عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل‏ - ج2

- السيد عبد الله الشيرازي المزيد...
276 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطّيّبين الطّاهرين، الهداة المعصومين الخيرة المهذّبين، صلاة دائمة إلى يوم الدّين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الشك و القطع‏

[المقصد الثالث من مقاصد الكتاب في الشك:]

المقصد الثالث من مقاصد الكتاب في الشك‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[الحكم الواقعي و الظاهري‏]

الحكم الواقعي و الظاهري‏

[مقدمة:]

مقدمة قوله- (قدس سره)-:

كان حكما ظاهريا لكونه مقابلا للحكم الواقعي المشكوك بالعرض، و يطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا

لا يخفى: أن الوجه في كون الحكم المجعول في مرحلة الشك ظاهريا- كما أشار إليه المصنف «(قدس سره)»- هو الذي في مرحلة الجهل بالواقع. و من الواضح أن هذا لا يختص بشبهة دون أخرى، بل يعمّ جميع الشبهات الحكمية، كأصالة الحل و الاستصحاب و غيرهما، و جميع الشبهات الموضوعية، كقاعدة التجاوز، و أصالة الصحة، و أصالة لزوم البناء على الأكثر و غيرها.

و لا وجه لكون الشك موجبا لتبدل الحكم الواقعي إلى واقعي آخر، كما ذهب إليه بعض الأعاظم- على ما في بعض تقريرات بحثه في الشك في عدد الركعات- حيث صار موجبا لتبدل الركعة الموصولة إلى الركعة المفصولة. و ذلك لأنه كلما جعل الحكم في مرحلة الشك و الجهل بالواقع لا يمكن أن يكون حكما واقعيا، و إلا يلزم تقييد الحكم الواقعي بعد إطلاق دليله بغير صورة الشك، و هو تصويب باطل، و إلا فيمكن أن يكون كل حكم مجعول في مرحلة الشك- مثل أصالة الطهارة و الحلية أيضا- حكما واقعيا، و كان الشك الموضوع فيها مبدّلا للحكم الواقعي إلى الواقعي الآخر.

10

و مجرد عدم لزوم الإعادة بعد كشف الخلاف في باب الشك في عدد الركعات- لو قلنا به- و لزوم الإعادة و عدم الإجزاء في سائر الأحكام الظاهرية، لا يكون فارقا بينهما بعد محفوظية مرتبة الحكم الظاهري في جميعها، و لزوم التصويب على تقدير الالتزام بالتبدل في كل واحد منها.

و توهم أن مقتضى الجمع بين دليل الواقع أولا، و أن الصلاة أربع ركعات موصولة، و بين دليل لزوم البناء على الأكثر، تقيّد الأول بغير صورة الشك، و لا يكون هذا تصويبا، بل يكون من باب تبدل الموضوع كالحاضر و المسافر.

مدفوع: بأنه لو كان هذا جائزا لجرى مثله في كل واحد من الأحكام الظاهرية، مع أنه كما ترى. و تبدل الموضوع و تعدده الموجب لتعدد الحكم الواقعي بحسب أصناف المكلفين بالنسبة إلى غير حالات جهل المكلّف بالأحكام الواقعية التي منها الشك في الركعات، حيث أن الشك فيها- و إن كان ابتداء شكا في الموضوع- و لكنه كان مستتبعا للشك في الحكم الجزئي، كما هو الحال في الشك في جميع الشبهات الموضوعية، بخلاف الحاضر و المسافر، و واجد الماء و فاقده.

فإن قلت: فما معنى اكتفاء الشارع بهذه الركعة المفصولة، لا سيما بناء على عدم لزوم الإعادة بعد كشف الخلاف؟.

قلت: هذا تصرف منه في مقام الفراغ و إسقاط التكليف، و لا يكون تصرفا في مقام إثباته حتى يلزم المحذور و الإشكال، و قد سبق منا تفصيل ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب، و أن للشارع التصرف في مقام الإسقاط و الفراغ بأيّ نحو يريد، حتى بالنسبة إلى العلم التفصيلي و اكتفائه بالموافقة الاحتمالية، كما هو الحال في أمثال قاعدة الفراغ.

مع أنه لا إشكال في كون العلم التفصيلي علة تامة للموافقة القطعية، و لو لا أنه كان تصرفا في مقام فراغ الذمة و الخروج عن العهدة و كان تصرفا في مقام إثبات التكليف، لما كان يجتمع مع العلية التامة، لتنجز العلم التفصيلي فضلا عن الإجمالي، و لزوم الإعادة.

11

و الإجزاء في بعض الموارد و عدمه في البعض الآخر لا يكون فارقا، بل يكون اكتفاء منه في الثاني في بعض الحالات، و هو مقام الجهل و عدم اكتفاء منه مطلقا في الأول.

و أمثال ما ذكرنا عند العرف و العقلاء كثيرة:

منها في باب الدين، فإن المستقرض إذا استقرض ليرات مثلا فلا إشكال في أن الذي استقر في ذمة المديون و على عهدته لا يكون إلا عين الليرات، بحيث يكون للدائن مطالبة عينها، أي ليرات مثلها، و أن لا يكتفي بغيرها و لكن له أن يكتفي بغيرها في مقام الأداء و الوفاء من الدنانير أو الدراهم أو غيرهما بلا معاملة جديدة، كما هو الظاهر. و هذا لا يكون إلا تصرفا في مقام الإسقاط و الخروج عن العهدة لا في مقام الثبوت و اشتغال الذمة، فافهم و اغتنم.

12

[وجه تقديم الأدلة على الأصول‏]

وجه تقديم الأدلة على الأصول قوله- (قدس سره)-:

و مما ذكرنا من تأخر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي لأجل تقيد موضوعه بالشك في الحكم الواقعي يظهر ...

قد يتوهم من هذه العبارة أن الوجه في التنافي بين الأمارة و الأصل في نظر المصنف «قده» هو الوجه في التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري، و أن طريق الجمع بينهما و رفع التنافي هو طريق الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري. ثم يستشكل عليه‏ (1) و يقال: بأن التحقيق أن التنافي بين الأمارات و الأصول غير التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري، و طريق الجمع بينهما غير طريق الجمع بين هذين، فإن التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري إنما كان لأجل اجتماع المصلحة و المفسدة و الإرادة و الكراهة، و الوجوب و الحرمة، و غير ذلك من المحاذير الملاكية و الخطابية. و قد تقدم طريق الجمع بينهما، و أين هذا من التنافي بين الأمارات و الأصول؟ فإنه ليس في باب الأمارات حكم مجعول من الوجوب و الحرمة حتى يضاد الوظيفة المجعولة لحال الشك، بل ليس المجعول في باب الأمارات إلا الطريقية و الوسطية في الإثبات و كونها محرزة للمؤدى.

و التحقيق: أن وجه التنافي بينها و بين الأصول إنما هو لمكان أنه لا يجتمع إحراز المؤدى في مورد الشك فيه مع إعمال الوظيفة المقرّرة لحال الشك، إذا كانت الوظيفة المقرّرة

____________

(1). المستشكل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

13

على خلاف مؤدى الأمارة، و رفع التنافي بينها إنما هو لحكومة الأمارات على الأصول.

و لكن لا يخفى بأدنى تأمل و مرور في كلمات المصنف «قده» في المقام: أنه لا تكون العبارة منشأ لتوهم أن وجه الجمع بنظره هنا عين وجه الجمع هناك، حيث أنه «قده» يجمع هنا بينهما أولا بالورود، ثم يعدل إلى التخصيص، ثم يعدل عنه أخيرا إلى الحكومة التي اختارها المستشكل بنفسه. و لم يسبق منه و لا من غيره من الأعلام أن وجه الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري في صورة المخالفة هو الورود أو الحكومة. نعم، التنافي هنا عين التنافي هناك، و ملخصه: اجتماع الحكمين المضادّين ملاكا و خطابا في المشكوك عند المخالفة.

و قوله: إنه لا يكون في باب الأمارات حكم مجعول من الوجوب و الحرمة حتى يضاد الوظيفة المجعولة لحال الشك، بل ليس المجعول إلا الطريقية و الوسطية في الإثبات.

لا يفيد، لما قد عرفت سابقا من أن هذه الوسطية المجعولة لا تكون إلا تنزيلا، و تنزيلها إما أن يكون راجعا إلى جعل الحجية و إما أن يكون راجعا إلى الوجوب الظاهري، و هذا هو التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري، غاية الأمر أنه يرفع و يجمع بينهما: بأن معنى الحجية و الوجوب الظاهري الطريقي منجزية الواقع عند المصادفة و معذورية العبد، أو كونه حكما صوريا غير ملازم للإرادة و الكراهة لدى المخالفة.

مع أنه لو لم يكن مورد الأمارات حكم مجعول، فلا منافاة بين الحكم الواقعي و الظاهري أيضا، لأن غالب الأحكام الظاهرية هي موارد الأمارات. نعم، بالنسبة إلى موارد الأصول يكون التنافي بينهما، بناء على كون الوظيفة في موردها مجعولة مطلقا، حتى في صورة المخالفة للواقع.

و لعل منشأ التوهم الذي ذكرناه في أول المطلب من عبارة المتن من قوله «قده»:

«و مما ذكرنا من تأخر المرتبة ...».

و لكن لا يخفى: أنه لبيان أن موضوع الأصل مقيّد بعدم العلم بالحكم الواقعي، لأن‏

14

رتبته متأخرة، و في مرحلة الشك بالواقع.

و هذا البيان مقدمة لإثبات الورود و الحكومة، لا أنه بنفسه طريق الجمع بين الأصل و الأمارة، لأنه إذا كان موضوع الحكم الظاهري متأخرا عن الواقع- و هو الشك بالواقع- فبالظفر بالدليل على الواقع يرتفع موضوع الأصل وجدانا أو تنزيلا، فافهم و اغتنم.

نعم، الظاهر من العبارة المذكورة أن وجه الجمع هنا بنظره «قده» عين وجه الجمع هناك، حيث أن المستفاد من العبارة و في بعض الموارد الأخر أن رفع التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري بنظره اختلاف الرتبة بينهما، و قد مرّ منا تفصيله في الجزء الأول، و هو مستند إلى بعض الأعاظم من تلامذة الميرزا الشيرازي «قده» (1)، و المظنون أنه أخذه من أستاذه، و هو أخذه من أستاذه المصنف، بشهادة العبارة المذكورة في المقام و غيرها.

قوله- (قدس سره)-:

فهو حاكم على الأصل لا مخصّص له كما سيتضح إنشاء اللّه تعالى ...

اعلم أنه لا بدّ من بيان ما أشرنا إليه آنفا من مرتبة الحكم الواقعي و الظاهري مفصلا، حتى يتضح الحال في وجه تقدمه عليه، و إن كان من المسلميات في الجملة.

فنقول: لا إشكال في أن مفاد نفس قول العادل هو الحكم الواقعي السابق على العلم و الجهل، و مفاد الأصل في طول ذلك، لأنه في ظرف الشك به. و لا إشكال في عدم المعارضة بين هذين المفادين أصلا، لكونهما في مرتبتين.

كما أنه لا إشكال في عدم المعارضة بين الحكمين الظاهريين اللذين يكونان مفاد تطبيق دليل الاعتبار على الخبرين، بكون مفاد أحدهما الحرمة الواقعية و مفاد الآخر الحلية الظاهرية و في مرحلة الشك، حيث أنه كما يكون نفس المفادين طوليين كذلك مفاد تطبيق دليل الاعتبار عليهما. و إنما الإشكال في المعارضة بين ما يحصل من تطبيق دليل‏

____________

(1). هو السيد المحقق السيد محمد الأصفهاني «قده».

15

الاعتبار- و هو وجوب العمل في الظاهر- على طبق مؤداها و هو الحرمة مثلا في العصير، و بين نفس مفاد الأصل، حيث أنهما في مرتبة واحدة، و هو الشك بالحكم الواقعي.

فلا بدّ من العلاج في هذا المقام: فإن بنينا على أن لسان دليل اعتبار الأمارات تتميم الكشف و جعل الظن منزلة القطع- كما هو المعروف من مسلك المصنف «قده» و الظاهر من بعض الأخبار- فلا إشكال، حيث أن دليل اعتبارها يرفع موضوع مفاد الأصل و لو تنزيلا، فيكون حاكما عليه. و أما لو بنينا على أن لسانه تنزيل المؤدى منزلة الواقع، و أن المظنون بمنزلة الواقع- كما هو المختار لبعض المحققين كالمحقق الخراساني «قده»- فحل الإشكال و رفع التنافي في غاية الإشكال. بعد بقاء الموضوع لمفاد الأصل في مرتبة جعل الحكم الظاهري على طبق مفاد الأمارة و عدم ارتفاعه لا وجدانا و لا تنزيلا.

و قد يقرّر في وجه رفع التنافي: بأنه لما كان القطع بأحدهما- أي أحد الحكمين الظاهريين- منافيا لوجود الآخر و لو احتمالا، فبعد ما كان انطباق دليل الاعتبار بحسب الظهور على الأمارة مسلما، لا يبقى موضوع للتعبّد بدليل الأصل، حيث أنه أيضا قد أعتبر في موضوعه احتمال مجعولية هذا الحكم، و الأصل في المورد و احتماله مضاد مع تحقق الحكم الظاهري الذي يكون مفاد دليل الاعتبار بالنسبة إلى الأمارة، فيكون المقام من صغريات ما إذا كان الدليل على وجود المقتضي للأثر موجودا، و لكن شك في وجود المزاحم مع هذا المؤثر.

و من المعلوم أنه لا إشكال في أن العقلاء لا يعتنون بهذا الاحتمال، بل يمكن أن يقال:

إنه لو أبقي الظهور بالنسبة إلى دليل الأمارة، كان خروج دليل الأصل عن دليل التعبّد بالتخصص، بخلاف العكس.

و لكن يمكن أن يقال: إنه بعد ما كان الموضوع في طرف الأصل أيضا موجودا- و هو وجود الخبر المحتمل صدوره- يكون خروجه من تحت دليل التعبّد بلا دليل، و نفس هذا الانطباق يكون الدليل المزاحم لمقتضى الأمارة، و يمكن أن يطبق أولا على مفاد الأصل‏

16

حتى يكون خروج الأمارة بالتخصص.

و نفس هذا الانطباق يكون الدليل المزاحم لمقتضى الأمارة، و يمكن أن يطبق أولا على مفاد الأصل حتى يكون خروج الأمارة بالتخصص.

نعم، يمكن أن يقال في مقام إتمام هذا التقريب: إن مقتضى ما بنينا عليه من أنه كما يكون نفس مفادي الأمارة و الأصل طوليين فكذلك تطبيق دليل التعبّد، فالحكم الظاهري بالنسبة إلى مفاد الأصل الحاصل من تطبيق دليل الاعتبار عليه في طول الحكم الظاهري الحاصل من تطبيق دليل الاعتبار على مفاد الأصل، و لا يجتمعان في رتبة واحدة أصلا حتى يتنافيان.

و لكن لا يخفى: أنه يتم هذا بناء على ما مر في الجزء الأول في كفايته من الجمع الرتبي المنسوب إلى بعض الأعلام في رفع التنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري، و قد سبق منا بما لا مزيد عليه من عدم كفايته، و لو بناء على مبناه «قده» من تعلق الأحكام بالصور الذهنية، لبقاء إشكال الطلب بالمحال، و إن كان يرتفع إشكال الطلب المحال. و لذا قد اخترنا أخيرا للجمع بينهما القول بتعدد مراتب الحكم.

بل يمكن أن يقال: إنه أيضا لا يفيد في المقام، حيث أن المفروض وصول الحكم في الأصل و الأمارة في المقام أقصى مرتبة الفعلية للعلم بكليهما، بخلاف المقام السابق، لعدم تعلق العلم بالحكم الواقعي، فيمكن أن يبقى في المرتبة الأولى من الفعلية، فافهم و اغتنم.

و لنا تقريب آخر في حلّ الإشكال، بحيث لو لا تماميته لا بدّ من التشبث بالتخصيص، و أن تقدم الأمارة على الأصل من باب الخروج عن الحكم لا الموضوع، و هو: أنه لما كانت الأمارة و قول العادل ناظرين إلى حكاية نفس الواقع بلوازمه و ملزوماته- و لذا كان المثبت فيها حجة- و من لوازم الحرمة المجعولة على العصير مثلا عدم الحلية، فكذلك مفاد دليل اعتباره وجوب العمل على الحرمة الواقعية و عدم الحلية كذلك في الظاهر، فيجعل عدم الحلية في الظاهر و يرفع بذلك موضوع التعبّد للأصل، و هو احتمال‏

17

مجعولية الحلية. بخلاف الأصل، فإنه لما لم يكن مثبته حجة فلا ينفى الحرمة في طرف الشك الذي هو مقتضى تطبيق دليل التعبّد على الأمارة.

و توهم أنه تكفى المضادة الأصلية بين الأحكام بأنفسها المرتّبة على الأعم من الحكم الظاهري و الواقعي، غير المربوط بعدم كون المثبت في الأصول حجة في نفسها بعد إثبات الحلية، فلا يبقى موضوع لدليل طرف الأمارة أيضا.

مدفوع: بأن الموضوع في طرف الأمارة هو احتمال الحرمة الواقعية، و هو بعد باق بحاله. فافهم و اغتنم و تأمل.

قوله- (قدس سره)-:

إن المقصود بالكلام في هذا المقصد هو الأصول المتضمنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلي و إن تضمنت حكم الشبهة في الموضوع أيضا

لا يخفى: أن الشبهة في الحكم و الشك في التكليف قد يكون متعلّقا بالحكم الكلي- كالشك في حرمة التدخين- و قد يكون متعلّقا بالحكم الجزئي، و الثاني يشمل جميع الشبهات الموضوعية، لكن بعضها يكون الأصل الجاري فيها عين الأصل الجاري في الشبهة الحكمية، و الدليل الدال على حكمها عين الدليل الدال على حكمها، كالشك في حلية شي‏ء و حرمته، حيث أن الدليل على حليته و جواز ارتكابه عين أصالة الحل و أصالة البراءة عقلا الجاريتين في الشبهات الحكمية، و بعضها الآخر يكون الأصل الجاري فيها مختصا بها شرعا و لا يجري في الشبهات الحكمية أصلا، كموارد أصالة الصحة و أصالة الوقوع من قاعدة الفراغ و التجاوز و غير ذلك.

و لا يخفى: أن المذكور في الأصول استطرادا لا يكون إلا القسم الثاني من الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية، و أما القسم الأول فيلحق بالشبهات الحكمية في كونه المقصود بالكلام في الأصول، و لا وجه لخروجه عن المسائل الأصولية. كيف؟ و يكون من‏

18

أهم المسائل الأصولية الشك في المكلّف به في الشبهات الموضوعية و البحث عن الشبهة المحصورة و الشبهة غير المحصورة و أمثال ذلك، و الالتزام بأنها مذكورة في الأصول استطرادا، كما ترى، بخلاف القسم الثاني فإنها خارجة عنها.

و عبارة المصنف «قده» لا تنافي ما ذكرنا، بل تؤيده، بل هي ظاهرة فيه، حيث أن قوله: «الأصول المتضمنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلي و إن تضمنت ...».

الظاهر منه أنه يتكلم في الأصول المشتركة بين الشبهة الحكمية و الموضوعية كأصالة الحل و البراءة، و إلا فلو كان مقصوده خصوص الأصول الجارية في الشبهة الحكمية لكان يقول:

الأصول الجارية في الشبهة، و لا يعبّر بالأصول المتضمنة- الخ.

و إن أبيت عن ظهوره فيما ذكرنا، فبعد قوله «قده» في ذيل المطلب: «أما الأصول المشخصة لحكم الشبهة في الموضوع ... إلخ» يصير ظاهرا فيه.

و بالجملة، لا وجه لجعل البحث في مطلق الشبهات الموضوعية خارجا عن الأصول و الالتزام بكونها استطرادا، كما ذهب إليه بعض الأعاظم «قده».

نعم، لو قلنا بأن ميزان المسألة الأصولية عدم إمكان إعطاء نتيجتها بيد المقلّد و العامل، لأشكل دخولها في المسائل الأصولية، و لكن الالتزام بخروجها- مع أنها من أهم المسائل المذكورة فيها و أشكلها و أطولها- كما ترى، و الالتزام بدخولها و تغير الميزان أولى من الالتزام بالخروج، و أن الميزان عبارة عما ذكر.

قوله- (قدس سره)-:

و الثاني: إما أن يكون الاحتياط فيه ممكنا أم لا، و الثاني مورد التخيير ...

قد عرفت في أول الكتاب اختلاف عبارات المصنف في تعيين مجاري الأصول هناك و في المقام، و أنها لا تخلو على كل حال من الإشكال، لأن مجرى التخيير لو كان عدم إمكان الاحتياط يلزم عدم جريان البراءة في دوران الأمر بين المحذورين، مع أن التحقيق‏

19

جريانها، لما عرفت هناك من أن العلم الموجود فيه لا يكون بيانا، بل من أفراد اللابيان.

و قد عرفت الجواب عما أفاده شيخنا الأستاذ المحقق العراقي «قده» في المقام، فراجع.

و كذا يلزم عدم جريان البراءة فيما إذا دار الأمر بين حرمة الشي‏ء و وجوبه و إباحته، مع أنه لا إشكال في جريانها فيه، كما أنه يلزم جريانها فيما إذا كان دوران الأمر بين حرمة الشي‏ء و وجوب شي‏ء آخر بمقتضى العبارة في المقامين، لأنه شك في التكليف مع أنه لا إشكال في أنه من مجارى الاحتياط.

و لا يكون المراد من التكليف جنسه حتى يرتفع بعض الإشكالات مثل الأخير، حيث أن الجنس معلوم ليس بمشكوك، و بعضها على إحدى النسختين لتصريحه «قده» في أول المقام الأول بأن التكليف هو النوع الخاص من الإلزام و إن علم جنسه. و منه ظهر أنه ربما لا يتم ما قيل.

و قد قلنا في أول الكتاب بأن مجرى البراءة عدم العلم بالتكليف مطلقا و لو بجنسه، بأن يقال: إذا لم تلاحظ الحالة السابقة فإما إن لا يعلم بالتكليف أصلا و لو بجنسه، و إما أن يعلم، و على الثاني إما أن يمكن الاحتياط أم لا، فالأول مجرى البراءة، و الثاني مجرى الاحتياط، و الثالث مجرى التخيير. لأنه مع قطع النظر عن أن هذا يتم بناء على عدم جريان البراءة في دوران الأمر بين المحذورين- كما أشرنا إليه في السابق- إنما يتم لو كان المقصود من التكليف جنسه لا نوعه. مع أنه لا يكون كذلك، و إلا يلزم أن يكون متعلّق العلم و الظن أيضا الجنس لا النوع.

إلا أن يقال: بأن متعلّق كل واحد من القطع و الظن و الشك نوعه، و لكنه يشترط في جريان البراءة عدم العلم به مطلقا. و لا منافاة بينهما، حيث أن الشك في تمام الصور متعلق بالنوع، كان هنا علم إجمالي بالنوع أو الجنس أو لم يكن. فتأمل.

ثم إنه لا يخفى: أن المصنف «قده» بعد تعيين مجارى الأصول في المقام، قد صرح بتداخل موارد الأصول في بعض الأوقات من جهة تقيد مجرى الاستصحاب بقيد

20

اللحاظ. و قد عرفت فيما علقنا في الجزء الأول من هذا الكتاب وجه لزوم القيد، و ما فيه.

و أما مسألة التداخل بحسب المورد، فالظاهر أنها ليست كذلك، لأنه إذا لوحظت الحالة السابقة في كل مورد فيكون مجرى و موردا للاستصحاب فقط، و لا يكون لغيره أصلا، بناء عليه. و إذا لم تلاحظ الحالة السابقة في مورد- و لو كانت موجودة- يكون مجرى و موردا لغيره و لا يكون موردا للاستصحاب أصلا. كما أنه بناء على عدم لزوم التقيد، يكون مطلق ما كان له الحالة السابقة مجرى للاستصحاب، و ما لم يكن له مجرى و موردا لغيره، فأين التداخل؟

و أما توافق مثل قاعدة الطهارة و الحلية مع الاستصحاب في بعض الموارد، كتوافق قاعدة الاشتغال و الاستصحاب أيضا في بعضها، لا يكون من باب التداخل في المورد و المجرى، لحكومة الاستصحاب على القاعدتين و لو في صورة التوافق.

21

[أدلة البراءة]

[احتج للقول الأول بالأدلة الأربعة:]

احتج للقول الأول بالأدلة الأربعة

[فمن الكتاب آيات:]

قوله- (قدس سره)-:

... فمن الكتاب آيات، منها قوله تعالى‏

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها

قيل: دلالتها واضحة ...

وجه الاستدلال: أن المراد من الإيتاء الإعطاء، و من المعلوم أن إعطاء كل شي‏ء بحسب حاله. و الإعطاء في باب العلميات الإعلام، كما أن الأخذ فيها الموجود في كثير من الأخبار الواردة في حجية الخبر الواحد كناية عن التعلم، و لذا يمكن أن يقال بأن لسانها تتميم الكشف و تنزيل الظن منزلة العلم، لا جعل المؤدى و تنزيل المظنون منزلة الواقع، فإذا طبقت على المقام يكون معناها أن ما لم يعلمه اللّه لم يكن مكلّفا به من جانبه، و معنى عدم التكليف عدم تنجزه و فعليته، بحيث يعاقب على مخالفته و لو كان في الواقع موجودا.

و لكن يرد عليه- كما أشار إليه المصنف «قده»- بأن لفظة «ما» بقرينة الصدر و هو قوله تعالى: مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ‏ تنطبق قطعا على أشياء من غير سنخ التكليف، فلو أريد منه التكليف أيضا كي يكون الإيتاء بالنسبة إليه «الإعلام» يلزم استعمال اللفظ في معنيين، حيث أن الهيئة الكلامية تدل على نسبة واحدة، و من المعلوم أن نسبة تعلق التكليف لنفس الحكم نسبة الفعل إلى المفعول المطلق، فيكون معناها أن اللّه تبارك و تعالى لا يكلف تكليفا إلا بعد الإعلام، و نسبة تعلقه إلى الفعل نسبة الفعل إلى المفعول به، و معناها: لا يكلف اللّه شيئا إلا بعد التمكن منه، و ذلك يحتاج إلى لحاظين في آن واحد.

22

و قد يقرّر في تقريب الإشكال: بأن المفعول به لا بدّ و أن يكون موجودا قبل الفعل، كي يقع الفعل عليه، كوجود زيد بالنسبة إلى الضرب، و المفعول المطلق وجوده يتحقق بوجود الفعل و لا يكون لوجوده تقدم على الفعل، على هذا يبتنى إشكال الزمخشري في كون السماوات مفعولا به في مثل قوله تعالى: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ ... فلا يمكن أن يقعا في طرف نسبة الفعل بنسبة واحدة.

و أجيب عنه: بأن المفعول المطلق النوعي و العددي يصح جعله مفعولا به بنحو من العناية، مثلا الوجوب و التحريم- و إن كان وجودهما بنفس الإيجاب و الإنشاء، و ليس فيهما نحو تحقق في الرتبة السابقة- إلا أنهما باعتبار ما لهما من معنى الاسم المصدري يصح تعلق التكليف بهما.

و الإنصاف أن تقرير الإشكال و الجواب، كليهما غير تام:

أما عدم تمامية الإشكال فمن جهة أنه لا يلزم أن يكون وجود المفعول به في الخارج قبل الفعل كي يقع الفعل عليه، بأن يكون الفعل موجبا لايجاد وصف على ذات المفعول به، كما في كلامه بأن اللازم أنه لما كانت نسبة المفعول به إلى الفعل نسبة الموضوع إلى الحكم، حيث أنه هو أو منه، فلا بدّ أن يكون مقدّما عليه في الرتبة و لو كان مؤخرا عنه في الوجود، ككثير من موضوعات الأحكام، كالماء الذي يأمر المولى بالمجي‏ء به، حيث أن اللازم في الحكم تقدمه عليه في الرتبة و إن لم يكن موجودا حين الحكم، بل يوجده العبد بعده مثل إذابة الثلج أو حفر البئر، و لذا ترى كثيرا من أفراد المفعول به كذلك، و لا يكون لها وجود في الخارج قبل فعل الفاعل، ك «حفرت البئر» أو «حفرت القبر» أو «أكتب الخط» بل «أوجد السرير» و «ابن الدار و المسجد»، و ليس منحصرا بخصوص قوله تعالى‏ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ... و الالتزام بأنها ليست من مصاديق المفعول به، يلزم أن تكون المفاعيل ستة، و هو كما ترى!.

و أما عدم تمامية الجواب فستعرف وجهه إنشاء اللّه تعالى. و قد أجاب عنه المحقق‏

23

الخراساني «قده» في تعليقته على المتن: بأنه إذا لم يصل الوجوب و الحرمة الواقعيان حدّ التنجز و البعث، لا يدخل في عنوان التكليف بالمعنى اللغوي، فلا تكون نسبته إلى الفعل نسبة المفعول المطلق إليه، بل يمكن أن يكون مفعولا به، لأنه يكون من أفراد الشي‏ء، فيصير معنى الآية: إن اللّه لا يوقع العبد في كلفة شي‏ء- و منه الوجوب و الحرمة الواقعيين- إلا بعد إعطاء ذلك الشي‏ء بالبيان أو بالإقدار. هذا و ستعرف إنشاء اللّه أنه لا حاجة إلى هذه التكلفات.

و قد أجاب عنه الأستاذ المحقق العراقي «قده» بطريق أخر، و هو أنه: لو كان المستعمل فيه للفظة (ما) كل واحد من المفعول به و المفعول المطلق بخصوصها يلزم ما ذكر، و أما إذا كان هو الجامع بينهما و لو عرضيا- كما هو الظاهر من لفظة «ما»- فلا يكون طرف النسبة متعدّدا.

لكني أوردت عليه في مجلس البحث: أنه إذا كان المختار في السابق أن المبهمات عناوين إجمالية للموضوعات. بحيث تكون مرآة في متعلّق الحكم. لا أن نفسها متعلقات للأحكام، فيكون الموصول في المقام مرآة لكل واحد من المفعولين بالخصوص، فيكون طرف النسبة متعددا.

فأجاب «قده» بعد نقاش طويل و بحث كثير: أنه و إن كان الموصول مرآة، و كانت الخصوصيات متعلّقة للحكم، إلا أنه ليس مثل ما إذا أريدت الخصوصيتان من لفظ الموصول، لأن نفس الخصوصيتين أريدتا من الدال الآخر، فيكون مثل ما أنشأ الخطاب مرتين لهما.

فقلت له: لا ريب في كمال الفرق بين الكلام الواحد و الكلامين، و لا بدّ أن يكون في كلام واحد قضية معقولة واحدة، بخلاف الكلامين.

فأجاب «قده» بعد نقاش طويل و بحث كثير: أنه و إن كان الموصول مرآة، من هيئات الأفعال، و الهيئات الكلامية الدالة على النسب هي المعاني الكلية المنطبقة على‏

24

المتعدّد، فيمكن أن يكون المستعمل فيه و المدلول عليه للهيئة الكلامية هو الجامع بين النسبتين، كما أن المراد من الموصول في طرف المتعلّق أيضا هو الجامع، فكما أن الخصوصيتين في طرف الموضوع مدلول عليهما بدالين آخرين سوى نفس لفظ الموصول، فكذلك خصوصية النسبتين.

أقول: كفاية تعدد الدال في بعض المقامات لأجل أن لا يكون المعنى بكلا جزئيه مرئيا بلفظ واحد، كي يستنتج في الحقيقة و المجاز مع مسلمية أنه لا بدّ و أن يكون في آن واحد لحاظ واحد و ملحوظ كذلك، لا أنه يوجب تبدل استحالة اللحاظين بإمكانه. مثلا إذا قيل: أعتق رقبة، و كانت قرينة حالية في البين على أن المراد الرقبة المؤمنة، فحينئذ يقال بأن المتكلم لاحظ الرقبة المتصفة بالإيمان، و لكن ما جعل اللفظ مرآة على تمام هذا المعنى، بل جعله دالا على ذات الرقبة، و إنما اعتمد في لحاظ الإيمان على القرينة الحالية، و لا يمكن في هذا الآن أن يلاحظ أيضا الرقبة الكافرة و لو بهذا النحو، و لو بأن يريد الذات من اللفظ و الكفر من دال آخر، بل لا بدّ أن يأتي بكلام آخر.

و أعجب من ذلك أنه «قده» كان يقول: بأن الجامع بين النسبتين يكون لا نسبة المفعول المطلق و لا نسبة المفعول به، و يمكن أن يراد من الهيئة في الكلام هذا الجامع.

و فيه: أن الجامع ليس له وجود إلا بوجود المصداق، و لا يمكن أن يقال بأن النسب الاعتبارية الذهنية يمكن أن يفرض الجامع بينها بحيث يكون وجوده غير تلك الأفراد، لوضوح أن النسب في هذا الباب قد جمعها المعتبرون في المفاعيل الخمسة، و لا تكون في البين نسبة سادسة حتى يقال بهذا المطلب، فافهم و اغتنم.

مع أنه لو سلم و فرض هذا الفرض المحال، فإنه غير واف بالمرام، حيث أن الثابت بهذه التجشمات مرحلة الإمكان، لا مرحلة الاستفادة و الاستظهار، حتى يجدي للأصولي، فتأمل.

هذا كله: مع أنه لا يتوجه الإيراد على المصنف «قده» على مبناه و مسلكه، حيث أن‏

25

الموضوع له في الحروف و ما يشبهها عنده ليس إلا النسب الجزئية و المتباينة، و لا يكون لها جامع أصلا كما لا يخفى.

و الإنصاف: أن الإشكال غير وارد، و لا يلزم اجتماع اللحاظين، و بيانه يتوقف على توضيح مقدمات تحصل من مطاوي ما ذكرنا:

الأولى: إن اللازم في المفعول به تقدمه على الفعل رتبة، و يلزم أن يكون وجوده في الخارج مقدّما على الفعل.

الثانية: الغالب أن يكون للفعل- بمعناه الاسم المصدري- عنوان خاص، و يكون نفس هذا العنوان موضوعا للآثار بلحاظ الشرع و العقل و الخارج، أو بلحاظ بعضها كالأمثلة السابقة، و كالوجوب و الحرمة في المقام.

الثالثة: لا يلزم أن يكون الجامع بين المتباينين مفهوم ينطبق عليهما، مع خصوصيتي تباينهما، حتى يكون محالا، بل يكفي دخولهما تحت أيّ عنوان ينطبق عليهما، و لو بعنوان الشي‏ء الذي يكون معنى «ما» الموصولة، لا أن المقصود انطباقه عليها من جهة أنه عنوان عرضي- كما قاله الأستاذ «قده»- حيث يكون منطبقا على جميع الموجدات، بل من جهة أنه أقرب جامع وجودي ينطبق عليهما، و قد يشير إليه بمفهوم الشي‏ء، أو «ما» الموصولة، فتأمل جيدا.

إذا عرفت هذا فنقول: إن الوجوب و الحرمة من أفراد المفعول به، الذي يكون داخلا في الأشياء التي لا يكلف اللّه بها إلا بعد إيتائها، فإذا كان إيتاء كل شي‏ء إعطاؤه بحسب حاله، و الإعطاء في باب العلميات الإعلام، و كان للآية الشريفة إطلاق، يتم المطلوب، و يكون مفاد الآية الشريفة أن اللّه تعالى لا يؤاخذ عبدا بالنسبة إلى الأحكام الواقعية إلا بعد الإعلام. و هو كاف للأصولي في مقابل الأخباري.

و يؤيد ما ذكرنا، بل ربما يشهد عليه رواية عبد الأعلى عن الصادق (عليه السلام) حيث يقول: هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: لا، قلت: لا، «قلت‏

26

لأبي عبد اللّه (عليه السلام): فهل كلفوا بالمعرفة؟ قال: لا، إن على اللّه البيان، لا يكلف اللّه العباد إلا وسعها، و لا يكلف نفسا إلا ما آتاها» (1) حيث أن الظاهر أن عدم التكليف من جهة عدم البيان لا من جهة عدم القدرة، و إن كانت المعرفة التفصيلية قبل تعريف اللّه تعالى غير مقدورة.

إلا أن يقال: إنه بعد استدلال الامام (عليه السلام) بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لا سيما مع تقديمه على الاستدلال بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها لا يكون ظاهرا فيما ذكر، بل يكون ظاهره أن عدم التكليف من جهة عدم المقدورية. و لا فرق فيما ذكر بين أن تكون المعرفة بنفسها واجبة، من حيث أنها شكر، أو أنها مقدمة للانقياد، بتقريب: أنه لو كان نفس المعرفة شكرا يكون من الموضوعات غير المقدورة، و لا يكون الإيتاء الإعلام، بخلاف ما لو كانت مقدمة للانقياد الواجب، فمعناه أنه هل كلف الناس بالمعرفة لأجل الانقياد؟ فيقول الامام (عليه السلام):

لا يجب، لأنه لو كان الانقياد واجبا، يلزم عليه البيان و الإعلام كي ينقاد العبد لما يعرفه بالبيان، و إن كان ينطبق عليه قوله‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها من جهة عدم مقدورية المعرفة، لكن تطبيق الآية الثانية من باب الحكم التأسيسي، بخلاف الأول الذي هو من باب التأكيد كما عن شيخنا الأستاذ «قده»، حيث أنه بعد ما كانت المعرفة التفصيلية أمرا غير مقدور لا يتعلق به التكليف، سواء كان وجوبه نفسيا أو غيريا.

و بالجملة، بعد استدلاله (عليه السلام) بكلتا الآيتين، لا يكون الاستدلال ظاهرا في كون عدم التكليف من جهة عدم البيان، حتى يكون شاهدا للمقام، لو لم يكن ظاهرا في خلافه. أما نفس الآية فقد عرفت أنه لا مانع من التمسك بإطلاقها لإثبات المدعى، و هو البراءة.

اللهم إلا أن يقال: بعد كون صدر الآية راجعا إلى بذل المال، المستلزم لكون المقصود

____________

(1). بحار الأنوار، كتاب العدل المعاد، باب 14 (من رفع عنه القلم).

27

من الإيتاء الإقدار و التمكن، لا يبقى لها إطلاق بالنسبة إلى مطلق أفراد الإيتاء الشامل للإعلام، لوجود القدر المتيقّن، و لو في مقام التخاطب في البين المانع من تمامية مقدمات الحكمة، الدالة على الإطلاق.

ثم إنه على تقدير الإطلاق لا وجه لأن يقال: بأنه أجنبي عن المقام، من جهة أن مدلوله عدم التكليف قبل بعث الرسل و تبليغ الأحكام، و أين هذا من الشك في التكليف بعد تبليغ الأحكام، و اختفاء بعضها من جهة بعض العوارض؟- كما في تقريرات بحث بعض الأعاظم «قده»- و ذلك لوضوح أن عدم التكليف المذكور في الآية الشريفة بالنسبة إلى آحاد المكلفين، بخلاف الآية الآتية، فإن نفي التعذيب هناك عن القوم و مجموع الأمة، و كم فرق بينهما؟ فلا يختلط الأمر عليك.

قوله- (قدس سره)-:

و فيه أن ظاهره الإخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث، فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة

الظاهر أن وجه استظهاره «قده» كون لفظة «كنا» بصيغة الماضي، و فيه: أنه و إن كان نفس اللفظ ظاهرا في الماضي، و لا نقول بانسلاخه عن الزمان في مثله، و إن أسند إليه تعالى، و لا يدل على الاستمرار مثل قوله تعالى‏ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً، حيث أنه و إن كان التحقيق- على خلاف مسلك النحويين- دلالة الفعل على ما يقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، إلا أنه فرق بين مدلول الماضي و المضارع، و بين قوله تعالى‏ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا و يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ‏، فإذا لم يكن في البين مانع عن إرادة الزمان- مثل قوله (عليه السلام) «كان اللّه و لم يكن معه شي‏ء»- يدل عليه، و لو بالانطباق، إلا أن ظهوره فيه معارض لظهور قوله تعالى: حَتَّى نَبْعَثَ‏ في ذيل الآية الشريفة، حيث أنه يدل على المضارع، و لا يمكن إرادة الماضي من نفي التعذيب و إرادة الاستقبال من البعث، و لو

28

بالنسبة إلى حال التعذيب، لتأخره عن البعث في الخارج. و لذا لا يصح أن يقال «ما برحت من المكان حتى يؤذّن المؤذن» مع إرادة المضارع من لفظة «يؤذن»، فلا بدّ من التصرف: إما في لفظه «كنا» و جعلها بمعنى المضارع، و إما في لفظة «نبعث» و جعلها بمعنى الماضي. و على الثاني يكون إخبارا عن نفي التعذيب عن الأمم السابقة، بخلاف الأول فيكون معناها عاما، و أن اللّه تعالى لا يعذب إلا بعد بعث الرسول، فإذ فرضنا أن المراد من الرسول أعم من النبي الظاهري- كما هو مفروض المصنف «قده»- يتم المطلب على مذاقه، و إن كان قد يرد على الاستدلال بالآية: بأنه- و إن كان الرسول كناية عن مطلق البيان و إتمام الحجة- لكن لا تكون مجدية في مقابل الأخباري، حيث إنه يقول: إن أدلة الاحتياط تصلح للبيانية، و بها تمت الحجة.

و بعبارة أخرى: يكون مفاد الآية حينئذ مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و سيأتي إنشاء اللّه تعالى أن الأخباري لا ينكرها، و إنما يدعي أن في البين البيان، و تمت الحجة بأدلة الاحتياط.

نعم، لو كان الرسول كناية عن الإعلام علما أو ظنا، و لم نقل بأن دليل الاحتياط إعلام، لأجدى في قباله. لكن الإنصاف أن الرسول ظاهر في خصوص النبي الظاهري، و به يتصرف في لفظة «نبعث» و يجعل بمعنى الماضي.

اللهم إلا أن يقال بحكومة أخبار «إن للّه على الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)، و أما الباطنة فالعقول» (1) و أنها توسع دائرة الرسول في الآية، فتأمل.

و قد عثرت بعد ما ذكرته من عدم اختصاص الآية الشريفة بنفي التعذيب الدنيوي بالنسبة إلى الأمم السابقة، على ما يقرب منه في تفسيرها، في «مجمع البيان» في سورة

____________

(1). الأصول من الكافي، ج 1، كتاب العقل و الجهل، الحديث 12 عن هشام بن الحكم، قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): يا هشام ...

29

الأسراء، فراجع.

قوله- (قدس سره)-:

ثم إنه ربما يورد التناقض على من جمع بين التمسك بالآية في المقام و من رد من استدل بها، لعدم الملازمة بين حكم الشرع و النقل ...

لا يخفى: أنه لا وجه لردّ الأخباري المستدل بالآية الشريفة على عدم الملازمة بين حكم العقل و الشرع، من جهة أنها تدل على عدم العقاب عند عدم بيان الرسول، و إن كان العقل مستقلا بالحكم. فيكشف عن أنه لا يكون للشرع حكم، بأن المراد من الرسول أعم من النبي الظاهري إلا على بعض الاحتمالات السابقة، و هو قابل للمنع.

فالأولى ردّه بأن التعذيب أعم من نفي الاستحقاق، و لا يرد على من ردهم بهذا النحو و استدل بالآية للمقام، ما أورده عليه المحقق القمي «قده» من التناقض، حيث أنه لو كان نفي التعذيب دليلا على نفي التكليف، لتم استدلالهم على عدم الملازمة، و لا وجه للرد عليهم. و إن لم يكن دليلا على نفيه فلا يجدي للمقام، و ذلك لما أشار إليه المصنف «قده» من أن نفي الفعلية في خصوص المقام من باب الاتفاق، يلازم نفي الاستحقاق، حيث أن دعوى الأخباري أن في ارتكاب الشبهة الهلكة و العقاب، فإذا كان مدلول الآية عدمهما فلا يكون استحقاق أصلا، بخلاف باب الملازمة، فإنه يكفي فيها الحكم المستتبع للاستحقاق و إن لم يكن في البين فعلية العذاب.

نعم، لو كان الحكم الشرعي المدعى في الآية هو الحكم المستتبع للعذاب الفعلي بلا عفو عنه، يشكل ردهم بهذا النحو. و لكن الإنصاف أن الذي يمكن أن يدعى بعد حكم العقل بحسن الشي‏ء أو قبحه من جهة إحراز المناط و فقد المانع، حكم الشرع على نحو يجب موافقته و تترتب على مخالفته العقاب، و إن كان مقتضى مثل الآية الشريفة عدم فعلية العذاب المستلزم للعفو عنه و ارتفاعه تفضلا.

30

و أما القول‏ (1) بأن الحرمة الشرعية مع إخبار الشارع بنفي التعذيب و التفضيل بالعفو، لا يجتمعان، لأنه يلزم أن يحمل الشارع العباد على التجري بفعل الحرام، فإن الإخبار بالعفو يوجب إقدامهم على فعل الحرام المعفو عنه، فيلزم لغوية جعل الحرمة.

ففيه: أن لزوم إطاعة المولى بحكم العقل ليس من جهة الفرار من العقاب، بل لأن فيها الحسن الملزم، بحيث لو علم عدم ترتب العقاب من جهة عدم قدرة المولى عليه مثلا، يجب عليه الإطاعة. و لا فرق في علم العبد بعدم ترتب العقاب بين العلم بعدم قدرة المولى، أو العلم بالعفو عنه، من الخارج أو من إخبار نفس المولى به.

و دعوى: أن العلم بالعفو مطلقا، أو في صورة خصوص إخبار المولى به يرفع الاستحقاق. مما لا شاهد عليها، بل يتوقف صدق العفو عليه، حيث أنه لا معنى للعفو إلا بعد الاستحقاق. و لذا يقوى في النظر صيرورة مرتكب الفعل فاسقا إذا كان من الكبائر.

خلافا للشيخ «قده» في العدة، حيث قال- على ما حكي عنه- في حق تارك النظر في الاستدلال في أصول الدين، و قد حصل له الجزم بالحق عن طريق التقليد، بعد جعله وجوب النظر وجوبا استقلاليا: إنه مخطئ لكنه معفو عنه، و لا يصير عندنا فاسقا، و لا يقاس مطلق العفو بخصوصه في باب التوبة، حيث أنه يرفع الاستحقاق، كما يشهد لذلك صيرورة التائب عادلا، و قوله (عليه السلام): «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (2) حيث أن العفو هناك من لوازم قبول التوبة لا نفسها، و قبولها عبارة عن رضا المولى لا مجرد العفو عن العقوبة، و هو أعم منه كما لا يخفى.

اللهم إلا أن يقال: إن العفو- و إن كان يستلزم الاستحقاق- لكنه يتحقق من جهة التفضل و المنة، غير أنه بعد تحققه يقبح من المولى العود إلى العقوبة، فإذا كان قبيحا لا يكون العبد بعده مستحقا للعقوبة.

____________

(1). القائل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

(2). وسائل الشيعة، ج 11، باب 86 من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه، الحديث 14.

31

و لكن لا يخفى: أن هذا في العفو عقيب العمل، لكن لا بالنسبة إلى الإخبار عن العفو، أو العلم به فيما بعد، كإخباره تعالى عنه و عدم التعذيب في يوم القيامة. و العجب أنه «قده» قال بعد ما ذكر: «نعم لا مانع من الإخبار عن العفو بالنسبة إلى المعصية التي لا يكون الإخبار به موجبا للتجري و إقدام العباد عليها، كالإخبار عن العفو عن نية السيئة، فإن المخبر به هو العفو عن نية السيئة المجردة عن تعقبها بالسيئة، و لا يمكن للعبد التجري على ذلك، فإن القصد و التجري على النية المجردة لا يعقل، إذ لا يتحقق العزم على العزم المجرد- الخ»، حيث أن المقصود من النية و العزم ليس ما يكون مشرفا على العمل و متصلا به، بل المقصود النية المنفصلة عنه.

و من الواضح أنها مما يرغب فيها لأجل الالتذاذ بها، فمن الممكن أن يقصدها مستقلة و مجردة عن العمل، فمثلا ينوي في النهار قصد المعصية في الليل و يفكر في خصوصياتها و الالتذاذ بها، مع أنه يكفي الدخول في النية و القصد إلى المعصية بلا سبق العزم، لأن الإشكال إنما هو عبارة عن حمل الشارع العباد على الإقدام بفعل الحرام المعفو عنه، و يكفي في استناده إلى المولى بالعفو عنه، إبقاء نفسه عليها بعد الالتفات إلى العفو في أثناء القصد و النية.

اللهم إلا أن يقال: بأن النية المجردة عن تعقبها بالسيئة، لا يلتفت إليها دائما أو غالبا المتجري، حتى يلتفت إلى العفو عنها، لأن المفروض أنه عازم على العصيان، و إلا لا تكون نيته نية السيئة، و المقصود من التجرد، بحسب الواقع، بحيث تحقق له المانع من الدخول في العمل قهرا، أو حصلت له الندامة. و كان الأولى للمستشكل التشبث بهذا المطلب لاثبات استثناء إخراج نية السيئة المجردة عن مدعاه من الاستدلال بعدم معقولية تحقق العزم على العزم.

32

قوله- (قدس سره)-:

و منها: قوله تعالى‏

ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ (1)

أي ما يجتنبون من الأفعال و التروك‏

وجه الاستدلال بها على المقصود، ربما يكون أظهر من الآية السابقة، لعدم الاحتياج إلى الكناية و التصرف في لفظ الرسول، بل الظاهر من قوله تعالى: حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏ بيان الأحكام من الواجبات و المحرمات. نعم، لو كان المقصود بيان مطلق الحجج و لو كان في مقام الشك مثل إيجاب الاحتياط، لما كان يقابل دليل الأخباري، و لا ينافيه، و لكنه خلاف الظاهر.

نعم، من جهة عدم دلالتها بالنسبة إلى العقوبة ربما يكون الاستدلال بها أخفى من الآية السابقة، كما أشار إليه المصنف «قده»، و لكن إذا تمت الفحوى و أولوية توقف العقاب الأخروي على البيان من الخذلان الدنيوي، لكانت أقوى في الاستدلال و أظهر دلالة منها.

و قد يقال‏ (2): بأن الخذلان أعظم من العقاب، و وجه الأولوية أنه إذا كان الجهل مانعا عن الأمر الأهم الذي يهتم بحفظ وجوده اهتماما بالغا، يكون مانعا من الأمر المهم بطريق أولى.

أقول: و إن كان ما أفاده «قده» من أعظمية الخذلان من العقوبة الأخروية ربما نسلمه، لأنه مقام البعد عن اللّه في قبال رضاه تعالى، فكما أن الرضا أعظم النعم كما قال اللّه تعالى‏ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ كذلك الفراق و البعد من اللّه و إظهار تنفره سبحانه أعظم‏

____________

(1). سورة التوبة: الآية 115.

(2). القائل هو الأستاذ المحقق العراقي «قده».

33

من عذابه جل و علا، نعوذ باللّه منهما.

قال سيد الموحدين أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام في دعاء كميل «هبني يا إلهي صبرت على حرّ نارك، فكيف أصبر على فراقك؟» إلا أنه إذا كان الجهل مانعا من الأمر الأهم، فكونه مانعا من المهم بطريق أولى ممنوع، بل الأمر بالعكس.

نعم، إذا كان نفس الأمر المجهول أهم فيكون الجهل بالنسبة إليه عذرا، كان الجهل بالأمر المهم بطريق أولى عذرا، كما إذا كان الجهل في الشك في الدماء و الفروج عذرا، فيكون في الشبهات المهمة عذرا بطريق أولى. و لكن المقام ليس كذلك، لأن الأهم لم يكن متعلقا للجهل، و إنما تعلق الجهل بحرمة التدخين مثلا، فكونه مانعا من الأمر الأعظم لعظمه، لا يستلزم كونه مانعا من الأمر غير الأعظم، بل ربما يوجبه.

و بعبارة أخرى: فرق بين كون الجهل عذرا و مانعا من فعلية التكليف المجهول، و بين كون الجهل بشي‏ء مانعا من وجود شي‏ء آخر، فإذا كان هذا الشي‏ء الآخر أعظم، لا يستلزم كونه مانعا من الشي‏ء المهم الذي يترتب على الجهل بذلك الشي‏ء أيضا. مثلا:

الولي لو لم يعذب العبد بالعذاب الشديد كالقتل، لجهله بشي‏ء، يمكن أن يعذبه بالعذاب الأدون، كالحبس مع الجهل بذلك الشي‏ء. فافهم و اغتنم. فإذا التزمنا بأعظمية الخذلان عن العقاب الأخروي لم تتم الأولوية و الفحوى.

«تنبيه» لا يخفى على المتأمل: أن بهذه الآية الشريفة يرتفع الإجمال من الآيات المطلقة التي تدل بظاهرها على أن الإضلال و الهداية مستندان إلى اللّه تعالى، و هي الآيات التي يتمسك بظاهرها القائلون بالجبر، لأنها صريحة في أن الإضلال منه تعالى لا يكون إلا بعد الهداية إلى أصل الدين و الاسلام أولا، و بيان الأحكام و تعريف ما يرضيه و يسخطه- كما في التفسير- ثانيا، و من المعلوم أن الإضلال مع الهداية لا يكون إلا الخذلان الذي يقول به‏

34

الخاصة.

قوله- (قدس سره)-:

و منها قوله تعالى:

لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ

قد أورد عليه: بأن الآية واردة في مقام بيان الهلاك عن البيّنة في المعارف و الاعتقاد بالنبوة، و لا ترتبط بالمقام.

و لكن لا يخفى: أنه مع قطع النظر عن اختصاص المورد، لا مجال أيضا للتمسك بها للمقام، بناء على كون المقصود من البيّنة خصوص العلم و العلمي، لا مطلق إتمام الحجة كي لا ينافي مدعى الأخباري كما ذكر، و احتمل في الآيات السابقة، حيث أن ذيل الآية الشريفة غير صالح لتطبيقه على الفروع، لعدم اختصاص الحياة عن بيّنة بالعمل بالفروع و لو بالمعنى المذكور، بل بالاحتياط في المشكوكات أيضا تتحقق الحياة الأبدية، و إنما تختص الحياة بالبيّنة و العلم في المعارف، حيث أنه يلزم القطع و الجزم فيها، و لا يكفي الاحتياط بل لا معنى له.

و توهم أن الذيل للمجانسة للصدر، لا من جهة إناطة الحكم، فيمكن التمسك بإطلاق الصدر للمقام.

مدفوع: أولا: بأنه لا يناسب هذا الزعم كلام اللّه تعالى، الوارد في مقام بيان الأحكام و الواقعيات الخالية من المبالغات و أمثالها.

و ثانيا: بأن اقتران الصدر بهذا الذيل الذي يحتمل عدم كونه للمجانسة، لا يبقى له ظهور في الإطلاق، بل يكون مما اقترن بما يحتمل القرينية، فافهم.

قوله- (قدس سره)-:

و يرد على الكل: أن غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلّف ...

35

لا يخفى: أنه لو كان مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلّف، لو فرض وجوده واقعا- كما احتملناه في بعضها- فيكفي في مقابل الأخباري القائل بلزوم الاحتياط، حيث تتعارض مع الأدلة الدالة- بزعمه- على وجوب الاحتياط في المقام و لا تكون واردة أو حاكمة عليها، لأنها لا ترفع الجهل عن الواقع. و لا يقول أيضا بترتيب العقاب على نفس مخالفة إيجاب الاحتياط، بل همه إثبات استحقاق العقاب على الواقع، كما يشهد عليه تمسكه بما يدل على الدخول في الهلكة من حيث لا يعلم بارتكاب الشبهات، فلا تكون نسبتها إليها نسبة الدليل إلى الأصل.

نعم، لو تمت دلالتها لأمكن الالتزام بتقدمها على الآيات من باب التخصيص.

قوله- (قدس سره)-:

قوله تعالى مخاطبا لنبيه (ص) ملقنا إياه طريق الرد على اليهود حيث حرموا بعض ما رزقهم اللّه افتراء عليه:

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً، أَوْ دَماً مَسْفُوحاً

فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرموه في جملة المحرمات التي أوحى اللّه إليه‏

قد يقال: بأنه و إن كان المقصود في مناط الحكم ما هو ظاهره من عدم الوجدان، لأن ظاهر كل عنوان أخذ في الموضوع أنه يدخل نفسه في تمام الموضوع، لا أنه جزؤه، و لا أن الموضوع لازمه، إلا أنه لا يكفي في الرد عليهم بحيث يسكتون في مقام الطعن عليه (ص)، إلا إذا كان في البين مطلب مسلم بين الطرفين، من ارتكاز العقل بعدم المحذور في الارتكاب عند الشبهة. و هذا لا يكون إلا فيما إذا لم يكن وجوب الاحتياط في البين، و إلا فيمكن لهم في مقام الجواب عنها بأن يقولوا: و إن لم تكن تجد فيما أوحي إليك محرّما، إلا أن إيجاب الاحتياط يقتضي أن تترك.

36

و بالجملة، لا بدّ و أن يكون المقصود من الاستدلال في مقابلهم أنه لم يكن لي حجة على لزوم الترك من الوجدان و العلم و إيجاب الاحتياط، و من المعلوم أن هذا المطلب يعلم به الأخباري، حيث أن مفاده قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لا ينافي ورود الأخبار للاحتياط، هكذا أفاد شيخنا الأستاد «قده».

قلت: إنه كذلك لو لم يطبقه (ص) على المورد الذي هو في المقام من الشبهة التحريمية، فتكون دلالته على عدم لزوم الاحتياط في غاية القوة، و صدور دليل إيجاب الاحتياط من الأئمة (عليهم السلام) لا يوجب اختصاص تكليفنا بلزوم الاحتياط دون من كان في زمانه (ص) كما لا يخفى بعد التأمل.

[و أما السنة فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة:]

و أما السنة فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة قوله- (قدس سره)-:

و معنى رفعها كرفع الخطأ و النسيان رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة ...

قد ذهب بعض المحققين في الكفاية إلى أن المراد رفع حقيقة الحكم فيما لا يعلمون في الشبهة الحكمية و الموضوعية بمعنى عدم فعليته، بعد ما كان بنفسه من المجعولات للشارع.

و معنى رفعه عدم إيجاب الاحتياط، و لا حاجة- بناء عليه- إلى التقدير و التنزيل بالنسبة إلى هذه الفقرة، و إن كان لا بدّ منه بالنسبة سائر الفقرات.

و قد استشكل عليه شيخنا الأستاذ «قده» بأنه: لا وجه للتفكيك بين الأمور التسعة من حيث عدم إمكان إسناد الرفع إليها حقيقة و تنزيلا، بل لا محيص من أن يكون بالنسبة إلى جميعها حقيقة أو تنزيليا، حيث أن الهيئة الكلامية لا تدل إلا على نسبة واحدة، لعدم تكررها و لو بالواو العاطفة، بل أسند بلحاظ واحد إلى جميعها، و طرف هذه النسبة هو جميع الأمور التسعة، و الفقرات المذكورة في الرواية إنما هي بيان لنفس التسعة التي هي طرف النسبة، لا بيان لها، و بعد ما يكون في بعض هذه التسعة ما لا يمكن أن تكون إسناد الرفع إليه حقيقيا بل يكون رفعا تنزيليا قطعا- كالخطأ، و ما اضطروا إليه- فلا بدّ أن‏

37

يكون الرفع في الجميع تنزيليا.

و قال «قده»:

و يدل على ذلك أن رفع الشي‏ء بمعنى إعدامه، و عدم الشي‏ء في رتبة وجوده، و ظاهر كل واحد من المذكورات دخلها في الرفع بنحو العلية و الاقتضاء، و من المعلوم تقدم العلة على المعلول، فلا يمكن أن تكون هذه العناوين علة لرفع الحكم الفعلي الذي هو في رتبة وجود الحكم، و هذه الرتبة مقدمة على العلم به و عدمه.

و يشهد على ذلك: أن الظاهر كون الحديث في مقام الامتنان، و من المعلوم أن رفع الحكم الفعلي الواقعي لا يكون امتنانا، لأن وجوده مع عدم إيجاب الاحتياط في ظرف الشك يكون موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فافهم‏

و قد يخطر بالبال: أن هذا يتنافى مع مبناه و مختاره في مثل قوله (ص): «لا ضرر و لا ضرار» من كونه إخبارا عن عدم الضرر في الخارج، في مقابل ما اختاره المصنف «قده» من التقدير، و ما اختاره أستاده المحقق «قده» من كونه نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، بالبيان الذي قد أشير إليه سابقا، من أن الضرر المطلق- و إن كان لا يمكن نفيه في الاسلام، لتحققه في الخارج بين الأمة- إلا أن الضرر المستند إلى الشارع- و لو من جهة إطلاق أدلة الأحكام- وجوده منفي في الخارج حقيقة، فيمكن الإخبار بنفي هذا القسم من الضرر.

إلا أنه بعد التأمل يرتفع هذا التوهم، من جهة أنه و إن كان جريان هذا المطلب في كثير من التسعة ممكنا، مثل «ما استكرهوا عليه»، لكن بالنسبة إلى الخطأ و النسيان لا يمكن الالتزام بذلك، لأن هذه الأمور- و إن كان أمر وضعها و رفعها بيد الشارع أيضا، من جهة أن منشأها بيده، و هو إيجاب التحفظ و عدم المسامحة- و لكن من المعلوم أن مقتضى الامتنان في عدّ إيجاب التحفظ هو وضع الخطأ و النسيان في الأمة، لأنه لو كان أوجب التحفظ لما وقعوا في الخطأ و النسيان. بخلاف ما استكرهوا عليه، فإن مقتضى الامتنان‏

38

و عدم إطلاق قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ عدمه مستندا إلى الشارع و رفعه، فافهم و اغتنم.

و لعل هذا هو السبب لعدم إجراء مبناه «قده» في المقام.

نعم، يمكن الخدشة في الإشكال الثاني، حيث أن الظاهر أن عدم فعلية الحكم الواقعي في الظاهر- أي مرتبة عدم العلم و الشك- و إن كان هذا غير تام أيضا- إنما هو من جهة عدم إطلاق الحكم الواقعي بالنسبة إلى مرتبة الشك به حتى تنفى فعليته من هذه المرتبة، فتأمل.

و من هنا تظهر الخدشة في الإشكال الثالث، لأن رفع الحكم في هذه المرتبة- و معناه عدم إيجاب الاحتياط- يوجب الامتنان. و بالجملة، لا مجال إلا للقول بأنه رفع الواقع تنزيلا بلحاظ أثره، و هو وجوب الاحتياط في مرحلة الشك.

اللهم إلا أن يقال: بأنه بعد إمكان الالتزام بتعدد مراتب فعلية الأحكام- كما هو مبناه التحقيقي، و قويناه في مقام الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري- يمكن الالتزام هنا برفع الحكم الواقعي في موطنه بالمرتبة الثانية من الفعلية، الذي لا يلزم منه التصويب، و خلاف أصول المخطّئة، فحينئذ ينحصر المانع من كون الرافع حقيقيا في الإشكال الأول.

و منه ظهر ما في إشكال بعض الأعاظم على المصنف «قده» من المسامحة في التعبير في قوله: «و معنى رفع أثر التحريم فيما لا يعلمون عدم إيجاب الاحتياط للتحفظ ...» حيث أورد عليه: بأن الظاهر من الموصول نفس الحكم الواقعي، و هو غير ممكن الرفع واقعا لأصول المخطّئة، فالمقصود رفع مقتضى الحكم الواقعي عن تأثيره في إيجاب الاحتياط، لما عرفت من إمكان رفع الفعلية عن الحكم الواقعي بنحو لا ينافي بقاءه في الواقع، بحيث لا ينافي أصول المخطئة.

مع أن المصنف «قده» لم يصرح بورود الرفع ابتداء على إيجاب الاحتياط و إن عبّر بالتعبير المذكور، حيث أنه «قده» يصرح قبل ذلك بأن المقصود عدم توجه التكليف على‏

39

وجه يشمل صورة الشك، بل وجّهه على نحو يختص بالعالم، فراجع.

و على كل حال لقد ظهر من جميع ما ذكرنا أنه لا يمكن أن يكون هو الرفع الحقيقي، بل لا بدّ أن يكون تنزيلا و بالآثار.

و أما ما أفاده بعض الأعاظم «قده» من أن المقصود منه الرفع الحقيقي بالنسبة إلى جميع الأمور التسعة، و يرتب بعض المقدمات لإثبات مقصوده. فلا يتم ما ذكره و لا ما تضمنته المقدمات، مثل كون الرفع و الدفع بمعنى واحد حقيقة، و أن الرفع عين الدفع حقيقة و لغة.

أما الأول: فمن جهة أن غاية ما يقول به «قده» في بيان مدعاه هو أنه فرق بين كون الكلام إخبارا عن أمر خارجي و كان الرفع تكوينيا، و بين كون الكلام في مقام تشريع الرفع و إنشائه، ففي الصورة الأولى لو كان إخبارا عن الرفع الحقيقي يلزم الكذب بعد وجود المرفوع في الخارج، و لذا لا بدّ من الالتزام بالتقدير و الإضمار صونا لكلام الحكيم عن الكذب و اللغوية، بخلاف الصورة الثانية، حيث ان الرفع التشريعي عبارة عن إنشائه و المقصود من إنشاء رفع المذكورات إنشاؤها بما يكون إنشاء لرفع آثارها، فراجع تقريرات بحثه.

و لكن لا يخفى على المتأمل أن التشريع حقيقة لا يتعلق بالأمور الخارجية التكوينية، مثل أن يقول الشارع: أوجدت الجدار إنشاء، و إنما يتعلق بالأمور الشرعية من الأحكام و الأمور الاعتبارية، فرفع الأمور المذكورة في الحديث تشريعا لا معنى له، و إنما يكون الرفع بالنسبة إلى آثارها من الأحكام.

نعم، يمكن إسناد الرفع إليها تنزيلا، و من المعلوم أنه حينئذ يرجع الأمر إلى الاختلاف في التعبير، و أنه هل هو رفع الآثار عنها تنزيلا، و أنه رفع الحكم بلسان الموضوع- كما قاله المحقق الخراساني «قده» في مبحث «لا ضرر و لا ضرار»-؟ أو رفع الحكم بالتقدير- كما يقوله المصنف في مثله-؟ و لا يرتبط هذا المطلب بكون القضية خبرية

40

أو إنشائية، بل يمكن النزاع على كلا التقديرين.

مع أن الظاهر أنه قضية خبرية، غاية الأمر أن كون المتكلم في مقام الإنشاء لا يصيّر القضية الخبرية إنشائية، و إلا فلا بدّ و أن يكون مثل قوله (عليه السلام): «يعيد صلاته و يغتسل» إنشاء مع أنه لا يكون كذلك، إذ لو كان إنشاء لم يكن مجال للنزاع في دلالتها على الوجوب، و لا تكون أدل عليه من صيغة الأمر على القول بدلالته عليه، بل يكون أضعف، لعدم كونه في مقام المبالغة. و فرض أنه من كثرة الاهتمام به يحقّقه في الخارج قطعا، لأنه يكون مجازا، حيث أنه يكون معنى (تعيد): أعد، و قد استعمل فيه مجازا، مع إمكان أن يقال: إنها خبرية محضة و إخبار محض عن رفعها في السابق بإنشاء قضية خبرية محضة، كما هو الحال بالنسبة إلى الثلاثة التي استوهبها النبي (ص) ليلة المعراج قطعا، فتأمل جيدا.

و أما مسألة كون الرفع و الدفع بمعنى واحد و أن الرفع عين الدفع حقيقة و لغة. فمن غرائب الكلام، لأن غاية ما يمكن أن يقال في تقريره- كما اعترف بذلك نفسه «قده»- هو:

أن الرفع و الدفع بعد كونهما مشتركين في لزوم تحقق المقتضى الموجود بحيث لو لم يرد الرفع أو الدفع على الشي‏ء لكان موجودا في وعائه المناسب له من وعاء التكوين أو التشريع، إنما يفترقان في الاستعمال غالبا بحسب الوجود الخارجي و تحقق الشي‏ء في السابق من الزمان أو الرتبة و عدمه، فالرفع يستعمل فيما إذا كان الشي‏ء موجودا في السابق، بخلاف الدفع فإنه مانع عن أصل تحقق الشي‏ء و وجوده.

لكن هذا المقدار من الفرق لا يمنع عن صحة استعمال الرفع بدل الدفع على وجه الحقيقة بلا تصرف و عناية، فإن الرفع في الحقيقة يمنع و يدفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق أو المرتبة اللاحقة، لأن بقاء الشي‏ء يحتاج- كحدوثه- إلى علة البقاء و إفاضة الوجود عليه من المبدأ الفياض في كل آن، فالرفع في مرتبة وروده على الشي‏ء إنما يكون دفعا حقيقة، باعتبار علة البقاء و إن كان رفعا باعتبار الوجود السابق، فاستعمال الرفع في‏

41

مقام الدفع لا يحتاج إلى علاقة المجاز، بل لا يحتاج إلى عناية أصلا، بل لا يكون خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ، لأن غلبة استعمال الرفع فيما يكون له وجود سابق لا يقتضي ظهوره في ذلك.

و لكن لا يخفى أيضا ما فيه من الإشكال بعد التأمل، حيث أنه- و إن كان الرفع في بعض الأحيان دفعا عن المقتضي في التأثير و بقاء الشي‏ء- لكن قد يكون مزيلا للشي‏ء بعد وجوده و تحققه بلا أن يمنع المقتضي عن التأثير أصلا.

بيان ذلك: إنه من المعلوم- بعد التأمل- أن المقتضي للشي‏ء و علته قد يكون حدوثه مقتضيا لحدوثه و بقاؤه مقتضيا لبقائه، و قد يكون حدوثه و وجوده في زمان مقتضيا لحدوث المعلول و لكن بقاءه لا يحتاج إلى بقاء العلة التكوينية كبقاء حرارة الماء المعلول للنار في الأمور الخارجية، و بقاء نجاسة الجسم المعلول لملاقاته مع الرطوبة للشي‏ء النجس في الشرعيات، إذ من المعلوم أن بقاء الحرارة في الأول و بقاء النجاسة في الثاني ليسا مستندين إلى بقاء علتهما و مقتضيهما، أعني النار في الأول و الملاقاة في الثاني، بل قد تزول العلة- و قد يغلب ذلك- و المعلول مستمر إلى زمن حتى يتحقق الرافع و المزيل، بل ربما يتبدل المقتضي إلى ضده، كما إذا وضع مكان النار بعد حصول حرارة الماء الثلج، فمن الواضح أن حدوث الرافع من الهواء البارد أو الماء المطهّر لا يمنعان المقتضي من تأثيره في النجاسة و الحرارة، و كم فرق بين أن يكون بين النار و الماء حائل من حجر أو ثلج، بحيث يمنعها عن التأثير في الحرارة حدوثا أو بقاء، و بين أن يلحقه مانع بعد حصول الحرارة، لما عرفت. و هو واضح، لأن الأول مانع من تأثير المقتضي، و الثاني رافع لوجود المعلول و مزيل له، لا أنه مزاحم لتأثير المقتضي، لأن بقاءه لا يحتاج إلى بقاء العلة لو لا وجود الرافع و المزيل، فافهم.

و ذلك غير مرتبط باحتياج الشي‏ء في كل آن إلى إضافة الوجود من المبدأ الفياض، حيث أنه بالنسبة إلى كل ما له في التكوينات دخل من أصل وجوده، و كيفية وجوده،

42

و كيفية دخله في التأثير (و النار وجودها حدوثا و بقاء و كونها مؤثرة في الحرارة) يحتاج في كل آن إلى إفاضة للوجود من المبدأ الفياض، و كذا حرارة الماء حدوثا و بقاء تحتاج في كل آن إلى إفاضة الوجود. و هذا غير مرتبط بلزوم وجود النار في كل آن تحت خزانة الحمام أو الإناء الذي فيه الماء لبقاء حرارة الماء، بحيث يلزم زوال الحرارة بمجرد زوال النار المعلوم خلافه، و العجب من الخلط بين الأمرين.

قوله- (قدس سره)-:

و الحاصل أن المقدر في الرواية باعتبار دلالة الاقتضاء يحتمل أن يكون جميع الآثار في كل واحد من التسعة، و هو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقي‏

بعد ما عرفت من عدم إمكان كون المراد الرفع الحقيقي، بل يكون رفعا تنزيليا، فهل يكون المقصود من رفعه رفع المؤاخذة، أو رفع الأثر المناسب، أو رفع جميع الآثار؟

لا مانع من الالتزام بالأول بحيث يشمل المقام إلا من جهة ظهور وحدة السياق في أن المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» بقرينة أخواتها، هو الموضوع، و لم يتعلق عدم العلم في الشبهة الحكمية بالموضوع، بل بالحكم. و لا معنى لتعلق الشك بالفعل الكلي في الشبهات الحكمية، حيث أنه إنما تعلق الشك بالعناوين الكلية من جهة أحكامها، و أما مع قطع النظر عنها فليست مشكوكة أصلا، كما لا يخفى. و لأجل عدم تعلق المؤاخذة على نفس «ما لا يعلمون» أو شمل الجهل الحكم و الشبهة الموضوعية- بخلاف سائر الفقرات- فهذا أيضا وحده سياق آخر مانع عن تقدير المؤاخذة، و كون الرفع التنزيلي بلحاظ هذا الأثر.

و لكن لا يخفى على المتأمل: أنه لو كان المقصود من نسبة المؤاخذة إلى كل واحد من المذكورات نسبة نشوئية، أمكن أن يراد من الموصول عموم الحكم و الموضوع، مع إبقاء وحدة السياق بحالها، حيث إنها كما تكون ناشئة من قبل الموضوع كذلك تكون ناشئة من‏

43

قبل الحكم.

نعم، لو لم يكن بهذا المعنى، بل كان بمعنى «على» كما يقال يترتب عليه العقاب، أشكل الأمر، و حيث أنه لم يكن لفظ في البين و كان ما ذكرنا ممكنا، فيتمسك بعمومه لو بنينا على عموم الموصول من الجهة الأولى، كما أنه لا مانع من الالتزام به من جهة كونه في مقام الامتنان، و شدة مناسبة هذا المقام مع الرفع عن مطلق ما لا يعلم، يوجب صرف الذهن عن وحدة السياق مع أخواتها إلى إرادة العموم منه.

ثم اعلم: أنه بعد إثبات هذا المطلب، و أنه يمكن كون المراد رفع المؤاخذة، يمكن أن يقال: إنه لا معنى لدوران الأمر بين الاحتمالات الثلاث: المؤاخذة، و رفع جميع الآثار، و رفع الأثر المناسب، حيث أنه لو سلم كون الحديث في مقام الامتنان و الإرفاق فلا بدّ أن يكون المرفوع بالنسبة إلى كل واحد من الفقرات شي‏ء كان في وجوده و عدم رفعه ضيق على المكلّف، مثلا بالنسبة إلى الخطأ عليه يكون المرفوع: لزوم المعاملة على المكره، حيث أنه لو لم يرفع كان غير قادر على التصرف فيما باعه أو اشتراه إكراها، كما أنه بالنسبة إلى الاضطرار بالعكس، حيث أنه اضطر إلى معاملة لأجل رفع جوع أو عطش، و لم تكن معاملته صحيحة، كان عليه الضيق.

و لذا لم يلتزموا بتطبيق الاضطرار في الحديث على المعاملات، بل تمسكوا به في باب الواجبات فقط، كما أنهم لم يتمسكوا ب «ما استكرهوا عليه» في باب الواجبات، بل حصروه بالمعاملات، و إن كان الإطلاق- و لو مع ملاحظة الامتنان- يشمل الواجبات أيضا، و إنما يكون عدم التمسك به فيها لأجل عدم المجبورية و العمل به، فيصير إطلاقه معرضا عنه، فتأمل.

و كذا الحال بالنسبة إلى سائر الفقرات.

و من المعلوم أنه إذا كان كذلك فقد جمع بين الاحتمالات الثلاث: من رفع المؤاخذة- كما هو واضح-، و رفع الأثر المناسب- كما هو أوضح- و رفع جمع الآثار، لأن جميع الآثار

44

بعد ملاحظة كون الحديث في مقام الامتنان تنحصر في الخارج بالفرد، لا أنه لم يرفع جميع الآثار، فمرجع الكل إلى شي‏ء واحد.

قوله- (قدس سره)-:

و كذا الكلام في رفع أثر النسيان و الخطأ، فان مرجعه إلى عدم إيجاب التحفظ عليه ...

لا يخفى: أنه بعد ما كان المرفوع بالحديث الشريف كل أثر كانت المنّة تقتضي رفعه، لا بدّ و أن يكون الأثر مما تناله يد الجعل شرعا، بحيث يكون قابلا للوضع و الرفع. و لكن لا يخفى أنه لا يلزم أن يكون مجعولا ابتداء و بلا واسطة، بل يكفي كونه قابلا له بالواسطة و لو بعيدا. و لذا كان النسيان و الخطأ مرفوعين مع وجودهما كثيرا في الأمة، لأن المقصود أن إيجاب التحفظ على وجه لا يقع الانسان فيهما كان موضوعا في الأمم السابقة، و لكنه رفع عن هذه الأمة، و هما مما استوهبه النبي (ص) ليلة المعراج من اللّه تعالى.

و الحاصل أنه: كل شي‏ء ينطبق عليه أحد العنوانين و كان مبدؤه بيد الشارع جعلا فهو المرفوع. و من صغريات هذا المطلب صحة الصلاة، و عدم لزوم إعادتها عند نسيان الجزء، أو إتيانها في ثوب نجس نسيانا، حيث أنه يرجع إلى رفع شرطية الطهارة، و عدم جزئية السورة بالنسبة إلى الناسي، لأن نفس الشرطية و الجزئية- و إن قلنا بأنهما غير قابلين للجعل- إلا أن منشأ انتزاعهما، و هو الأمر الضمني المندك من الأمر بالكل، تحت يد الشارع، فيستكشف أن الأمر المتوجه إليه لم تكن التسعة بحيث يشمل هذا الجزء. و هذا معنى الجزئية، لا أنها بنفسها ارتفعت حتى يقال: إن الجزئية ليست منسية، و إنما المنسي هو الجزء مع العلم بالجزئية، و نسيان الجزئية يرجع إلى نسيان الحكم لا الموضوع، لما عرفت من أن الجزئية- و إن لم تكن منسية إلا أنها مرفوعة لأجل ارتفاع الجزء المنسي- و معنى ارتفاعها ارتفاع الأمر المتعلق بالجزء.

45

و توهم: أن الحديث يدل على رفع الموجود لا وضع المعدوم، و المنسي في المقام وجود الشي‏ء و المكلّف لم يأت بشي‏ء حتى يكون أثره مرفوعا.

مدفوع: بأن الظاهر من الرفع و إن كان يشمل الوضع بحسب اللغة و العرف دون الاصطلاح، حيث أن نقيض الشي‏ء رفعه، و لا بدّ أن يتعلق بأمر وجودي، إلا أن من المعلوم أن النسيان ليس عنوانا عدميا بل هو عنوان وجودي، و إنما تعلق الرفع بملاحظة هذا العنوان الوجودي المنطبق على الفعل المنسي وجودا و عدما، و لا ينافي كون المقصود من الحديث رفع الشي‏ء المنسي في الخارج، و هو الفعل، حيث أن مصداق هذا العنوان لا يكون منحصرا في إيجاد الفعل، بل يشمل ما لو ترك عن نسيان، و لذا يصح أن يقال: إنه نسي و لم يفعل.

و العجب أنه «قده» بعد ما قال بعدم الموضوع، يقول: بأنه مضافا إلى أن الأثر المترتب على السورة ليس هو إلا الإجزاء و صحة العبادة، و مع الغض عن أن الإجزاء و الصحة ليسا من الآثار الشرعية التي تقبل الوضع و الرفع، لا يمكن أن يكون رفع السورة بلحاظ رفع أثر الإجزاء، فإن ذلك يقتضي عدم الإجزاء و فساد العبادة. هذا ينافي الامتنان و ينتج عكس المقصود، فإن المقصود من التمسك بحديث الرفع تصحيح العبادة لا فسادها، فنفس الجزء أو الشرط المنسي، موضوعا و أثرا، لا يشمله حديث الرفع، و لا يمكن التشبث به لتصحيح العبادة، إذ من المعلوم أن الإجزاء أثر لوجود السورة و أثر عدم السورة هو عدم الإجزاء، و المرفوع هو الأثر المترتب على عدمها لا على وجودها، و إذا صار مرفوعا تصير العبادة صحيحة بالضرورة.

و أما ما في بعض تقريرات بحثه من أنه إذا تعلق الأمر بالصلاة المشتملة على السورة بلحاظ صرف الوجود، فالمركب الخالي عنها للنسيان، لا يكون المأمور به حتى يتعلق به الرفع. فهو أيضا من الغرائب، حيث أنه يكون مأمورا به مع ملاحظة حديث الرفع، و إن ارتفع وجوبها، كما إذا ارتفعت جزئية شي‏ء بعنوان «ما لا يعلمون».

46

نعم، إذا كان المقصود من النسيان: النسيان في جميع الوقت و لم يكن مستوعبا بالنسبة إليه، فحينئذ لا يجري الحديث. و لكن هذا لا يرتبط بحديث تعلق الأمر بصرف الوجود، كما أنه لو كان المقصود من عدم وجدان الماء في موضوع التيمم عدم وجدانه في جميع الوقت، فلا يكفي عدمه في بعضه.

و الشاهد على ما ذكرنا أنه إذا تعلق أمر الصلاة بصرف الوجود من الصلاة، و لكن كان الوقت ضيقا لا يسع أزيد من فعل الصلاة، و نسي المصلي السورة، فهل يمكن للقائل أن لا يلتزم بصحة الصلاة لأجل حديث الرفع؟ فتأمل.

بل يمكن أن يقال: بأن لزوم استيعاب النسيان لجميع الوقت بالنسبة إلى نسيان أصل الصلاة، و أما بالنسبة إلى نسيان الجزء فلا يحتاج إليه، لصدق نسيان الجزء المأمور به، إذا نسيه في مقام الامتثال، لوضوح أن نسيان المأمور به أو جزئه لا معنى له في وعاء كونه مأمورا به، مع فرض العلم بكونه مأمورا به، و إنما المراد نسيانهما في مقام الامتثال و الإتيان بهما، و مع سعة الوقت لا يصدق نسيان إتيان المأمور به إلا إذا نسيه في جميع الوقت، و أما صدق نسيان الجزء فيتحقق بنسيانه عند إتيان بقية الأجزاء في مقام الامتثال.

قوله- (قدس سره)-:

و منها قوله (عليه السلام): ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو محجوب عنهم‏

(1)

، فان المحجوب حرمة شرب التتن، فهي موضوعة عن العباد

لا يخفى: أن لفظة «ما» لا تشمل الحكم و الموضوع في المقام كما ذكر في حديث الرفع، لأن نسبة الوضع إلى الموضوع تنزيلي و إلى الحكم حقيقي، بل الأمر فيه أوضح من حديث الرفع من جهة عدم شموله للموضوع، إذ ليس في البين وحدة سياق كما كان فيه، فلا بدّ في‏

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، كتاب القضاء، باب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 28.

47

بيان الشمول لهما من أحد تقريبين:

أحدهما:- أن يكون المراد من لفظة «ما» تعيين مطلق الحكم كليا أو جزئيا، لا نفس الموضوع و الحكم و كان الوضع بالنسبة إليهما حقيقيا، فيكون مفاده أن الحكم غير المعلوم- جزئيا كان أو كليا- موضوع عنهم حقيقة.

ثانيهما:- أن يتصرف في الوضع، بأن يقال: إن ما يكون محجوبا، سواء كان حكما أو موضوعا، فهو موضوع عنهم تنزيلا، بمعنى أنه بمنزلة ما لم يكن، في الأثر الشرعي و إيجاب الاحتياط في مرحلة الظاهر.

و لكن لا يخفى: أن هذين التقريبين ليسا على كل حال، بل كل واحد منهما على تقدير، حيث أن الأول مبني على كون لفظة «ما» عنوانا مشيرا إلى ما هو الحكم، بحيث لا يكون الحجب من الجهات التعليلية و لا من الجهات التقييدية، لأنه بناء عليهما لا بدّ و أن يكون الرفع و الوضع في الرتبة المتأخرة عنه، و لا يمكن أن يكونا متعلقين بالواقع، كما أن الثاني مبني على عدم كون لفظة «ما» مشيرة، بل كانت المحجوبية دخيلة في الحكم بنحو العلية أو الموضوعية، فتأمل.

هذا، و لكن يمكن أن يقال: بأنها لا تشمل الشبهة الموضوعية على كل حال، و لو بتأويلها إلى الحكم الجزئي، لمكان الانصراف عنها من جهة عدم استناد الجعل فيها إلى اللّه تعالى عرفا، و إن كان بالدقة مستندا إليه تعالى، بل قد أشكل المصنف «قده» على شمول الحديث بالنسبة إلى الشبهة الحكمية في المقام حيث أن مساقه مساق قول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن اللّه تعالى سكت عن أشياء، لم يسكت عنها نسيانا ...» (1).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 18، كتاب القضاء، باب 12 من أبواب صفات القاضي (باب وجوب التوقف و الاحتياط في القضاء و الفتوى و العمل)، الحديث 61. و فيه: «إن اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تكلفوها، رحمة من اللّه لكم فاقبلوها».

48

بيان ذلك: أنه قد يكون الحكم واصلا إلى مرتبة الفعلية، و قد لا يكون واصلا إليها،

و باصطلاح آخر: قد تكون مرتبة الإرادة إلى حدّ تعلق الغرض بحفظ وجود الشي‏ء من جهة إبرازها و إنشاء الخطاب كما هو مدلول الخطابات الواقعية، و قد لا يكون كذلك بحيث لم يتعلق الغرض بحفظ وجوده، و لو من جهة الخطاب و الإبراز، و من المعلوم أن الأخباري يلتزم بأن الثاني- و لو علم تفصيلا بوجوده- لا يلزم الاحتياط بالنسبة إليه، و إنما النزاع في أن ما يحتمل أن يكون بهذا الحد بحيث لو قطع به لكان منجزا قطعا، هل يجب الاحتياط بالنسبة إليه أو لا؟.

و الظاهر أن المقصود من الرواية هو القسم الأول الذي لا يرتبط بالمقام.

ثم إنه يمكن أن يستشكل على المصنف «قده»: بأن كون سياق الحديث مساق قوله (عليه السلام): «إن اللّه سكت ...» لا يضر بالمرام، بل يثبت ما هو المقصود في المقام، حيث أنه لا يكون مورد من موارد ما لا نص فيه من الشبهة التحريمية، إلا و قد شك بأنه هل يكون مما سكت اللّه عنه أو مما لم يسكت عنه، بل بيّن و لم يصل إلينا البيان باستصحاب بقاء السكوت عنه في هذه الشريعة المقدسة، مع كونه مسكوتا عنه في الشرائع السابقة، فيدخل المورد فيما كان مسكوتا عنه و يتم به المقصود.

و لا يكفي في جواب الإشكال: أن هذا تمسك بالأصل الموضوعي أولا و بأنه خروج عن محل البحث ثانيا، إذ فيه: أنه و إن كان يخرج عن محل البحث، إلا أنه يكفي في مقابل الأخباري لرفع ما يلتزم به من الاحتياط.

و قد أشكل شيخنا الأستاذ «قده» على المصنف «قده» بأنه لا مانع من شمول الحديث للمقام أصلا، و بيانه يتوقف على مقدمتين:

إحداهما: أنه لا إشكال في أن العلم ليس مما يقبل الرفع بعد ثبوته بثبوت مقتضيه و علته، و إنما يلزم في رفعه رفع مقتضيه، أو إبداء المانع بعد تحقق المقتضي.

49

ثانيتهما: أن الفرق بين الحجب و المنع واضح، حيث أن المنع يمكن أن يكون بلحاظ ثبوت الشى‏ء، بأن يقال: فلان ممنوع وجوده في هذا المكان، أي غير موجود، بخلاف الحجب، فإن الظاهر منه الاستتار الذي لا يكون إلا بلحاظ حال الإثبات، بأن كان ثبوته مفروغا عنه، و لكن كان في مرحلة الإثبات محجوبا عنه.

إذا عرفت هذا فلا بدّ:

إما من التصرف في الحجب الظاهر في الاستتار، و حمله على معنى المنع، و إبقاء نسبة المنع إليه حقيقة، حيث أن منع العلم يكون حقيقة و لو بمنع مقتضيه، و حينئذ يكون مساوقا لقوله (عليه السلام): «إن اللّه سكت عن أشياء ...».

و إما من التصرف في النسبة، بأن كانت نسبة الحجب إلى العلم نسبة غير حقيقية، بل هي من باب نسبة الشي‏ء إلى المقتضى- بالفتح- بملاحظة نسبته في الواقع إلى المقتضي- بالكسر- و إبقاء الحجب على معناه الحقيقي.

و لما كان التصرف الثاني أقرب من جهة كثرة النسبة إلى المقتضى بملاحظة المقتضي عند العقلاء و العرف، لم يكن مفاده مفاد قوله (عليه السلام): «... لم يسكت عنها نسيانا ...» و أنه يكون واردا في مثل المقام، بأن كانت فعلية الشي‏ء محققه، و لكن كان مستورا عن العباد.

و لو أغمض عن ذلك و كان الحجب بمعنى المنع، فنقول أيضا إنه مرتبط بالمقام، حيث أنه إن كان المنع عن الشي‏ء منحصرا بمنعه من ناحية منع مقتضيه، يكون مساوقا لما ذكر من قوله (عليه السلام)، و أما إذا كان منع الشي‏ء بابداء المانع من تأثير المقتضي، و يحتمل أنه كان في الواقع خطاب و تحقق صدوره، غاية الأمر منع عن إيصاله إلى سائر الأزمنة، أو ما أمر بايصاله و في الأخير: على تقدير عدم فعلية التكليف لجميع الناس يتم المطلب، و لكنه خلاف المفروض، و على تقدير الفعلية فأمره دائر بين نقض الغرض أو عدم صدق الحجب، حيث أنه لو منع عن الإيصال كان من الأول، و لو أمر و لكن لم يصل فما حجب اللّه‏

50

علمه، بل صار محجوبا بنفسه.

و بهذا نجيب أيضا عما أفاده شيخنا الأستاذ «قده» من تأسيس أصل المطلب، و الاشكال على المصنف بترتيب مقدمتين، حيث أنه في الشبهات الحكمية أيضا مثل الشبهة الموضوعية لا يستند الجهل فيها إلى اللّه تعالى، لأجل أنه صار محجوبا لإخفاء الظالمين.

إذا كان الحكم في مورد يقينيا و لكن منع عن الإيصال إلى المخاطب- كما هو الحال في جنابة المرأة في الاحتلام- على قول- فيصدق الحجب بالنسبة إلى هذا المورد، فيتعدى إلى غيره بعدم القول بالفصل.

فإنه يقال: يكفي المورد الواحد في إثبات المطلب، فيما إذا كان ذلك المورد من موارد ما لا نص فيه، و كان عدم الفصل بينه و بين غيره مسلّما بين الطرفين. و المورد المذكور، و إن كان مما لا نص فيه بالنسبة إلى المرأة، حيث أنها تكون شاكّة و لا ترى النص لو كان موجودا في البين، إلا أنه لم يذهب الأصحاب إلى القول بعدم الفصل بين هذا المورد و سائر الموارد، كما لا يخفى.

هذا كله مع أن الإشكالين و التقريبين يفيدان في صورة إحراز كون المورد من أفراد المستور و المحجوب، و المقام لا يكون إلا مما يحتمل أن ينطبق عليه العنوان بالبيان المذكور.

ثم إنه «قده» تنزل أيضا عما ذكره، بعد الاغماض، و قال: في صورة إجمال النص الذي هو أحد أفراد المقام يصدق الحجب قطعا، ثم تلحق به- بعدم القول بالفصل- صورة ما لا نص فيه، و صورة التعارض.

لا يقال: في صورة الإجمال، و لو كان الخطاب موجودا، و لكن لا يدل على فعلية التكليف، فلا يصدق الحجب بمعناه الحقيقي في هذه الصورة أيضا.

فإنه يقال: في وصول الحكم إلى مرتبة الفعلية، إبراز للإرادة و لو بخطاب مجمل مردد بين حكمين. و فيه: إنه لو فرض القطع بورود خطاب مجمل بين الأحكام، بحيث لم يبينه‏

51

النبي أو أحد من الأوصياء (صلوات اللّه عليهم أجمعين) إلى الآن، يتم المطلب. و أما إذا لم يكن يقطع- و لو كان محتملا- فلا يتم أصلا، حيث أن تطبيقه على كل واحد من موارد إجمال النص يكون من الشبهة المصداقية للعلم، لاحتمال أنه قد كان في البين مبيّنا، و لو منفصلا عنه، و إنما لا يكون فعلا بأيدينا لأجل إخفاء الظالمين، و لا يكفي صدق الحجب إلى زمان المبيّن، حيث أن ظاهره- و لو من جهة لفظ «العبادة»- الحجب من الجميع، أو من جهة إطلاق الحجب و شموله لذلك، فتأمل. و على كل حال فالتمسك بالحديث للمطلوب مشكل، و اللّه الهادي.

قوله- (قدس سره)-:

و منها قوله (عليه السلام): الناس في سعة ما لا يعلمون‏

(1)

، فان كلمة «ما» إما موصولة أضيف إليها السعة ...

لا يخفى: أن لفظة «ما» إما مصدرية ظرفية، و إما موصولة، فعلى الأول يكون مفادها مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث أنه تكون سعة الناس في ظرف عدم علمهم، و لو لوظيفة ظاهرية من العقل و النقل. و هذا مما لا ينكره الأخباري، بحيث لو تم ما يدعيه من الأخبار الدالة على وجوب الاحتياط كان واردا عليه.

و على الثاني و إن كان يمكن التمسك به للمقام، بحيث يعارض أدلة الاحتياط، بناء على عدم كون العلم كناية عن مطلق البيان، كما أنه لا وجه له، حيث أنه خلاف الظاهر،

____________

(1). رغم الفحص الكثير عن هذا الحديث لم نقف عليه بالنص المذكور في كلام الشيخ (قده)، و إنما الحديث مذكور بألفاظ مختلفة متفاوته في موارد عديدة: منها ما ذكره الشيخ الحر العاملي في وسائله ج 2، الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 11 عن مصادره، و هو المعروف بحديث السفرة، حيث سئل أمير المؤمنين (ع) عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة ... فقال (ع) في آخره: ... هم في سعة حتى يعلموا. و منها ما ذكره صاحب القوانين (ره) بلفظ «الناس في سعة مما لم يعلموا»، و منها ما ذكره صاحب الحدائق في مقدمته الثالثة: «... الناس في سعة ما لم يعلموا».

52

من جهة أن الظاهر من الحديث- بناء على هذا التقدير- أنه لا عقاب على الواقع المجهول، و الأخباري لا يدعي أن مفاد أدلة الاحتياط هو ترتيب العقاب على مخالفة نفس الاحتياط لا الواقع، إلا أنه لما كان الاحتمالان متساويين يصير الحديث مجملا، و لا يمكن التمسك به أيضا.

و لا وجه للقول بأن ظاهر كونه في مقام الامتنان يكون من قبيل القرائن المتصلة بالكلام، فيوجب ظهوره في الثاني- كما قاله الأستاد «قده»- حيث أن الارتكازيات توجب انقلاب الظهور للفظ المعيّن، لا أنها توجب تعيّن أصل اللفظ.

ثم أنه يمكن تقريب الاستدلال، و لو كان «ما» مصدرية، ببيان أن الظاهر أنه كان في مقام تعليق الحكم على عدم العلم بالنسبة إلى كل واحد من الأشياء، بمعنى أن مفاده أن العبد في سعة حين الجهل، أي يكون في سعة من كل شي‏ء لم يعلمه، و الحكم الواقعي شي‏ء لم يعلمه، فيكون العبد في سعة ما لم يعلم بشي‏ء حتى يكون نقيضه الإيجاب الجزئي، و إذا علم بوجوب الاحتياط انتقض هذا العنوان، و لكنه يحتاج إلى التأمل.

قوله- (قدس سره)-:

رواية عبد الأعلى بن أعين عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته: من لم يعرف شيئا هل عليه شي‏ء؟ قال: لا

(1)

...

لا يخفى: أنه يحتمل أن يكون التنوين للتمكن، و يحتمل أن يكون للتنكير. و على الأول لا يدل على المطلب، حيث أنه يختص بالجاهل القاصر الذي لا يعرف الأشياء. إلا أن يقال بأن عدم العرفان أعم من الجهل المركب، فإن كان المقصود كونه محتملا للواقعيات فيدل على المقام بالمناط، بل بالفحوى. و أما إن كان المقصود كونه محتملا لمطلق الوظائف‏

____________

(1). أصول الكافي، ج 1، باب حجج اللّه على خلقه، الحديث 2، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ...

53

في الواقعيات كان مساوقا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لا يدل على المقام، لما عرفت أنه مما لا ينكره الأخباري.

و لا يخفى: أن الأول أظهر عرفا، و الثاني لغة، حيث أن الظاهر من عدم المعرفة بالشي‏ء عدمه بعنوانه الأولي، و إن كان مقتضى إطلاق الشي‏ء جميع الجهات و العناوين.

و لا يخفى: أن الظاهر كون مراد المصنف من الترديد في إرادة الشي‏ء ما ذكرناه من الترديد في التنوين، و لكن لا على كون النكرة بمعناها المطلق، و إلا فالنكرة في سياق النفي أيضا تفيد العموم، بل المقصود أحد فردي النكرة، لأن المقصود من النكرة تارة شخص معيّن مثل قوله تعالى: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ... أي حبيب النجار مثلا، و تارة لا يكون المقصود منها شخصا معينا، فهي تفيد العموم و لو في غير النفي، مثل قوله: جئني برجل أو بحمال.

قوله- (قدس سره)-:

و منها قوله (عليه السلام): أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه‏

(1)

...

لا يخفى: أنه لا تكون الجهالة بحسب الوضع موضوعا لخصوص الغفلة أو الجهل المركب، و لا يكون لها ظهور فيهما أيضا بقرينة ما سيأتي من الخبر الآتي، و هو صحيح عبد الرحمن بن الحجاج، حيث أن الجهالة قد استعملت في الجامع بينهما قطعا، مع أنه ليس بالعناية، و خلاف الظاهر.

ثم إنه لو كان المراد الجهالة بالنسبة إلى الواقع- كما يمكن الاستظهار من لفظ الأمر الظاهر في عنوانه الأولى- يكون دليلا في المقام على المدعى، و أما إن كان المراد الجهالة بالنسبة إلى مطلق حال الأمر الذي يرتكبه، كما هو ظاهر إطلاق الجهالة، فأدلة الاحتياط- لو تمت- تكون واردة عليها، كما لا يخفى.

____________

(1). وسائل الشيعة ج 5، الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 1.

54

قوله- (قدس سره)-:

و منها قوله (عليه السلام): إن اللّه يحتجّ على العباد بما آتاهم، و عرفهم ثم أرسل إليهم رسولا

(1)

...

قد سبق الكلام في مثله في الآيات الشريفة، فراجع.

قوله- (قدس سره)-:

و منها قوله (عليه السلام) في مرسلة الفقيه: كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي‏

(2)

لا يخفى: أن المستدل يستدل به بناء على أن المراد من الورود الوصول إلى العبد، فيكون المراد من الإطلاق الإباحة الظاهرية التي هي محل البحث و الكلام، إذ أن غاية الشي‏ء لما كانت من مراتب الشي‏ء و بقائه، فلا يمكن أن لا يكون لأحدهما حكم في غير مرتبة حكم الآخر، و من المعلوم أن الحكم الواقعي و الظاهري في مرتبتين.

و لذا ترى أن صاحب الكفاية المحقق الخراساني «قده» لما يلتزم بأن المراد من الورود معناه اللغوي- و هو الورود الواقعي- يجعل المراد من الاطلاق الإباحة الواقعية و يقول بأنه غير مرتبط بالمقام، و إن كان قد استشكل عليه شيخنا الأستاد «قده»: بأن كون المراد من الورود الورود الواقعي لا يضر بما نحن بصدده، حيث أنه لو كان النهي منحصرا بما يوجب القطع بالحكم الواقعي، فعدم دلالته على المطلب في محله. و أما إذا كان النهي كثيرا ما غير موجب للقطع بالحكم الواقعي، فهو- و إن كان مفاده الواقع- إلا أنه لما

____________

(1). الأصول من الكافي ج 1، باب حجج اللّه على خلقه، الحديث 4، عن حمزة الطيار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لي: أكتب، فأملى علي: إن من قولنا ...

(2). وسائل الشيعة ج 18، باب 12 من أبواب صفات القاضي. الحديث 60- و فيه: محمد بن علي بن الحسين قال: قال الصادق (عليه السلام): ...