عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل‏ - ج1

- السيد عبد الله الشيرازي المزيد...
243 /
0

100

أدى إليه من الأحكام و صحة نسبته إليه- تعالى- ليستا من آثار الحجية، بحيث يستدل بعدمهما على عدم الحجية، لأن حجية الظن على تقدير الحكومة بناء على الانسداد محققة، مع أن صحتهما لا تكون محققة.

و الإنصاف: أن هذا الإشكال غير وارد على المصنف «قده»، حيث أن لزوم العمل على طبق الظن على الحكومة في مقام إسقاط التكليف. و الكلام في صحة التعبد فيما نحن فيه في مقام إثبات التكليف، مع أن المصنف «قده» لما لم يكن مبناه مجعولية الحجية بل المجعول عنده هو الحكم التكليفي، فلا بدّ من البحث في إثبات جواز التعبد و جواز الإسناد إلى اللّه تعالى أو حرمتهما.

ثم الظاهر أن حرمة التشريع و عنوانه لا يدوران مدار عدم الحكم الواقعي، بل إذا لم يعلم بأن في الواقع حكما و أسند إليه تعالى يكون تشريعا محرّما، و إن كان في الواقع موجودا. كما أنه لو أسند مع العلم لا يكون تشريعا و لو لم يكن في الواقع موجودا، لأن حكم العقل موضوعه إسناد ما لا يعلم أنه من المولى إليه، و ليس من أحكامه الطريقية التي تكون لحفظ الحكم الواقعي المرتب على الموضوع الواقعي، كما قيل إنه كذلك في باب الضرر، حيث أن العقل يحكم بدفع ما لا يؤمن معه من الضرر الواقعي أيضا.

و ما قيل: بأنه في باب الضرر، ربما يقع فيه الشك بأنه هل له حكم واحد مرتب على مطلق ما لا يؤمن معه الضرر، أو أن له حكمين: حكم مرتب عليه، و حكم مرتب على الضرر الواقعي. فمن غرائب الكلام، حيث أن الحاكم لا يمكن أن يشك في حكمه من جهة الموضوع، إلا أن يكون المقصود الشك بالنسبة إلى غير الحاكم، و هو بعيد عن ظاهر الكلام.

و أغرب من ذلك الاستشهاد لوحدة الحكم، بحكاية تسالم الأصحاب على أن سلوك الطريق الذي يظن أو يقطع فيه الضرر و الخطر يكون معصية، و يجب إتمام الصلاة فيه، و لو

1

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

كلمة حول الكتاب: بقلم السيد محمد على الشيرازى‏

بين يدي رجال الفقه و روّاد الأصول (عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل)

امتياز كل علم و أهميته بامتياز الآثار المترتبة عليه، و النتائج المتوخّاة منه، و شرفه بشرف تلك الآثار و النتائج. فكلما كان الهدف من العلم أسمى كان ذلك العلم ذا منزلة أرفع و مقام أجل و أعلى. فما ظنّك بعلم أصول الفقه، و هو العلم الذي يبتني عليه فقه الشيعة الإمامية، و تؤخذ منه مداركه في طريق الاستنباط و الاجتهاد. فالأدلة الأربعة التي هي مدار الشريعة الإسلامية الغرّاء (الكتاب، السنة، العقل، الإجماع) لا يمكن الاستفادة منها و لا الاستناد إليها و لا التمسك بها إلّا عن طريق علم الأصول. كيف لا، و موضوع هذا العلم هو الأدلة الأربعة؟!

و من أجل هذا ترى أن علم الأصول أخذ جانبا كبيرا من اهتمام الكبار من الرجال، يبدؤهم الإمام محمد بن علي الباقر و ابنه الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) الخامس و السادس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فهما اللّذان بدءا ببيان أسسه و من‏

6

أقوالهما و مروياتهما الأصول الأربعمائة، و هما فتحا بابه، و فتقا مسائله، فأمليا على أصحابهما قواعده و ضوابطه و طرق استخراج أسسه‏ (1).

و لقد أجهد علماؤنا (رضوان اللّه تعالى عليهم) أنفسهم في سبيل منهجة هذا العلم و تبويبه و جعله مطابقا للأدلة الشرعية. إلا أن النظر في هذه الأدلة كان في ريعان شباب هذا العلم لا يكلف المجتهد كثيرا من الجهد و العناء، نظرا لقرب العهد بالأئمة المعصومين (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، و هم أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة، و مهبط الوحي.

لكن تطوّر المسائل المبتلى بها و طروّ المسائل المستحدثة التي لم تكن معروفة على عهد صاحب الشريعة، أدّى إلى ضخامة الجهد و عظم المسئولية، فراح علم (أصول الفقه) يطرق أبوابا جديدة و مسالك حديثة تناسب الدقة في الاستدلال و عمق النظر ...

كل ذلك للوصول إلى أسلم النتائج في معرفة حكم اللّه تعالى و التوصل إليه من خلال الأدلة التي بأيدينا.

و هكذا شمّر فقهاؤنا السالفون (رضوان اللّه عليهم أجمعين) عن سواعدهم لإرساء قواعد أصول الفقه و ضبطها و تدوينها و مناقشتها بغية إعطاء أدق المعايير و أضبط

____________

(1). رغم الاضطرابات الحاصلة في القول في أول ما صنّف في هذا العلم، فيذهب ابن خلكان و ابن خلدون إلى أن أول من صنّف هو محمد بن إدريس الشافعي. بل نقل عن كتابه «الأوائل» إطباقهم على ذلك حيث قال: أول من صنف أصول الفقه الشافعي بالإجماع.

و لكنه قابل هذا القول، القول بأن أول من صنّف فيه هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قاضي القضاة في عصره، كما و قد قيل: بأن أول من صنف فيه هو محمد بن الحسن الشيباني فقيه العراق في دوره و المتوفى عام 182 أو 189.

ثم إن هذا الخلاف كله يدور على أول من صنف، و ليس هناك من يخالفنا القول بأن أول من بيّن قواعده و طرق أبوابه- كما قلنا- الإمامان الباقر و الصادق (عليهما السلام)، فإن سبر الأحاديث التي تومئ إلى القواعد الأصولية المنقولة عنهما يؤكد على ذلك.

7

الموازين للمشتغلين به.

و حتى عهد العلامة الحلي «(قدس سره)» و الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني في (معالم الأصول) .. فإنهما يعطيانك الصورة الصادقة لما قلناه.

إلا أن الأستاذ الأعظم الشيخ الأنصاري «(قدس سره)» فتح مجالا جديدا لأبحاث متقنة في علم الأصول، ضمّنها في كتابه المعروف (فرائد الأصول) المشتهر على الألسن ب (الرسائل)، فإنك إذا تدبّرت هذا الكتاب وجدته قد بلغ القمّة في دراسة المسائل و عمق النظر و دقة الاستدلال.

و جاء بعده دور المحقق الكبير الشيخ محمد كاظم الخراساني «(قدس سره)» (المعروف بالآخوند)، فأكسب مباحث أستاذه منهجية أوسع و دقة و ابتكارا، فانعكس طور التأليف في هذا الدور، و تحرّر الأصول عن الفضول. يشهد لذلك كله كتابه (كفاية الأصول). و يكفيك برهانا على ما قلناه أن المجتهد لا يستغني- مطلقا- عن دراسة هذا الكتاب في مراحله العالية.

على أن تحقيقات كل من الشيخ ضياء الدين العراقي، و الميرزا محمد حسين النائيني، و الشيخ محمد حسين الأصفهاني- و هم جهابذة الفن و أساطينه في عصر واحد- تعطيك لونا آخر من دقة النظر و عمق الاستدلال. و هؤلاء من العظمة بحيث أنك لا تكاد تجد فقيها إماميا في عصرنا إلا و تلمذ لأحد هؤلاء الأعلام فترة من عمره العلمي.

و لا يغيب عن أذهاننا: أن الكل انطلقوا من نقطة التفتح الذهني الذي أسّسه الشيخ الأنصاري في (رسائله)، فهم عياله و مقتفو آثاره. و لذلك فليس غريبا أن يحظى هذا الكتاب العظيم باهتمام العلماء و المحققين. و هذا ما دعاهم إلى أن يؤلّفوا الكتب في شرحه و توضيح غوامضه و إبداء النظر في بعض مبانيه، الذي هو ديدن المحقق النحرير.

و الكتاب الذي بين يديك (عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل) جولة علمية

8

دقيقة في هذا المضمار، و نموذج فذّ للتحقيق و الرعاية العلمية يدور حول هذا المنطلق الفكري الممتاز في علم (أصول الفقه) ... و هو ثمرة جهد علمي رصين و معاناة طويلة للبراهين و الاستدلالات و جولان في ميدان النفي و الاثبات، و النقد و التأييد بين آراء أصحاب المدارس الأصولية دامت قرابة نصف قرن أو نافت عليه، من عالم فذّ، و محقّق نحرير، و مجتهد يتمتع بذهنية و قادة، هو سماحة المرجع الديني، صاحب النظريات الحديثة و الابتكارات الجذّابة في هذا المجال، محقق عصره و مدقق دهره آية اللّه العظمى السيد عبد اللّه الشيرازي (قدس اللّه نفسه الزكية).

و لقد ظهر هذا الكتاب إلى حيّز الوجود عام 1365 ه في طبعة حجرية، فتناولته الأفكار قبل أن تتناوله الأيدي، و لم تمر فترة حتى نفدت نسخه، و راح أبناء الأصول و رجال ميدانه يجولون و يصولون و هم يفتّشون عن نسخة منه.

و قدّر للكتاب أن يظهر إلى المسرح مرة أخرى في عام 1383 ه في عدد كبير كنا نظن أنه يفي لروّاده، و لكن التلهّف الشديد و الإقبال المنقطع النظير تسبّب نفاد نسخه مرة أخرى و بضمن مدة قصيرة، الأمر الذي جعل أبناء العلم و الفضيلة في طلب شديد لنسخ الكتاب حتى تهيأ لطبعته الثالثة.

و هكذا لم تمرّ فترة طويلة إلا و نفدت نسخه، هنا ارتأينا أن نظهر الكتاب إلى حيّز الوجود بكل أجزائه، فإن الذي قد تكرر طبعه هو الجزء ان الأول و الثاني، و أما الجزء الثالث من الكتاب- و هو الذي يتضمّن مبحث الاستصحاب- فإنه لم يطبع إلى الآن و كان ما كتبه سماحة سيدنا المؤلف (الوالد) «(قدس سره) الشريف» في ضمن أوراق متفرقة مبعثرة، بذلت غاية الجهد في جمعها و تبويبها و ربطها و تنظيمها و توضيح المبهم فيها، و قد ساعدنى على ذلك كلّ من صاحبي السماحة آية اللّه المرحوم السيد ابراهيم الحجازي الطبسي و آية اللّه المرحوم الشيخ أبو القاسم الروحاني «رحمة اللّه تعالى عليهما»، و هما من‏

9

كبار أساتذة حوزتي النجف الأشرف و المشهد الرضوي المقدس العلميتين و من أعضاء مجلس الاستفتاء لسماحة آية اللّه العظمى السيد الشيرازي «(قدس سره)»، فشكر اللّه مساعيهما الحميدة و جزاهما خير الجزاء.

و لقد جاء الكتاب في طبعته الحديثة عقدا غاليا ينتظم مع سائر مؤلفات سماحته ليقدم لروّاد العلم و الفضيلة أثمن الثروات و أغلاها.

و اللّه سبحانه و تعالى نسأله أن يتغمّد الفقيد الراحل سيدنا المحشي برحمته الواسعة و يعلي في الجنان درجاته و يرفع في الخلد مقامه و يحشره مع أوليائه الطيبين الطاهرين و يجعل هذا الكتاب ذخيرة له يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم، و يأخذ بيدي لطبع و نشر كافة مؤلفات سماحته بعد أن يوفقني للقيام بتحقيقها و إجراء ما يلزم بالنسبة إليها.

أول ربيع الأول 1427 ه- مشهد المقدسة السيد محمد علي الشيرازي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

عمدة الوسائل في الحاشية على الرّسائل المجلّد الاوّل تأليف فقيه أهل البيت (ع) المحقق المدقّق آية اللّه العظمى السّيّد عبد اللّه الشّيرازي (قدس سره) الشريف)

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطّيّبين الطّاهرين، الهداة المعصومين الخيرة المهذّبين، صلاة دائمة إلى يوم الدّين.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

احوال المكلف‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

فصل في بيان حالات المكلف‏

قوله- (قدس سره)-:

اعلم أن المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي‏

الظاهر أن المقصود من المكلّف مطلق من وضع عليه قلم التكليف لا خصوص المجتهد. و لا وجه للاختصاص به، إلا ما قد قيل‏ (1): بأن العبرة بالظن و الشك الحاصلين من مدارك الأحكام، و هما لا يحصلان إلا للمجتهد، و أحكامهما مسائل أصولية، و لا حظّ للمقلد بالنسبة إليها، و شمول أحكام القطع له لا يدل على خلافه بعد ما كان البحث عنه استطرادا.

و لا سبيل إلى دعوى شمول أدلة اعتبار الطرق و الأصول، غايته أن المقلّد عاجز عن تشخيص مواردها و مجاريها، و يكون المجتهد نائبا عنه في ذلك، فإنه كيف يمكن القول بشمول خطاب مثل «لا تنقض اليقين بالشك» للشبهات الحكمية، مع أنه لا يكاد يحصل له الشك و اليقين؟ بل لو فرض حصولهما له فلا عبرة بهما ما لم يكن مجتهدا في مسألة حجية

____________

(1). القائل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

18

الاستصحاب.

و لكن لا يخفى بعد التأمل أنه لا وجه للزوم حصولهما من خصوص الأدلة و المدارك بعد ما كان شك المقلّد و ظنه غالبا موضوعا للأحكام الآتية التي يكون المراد فيها من المكلف قطعا ما هو موضوع لها. أما الشك فبالنسبة إلى الاستصحاب و البراءة في الشبهات الحكمية فلأنه كثيرا ما يشك العامي في مثل حرمة العصير من الزبيب عند الغليان بعد القطع بحرمته من العنب، و كذا في أن الحيوان الفلاني هل هو مأكول اللحم في الشرع أو محرّم الأكل؟ و غير ذلك، و لا وجه لخروج أمثالهما من شكوك المقلّد عن مجاري الأصول بعد إطلاق دليلها.

نعم، غاية ما هناك أن شكوك المجتهد في الشبهات الحكمية أكثر.

لا يقال: إن الموضوع في الشبهات الحكمية هو الشك بعد الفحص، و هو لا يقدر عليه.

فإنه يقال: نعم قد اشترط في جريان الأصول فيها الفحص، و لكن لا يخفى أن وجوبه ليس نفسيا و إنما هو غيري، فإذا لم يكن في الواقع دليل اجتهادي في البين يكون شكه موضوعا لها مع عدم اختصاص أدلتها بالشكوك التي يحتمل ورود الدليل من الشرع في مواردها. بل رب مورد يقطع المقلد و المجتهد بأنه لم يكن في البين نص على حكمه و لم يرد فيه شي‏ء من الشارع بالخصوص، كالتدخين و سائر الموضوعات المستحدثة التي لم يكن في زمان الشارع محل ابتلاء الناس: (إما) لعدم وجوده مثل الأمور المستحدثة (و إما) لعدم كونه معمولا عندهم كالتبغ، مع وضوح أن هذه الشكوك تكون من مجاري البراءة و أصالة الحل، و لا يكون فيها فحص أصلا.

و مما ذكر ظهر أنه لا مانع للمجتهد أن يفتي للعامي بالبراءة في الشبهات الحكمية، بدعوى أنها وظيفة الشاك بعد الفحص، و هو لا يكون كذلك، فلا يجوز له الإفتاء بها و إن‏

19

كان لنفسه العمل بها، بل لا بدّ من إرجاعه إلى الاحتياط كما ادعاه السيد الاصفهاني «قده».

نعم، قال في موارد الاستصحاب في الشبهات الحكمية: لما كان موقتا بالحكم بحسب مفاده فله الإفتاء بالواقع.

لكن قد عرفت: أن التحقيق خلاف ذلك، و أنه لما كان وجوب الفحص طريقيا و لم يظفر المجتهد على دليل اجتهاديّ بعد بذل الوسع، يقطع بأن شك المقلد موضوع لأدلة البراءة و يفتي بها له. مع أن جواز الإفتاء بالواقع في الاستصحاب مبني على كون التعبد بلحاظ آثار اليقين لا المتيقّن، مع أنه لا يختص الموضوع في أدلة البراءة بخصوص الشاك، بل يشمل الغافل الشامل للمقلّد، مسلّما لمن يرد عليه أن محل البحث حكم أقسام الشكوك و لا يشمل الغافل.

نعم، في خصوص الاستصحاب لما كان الشك مأخوذا فيه- و الظاهر أنه الشك الفعلي- فلا يشمل الغافل.

و العجب ما صرح به أخيرا في ذيل كلامه المذكور بقوله: «بل لو فرض حصولهما له لا عبرة ... الخ» بحيث أن توقف شمول خطاب «لا تنقض اليقين بالشك» على كونه مجتهدا في مسألة حجية الاستصحاب، لو كان من جهة قصور المقلّد عن استفادة الحكم من الدليل و الخطاب فمن المعلوم أنه مسلّم، لكن المجتهد ينوب عنه في هذه الاستفادة كما هو الحال في الأحكام الفقهية، و إن كان من جهة أنه لا بدّ أن يكون أولا حجة في حقه كي يصير مخاطبا بخطابه، فنقول: إن المجتهد النائب عنه يراه حجة في حقه ثم يراه مخاطبا بخطابه مع إمكان التفكيك بين الاجتهاد و التقليد في المسألة الأصولية و الفقهية بناء على التجزي من هذه الجهة كما كان يلتزم به بعض أساتذتنا «(قدس سرهم)» في سالف الزمان، بأن يكون مقلّدا في الأولى لصعوبته عليه و مجتهدا في الثانية، و يستفيد الحكم بنفسه من‏

20

الخطاب، مضافا إلى لزوم الدور، حيث أنه يتوقف كونه مجتهدا في حجية الاستصحاب على شمول الخطاب له، فلو كان شمول الخطاب له متوقفا على كونه مجتهدا فيها يلزم توقف الشي‏ء على نفسه. فتأمل جيدا.

مع أنه يلزم بناء على الاختصاص تبعيض المدلول و المراد من الخطاب في الاستصحاب، بأن كان بعض مدلوله مختصا بخصوص المجتهد و بعضه كان عاما بالنسبة إلى المجتهد و المقلّد. و هو كما ترى لا يجوز حتى بناء على جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، فافهم.

هذا كله مع عدم مسلمية كون مثل الاستصحاب في الشبهات الموضوعية من المسائل الفقهية، بناء على أنها عبارة عن المسائل التي يمكن إعطاء نتائجها بيد المقلد لخصوصيات اعتبرت في جريانها غالبا و هو عاجز عنها و إلا كان مجتهدا.

و أما بالنسبة إلى الاشتغال و التخيير فلوضوح أن موضوعهما يشمل شك المقلد قطعا، ضرورة أن الشك في المكلّف به- بعد العلم بوجود التكليف الذي هو مجرى الأول، و الشك في نوع التكليف مع العلم بجنسه في دوران الأمر بين المحذورين الذي هو مجرى الثاني- لا يختص بخصوص المجتهد.

و هل يمكن أن لا يقال بأن المجتهد ينوب عنه في فهم حكمه فيما إذا علم بالتكليف بين الأطراف في الشبهة المحصورة أو علم بالوجوب أو الحرمة بالنسبة إلى شي‏ء؟ بل يمكن أن يقال: إن المجتهد في الحقيقة ينبّهه بحكم عقله و يرشده إليه في مقام الفتوى، كفتواه بحجية الشياع العلمي في الموضوعات، مثل ثبوت الهلال و الاجتهاد و الأعلمية، مع أن حجية العلم لا تكون قابلة للتقليد.

و هل فرق بين حجية العلم التفصيلي و الإجمالي؟ و الالتزام بأن حكم الشك فيهما مسألة فقهية لأن الشبهة فيهما شبهة موضوعية. لا وجه له، بعد ما كانت المسألتان من‏

21

مهام المباحث المعنونة في كتب الأصول، و قد صرح «قده» في بعض تقريرات بحثه: بأن البحث عن وجوب الموافقة القطعية و حرمة المخالفة القطعية في العلم الإجمالي من المسائل العلمية الأصولية، لوقوع نتيجتها في طريق الاستنباط.

و أما الظن فلوضوح أن كثيرا من أحكامه يشمله، مثل حرمة العمل بالظن الذي لم يقم دليل على اعتباره و عدم حجيته الذي هو الأصل في المسألة الأصولية.

و لا يكاد ينقضي تعجّبي كيف يمكن أن يلتزم أحد بأن موضوع البحث في هذه المسألة خصوص ظن المجتهد، و يكون الظن الحاصل للمقلّد كذلك، خارجا عن مسألة الحرمة و عدم الحجية.

و القول: بأن المراد الظنون المعتبرة التي تكون مشمولة لأدلة اعتبار الطرق.

مدفوع، بأنه يستلزم ذلك أخذ المحمول في ناحية الموضوع، لوضوح أن البحث عن الاعتبار و عدمه، فكما لا يكون كثير من ظنون المجتهد غير معتبرة مع أنها داخلة في موضوع البحث في الأصول، فكذلك الظنون غير المعتبرة للمقلد. مع أن الظن الذي يكون معتبرا فيمكن القول بعدم اختصاصه بظن المجتهد أيضا، إنما هو بعد إطلاق الأدلة أو عمومها، غاية الأمر أنه لا يحصل للمقلّد منها غالبا ظن بالحكم لقصور فهمه عن مداليل الروايات. و الكلام في عدم شمول الخطابات له، قد مرّ ما فيه من الإشكالات.

و القول: بأن حجيته بعد الفحص عن المعارض و المخصّص. مدفوع، بما ذكرنا.

لا يقال: إن الذي يختص بالمجتهد هو الظن من جهة اعتباره و حجيته بنحو يكون كبرى القياس، و يستنتج بعلية الحكم للأصغر، و هذا غير أفراد الظنون التي يشترك في مفادها المجتهد و المقلد.

فإنه يقال: قد حقّق في محله عدم علية الكبرى للحكم في جميع القضايا، بل عدم معقوليتها، و إن قيل بها في القضايا الحقيقية دون الخارجية، للفرق بينهما: بأن الكبرى في‏

22

الأولى علة للثبوت و العلم بالحكم و في الثانية علة للعلم دون الثبوت. و قد حققنا في محله:

عدم الفرق بينهما و في كليهما سبب للعلم. و لا يكون في الشكل الأول إلا الإجمال و التفصيل لا العلية، كيف؟! و لا يكون الأصغر إلا من أفراد الوسط المحكوم في الكبرى بثبوت المحمول لكليه، فلا يكون قول العادل حجة، إلا نفس قول زرارة في صلاة الجمعة مثلا، و قول محمد بن مسلم في مسألة كذا و غيرها.

هذا كله مع رجوع أصل التوهم إلى أخذ الموضوع بشرط المحمول، و قد عرفت عدم تماميته، فافهم.

و بالجملة، أكثر أبحاث الأصول يشمل أحوال المقلّد و يكون ظنه و شكه موضوعا لأحكامها نفيا أو إثباتا. (نعم)، بعض الأحكام مختص بخصوص المجتهد، كالأخذ بأحد الخبرين تخييرا أو ترجيحا، لأن الأخذ لأجل الفتوى، و المقلد ليس أهلا لها.

بل يمكن أن يقال بعدم تفاوت الحال في الظنون المعتبرة بين المجتهد و المقلد من جهة أخرى، لأن ما هو المعتبر مفاد الروايات لا الظن الحاصل منها. و من المعلوم أن عموم مفادها تابع لعموم الخطاب، و المفروض أن الخطاب عام لهما. اللهم إلا أن يقال: إن الحجة هو الظن الحاصل بالحكم لا نفس المؤدى و المفاد، كما هو مختار المصنف «قده».

و لا أدري أنه لو لا الالتزام بما ذكرنا، كيف يفتي المجتهد للمقلد في موارد الأصول و الأمارات؟ و بأي شي‏ء يفتي؟ هل بحكمه الواقعي أو بوظيفته الظاهرية؟ و كلاهما كما ترى على المبنى المذكور، و ما أدري بما ذا يلتزم صاحب المبنى في هذا الباب؟

و الالتزام بأن وظيفة المجتهد الإفتاء و وظيفة العامي متابعته. يرد عليه: أن الإفتاء بأي حكم؟ بحكم شخصه، أو الأعم، أو خصوص المقلد؟ و الأول: لا يفيد، و الثاني و الثالث: خلاف الفرض.

و القول: بأن الإفتاء بالواقع من جهة أن دليل الاعتبار يجعل المظنون و المشكوك‏

23

بمنزلة الواقع و المقطوع، لا يفيد مطلقا حتى في موارد البراءة مع أنه في الأمارات و الاستصحاب يتم بناء على تتميم الكشف لا بناء على جعل المؤدّى منزلة الواقع، و المشكوك منزلة المتيقّن، فافهم.

و بالجملة، لا فرق في الخطابات الواردة في المسائل الأصولية و الفقهية في شمولها لعامة المكلفين، و هل يفرق بين قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ... (1) و أمثالها و بين قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... (2)، و الالتزام بأن الأول عام و الثاني يختص بالمجتهد، حاشا ثم حاشا.

____________

(1). سورة الجمعة، الآية 9.

(2). سورة الحجرات، الآية 6.

24

تقسيم ما يحصل للمكلف من الأحوال‏

قوله- (قدس سره)-:

إما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك فيه‏

قد يشكل‏ (1) على هذا التثليث أولا: بأن متعلق القطع ليس خصوص الحكم الواقعي بل يعم الحكم الظاهري، فيشمل جميع أحكام الشكوك و الظنون الشرعية.

و ثانيا: بأنه يلزم التداخل، حيث أن بعض الظنون- أي غير المعتبر منها- ملحق بالشك، و بعض الشكوك ملحق بالظن. و لكن لا يخفى أنه ليس المصنف «قده» في مقام بيان ما هو حجة فعلا في بحث الظن- أي كل ظن يكون حجة فعلا- بل في مقام بيان أفراد الحجة منها و ما هو ليس كذلك، بل يمكن أن يقال: بعدم إمكان جعل الموضوع الظنون المعتبرة، للزوم أخذ المحمول في ناحية الموضوع، و هو خلاف موضوعيته لموضوع المسألة و العلم الذي يبحث فيهما عن عروض المحمول و عدمه.

كما لا يخفى أن المقصود من الظن الذي هو محل البحث ليس خصوص الظن الشخصي الذي هو في مقابل الشك، بل أعم منه و من النوعي الذي يكون بعض أفراده الشك، مع أنه لا يلزم التداخل أصلا، حيث إن نفس الشك في الظنون النوعية المعتبرة لا يكون حجة.

بل لا يكاد يعقل، بل ما هو حجة أحد طرفيه، كما أن الظن- من حيث أنه ظن و احتمال‏

____________

(1). المستشكل هو المحقق الخراساني «قده».

25

راجح- لا يكون موضوعا لحكم الشك أصلا.

نعم، يلزم التداخل من حيث المورد، حيث أن في مورد بعض الظنون يجري حكم الشك، كما أن في مورد بعض الشكوك يجري حكم الظن، و هذا لا يرتبط بتداخل الأقسام في الأحكام.

و مما ذكرنا ظهر: أنه لا حاجة في الجواب عن الإشكال، بأنه «قده» في مقام بيان التفرقة بين الثلاثة، من حيث إمكان الحجية و وجوبها و امتناعها، بل لا يكفي، لوضوح أنه «قده» ليس في هذا المقام قطعا، و إنما ذكر إمكان الحجية في مثل الظن، مقدمة للوقوع، و هكذا الكلام في القطع.

كما أنه مما ذكرنا ظهر الجواب عن الاشكال الأول، حيث أنه لا بدّ من التثليث، إذا كان في مقام بيان أن القطع حجة مطلقا، و أن الظنون بعضها حجة و بعضها غير حجة، و الشكوك إنما جعل بالنسبة إليها الأصول غالبا، مع أن التثليث المذكور مقتضى الطبع، حيث أن المكلف عند الالتفات يتوجه إلى الأحكام الواقعية ابتداء، و من الواضح حصول إحدى الحالات الثلاث له بالنسبة إلى كل واحد منها.

قوله- (قدس سره)-:

و الثاني مجرى التخيير

لا يخفى: اختلاف كلمات المصنف «قده» في تعيين مجاري الأصول و المختار فيها، و الاستدلال عليها في المقام بحسب المتن و مقصد البراءة، و لذا عدل عنه إلى ما في الحاشية، و العمدة في المنشأ كون دوران الأمر بين المحذورين من مجاري البراءة أو التخيير، حيث أنه بناء على ما في المتن يدخل في التخيير و يخرج من البراءة، بخلاف الحاشية المطابقة لما في مبحث البراءة، فيكون مقتضاه العكس.

26

و قد قيل‏ (1): الثاني هو الحق، لأن المانع عن تنجّز العلم و كونه بيانا، ليس إلا حكم العقل بالتخيير، من جهة عدم إمكان الاجتماع بين المتناقضين، و موضوع «قاعدة قبح العقاب بلا بيان» في مرتبة سقوط العلم عن التنجز أو بعده.

و فيه ما لا يخفى، حيث أن عدم كون العلم بيانا لا يكون لأجل حكم العقل بالتخيير، بل لأجل عدم مقدورية متعلقه، لوضوح أنه لا يكون العلم بيانا و منجّزا، إلا الذي تعلق بأمر مقدور، فالعلم هاهنا من أفراد اللابيان.

و منه ظهر أنه لا مجال لتوهم أن يقال: هب أن عدم البيانية ليس معلولا للحكم بالتخيير، و لكنه معلول لعدم مقدورية المعدوم، فيكون في رتبة الحكم بالتنجيز، و من المعلوم أن البراءة متأخرة عن هذا العدم تأخر الحكم عن الموضوع، فتتأخر البراءة عن التخيير. و ذلك لما أشرنا إليه من أن البيان من الأول بنظر العقل لا يكون إلا ما كان متعلقا بأمر مقدور، لا أن عدم القدرة مسقط للعلم عن البيانية، فافهم.

هذا كله لو جعل المدار العلم بنوع التكليف، و لو جعل المدار العلم بجنس التكليف، و قلنا بأن مجرى البراءة عدم العلم بالتكليف مطلقا، فترتفع الاشكالات كلها، إلا على عدم جريان التخيير في دوران الأمر بين المحذورين.

و لا يخفى: أن المقصود من قولنا بجعل المدار العلم و لو بالجنس، جعله مقصودا من القطع الواقع في التقسيم بعد الالتفات، في مقابل الشك و الظن، لا جعله داخلا في مجرى الأصول كما جعله بعض الأعاظم- على ما في تقريرات بحثه- حيث قال: «و الأحسن أن يقال: إن الشك إما أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، و على الثاني فإما أن لا يعلم بالتكليف أصلا و لو بجنسه و إما أن يعلم ... الخ»، لوضوح أن العلم جعل في قبال الشك‏

____________

(1). القائل هو الأستاذ المحقق الشيخ ضياء الدين العراقي «قده».

27

و الظن فكيف يدخل بعد ذلك في الشك؟ و لا فرق بين العلم التفصيلي و الإجمالي، و كذا بين أحكام الإجمالي منه مع التفصيلي منه، و كون الشك في المكلّف به. و دوران الأمر بين المحذورين من أفراد العلم الإجمالي لا ينافي ما ذكرنا، لأنه في موردهما لا أنه مجراهما، و المجرى عبارة عن نفس الشك المقابل للعلم و الظن، فتأمل.

ثم إن حصر الأصول في الأربعة بعد حصر مجاريها عقلا لدوران الأمر بين النفي و الإثبات، لا بدّ و أن يكون بضميمة الاستقراء و إلا لا يكون عقليا محضا.

ثم إنه يستشكل فيه بوجود أصول أخرى في الشكوك، مثل أصالة الاباحة و الحل في الأشياء و أصالة الحظر و الاباحة، و أصالة الصحة بأقسامها، و أصل العدم، و أصالة الطهارة إلى غير ذلك.

و لكن لا يخفى: أنّ غير أصالة الطهارة بعضها أمارات و دليلها دليل اجتهادي، و بعضها أصل جار في الشبهة الموضوعية، و الكلام في الشبهات الحكمية، و بعضها يرجع إلى بعض الأصول الأربعة المبحوث عنها. و أما أصالة الطهارة في الشبهات الحكمية- و إن كانت مسألة أصولية بناء على أنها عبارة عمّا لا يمكن إعطاء نتيجتها للمقلّد، لا أنها عبارة عما لا يختص بباب دون باب. إلا أنه يمكن الجواب عنه برجوعه إلى البراءة، لو قلنا بأن الطهارة و النجاسة مثل الأحكام الوضعية منتزعتان عن الأحكام التكليفية- كما هو مذاق المصنف «قده» فيها مطلقا- أو قلنا بأن في خصوص النجاسة كذلك، أو هي عين الحكم التكليفي، و هو وجوب الاجتناب- كما هو مذاق الشهيد «قده»- حيث أن مرجع الشك في الطهارة و النجاسة في وجوب الاجتناب و عدمه.

و أما إن قلنا بأنها ليست منتزعة عنها، أو قلنا بأنها و إن كانت كذلك إلا أن خصوص النجاسة و الطهارة ليستا كذلك كما هو التحقيق، حيث أنهما من الموضوعات الخفيّة التي كشف عنها الشارع، كما حقق في محله. فالجواب أن الكلام في الأحكام التكليفية.

28

و لكن يمكن أن يقال: بعدم اختصاص مجاري الأصول كلها و أحكامها بالأحكام التكليفية، لوضوح جريان الاستصحاب بل البراءة و الاشتغال بالنسبة إلى مثل الضمان، و الجناية، و غيرهما من الأحكام الوضعية، بلا احتياج إلى الحكم التكليفي.

لا يقال: هذا بناء على عدم انتزاع الوضع عن التكليف، و هو خلاف مبنى المصنف «قده».

فإنه يقال: مضافا إلى أن الانتزاع مطلقا خلاف التحقيق- كما حقق في محله- إنه ينقل الكلام بالنسبة إلى غير المكلّف كالصبي المميز، حيث أنه بناء على شرعية عبادته يمكن أن يجري الاستصحاب في الحكم الوضعي و يترتب عليه صحة عمله. و لا يمكن أن يلتزم بانتزاع الوضع بالنسبة إليه من الحكم التكليفي غير الإلزامي الراجع إليه، لوضوح أنه لا معنى لإثبات الوضع مثل الشرطية، بانتزاعه من الحكم غير الإلزامي، كما لا يخفى مع التأمل.

ثم إنه قد يقال: بلزوم تقييد مجرى الاستصحاب بقيد اللحاظ كما هو في أكثر نسخ المتن، لأنه يكون في البين: القول بعدم اعتبار الاستصحاب، و القول بعدم جريانه في الأحكام الكلية، و القول بعدم جريانه في الشك في المقتضي، كما هو مختار المصنف «قده»، فعند هؤلاء وجود الحالة السابقة كعدمها، بخلاف ما إذا قيد بلحاظها، ففي مورد عدم اللحاظ لا يكون معتبرا و لا يكون مخالفا لهذه الأقوال.

لا يخفى: أنه لا يتم ذلك مع القول بعدم الاعتبار مطلقا، حيث أن القائل لا يقول باعتبار حجيته أصلا، حتى يلزم تطبيق التقسيم مع قوله.

و القول بأنه على فرض لحاظ الحالة السابقة من الشارع، هو أيضا يلتزم بحجيته.

مدفوع: بأن التقسيم ليس بلحاظ التقدير و الفرض، و إلا يجري هذا الفرض إيجابا و سلبا، على جميع تقادير التقسيم.

29

و قد يقال: بأن التقييد لأجل الاحتراز عن جريانه في الشك في المقتضي الذي هو مبنى المصنف «قده».

و فيه: أنه بناء عليه يلزم تقييد مجرى الاحتياط بعدم خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، و عدم كون الأطراف غير محصورة، و أمثال ذلك، فلا بدّ أن نلتزم بأن التقسيم صورة مختصرة عن المسائل الأصولية المبحوث عنها، و يكون فهرستا إجماليا عنها.

و من المعلوم أن الموضوع في كل مسألة لا بدّ أن يكون مع قطع النظر عن المحمول، كي يبحث عن إثباته و نفيه، و التفصيل في المسألة عند بعض مثل النفي و الإثبات، فلا يكون قيد اللحاظ بهذا اللحاظ لازما، فافهم و اغتنم.

***

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

[المقصد الأول فى القطع:]

المقصد الأول فى القطع:

البحث فى القطع و حجيته‏

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

ذاتية حجية القطع و طريقيته إلى الواقع‏

قوله- (قدس سره)-:

لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا لأنه بنفسه طريق إلى الواقع‏

قد يقال‏ (1): بأن البحث في طريقية القطع التي هي من لوازمه الذاتية، و هي كشفه عن الواقع، و هي التي ليست قابلة لجعل الشارع نفيا و إثباتا، لأن الجعل التشريعي إنما يتعلق بما يكون تكوينه عين تشريعه، لا ما يكون متكوّنا بنفسه، و طريقية القطع تكون كذلك و تكون مثل زوجية الأربعة.

و لكن لا يخفى بعد التأمل: أن هذا المطلب لا يكون قابلا للبحث و أن يكون موردا للنفي و الإثبات بين الأعلام، حيث أنه من الضروريات الأولية، و إلا لا يكون قطعا، مع أن الأخباريين كلهم أنكروا في موارد مما هو المبحوث عنه في المقام، و بعض الأصوليين في موارد أخرى، فالمبحوث عنه هو وجوب العمل و الحجية التي تكون ملازمة له عند التحقيق. و هذا المعنى- و إن كان أيضا مسلما و لا يختص بقطع دون قطع- إلا أن إنكار

____________

(1). القائل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

34

حجية بعض أفراده، ليس إنكارا للضروري الذي لا يصدر عن الجاهل فضلا عن الأعاظم و الأعلام.

و بالجملة، ما هو المبحوث عنه في الظن هو المبحوث عنه في القطع، أي الحجية و وجوب العمل، غاية الأمر، أحدهما جعلي بحكم الشرع، و الآخر غير قابل للجعل و إنما يحكم به العقل، لأنه بعد ما يكون طريقا بنفسه، و هذه الطريقية ليست قابلة للنفي و الإثبات، فالعقل يراه حجة و يحكم بوجوب متابعته، لأنه يرى تحقق موضوع الاطاعة، كما أنه يحكم به في التكوينيات بمناط نقض الغرض، و لو عند الأشعري الذي لا يقول بالحسن و القبح، و لعمري هذا المطلب واضح.

و العجب: أنه كيف اشتبه الأمر على بعض الأعاظم «قده» و جعل المبحوث عنه الحجية المرادفة للطريقية الذاتية التي تكون مثل زوجية الأربعة. هذا مع أن صدر كلام تقرير بحثه متهافت مع ذيله، حيث أنه في الأول يجعل المبحوث عنه وجوب العمل و وجوب متابعة القطع، و في الثاني يجعله طريقية القطع، و اختلافهما مما لا يخفى.

و مما ذكرنا، ظهر أنه لا ينافي ما ذكرنا قول المصنف «قده» حيث يقول: «و ليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا»، حيث أن المقصود من هذه الطريقية- و إن كان كشفه عن الواقع- إلا أن المراد أنه إذا كانت هذه قابلة للجعل فلا يحكم العقل بحجيته و وجوب العمل على طبقه الذي هو المدعى، لأنه حينئذ ينتظر حكم الشارع و جعله.

و بالجملة، إن علة حكم العقل بالحجية و وجوب العمل بالقطع، طريقيته الذاتية و عدم قابليته للجعل، و ما يحكم به العقل هو المبحوث عنه، و إلا يلزم اتحاد الدليل و المدعى و العلة و المعلول في كلام المصنف «قده».

35

قوله- (قدس سره)-:

و من هنا يعلم أن اطلاق الحجة عليه- الخ‏

اعلم أن الحجة في اصطلاح أهل الميزان، عبارة عن الوسط الذي يتكرر في القضيتين لاثبات الأكبر للأصغر، لأجل ربط بينه و بين الأكبر، من جهة العلية و المعلولية، أو من جهة التلازم. و في اصطلاح الأصوليين في باب الأدلة، عبارة عن الوسط الذي يثبت حكم متعلقه شرعا، كما في المتن.

***

36

عدم صحة إطلاق الحجة على القطع الطريقي‏

إذا عرفت هذا، فلا يخفى عليك أن القطع الطريقي الذي كان محل الكلام، لا يطلق عليه الحجة، لا في اصطلاح أهل الميزان و لا في اصطلاح الأصوليين، حيث أنه لا يصير وسطا و لا يتكرر في القضيتين، إذ المفروض أن الحكم مرتب على نفس الواقع، فيقال: هذا خمر و كل خمر يجب الاجتناب عنه. و هذا بخلاف الظن، فإنه يطلق عليه الحجة في الاصطلاحين، حيث أنه يتكرر في القضيتين لإثبات الأكبر للأصغر، و لإثبات حكم متعلقه عليه، و هو وجوب الاجتناب المترتب على الخمر الذي صار متعلّقا للظن.

هذا، و لكن قد يقال‏ (1): بأنه لا يكون حجة منطقيا، حيث أنه لا ربط بينه و بين الأكبر، لأن الظن إما متعلق بالموضوع و إما متعلق بالحكم، فإذا تعلق بالموضوع- مثل الخمر- فلا يكون ربط بين الظن بالخمرية و الخمر الواقعي أصلا، لإمكان تخلفه عنه، و إذا تعلق بالحكم فلا يكون وجوب الاجتناب مرتبا على الظن بالوجوب، إلا على التصويب، بل مرتب على موضوعه الواقعي لو كان، و إلا فلا وجوب أصلا، فما يقال: «هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه»، قياس صوري أشبه بالمغالطة، فراجع تقريرات بحثه «(قدس سره)».

و لا يخفى بعد التأمل: أن المقصود في الاصطلاح الأصولي من إثبات المتعلّق شرعا،

____________

(1). القائل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

37

إثبات حكم مماثل للحكم الذي رتب على الواقع، و لذا قال المصنف: إن الحجة في باب الأدلة ما كان وسطا لثبوت حكم متعلقه شرعا، فلا بدّ أن تتشكل القضية بهذا النحو، بأن يقال: «هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية يجب الاجتناب عنه»، فالأكبر هو وجوب الاجتناب و لا بدّ أن يكون بينه و بين مظنون الخمرية ربط، و هو موجود بالتلازم، و ليس الأكبر الخمرية، لما قلنا: بأن المقصود من إثباته تنزيلا إثبات آثاره. بل قد عرفت في كلام المصنف، أنه لم يعبر إلا ب «إثبات أحكام متعلقه»، و لا معنى لأن يقال: «كل مظنون الخمرية خمر» و لو تعبدا إلا ما ذكرنا، حيث أن معنى تعبديته وجوب الاجتناب عنه.

فإن قلت: الوجوب الشرعي لم يترتب إلا على الخمر الواقعي، و لا حكم ظاهرا، حيث أنه لو لم يصادف الواقع لا يكون شي‏ء أصلا، كما هو الحال في القطع و الظن المتعلق بالأحكام.

قلت: أما أولا- فإن الحكم الظاهري ليس منكرا عند الجميع، غاية الأمر أن يجاب عن الاشكالات الواردة على الجمع بينه و بين الحكم الواقعي، كما أجيب عنها، و سيأتي بيانها إنشاء اللّه تعالى.

و أما ثانيا- فإنا و إن بيّنا بأنه لا يكون حكما تكليفيا مجعولا في مورد الأمارات، لكن لا بدّ أن نلتزم بأن الشارع جعل في مواردها شيئا، بناء على اعتبارها كما هو المفروض، بحيث يكون رافعا لموضوع البراءة، و إلا فأدلة اعتبارها بأسرها تكون من أصلها لغوا، سواء كان ذلك الشي‏ء الحجية أو منجزية الاحتمال، و لا أقلّ من إيجاب الاحتياط. و إذا كان الأمر كذلك فلا محالة يكون الظن وسطا لاثبات ذلك على الأصغر، و إلا لا يترتب لزوم الترك على المظنون بل يكون مجرى البراءة.

و ليس مراد المصنف «قده» من وجوب الاجتناب في قوله «و كل مظنون الخمرية

38

يجب الاجتناب عنه» وجوب الاجتناب الشرعي حتى على مذاق من لا يقول بالحكم الظاهري الشرعي، بل المقصود الوظيفة الظاهرية، سواء كان وجوبا شرعيا أو عقليا من آثار الحجية المجعولة أو غير ذلك، كما هو المراد من وجوب الاجتناب في أطراف الشبهة المحصورة.

و مما ينادي بذلك و أنه ليس عناية المصنف «قده» في بيان كون الظن وسطا لخصوص الوجوب الشرعي بالمعنى الذي هو قابل للانكار، أنه «قده» بالأصالة في مقام بيان صحة إطلاق الحجة عليه و صيرورته وسطا. و هذا هو المدعى، و إلا فوجوب العمل بفتوى المفتي للعامي لا يكون شرعيا بل هو عقلي، مع أنه أحد أمثلة المصنف «قده».

و العجب من هذا المستشكل «قده» مع أنه من أعاظم الأعلام كيف غفل عن أصل المطلب و نظر إلى صورة كلام المصنف في المثال المتقدّم. شكر اللّه مساعيهم جميعا.

***

39

إشكال المحقق العراقي على جعل الظن وسطا

ثم إنه لشيخنا الأستاذ «قده» بيانات في هذا المقام لا داعي لتطويل الكلام بتقريرها جميعا و البحث عن تماميتها أو عدم تماميتها، و إنما نذكر منها إشكالا كان «قده» يوردها أخيرا على كون الظن وسطا، و هو أن التنزيل في باب الظن إما بملاحظة نفسه، و إما بملاحظة مؤدّاه و المظنون:

فإن كان بملاحظة المؤدى و المظنون- كما قاله بعض المحققين «قده»- فلا يكون الظن إلا طريقا إليه، و يكون النظر إليه نظرا آليا غير استقلالي، فلا يكون الظن موضوعا لوجوب الامتثال، و إنما رتب على المظنون. نعم، يمكن أن يذكر في القضيتين بهذا اللحاظ، و لكن القطع الطريقي أيضا يمكن أن يذكر بهذا اللحاظ، و يقال «هذا مقطوع الخمرية، و كل مقطوع الخمرية يجب الاجتناب عنه».

و إن كان بملاحظة الظن و تتميم الكشف- كما هو مبنى المصنف «قده»- فليس معنى جعل الظن بمنزلة العلم إلا أنه خمر. ففي كلتا الصورتين لا تكون الصغرى إلا «هذا خمر»، لا أنه مظنون الخمرية، غاية الأمر في أحدهما واقعي و في الآخر تعبدي.

أقول: هذا الاشكال- أي عدم صيرورة الظن وسطا حقيقة- يتم بناء على كون التنزيل ناظرا إلى تنزيل المؤدى، حيث أنه حينئذ الظن المذكور في القضيتين ما لوحظ إلا آليا، و هذا هو السرّ في عدم كونه وسطا، و أما بناء على تتميم الكشف فيصير وسطا.

و قولك: بأن الصغرى- أي «هذا خمر»- تعبدي.

40

مدفوع: بأن الصغرى لا بدّ و أن تكون وجدانية، فلا بدّ بناء على تتميم الكشف الذي حسب الفرض رتب الحكم على الظن، أن يقال «هذا مظنون الخمرية» حتى تكون وجدانية.

و القول: بأن الخمر التعبدي أيضا وجداني، حيث أنه اعتبره الشارع و عبّدنا به.

مدفوع: بأنه حينئذ أخذت الكبرى في الصغرى، لأن معنى تعبديته وجوب الاجتناب عنه الذي هو المدعى.

مع أنه ليس معنى تنزيل الظن منزلة العلم أنه خمر تعبدا، بل معناه وجوب العمل به كالعلم أو كونه حجة، و معنى الخمر التعبدي- و إن كان وجوب ترتيب الآثار- إلا أن لسان التنزيل يختلف، و الاختلاف في اللسان يؤثر في مثل المقام. و كم فرق بين أن يقال «زيد أسد»، أو يقال «زيد كالأسد»، و إن كانت نتيجتهما في المعنى واحدة.

فما ذهب إليه المصنف «قده» على مبناه في غاية المتانة.

قوله- (قدس سره)-:

و حينئذ فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم و إن لم يطلق عليه الحجة

لا يخفى: أن ما ذكر من عدم إطلاق الحجة على القطع كاطلاقه على الظن، و عدم صيرورته وسطا، إنما يكون في القطع الطريقي المحض، و أما إذا أخذ موضوعا للحكم الشرعي- بمعنى أن الحكم الشرعي لم يكن مرتبا على نفس الموضوع الخارجي، بل كان للعلم بالموضوع دخل في ترتب الحكم- فإطلاق الحجة عليه بالاصطلاح المنطقي في غاية الوضوح، لأنه يكون وسطا بينه و بين الأكبر، و فيه ربط ثبوتي، حيث أن الموضوع إما علة للحكم و إما بمنزلة العلة، و لا ينفك عن الحكم، فيكون بينهما ملازمة.

ثم لا يخفى: أن دخل القطع في الموضوع تارة يكون من جهة طريقيته إلى الواقع‏

41

و متعلقه، و أخرى من جهة أنه من الصفات الخاصة القائمة بالنفس، و ذلك لأن القطع حيث كان من الأعراض القائمة بالنفس، لكن كان ذا إضافة إلى الغير، من جهة كشفه عن المقطوع، و لذا يقال: إن العلم نور في نفسه و منوّر لغيره، فيمكن أن تكون المصلحة الداعية للحكم في نفس القطع من حيث وجوده بذاته، و يمكن أن يكون من جهة كشفه عن الواقع، و في كل واحد منهما يمكن أن يكون تمام الموضوع أو جزءه، بمعنى أن المصلحة تارة تكون في نفس القطع بالخمرية و يكون الحكم مرتبا عليه و لو لم يصادف الخمرية الواقعية، و أخرى يكون الحكم على القطع و الواقع بحيث إذا تحقق كلاهما يرتب الحكم، فالأقسام أربعة.

لكن قد يستشكل في واحد منها، و هو كونه تمام الموضوع على وجه الطريقية، حيث أن أخذه تمام الموضوع يقتضي عدم لحاظ الواقع و ذي الصورة بوجه من الوجوه، و أخذه على وجه الطريقية يقتضي لحاظ ذي الطريق و ذي الصورة، و يكون النظر في الحقيقة إلى المنكشف بالقطع، كما هو الشأن في كل طريق، حيث أن لحاظه طريقا يكون في الحقيقة لحاظ ذي الطريق، و لحاظ القطع ينافي أخذه تمام الموضوع.

و لكن لا يخفى: أن هذا الاشكال على تقدير تماميته لا يختص بكونه تمام الموضوع، بل يتوجه فيما إذا أخذ جزءا للموضوع على وجه الطريقية، حيث أن اختلاف اللحاظين أيضا يلزم، لوضوح أن أخذه جزءا للموضوع يلزم كونه ملحوظا بالنظر الاستقلالي، و كونه طريقا لمتعلقه يلزم اللحاظ الآلي. و لا يخفى أنه بناء على ذلك لا بدّ أن يحمل العلم و القطع في جميع الموارد المأخوذة فيها موضوعا للحكم على الصفتية، مع أنه لا يمكن الالتزام بذلك في أبواب الفقه، حيث أنه قلما يوجد مورد يكون العلم فيه مأخوذا على نحو الصفتية، بل الغالب لو لا الكل مأخوذ على نحو الطريقية، و لذا يرتّب عليه آثار العلم الطريقي من قيام الأمارة مقامه و غيره.

و لكن التحقيق: أن الإشكال من أصله غير وارد، و أنه إذا كان قطع المكلّف‏

42

و مقطوعه كلاهما موضوعا للتكليف، لا مانع للحاكم من لحاظ قطعه و متعلّق قطعه و جعلهما معا موضوعا لحكمه، بلا لزوم اجتماع لحاظين أصلا.

بيان ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمات:

الأولى:- إن القاطع و إن كان في اللحاظ الأول لا يرى إلا نفس المقطوع و المتعلّق، لا يتوجه إلى قطعه، حيث أن لحاظه بالنسبة إليه آليّ، إلا أنه يمكن أن يتوجه إليه ثانيا استقلالا في النظر الثاني، و لذا يحرز الموضوع في مقام امتثال الحكم الذي رتب على العلم الموضوعي، و إلا لما أمكن الامتثال في هذا الباب أصلا.

الثانية:- إن القاطع إذا توجه إلى قطعه في النظر الثاني يكون لحاظه إلى القطع و المقطوع استقلاليا، غاية الأمر: أن قطعه يكون مضافا إلى مقطوعه، و هذا غير كون أحدهما آليا و الآخر استقلاليا، بل يكون لحاظه القطع و المقطوع في هذا النظر كلحاظ «غلام زيد» في كون أحدهما أضيف إلى الآخر.

الثالثة:- إن الحاكم المتوجّه إلى قطع المكلّف و مقطوعه، يكون لحاظه إليهما كلحاظ الثاني لنفس المكلّف، في كونه واردا على القطع و المقطوع بالنظر الاستقلالي، غاية الأمر بنحو الاضافة.

إذا عرفت هذه المقدمات فنقول:

إن الحاكم تارة يذكر في بيان موضوع الحكم نفس لفظ «القطع» فقط، فحينئذ إذا كان القطع ملحوظا على وجه الطريقية لا يكون لحاظه إلى القطع إلا آليا، فإذا فرض أنه هو الموضوع يكون منافيا له. و أما إذا ذكر في بيان الموضوع «القطع و مقطوعه» لا يكون لحاظه إليهما إلا كلحاظ الثاني للمكلف، و يكون كلاهما ملحوظين باللحاظ الاستقلالي.

و من الواضح أنه ليس مورد في القطع الموضوعي بأقسامه، ما لم يكن كلاهما مذكورين.

و منه ظهر أنه لا يرتبط المقام بتنزيل الشارع، الظنّ منزلة القطع اللازم منه تعدد

43

اللحاظين، بناء على كونه في مقام تنزيل القطع الطريقي و الموضوعي، كما قيل. حيث أن الموضوع هناك العنوان الكلي من القطع و الظن، فلا بدّ في كليهما إما من لحاظ ظن المكلف و قطعه و إما لحاظ مقطوعه و مظنونه، و لا يمكن الجمع بينهما في لفظ واحد. و هذا غير الموارد الجزئية التي ذكر في كل واحد منها القطع و متعلقه، و عدم التفرقة بينهما صار منشأ الاشتباه و الإشكال، فافهم و اغتنم.

هذا كله في القطع المتعلّق بالموضوع، و أما القطع المتعلّق بالحكم، فيمكن أن يؤخذ لحكم آخر، كأن يقال: إذا علمت بوجوب صلاة الجمعة يجب عليك التصدق. و أما أخذه في نفس ذلك الحكم، فربما يكون من الممتنعات البديهية أو قريبا منها، للزوم الدور المصرّح به في كلام العلامة «قده» و كثير ممن تأخر عنه.

و لكن قد يقال: بإن تقييد الحكم في مقام الخطاب و الانشاء و الجعل، و إن كان يلزم فيه الدور، كما أن الاطلاق اللحاظي في مقام الجعل و التشريع بالنسبة إلى مثل العلم بالحكم، مما لا يتأتى إلا بعد الحكم و يكون من الانقسامات اللاحقة له، غير معقول، لأن إمكان الاطلاق فرع إمكان التقييد، فلا تكون الأحكام في مقام التشريع و الخطاب مطلقة و لا مقيدة، بل مهملة. و لكن لما لم يمكن أن يكون بحسب الملاك مهملة، لأن الغرض الداعي إلى جعل الحكم إما أن يكون في حالتي العلم و الجهل، و إما أن يختص بحال العلم، فلا محالة يكون بحسب الملاك إما مطلقة أو مقيدة، و لا بدّ من إحراز هذا الاطلاق و التقييد من دليل آخر يسمى بمتمّم الجعل.

و مقتضى الأخبار و دعوى الضرورة و الإجماع أنها بحسب الملاك مطلقة غير مختصة بخصوص العالمين، لكنها قابلة للتخصيص. و قد خصص في بعض الموارد، مثل الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، حيث أن المعذورية و عدم وجوب الاعادة- و لو في صورة التقصير- يكشف عن اختصاص الحكم بصورة العلم به، فيمكن أن يكون العلم بالحكم‏

44

دخيلا في نفس الحكم لكن بنتيجة التقييد.

إذا كان تقييده بنفس العلم ممكنا يمكن تقييده بعلم خاص كما في باب القياس، و لذا ردّ الامام (عليه السلام) أبان بن تغلب عن ما علم من أن: قطع أربع أصابع المرأة يوجب أربعين إبلا قياسا على الثلاثين للثلاثة و العشرين للاثنين و العشرة للواحد.

و على هذا يمكن تصحيح مقالة الأخباريين من أن الحكم المستفاد من غير الأدلة النقلية عن المعصومين (عليهم السلام) لا اعتبار به.

ففي جميع هذه الموارد يكون في الحقيقة تضييق في ناحية المعلوم، لأنه خال من الملاك، لا تضييق في ناحية العلم، انتهى.

و لكن التحقيق: عدم صحة هذا المقال، و يمكن الخدشة في جهات منه:

أما أولا:- فلأن المراد من الاطلاق في مدلولات الخطابات، إن كان هو الاطلاق اللحاظي فيتم المطلب، و لكن المحقّق في محله أنه ليس معنى الاطلاق الذي هو مدلول اللفظ في الخطابات- و لو بضميمة مقدمات الحكمة- هو هذا المعنى، بل المقصود هو الذات المجردة، أي ما هو مصداق للمجرد لا يفيد التجرد. و ليس هذا معنى اللابشرط المقسمي كما توهم، و بيانه موكول إلى محله، و قد حقق فيه.

و من المعلوم أنه ينطبق ذات المكلف المعبّر عنه غالبا في القرآن المجيد «بالمؤمن» على العالم و الجاهل، مع أنه يلزم أن لا يجوز التمسك باطلاقات الخطابات لأحد و لا لأحد، لأن كل واحد من الأشخاص إما عالم بالحكم و إما جاهل، و المفروض أن كلا الحالين خارجان عن مدلول اللفظ و لا يكون الخطاب مطلقا بالنسبة إليهما، بل يلزم لغوية الخطابات بأسرها. و لا تكون هذه المهملات بحكم الجزئيات، لأنه كلما فرض من أحد إما أن يكون عالما و إما أن يكون جاهلا.

و أما ثانيا:- فكما لا يمكن أن يكون نفس الحكم مقيدا بالعلم به، ففي صورة العلم‏

45

كذلك، لا يمكن أن يكون ملاكه مقيدا به، حيث أن مرتبة الملاك- و هو العلة- سابقة عن الحكم، و العلم بالحكم في المرتبة اللاحقة عليه، فكيف يمكن أن يكون تحقق ملاك الحكم مقيدا بالعلم به أو في حال العلم به؟ بمعنى أنه لا يتحقق إلا عند تحقق العلم بالحكم، مع أنه لا بدّ و أن يكون قبل تحققه.

و لعمري هذا واضح، و العجب أنه كيف حصلت الغفلة عنه، و التزم بعض الأعاظم «قده» بصحة تقييد ملاك الحكم بالعلم بالحكم، و قد زعم عدة من الأصحاب «(قدس سرهم)» أنه تأسيس جديد.

و أما ثالثا- فإن الموارد التي زعم أنها من هذا الباب لم تكن كذلك: أما عدم وجوب الاعادة في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، فيمكن أن يكون من جهة عدم إمكان تدارك ما فات من مصلحة صلاة القصر بعد إحراز مقدار منها الموجود في التمام حال الجهل، لا مطلقا حتى يلزم التخيير بينهما في حال الاختيار و الالتفات.

و أما ردع الامام (عليه السلام) أبان بن تغلب، فلا يكون إلا من جهة أن القياس يوجب محق الدين و عدم إصابته للواقع، و أن خطأه أكثر من صوابه، و أن اعتقاده لزوم أربعين إبلا لقطع أربع أصابع المرأة لا يكون إلا جهلا مركبا، و أنه غير مطابق لحكم اللّه تعالى. لا أنه من جهة أن تعلق العلم القياسي به يوجب أن لا يكون في حقه ثابتا، كيف مع أن حكم اللّه الواقعي- بأي طريق كان ثابتا في حق المكلّف- لا يكون إلا في عشرين من الإبل، فلا يرتبط الحديث و ردعه (عليه السلام) بالمقام و أن العلم بالحكم من سبب خاص مانع عن ثبوته واقعا، و هذا أعجب مما تقدم منه «قده».

46

قيام الأمارات مقام القطع الطريقي‏

قوله- (قدس سره)-:

ثم من خواص القطع الطريقي الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية و بعض الأصول العملية مقامه في العمل‏

اعلم أنه قد اختلف في قيام الأمارات و بعض الأصول مقام القطع، فبعض خصه بقيامها مقام القطع الطريقي المحض، و بعض ربما عممه بالنسبة إلى جميع أقسامه، حتى القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفة الخاصة و إن لم نجد في الأحكام ما يكون موضوعه كذلك. و إن كان المصنف «قده» يقول: «كما إذا فرضنا أن الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات في الثنائية و الثلاثية و الأوليين من الرباعية، فإن غيره- كالظن بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد- لا يقوم مقامه إلا بدليل خاص خارجي غير أدلة حجية مطلق الظن في الصلاة و أصالة عدم الأكثر ...».

و لا يخفى: أنه- و لو لم يكن الحفظ على نحو الصفتية مأخوذا فيها- لا تجري أصالة عدم الأكثر، لما حقق في محله، و قد بينا في رسالة (إزاحة الشبهات في الشك في الركعات) من أنها من الأصول المشتبهة، حيث أن أصالة عدم الركعة المشكوكة مفاد «ليس» التامة، و الأثر مثل وجوب التشهد أو القيام من آثار مفاد «كان» الناقصة، لأنها بعد إحراز ثانوية الموجود أو ثالثيته أو رابعيته، و لذا ربما كان منهج الامامية و مبناهم بحسب‏

47

أمر الإمام (عليه السلام) عدم البناء على الأقل، خلافا للعامة، لا من جهة التعبّد و كون الأمر بالبناء على الأكثر من باب تخصيص دليل الاستصحاب، فتأمل جيدا.

و بعض يقول بقيامها مقام القطع الطريقي و مقام القطع الموضوعي إذا أخذ على وجه الطريقية إلى متعلقه، و عليه أكثر المحققين، و هو التحقيق. إنما الكلام في وجهه، و منع الخراساني «قده» عن ذلك بلزوم الجمع بين اللحاظين الاستقلالي و الآلي في استعمال واحد بالنسبة إلى كلمة واحدة، حيث أنه لو كان في مقام تنزيل الظن منزلة القطع الطريقي يلزم أن يكون نظره في لفظة الظن و القطع نظرا آليا إلى المقطوع و المظنون، و إن كان في مقام تنزيله منزلة القطع الموضوعي، لا بدّ و أن يكون نظرا استقلاليا.

و رده بعض الأعاظم «قده»: بأن هذا المحذور بناء على كون لسان دليل الاعتبار، جعل المؤدى، و هو لا معنى له إلا على التصويب، حيث أنه لا معنى لكون مفاد الأمارة و الأصل حكما ظاهريا إلا كونه مثبتا للواقع عند الجهل، و الحكم بأن مؤداها هو الواقع، لمكان كونها محرزة له، و ليس هناك حكم آخر وراء الواقع يسمى بالحكم الظاهري، و حكومتها على الواقعيات حكومة ظاهرية لا حكومة واقعية بأن يوسع حقيقة موضوع الواقع، بأن يصير و يكون للحكم حقيقة فردان، مثل «الطواف بالبيت صلاة»، و إنما أعطيت الأمارة من طرف الشارع الطريقية، و بعض الأصول الجري العملي على طبق الطريق، حيث لا طريقية له أصلا، و إنما موضوعه الشك.

و لكن لا يخفى بعد التأمل: أن هذا لا يتم به المطلب، لعدم تماميته في أصله، بحيث يفيد عدم مجعولية شي‏ء خال عن التنزيل و شئونه: أما بالنسبة إلى الأمارات فالوسطية و الطريقية مما لا نتصوره، لأن المقصود إن كان طريقيته الناقصة فهي موجودة فيها تكوينا و ليست قابلة للجعل أبدا، و إن كان المقصود جعلها علما- كما هو المصرّح به في كلامه- فيسأل: هل هو علم حقيقي؟ فهو- مع أنه لا يلتزم به الخصم- تصرف تكويني لا تشريعي‏

48

الذي هو محل البحث، أو علم تنزيلي؟ أو ما هو مثل العلم عند الشارع؟

فنقول: نحن نلتزم بذلك- أي الفرض الأخير- أيضا، و لكن من الواضح أن التنزيل لا بدّ و أن يكون بملاحظة الآثار، فبملاحظة أي أثر نزّل الظن منزلة العلم؟ و لا أثر له إلا الحجية أو وجوب العمل أو منجزية الواقع، و المفروض في كلامه «قده» أن المنجزية من آثار المجعول و ليس هو المجعول بنفسه، فيتعين أحد الأولين.

نعم، بناء على الأول منهما ربما لا يلتزم بأن الوجوب وجوب حقيقي، بمعنى أنه إلزام على كل حال، حتى يلزم التصويب أو الإشكالات الواردة في مقام الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، كما سيجي‏ء مفصلا إن شاء اللّه تعالى.

و بالجملة، ما أفاده «قده» من أنه لا يتصوّر حكما ظاهريا، و لا يكون المجعول إلا الطريقية، مدفوع، بأنه لا يتصور معنى لجعل نفس الطريقية، و لا بدّ أن يكون في البين شي‏ء غيرها يسميه الأصحاب «حكما ظاهريا».

و مما ذكرنا ظهر: أنه لا يتم المطلب بأن يكون المجعول هو المحرزية و المثبتية و الطريقية، و بنفس مجعولية هذه الأمور يحرز المتعلّق بما له من الأحكام، سواء كان الحكم راجعا إلى المحرز أو نفس الإحراز، و ذلك لما عرفت من أن نفس المحرز به، غير قابل للجعل و لا بدّ أن يكون بلحاظ الأثر. إلا أن يكون المراد من العلم المذكور في القضية ما هو أعم من الظن، و هو خلاف ظاهر لفظه، و لذا لا يكتفي به هو بنفسه في مقام الجواب عن الإشكال الوارد عليه، بأنه و لو كان مفادها المحرزية، لكنه لا بدّ و أن يكون المحرز وجدانيا بحسب ظاهر الدليل المأخوذ فيه العلم موضوعا، بل أتى بجوابين آخرين. مع أن هذا يرجع في الحقيقة إلى الحكومة الواقعية المفروض في كلامه أن المقام ليس منها، فافهم.

و أما بالنسبة إلى الأصول: فالجري العملي الذي التزم به فيها، لا بدّ و أن يكون متعلقا للتكليف أعطي من الشارع، بمعنى أنه أوجب الشارع الجري العملي بالنسبة إليها،

49

و إلا فلا معنى لأن يقال: إن فيها الجري العملي. و من المعلوم أن الوجوب المتعلق بالجري العملي لا يكون إلا حكما ظاهريا وراء الحكم الواقعي، غاية الأمر أنه لا بدّ أن يجمع بينهما بأحد الوجوه الآتية.

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: لا يخفى أن التنزيل في الأمارات التي لا بدّ منها- كما حققنا- و وجوب الجري العملي في الأصول: إما أن يكون بملاحظة آثار اليقين و أحكامه، و إما أن يكون بملاحظة آثار المتيقّن و أحكامه، و لا يمكن الجمع بينهما في لحاظ واحد، فلا مناص في مقام قيامها مقام القطع بكلا القسمين إلا بالالتزام بما أفاده شيخنا الأستاد أعلى اللّه مقامه، و بيانه يتوقف على بيان مقدمتين:

الأولى:- التحقيق كما هو مبنى المصنف «قده» أن لسان دليل الاعتبار في الأمارات و نفس مثل دليل الاستصحاب، تنزيل الظن منزلة القطع لا المظنون منزلة المقطوع، بمعنى أنه رتب أحكام القطع على الظن.

الثانية:- آثار اليقين قسمان: قسم يكون مرتبا على نفس اليقين، و قسم يكون مرتبا على المتيقّن، لأن ترتيب الأثر على المتيقّن لا يكون إلا من قبل اليقين، و لا يتحقق إلا بعد تحققه، فيستند إليه استناد المعلول إلى الشرط، كما أن استناده إلى نفس المتيقّن، استناد الحكم إلى موضوعه، و المعلول إلى مقتضيه و علته، كما هو الحال في استناد آثار اليقين إليه، فإذا قال: الظن بمنزلة القطع في مطلق الآثار، أو قال: رتب آثار القطع على الظن، يشمل كلا القسمين بلا لزوم محذور اجتماع اللحاظين و لا محذور آخر في البين.

فإن قلت: إن مقتضى ذلك أنه يرتب عليه الأثر المرتب على القطع بنحو الاضافة الخاصة.

قلت: لا مانع من الشمول من طرف القطع، لكن من طرف الظن لا شمول للتنزيل، لأن في باب الظن النظر في تتميم كونه و هو ينافي الصفتية، فافهم.