في هذا الكتاب مبحثا خاصا بما أثر عن أهل البيت (ع) في أصول الفقه لكي يكون ذلك بين يدي الباحثين الأجلاء و القرّاء الكرام دليلا على تقدّم الشيعة في علم الأصول.

حتى انّ أصحابنا دوّنوا ما أثر عن أئمة أهل البيت في كتب خاصة لهم: كالشيخ محمد بن الحسن بن الحرّ العاملي مؤلّف «وسائل الشيعة» فانّه ألّف كتابا في القواعد الكلية المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أصولية كانت أو فقهية سماه «الفصول المهمة في أصول الأئمة». و كذلك السيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري‏

____________

(1)- رجال النجاشي/ 311، مع العلم بأن يونس مع المصنفين في أصول الفقه راجع تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام/ 310- 311.

(2)- جامع الرواة 1: 330.

(3)- أصول الكافي 1: 67 ح 1.

(4)- أعيان الشيعة 1: 385- 386.

35

الاصفهاني كتب «أصول آل الرسول الأصلية».

و جمع المحقّق الفيض الكاشي محمد محسن كتابا سمّاه «الأصول الأصلية» المستفادة من الكتاب و السنة.

و في هذا المجال يقول الشهيد الصدر:

و لا نشك في انّ بذرة التفكير الأصولي وجدت لدى فقهاء أصحاب الأئمة (ع) منذ أيّام الصادقين (عليهما السلام) على مستوى تفكيرهم الفقهي، و من الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وجّهها عدد من الرواة الى الامام الصادق (ع) و غيره من الأئمة (ع) و تلقوا جوابها منهم.

فانّ تلك الأسئلة تكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي عندهم و اتجاههم الى وضع القواعد العامة، و تحديد العناصر المشتركة، و يعزز ذلك انّ بعض أصحاب الأئمة (ع) ألّفوا رسائل في بعض المسائل الأصولية، كهشام بن الحكم من أصحاب الامام الصادق (ع) الذي ألّف رسالة في الألفاظ (1).

الاجتهاد:

روى الكليني ... عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ...

قال (ع): ينظران الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوه حكما ... (2)

التقليد و شرائط من يصحّ تقليده:

في احتجاج الطبرسي عن أبو محمد بن علي العسكري (ع)- في قوله تعالى: «وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ ...»-:

____________

(1)- المعالم الجديدة/ 47.

(2)- أصول الكافي 1: 67 ح 10.

36

فامّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه ... (1)

وجوب الردّ الى الكتاب و السنة و أخذ الأحكام منهما، و حجّيّة الظواهر و العموم:

ما رواه الكليني ... عن أبي جعفر (ع): انّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الأمّة إلّا أنزله في كتابه و بيّنه لرسوله (ص) ... (2)

و قول الصادق (ع): ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا و له أصل في كتاب اللّه عزّ و جلّ و لكن لا تبلغه عقول الرجال‏ (3).

و قول الكاظم (ع): كلّ شي‏ء في كتاب اللّه و سنّة نبيّه (ص) (4)

و روى الكليني ... قال: سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: كلّ شي‏ء مردود الى الكتاب و السنة ... (5)

و في حديث آخر عنه (ع): من خالف كتاب اللّه و سنة محمد (ص) فقد كفر (6)

و روى الكليني ... عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: كلّ من تعدّى السنّة ردّ الى السنّة (7)

و روى الطوسي ... قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع) عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟

فقال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه، قال اللّه تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (8)

فانّ استدلال الامام بالآية تدلّ على حجيّة ظواهر الكتاب و العمل بعموم‏

____________

(1)- أعيان الشيعة 1: 385- 386.

(2)- أصول الكافي 1: 59 ح 2.

(3)- أصول الكافي 1: 60 ح 6.

(4)- أصول الكافي 1: 62 ح 10.

(5)- أصول الكافي 1: 69 ح 3.

(6)- أصول الكافي 1: 70 ح 6.

(7). أصول الكافي 1: 71 ح 11.

(8). أعيان الشيعة 1: 387.

37

الآيات.

جواز العمل بالعام و المطلق و نحوهما، و جواز التفريع على الأصول الكليّة

روى ابن ادريس ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: إنّما علينا أن نلقي إليكم الأصول و عليكم التفريع‏ (1)

و روي أيضا من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا (ع) قال: علينا القاء الأصول و عليكم التفريع‏ (2).

أصل البراءة:

ذكر الصدوق عن الصادق (ع): كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي‏ (3)

و روي في الخصال ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: قال النبي (ص): وضع عن أمّتي ستة أشياء و عدّ منها: ما لا يعلمون‏ (4)

و روى الكليني في الكافي ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم‏ (5)

و عن أبيه ... قال: قال أبو عبد اللّه (ع): من عمل بما علم كفى ما لم يعلم‏ (6)

و روى الطوسي ... عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث من أحرم في قميصه قال: أيّ رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه‏ (7)

و روى الكليني ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: انّ اللّه احتجّ على الناس بما آتاهم و عرّفهم‏ (8)

____________

(1)- أعيان الشيعة 1: 387.

(2)- أعيان الشيعة 1: 387.

(3)- أعيان الشيعة 1: 388.

(4)- أعيان الشيعة 1: 388.

(5)- أصول الكافي 1: 164 ح 3.

(6)- أعيان الشيعة 1: 388.

(7). أعيان الشيعة 1: 388.

(8). أصول الكافي 1: 162 ح 1.

38

و عن محمد بن يحيى ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: ليس للّه على خلقه أن يعرفوا و للخلق على اللّه أن يعرّفهم و للّه على الخلق إذا عرّفهم أن يقبلوا ... (1)

أصالة الحلّ في المشتبه مع عدم العلم:

روى الصدوق و الطوسي ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه‏ (2)

و عن أحمد بن محمد الكوفي ... عن أبي عبد اللّه (ع) في «الجبن» قال: كلّ شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان انّ فيه ميتة (3)

و عن علي بن ابراهيم ... عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه (ع) قال: سمعته يقول: كلّ شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة، أو المملوك يكون عندك و لعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك، و رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة (4)

و ما رواه أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي في «المحاسن» ... قال سألت أبا جعفر (ع) عن «الجبن»؟ و قلت: أخبرني رؤى انّه يجعل فيه الميتة؟ فقال: أن أجل واحد يجعل فيه الميتة حرّم في جميع الأرضين؟ إذا علمت انّه ميتة فلا تأكله، و إن لم تعلم فاشتر و بع ... (5)

و عن اليقطيني ... قال كنت عند أبي جعفر (ع) فسأله رجل عن الجبن، فقال أبو جعفر (ع): سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه‏ (6)

____________

(1)- أصول الكافي 1: 164 ح 1.

(2)- أعيان الشيعة 1: 389.

(3)- أعيان الشيعة 1: 389.

(4)- أعيان الشيعة 1: 389.

(5)- أعيان الشيعة 1: 89.

(6)- أعيان الشيعة 1: 190.

39

حجيّة خبر الواحد الثقة:

روى الكليني ... عن أبي الحسن (ع) قال سألته و قلت: من أعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟

فقال: العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي، فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي، فعنّي يقول ... (1)

و بالاسناد، عن أحمد بن إسحاق، انّه سأل أبا محمد (ع) عن مثل ذلك‏

فقال: العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي، فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان ... (2)

و روى الكشّي في كتاب الرجال ... عن الرضا (ع) قال: قلت لا أكاد أصل إليك أسألك عمّا أحتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ قال: نعم ... (3)

جواز نقل الحديث بالمعنى:

روى الكليني ... قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع) أسمع الحديث منك فأزيد و أنقص؟ قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس‏ (4)

عدم جواز التكليف بما لا يطاق:

روى الكليني ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: إنّ اللّه أكرم من أن يكلّف الناس ما لا يطيقون ... (5)

____________

(1)- أعيان الشيعة 1: 390.

(2)- أعيان الشيعة 1: 390.

(3)- أعيان الشيعة 1: 390.

(4)- أعيان الشيعة 1: 391.

(5)- أعيان الشيعة 1: 391.

40

و بالاسناد عن علي بن الحكم ... عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث قال: و ما أمروا إلّا بدون سعتهم، و كلّ شي‏ء أمر الناس به فهم يسعون له، و كلّ شي‏ء لا يسعون له فهو موضوع عنهم‏ (1)

و روى الطوسي ... قال سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس ...؟ قال:

و لن يكلّفه اللّه ما لا طاقة له به ... (2)

وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة:

روى الكليني ... قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن رجل معه إنا آن فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو؟ و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريقهما جميعا و يتيمّم ... (3)

الاستصحاب:

روى الصدوق ... انّه سأل أبا عبد اللّه (ع) عن رجل يجد في إنائه فأرة و قد توضأ من ذلك الإناء مرارا، أو اغتسل منه، أو غسل ثيابه؟

فقال: إن كان رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه، و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصلاة، و إن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمس من الماء شيئا، و ليس عليه شي‏ء، لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه، ثمّ قال: لعلّه ان يكون إنّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها (4)

و روى الطوسي ... عن أبي عبد اللّه (ع) قال: الماء كلّه طاهر حتى يعلم انّه‏

____________

(1)- أعيان الشيعة 1: 391.

(2)- أعيان الشيعة 1: 391.

(3)- أعيان الشيعة 1: 391.

(4)- أعيان الشيعة 1: 392.

41

قذر ... (1)

و روى الطوسي أيضا ... عن زرارة قال: قلت له الرجل ينام و هو على وضوء يوجب الخفقة و الخفقان عليه الوضوء؟ قال يا زرارة: قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن، و إذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء

قلت: فان حرك الى جنبه شي‏ء و لم يعلم به؟ قال: لا حتى يستيقن انّه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك أمر بين، و إلّا فانّه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين أبدا بالشك، و إنّما ينقضه بيقين آخر (2)

و روى الصدوق ... انّه قال للصادق (ع): أجد الريح في بطني حتى أظنّ انّها قد خرجت؟ فقال: ليس عليك وضوء حتى تسمع الصوت، أو تجد الريح‏ (3)

و روى الكليني ... قال: قال لي أبو عبد اللّه (ع): إذا استيقنت انّك قد أحدثت فتوضأ، و إيّاك ان تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن انّك قد أحدثت‏ (4)

و روى الطوسي ... عن زرارة قال: قلت له أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره، أو شي‏ء من مني ... فان ظننت انّه قد أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا، ثمّ صليت فرأيت فيه؟ قال: تغسله و لا تعيد الصلاة.

قلت: لم ذلك؟ قال: لأنّك كنت على يقين من طهارتك، ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشّك أبدا، قلت: فهل عليّ أن شككت في انّه أصابه شي‏ء أن انظر فيه؟ قال: لا ... (5)

و باسناده عن محمد بن أحمد ... عن أبي عبد اللّه (ع) في حديث قال: كلّ شي‏ء نظيف حتى تعلم انّه قذر، فإذا علمت، فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك شي‏ء ... (6)

____________

(1)- أعيان الشيعة 1: 392.

(2)- أعيان الشيعة 1: 392- 393 و رسائل المحقق الأنصاري/ 341.

(3)- أعيان الشيعة 1: 393.

(4)- أعيان الشيعة 1: 393.

(5)- أعيان الشيعة 1: 393.

(6)- أعيان الشيعة 1: 393.

42

عدم جواز العمل بالقياس و الرأي:

روى الكليني ... قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: انّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقائيس، فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بعدا، و انّ دين اللّه لا يصاب بالمقائيس‏ (1)

و روى الكليني أيضا ... عن أبي الحسن موسى (ع) في حديث: ما لكم و للقياس؟ إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس، ثمّ قال: إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، و إذا جاءكم ما لا تعلمون فها- و أهوى بيده الى فيه- (2)

(مناظرة الصادق (ع) مع أبي حنيفة في القياس)

روى الصدوق في علل الشرائع ... قال دخلت أنا و أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (ع) فقال: لأبي حنيفة أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟

فقال: قتل النفس.

قال: فانّ اللّه قد قبل في قتل النفس شاهدين، و لم يقبل في الزنا إلّا أربعة.

ثمّ قال: أيّهما أعظم الصلاة أو الصوم؟

قال: الصلاة.

قال: فما بال الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟ فكيف يقوم لك القياس، فاتق اللّه و لا تقس. (3)

التعادل و الترجيح بين الأخبار المتعارضة:

مرفوعة زرارة التي ذكرناها بعنوان الدليل الخامس.

و جاء فيها الترجيح بالأعدلية، و الأفقهية، و الأشهرية، و الأوثقية، و ما خالف العامة ..

____________

(1)- أصول الكافي 1: 56 ح 7.

(2)- أصول الكافي 1: 57 ح 13.

(3)- أعيان الشيعة 1: 394.

43

كلام السيد الصدر:

بعد ما اثبتنا بالأدلة السالفة انّ الاجتهاد كان موجودا في عصر المعصومين (ع) و لم يكن أمرا حادثا بعد ذلك، نحب أن نشير الى الزعم القائل بأنّ الشيعة متأخرين عن غيرهم في علم الأصول، و انّ العامة سبقتهم بذلك، و لا نريد أن نطيل في الردّ على هذا الزعم، بل نكتفي بما أورده سماحة العلامة أبو محمد السيد حسن الصدر حيث يقول:

أوّل من أسّس أصول الفقه هو:

الامام أبو جعفر الباقر للعلوم (عليه السلام)، ثمّ بعده ابنه الامام أبو عبد اللّه الصادق، و قد أمليا على أصحابهما قواعده، و جمعوا من ذلك مسائل رتّبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه بروايات مسندة إليهما، متصلة الاسناد، و كتب مسائل الفقه‏ (1) المروية عنهما موجودة بأيدينا الى هذا الوقت بحمد اللّه.

منها: كتاب «أصول آل الرسول» مرتّب على ترتيب مباحث أصول الفقه الدائر بين المتأخرين، جمعه السيد الشريف الموسوي هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (رضي اللّه عنه) نحو عشرون ألف بيت كتابة (2)

و منها: الأصول الأصلية للسيد العلامة المحدّث الشبري عبد اللّه بن محمد الرضا الحسيني الغروي، و هذا الكتاب من أحسن ما روي فيه أصول الفقه، يبلغ خمسة عشر ألف بيت‏ (3)

____________

(1)- الظاهر انّه أراد مسائل أصول الفقه فعليه يكون هنا سقط.

(2)- «أصول آل الرسول» (ص) في استخراج أبواب الفقه من روايات أهل البيت (ع) لشيخ مشايخنا السيد مرزا محمد هاشم بن مرزا زين العابدين الموسوي الخوانساري المتوفى سنة (1318)، جمع فيه الأحاديث المأثورة عنهم (ع) في قواعد الفقه و الأحكام، و رتّبها على مباحث أصول الفقه، قال في اجازته لشيخنا الشهير بشيخ الشريعة: قد جمعت فيه أزيد من أربعة آلاف حديث ممّا يتعلّق بأصول الفقه مع بيان وجه دلالتها على المفصود. الذريعة 2: 177. و كانت ولادة المؤلّف (1235) كما جاء في «أحسن الوديعة» 1: 141.

(3)- جمع فيه المهمّات من المسائل الأصولية المنصوصة في الآيات و الروايات، فمن الآيات مائة و أربع و ثلاثون آية، و من الروايات ألف و تسع مائة و ثلاثة أحاديث، و توفي المؤلف عام (1242) الذريعة 2: 178.

44

منها: الفصول المهمة في أصول الأئمة للشيخ المحدث محمد بن الحسن بن علي بن الحر المشغري صاحب كتاب وسائل الشيعة، (1)

فقول الجلال السيوطي في كتاب الأوائل: أول من صنّف في أصول الفقه الشافعي بالإجماع في غير محلّه ان أراد التأسيس و الابتكار، و ان أراد المعنى المتعارف من التصنيف فقد تقدّم على الامام الشافعي في التأليف فيه هشام بن الحكم المتكلم المعروف من أصحاب أبي عبد اللّه الصادق كما ستعرف في الصحيفة الثانية.

أول من صنّف فيه:

الصحيفة الثانية في أول من صنّف في مسائل علم أصول الفقه فاعلم: انّ أوّل من صنّف فيه:

هشام بن الحكم‏

هشام بن الحكم شيخ المتكلمين في الأصوليين الامامية، صنّف كتاب «الألفاظ و مباحثها» و هو أهم مباحث هذا العلم‏ (2).

ثمّ يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين صنّف كتاب «اختلاف الحديث و مسائله» و هو مبحث تعارض الحديثين، و مسائل التعادل و الترجيح في الحديثين المتعارضين، رواه عن الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام)(3) ذكرهما أبو العبّاس «النجاشي» في كتاب «الرجال» و الامام «الشافعي» متأخّر عنهما.

____________

(1)- يشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في الأصولين، الذريعة 16: 245.

(2)- أبو محمد هشام بن الحكم الكوفي الشيباني المتوفى سنة (199). «الذريعة» 2: 291. قال النجاشي: و روى هشام عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن موسى (ع) و كان ثقة في الروايات حسن التحقيق بهذا الأمر. الرجال/ 305.

(3)- يونس بن عبد الرحمن ... كان وجها في أصحابنا متقدما عظيم المنزلة ولد في أيّام هشام بن عبد الملك، و رأى جعفر بن محمد (عليهما السلام) بين الصفا و المروة و لم يرو عنه، و روى عن أبي الحسن موسى و الرضا (عليهما السلام)، و كان الرضا (ع) يشير اليه في العلم و الفتيى، رجال النجاشي/ 311.

45

مشاهير أئمة علم أصول الفقه:

في مشاهير أئمة علم أصول الفقه الأوائل نذكرهم على طريق الفهرست و الاشارة لأنّ تراجمهم امّا انّها تقدّمت في الفصول المتقدمة، أو تأتي في الفصول الآتية، لأنا نذكر ترجمة الرجل في أوقع المواضع به، و أليق الأماكن المناسبة لذكره إذا كان ممّن يدخل في طبقات عديدة.

أبو سهل النوبختي:

منهم، أبو سهل النوبختي اسماعيل بن علي بن اسحاق بن أبي سهل الفضل بن نوبخت قال ابن النديم: من كبار الشيعة.

و قال النجاشي: كان شيخ المتكلمين من أصحابنا و ذكر مصنفاته و عدّ منها:

كتاب الخصوص و العموم‏ (1) و هو من أهم مباحث علم أصول الفقه‏ (2) ذكره ابن النديم في الفهرست و عدّ من مصنفاته كتاب ابطال القياس، و كتاب نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي‏ (3) و هما أيضا مباحث علم أصول الفقه كما لا يخفى على الخبير.

و أبو سهل ممّن لقى الامام أبا محمد الحسن العسكري (عليه السلام) و حضره عند وفاته، و كانت وفاة الامام سنة ستّين و مأتين فأبو سهل حينئذ من أهل القرن الثالث رضي اللّه تعالى عنه.

____________

(1)- قال المحقق آغا بزرك الطهراني: ولد (227) و توفي (311) الذريعة 7: 175.

(2)- الذريعة 1: 69.

(3)- الذريعة 24: 285.

46

الحسن بن موسى النوبختي:

و منهم: ابن أخته الحسن بن موسى النوبختي أبو محمد شيخ المتكلمين في الشيعة في عصره ... له من الكتب في علم أصول الفقه كتاب «خبر الواحد و العمل به» و كتاب «الخصوص و العموم».

قال النجاشي: شيخنا المتكلم المبرز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة و بعدهما.

و ذكره ابن النديم في الفهرست و نصّ على تشيّعه و تشيّع كلّ آل نوبخت‏ (1).

____________

(1)- تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام/ 310- 311.

47

الفصل الثالث في الزعامة الدينية و الفتوى‏

* الزعامة الدينية للفقهاء

* عملية الاستنباط عند الأصوليين و الأخباريين‏

* الفتوى في الصدر الأول‏

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

الزعامة الدينية للفقهاء:

الظاهر انّ الزعامة الدينية للشيعة قد انتقلت الى الفقهاء بعد عصر الغيبة، اذ كانت قبل ذلك للمعصومين (عليهم السلام)، و بعد الغيبة الصغرى للحجة (ع) كانت لسفرائه المنتخبين من قبله.

ثمّ بعد ذلك انتقلت الزعامة الدينية للطائفة الجعفرية الى الفقهاء، و كان الذي نقلها هو الامام الثاني عشر (ع) حيث قال:

و امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه‏ (1).

فصار الفقهاء المرجع الوحيد في عصر الغيبة لحلّ مشاكل الطائفة في أمورهم.

و كان المرجع بعد الغيبة الحسن بن علي النعماني، ثمّ من بعده محمد بن أحمد بن جنيد الاسكافي المتوفى سنة (381) صاحب كتاب تهذيب الشيعة، و كتاب الأحمدي.

____________

(1)- وسائل الشيعة 8: 101.

50

ثمّ من بعده الشيخ المفيد المتوفى سنة (413) و كان كتابه المقنعة مدارا للدراسة بين الفقهاء، و هو الذي علّق عليه الشيخ الطوسي، و سمّى تعليقه عليه ب «التهذيب».

ثمّ من بعده علم الهدى علي بن الحسين الموسوي المتوفى سنة (436).

ثمّ من بعده الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة (460).

و هكذا تعاقبوا مرجعا بعد مرجع و زعيما بعد زعيم الى يومنا هذا تغمّد اللّه الماضين منهم و أدام اللّه الباقين.

عملية الاستنباط:

ذكرنا في الفصل السابق انّ عملية الاستنباط ليست وليدة عصر ما بعد الأئمة، و إنّما كانت معاصرة لهم (ع) غير انّ الحاجة إليها في عصر الأئمة لم تكن بالحجم الضخم الذي، أصبحت عليه في عصر الغيبة، حيث انّ الأحكام الشرعية أصبحت جميعا منوطة بالعلماء باعتبارهم قادرين على استنباط الأحكام الشرعية، و لذا فقد اشتدت الحاجة الى عملية الاستنباط بشكل أكبر في عصر الغيبة، و قد كان أصحابنا يتوصلون الى الأحكام الشرعية بأحد طريقين، و قد آثرنا أن نفرد هذين الطريقين في فصل خاص انسجاما مع منهجنا الذي سلكناه في هذا البحث.

طرق استنباط الحكم الشرعي:

أولا طريقة الاستنباط عند أصحابنا الأصوليين، و يتمثّل هذا الطريق برجوعهم في معرفة الأحكام الشرعية الى الأدلة الأربعة: الكتاب و السنة و الاجماع و العقل، و غيرها ممّا يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي. و هذه المصادر تبتني عليها معرفة الحكم الشرعي، و عليها مدار الاستنباط و الاجتهاد.

فطريقة أكثرية فقهاء الشيعة في استنباطهم للحكم الشرعي هي عبارة عن الرجوع للكتاب المجيد، و عند عدم معرفة الحكم الشرعي منه يرجعون للسنة المروية عن الرسول (ص) أو عن أئمة أهل البيت (ع) بسند معتبر، و رجوعهم الى الكتاب أو

51

السنة إنّما هو للعمل بنصوصها، أو ظواهرها و لا يأخذون بالسنة لو خالفت الكتاب، كما لا يأخذون بسنة أئمة أهل البيت لو خالفت سنة الرسول (ع) الثابتة عندهم بطريق معتبر، و عند فقد ذلك كلّه يرجعون الى العقل الحاكم بالبراءة أو الاحتياط أو التخيير أو الاستصحاب عند من اعتبرها من باب العقل و إلّا فمن اعتبرها من باب قيام الكتاب و السنة عليها فيكون رجوعه إليها من باب الرجوع الى الكتاب و السنة.

و أمّا الرجوع الى الاجماع فان كان من باب حصول الحدس برأي المعصوم (ع) من الاتفاق فهو من باب الرجوع للعقل، و إن كان من باب احراز دخول المعصوم في جملة المجمعين فهو من باب الرجوع الى السنة.

و تفصيل ذلك كلّه مسطور في كتب أصول الفقه.

و الحاصل انّه لمّا وقعت الغيبة الكبرى للحجة المهدي (ع) سنة (329) بوفاة علي بن محمد السري السفير الرابع للامام المهدي (ع) انحصر تحصيل الحكم الشرعي عند الشيعة بطريق فتوى فقهائهم و كان ذلك كما عرفت بأمر من الحجة (ع) على يد السفير الرابع عند ما اقتربت وفاة الأخير، فرجعوا بعد ذلك الى فقهاء أهل البيت و الطائفة و عند ذلك احتاج الفقهاء الى اعمال اجتهادهم في معرفة أحكام المسائل التي تعرض عليهم بردّها لأصولها الموجودة في الكتاب و السنة و ما تقتضيه القواعد الشرعية و الموازين العقلية، و تشخيص ما قام اجماع الشيعة عليه الى غير ذلك من عملية الاستنباط و ما يتطلبه الاجتهاد.

فأوّل من انبرى لهذا العمل هو الحسن بن علي العمّاني شيخ فقهاء الشيعة و الذي استجازه صاحب كامل الزيارة سنة (329) و هي السنة التي وقعت فيها الغيبة الكبرى، و قد صنّف كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول» و عاصر الكليني محمد بن يعقوب، و علي بن بابويه القمي.

و من هنا تطوّرت عملية الاستنباط و الاجتهاد من الأدلة و المصادر و اتّسعت و قد رافق هذا التطوّر تطوّر آخر ذلك هو التطوّر الذي حصل في «علم أصول الفقه» حيث وقعت الدراسة فيه عن كيفية تحصيل الحكم الشرعي عن الأدلة و استنباطها.

بعد ما كان الفقهاء في الصدر الأول يفتون في المسألة بلفظ الحديث بحذف اسناده‏

52

دون أن يذكروها بألفاظهم و آرائهم، و فيما سبق عن ذلك كانوا يفتون في المسألة بذكر الرواية باسنادها.

و أمّا في العصر الحاضر فتذكر الفتوى بلفظ رأي المجتهد.

و نذكر لك موجزا من عملية الافتاء لأصحابنا في الصدر الأوّل فنقول:

الفتوى في الصدر الأول:

انّ عملية الفتوى بالحكم الشرعي قد تطوّرت عند الطائفة الجعفرية، فقد كان أصحاب الأئمة و رواة الحديث عنهم يفتون الناس بنقل نصّ الحديث لمن يستفتيهم، مثل زرارة بن أعين، و يونس بن عبد الرحمن، و محمد بن مسلم، و أبي بصير، و ابان بن تغلب، و جميل بن الدراج، و محمد بن أبي عمير، و الحسن بن علي بن فضال، و صفوان بن يحيى و غيرهم من أصحابنا الامامية. ثمّ جاء دور تطوّر الفتوى، فأخذوا يفتون بنص الرواية من دون ذكر السند، ثمّ تطوّرت فأخذوا يفتون بما أدّى إليه اجتهادهم في حكم الواقعة الشرعية، بتعابيرهم الخاصة.

ثانيا طريقة الاستنباط عند أصحابنا الأخباريين:

بعد ما عرفت كيفية عملية الاستنباط عند الأصوليين نعرض فيما يلي طريقة أصحابنا «الأخباريين» فنقول:

انّ هذه الجماعة لعدم عملهم بالأدلة الأربعة و انحصار عملهم بأصل واحد و هو الاخبار يسمون ب «الاخباريين» و بعض منهم جوّز العمل بالكتاب أيضا.

فهذه الجماعة لم تعمل بالأصول الأربعة بأجمعها، و طريقتهم في معرفة الأحكام، و عملية الاستنباط هي الرجوع الى الأخبار المروية في الكتب الأربعة، و لم يرجعوا الى الاجماع و العقل، بل و عند الكثير منهم عدم حجية الكتاب لاختصاص فهمه بمن نزل عليهم، و هم الرسول و الأئمة (ع) فالمدار في العمل هي الأخبار المودعة في الكتب الأربعة: الكافي، و من لا يحضره الفقيه، و التهذيب و الاستبصار، و غيرها من الكتب المعتبرة، باعتبار انّ البيان للأحكام قد كمل بواسطة تلك الروايات، و لذا غاب الامام‏

53

الثاني عشر (ع) آخذين بظواهرها من دون فرق بين الصحيح منها و بين الضعيف، و بين الشاذ الذي لم يعمل به الأصحاب، و بين المشهور العمل به، و بين المرسل و بين المسند.

و منعوا دراسة علم أصول الفقه باعتبار انّه طريق للاجتهاد، كما انّهم منعوا الاجتهاد و حرّموا العمل بالظنّ الحاصل بواسطة الاجتهاد.

و جعلوا الأصل في كلّ ما يحتمل الوجوب هو الوجوب، و ذلك للاحتياط في الشبهات و تمسّكوا ب «أخيك دينك فاحتط لدينك» كما انّهم جعلوا الأصل الحرمة في كلّ ما يحتمل الحرمة.

و تسمى هذه الفرقة من الشيعة ب «المحدثين و الأخباريين».

و المؤسس لهذه المدرسة هو المرزا محمد أمين الاسترابادي المتوفى سنة (1023) و نقح هذه الطريقة في كتابه «الفوائد المدنية».

قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر في البحث عن الفكر الأخباري:

و يؤكد الاسترابادي في هذا الكتاب انّ العلوم البشرية على قسمين:

أحدهما العلم الذي يستمدّ قضاياه من الحس، و الآخر العلم الذي لا يقوم البحث فيه على أساس الحسّ و لا يمكن اثبات نتائجه بالدليل الحسّي:

و يرى المحدث الاسترابادي انّ القسم الأول الرياضيات التي تستمدّ خيوطها الأساسية- في زعمه- من الحسّ.

و أمّا القسم الثاني فيمثل له ببحوث ما وراء الطبيعة التي تدرس قضايا بعيدة عن متناول الحسّ و حدوده، من قبيل تجرّد الروح، و بقاء النفس بعد البدن، و حدوث العالم.

و في عقيدة المحدث الاسترابادي انّ القسم الأول من العلوم البشرية هو وحده الجدير بالثقة لأنّه يعتمد على الحسّ، فالرياضيات مثلا تعتمد في النهاية على قضايا في متناول الحسّ، نظيران (2+ 2 4).

و أمّا القسم الثاني فلا قيمة له، و لا يمكن الوثوق بالعقل في النتائج التي يصل إليها في هذا القسم لانقطاع صلته بالحسّ.

54

و هكذا يخرج الاسترابادي من تحليله للمعرفة بجعل الحسّ معيارا أساسيا لتمييز قيمة المعرفة و مدى امكان الوثوق بها.

و نحن في هذا الضوء نلاحظ بوضوح اتجاها حسّيا في أفكار المحدث الاسترابادي يميل به الى المذهب الحسّي في نظرية المعرفة القائل بأنّ الحسّ هو أساس المعرفة، و لأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخبارية في الفكر العلمي الاسلامي أحد المسارب منها الاتجاه الحسّي الى تراثنا الفكري.

و قد سبقت الأخبارية بما تمثل من اتجاه حسّي التيار الفلسفي الحسّي الذي نشأ في الفلسفة الأوربية على يد «جون لوك» المتوفى سنة (1704) م و «دانيد هيوم» المتوفى سنة (1776) م، فقد كانت وفاة الاسترابادي قبل وفاة «جون لوك» بمائة سنة تقريبا، و نستطيع أن نعتبره معاصرا ل «فرنسيس بيكون» المتوفى سنة (1626) م الذي مهّد للتيار الحسّي في الفلسفة الاوربية.

و على أيّ حال فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الأخبارية و المذاهب الحسيّة و التجريبية في الفلسفة الأوروبية، فقد شنّت جميعا حملة كبيرة ضدّ العقل، و ألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدّها من الحسّ. و قد أدّت حركة المحدث الاسترابادي ضدّ المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس الى نفس النتائج التي سجّلتها الفلسفات الحسّية في تاريخ الفكر الأوروبي، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوة بحكم اتجاهها الخاطئ الى معارضة كلّ الأدلة العقلية التي يستدلّ بها المؤمنون على وجود اللّه سبحانه، لأنّها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحسّ.

فنحن نجد مثلا محدثا- كالسيد نعمة اللّه الجزائري- يطعن في تلك الأدلة بكلّ صراحة وفقا لا تجاهه الأخباري، كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه الدرر النجفيّة، و لكن ذلك لم يؤد بالتفكير الأخباري الى الإلحاد كما أدّى بالفلسفات الحسية الأوروبية، لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على نشوء كلّ منهما، فانّ الاتجاهات الحسيّة و التجريبية في نظرية المعرفة قد تكوّنت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة و ابراز أهميتها، فكان لديها الاستعداد لنفي كلّ معرفة عقلية منفصلة عن الحسّ.