عمدة الأصول‏ - ج2

- السيد محسن الخرازي المزيد...
637 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

المقصد الأوّل في الأوامر

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الأوّل: فيما يتعلّق بمادّة الأمر:

و فيه جهات من البحث:

الجهة الأولى: في أنّ المعروف بين الأصوليّين أنّ لفظ الأمر مشترك لفظيّ‏

بين المعاني العديدة المذكورة لكلمة الأمر «كالشي‏ء» و «الشأن» و «الشغل» و «الغرض» و «الحادثة» و «الفعل العجيب» و «الفعل» و «الطلب» كما يقال رأيت أمرا- و شغله أمر كذا- و جاء زيد لأمر كذا- و إذا وقع الأمر فارجع إلينا- و رأيت امرا عجيبا- و أمر فلان مستقيم- و أمركم مطاع.

أورد عليهم بأنّ ذكر بعض هذه المعاني للفظ الأمر من باب اشتباه المصداق بالمفهوم كالحادثة و الشأن و الفعل أو الفعل العجيب و الشغل و الغرض فإنّها مصاديق الشي‏ء الذي هو مفهوم الأمر و ليست هي بنفسها من معاني الأمر بل يكون بعض هذه المعاني غير مرتبط بلفظ الأمر و إنّما يفهم من غير لفظ الأمر كالغرض فإنّه مستفاد من لفظة اللام في مثل «جاء زيد لأمر كذا» و مدخول اللام تارة يكون مصداقا للغرض و تارة ليس هو بنفسه مصداقا له و إنّما يكون سببا له.

و لذلك عدل في الكفاية عن مختار المعروف و ذهب إلى أنّ لفظ الأمر مشترك لفظيّ بين الطلب في الجملة أي حصّة خاصّة من الطلب و هي الحصّة المتعلّقة بفعل‏

8

الغير دون الطلب النفسانيّ الغير المتعلّق بفعل الغير و بين الشي‏ء. (1)

كما أنّ صاحب الفصول ذهب إلى ما ذكر قبل صاحب الكفاية إلّا أنّه جعل لفظ الأمر مشتركا لفظيّا بين الطلب في الجملة و الشأن‏ (2) مع أنّ الشأن من جملة مصاديق مفهوم الشي‏ء و ليس هو بنفسه معنا للفظ الأمر و لذا أورد عليه في الكفاية بمنع كونه حقيقة في الشأن. (3)

أورد المحقّق الأصفهانيّ على صاحب الكفاية بأنّ استعمال الأمر في الشي‏ء مطلقا لا يخلو عن شي‏ء، إذ الشي‏ء يطلق على الأعيان و الأفعال مع أنّ الأمر لا يحسن إطلاقه على العين الخارجيّة فلا يقال: رأيت أمرا عجيبا إذا رأى فرسا عجيبا و لكن يحسن ذلك إذا رأى فعلا عجيبا من الأفعال. انتهى‏ (4)

و تبعه في نهاية الاصول حيث قال: الظاهر فساد القول بكونه بمعناه الجموديّ مرادفا للشي‏ء إذ الشيئيّة من الأمور العامّة المطلقة على الجواهر و الأعراض بأسرها و إطلاق الأمر على الجواهر بل على بعض الأعراض فاسد جدّا فلا يقال مثلا زيد أمر من الأمور. انتهى‏ (5)

و يمكن اندفاع الإشكال بتقييد الشي‏ء بقيد «في الجملة» كما أنّ الطلب متقيّد به و المراد من الحصّة الخاصّة من مفهوم الشي‏ء هو ما يتقوّم بالشخص في قبال الجواهر و بعض أقسام الأعراض.

____________

(1) الكفاية 1/ 89.

(2) الفصول/ 49 الطبع القديم.

(3) الكفاية 1/ 90.

(4) نهاية الدراية 1/ 146.

(5) نهاية الأصول 1/ 85.

9

و أمّا القول بأنّ معناه الجموديّ هو الفعل كما في نهاية الأصول‏ (1) ففيه أنّه إن اريد به أنّ الأمر مرادف لمفهوم الفعل فلا نسلّم لأنّه خلاف المتبادر من لفظ الأمر و عليه فلفظ الأمر موضوع لحصّة خاصّة من مفهوم الشي‏ء. نعم" أمر فلان مستقيم" ظاهر في أنّ المراد من الأمر فيه هو الفعل أو الشأن و لكن لو لم نقل إنّه مستفاد بالقرينة لزم اشتراك لفظ الأمر بالاشتراك اللفظيّ بين ثلاثة من المعاني من المعنيين المذكورين و الفعل أو الشأن.

أورد في تهذيب الاصول على صاحب الكفاية بأنّ مادّة الأمر موضوعة لجامع اسميّ بين هيئات الصيغ الخاصّة بما لها من المعنى لا الطلب و لا الإرادة المظهرة و لا البعث و أمثالها فالمعنى مفهوم اسميّ مشترك بين الهيئات التي هي الحروف الإيجاديّة.

ثمّ استشكل على نفسه بأنّ البحث في لفظ الأمر الذي له معنى اشتقاقيّ و ما ذكرت من الجامع يستلزم كونه غير قابل للتصريف.

و أجاب عنه بأنّ ما ذكرنا من الجامع الاسميّ بما أنّه قابل للانتساب و التصرّف يصحّ منه الاشتقاق كما أنّ الكلام و اللفظ و القول مشتقّات باعتبار ذلك فلا إشكال من هذه الجهة بوجه إذ الاشتقاق باعتبار كونه حدثا صادرا عن الأمر. (2)

يمكن أن يقال أوّلا: إنّ الأمر بمعناه المصدريّ ليس حاكيا عن هيئات الصيغ الخاصّة بالجامع الاسميّ بل معناه هو ما يساوق في اللغة الفارسيّة ب «فرمان دادن».

و ثانيا: إنّ ملاحظة الجامع الاسميّ بما أنّه قابل للانتساب يباين ملاحظته بما هو جامع اسميّ مباينة بشرط الشي‏ء و اللابشرط فإنّ في الجامع الاسميّ لا يلاحظ إلّا نفس المعنى دون المعنى المصدريّ فإنّ المعنى ملحوظ بشرط انتسابه إلى الفاعل و

____________

(1) المصدر السابق.

(2) تهذيب الاصول 1/ 131- 132.

10

صدوره عن الآمر فالجمع بين الملاحظتين جمع بين المتنافيين.

و ثالثا: إنّ الحق أنّ الاشتقاق ليس من لفظ الأمر على زنة الفعل المتحصّل بهيئة خاصّة لأنّ المتحصّل كما أفاد لا يكون مقوّما لمتحصّل آخر بل الاشتقاق من المادّة السارية كالهيولى في جميع الهيئات المعبّر عنه في المقام بالألف و الميم و الراء «أ- م- ر» فلا تغفل.

و أورد في تهذيب الاصول على أصل الاشتراك بأنّه غير صحيح لأنّ الموضوع للحدث غير الموضوع للمعنى الجامديّ و مع المغايرة لا يكون لفظ واحد موضوعا للمعنيين حتّى يكون اشتراكا لفظيّا حيث قال:

إنّ القول باشتراكه لفظا غير صحيح إذ الموضوع للحدث فهي المادّة السارية في فروعها التي لم تتحصّل بهيئة خاصّة بل خالية عن جميع الفعليّات و التحصّلات و الموضوع لمعان أخر هو لفظ الأمر جامدا المتحصّل بهيئة خاصّة كلفظ الانسان و الحيوان و على ذلك فالوضعان لم ينحدرا على شي‏ء واحد حتّى يجعل من الاشتراك اللفظيّ بل على مادّة غير متحصّلة تارة و على اللفظ الجامد اخرى و لعلّ القائل بالاشتراك يرى مادّة المشتقّات هو المصدر و تبعه غيره في ذلك من غير توجّه إلى تاليه. (1)

و فيه أنّ الأمر على زنة الفعل كالفلس موضوع للمعنيين:

أحدهما: الأمر بمعناه الحدثيّ الذي يعبّر عنه في اللغة الفارسيّة ب «فرمان دادن».

و ثانيهما: غير المعنى الحدثيّ كالشي‏ء أو الشأن أو الفعل كما يشهد له تبادرهما من لفظة الأمر.

و عليه فلفظ الأمر على زنة الفعل مشترك لفظيّ بين المعنيين و لا ينافي ذلك أنّ‏

____________

(1) المصدر السابق.

11

مبدأ الاشتقاق هو المادّة السارية (أ- م- ر) و العجب منه (قدّس سرّه) حيث خصّص لفظ الأمر المتحصّل بهيئة الفعل كالفلس بغير المعاني الحدثيّة مع أنّ الأمر علي زنة الفعل يأتي بمعنيين أحدهما المعنى الحدثيّ و هو الطلب على سبيل الإلزام المعبّر عنه في اللغة الفارسيّة ب «فرمان دادن» فلا وجه لتخصيصه بغير المعنى الحدثيّ.

هذا مضافا إلى ما في جعل لفظ الأمر جامدا مع أنّه مشتقّ أيضا من مادّة (أ- م- ر) بناء على أنّ مبدأ الاشتقاق هو المادّة السارية و يشهد على تعدّد معنى الأمر على زنة الفعل اختلاف جمعه بالأوامر و الامور مع أنّه لو كان مختصّا بغير المعنى الحدثيّ لزم أن يأتي جمعه على الامور خاصّة مع أنّه ليس كذلك.

فانقدح ممّا ذكر قوّة القول بالاشتراك اللفظيّ فلا وجه لمنع الاشتراك اللفظيّ بعد تعدّد المعاني لمادّة الأمر على زنة الفعل.

نعم يرد على صاحب الكفاية أنّ مفاد لفظ الأمر ليس الطلب للفرق الظاهر بين الأمر و الطلب حيث أنّ الإلزام داخل في حاقّ الأمر دون الطلب و الأمر مساوق لما يقال في اللغة الفارسيّة من «فرمان دادن». نعم الأمر بمعناه المذكور يحتوى الطلب و لكن ليس مجرّد الطلب.

ثمّ لا يخفى عليك عدم صحّة القول بالاشتراك المعنويّ كما عن المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) من أنّ معنى الجامع الذي يحتوي أيضا الأمر بمعنى الطلب هو الواقعة التي لها أهمّيّة في الجملة فهذا المعنى كما يشمل الحادثة و الغرض و نحوهما فكذلك يشمل الأمر بمعنى الطلب فإنّه أيضا من الأمور التي لها أهمّيّة فلا يكون للفظ الأمر إلّا معنى واحد تندرج فيه كلّ المعاني المذكورة و تصوّر الجامع القريب بين الجميع و إن كان صعبا إلّا أنّه نرى وجدانا أنّ الاستعمال في جميع الموارد بمعنى واحد و معه ينتفي الاشتراك‏

12

اللفظيّ. (1)

و ذلك واضح بعد اختلاف المعنى الجامديّ مع المعنى الحدثيّ في الجمع حيث أنّ جمع الأوّل على امور و جمع الثاني على أوامر لأنّ الاختلاف المذكور حاك عن اختلاف المفردات فلا وجه لدعوى اشتراكهما في معنى واحد.

هذا مضافا إلى ما في تهذيب الاصول من امتناع وجود جامع حقيقيّ بين الحدث و غيره و على فرض وجوده لا يكون حدثيّا حتّى يقبل الاشتقاق إلّا بنحو من التجوّز. (2)

و مضافا إلى ما في المحاضرات من أنّه لا دليل على أخذ الأهمّيّة في معنى الأمر بحيث يكون استعماله فيما لا أهمّيّة له مجازا و ذلك لوضوح أنّ استعماله فيه كاستعماله فيما له أهمّيّة في الجملة من دون فرق بينهما من هذه الناحية أصلا. (3)

و لقد أفادا و أجادا إلّا أنّ الاشتقاق كما عرفت و ذهب إليه في تهذيب الاصول ليس من المصدر بل من المادّة السارية فلا وجه للإشكال عليه بأنّ المعنى الجامع بين الحدث و الجامد لا يقبل الاشتقاق نعم يرد على من ذهب إلى إمكان الجامع بأنّه لا جامع بين الحدث و غيره.

هذا مضافا إلى إمكان أن يقال إنّ الاشتقاق باعتبار بعض مصاديق الجامع لا إشكال منه بناء على أنّ الاشتقاق من المصدر.

و ممّا ذكر يظهر ما في نهاية النهاية حيث قال: لا يبعد أن يكون إطلاق لفظ الأمر بالمعنى الثاني [أي الشي‏ء] مأخوذا من الأوّل- بمعنى الحدثيّ- و بمناسبة أنّ‏

____________

(1) أجود التقريرات 1/ 86.

(2) تهذيب الاصول 1/ 131.

(3) المحاضرات 2/ 6- 7.

13

الشي‏ء يكون متعلّقا للطلب و موردا له اطلق عليه لفظ الأمر كما أنّه بمناسبة أنّه تعلّق به المشيّة اطلق عليه لفظ الشي‏ء ثمّ توسّع و اطلق اللفظان على المحالات غير القابلة لتعلّق الطلب و المشيّة بها. (1)

و ذلك لأنّ هذه المناسبات مناسبات فلسفيّة و لا ربط لها بباب الوضع و على فرض تسليم كونها موجودة في نظر الواضع تكون متروكة و مهجورة إذ المتفاهم العرفيّ في مثل «شغله أمر كذا» أو «جاء زيد لأمر كذا» هو ما يصدق عليه عنوان الشي‏ء من دون التفات إلى كونه متعلّقا للطلب و موردا له أو متعلّقا للمشيّة.

فدعوى الاشتراك المعنويّ في لفظة الأمر بالنسبة إلى معانيها لا شاهد له.

هذا مضافا إلى أنّ الطلب بمعناه المصدريّ غير الطلب بمعناه المفعوليّ. و الأشياء تكون متعلّقا للطلب بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأوّل.

فتحصّل أنّ الأقوى هو القول بالاشتراك اللفظيّ في لفظ الأمر بالنسبة إلى معانيها من الطلب الإلزاميّ و الشي‏ء و الفعل.

الجهة الثانية: في اعتبار العلوّ في مفهوم الأمر

و لا يخفى عليك أنّ الحقّ هو اعتبار العلوّ في مفهوم الأمر من دون فرق بين كون العلوّ معنويّا أو ظاهريّا و ذلك للتبادر و صحّة سلب الأمر عن الطلب من المساوي أو السافل و لذا نرى بالوجدان ذمّ العقلاء بالنسبة إلى خطاب المساوي أو السافل لغيره بلفظ الأمر.

و ممّا ذكر يظهر ما في تهذيب الاصول حيث خصّص العلوّ بالظاهريّ‏ (2) مع أنّ‏

____________

(1) نهاية النهاية 1/ 87.

(2) تهذيب الاصول 1/ 133.

14

العلوّ الواقعيّ كاف في صدق الأمر على طلبه الإلزاميّ و لذا يكون طلب الإمام المعصوم غير مبسوط اليد أمرا و إن لم يكن قادرا على إجراء أوامره و تكاليفه و هكذا غيره ممّن يكون عاليا في الواقع.

و صدق الأمر على الطلب الإلزاميّ من ناحية الإمام و من يكون عاليا في الواقع لا يكون موقوفا على نفوذ الكلمة إذ لا دخل لنفوذ الكلمة في العلوّ الواقعيّ نعم هو من مقوّمات العلوّ الظاهريّ فإنّ العلوّ الظاهريّ بدون نفوذ الكلمة لا معنى له غاية ما يلزم هو اعتقاد جماعة من الناس بعلوّ من يكون عاليا في الواقع و لزوم إطاعته و أمّا النفوذ الظاهريّ و السلطة و القدرة الإجرائيّة فلا كما لا يخفى.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ الظاهر كما في الكفاية عدم اعتبار الاستعلاء في حقيقة الأمر لصدق الأمر على طلب العالي مع الغفلة عن علوّه‏ (1) و القول بأنّ الظاهر أنّ الاستعلاء أيضا مأخوذ في حقيقة الأمر فلا يعدّ مكالمة المولى مع عبيده على طريق الاستدعاء و الالتماس أمرا فمفهوم الأمر مضيّق لا ينطبق إلّا على الأمر العالي المستعلي عند التحليل محلّ تأمّل و إشكال لأنّ اعتبار الاستعلاء أمر و اعتبار عدم اقترانه بما يدخله في الاستدعاء و الالتماس أمر آخر.

و عليه فيمكن أن يقال بعدم اعتبار الاستعلاء في صدق الأمر و لذا لو صدر عن العالي طلب مع الغفلة من علوّه لصدق عليه الأمر مع أنّه خال عن الاستعلاء.

قال في الوقاية نقلا عن جدّه صاحب الهداية يصدق الأمر حقيقة على الأوامر الصادرة من الأمير إلى الرعيّة و السيّد إلى العبيد و إن كان المتكلّم غافلا عن علوّه حين الخطاب‏ (2).

____________

(1) الكفاية 1/ 91.

(2) الوقاية/ 177.

15

مع أنّه لو كان الاستعلاء دخيلا في الصدق لما كان طلب الغافل عن علوّه أمرا.

نعم لو اقترن الطلب بما يدخله في حقيقة الاستدعاء أو الالتماس لا يصدق عليه الأمر لفقدان ما اعتبر في صدقه من صدوره عن العالي بما هو العالي و إن كان غافلا عن علوّه إذ مع الاقتران المذكور نزّل نفسه عن علوّه و يدرّجها في المساوي و الأدون كما أنّ المولى الشرعيّ إذا نزّل عن مقام المولويّة و جعل نفسه بمنزلة أحد من العقلاء و أمر كان أمره إرشاديّا و لم يترتّب عليه ما يترتّب على أوامره المولويّة من عصيان المخالفة.

و ممّا ذكر يظهر أنّه لا وجه لاعتبار الجمع بين العلوّ و الاستعلاء لما عرفت من عدم دخالة الاستعلاء بالمعنى المذكور إذ اللازم في صدق الأمر هو صدور الخطاب عن العالي و إن لم يكن مستعليا به.

كما اتّضح ممّا مرّ أيضا عدم صحّة اعتبار أحدهما إذ الاستعلاء بدون العلوّ الواقعيّ أو الظاهريّ لا يوجب صدق الأمر على طلب السافل المستعلي بل يصحّ سلب الأمر عنه. نعم يكفي العلوّ البنائيّ و هو يقوم مقام العلوّ الواقعيّ و الظاهريّ كالمجاز السكّاكيّ و لذا نرى صدق الأمر على طلب من يفرض أنّه سلطان بالنسبة إلى غيره من الوزراء الفرضيّة و نحوهم كما هو المشاهد في لعب السلطان و الوزير. فكما أنّ ادّعاء كون زيد أسدا يصحّح إطلاق الأسد عليه حقيقة و المجاز في الادّعاء كذلك يصدق الأمر على طلبه حقيقة بعد ارتكاب المجاز و العناية في جعل السافل عاليا.

لا يقال: و الشاهد على صدق الأمر على طلب السافل المستعلي هو تقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه و توبيخه بمثل أنّك لم تأمره فإنّ الظاهر منه أنّ التوبيخ على أمره لا على استعلائه و هو كاشف عن كفاية الاستعلاء في صدق الأمر.

لأنّا نقول: إنّ التوبيخ و إن كان في بدو الأمر بالنسبة إلى أمره و لكنّه يرجع في‏

16

الحقيقة إلى استعلائه و الدليل عليه هو صحّة سلب الأمر عن طلبه إذا لم يكن عاليا عند العرف و لا عاليا في الواقع و لا بناء على كونه عاليا.

فتحصّل أنّ مفهوم الأمر متضيّق و لا يصدق إلّا على طلب العالي على سبيل الإلزام.

ذهب في نهاية الاصول إلى منع اعتبار العلوّ بنحو القيديّة في معنى الأمر حيث قسّم الطلب على قسمين:

أحدهما: الطلب الذي قصد فيه الطالب انبعاث المطلوب منه من نفس هذا الطلب بحيث يكون داعيه و محرّكه إلى الامتثال صرف هذا الطلب و هذا القسم من الطلب يسمّى أمرا.

ثانيهما: هو الطلب الذي لم يقصد الطالب فيه انبعاث المطلوب منه من نفس طلبه بل كان قصده انبعاث المطلوب منه من هذا الطلب منضمّا إلى بعض المقارنات التي توجب وجود الداعي في نفسه كطلب المسكين من الغنيّ فإنّ المسكين لا يقصد انبعاث الغنيّ من نفس طلبه و تحريكه لعلمه بعدم كفاية بعثه في تحرّك الغنيّ و لذا يقارنه ببعض ما له دخل في انبعاث الغنيّ كالتضرّع و الدعاء لنفس الغنيّ و والديه مثلا و هذا القسم من الطلب يسمّى التماسا أو دعاء.

فعلى هذا حقيقة الطلب على قسمين غاية الأمر أنّ القسم الأوّل منه (أي الذي يسمّى بالأمر) حقّ من كان عاليا و مع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان أمرا أيضا و لكن يذمّه العقلاء على طلبه بالطلب الذي ليس شأنا له فيقولون أ تأمره؟ كما أنّ القسم الثاني يناسب شأن السافل و لو صدر عن العالي أيضا لم يكن أمرا فيقولون لم يأمره بل التمس منه و يرون هذا تواضعا منه. انتهى‏ (1)

____________

(1) نهاية الاصول 1/ 86.

17

حاصله هو منع اعتبار الصدور من العالي في صدق مفهوم الأمر و لذا حكم بالصدق فيما إذا كان الطالب سافلا و طلب على سبيل الإلزام و بعدم صدقه فيما إذا كان الطالب عاليا و لكن استدعى و التمس من غيره مع أنّه صدر عن العالي فالمعتبر هو قصد الطالب فإن كان قصده من الطلب هو الامتثال بنفس طلبه فهو أمر و إلّا فهو استدعاء و التماس.

يمكن أن يقال: فيه:

أوّلا: إنّ قصد الطالب انبعاث المخاطب بنفس الطلب لا ينافي اعتبار العلوّ في صدق الأمر عليه و مدخليّته فيه كما هو الظاهر و تدلّ عليه صحّة سلب الأمر عن طلبه و لو مع القصد المزبور فمنه يعلم أنّ مجرّد القصد المذكور لا يكفي في صدق الأمر و إلّا لما صحّ سلب الأمر عنه.

و لذلك قال في تهذيب الاصول: إنّ عدم صدقه على غير العالي المستعلي كاشف عن تضييق مفهومه إذ لو ابقى على سعته كان عدم صدقه على غيرهما بلا ملاك.

انتهى‏ (1)

و ثانيا: إنّ عدم صدق الأمر على طلب العالي المستدعي أو الملتمس من جهة تنزيل نفسه عن مرتبة العلوّ و جعلها في مرتبة المخاطب و من المعلوم أنّ الطلب مع هذا البناء لا يكون صادرا عن العالي بما هو العالي فلا يصدق على طلبه أمر، كما لا يصدق الأوامر المولويّة على أوامر المولى الذي نزّل نفسه عن مرتبة المولويّة و أمر بعنوان كونه أحدا من العقلاء و لذا لا يترتّب عليها آثار الأوامر المولويّة من عصيان المخالفة و غيره.

فانقدح ممّا ذكر أنّ مفهوم الأمر متضيّق و إلّا يصدق على غير العالي مع أنّك‏

____________

(1) تهذيب الاصول 1/ 133.

18

عرفت صحّة السلب و عدم صدقه على طلب العالي المستدعي لتنزيل نفسه عن مقامه و مع التنزيل المذكور لا يبقى قيد المفهوم و لذا لا يصدق على طلبه حينئذ عنوان الأمر فلا تغفل.

الجهة الثالثة: في اعتبار الإلزام و الإيجاب في مادّة الأمر و عدمه‏

و لا يخفى أنّ مقتضى التبادر هو الأوّل. إذ لا ينسبق من مادّة الأمر التي تكون في اللغة الفارسيّة بمعنى «فرمان دادن» إلّا الطلب الإلزاميّ و الإيجابيّ و لذا ذهب إليه صاحب الفصول حيث قال (بعد اختيار كون لفظ الأمر مشتركا بين الطلب المخصوص و بين الشأن):

ثمّ المراد بالطلب المخصوص طلب العالي من الداني حصول الفعل على سبيل الإلزام.

و استدلّ عليه بالتبادر (1). و تبعه صاحب الكفاية، و قال: لا يبعد كون لفظ الأمر حقيقة في الوجوب لانسباقه عنه عند إطلاقه. إلى أن قال: و صحّة الاحتجاج على العبد و مؤاخذته بمجرّد مخالفة أمره و توبيخه على مجرّد مخالفته. كما في قوله تعالى: (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك). (2)

قال في الوقاية: لفظ الأمر له ظهور قويّ في الوجوب حتّى أنّ كثيرا من القائلين باشتراك الصيغة بين الوجوب و الندب يقولون باختصاص لفظ الأمر بالوجوب و الدليل عليه الفهم العرفيّ. (انتهى ملخّصا) (3)

____________

(1) الفصول/ 49 ط قديم.

(2) الكفاية 1/ 92.

(3) الوقاية/ 178.

19

ربّما استدلّ لذلك بالاستعمالات الواردة في الكتاب و السنّة. كقوله تعالى:

«فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ» (1). حيث أنّ الحذر عن المخالفة لا يناسب إلّا مع الوجوب و الإلزام. و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك مع كلّ صلاة» (2) حيث نفى الأمر مع ثبوت الاستحباب و هو لا يكون إلّا لدلالة الأمر على الوجوب و الإلزام.

و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) في قصّة بريرة حيث كانت أمة لعائشة و زوجها كان عبدا ثمّ اعتقتها عائشة فلمّا علمت بريرة بخيارها في نكاحها بعد العتق أرادت مفارقة زوجها فاشتكى الزوج إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فقال (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لبريرة: ارجعي إلى زوجك فإنّه أبو ولدك و له عليك منّة. فقالت يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم): أ تأمرني بذلك؟ فقال: لا إنّما أنا شافع. بتقريب الاستدلال به أنّ نفيه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) للأمر دليل على كونه للوجوب. و لذا قالت بريرة له (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أ تأمرني يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بذلك. إذ لو لم تكن دلالة الأمر على الوجوب مركوزة في الأذهان لم يكن وجه لسؤالها منه. هذا.

و لكن أورد عليه في الفصول بأنّ استعمال الأمر في هذه الموارد في الإيجاب لا يوجب أن يكون موضوعا له بخصوصه بل يكفي ظهوره فيه عند الإطلاق مع أنّ مجرّد الاستعمال لا يقتضي الحقيقة. (3)

و تبعه في الكفاية و لذا عبّر عن تلك الموارد بالمؤيّدات. (4)

قال استاذنا المحقّق الداماد (قدّس سرّه) بعد قبول الإيراد في بعض الموارد المذكورة معلّلا

____________

(1) سورة النور/ 63.

(2) علل الشرائع 1/ 293.

(3) الفصول/ 53 الطبع القديم.

(4) الكفاية 1/ 92.

20

بأنّ المراد معلوم و لا أصل لتعيين كيفيّة الاستعمال بعد معلوميّة المراد أنّها هل تكون على سبيل الحقيقة أو بمعونة القرينة. يمكن دفع المناقشة في مثل قول بريرة: أ تأمرني؟

إذ لا يبعد دعوى أنّ المنسبق من مادّة الأمر عند بريرة و النبيّ الأعظم (صلى اللّه عليه و آله و سلم) هو الوجوب. و عليه فهو ممّا يشهد على تبادر الوجوب من مادّة الأمر كما أنّ صحّة الاحتجاج على العبد تكون مبنيّة على التبادر. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ غايته هو ظهور اللفظ في الوجوب و لعلّه من جهة الانصراف بسبب كثرة الاستعمال فلا يدلّ على التبادر من حاقّ اللفظ فافهم.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ بعد كون معنى التبادر هو ظهور المعنى من حاقّ اللفظ لا مجال لدعوى الظهور الانصرافيّ كما لا مجال لظهور الاطلاقيّ و مقدّمات الحكمة أو الظهور العقليّ بمعنى أنّ الوجوب هو إدراك العقل لابدّيّة الخروج عن عهدة الخطاب فيما إذا لم يحرز من الداخل أو من الخارج ما يدلّ على جواز تركه.

و ذلك لأنّ الانصراف من جهة كثرة الاستعمال لا من جهة اللفظ فقطّ و الظهور الإطلاقيّ من جهة المقدّمات لا من جهة اللفظ فقطّ و إدراك اللابدّيّة العقليّة لا حاجة إليه بعد دلالة اللفظ بنفسه فللمولى أن يحتجّ بنفس اللفظ لا بمقتضى قضيّة العبوديّة و الرقّيّة و هو لزوم الخروج عن عهدة الخطاب ما لم ينصب قرينة على الترخيص في تركه.

ففي المقام مع ظهور مادّة الأمر التي تكون في اللغة الفارسيّة بمعنى «فرمان دادن» في الطلب الإلزاميّ لا مجال لتلك الدعاوي إذ الإلزام يكون مستفادا من حاقّ اللفظ لا من جهة كون لفظ الأمر موضوعا لأصل الطلب و لكن لكثرة استعماله في الطلب الإلزاميّ صار ظاهرا في الإلزاميّ و لا من جهة أنّ الطلب الندبيّ يحتاج إلى بيان زائد من الترخيص في الترك و حيث لم يبيّن كان مقتضى مقدّمات الإطلاق هو إرادة الطلب الإلزاميّ و لا من جهة حكم العقل بالتقريب المذكور.

21

و ممّا ذكر يظهر ما في بدائع الأفكار و منتهى الاصول حيث ذهبا إلى الظهور الإطلاقيّ‏ (1) و ما في المحاضرات و نهاية النهاية حيث ذهبا إلى الظهور العقليّ فراجع. (2)

و لعلّ منشأ الاشتباه هو الخلط بين صيغة الأمر و مادّة الأمر أو جعل معنى الأمر هو الطلب مع أنّ الأمر بمعنى (فرمان) في اللغة الفارسيّة هو الطلب مع الإلزام لا صرف الطلب.

و كيف كان فمع دلالة اللفظ بوضعه على الإلزام لا حاجة إلى مقدّمات الحكمة أو الدليل العقليّ لإثبات الإلزام كما لا يخفى.

و يستبين ممّا تقدم أنّ لفظ الأمر ظاهر بنفسه في طلب الفعل على سبيل الإلزام و الوجوب.

و عليه فكلّما ورد خطاب في الكتاب و السنّة بلفظ الأمر فهو يفيد الوجوب إلّا إذا قامت قرينة على الخلاف فإذا قيل «هذا ممّا أمر اللّه به» يعلم منه أنّه من الواجبات كما أنّ مادّة النهي بقرينة المقابلة ظاهرة في طلب ترك الشي‏ء على سبيل الإلزام و الإيجاب فإذا ورد «أنّ ذلك من النواهي» يعلم منه أنّه من المحرّمات إلّا إذا قامت قرينة على الخلاف و يتفرّع على ذلك أنّ الواجب في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو طلب فعل المعروف و طلب ترك المنكر على سبيل الإلزام و الإيجاب إذ المأمور به هو الأمر و النهي في مثل قوله تعالى: وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ (3) و قول الرضا (عليه السّلام): «لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم‏

____________

(1) بدائع الأفكار 1/ 197 و منتهى الاصول 1/ 112.

(2) المحاضرات 2/ 13 و نهاية النهاية 1/ 91.

(3) لقمان/ 16.

22

فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (1).

و مقتضى الأمر و النهي هو طلب الفعل أو الترك على سبيل الإلزام و الإيجاب و عليه فلا يكفي في إطاعة هذين الواجبين مجرّد الطلب من دون إلزام و إيجاب كالاستدعاء أو الالتماس إذا لم يوجبا إتيان المعروف و ترك المنكر بل اللازم فيما إذا احتمل التأثير هو الأمر أي طلب الفعل على سبيل الإلزام أو النهي أي طلب ترك الفعل على سبيل الإيجاب.

الجهة الرابعة: في اتّحاد الطلب و الإرادة و عدمه‏

و يقع البحث في المقامين:

المقام الأوّل: في مفهومهما بحسب اللغة

ذهب جماعة منهم صاحب الكفاية إلى أنّ الطلب المستفاد من مادّة الأمر أو صيغة الأمر متّحد مع الإرادة مفهوما و مصداقا و إنشاء بحسب الوضع و إن اختلفا بحسب الانصراف و كثرة الاستعمال و ذلك أنّ لفظيهما موضوعان بإزاء مفهوم واحد و يكون ما بإزاء أحدهما في الخارج عين ما بإزاء الآخر و الطلب المنشأ بلفظ الأمر أو بصيغته عين الإرادة الإنشائيّة و لكنّ المنصرف إليه في الطلب المطلق هو الطلب الإنشائيّ و المنصرف إليه في الإرادة المطلقة هي الصفة النفسانيّة و ليس منشأ الانصراف فيهما إلّا كثرة الاستعمال فيهما. (2)

و فيه أوّلا: أنّ المتبادر من لفظ «الإرادة» هي الصفة النفسانيّة، و المتبادر من‏

____________

(1) الوسائل: الباب «1» من أبواب الأمر و النهي، ح 4.

(2) الكفاية 1/ 95.

23

لفظ «الطلب» هو الفعل و هو التصدّي نحو تحصيل شي‏ء.

و الأوّل من مقولة الكيف النفسانيّ على المشهور.

و الثاني من مقولة الفعل فلا يمكن اتّحادهما.

قال في المحاضرات: إنّ الإرادة بواقعها الموضوعيّ من الصفات النفسانيّة و من مقولة الكيف القائم بالنفس و أمّا الطلب فقد سبق أنّه من الأفعال الاختياريّة الصادرة عن الإنسان بالإرادة و الاختيار، حيث أنّه عبارة عن التصدّي نحو تحصيل شي‏ء في الخارج و من هنا لا يقال: طالب الضالّة أو طالب العلم إلّا لمن تصدّى خارجا لتحصيلهما. و أمّا من اشتاق إليهما فحسب و أراد فلا يصدق عليه ذلك و لذا لا يقال:

طالب المال أو طالب الدنيا لمن اشتاق و أرادهما في افق النفس ما لم يظهر في الخارج بقول أو فعل.

إلى أن قال: و لا فرق في ذلك بين أن يكون الطلب متعلّقا بفعل نفس الإنسان و عنوانا له كطالب الضالّة و طالب العلم و ما شاكلها، و أن يكون متعلّقا بفعل غيره. و على كلا التقديرين فلا يصدق على مجرّد الإرادة و قد تحصّل من ذلك أنّ الطلب مباين للإرادة مفهوما و مصداقا. انتهى. (1)

و لا فرق فيما ذكر بين المشتقّات الاسميّة و الفعليّة في التبادر المذكور لوحدة معنى الإرادة في: أراد أو يريد أو مريد و معنى الطلب في طلب و يطلب و طالب.

و ممّا ذكر يظهر ما في نهاية النهاية حيث قال: الصحيح أن يقال: إنّه يختلف ذلك حسب المتفاهم العرفيّ باختلاف مشتقّاته فمثل طالب و مطلوب ظاهر في معنى الإرادة و مثل طلب و يطلب ظاهر في معنى الأمر و البعث الخارجيّ و ذلك يكشف عن أنّ معنى المادّة هو تلك الصفة النفسانيّة و ظهورها في خلافها في بعض الهيئات‏

____________

(1) المحاضرات 2/ 16.

24

يكون بالعرض و بالانصراف و إلّا فلا يعقل اختلاف معنى المادّة في ضمن الهيئات.

انتهى‏ (1)

و ثانيا: أنّ الإرادة ليست قابلة للإنشاء لأنّها أمر تكوينيّ و الإنشاء قاصر عن إيجاد التكوينيّات، هذا بخلاف الطلب فإنّه مفهوم قابل للانطباق على الفعل الخارجيّ و الإنشائيّ و الإنسان إمّا أن يتصدّى بنفسه تحصيل شي‏ء و يصدق عليه الطالب بسبب تصدّيه لتحصيل الشي‏ء، و إمّا أن يتصدّى لإتيان الغير إيّاه و هو على نوعين:

أحدهما: هو أن يأخذ الطالب يد غيره و يجرّه نحو العمل.

و ثانيهما: أن يقول لغيره اضرب أو آمرك بكذا و كلاهما بعث و تحريك نحو العمل و يصدق عليهما عنوان الطلب كما لا يخفى.

قال في نهاية الاصول: إنّ ما ذكره (أي صاحب الكفاية) من اتّحاد الطلب و الإرادة مفهوما و خارجا و إنشاء فاسد أصله فإنّ لفظ الإرادة موضوع لصفة خاصّة من صفات النفس و الصفات النفسانيّة من الامور الحقيقيّة التي تكون بحذائها شي‏ء في الخارج فلا تقبل الوجود الإنشائيّ لإباء الامور الحقيقيّة هذا النحو من الوجود بخلاف الطلب فإنّ له معنى قابلا لأن يوجد بالإنشاء و هو البعث و التحريك إذ ليس معناه سوى البعث و التحريك نحو العمل و كما أنّهما يحصلان بالتحريك الفعليّ بأن يأخذ الطالب بيد المطلوب منه و يجرّه نحو العمل المقصود فكذلك يحصلان بالتحريك القوليّ بأن يقول الطالب (اضرب) أو (أطلب منك الضرب) أو (آمرك بكذا مثلا).

فقول الطالب: (افعل كذا) بمنزلة أخذه بيد المطلوب منه و جرّه نحو العمل المقصود و الحاصل أنّ حقيقة الطلب مغايرة لحقيقة الإرادة. إلى أن قال: نعم الطلب بكلا معنييه مظهر للإرادة و مبرز لها فمن أراد من عبده تحقّق فعل خاصّ أو وجود مقدّماته بقصد

____________

(1) نهاية النهاية 1/ 93.

25

التوصّل بها إلى الفعل قد يحرّكه نحو الفعل تحريكا عمليّا و قد يقول له: (افعل كذا) مريدا بهذا القول تحقّق ذلك التحريك فمفاد (افعل) تحريك تنزيليّ يعبّر عنه بالطلب الإنشائيّ. انتهى‏ (1)

ثمّ إنّ الطلب عنوان عامّ يصدق على الطلب الخارجيّ و على الطلب الإنشائيّ و هو البعث و التحريك الإنشائيّ إذ كلاهما مصداقان للطلب و لا وجه لتخصيص الطلب بأحدهما.

و ممّا ذكر يظهر ما في المحاضرات حيث قال: إنّ الطلب عنوان للفعل الخارجيّ أو الذهنيّ و ليس منشأ بمادّة الأمر أو بصيغتها أو ما شاكلها (2) لما عرفت من عدم اختصاص الطلب بتصدّي النفس بل يشمل البعث و التحريك الإنشائيّ لأنّه أيضا من الأفعال التي ينطبق عليه عنوان الطلب فتخصيصه بغير الإنشائيّ تخصيص بلا وجه.

ثمّ إنّ إنشاء الطلب ليس بمعنى إنشاء الطلب بالحمل الأوّليّ بل المراد منه هو إنشائه بالحمل الشائع الصناعيّ بمعنى الذي عرفته من إنشاء البعث و التحريك الذي يكون معنون الطلب الإنشائيّ و الإيقاعيّ.

و عليه فلا وجه لما في تهذيب الاصول من كون صيغة الأوامر موضوعة لإنشاء الطلب غير واضح المراد إذ المقصود من الطلب إن كان هو الطلب الحقيقيّ الذي هو عين الإرادة على مسلكه (أي مسلك صاحب الكفاية) فيصير مآله إلى إنشاء الإرادة التكوينيّة و هو واضح الفساد إذ لا معنى لإنشاء الإرادة التي هي أمر تكوينيّ أوّلا.

و يلزم أن يكون معنى «اضرب» هو اريد منك الضرب مع أنّ التبادر على خلافه ثانيا.

____________

(1) نهاية الاصول 1/ 92.

(2) المحاضرات 2/ 16.

26

و إن كان المراد هو الطلب الإيقاعيّ كما هو غير بعيد من سوق كلامه، إنّا لا نتصوّر هنا غير البعث و الإغراء شيئا آخر حتّى نسمّيه طلبا إغرائيّا. و لو فرض له معنى محصّل فيردّ بحكم التبادر إذ هو غير متبادر من الهيئة. انتهى‏ (1)

لما عرفت من أنّ المراد من إنشاء الطلب هو إنشاء ما يصدق عليه عنوان الطلب بالحمل الشائع الصناعيّ و هو ليس شيئا آخر غير البعث و الإغراء حتّى يستبعد و يحكم بكونه خلاف التبادر من الهيئة فلا تغفل.

ثمّ إنّ القول بتغاير الطلب و الإرادة لا يؤول إلى ما ذهب إليه الأشاعرة من الاعتقاد بالطلب النفسانيّ لأنّ ما ذهبوا إليه من الطلب النفسانيّ يكون من الصفات النفسانيّة هذا بخلاف ما نختاره فإنّ الطلب عنوان الفعل و هو مغاير مع الإرادة التي هي تكون من الصفات النفسانيّة فالقول بالتغاير كما ذهبنا إليه لا يستلزم الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة.

ثمّ إنّ الدليل في البحث عن مفاد الإرادة و الطلب هو التبادر و صحّة السلب لا الوجدان لأنّ اللغة تثبت بتلك العلامات فإثبات اللغة بالوجدان كما يظهر من صاحب الكفاية حيث قال: إنّا لا نجد غير الإرادة صفة اخرى قائمة بالنفس يكون هو الطلب فلا محيص إلّا عن اتّحاد الإرادة و الطلب و أن يكون ذاك الشوق المؤكّد المستتبع لتحريك العضلات مسمّى بالطلب و الإرادة، (2) كما ترى.

هذا مضافا إلى إمكان منع عدم وجدان شي‏ء آخر وراء الإرادة كما أفاد الاستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه) لوجدان الفرق بين الإرادة و العزم فإنّ الإرادة لا تكون إلّا في مورد فيه المصلحة حتّى يصير التصديق بها حبّا و شوقا مؤكّدا. هذا بخلاف العزم فإنّه‏

____________

(1) تهذيب الاصول 1/ 135.

(2) الكفاية 1/ 95- 96.

27

أعمّ منها فإنّه قد يكون و يتحقّق فيما لا مصلحة فيه كقصد الإقامة فيما إذا لم تكن في الإقامة مصلحة، فقصد الإقامة يمكن تحقّقه و يصير موضوعا لإتمام الصلاة للمسافر و ليست الإرادة بمعنى الشوق المؤكّد موجودة و تسمية قصد الإقامة في المثال بالإرادة أحيانا ليس إلّا من باب المسامحة إذ ليس في نفس الإقامة مصلحة حتّى توجب الحبّ و الشوق المؤكّد إليها.

و عليه فنجد في أنفسنا صفة اخرى غير الإرادة التي تسمّى بالعزم و القصد و الطلب و لعلّ ذلك هو مقصود من ذهب إلى مغايرة الإرادة و الطلب و لا ضير في التزامه في المبدأ المتعال لأنّه أمر نفسيّ مثابته مثابة سائر صفاته في اتّحادها مع الذات و ليس ذلك قولا بتوصيفه بالحادث. لأنّا لا نقول بتوصيفه بالكلام اللفظيّ الحادث.

بل نقول بتوصيفه بالكلام النفسيّ القديم كسائر الصفات النفسيّة القديمة فتأمّل.

يمكن أن يقال: إنّ تسمية العزم بالطلب ممنوعة بعد ما مرّ من أنّه عنوان للفعل بحكم التبادر فما ذكره الاستاذ على فرض التسليم لا يفيد لإثبات كون الطلب صفة نفسانيّة وراء الإرادة.

هذا مع إمكان أن يقال: إنّ الإقامة و لو ليس فيها بنفسها مصلحة و لكن بعد العلم بأنّ الإقامة القصديّة موضوعة للحكم الشرعيّ بإتمام الصلاة تصير ذا مصلحة و موردة للحبّ و الشوق المؤكّد.

نعم لا يكون الحكم الشرعيّ مترتّبا على نفس الإقامة بل مترتّب على قصد المضاف إلى الإقامة إلّا أنّ القصد المذكور لا يتحقّق إلّا بالإقامة القصديّة و ذلك يوجب الحبّ و الشوق نحوها حتّى يتحقّق موضوع الحكم و هو قصد الإقامة فلا يكون المورد خاليا عن الحبّ و الشوق حتّى يسمّى بالعزم و عليه فلا ينفكّ العزم عن الإرادة كما لا يخفى و ستأتي بقيّة الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

28

المقام الثاني: في حقيقة الكلام النفسيّ و الطلب النفسيّ على ما ذهب إليه الأشاعرة و أدلّتها

و المحكيّ عن شرح المواقف: إنّ الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقوله و نسمّيه كلاما لفظيّا و نعترف بحدوثه و عدم قيامه بذاته تعالى و لكنّا نثبت أمرا وراء ذلك و هو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ و نقول هو الكلام حقيقة و هو قديم قائم بذاته تعالى و نزعم أنّه غير العبارات إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة و الأمكنة و لا يختلف ذلك المعنى النفسيّ بل نقول ليس تنحصر الدلالة عليه في الألفاظ إذ قد يدلّ عليه بالإشارة و الكتابة كما يدلّ عليه بالعبارة و الطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغيّر مع تغيّر العبارات و لا يختلف باختلاف الدلالات و غير المتغيّر أي ما ليس متغيّرا و هو المعنى مغاير للمتغيّر الذي هو العبارات.

و نزعم أنّه أي المعنى النفسيّ الذي هو الخبر غير العلم إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه و أنّ المعنى النفسيّ الذي هو الأمر غير الإرادة لأنّه يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا فإنّ مقصوده مجرّد الاختبار دون الإتيان بالمأمور به و كالمتعذّر من ضرب عبده بعصيانه فإنّه قد يأمره و هو يريد أن لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه. انتهى موضع الحاجة. (1)

و لا يخفى عليك أنّ الأشاعرة على ما في هذا الكلام المحكيّ عن بعض أعلامهم ذهبوا إلى امور:

1- إنّهم ذهبوا إلى ما ذهبوا اليه من الكلام النفسيّ مضافا إلى ما اعتقدوه من الكلام اللفظيّ الذي لم يكن قائما بذاته تعالى و كان حادثا.

2- إنّ الكلام النفسيّ في ذاته تعالى قديم و لا يعتريه ما يعتري الحادث و لذا

____________

(1) المحاضرات 2/ 18.

29

لا يختلف باختلاف الألفاظ و اللغات و لكن يعبّر عنه بالألفاظ و يكون مدلولا للكلام اللفظيّ و غيره.

3- إنّ الدالّ على الكلام النفسيّ لا يكون منحصرا باللفظ إذ قد يدلّ عليه بالإشارة و الكتابة كما يدلّ عليه بالعبارة.

4- إنّ الخبر هو الكلام النفسيّ لا العلم و الدليل عليه أنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه.

5- إنّ المعنى النفسيّ الذي هو الأمر و الطلب غير الإرادة لأنّه يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا فإنّ مقصوده مجرّد الاختبار دون الإتيان بالمأمور به و كالمتعذّر من ضرب عبده بعصيانه فإنّه قد يأمره و هو يريد أن لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه.

و بعد اتّضاح حقيقة ما ذهبوا إليه فليعلم أنّه استدلّ لمختارهم بأمور:

الأوّل: إنّ الكلام النفسيّ أمر وراء العلم و الدليل عليه أنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه.

فمنه يظهر أنّ الخبر هو النسبة الحكميّة بين الموضوع و المحمول و المراد منها هو حكم النفس و إذعانها بها و هو غير انكشاف ثبوت شي‏ء لشي‏ء و الإذعان بالوقوع المأخوذ في الجمل الخبريّة ليس هو العلم الواقعيّ بوقوع النسبة ضرورة أنّه قد يخبر المتكلّم و هو شاكّ بل قد يخبر و هو عالم بعدم الوقوع بل المراد منه هو عقد القلب على الوقوع جعلا على نحو ما يكون القاطع معتقدا و هو الذي يعبّر عنه بالتجزّم.

و الحاصل أنّه كما أنّ العلم قد يتحقّق في النفس بوجود أسبابه فكذلك قد يخلق النفس حالة و صفة على نحو العلم حاكية عن الخارج فإذا تحقّق هذا المعنى في الكلام يصير جملة و يصحّ السكوت عليها لأنّ تلك الصفة الموجودة تحكي جزما عن تحقّق النسبة في الخارج و يتّصف الكلام بالقابليّة للصدق و الكذب بالمطابقة و المخالفة.

30

و عليه فيمكن القول بوجود الكلام النفسيّ فإنّه إيجاد نسبة بين الموضوع و المحمول سواء كان في الخارج أم لا كما مال اليه بعض الأشاعرة و هو الخبر.

يمكن أن يقال كما أفاد المحقّق الأصفهانيّ: إنّ النسبة التي دلّت الجملة عليها ليست شيئا آخر وراء العلم إذ النسبة المتصوّرة بين المحمول و الموضوع أعني «هذا ذاك» في الخارج تقوم بالنفس لا بنفسها بل بصورتها فهي كالمعلومات الأخر من حيث أنّ قيامها قيام علميّ لا كقيام العلم و الذي يجب على الأشعريّ إثباته قيام شي‏ء بالنفس بنفسه على حدّ قيام العلم و الإرادة لا على حدّ قيام المعلوم و المراد فإنّ هذا القيام لا يوجب صفة اخرى بالنفس حتّى ينفع في إثبات الكلام القائم بذاته تعالى وراء علمه و سائر صفاته العليا.

نعم هنا امر آخر له قيام بالنفس بنفسه و هو نحو من الوجود النوريّ القائم بالنفس قيام المعلول بعلّته لا قيام العرض بموضوعه و قد اشرنا اليه سابقا و هذا المعنى و ان لم يبلغ اليه نظر الأشعريّ إلّا أنّه مجد في تعقّل أمر غير العلم و الارادة و ارتباطه بالكلام ايضا ظاهر كما عرفت سابقا إلّا أنّه لا يجدي للاشعريّ لأنّه يجعله مدلولا للكلام اللفظيّ و حقيقة الوجود كما عرفت لا يقبل المدلوليّة للكلام بنفسه لأنّ المدلوليّة ليست إلّا بحصوله في المدارك الإدراكيّة و الوجود لا يقبل وجودا آخر سواء كان العارض من سنخ المعروض ام لا، فتدبّر (1).

فتحصّل أنّ الخبر هو الكلام اللفظيّ و أنّ مدلوله هو النسبة و أمّا التصوّر و التصديق و الجزم و التجزّم و الإقرار و الإذعان كلّها خارجة عن مدلول الكلام لا يقال:

إنّ النسبة المتصوّرة نسبة ناقصة لا يصحّ السكوت عليها و أنّ مدلول الجملة

____________

(1) نهاية الدراية 1: 155- 159).

31

الخبريّة هو الجزم بالنسبة أو التجزّم بها فيما إذا كان المخبر شاكّا أو معتقدا لخلافها فتوجد النفس صفة علم و جزم بالنسبة و يخبر عنها. لأنّا نقول كما في تعليقة المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) بأنّ ثبوت القيام لزيد الذي هو مدلول الجملة ليس هو هذا المفهوم الاسميّ فأنّه عنوان النسبة لا نفسها بل هو النسبة الحرفيّة التي هي معنون هذا المفهوم و هو معنى يصحّ السكوت عليه في حدّ ذاته و هذا المعنى الذي يصحّ السكوت عليه ربّما يتصوّر بتصوّر طرفيه و ربما يجزم به فتماميّة النسبة و نقصها و إن لم تكن بلحاظ الخارج لأنّها نحو واحد بل بحسب مدلوليّتها للكلام فقد يكون مدلولا بمقدار لا حالة منتظرة للسامع و قد لا يكون كذلك. نعم إذا كان بمقدار لا يصحّ السكوت عليه لا يقبل التصديق لا أنّ ما يصحّ السكوت عليه يتقوّم بالتصديق و منه يعلم أنّه لا حاجة إلى التجزّم الذي هو بظاهره غير معقول إلّا بالحمل على البناء على وقوع النسبة و هو فعل قلبيّ مرّ الكلام فيه و في امثاله. انتهى‏ (1)

هذا مضافا إلى أنّ التجزّم مسبوق بتخيّل النسبة في الخارج و البناء عليه و كيف كان فالتجزّم ليس بمدلول للكلام اللفظيّ.

الثاني: إنّ الطلب النفسانيّ أمر وراء الإرادة حيث أنّ الأوامر الامتحانيّة و الاعتذاريّة محتاجة إلى وجود سبب في نفس المتكلّم و بدونه لا وجه لتحقّقها و حيث لا إرادة و لا الجدّ لها في نفس المتكلّم عند تلك الأوامر فلا بدّ من وجود صفة اخرى لتكون هي الباعثة للأوامر المذكورة و هذه الصفة تسمّى بالطلب النفسيّ فإذا ثبت ذلك في الأوامر الامتحانيّة ثبت وجوده في جميع الأوامر، لعدم القول بالفصل.

و فيه كما في نهاية الاصول: أنّ المنشأ للأوامر مطلقا هو الإرادة غاية الأمر أنّ المنشأ للأوامر الجدّيّة إرادة نفس المأمور به و المنشأ للأوامر الامتحانيّة إرادة إتيان‏

____________

(1) نهاية الدراية 1/ 159- 160.

32

مقدّماته بقصد التوصّل بها إلى المأمور به.

و عليه فلا حاجة إلى الطلب النفسيّ في تحقّق الأوامر الامتحانيّة و الاعتذاريّة و وجودها. (1)

لا يقال: إنّ اللازم في الأوامر و البعث نحو الأفعال هو وجود إرادة نفس الأفعال التي تكون مأمورا بها لا مقدّماتها فإنّ الأوامر متعلّقة بنفسها لا بمقدّماتها و عليه فالحاجة إلى حقيقة اخرى دون الإرادة باقية حتّى يصحّ تلك الأوامر.

لأنّا نقول: إنّ الأوامر و البعث نحو الأفعال في الأوامر الامتحانيّة و الاعتذاريّة إنشاءات بعث إليها و هذه الإنشاءات تصدر بداع الامتحان أو الاعتذار و الداعي للامتحان أو الاعتذار ليس إلّا الإرادة، فالإرادة تعلّق بإنشاء البعث نحو الأفعال امتحانا أو اعتذارا فلا يكون البعث إليها خاليا عن الإرادة حتّى يحتاج إلى الطلب النفسانيّ و هذه الإرادة الامتحانيّة و الاعتذاريّة ليست في الحقيقة إلّا إرادة المقدّمات حقيقة كما أفاده المحقّق السيّد البروجرديّ (قدّس سرّه). (2)

و قد أجاب صاحب الكفاية عنهم بعد ذهابه إلى وحدة الإرادة و الطلب بأنّه كما لا إرادة حقيقة في صورة الامتحان و الاعتذار لا طلب كذلك فيهما و الذي فيهما إنّما هو الطلب الإنشائيّ الإيقاعيّ الذي هو مدلول الصيغة أو المادّة. (3)

و هذا الجواب لا يقبله الأشعريّ لأنّ مبناه هو مغايرة الطلب مع الإرادة كما أنّا لا نقبل ذلك بعد ما مرّ من اختيار أنّ الإرادة من مقولة الكيف النفسانيّ و الطلب من مقولة الفعل و عليه فهو جواب مبنائيّ على مختاره.

____________

(1) نهاية الاصول 1/ 94.

(2) نفس المصدر.

(3) الكفاية 1/ 96- 97.

33

و ممّا ذكر يظهر ما في بدائع الأفكار حيث قال: إنّ الأمر في مثل هذه الموارد ليس أمرا في الحقيقة بل هو إنشاء كلام لصورة الأمر إذ هو كما أنّه خال عن الإرادة كذلك خال عن الطلب. انتهى‏ (1)

لما عرفت من أنّ هذا الجواب مبنائيّ هذا مضافا إلى ما فيه من أنّ الطلب أعمّ من الطلب الانشائيّ فصدق الطلب على الإنشائيّ بالحقيقة كصدق الأمر عليه لأنّه إنشاء الطلب الإلزاميّ و لا فرق بين الطلب الانشائيّ أو الأمر الامتحانيّ و الاعتذاريّ و بين الطلب الانشائيّ و الأمر الحقيقيّ إلّا في الدواعي فإنّ الداعي في الثاني هو الإرادة الحقيقيّة دون الأوّل فإنّ الداعي فيه هو الاختبار و الامتحان لا إرادة الفعل بالحقيقة و أمّا الطلب و الأمر الإنشائيّ فيهما واحد من دون فرق بينهما كما لا يخفى.

و أجاب في الدرر عن الأشعريّ بأنّ تحقّق صفة الإرادة أو التمنّي أو الترجّي في النفس قد يكون لتحقّق مباديها في متعلّقاتها كمن اعتقد المنفعة في ضرب زيد فتحقّقت في نفسه إرادته أو اعتقد المنفعة في شي‏ء مع الاعتقاد بعدم وقوعه فتحقّقت في نفسه حالة تسمّى بالتمنّي أو اعتقد النفع في شي‏ء مع احتمال وقوعه فتحقّقت في نفسه حالة تسمّى بالترجّي.

و قد يكون تحقّق تلك الصفات في النفس لا من جهة متعلّقاتها بل توجد النفس تلك الصفات من جهة مصلحة في نفسها كما نشاهد ذلك وجدانا في الإرادة التكوينيّة قد توجدها النفس لمنفعة فيها مع القطع بعدم منفعة في متعلّقها و يترتّب عليها الأثر.

مثال ذلك أنّ إتمام الصلاة من المسافر يتوقّف على قصد الإقامة عشرة أيّام في بلد من دون مدخليّة لبقائه في ذلك البلد بذلك المقدار وجودا و عدما و لذا لو بقي في‏

____________

(1) بدائع الأفكار للمحقّق العراقيّ 1/ 202- 203.

34

بلد بالمقدار المذكور من دون القصد لا يتمّ و كذا لو لم يبق بذلك المقدار و لكن قصد من أوّل الأمر بقائه بذلك المقدار يتمّ و مع ذلك يتمشّى منه قصد البقاء من المكلّف مع علمه بأنّ ما هو المقصود ليس منشأ للأثر المهمّ و إنّما يترتّب الأثر على نفس القصد.

و منع تمشّى القصد منه مع هذا الحال خلاف ما نشاهد من الوجدان كما هو الواضح.

فتعيّن أنّ الإرادة قد توجدها النفس لمنفعة فيها لا في المراد فإذا صحّ ذلك في الإرادة التكوينيّة صحّ في التشريعيّة أيضا لأنّها ليست بأزيد مئونة منها. و كذا الحال في باقي الصفات من قبيل التمنّي و الترجّي. انتهى‏ (1)

أورد عليه بوجوه: منها: ما في رسالة الطلب و الإرادة لسيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) من امتناع تعلّق الإرادة بالبقاء من غير مصلحة فيه و في المثال لا محيص إلّا من تعلّق رجحان و لو بالعرض و الواسطة بالبقاء و إلّا فتعلّق الإرادة به بلا ترجيح و اصطفاء ممّا لا يعقل.

انتهى‏ (2)

و فيه أنّ المصلحة مترتّبة على المتقيّد و هو القصد المضاف إلى الإقامة لا على القيد و هو الإقامة كما في مثل: أكرم (غلام زيد)، فإنّ مصلحة وجوب الإكرام مترتّبة على الغلام المضاف إلى زيد و لا مصلحة في زيد إذ غلام زيد هو عالم أو مؤمن و يكون بذلك مستحقّا للإكرام و زيد ليس بعالم أو مؤمن و لا دخل له في وجوب الإكرام و لكن مع ذلك يكون الإقامة من المقدّمات الوجوديّة للموضوع و لذا تعلّق‏

____________

(1) الدرر 1/ 71- 72 الطبع الجديد.

(2) رسالة الطلب و الإرادة/ 101.

35

القصد إليها من جهة كونها دخيلا في تحقّق الموضوع فلا يلزم من تعلّق الإرادة بالإقامة مع عدم ترتّب مصلحة وجوب الإتمام عليها ترجيح بلا مرجّح كما لا يخفى.

و منها: ما في تعليقة المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّه) من أنّ الإقامة القصديّة أي المقوّمة للقصد في نحو وجوده لها دخل في وجوب الإتمام فيقصدها لأجل أن يتمّ بسبب تحقّق وجودها القصديّ فتعلّق القصد إليها أيضا لفائدة فيما يتعلّق بها بحيث لولاها لما وجب الإتمام و فناء المقصود في الإقامة الخارجيّة أيضا لازم و إلّا أمكن إيجاد القصد مع العلم بعدم الإقامة خارجا. انتهى‏ (1)

و فيه المنع من دخالة الإقامة في وجوب الإتمام إذ المفروض أنّ المصلحة مترتّبة على المتقيّد بالإقامة التي تكون مرآة للإقامة الخارجيّة فالتقيّد داخل و القيد خارج و المتقيّد هو قصد الإقامة نعم الإقامة تكون من المقدّمات الوجوديّة لتحقّق المقيّد بها كما عرفت.

و منها: ما في بدائع الأفكار من أنّ الأثر الشرعيّ و إن رتّب على قصد إقامة العشرة و إن لم يتمّها لكن نمنع تحقّق هذا القصد من ناحية هذا الأثر بل هو ناش من جهة مصلحة المتعلّق و إن التفت إلى ترتّب ذاك الأثر على نفس هذا القصد. هذا واضح لمن راجع وجدانه و لو أغمض عن ذلك نقول: إنّ الأثر المزبور أيضا مرتّب على المراد غايته لا بوجوده المطلق بل قد رتّب على حصّة من وجوده و هو المتحقّق من ناحية إحدى مقدّماته و هو القصد. انتهى‏ (2)

و فيه أوّلا: أنّ المفروض هو خلوّ المتعلّق عن المصلحة و معه كيف يكون القصد ناشئا عنه و الوجدان لا يرى في المتعلّق شيئا يقتضي القصد المذكور و عليه‏

____________

(1) نهاية الدراية 1/ 163.

(2) بدائع الأفكار للمحقّق العراقيّ 1/ 208.

36

فالمنشأ هو الآثار المترتّبة على الموضوع و هو قصد الإقامة فبعد العلم بأنّ قصد الإقامة له مصلحة لوجوب الإتمام يقصد الإقامة كما أنّ العلم بترتّب الآثار الاخرويّة يوجب الإتيان بالموضوعات كالإنفاق و نحوه.

و ثانيا: أنّ إرجاع الآثار إلى المراد و المقصود و هو الإقامة و تخصيص الإقامة بحصّة منها و هي التي تكون متحقّقة بالقصد تبعيد المسافة مع ما فيه من التكلّف فإنّ الموضوع للآثار في النهاية هو قصد الإقامة لا الإقامة كما لا يخفى.

لا يقال: تكفي تخيّل الفائدة و تصوّرها في الإقامة لكونها منشأ لقصد الإقامة.

لأنّا نقول: كما أفاد استاذنا الأراكيّ «مدّ ظلّه العالي» إنّ لازم منشئيّة الإقامة بالتخيّل المذكور هو أن يقال: إنّ ذلك موجب للعلم بالمصلحة و تعلّق الشوق المؤكّد إليها مع أنّه مستحيل لخلوّ الإقامة عن الملاءمة و الصلاح كما هو المفروض.

أ لا ترى هل يمكن امتثال الأمر بالعلم بكون زيد شاعرا مع أنّه ليس بشاعر و من المعلوم أنّه ليس بممكن و إن جعل الآمر للعلم المذكور جوائز نفيسة.

و هل يمكن امتثال الأمر بحبّ ما يتنفّر الطبع منه كالخبائث و من الواضح أنّه غير ممكن و إن جعل الآمر للحبّ المذكور جعائل كثيرة.

و عليه فلا أثر لتخيّل الفائدة في الإقامة لتكون منشأ للإرادة و القصد. هذا مضافا إلى أنّ الإقامة المتصوّرة كسائر المتصوّرات فانية في الإقامة الخارجيّة و المفروض هو أنّها لا مصلحة فيها فكيف يتخيّل الفائدة فيها.

و عليه فلا مدخليّة للإقامة إلّا من جهة عدم إمكان تحقّق العرض من دون معروضه.

فاتّضح من ذلك أن ليس للإقامة المتصوّرة دخالة في صيرورة قصد الإقامة ذا فائدة كما لا يخفى.

فما ذهب إليه صاحب الدرر في جواب الأشعريّ الذي يقول بعدم وجود

37

الإرادة في الأوامر الامتحانيّة و الاعتذاريّة من وجود الإرادة لمصلحة في نفسها تامّ و كاف في الجواب.

اللّهمّ إلّا أن يقال كما افاده أستاذنا المحقّق الداماد (قدّس سرّه) بمنع كلّيّة ذلك في جميع الموارد، إذ ربّما يسند الترجّي أو الإرادة مثلا إلى ما لا يمكن أن يكون مترجّيا أو مريدا بالنسبة اليه كالجمادات، ففي مثل هذه الموارد لا إرادة و لا ترجّي في الحقيقة فاللازم هو الالتزام بالمجاز في تلك الموارد إذ إمكان إرادة الإرادة في الموارد الأخر لا ينفع في إمكان سائر الموارد فلا تغفل.

فتحصّل عدم تماميّة استدلالهم على وجود الطلب النفسانيّ وراء الإرادة النفسانيّة.

الثالث: إنّ أمر الكفّار بالإسلام و الإيمان و الطاعة ليس مع إرادة جدّيّة من قبل المولى و إلّا لزم تخلّف الإرادة عن المراد ففي مثل هذه الموارد لزم أن يكون صفة نفسانيّة اخرى غير الإرادة موجودة في النفس حتّى يكون متمكّنا من الأمر و تسمّى هذه الصفة بالطلب النفسانيّ و الحقيقيّ.

و اجيب عنه بالفرق بين الإرادة التكوينيّة و الإرادة التشريعيّة و ما لا يتخلّف عن المراد هي الإرادة التكوينيّة دون التشريعيّة.

قال في الكفاية: انّ استحالة التخلّف إنّما تكون في الإرادة التكوينيّة و هو العلم بالمصلحة في فعل المكلّف و ما لا محيص عنه في التكليف إنّما هو هذه الإرادة التشريعيّة لا التكوينيّة. (1)

و قال في بدائع الأفكار إنّ الاستدلال على مغايرة الإرادة للطلب بتحقّقه دونها في موارد تكليف العصاة و إلّا لزم امتناع العصيان لاستحالة تخلّف مراده تعالى عن‏

____________

(1) الكفاية 1/ 99.

38

إرادته.

إنّما نشأ من عدم تشخيص الارادة التشريعيّة عن الإرادة التكوينيّة في موارد الإرادة التشريعيّة التي هي عبارة عن إرادة الإنسان صدور بعض الأفعال عن غيره باختياره فيتسبّب إلى ذلك بجعل الداعي له إليه أعني به أمره إيّاه بذلك الفعل فالإرادة التي نلتزم بوجودها في موارد الأمر بشي‏ء هو هذا السنخ من الإرادة و مثلها لا يعقل أن يستتبع وجوده وجود المراد قهرا و إلّا لزم من فرض تحقّقه كذلك عدم تحقّقه بما هو مراد بتلك الإرادة. لأنّ متعلّقها هو صدور الفعل من الغير باختياره فصدوره قهرا بسبب الإرادة يلزم منه عدم كون الصادر متعلّقا للإرادة التشريعيّة. هذا خلف.

انتهى‏ (1)

و الحاصل أنّ الإرادة التشريعيّة تعلّقت على إتيان الفعل مع الاختيار و هذه الإرادة جدّيّة من قبل المولى و لكن ليس مقتضاها هو إتيان الفعل قهرا بدون الاختيار و إلّا لزم الخلف في تعلّق الإرادة بإتيان الفعل مع الاختيار و عليه فمقتضى الاختيار هو وقوع الفعل بالاختيار و معه لا حاجة إلى وجود صفة اخرى نفسانيّة وراء الإرادة كما لا يخفى.

تبصرة: و لا يخفى عليك أنّ أصحابنا الاصوليّين خرجوا في المقام عن دائرة المباحث الاصوليّة و ذهبوا إلى المباحث العقليّة التي لا دخل لها بالنسبة إلى القواعد المقرّرة لاستنباط الأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة.

و ذلك أنّهم بعد إتمام مسألة اتّحاد الطلب و الإرادة بحثوا عن مسألة كلاميّة و

____________

(1) بدائع الأفكار للمحقّق العراقيّ 1/ 203.

39

هي الجبر و التفويض و اختياريّة الأفعال و ملاكها و سلكوا في إثبات الاختيار مسالك صعبة.

مع أنّ الوجدان أدلّ دليل على اختياريّة الأفعال حيث أنّا نجد في أنفسنا أنّا متمكّنون من طرفي الفعل و الترك في الامور و هو دليل الاختيار.

قال استاذنا المحقّق الداماد (قدّس سرّه): إنّ الميزان في اختياريّة الأفعال و التروك هو التمكّن من خلافهما و التمكّن المذكور أمر وجدانيّ يدركه الإنسان في حال إرادة الفعل أو الترك و هو المعيار في استحقاقه للمثوبة و العقاب عند الموالي و العبيد و المجتمع البشريّ.

فنحن في عين كوننا مخلوقين نكون متمكّنين من الفعل و الترك و هذا التمكّن و القدرة ممّا أعطانا اللّه تعالى فلا نكون مجبورا كما لا نكون مستقلّا بل أمر بينهما كما اشير إليه في الأخبار بالأمر بين الأمرين.

و أمّا تعريف الاختياريّ بما كان نفس الفعل أو الترك مسبوقا بالإرادة ففيه:

أوّلا: أنّ ما يصدر من العشّاق الذين لم يتمكّنوا من الخلاف يكون مسبوقا بالإرادة و مع ذلك لا يعدّ اختياريا لعدم تمكّنهم من الخلاف.

و ثانيا: أنّ مقتضى التعريف المذكور هو عدم صدق الاختياريّ على الترك إذا أراد الفعل و لا على الفعل إذا أراد الترك لعدم كون الترك في الأوّل و الفعل في الثاني مسبوقا بالإرادة مع أنّهما ممّا يصدق عليهما الاختياريّ لتمكّنه منهما. و ليس ذلك إلّا لكون الميزان في صدق الاختياريّ هو التمكّن من الخلاف لا الاستناد إلى الإرادة.

قال في نهاية الاصول: و الفعل الاختياريّ هو ما كان مسبوقا بشعور طرفي الفعل و الترك و القدرة على كليهما و اختيار أحدهما على الآخر. لا ما كان مسبوقا بالإرادة مطلقا.

نعم اختيار أحد الطرفين مستتبع لإرادته و لكنّ المناط في الثواب و العقاب هو

40

الاختيار لا الإرادة فبطل ما في الكفاية من أصله و أساسه. (1)

و فيه: أنّ التمكّن من طرفي الفعل و الترك و القدرة عليهما يكفي في صدق الاختياريّ عليهما كما عرفت و لا حاجة إلى تحقّق اختيار أحدهما على الآخر بل لو كان ذلك دخيلا، لما يصدق الاختياريّ على خلافه مع أنّ المعلوم هو صدق الاختياريّ على الفعل و الترك معا فمنه يعلم أنّ الميزان هو التمكّن من الخلاف لا الاستناد إلى الإرادة أو اختيار أحدهما على الآخر.

و لا يضرّ بصدق الاختياريّ على الفعل و الترك كون التمكّن المذكور مفاضا من ناحية المبدأ المتعال كما هو مقتضى الأمر بين الأمرين.

و ممّا ذكر يظهر وجه صدق الاختياريّ على أفعاله تعالى مع كونها مستندة إلى صفاته و أسمائه الذاتيّة الواجبة لوجود ملاك الصدق و هو التمكّن و القدرة على الخلاف فوجوب القدرة بالذات فيه تعالى أو بالغير فينا لا ينافي صدق الاختياريّ كما لا يخفى.

فإذا عرفت أنّ الملاك في اختياريّة الأفعال أو التروك ليس هو مسبوقيّتهما بالإرادة، فالمباحث التي أوردها في الكفاية حول الإرادة ساقطة و لا مجال لها مع ما فيها من النقد و الإيراد إذ الإنسان في أيّ حال قادر على إصلاح أو إفساد حاله و إلّا فلا مورد للتوبيخ و الترغيب و لا للإنذار و التبشير و لا الإرشاد و الهداية مع أنّ الضرورة من الدين و العقلاء على استحقاق الإنسان لتلك الامور فلو كان الصلاح و الفساد ذاتيّين للمصلحين و المفسدين فلا مجال لها كما لا يخفى.

و عليه فما ورد عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من أنّه قال: الشقيّ من شقي في بطن أمّه و السعيد

____________

(1) نهاية الاصول 1/ 97.

41

من سعد في بطن أمّه .. الحديث. (1)

أو عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة فمن كان له في الجاهليّة أصل فله في الاسلام أصل. (2)

و غير ذلك من أخبار الطينة محمول على ما لا ينافي الاختيار كالحمل على بيان اختلاف الاستعدادات و القابليّات التي تكون لكلّ فرد من جهة الآباء و الامّهات و محيط قومه و عشيرته فإنّ أمثال هذه الاختلافات لا توجب سلب التمكّن و القدرة منه لتحصيل الكمالات و إلّا فلا يساعد مع اصول المذهب من عدله سبحانه و تعالى كما يشير إليه ما في التوحيد للشيخ الصدوق (قدّس سرّه) بسنده عن محمّد بن أبى عمير سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السّلام) عن معنى قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الشقيّ من شقي في بطن أمّه و السعيد من سعد في بطن أمّه، فقال: الشقيّ من علم اللّه و هو في بطن أمّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء و السعيد من علم اللّه و هو في بطن أمّه أنّه سيعمل أعمال السعداء.

قلت له: فما معنى قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له. فقال: إنّ اللّه (عزّ و جلّ) خلق الجنّ و الإنس ليعبدوه و لم يخلقهم ليعصوه و ذلك قوله (عزّ و جلّ) و ما خلقت الجن و الإنس إلّا ليعبدون فيسّر كلا لما خلق له فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى. (3)

قال المحقّق الشعرانيّ في ذيل أخبار الطينة المرويّة في اصول الكافي: مضامينها مخالفة لاصول المذهب و للروايات الآتية في الباب الرابع أعني باب «فطرة الخلق على التوحيد»، و ذلك لأنّ من اصول مذهبنا العدل و اللطف و أن لم يخلق بعض الناس‏

____________

(1) توحيد الصدوق/ 356.

(2) الروضة من الكافي/ 177.

(3) توحيد الصدوق/ 356.

42

أقرب إلى قبول الطاعة و بعضهم أبعد و التبعيض في خلق المكلّفين مخالف لمقتضى العدل لأنّه تعالى سوّى التوفيق بين الوضيع و الشريف مكّن أداء المأمور و سهّل سبيل اجتناب المحظور و خلق بعض الناس من طينة خبيثة إمّا أن يكون ملزما باختيار المعصية جبرا و هو باطل و إمّا أن يكون أقرب إلى قبول المعصية ممّن خلق من طينة طيّبة و هو تبعيض و ظلم. و قلنا أنّه مخالف للروايات الآتية في الباب الرابع لأنّها صريحة في أنّ اللّه تعالى خلق جميع الناس على فطرة التوحيد و ليس في أصل خلقهم تشويه و عيب و إنّما العيب عارض و هكذا ما نرى من خلق اللّه تعالى فإنّه خلق الماء صافيا و إنّما يكدّره الأرض التربة و كذلك الإنسان خلق سالما من الخبائث و أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه و أيضا القرآن يدلّ على أنّ جميع الناس قالوا: «بلى» في جواب (أ لست بربّكم؟) فالأصل الذي عليه اعتقادنا أنّ جميع أفراد الناس متساوية في الخلقة بالنسبة إلى قبول الخير و الشرّ و إنّما اختلافهم في غير ذلك. فإن دلّت رواية على غير هذا الأصل فهو مطروح أو مأوّل بوجه سواء علمنا وجهه او لم نعلم. (1)

و فيه أنّ الاختلافات الناشئة عن الآباء و الامّهات و نحوهما ما لم يوجب الجبر لا تكون منافية لاصول المذهب من عدله تعالى، خصوصا مع تضاعف الثواب لأحمزيّة الأعمال فإنّه تعالى سوّى لطفه بالنسبة إلى العباد و لكن يمنع عنه الظالمون فالوالد الذي يبعد ولده عن الإسلام و التعليمات الإلهيّة هو المقصّر كما أنّ الوالد الذي يزني و يسرق هو المقصّر في تكوين الولد من الحرام الذي يقتضي فيه بعض الاقتضاءات و لا تكون منافية أيضا مع الأخبار الدالّة على أنّ اللّه تعالى خلق جميع الناس على فطرة التوحيد فإنّ فطرة كلّ أحد على التوحيد و لا تسلبها الاختلافات‏

____________

(1) شرح الكافي للمولى صالح المازندرانيّ 8/ 4.

43

الناشئة المذكورة و إن أوجبت خفائها في بعض الأحيان.

و بالجملة تلك الأخبار لا تنافي اصول المذهب إلّا إذا كان مدلولها أنّ الطينة علّة تامّة بحيث لم يتمكّن من التغيير و التبديل.

فالاختلافات سواء كانت ناشئة عن الآباء و الامّهات أو المحيط أو اكتساب نفس الإنسان لا تنافي الاختيار. هذا مضافا إلى احتمالات اخرى في معنى بعض هذه الروايات:

قال سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه): إنّ من ينتهي أمره إلى الراحة الدائمة الغير المتناهية و اللذّات الغير المنقطعة و العطاء الغير المجذوذ فهو سعيد من أوّل أمره و إن كان في أيّام قلائل لا نسبة بينها و بين الغير المتناهي في تعب و شدّة و كذا في جانب الشقاوة. (1)

فتحصّل أنّ الإنسان متمكّن من الصلاح و الفساد في جميع الأحوال فمع تمكّنه لا مجال للجبر. لا يقال إنّ السعادة و الشقاوة من الذاتيّات و الذاتيّ لا يعلّل.

لأنّا نقول: ليس كذلك لأنّهما أمران يحصلان للإنسان بحسب عمله و كسبه و لا يقاس عنوان السعيد أو الشقيّ بالعناوين الذاتيّة التي لا دخل للعمل فيه كإنسانيّة الإنسان أو حيوانيّة الحيوان.

و لقد أفاد و أجاد سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) حيث قال: إنّ السعادة و الشقاوة ليستا ذاتيّتين غير معلّلتين لعدم كونهما جزء ذات الإنسان و لا لازم ماهيّته بل هما من الامور الوجوديّة التي تكون معلّلة بل مكسوبة باختيار العبد و إرادته فمبدأ السعادة هو العقائد الحقّة و الأخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة و مبدأ الشقاوة مقابلاتها ممّا يكون لها في النفس آثار و صور و يرى جزائها و صورها الغيبيّة في عالم الآخرة على ما هو المقرّر في لسان الشرع و الكتب العقليّة المعدّة لتفاصيل ذلك.

____________

(1) رسالة الطلب و الإرادة/ 149.

44

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ السعادة و الشقاوة لمّا كانتا منتزعتين من الحيثيّات الوجوديّة و هي كما عرفت معلّلة كلّها لا سبيل إلى القول بأنّها من الذاتيّات الغير معلّلة و المحقّق الخراسانيّ قد أخذ هذه القضيّة من محالّها و استعملها في غير محلّها فصار غرضا للإشكال. (1)

____________

(1) نفس المصدر/ 139- 140.

45

الخلاصة

و البحث في جهات:

الجهة الاولى: إنّ الأمر على زنة الفلس مشترك لفظيّ بين معانيها من الطلب الالزاميّ و الشي‏ء و الشأن و الفعل و عليه فمعنى الأمر متعدّد و الشاهد على تعدّد معنى الأمر المذكور هو اختلاف صيغ جمعه بالأوامر و الامور إذ جمع الأمر بالمعنى الجامديّ هو الامور و الأمر بالمعنى الحدثيّ هو الأوامر فدعوى الاشتراك المعنويّ في لفظة الأمر ينافيه الاختلاف المذكور لأنّه حاك عن اختلاف المفردات في المعاني.

الجهة الثانية: إنّ الحقّ هو اعتبار العلوّ في مفهوم الأمر من دون فرق بين كون العلوّ معنويّا أو ظاهريّا و الدليل عليه هو التبادر و صحّة السلب عن الطلب من المساوي أو السافل و أمّا الاستعلاء فهو غير معتبر في حقيقة الأمر و الشاهد له هو صدق الأمر على طلب العالي مع الغفلة عن علوّه مع أنّ الاستعلاء لو كان دخيلا لما صدق الأمر بدونه.

الجهة الثالثة: الإلزام و الإيجاب معتبر في مادّة الأمر و الدليل عليه هو التبادر و هو انسباق الإلزام من حاقّة مادّة الأمر كما أنّه متبادر من مرادفها في لغة الفارسيّة و هو «فرمان» و لذا يصحّ به الاحتجاج و المؤاخذة على المخالفة مع الأمر.

ثمّ إنّ التعبير بالظهور الانصرافيّ أو الظهور الإطلاقيّ أو الظهور العقليّ مكان تبادر المعنى من حاقّ اللفظ غير صحيح أو مسامحة. لأن الأوّل من جهة كثرة الاستعمال لا من جهة حاقّ اللفظ و الثاني من جهة مقدّمات الحكمة لا من جهة حاقّ‏

46

اللفظ فقطّ و الثالث من جهة اللابدّيّة العقليّة لا من جهة دلالة اللفظ بنفسه و لعلّ منشأ هذه التعبيرات هو الخلط بين مادّة الأمر و بين صيغة الأمر أو جعل معنى مادّة الأمر هو مجرّد الطلب مع ما عرفت من أنّ معناه هو الطلب مع الإلزام لا صرف الطلب و إذا اتّضح ذلك في مادّة الأمر كانت مادّة النهي أيضا كذلك بقرينة المقابلة فإنّ المتبادر منها هو الزجر عن الشي‏ء على سبيل الإلزام و الإيجاب.

و يتفرّع على ذلك أنّ الواجب في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر هو البعث نحو المعروف و الزجر عن المنكر على سبيل الإلزام و الإيجاب إذ المأمور به في مثل قوله تعالى «و أمر بالمعروف و انه عن المنكر» هو الأمر و النهي و هما البعث أو الزجر على سبيل الإلزام و الإيجاب و عليه فلا يكفي في الامتثال مجرّد الطلب كالاستدعاء أو الالتماس إذا احتيج إلى الأمر و النهي فلا تغفل.

الجهة الرابعة: إنّه يقع البحث في المقامين: المقام الأوّل في مفهوم الطلب و الإرادة: و لا يخفى عليك أنّ المتبادر من لفظة الإرادة هي الصفة النفسانيّة و من لفظة الطلب هو الفعل و هو التصدّي نحو تحصيل شي‏ء في الخارج و الأوّل من مقولة الكيف النفسانيّ و الثاني من مقولة الفعل و دعوى اتّحادهما كما عن جماعة منهم صاحب الكفاية غير صحيحة لما عرفت من أنّهما مقولتان لا مقولة واحدة ثمّ إنّ الطلب و هو التصدّي إمّا يكون بنفسه بأن يأخذ الطالب يد غيره و يسوقه نحو العمل أو بالواسطة بأن يقول لغيره «اضرب» أو «آمرك بالضرب» و كلاهما بعث و تحريك نحو العمل و يصدق عليهما عنوان الطلب فالطلب عنوان عامّ يصدق على الطلب الخارجيّ و على الطلب الإنشائيّ فلا وجه لتخصيص الطلب بأحدهما.

47

ثمّ لا يخفى عليك أنّ القول بتغاير الطلب و الإرادة لا يؤول إلى ما ذهب إليه الأشاعرة من الاعتقاد بالطلب النفسيّ لأنّ الطلب عندهم من الصفات النفسانيّة بخلاف ما قلناه فإنّ الطلب عنوان الفعل و هو مغاير مع الإرادة التي تكون هي من الصفات النفسانيّة.

المقام الثاني في حقيقة الكلام النفسيّ و الطلب النفسيّ بناء على ما ذهب إليه الأشاعرة و أدلّتها: و لا يخفى عليك أنّهم ذهبوا إلى أنّ الكلام النفسيّ في الأخبار أمر وراء الكلام اللفظيّ و هو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ و يقال هو الكلام حقيقة و هو قديم قائم بذاته تعالى و هو غير العبارات التي نعترف بحدوثها و عدم قيامها بذاته تعالى و الكلام النفسيّ لا يختلف دون الكلام اللفظيّ فإنّه يختلف عباراته باختلاف الأزمنة و الأمكنة و الأقوام و أيضا الكلام النفسيّ أمر يغاير مع العلم إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه و يغاير مع الإرادة أيضا إذ قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أو لا؟

ثمّ إنّ الدالّ على الكلام النفسيّ لا ينحصر بالألفاظ إذ ربما يدلّ عليه بالإشارة و الكتابة و أيضا ذهبوا إلى أنّ الطلب النفسيّ غير الإرادة في الأوامر و استدلّوا عليهما بامور:

الأوّل: إنّ الدليل على أنّ الكلام النفسيّ مغاير مع العلم أنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه فالخبر هو النسبة الحكميّة بين الموضوع و المحمول و المراد منها هو حكم النفس و إذعانها بها و هو غير انكشاف ثبوت شي‏ء لشي‏ء فالإذعان بالوقوع المأخوذ في الجمل الخبريّة غير العلم الواقعيّ بوقوع النسبة ضرورة أنّه قد يخبر المتكلّم و هو شاكّ بل قد يخبر و هو عالم بعدم الوقوع فالمراد من‏

48

الإذعان حينئذ هو عقد القلب على الوقوع جعلا على نحو ما يكون القاطع معتقدا و هو الذي يعبّر عنه بالتجزّم.

اجيب عنه بأنّ النسبة التي دلّت الجملة عليها ليست شيئا آخر وراء العلم إذ النسبة المتصوّرة بين المحمول و الموضوع أعني هذا ذاك في الخارج تقوّم بالنفس لا بنفسها بل بصورتها فهي كالمعلومات الأخر من حيث أنّ قيامها قيام علميّ لا كقيام العلم.

و الذي يجب على الأشعريّ هو إثبات قيام شي‏ء بالنفس بنفسه على حدّ قيام العلم و الإرادة لا على حدّ قيام المعلوم و المراد، فإنّ هذا القيام لا يوجب صفة اخرى بالنفس حتّى ينفع في إثبات الكلام القائم بذاته تعالى وراء علمه و سائر صفاته العليا.

فالخبر هو الكلام اللفظيّ و مدلوله هو النسبة أعني «هذا ذاك» و هي كما عرفت هو العلم الانفعاليّ و ثبوت شي‏ء لشي‏ء و النسبة المذكورة غير شئونها من الإقرار و الإذعان فإنّ شئونها من باب علم فعليّ قائم بالنفس قياما صدوريّا و النسبة من باب ثبوت شي‏ء لشي‏ء و الانكشاف و العلم الانفعاليّ و مدلول الكلام هو النسبة التي تكون متعلّقة للإقرار و الإذعان و الجزم و التجزّم لا نفس الإقرار و الإذعان و الجزم و التجزّم إذ مدلوليّة الوجود الحقيقيّ من دون وساطة وجه و عنوان أمر غير معقول و دعوى إمكان التخلّص عنه بدلالة الكلام اللفظيّ على نفس المفهوم و ذاته لا بما أنّه موجود خروج عن فرض الأشعريّ فإنّه قائل بدلالة الكلام اللفظيّ على نفس الحكم و الإقرار و الإذعان بوجودها التكوينيّ من دون وساطة مفهوم و هو أمر غير معقول.

الثاني: إنّه ممّا يدلّ على أنّ الطلب النفسيّ أمر وراء الإرادة هي نفس الأوامر الامتحانيّة لأنّها لا توجد بدون السبب و المفروض عدم الإرادة فيها فلا بدّ من وجود صفة اخرى لتكون هي الباعثة إليها و هذه الصفة تسمّى بالطلب النفسيّ فإذا ثبت ذلك في الأوامر الامتحانيّة ثبت في غيرها بعدم القول بالفصل.

49

و أجيب عنه بأنّ السبب في الأوامر مطلقا هو الإرادة غاية الأمر أنّ المنشأ للأوامر الجدّيّة إرادة نفس المأمور به و في الأوامر الامتحانيّة إرادة إتيان مقدّماته بقصد التوصّل بها إلى المأمور به.

و عليه فلا حاجة إلى الطلب النفسيّ في تحقّق الأوامر الامتحانيّة و نحوها. هذا مضافا إلى أنّ تحقّق صفة الإرادة أو التمنّي أو الترجّي في النفس قد يكون لتحقّق مبادئها في متعلّقاتها كمن اعتقد المنفعة في ضرب زيد و قد يكون تحقّق تلك الصفات في النفس لا من جهة متعلّقاتها بل توجد النفس تلك الصفات من جهة مصلحة في نفسها كإتمام الصلاة من المسافر فإنّه يتوقّف على قصد الإقامة عشرة أيّام في بلد من دون مدخليّة لبقائه في ذلك البلد بذلك المقدار وجودا و عدما و مع ذلك يتمشّى قصد البقاء من المكلّف مع علمه بأنّ ما هو المقصود ليس منشأ للأثر المهمّ.

فإذا صحّ تحقّق الإرادة لمنفعة فيها لا في المراد في الإرادة التكوينيّة صحّ ذلك في الإرادة التشريعيّة و دعوى امتناع تعلّق الإرادة بالبقاء من غير مصلحة في البقاء مندفعة بكفاية ترتّب المصلحة على القصد المضاف إلى الإقامة و لا حاجة إلى وجود المصلحة في نفس البقاء.

الثالث: إنّهم استدلّوا على مغايرة الطلب النفسيّ مع الإرادة بأوامر الكفّار بالإسلام و الإيمان و العصاة بالطاعة و الامتثال فإنّ هذه الأوامر خالية عن الإرادة الجدّيّة و إلّا لزم تخلّف المراد عن الإرادة و هو محال و لكن مع ذلك توجد صفة نفسانيّة اخرى غير الإرادة في هذه الأوامر و هذه الصفة تسمّى بالطلب النفسيّ.

و أجيب عنه: بأنّ المحال هو تخلّف المراد عن الإرادة التكوينيّة لا الإرادة التشريعيّة و الإرادة في الأوامر المذكورة هي الإرادة التشريعيّة و هي تعلّقت بإتيان الفعل مع وساطة اختيارهم و هذه الإرادة جدّيّة من قبل المولى و ليس مقتضاها هو صدور الفعل عنهم قهرا و إلّا لزم الخلف كما لا يخفى.

50

و قد انقدح ممّا ذكر عدم تماميّة استدلالاتهم على وجود الكلام النفسيّ في الأخبار و وجود الطلب النفسيّ في الأوامر.

تبصرة: و لا يخفى أنّ البحث عن الجبر و الاختيار بحث كلاميّ لا يناسبه المقام و مع ذلك خرج أصحابنا الأصوليّون عن المباحث الاصوليّة و بحثوا عنه.

و مجمل الكلام فيه أنّ الوجدان أدلّ دليل على اختياريّة الأفعال إذ معيار الاختياريّة هو التمكّن من طرفي الفعل و الترك و هو موجود في أنفسنا بالوجدان.

و هذا التمكّن من مواهب اللّه سبحانه تعالى و هو الذي يخرجنا عن المجبوريّة و عن التفويض و الاستقلال كما اشير إليه في الأخبار بأنّه لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين.

و أمّا تعريف الاختياريّ بالمسبوقيّة بالإرادة ففيه أنّه منقوض بما يصدر من العشّاق الذين لم يتمكّنوا من الخلاف فإنّهم لا يعدّون مختارين مع أنّ ما يصدر عنهم مسبوق بالإرادة فالصحيح أن يعرف الاختياريّ بما يصدر عنه مع التمكّن من الخلاف و هو صادق على أفعاله سبحانه و تعالى مع كونها مستندة إلى صفاته و أسمائه الذاتيّة الواجبة لوجود ملاك الصدق و هو التمكّن و القدرة على خلاف ما صدر عنه عزّ و جلّ.

فوجوب القدرة بالذات فيه تعالى أو وجوب التمكّن بالغير فينا لا ينافي الاختيار.

ثمّ إنّ السعادة و الشقاوة ليستا ذاتيّتين بل هما مكسوبتان باختيار العبد و إرادته فما يتراءى في الأخبار من خلاف ذلك مأوّل أو مطروح لمنافاته مع اصول المذهب كما لا يخفى.

51

الفصل الثاني: فيما يتعلّق بصيغة الأمر: ففيه مباحث:

المبحث الأوّل: في تحقيق معنى صيغة الأمر:

و قد تقدّم بيان الفرق بين الإنشاء و الإخبار في المفاد إذ الجمل الإخباريّة للحكاية و الإنشائيّة للإيجاد و صيغة الأمر من الإنشاءات و هي كما مرّ لإنشاء البعث.

و البعث هو تحريك المطلوب منه نحو العمل المقصود و هو تارة يحصل بالتحريك العمليّ مثل أن يأخذ الطالب يد المطلوب منه و يجرّه نحو المطلوب و المقصود و اخرى يحصل بالتحريك الإنشائيّ مثل أن يقول الطالب للمطلوب منه: افعل كذا أو آمرك بكذا.

فالفرق بين «اضرب» و «تضرب» في أنّ الأوّل إيجاديّ دون الثاني فإنّه حكائيّ و ذلك بحكم التبادر فإنّ «اضرب» لإيجاد البعث و التحريك نحو المطلوب و «تضرب» للإخبار عن وقوع الضرب و صدوره كما يكون في اللغة الفارسيّة فرق واضح بين قولنا: «بزن» و قولنا «مى‏زنى».

و لو كانت الأوامر مستعملة في الحكاية لما كان فرق بين «اضرب» و «تضرب» و بين «اضرب» و «أنا اريد منك الضرب» و كانا مترادفين مع أنّ المعلوم خلافه.

52

فمفاد صيغة الأمر كسائر الإنشاءات إيجاديّ لا حكائيّ. و لذلك لا يتّصف بالصدق و الكذب بخلاف الخبر لأنّ الصدق و الكذب من كيفيّات الحكاية فإنّها إن كانت مطابقة لما ثبت في موطنه من ذهن أو خارج فهي صدق و إلّا فهي كذب و أمّا الإنشاءات فلا موطن لها إلّا نفس الإنشاء كما لا يخفى.

قال سيّدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) في تهذيب الاصول: التحقيق أنّ مفاد هيئة الأمر إيجاديّ لا حكائيّ فهي موضوعة بحكم التبادر لنفس البعث و الإغراء نحو المأمور به فهي كالإشارة البعثيّة و الإغرائيّة و كإغراء جوارح الطير و الكلاب المعلّمة. و إن شئت ففرق بينهما بأنّ انبعاث الحيوانات يكون بكيفيّة الصوت و الحركات و الإشارات المورثة لتشجيعها أو تحريكها نحو المقصود لكن انبعاث الإنسان بعد فهم بعث مولاه و إحراز موضوع الإطاعة لأجل مبادئ موجودة في نفسه كالخوف من عقابه و عذابه و الرجاء لرحمته و غفرانه و رضوانه. (1)

أورد في الدرر على كون صيغة «افعل» إنشائيّا بأنّ كون الألفاظ علّة لتحقّق معانيها ممّا لم أفهم له معنى محصّلا ضرورة عدم كون تلك العلّيّة من ذاتيّات الألفاظ و ما ليس علّة ذاتا لا يمكن جعله علّة لما تقرّر في محلّه من عدم قابليّة العلّيّة و أمثالها للجعل. و الذي أتعقّل من الإنشائيّات أنّها موضوعة لأن تحكي عن حقائق موجودة في النفس مثلا هيئة «افعل» موضوعة لأن تحكي عن حقيقة الإرادة الموجودة في النفس فإذا قال المتكلّم: اضرب زيدا، و كان في النفس مريدا لذلك فقد أعطت الهيئة المذكورة معناها فإذا قال ذلك و لم يكن مريدا واقعا فالهيئة المذكورة ما استعملت في معناها.

ثمّ استشكل على نفسه بأنّه قد يؤتى بالألفاظ الدالّة على المعاني الإنشائيّة

____________

(1) تهذيب الاصول 1/ 135.