عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل‏ - ج3

- السيد عبد الله الشيرازي المزيد...
301 /
5

[تقديم‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطّيّبين الطّاهرين، الهداة المعصومين الخيرة المهذّبين، صلاة دائمة إلى يوم الدّين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مباحث الاستصحاب‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تعريف الاستصحاب‏

[المقام الثاني في الاستصحاب:]

المقام الثاني في الاستصحاب قوله- (قدس سره)-:

و عند الأصوليين عرّف بتعاريف أسدها و أخصرها إبقاء ما كان ...

أما كونه أخصرها فواضح، و أما كونه أسدّها فقد يقال‏ (1): بعدم تماميته.

أما أولا: فإن الاستصحاب ليس معناه الحكم ببقاء ما كان، لأن ذلك عبارة أخرى عن الحكم بدوام ما ثبت، و هذا ليس من الاستصحاب، لمأخوذية اليقين و الشك في الاستصحاب و خلوّ ما ذكر عنهما.

و أما ثانيا: فلعدم موافقته مع مفاد الأخبار الواردة في الباب. فالأولى أن يقال: إن الاستصحاب عبارة عن عدم انتقاض اليقين السابق المتعلّق بالحكم أو الموضوع من الأثر و الجري العملي بالشك في بقاء متعلّق اليقين.

و لا يخفى: أن التقريب المذكور متضمن لليقين و الشك بعد معلومية أن الإبقاء لا يكون حقيقيا، لكون المسألة إما أصولية و إما فقهية، و على كلا التقديرين راجعة إلى الحكم تعبّدا لا الأمر الخارجي، و الإبقاء التعبدي من حيث الحكم مستلزم لليقين و الشك و إلا يكون بقاء لا إبقاء، فتدبر.

____________

(1). القائل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

10

و الإشكال الثاني يمكن دفعه، بأنه: لا شاهد على كون المراد منه الحكم بالبقاء، بل يمكن أن يكون مراده الإبقاء عملا، و هو ينطبق على ما ذكره المستشكل «(قدس سره)» من الجري بحسب العمل و الأثر العملي.

نعم على تفسير المصنف «(قدس سره)» له- و هو قوله: «الحكم بالبقاء ...» يتوجه الإيراد.

لكن يمكن أن يقال: إن أصل الإيراد فرع كون الاستصحاب عبارة عن عمل المكلف كما يشهد له بعض مشتقاته، مثل إطلاق المستصحب- بالكسر- على المكلف، و أما إذا كان عبارة عن الحكم الشرعي الظاهري- كما هو الظاهر من كلام الأكثر، و ليس ببعيد، لأن المجعول الشرعي عبارة عن حرمة النقض، و عدم الانتقاض ليس إلا موضوعا- فلا بدّ أن يكون عبارة عن الحكم بالبقاء.

و يمكن أن يكون المقصود من عدم الانتقاض من حيث العمل بأن يكون الأثر و الجري المذكور في التعريف بيانا لعدم الانتقاض، بل يكون هو الظاهر، فيوافق ما ذكرنا، و يكون حينئذ نفس الاستصحاب لا موضوعه، و يشهد عليه التصريح من بعض آخر من مقرري بحثه بأنه عبارة عن: حرمة انتقاض الحالة السابقة من حيث الجري.

و لا يخفى: أنه بناء على كون حجيته من باب الظن أيضا لا بدّ من ملاحظة الحكم بالبقاء، لأنه بناء على كونه من باب الظن و إن كان من الأمارات، إلا أن المقصود أنه يكون عبارة عن بناء العقل و حكم العقل بالعمل بالحالة السابقة، و هذا البناء عندهم من جهة الأمارية و إفادته الظن، لا أن نفس الظن عبارة عن الاستصحاب و إلا لا معنى للتعبير عنه بصيغة باب الاستفعال، بل هو أمر خارجي متحقّق في الخارج مثل قول العادل.

و من هنا ظهر ما في كلام بعض المعاصرين‏ (1) من الإشكال على صاحب الكفاية حيث يقول: بأن التعاريف كلها مشيرة إلى معنى واحد، بأنه كيف يرجع إلى معنى واحد،

____________

(1). هو المحقق الخوئي في تقريرات بحثه.

11

مع أن كثيرا منهم يجعلونه من الأمارات، و هي ليست من الحكم، فتأمل جيدا.

و بالجملة، التعريف المذكور يجامع مع الكل و لا ينافيها، فالإنصاف أن هذا التعريف- كما قال المصنف «(قدس سره)»- أسدّها و أخصرها و يجتمع مع جميع المباني، و لا يلزم استعمال اللفظ في المعاني المتعددة، كما لا يخفى.

[بقي الكلام في أمور:]

بقي الكلام في أمور

[الأول:]

الأول قوله- (قدس سره)-:

و حيث أن المختار عندنا هو الأول ذكرناه في الأصول العملية المقررة للموضوعات‏

لا يخفى: أن مقتضى تقسيم المصنف «(قدس سره)» الشكوك في أول الكتاب، تقديم الاستصحاب على سائر الأصول العملية، بل يكون مقتضى كونه أقرب إلى الأمارات منها أيضا تقديمها، و إلى الآن لم يظهر وجه تأخيره المصنف «(قدس سره)» عنها.

[الثالث:]

الثالث قوله- (قدس سره)-:

بل هو نظير سائر القواعد المستفادة من الكتاب و السنة

قد يشكل‏ (1) بأنه فرق بين القواعد الفقهية المستفادة من الكتاب و السنة، كقاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و قاعدتي «نفي الضرر» و «نفي الحرج» و بين الاستصحاب في الشبهات الحكمية، و أنه يكون من المسائل الأصولية، بخلافها، حيث أن المسألة الأصولية ما تكون كبرى نتيجتها لاستنباط الحكم الشرعي الكلي، و القواعد الفقهية- و إن كانت كلية- إلا أنها تتعلّق بآحاد أفعال المكلفين، فراجع تقريرات بحث المستشكل المعظّم.

لكن الإنصاف: أنه من هذه الجهة لا يمكن الفرق بينهما، لأن القاعدة الفقهية ليست‏

____________

(1). المستشكل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

12

مثل المسألة الفقهية التي نتيجتها متعلّقة بآحاد أفعال المكلفين، مثل وجوب صلاة الجمعة، بل نتيجتها تكون كبريات كلية، فإن قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» بنفسها قاعدة كلية تقع كبرى في قياس مثل «البيع يضمن بفاسده»، لأن كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

و ما يقال في جوابه: بأن الفرق بين المسألة الأصولية و المسألة الفقهية، هو أن النتيجة في الأولى كلية دائما، و في الثانية و إن كانت في بعض الموارد كلية، لكن في بعضها تكون جزئية.

ففيه: أنه إن كان المراد من ذلك أن بعض القواعد الفقهية تكون كلية و بعضها جزئية، فنحن نتكلم فيما هو منها كلي، و إن كان المراد أن بعض القواعد الفقهية قد ينطبق على الكليات و قد ينطبق على الجزئيات، مثل قاعدتي «نفي الحرج» و «نفي الضرر» حيث أنهما قد تنطبقان على الوضوء و الغسل الضرري و الحرجي، و قد تنطبقان على الموارد الجزئية من الأمور الضررية، فنقول: مع أن كل أمر جزئي يمكن أن ينطبق عليه عنوان كلي يكون ذلك العنوان موضوعا للحكم في الشرع، يكون الاستصحاب أيضا كذلك، حيث أنه يكون في الشبهات الحكمية كليا و في الشبهات الموضوعية لا يكون كذلك، إلا أن يقال:

محل كلام المستشكل خصوص الاستصحاب في الشبهات الحكمية، مع أنه لا يكون مثل قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و مثل قاعدتي «نفي الحرج و الضرر» قد تنطبق على الكلي، و قد تنطبق على الجزئي، بل يكون تام المطابقة مع الاستصحاب في الشبهات الحكمية و انطباقها بالنتيجة على آحاد المكلفين، و أفراد الموضوع لا يختص بها، بل جميع المسائل الأصولية تكون كذلك، كما صرح به المصنف «(قدس سره)» في طي كلماته.

و بالجملة، الفرق بين الاستصحاب و بين القواعد الفقهية في غاية الإشكال، و لذا التجأ المصنف «(قدس سره)» في مقام الفرق بينهما إلى كون إجرائها مختصا بالمجتهد و لا حظ

13

للمقلد فيها، بخلاف القاعدة الفقهية .. و إن كان هذا غير جامع أيضا، للنقض بقاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية، حيث أنه لا يقدر المقلد على إجرائها بل يكون الإجراء وظيفة المجتهد، مع أنها قاعدة فقهية، فلا بدّ من ضم قيد آخر إليه، و هو عدم اختصاصها بباب دون باب، فالمسألة الأصولية عبارة عن مسألة لا تكون نتيجتها راجعة إلى المقلد و العامي ابتداء، مضافا إلى عدم اختصاصها بباب واحد.

و أما توهم أن معنى اختصاصها بالمجتهد، عبارة عن كون تشخيصها من حيث الموضوع و شرائطه بيد المجتهد، و أما مضمونها- و هو لزوم العمل على طبق الحالة السابقة و ترتيب آثاره- فمشترك بين العالم و الجاهل- أي المجتهد و المقلد- و ليس هذا معنى الاختصاص.

فمدفوع: بما أجاب عنه المصنف «(قدس سره)» من أن جميع المسائل الأصولية تكون كذلك، لأن وجوب العمل بخبر العادل و ترتيب آثار الصدق عليه من حيث العمل، ليس مختصا بالمجتهد، و لا يكون للمجتهد إلا تشخيص مجراه، و تعيّن مدلوله، لعجز العامي عن ذلك، فينوب المجتهد عنه، و إلا فحكم اللّه الشرعي في الأصول و الفروع مشترك بين المجتهد و المقلد.

و ملخصه: إن المجتهد ينوب عن المقلد في المسألة الفقهية في خصوص استفادة الحكم الراجع إلى المقلد من الأدلة، و في المسألة الأصولية ينوب عنه علاوة عن استفادة الحكم في تحصيل المقدمات بالأدلة الاجتهادية و تشخيص مجاري الأصول، و إلا فنفس الحكم الذي هو المدلول للخطاب في الفروع و الأصول مشترك بينهما. و ما ذكرناه هو معنى أنه لا يمكن إعطاء النتيجة في المسألة الأصولية بيد المقلد، مثل وجوب العمل بخبر الواحد، بخلاف المسألة الفقهية، مثل وجوب صلاة الجمعة، و إلا فنفس الوجوب في كليهما متعلق بالأعم من المجتهد و المقلد، و لذا قلنا في أول الكتاب بأن المقصود من «المكلف» في كلام المصنف «(قدس سره)» هو مطلق من وضع عليه قلم التكليف، لا خصوص المجتهد كما

14

قيل. و لا وجه لتخصيص «المكلف» الذي هو الموضوع في المسائل المبحوث عنها في الأصول بخصوص المجتهد، بعد عموم أدلتها بالنسبة إلى الأمارات و الأصول، و كلام المصنف «(قدس سره)» و عباراته هنا صريحة في المطلب، و لا يحتمل الخلاف حتى يدعى خلاف ما ذكرنا، كون المراد من كلامه، مع ما قد عرفت هناك من أنه لا وجه لاختصاص أدلة المسائل الأصولية بخصوص المجتهد، إلا احتمال عدم الاعتبار بظن المقلد و شكه، تارة: من جهة لزوم حصولهما من المدارك. و أخرى: من جهة كون الشك الذي هو موضوع في الأصول، الشك الحاصل بعد الفحص الذي يعجز عنه العامي و المقلد، لما عرفت هناك و أشرنا إليه في المقام: من أنه لا وجه لعدم الاعتبار بعد إطلاق الموضوع و الحكم في أدلة اعتبار الأمارات و الأصول، و كون وجوب الفحص طريقيا لا نفسيا، ففي الحقيقة عند عدم الدليل الاجتهادي مطلق الشك يكون موضوعا للأصول، غاية الأمر أن المقلد عاجز عن الفحص و إثبات عدم الدليل و المجتهد ينوب عنه، كما هو الحال في تشخيص الخبر الواحد، و إلا فلو لم يكن الحكم في المسائل الأصولية في الأصول، أو أدلة اعتبار الأمارات مما يعمّ المقلد و ما يشترك فيه العالم و الجاهل، فبأيّ شي‏ء يفتي المجتهد للمقلد: بالحكم المختص لنفسه؟ أو بالحكم المتوجّه إلى الأعم منه و من العامي؟ أو بالحكم المتوجّه إلى خصوص العامي و المقلد؟

لا يخفى: أن الثاني و الثالث خلاف مفروض القائل، فيتعين الأول، و لا وجه لحجيته للمقلد، لأنه أفتى بخصوص حكم نفسه.

لا يقال: وظيفة المجتهد الإفتاء و وظيفة الجاهل الرجوع إلى العالم و أخذ الفتوى منه.

فإنه يقال: وظيفة المفتي الفتوى لكل شخص بخصوص حكمه، لا بنحو الإجمال و وظيفة العامي أخذ الفتوى منه في حكم شخصه، لا بنحو الإجمال.

فإن قلت: إذا شك المجتهد في زوال النجاسة عن الماء بعد زوال التغيّر بنفسه في الشريعة، فيستصحب نجاسته، و لم يكن في البين مقلد، فضلا عن شكه و يقينه و يفتي ببقاء

15

النجاسة.

قلت: أولا: لا ينحصر الاستصحاب بالأحكام الوضعية التي ليست موضوعاتها مرتبطة بفعل المكلف، و فرق بينها و بين الأحكام التكليفية التي قوامها الخطاب و عمل المكلف، مثل وجوب صلاة الجمعة، و حرمة العصير العنبي، و وجوب العمل بخبر الواحد.

و ثانيا: ليس معنى الاستصحاب إلا لزوم العمل على طبق الحالة السابقة، و هذا المجتهد ربما لم يبتل بالماء المتغيّر أبدا، فكيف يكون مخاطبا بحرمة النقض العملي.

و ببيان أوضح: إن المخاطب بالعمل في زمان الشك، هو المخاطب في زمان اليقين، أي المتيقّن، و المفروض أن العامل في زمان الثاني- أي زمان الشك- هو المقلد، فلا بدّ أن يكون المخاطب بقوله «لا تنقض» هو هذا العامل.

و من هنا ظهر ما في كلام المستشكل بأنه لا عبرة بيقين المقلد و شكه، بل الميزان يقين المجتهد و شكه، و لا يتوقف إعماله الاستصحاب على تحقق الموضوع خارجا، بل يكفي فيه فرض الوجود، فيجري الاستصحاب و لو لم يوجد في العالم ماء متغير. و السر في ذلك هو:

أن متعلّق الشك في الاستصحابات الحكمية إنما هو الحكم الكلي المترتب على موضوعه المقدّر وجوده، مع تبدل بعض حالات الموضوع، و هل لا يكون هذا إلا خلاف ما بنى عليه في الاستصحاب من أنه الجري العملي؟ و لا يكون ما ذكر عدم الانتقاض بحسب الاعتقاد الذي توهم أنه يفيد في مقام الفتوى.

و بالجملة، من جهة المدلول و المفاد لا فرق بين: مفاد آية النبأ، و مفاد قوله (عليه السلام) «لا تنقض اليقين بالشك»، و بين «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» من جهة أنها أحكام كلية تحتها كليات، و يكون مفادها غير مختص ببعض المكلفين دون آخرين، و الفارق بينهما ليس إلا حظ المقلد في بعضها، و عدمه في بعضها الآخر. و قد بيّنا في أول الكتاب أنه هل يمكن الالتزام بأن المكلفين في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ‏

16

لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ... (1)، عموم المؤمنين من المجتهدين و المقلدين، و في قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... (2) خصوص الفقهاء و المجتهدين من المؤمنين؟ و لم يكن عموم العوام و المقلدين مرادا من المؤمنين فيها، و هم خارجون عنها؟

كلا ثم كلا، بل العمدة النظر فيها إلى العوام، لأنهم بنوا الأثر على إخبار الوليد.

***

____________

(1). سورة الجمعة: 9.

(2). سورة الحجرات: 6.

17

موارد جريان الاستصحاب‏

[الخامس‏]

الخامس قوله- (قدس سره)-:

فلو غفل عن ذلك و صلى بطلت صلاته لسبق الأمر بالطهارة

لا يخفى: أن سبق الأمر بالطهارة غير مجد للمدعى، و هي ثمرة جريان الاستصحاب و عدمه، لأن المفروض عروض الغفلة بعد الشك الفعلي حين الدخول في الصلاة. نعم، يكون الشك مانعا عن جريان قاعدة الفراغ، لظهور أدلتها في حدوث الشك بعد العمل لا مطلق الشك، و هو غير مرتبط بالاستصحاب.

نعم، تظهر الثمرة في الفرع الثاني، و هو أنه لو غفل بعد اليقين بالحدث إلى أن صلى، فإنه بناء على كون المقصود من الشك أعم من الغفلة، لا تكون الصلاة صحيحة، و أما بناء على كون المقصود من الترديد و الشك، الشك الفعلي، تصح الصلاة لجريان قاعدة الفراغ، فافهم.

لا يقال: إن قاعدة الفراغ حاكمة على الاستصحاب قبل الصلاة، و لا اختصاص لحكومتها على الاستصحاب بعد الصلاة.

فإنه يقال: لا مجال لحكومتها على الاستصحاب الجاري قبل الصلاة، لعدم الدليل عليها، حيث أن الدليل على حكومتها بالنسبة إلى الاستصحاب بعد العمل لزوم اللغوية لولاها، و من المعلوم أنه يكفي في عدم اللغوية حكومتها عليه بالنسبة إلى بعد العمل الذي يكون مورده بالاتفاق، بل الإجماع، مع أنه لا يمكن حكومتها على الاستصحاب قبل العمل، لأنه قبل العمل مخاطب بخطاب «لا تنقض» حسب الفرض، فلو كانت القاعدة

18

التي يتحقق مجراها بعد العمل حاكما عليه، يلزم أن تكون دافعة للاستصحاب بعد تحققه، و هو أزيد من النسخ، أو كاشفا عن عدم جريانه بنحو الشرط المتأخر، و كلاهما كما ترى.

و بالجملة، إذا كان تحقق الاستصحاب و مورد القاعدة في زمان واحد و رتبة واحدة، تكون القاعدة حاكمة عليه، لأجل عدم لزوم اللغوية. و أما إذا كان مجرى الاستصحاب مقدّما على مورد القاعدة زمانا و رتبة. فلا معنى لحكومتها عليه، و لا يلزم من عدمها لغوية أصلا كما لا يخفى.

قوله- (قدس سره)-:

... لأن الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف‏

لا يخفى: أن ما ذكره «(قدس سره)» من عدم جريان الاستصحاب في الحكم العقلي، مبتن على ما قرّره من لزوم إحراز الخصوصيات الموجودة في الموضوع، من جهة دخلها في مناط الحكم و عدم دخلها.

و أما إذا قلنا: بأنه ربما يدرك العقل المناط للحسن و القبح في موضوع مركب ذي أجزاء و قيود بنحو الإجمال، و يحكم من باب المتيقّن، و لكن لا يدرك دخل بعض الخصوصيات الموجودة في المركب في المناط و عدمه، فحينئذ عند انتفاء تلك الخصوصية.

يشك في بقاء الحكم و عدمه، و لا مانع من جريان الاستصحاب في الحكم العقلي من الجهة المذكورة.

و لا يخفى: أنه بناء على إمكان حكم العقل من باب المتيقّن، فيما إذا رأى المناط بنحو الإجمال في موضوع مركب ذي أجزاء، و إن لم يدرك دخل تمامها في المناط، لا ينافي ذلك عدم الإهمال في حكم العقل، حيث أنه لا إهمال في مقام الإثبات الذي هو محل عدم إهمال حكم العقل لا في مقام الثبوت.

19

و لا فرق بين أن يكون نظر المصنف «(قدس سره)» استكشاف حكم الشرع من العقل من جهة كون الأحكام الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية، و أنها تابعة للمصالح و المفاسد، كما عليه مشهور العدلية، أو يكون من جهة أن حكم العقل بالحسن و القبح- الذي يقول به العدلية أيضا في قبال الأشاعرة- يكشف عن الحكم الشرعي، من جهة الملازمة بينهما، على القول بها، لوضوح أنه لو قلنا بامكان الحكم من باب المتيقّن في المركب، فكما أن العقل يدرك الملاك في الجملة في هذا الموضوع المركب، و يكشف بنحو الإجمال عن الحكم الشرعي عند انتفاء بعض القيود و يحتمل بقاء الملاك الملازم لحكم الشرع، فكذلك يحكم بالحسن و القبح فعلا بالنسبة إلى هذا الموضوع، و عند انتفاء بعض القيود- و لو أنه لا يحكم قطعا بالحسن و القبح- و لكن يحتمله حسنا أو قبيحا، لوضوح أن الحسن و القبح الواقعيين الذي يحكم بهما العقل، ليس إلا من جهة إدراك تلك المصلحة أو المفسدة، و إلا يلزم أن لا يكون عن مناط و ملاك، و هو مخالف لمذاق العدلية، بل مطابق لما ذهب إليه الأشاعرة.

و بالجملة، كون الشي‏ء ذا مصلحة أو مفسدة ملازم للحسن و القبح، و لا ينفك أحد العنوانين عن الآخر، و القطع بأحدهما ملازم للقطع بالآخر، و الشك في أحدهما ملازم مع الشك في الآخر.

و القول باستكشاف الحكم الشرعي من باب الملازمة- على القول بها- إنما هو من جهة سببية الملاك للحسن و القبح، كما صرح به المصنف «(قدس سره)» في المتن بقوله:

«لأن الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح، كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف الذي هو الموضوع ...» و كذلك قوله «إن قلت على القول ... إلى آخره». فما هو مناط الحكم و موضوعه في الحكم العقلي بقبح هذا الصدق، هو المناط في حكم الشرع، و غيرهما من سائر عبارات المتن التي تكون صريحة أو ظاهرة فيما قلنا، و أن العنوانين متلازمان، و بهما يكشف الحكم الشرعي على القول بالملازمة.

20

و العجب من هذه التصريحات، كيف يفكك المعاصر المعظّم بين منشأ الملازمة و يسند إلى المصنف «(قدس سره)» بأن نظره إلى كاشفية الحسن و القبح عن الحكم الشرعي كما سيجي‏ء، و عليه يبتني عدم تمامية ما أورده أستاذه المحقق النائيني على المصنف «(قدس سره)»، مثل ما أوردناه من إمكان كون حكم العقل من باب المتيقّن، فيمكن تحقق الشك، بخلاف ما إذا كان حكم العقل من جهة الملاك، فحينئذ يكون الإشكال واردا عليه.

نعم، لا أثر للاستصحاب المذكور، لو كان المقصود إجراؤه بالنسبة إلى نفس الحكم العقلي، كما يوحي ظاهر كلام المصنف «(قدس سره)»، حيث أنه لا يكون أثر شرعي يترتب على حسن الشي‏ء تعبدا أو قبحه كذلك. و الملازمة- على فرض تسليمها- إنما هي بين الحسن و القبح الواقعيين الحقيقيين و بين الوجوب و الحرمة الشرعيين لا بين الحسن و القبح التعبديين و بين الوجوب و الحرمة الشرعيين، و لذا قد يقال: بأن مراد المصنف «(قدس سره)» استصحاب الحكم الشرعي المستكشف من الحكم العقلي من جهة الملازمة. و لكن يرد عليه: أنه لا مانع حينئذ من إجراء الاستصحاب، بالنسبة إلى الحكم الشرعي المستكشف.

أما بناء على عدم لزوم إحراز دخل كل واحد من خصوصيات الموضوع في الحكم العقلي فواضح، لاحتمال عدم دخلها، فيحتمل بقاء الحكم الشرعي فيستصحب.

و أما بناء على لزوم الإحراز فيحتمل أيضا بقاء الحكم الشرعي، لأجل كون الباقي من الموضوع مما يحتمل أن يكون فيه المناط أيضا، فيكون الحكم الشرعي مشكوك البقاء، إلا أن يقال: إن الموضوع في الزمان السابق المقيّد بالخصوصية، فلا يكون باقيا في الزمان الثاني، و ليس مثل ما إذا ورد في الكتاب و السنة خطاب متعلّق بموضوع له حالتان، إحداهما كانت تحت الحكم، و عند انتفائها يكون الموضوع باقيا بنظر العرف، بل يكون من القيود المقوّمة للموضوع.

21

و بالجملة، يكون القيد المأخوذ في موضوع حكم العقل أزيد من المأخوذ في موضوع حكم الشرع، لأن المفروض القطع بدخله في مناط الحكم، فلا يكون من الحالات قطعا. بخلاف مثل العنبية المأخوذة في موضوع الحكم الشرعي، فإنه بمناسبة الحكم و الموضوع يكون من الحالات، بل قد يكون المأخوذ في موضوع الحكم الشرعي أيضا من القيود المقوّمة، بحيث لا يجري الاستصحاب عند عدمه، فافهم.

قوله- (قدس سره)-:

و أما إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضية العقلية بل كان لعدم المقتضى و إن كانت القضية العقلية موجودة أيضا فلا بأس باستصحاب العدم‏

لا يخفى: أنه يمكن أن يقال: بأنه لا فرق بين استصحاب حال العقل- أي استصحاب عدم التكليف قبل البلوغ و العقل- و بين استصحاب عدم التكليف المستند إلى القضية العقلية، كاستصحاب عدم وجوب السورة حال النسيان، لأن عدم التكليف قبل البلوغ أو العقل يستند إلى القبح العقلي، فكما أنه لا يمكن تكليف الناسي للسورة بإتيانها حال النسيان و يكون تكليفا قبيحا، كذلك يكون التكليف بالنسبة إلى المجنون أو الصبي قبيحا، بل غير ممكن إلى غير المميّز أو المعدوم الذي مثّل به «(قدس سره)» في المتن. فالفرق بينهما في غاية الإشكال، و لم يظهر من عبارة المتن وجه الفرق بينهما، إلا أنه يجعل أحدهما مستندا إلى العقل و الآخر غير مستند، بل حال يحكم العقل على طبقها.

و قد عرفت أن عدم التكليف فيه أيضا مستند إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو إلى عدم القدرة، مثل مسألة الناسي. اللهم إلا أن يقال: إن استناد عدم الحكم في حال العقل إلى القبح أو عدم القدرة- و إن كان محتملا- لكنه غير معلوم، بخلاف استناد عدم وجوب الصلاة بدون السورة إليه، فإنه معلوم، فيتحقق الفرق بينهما.

و لكنه مع ذلك، يمكن أن يكون وجه الفرق في نظر الأصحاب «(قدس سرهم)» من‏

22

جهة كون الناسي عنوانا للمكلف في مسألة نسيان السورة و بعد التذكر لا يكون في كلا الحالين، و لا يكون عنوان الصغير أو غير البالغ موضوعا للعدم السابق، و الموضوع المذكور في بعض الأخبار شامل للبالغ بعد ساعة البلوغ. و لذا لا يرى العرف فرقا بين لحظة قبل البلوغ و اللحظة التي يبلغ فيها، و إنما يرى الفرق بين ساعات قبل البلوغ، و ساعات بعده، بل بين أيام و شهور، بل بين سنين بينهما، بالنسبة إلى كثير من الناس.

و من هنا يمكن أن يقال: بأن عدم التكليف قبل البلوغ في غير الذي يبلغ مجنونا، لا يكون موردا للقبح أصلا، فضلا عن الاستناد، بل يكون لأجل عدم المصلحة أو وجود المانع، فيرتفع النزاع من أصله.

و بالجملة، لما كان الموضوع بنظر العرف باقيا بعد البلوغ، لا مانع من جريان الاستصحاب، و لا إشكال في أنه يجري الاستصحاب في الحال المتصل بالبلوغ، لا حال كونه معدوما أو غير مميز. بخلاف مسألة عدم وجوب السورة، لأن موضوعه الناسي و هو غير موجود، نعم، يشكل في مسألة استصحاب حال الجنون، فإنه ربما يكون الموضوع بنظر العرف متبدلا، فافهم و اغتنم.

قوله- (قدس سره)-:

الثالث: من حيث أن الشك في بقاء المستصحب قد يكون من جهة المقتضى، و المراد به الشك من حيث استعداده ...

العبارة ظاهرة بل صريحة في: أن المقصود من المقتضي في المقام، استعداد بقاء الشي‏ء بحسب طبعه، لأن الأشياء مختلفة من هذه الجهة.

أما الموضوعات فواضح أمرها، إذ أن الحيوانات و النباتات بل أكثر الجمادات، مختلفة من حيث الاستعدادات التي جعلها اللّه تبارك و تعالى فيها، فبعضها يبقى يوما، و بعضها يبقى إلى ألف سنة أو أزيد، و بعضها بينهما.

23

و أما الأحكام فهي أيضا كذلك، لأن الشارع في بعضها لاحظ الارسال و الاستمرار تأسيسا أو إمضاء، و في بعضها لاحظ الإهمال أو التضييق. و المقصود من الرافع المزيل لما يكون قابلا للبقاء من وجود المقتضي فيه بالمعنى المتقدّم، و لا معنى لما يتوهم: من أن المقصود من المقتضي وجود الملاك، و المقصود من الرافع ما يكون رافعا للمسبّب شرعا، كالوضوء الذي يكون سببا للطهارة، و البول الذي يكون ناقضا لها، مع وضوح عدم حصول العلم بوجود المقتضي بأحد المعنيين غالبا، فتأمل جيدا.

ثم إن صريح كلام المصنف «(قدس سره)» في المقام و فيما سبق منه- بعد نقل كلام المحدث الأسترابادي «(قدس سره)»- أن استصحاب الليل و النهار كان من الشك في المقتضي، مع أنه ربما لا يكون كذلك، لأن كل واحد منهما مزيل للآخر.

نعم، في صورة الشبهة المفهومية ربما يكون الشك في وجود المقتضي، لأنه إذا شك في أن آخر النهار هل يكون استتار القرص أو ذهاب الحمرة؟ فبعد الاستتار يكون الشك في بقاء الاستعداد للنهار. و كذا إذا شك من جهة الطول و القصر في الأيام، فإنه حينئذ يكون الشك في استعداد بقاء النهار، من جهة أن اقتضاء الفصل هل يكون اثني عشر ساعة، أو أربعة عشر ساعة مثلا. و أما إذا كان مقدار النهار معلوما و مفهومه كذلك، و لكن من جهة أمر خارجي شك في بقائه، فالشك في طروّ المزيل.

و لا يخفى: أن الأغلب في موارد الشك في بقاء الليل و النهار من هذا القسم، فيلزم حمل كلام المصنف «(قدس سره)» على غير الأغلب، أو غير الغالب إذا كان المراد غير هذا القسم، مع أنه بالنسبة إلى استصحاب الليل، الشك من جهة المفهوم لا مورد له أصلا، لأن انتهاء الليل معلوم، و هو طلوع الفجر، و إن كان ابتداؤه محل الكلام.

نعم، في تعلق النذر يمكن تصوير الشك في المنتهى، لكن يحتاج إلى التأمل، مع أنه نادر على فرض تسليمه، و الالتزام بجريان الاستصحاب في النهار دون الليل كما ترى.

و إن قيل: بأن آخر الليل و إن لم يكن مورد الشبهة، و لكن نصف الليل محل الشبهة،

24

و له آثار متعددة في الفقه، و إذا شك في تحققه يستصحب العدم.

و لكن يمكن أن يقال: بأنه لا معنى لاستصحاب عدم نصف الليل، لأن نصف الليل ليس له معنى خارجي حتى يستصحب عدمه، بل هو أمر انتزاعي عن أمر موهومي، و لا تحقق له في الخارج. و من المعلوم أن المستصحب أو نقيضه، لا بدّ أن يكون أمرا وجوديا خارجيا أو اعتباريا. و هذا بخلاف نصف النهار، فإنه عبارة عن زوال الشمس عن دائرة نصف النهار، و هي و حركتها أمران وجوديان مسبوقان بالعدم.

إلا أن يقال: بأن عموم حرمة انتقاض اليقين بالشك، يشمل مثل المقام الذي ليس له وجود خارجي و لا اعتباري، و ينطبق على مجرد المفهوم المنتزع عن أمر وهمي، إذا كان موردا للأثر الشرعي، فيقال: إلى هذا الوقت لم يتحقق الانتصاف بعد، فيستصحب، و لكن عمدة محل الكلام في آخر الليل.

اللهم إلا أن يقال: بأن الشك من جهة المصداق أيضا يرجع إلى الشك في المقتضي، من حيث أن منشأ الشك في بقاء النهار، الشك في وجود الشمس في الأفق بين المبدأ و المنتهى، و لأجل ذلك جعل المصنف «(قدس سره)» الاستصحاب بالنسبة إليهما مطلقا، من الشك في المقتضي، و لكن يرد عليه أنه بالنسبة إلى الليل مسلّما لا يكون شكا في المقتضي فيلزم التفكيك أيضا، فتأمل جيدا.

لا يقال: لما كان الليل عبارة عن الظلمة و السواد بنظر العرف بل بالدقة، فهو أيضا يشك في بقائه بين المبدأ و المنتهى من الأفق في الشبهة الموضوعية.

فإنه يقال: بناء عليه لا يكون إلا الشك في الرافع، حيث أن منشأ الشك في انقضائه لا يكون إلا طلوع الفجر في أول الافق، و هو رافع و مزيل للظلمة و السواد.

و الإنصاف: أنه لو بنينا على عدم جريان الاستصحاب في الشك في المقتضي، نلتزم بجريانه بالنسبة إليها، من جهة أن الشك فيها من أقسام الشك في الرافع عرفا. و هذا المقدار يكفي في المطلب، لأن الميزان صدق النقض عرفا، و لأجل ذلك لا يكون جريانه‏

25

بالنسبة إليهما محل الخلاف بين الأصحاب، كما ادعاه المحدث الاسترابادي (رحمه اللّه)، بل ادعى أنه من الضروريات.

ثم لا يخفى: أن مقتضى ما تقدم من أن الشك فيهما شك في المقتضي، جريانه فيهما بناء على جريانه في الشك في المقتضي. و لا يجري الاستصحاب فيه بناء على ملاك المصنف «(قدس سره)» و القائلين بعدم الجريان في مطلق الشك في المقتضي، إلا أن عدة من أعلام المعاصرين ينكرون جريانه فيهما، حتى بناء على القول بجريانه في الشك في المقتضي، و لا بأس بالإشارة إلى شرح المطلب و بيان أنظارهم و التكلم في صحتها و سقمها.

الأصل في الشبهة- بحسب الظاهر- ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ «(قدس سره)» من عدم جريانه في أمثال المقام، حيث أن السيد الطباطبائي اليزدي «(قدس سره)» قال في العروة «لو شك في إطلاق الماء و إضافته، فإن علم حالته السابقة من الإطلاق و الإضافة أخذ بها ...»، فأنكر شيخنا الأستاذ «(قدس سره)» عليه بأن هذا يتم إذا كانت الشبهة في المصداق و التي ترجع إلى الشبهة المفهومية، و سيأتي ما يكون نظره إليه في الواقع.

و بعضهم علّقوا عليه: بأنه «إذا كانت الشبهة مصداقية»، و لم يذكروا وجه الاختصاص.

و بعضهم يقول: بأنه لا يجري الاستصحاب، و يعلّل بعدم الاشتباه في الموجود الخارجي، بعد ما يمثّل بما إذا ألقي نصف كر من الحليب على كر من الماء، و شك في أنه ماء، للشك في سعة المفهوم و ضيقه. و بعد التعليل المذكور يقول: للعلم بأن مقدارا منه كان ماء و مقدارا منه كان حليبا، و إنما الشك في صدق مفهوم الماء على هذا المركب المعلوم حقيقته، و يكون الاستصحاب في المقام مثل استصحاب النهار أو عدم الليل فيما لو شك أن المغرب الشرعي هل هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية؟ و قد أوضحنا: أن الاستصحاب لا يجري في أمثال المقام.

و لا يخفى: أنه لم يأت بدليل قاطع في المقام على عدم جريانه فيها، و أما قوله: لعدم‏

26

الاشتباه في الموجود الخارجي للعلم بأن مقدارا منه كان ماء و مقدارا منه كان حليبا. فإن كان المقصود منه أن هذا الموجود الخارجي، لا يكون محل الشبهة من حيث الإضافة و الإطلاق من جهة العلم بالمقدارين- كما يؤيد هذا الاحتمال قوله بعد ذلك «على هذا المركب المعلوم حقيقته»- فهو خلاف المفروض، لأن كلامنا في الشبهة و المائع المشكوك، و مجرد العلم بمقدار الجزءين المركب منهما لا يوجب رفع الشبهة، كما لا يوجب العلم بحقيقته فعلا، لأنه ربما كان ماء عند الشارع مع العلم بمقدار الجزءين. و إن كان المقصود منه: أن هذا الموجود لا يكون من أفراد الشبهة الموضوعية التي منشأها الأمور الخارجية، فجوابه: أنه و إن كان كذلك، إلا أن كون انحصار جريان الاستصحاب في خصوص هذا القسم من موارد الشبهة، أول الكلام.

نعم، استدل في باب الاستصحاب لعدم الجريان، بما استدل به شيخنا الأستاد «(قدس سره)» من دوران الأمر بين الفردين، أحدهما مقطوع الزوال مثل «استتار القرص»، و ثانيهما مقطوع البقاء، و هو «عدم زوال الحمرة المشرقية»، فلا يكون شك و يقين حتى يستصحب، و إنما الشك في بقاء المفهوم الذي لا يجري فيه الاستصحاب‏ (1) حيث أنه بعد ما يقول:- على ما في (مدارك العروة) مستندا إلى مكتوباته في تقريرات بحث الأستاذ بل إلى ما في المقالة- إن الوجه في عدم الجريان في جميع هذه الشبهات المفهومية: دوران الأمر بين فردين، أحدهما مقطوع الزوال، و الآخر مشكوك الحدوث، و من المعلوم عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردّد بينهما.

ثم يشكل عليه: بأن المورد لا يكون من الفرد المردّد، بل يكون من الأقل و الأكثر و إن كان لا يجري الاستصحاب فيه أيضا، لكن من جهة عدم اتحاد القضية المتيقّنة و المشكوكة، فراجع.

____________

(1). هذا البيان (مطابق) لما أفاده الأستاذ (قده) في الجملة، و سيأتي ما أفاده ببيان أوضح، حتى لا يتوجه عليه إشكال بعض تلامذته- منه عفي عنه-.

27

هذا، و لكن بعد مراجعتي لما كتبته في سالف الزمان قبل البدء بتحرير هذا الكتاب تقريرا لبحثه الخصوصي رأيت أن مراده «(قدس سره)» من الدوران بين الفردين ليس بنحو يمكن إرجاعه إلى الأقل و الأكثر، بل يكون الدوران بين المتباينين، حيث إنه «(قدس سره)» أخذ الحدّ داخلا في مفهوم الماء، و من المعلوم أنه إذا أخذ الحدّ في الموضوع، لا يرجع إلى الأقل و الأكثر.

و الأحسن: أن نذكر ما كتبناه في السابق تقريرا لما أفاده، و نعقبه بما أوردنا عليه في ذلك الوقت، كي يعلم ما هو الحق، من أنه لا وجه للاستصحاب الموضوعي في مثل هذا، مما تكون الشبهة في صدق المفهوم، لأنه من قبيل استصحاب ما هو المردّد بين الشيئين اللذين يكون للخصوصية فيهما أثر، مع العلم بوجود أحدهما في الحالة السابقة. و من الواضح عدم جريانه في مثله، لأن اللازم في الاستصحاب تعلّق الشك بما تعلق به الأثر، و فيه ليس كذلك، لأن الأثر متعلق بالخصوصية، و الشك متعلق بالعنوان المردّد المجمل، ففيما نحن فيه يكون الشك متعلقا بالحد المخصوص، بخلاف ما لو كان الشك في المصداق، فإنه تعلق الشك بما له الأثر، و لذلك لا مانع من إجراء استصحاب الإطلاق، فيما إذا كان الشك في صيرورته مضافا من جهة الأمور الخارجية، فيما إذا كان الحدّ المأخوذ فيه معلوما.

ثم إني كتبت في ذلك التاريخ بعد أن بيّنت ما أفاده «(قدس سره)» بأنه: و إن كان الشك في الأول تعلق بما هو المأخوذ في المائية- أي الحدين ابتداء- بخلاف الثاني، فإن الشك تعلق بما هو المأخوذ يقينا، إلا أنه لما كان هذا الشك منشئا و سببا للشك في أن المصداق المفروض هل ينطبق عليه ما هو حدّ الماء الذي هو عبارة عن أحد الحدين، أم لا؟ و من المعلوم أنه لو كان في الواقع حدّ الماء هو الذي يشمل هذا المصداق و ينطبق عليه، فلا محالة تكون المائية و الأثر مرتبة على الجامع الذي يكون هذا حدّه، و يكون وجود هذا الجامع و الحدّ في المرتبة السابقة على هذه المرتبة، غاية الأمر لأجل الشك في المفهوم نشك في بقائه‏

28

حتى في المرتبة اللاحقة، و لا مانع من أن يحكم الشارع بجره منها إليها بالاستصحاب بعد تحقق أركانه.

نعم، يدخل في القسم الثالث من الاستصحاب الكلي، و لكن قد حقّق في محله إمكان جريانه في بعض أفراده، فراجع و تأمل.

و لا يخفى: أن ما أفاده «(قدس سره)» صريح في أخذ الحدّ في مفهوم «الماء المطلق»، و من المعلوم أنه إذا أخذ يكون من المتباينين، و لا يكون من الأقل و الأكثر، و إنما الشأن في أنه هل الحدّ واقعا داخل في المفهومين أم لا؟

و ربما يخطر بالبال: بأن الماء المضاف- سيما في المقام- عبارة عن نفس ذلك الماء الذي كان مطلقا، فأضيف إليه مقدار من التراب مثلا، فإذا فرضنا أن المقدار كان معتدّا به يصير مضافا قطعا، و إذا كان مقدارا قليلا يبقى على إطلاقه، و إذا أضيف المتوسط بينهما- كما هو المبحوث عنه- يشك في أنه هل خرج عن الإطلاق أو بقي، فيكون المقدار بمنزلة الأجزاء المشكوكة دخلها في الصلاة، فيرجع إلى الأقل و الأكثر.

و لكن لا يخفى بعد التأمل: أنه لا يقاس المقام بباب الصلاة، لأن الأجزاء التي توجب الأكثرية في الصلاة لا تخرج العمل عن الصلاتية، لا وجودها و لا عدمها، بخلاف المقام، فإن ما تتحقق الأكثرية به- و هو الصفاء الزائد لو انتفى كما هو المفروض- لا يصدق عليه أنه «ماء»، إذا كان في الواقع دخيلا في مفهومه و عنوانه، و هذا معنى كلام الأستاذ «(قدس سره)» «من أن الحدّ مأخوذ في الماهية و المفهوم و يرجع إلى المتباينين».

و الظاهر: أن منشأ الغفلة و القياس، جعل التراب الزائد الواقع في الماء بمنزلة الأجزاء المشكوك وجوبها في الصلاة، و قد ظهر مما ذكرنا: أن الأمر بالعكس، و أن الأكثرية في المقام تتحقق بانتفاء التراب الواقع فيه، كي يبقى على الصفاء الزائد، فافهم و اغتنم.

و التحقيق في جواب ما أفاده «(قدس سره)» تأييدا لصاحب العروة «(قدس سره)»

29

هو ما أشرنا إليه من: رجوع المطلب إلى استصحاب الكلي في القسم الثالث إلى أحد شقّيه الذي يجري فيه الاستصحاب.

فإن قلت: الشقّ الذي لا مانع من جريان الاستصحاب من القسم الثالث بالنسبة إليه، هو احتمال مقارنة الفرد المشكوك الحدوث مع الفرد المتيقّن الحدوث، و المفروض في المقام أن المحتمل حدوث فرد آخر من الجامع عند زوال الفرد الآخر.

قلت: لا يخفى: أن المقام أولى بجريان الاستصحاب من الفرد المحتمل تقارنه، لأن الفرد من الماء المطلق الذي حدث بوقوع المقدار من التراب فيه، لو كان مطلقا، فهو بقاء عين الجامع الموجود في السابق، لا الفرد المقارن له أو الحادث عند زوال الأول، فافهم.

***

30

الاستدلال على حجية الاستصحاب بالاجماع‏

قوله- (قدس سره)-:

لنا على ذلك وجوه: الأول ظهور كلمات جماعة في الاتفاق عليه، فمنها ما عن المبادى حيث قال: الاستصحاب حجة ...

الظاهر أنه «(قدس سره)» في مقام الاستدلال بالإجماع القولي، و لكن لا يخفى: أن المحصّل منه غير حاصل في مثل هذه المسألة التي يكون وجه حجيتها مختلفا و متعدّدا عندهم، مع كونه في الجملة محل الخلاف بحسب الظاهر، و المنقول منه ليس بحجة، خصوصا في مثلها، الذي يكون المدرك عند بعضهم حكم العقل ببقاء ما كان.

و أما الإجماع العملي: بمعنى قيام السيرة عليه، فيمكن دعواه، بعد مراجعة حال العرف و العقلاء في مطلق أمورهم، من التجارات و المعاملات و المكاتبات و المواريث و غير ذلك، حيث أن بناءهم ترتيب الآثار المترتّبة على الوجودات و الأعدام، عند عدم القطع بالانتقاض و الشك فيه، و زوال الحالة اليقينية السابقة، فإن التاجر أو وكيله الذي وظيفته الاشتراء، أو إرسال الأجناس و الأمتعة إلى طرفه في البلد الآخر، بمجرد الشك في موت طرفه أو الشك في تنزل سعرها فيها، لا يرفع اليد عن شغله و عمله، من الاشتراء أو الإرسال، و له الحجة على من خاصمه بالإقدام على الشراء أو الإرسال عند حدوث حادثة من التنزل للأسعار أو الترقي و أمثال ذلك.

و لا يخفى: أن هذه السيرة غير مختصة بحال حصول الاطمئنان ببقاء الحالة السابقة كما ادعاه المحقق الخراساني «(قدس سره)»، لأن الاختصاص بحصول الاطمئنان ببقاء

31

الحالة السابقة، فيما إذا كان في مقام جذب النفع لنفسه و تحصيل غرضه المفيد له أو لموكله، و أما إذا كان في مقام الاكتفاء بما فيه العذر و وجود الحجة لدى العقلاء فليس كذلك، بل ما لم يقطع بزوال الحالة السابقة يرتب آثارها، كما أن كون العمل في بعض الأوقات رجاء و احتياطا، إنما يتحقق فيما إذا لم يترتّب عليه ضرر أو مفسدة.

و لا يخفى: أن هذه السيرة غير مختصة بصورة كون الشك في البقاء مستندا إلى الشك في الرافع، و لا يكون المتيقّن منها هو هذا، كما ادعاه بعض الأعاظم، لما يرى من أن عمل العرف و العقلاء يكون على العموم، لوضوح أنهم لا يفرقون في ترتيب الآثار المذكورة و غيرها على الحياة، بين الأشخاص في البلاد النائية أو القريبة، و بين أن يكون في أواخر أعمارهم أو أواسطها، مع أن الشك في الحياة في آخر العمر يكون من الشك في المقتضي و مقدار استعداد الحياة، فإن الشيخ الكبير الذي بلغ سنه ثمانين أو تسعين و لا يخرج من بيته، إذا شك في حياته لا يكون الشك غالبا في حصول الرافع من القتل أو الفجأة و أمثالهما، و إنما الشك في مقدار استعداده للحياة.

و الذي يشهد على صحة ما قلنا: ما هو المسلّم و المعمول به عند المتشرعة، من عدم رجوع المقلدين في البلاد النائية في أواخر عمر المرجع و المقلّد عن تقليده، مع الشك في بقاء حياته و لم تكن في السابق وسائل الأخبار و الاطلاع و الاستخبار أمور سهلة، مثل هذه الأزمنة.

و بالجملة، الإنصاف أن هذا الدليل- و إن لم يذكره المصنف «(قدس سره)»- لو تمّ من جهة الإشكالات الآتية ذكرها- إنشاء اللّه- يكون وافيا لجميع أقسام الاستصحاب و لا يختص بخصوص الشك في الرافع، و تثبت حجيته ببناء العقلاء، كما تثبت حجية الخبر الواحد و ظواهر الألفاظ، و لا مانع من تحقق السيرة و بناء العقلاء عليها، و إن كان أصلها أو أقسامها محل الخلاف بين الأعلام، ببيان أنه: كيف يمكن تحققها مع أنهم بوحدتهم بمنزلة عاقل واحد، كما في مقالة شيخنا الأستاذ «(قدس سره)»، لإمكان عدم الالتفات منهم إلى‏

32

جهة السيرة، بسبب توجه أذهانهم إلى سائر الأدلة، مع أن السابقين قائلون بها من باب بناء العقلاء و إفادتها الظن.

و بالجملة، إذا لم يثبت إنكار الكل لحجيتها و كونها محل البحث من جهة الاختلاف في المدرك، لا ينافي ثبوتها في الجملة، كما هو الحال في حجية الخبر الواحد، حيث أنه ربما يكون أقوى أدلتها السيرة- عند التحقيق- مع أنها من جهة المدرك محل البحث إثباتا و نفيا و تفصيلا، بين هؤلاء الأعاظم و الأعلام «(قدس سرهم)»، مضافا إلى احتمال كونها مردوعة بنظرهم، كما يأتي الكلام في دعواها إنشاء اللّه تعالى.

و الذي يؤيد أو يشهد على ما ادعيناه من أن وجود الدليل لا ينافي خفاءه على الأعاظم «(قدس سرهم)» وجود الأخبار الدالة على الاستصحاب، و ربما كانت صريحة في المدعى، مع أنه قد عرفت في كلام المصنف «(قدس سره)» عدم الاستدلال بها عليه، قبل والد شيخنا البهائي «(قدس سره)».

فتلخص من جميع ما ذكرنا: أن وجود السيرة على الأخذ بالعمل بالحالة السابقة من العقلاء و العرف، مما لا ينكر، و إنما الكلام و الإشكال في أنه هل صارت مردوعة عند الشارع أو بقيت ممضاة؟ قد قيل‏ (1): برادعية الآيات الناهية عن العمل بغير العلم، عنها.

و العجب أن القائل برادعيتها عنها في المقام، يقول في باب حجية خبر الواحد و حجية الظواهر، بلزوم الدور في رادعيتها، لأن رادعيتها عنها تتوقف على عدم كون السيرة مخصّصة لها، و عدم كونها مخصّصة يتوقف على رادعيتها.

ثم يشكل على نفسه، بأن هذا الدور أيضا يأتي في المخصّصية، لأن المخصّصية تتوقف على عدم رادعية الآيات، و عدم رادعيتها يتوقف على مخصّصية السيرة، فلا يمكن إثبات الحجية بالسيرة.

ثم يردّ الإشكال و يقول: بأن الدور- و إن كان يأتي بناء على مخصّصية السرة أيضا-

____________

(1). القائل هو المحقق الخراساني- قده- في الكفاية.

33

إلا أنه لما كان طريق العقلاء في باب الإطاعة متّبعا عند العقل و العقلاء، ما لم يحرز الردع و لم يثبت المنع، يكون الخبر حجة متبعة.

و قد أشرنا هناك إلى عدم تمامية هذا البيان لاثبات المطلب، لأنه لا بدّ من إحراز الإمضاء، و لا يكفي مجرّد عدم إحراز الردع، و نزيد على ذلك: أن لزوم اتباع طريقة العقلاء إنما هو في مقام الإطاعة و إسقاط التكليف، و ما نحن فيه ليس من صغريات باب الإطاعة و إسقاط التكليف، بل إنما يكون من مصاديق مقام إثبات التكليف، و أنه بالخبر الواحد أو ظاهر اللفظ أو الاستصحاب، هل يثبت التكليف أو لا يثبت؟ و معلوم أن هذا المقام يحتاج إلى العلم أو الحجة المجعولة تأسيسا أو إمضاء، فافهم.

مع أنه لا يكون الأخذ بالسيرة أولى من العمل بالعام، إذا العمل بعموم العام لازم ما لم يثبت المخصّص، فلا ترجيح للأول، بل الثاني هو المتعيّن، لأن حجية السيرة و لزوم العمل على طبقها، معلّق على عدم الردع و مشروط بالإمضاء، بخلاف عموم العام، فإنه حجة فعلية و غير معلّقة على شي‏ء.

فإن قلت: حجية العام في العموم أيضا معلّقة على عدم المخصّص، و من المحتمل أن تكون السيرة مخصّصة له.

قلت: ليست الحجية في العام معلّقة على عدم المخصّص، بل هي تابعة لظهوره في العموم، و هو حاصل فعلا، غاية الأمر إذا كان في البين مخصّص يؤخذ به، لأنه أقوى من العام، بخلاف حجية السيرة، فإنها معلّقة- كما عرفت- على الإمضاء، و مشروطة بعدم الردع.

و بالجملة، إذا دار الأمر بين الأخذ بالسيرة و العمل بالعام، يكون الثاني مقدّما.

فالأولى أن يقال: إنه ليس للآيات عموم أو إطلاق، لعدم تمامية مقدمات الحكمة، من جهة وجود المتيقّن في مقام التخاطب، و هو الظن في أصول الدين.

و أما ما ذكره المحقق الخراساني- (قدس سره)- في باب حجية الخبر الواحد من لزوم‏

34

الدور و التوقف في الطرفين، فقد أشكل عليه بأنه لا يلزم الدور، و إن قلنا باستحالة الدور في الطرفين.

و لكن لا يخفى: أن هذا الإشكال وارد فيما إذا أريد لزوم الدور في مقام الثبوت و الرادعية الواقعية و المخصّصية كذلك، لعدم إمكان الاستحالة في الطرفين، لأنه في الواقع إما أن تكون الآيات عند الشارع رادعة، و إما أن تكون السيرة عنده مخصّصة، و تحقق كل واحد منهما في الواقع غير متوقف على ما ذكر، بل الرادعية لإرادة العموم، و المخصّصية لإمضائه في الواقع. بل يمكن أن يقال- كما قال الأستاذ «(قدس سره)» في مقالته و لنعم ما قال-: بأنه ليس بينهما توقف، بل بين الرادعية و المخصّصية تضادّ، و من المعلوم عدم توقف أحد الضدين على عدم الآخر، بل بينهما الملازمة، و كل واحد من المتلازمين معلول لعلة واحدة، أو كلاهما معلولان لعلة ثالثة، و قد عرفت أن العلة في مخصّصية السيرة هي الإمضاء، و العلة في الرادعية هي إرادة العموم.

و لكن الظاهر أن مراده الدور و التوقف في مقام الإثبات و الاستدلال، و لا مانع عن جريان الدور في هذا المقام من الطرفين، و لا يستلزم في الواقع رفع النقيضين، و إن كان التحقيق عدم التوقف أصلا، كما قد عرفت، فافهم و اغتنم.

قوله- (قدس سره)-:

و الانصاف أن هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع، و هو أولى من الاستقراء الذي ذكره غير واحد كالمحقق البهبهاني‏

لا يخفى: أن العهدة في هذا الادّعاء على المدعي، و إذا حصل القطع يكون دليلا على المدعي، و لكن لا يخفى: أن حجيته تكون لنفس القاطع، و لا ترتبط بالغير، إلا أن يحصل له القطع من قطعه.

و بالجملة، كل من تتّبع و حصل له القطع- كحصوله للمصنف «(قدس سره)»- يمكنه‏

35

الاستدلال بهذا الدليل لنفسه، بخلاف سائر الأدلة، فإنها لا تخص نفس المستدل.

ثم إنه هل يجب التتبّع عند احتمال تحصيل الاستقراء التام و حصول القطع؟ الظاهر الوجوب، لو لم يكن له دليل غير واف للمطلب، أي لحجية الاستصحاب، لأنه فحص عن الدليل الاجتهادي و يجب على الفقيه الفحص عنه إذا احتمل وجوده، و أما إذا كان له دليل آخر يثبت حجيته- كما هو المفروض على التحقيق- فلا يكون واجبا، فعلى هذا يختلف حكم الأشخاص، فافهم و اغتنم.

قوله- (قدس سره)-:

و تقرير الاستدلال: أن جواب الشرط في قوله (عليه السلام) «و إلا فانه على يقين» محذوف، قامت العلة مقامه لدلالته عليه و جعله نفس الجزاء يحتاج إلى تكلف‏

لا يخفى: أنه يحتمل أن يكون الخبر محذوفا و قامت العلّة مقامه، كما يراه المصنف «(قدس سره)»، و يحتمل أن يكون نفسه الجزاء، و يحتمل أن يكون ذكره مقدمة للجزاء و الجزاء هو قوله (عليه السلام): «و لا تنقض اليقين بالشك».

و الظاهر دخل استفادة الجزاء في هذه المحتملات في المطلب إثباتا و نفيا، و هو (حرمة نقض اليقين بالشك) في مطلق الأبواب، كما أن كون اللام للعهد أو للجنس أيضا له دخل فيه، و هكذا فهم أن الوضوء الذي يكون قيدا لليقين، هل يكون ذكره من جهة بيان المورد أو من جهة دخله في الموضوع؟ و يظهر وجه دخله في الموضوع في طيّ البيان إنشاء اللّه.

أما الأول:- أي كون الجزاء من المحتملات- فهو مبتن على أن كلمة «فإن» في قوله (عليه السلام) «فإنه على يقين» هل ذكر تعليلا أو للاستئناف؟ أو يكون مجموع الجملة جملة خبرية في مقام الإنشاء؟ أي يجب العمل على طبق اليقين السابق.

فعلى الأول: يكون علة للجزاء المحذوف.

و على الثاني: يكون مقدمة للجزاء، و الجزاء قوله (عليه السلام): «و لا ينقض اليقين‏

36

بالشك».

و على الثالث: يكون نفسه الجزاء.

و لكن لا يخفى: أن الأخير مع كونه خلاف الظاهر- و لذلك قال المصنف «(قدس سره)» بأنه يحتاج إلى التكلّف- يلزم أن لا يكون المستفاد منه حجية الاستصحاب مطلقا، بل يكون في خصوص الوضوء، حيث أنه لا يكون حينئذ صغرى للشكل، بل يكون نفسه الحكم، و يكون قوله (عليه السلام): «و لا ينقض اليقين بالشك» تأكيدا.

و العجب من بعض الأعاظم «(قدس سرهم)» حيث أنه يعيّن الجزاء فيه، بجعله بالمعنى الإنشائي، و أن معناه يجب العمل على يقينه، و يقول بإفادة الحديث حجية الاستصحاب مطلقا.

و لا يخفى: أنه لا معنى للالتزام بأن ذكر الوضوء حينئذ من باب بيان المورد لا لخصوصية له في الحكم، لما أشرنا إليه من أنه بناء على هذا يكون ما بيّنه (عليه السلام) نفس الحكم، و يجب العمل باليقين المتعلّق به، فتأمل فيما ذكرنا و فيما أفاده، تعرف حقيقة الأمر.

و أما الاحتمالان الأولان، و إن كان المصنف «(قدس سره)» قد قوّى الأول منهما، إلا أن الإنصاف أنه لا وجه لتعيّنه، لا لما ذكره البعض المتقدم ذكره، من لزوم تكرار الجواب، و في التكرار حزازة، لوضوح أن التكرار في بعض الموارد مستحسن، بل لازم، خصوصا فيما إذا كان في مقام التعليل و الشرح و التفصيل، كما فيما نحن فيه، بل من جهة عدم المعيّن المدلول كلمة «فإنه» من جهة التعليل و الاستئناف.

فالإنصاف أن الرواية من هذه الجهة مجملة، و لكن لا يضر إجمالها بالاستدلال بها، لأنه يتم على كلا التقديرين، حيث أنه على واحد منهما يكون قوله (عليه السلام): «فإنه على يقين» بمنزلة الصغرى، و قوله (عليه السلام): «و لا ينقض اليقين بالشك» بمنزلة الكبرى.

37

و منه ظهر ما في المتن من أنه على تقدير التوطئة يخرج عن كونه كبرى مطلقة فيما إذا قلنا: بأن اللام ليس للعهد، و ذكر الوضوء ليس له دخل في الموضوعية. و الظاهر من مجموع الرواية أنه ليس له دخل فيها، حيث أن ذكره كان من جهة كونه طرفا لإضافة اليقين، و هو من الأمور التي لا تتحقق إلا بالاضافة و إن كان يوجب احتمال اختصاص اليقين به بالحكم المذكور في القضية، لأنه يصير من القدر المتيقّن، و لو في مقام التخاطب المانع من التمسك بالإطلاق. إلا أن الارتكاز بالعمل باليقين عند العرف، يوجب انسباق الذهن إلى كليته و عدم الاختصاص بخصوص اليقين الحاصل من الوضوء في الكبرى، سيما مع ملاحظة كون بقية الأخبار بهذا اللسان في غير الوضوء و تقييده (عليه السلام) بالأبدية.

و مما ذكرنا ظهر حال الكلام في الجهة الثانية، و هو أن اللام للعهد أو للجنس، فإن الأصل و إن كان للجنس، و الاقتران يوجب احتمال الاختصاص الموجب للعهدية أو ما في معناها، إلا أن القرائن المذكورة المتصلة و المنفصلة توجب تعيّن الجنس و أنها للكلية.

و أما احتمال أنه يتم الاستدلال و لو على العهدية، من جهة كون قوله (عليه السلام) «على يقين من وضوئه» راجعا إلى عمل مستند إلى يقين، لا إلى نفس اليقين، أي يكون من طرف الوضوء على يقين، كما في الكفاية.

فمدفوع: بأنه- مضافا إلى إمكان أن يقال إنه خلاف الظاهر- لا يكون لليقين الناشئ من طرف الوضوء إطلاق يشمل اليقين الحاصل من غيره، فلا يكون المراد مطلق العهود، بل يكون عهدا خاصا، لكن لا بقيد الاختصاص، بل في حال الاختصاص، فافهم و تأمل جيدا.

مع أن احتمال الاختصاص و إمكان اعتماد المتكلّم على خصوص اليقين الحاصل من الوضوء الذي هو معنى القدر المتيقّن في حال التخاطب الذي هو مختاره «(قدس سره)» في مقدمات الحكمة، يكفي في عدم تماميتها، و عدم جواز التمسك بالإطلاق، فافهم فالعمدة في‏

38

وجه الاستدلال هو ما ذكرنا.

قوله- (قدس سره)-:

و أما فقه الحديث فبيانه: أن مورد الاستدلال يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مورد السؤال فيه ...

لا يخفى: أن الظاهر المستفاد- بعد التأمل في مجموع الرواية- من الفقرة الأولى: أن ما رآه بعد الصلاة هي النجاسة التي أحتمل وقوعها على ثوبه قبل الصلاة، و لذا قد استشكل بعدم تمامية العلة، لأن ترتب الإعادة عليه من باب نقض اليقين باليقين. و أما احتمال أنه نجاسة جديدة يحتمل وقوعها عليه بعد الصلاة- كما في الفقرة الثانية و كما في مقالة الأستاد «(قدس سره)»- فهو خلاف الظاهر، و إن كان يرفع به غائلة الإشكال. و ما نقله «(قدس سره)» من بعض النسخ، بالتعبير بلفظ «وجدته» في الفقرة الأولى، و بلفظ «رأيت» بلا ضمير في الفقرة الثانية، لا يكون شاهدا عليه، بل شاهد على خلافه، لأن مادّة الوجدان لا تستعمل إلا بعد وجود الشي‏ء. و لو قلنا بالاحتمال المذكور و عدم ظهوره فيما قلنا، فلا يمنع منه عدم الوجه لاستيحاش السائل، و السؤال عن التفرقة بين الفرعين، و لا معيّن لإرجاع الامام (عليه السلام) الوجه إلى أمر ارتكازي في نظره، و هو عدم نقض اليقين بالشك، لوضوح عدم سؤال زرارة عن الفرق بينهما، بل السؤال عن وجه عدم الإعادة في الفرعين أولا، قبل السؤال عن هذا الفرع، و قبل ذكره الأصل، و عدم مسلمية كون الإرجاع إلى قضية ارتكازية، لإمكان عدم كون الاستصحاب عنده حجة من باب الارتكاز أولا و عدم التفاته إلى تطبيقه على المورد ثانيا، فالإمام نبّهه.

ثم إن الوجه في تطبيق العلة على المورد، يمكن أن يكون من جهة عدم اشتراط الطهارة الواقعية عن الخبث في الصلاة، بناء على شرطية الطهارة عنه، و عدم كون النجاسة بوجودها الواقعي مانعا، بناء على مانعية النجاسة، و عدم كونهما بوجوديهما

39

الواقعيين شرطا أو مانعا، بناء على إمكان كون أحد الضدين شرطا و الآخر مانعا، كما هو التحقيق، خلافا لبعض الأعاظم «(قدس سرهم)» و من تبعه، بل الشرط مطلق الطهارة واقعية كانت أو ظاهرية، أي الأعم من الواقعية و الظاهرية، و المانع النجاسة المعلومة ظاهرا أو واقعا، المضادّة مع الطهارة المحرزة بالأصل، فافهم.

و مما ذكرنا: من كون الشرط أعم من الطهارة الظاهرية و الواقعية بناء على الشرطية، لا إحراز الطهارة كما جعله صاحب الكفاية «(قدس سره)»، يرتفع الإشكال المتوجه إليه في بعض الفروع، مثل صور الاضطرار إلى لبس المتنجس في الصلاة و انكشاف الطهارة، حيث أن الطهارة لم تحرز لا بحسب الواقع و لا بحسب الظاهر.

فإن قلت: المستفاد من الأخبار اعتبار سبق العلم بالنجاسة في بطلان الصلاة و لذا كانت الصلاة في النجس مع الغفلة عنها صحيحة، و من المعلوم أن لازم هذا المطلب صحة الصلاة و لو لم يكن في البين استصحاب، لأنه لا يعلم بالنجاسة، و غير مسبوق بها.

قلت: يمكن أن يكون الشرط في صورة الترديد، إحراز الطهارة بمقتضى نفس هذه الصحيحة دون صورة الغفلة، فعدم العلم عندها فقط دخيل في صحتها.

ثم لا يخفى: أنه على تقدير عدم إمكان تطبيق العلة على المورد، لا تسقط الرواية عن إمكان الاستدلال بها للاستصحاب، لبقاء دلالتها على حجيتها، كما لا يخفى.

***

40

التمسك بصحيحة زرارة (للاستصحاب)

قوله- (قدس سره)-:

و منها صحيحة ثالثة لزرارة ... و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع؟ و قد احرز الثلاث، قام فأضاف إليها أخرى، و لا شي‏ء عليه، و لا ينقض اليقين بالشك، و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكنه ينقض الشك باليقين، و يتم على اليقين فيبني عليه، و لا يعتد بالشك في حال من الحالات‏

(1)

لا يخفى بعد التأمل: أنه في هذا الحديث الشريف احتمالات متعددة:

أحدها: أن المراد من «اليقين» اليقين بالحالة السابقة و الشك في بقائها، و المراد من إضافة الركعة إتيانها موصولة، و حينئذ يكون ورودها على طبق مذهب العامة، و كان صدورها عن تقية. و من المعلوم أنه حينئذ لا يمكن التمسك بها لحجية الاستصحاب، لفقدان أصالة الجهة فيها.

ثانيها: أن يكون ورود الكبرى لبيان المراد الواقعي، و لكن الاستشهاد بها من جهة التقية، كما في قوله (عليه السلام) بعد سؤال الخليفة عن الإفطار في اليوم الذي شهد بعض بأنه يوم العيد: «ذلك إلى الامام، إن صمت صمنا، و إن أفطرت أفطرنا» (2) فإنه (عليه‏

____________

(1). الوسائل ج 5، كتاب الصلاة، الباب العاشر من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

(2). وسائل الشيعة ج 7، كتاب الصوم، باب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك (باب‏

41

السلام) قال بذلك مخافة ضرب عنقه، كما بيّنه بعد خروجه من مجلسه، لكن الاستشهاد و التطبيق كان تقية.

و أما أصل الكبرى- و هو كون أمر ثبوت الهلال و الحكم بأن اليوم عيد راجعا إلى إمام المسلمين- فليس تقية، و لذا استدلوا به على حجية حكم الحاكم في ثبوت الهلال، و إلا ففي شمول أدلة حجية حكم الحاكم بإرجاع الأئمة (عليهم السلام) لمسألة الهلال إشكال، لأن المتيقّن منها في باب المرافعات و الدعاوي، و هو كاستشهاد الامام (عليه السلام) لبطلان حلف الطلاق و الصدقة بما يملك، و العتق عند الإكراه، بحديث الرفع، مع أنها باطلة في أصلها، مع قطع النظر عن الإكراه عند الامامية، فيمكن التمسك بها لحجية الاستصحاب، لتمامية أصالة الجهة في الكبرى، و إن كان التطبيق على الصغرى تقية.

ثالثها: أن يكون الصدر في مقام بيان الركعة بمقتضى الاستصحاب، لكن المعصوم (عليه السلام) يعيّن إتيانها مفصولة بقوله: «و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط إحداهما بالأخرى» أي لا توصل الركعة المشكوكة التي تأتي بها بمقتضى الاستصحاب، بل ائت بها مفصولة. و من المعلوم أنه يمكن الاستدلال بها أيضا على هذا الاحتمال و التقريب.

رابعها: أن يكون المقصود من «اليقين» اليقين بالبراءة و الفراغ، و المراد من «الشك» الشك بهما، أي لا تكتف بالشك بالبراءة، بل يجب عليك تحصيل اليقين بالبراءة، و هو بمقتضى سائر الأخبار الواردة في الشك في عدد الركعات بالبناء على الأكثر و الإتيان بصلاة الاحتياط. و من الواضح: أنها على هذا الاحتمال و التقريب، لا ترتبط بباب الاستصحاب أبدا، بل هي أجنبية عنه.

و الحق أن يقال: إنها ليست ظاهرة في حجية الاستصحاب، لعدم تعيّن كل واحد من‏

____________

جواز الافطار للتقية و الخوف من القتل و نحوه)، الحديث 4- 6؛ بحار الانوار ج 47، باب ما جرى بينه و بين المنصور، الحديث 53.

42

الفقرات بحسب المعنى الموضوع له، أو الاصطلاحي في خصوصه، و لا يكون أحدها قرينة على البراءة من الأخرى.

أما الاحتمال الأول: فلأن غاية ما يتوهم في وجه الدلالة على خصوصه، قوله (عليه السلام): «و لا تنقض اليقين بالشك»، لأن النقض لا يصح إطلاقه على اليقين في غير الاستصحاب و قاعدة اليقين، لعدم صدق النقض على اليقين في باب لزوم البراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني و عدم كفاية الشك في مقام الامتثال، كما في كلمات بعض الأعاظم «(قدس سره)».

و فيه: أنه إن كان المقصود أنه لا بدّ أن يكون اليقين موجودا، حتى يرد عليه النقض، و في القاعدة لا يكون موجودا بخلاف الاستصحاب، فما وجه ورود الحكم و لزوم العمل عليه في القاعدة بمثل قوله (عليه السلام): «ابن على اليقين» و «اعمل على اليقين»؟ و إن كان من جهة أن مادّة النقض لا بدّ و أن يكون متعلّقها أمرا محكّما مبرما، و ما لم يكن موجودا فعلا لا يرد عليه النقض.

فنقول: إبرام هذا اليقين لازم في فراغ الذمة، و تحصيل البراءة اليقينية بحكم العقل لا يكون أقل إبراما و استحكاما من الشك، مع أن الامام (عليه السلام) في هذا الحديث منع من ورود الشك على اليقين، و قال: «لا تنقض اليقين بالشك».

و ربما يكون هذا شاهدا على أعمية حجية الاستصحاب للشك في المقتضي، لأن الشك لا يكون إلا نفس الترديد، و ليس فيه إبرام و استحكام، بل قابل لأن يزول سريعا، لذا يكون قابلا لورود النقض عليه، فاليقين الحاصل من وجود المقتضي أولى لصحة ورود النقض عليه، و سيجي‏ء إنشاء اللّه تعالى تفصيله.

نعم، الانصاف أنه لو لا وجود القرينة في الحديث، كان الظاهر من العبارة- بقرينة سائر الأخبار في باب الاستصحاب- حرمة نقض اليقين السابق بالشك اللاحق، و لكن وجود القرينة في الحديث مانع عن حمله على الاستصحاب، مع إمكان إرادة غيره منه كما

43

عرفت.

و أما الاحتمال الثاني- و هو كون أصل الكبرى في مقام البيان الحقيقي لكن الاستشهاد بها في مقام التقية الذي يضعّفه المصنف «(قدس سره)» لكونه خلاف الظاهر و يقويه بعض الأعاظم أيضا- ليس بوجيه، لا لما يتوهم من تعارض أصالة الجهة في التطبيق معها في الكبرى، للعلم الإجمالي بوجود التقية في الخبر بنحو الإجمال، لامكان الجواب عنه بانحلال العلم الإجمالي، إذ التقية إما راجعة إلى التطبيق، و إما راجعة إلى الكبرى، الملازم لكون التطبيق أيضا عن تقية، فافهم، فتكون الشبهة في الكبرى بدوية و لا مانع من إجراء الأصل بالنسبة إليها، بل من جهة أنه لا معنى لكون التطبيق في المقام تقية، لأن التقية في التطبيق في مقام تعيين الحكم الواقعي في الصغرى، لا العلة الواقعية بل من جهة كبرى أخرى، كان عند الخصم مسلّما، كما في إبطاله ثم الحلف بالطلاق من جهة قول النبي:

(صلى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث الرفع، و أما المقام عكس ذلك، لأن الحكم الفرعي حسب الفرض يكون على مذاق العامة، فإذا كان الاستشهاد و التطبيق للتقية، معناه أنه (عليه السلام) استدل لهذا القول الباطل بكبرى صحيحة، و لازمه تأكيد الباطل و الاستدلال له، و هو كما ترى.

فإن قلت: ربما كانت المصلحة في تحكيم التقية.

قلت: هذا معناه كون مجموع الخبر صادرا عن تقية، و هذا أول الاحتمالات الذي يكون على خلاف الظاهر، كما ذكره المصنف «(قدس سره)».

و بالجملة، لا وجه لتشبيه المقام، باستشهاده (عليه السلام) في مجلس الخليفة، كما في كلمات بعض الأعاظم «(قدس سره)»، و لا باستشهاده (عليه السلام) بحديث الرفع كما في مقالة الأستاذ «(قدس سره)».

فإن قلت: لا مشابهة بين المقام و بين الاستشهاد بحديث الرفع في تلك المسألة، أما المناسبة بينه و بين الاستشهاد بكبرى «ذلك إلى إمام المسلمين» فموجودة. بل كلاهما من‏

44

باب واحد، لأن الكبرى في كليهما الحكم الحقيقي الصحيح، و الصغرى في كليهما على خلاف الواقع.

قلت: نعم، و لكن لو لا تطبيق الامام (عليه السلام) الكبرى في مجلس الخليفة، و كان يكتفي بارجاعه إلى شخصه، ربما كان يستفاد منه المطلب، أي بطلانه، و أنه راجع إلى إمام المسلمين الواقعي، فالحكمة تقتضي أن يأتي بالكبرى لبيان الحق، و يطبقها عليه للتقية، و لا يوجب ذلك تأكيدا لخلاف الحق، بخلاف المقام، فتأمل جيدا.

و يمكن أن يقال: بأن الامام (عليه السلام)، بعد خروجه من مجلس الخليفة، بيّن المطلب و أنه كان تطبيقه تقية، فلا يكون تأكيدا للباطل، بخلاف ما نحن فيه.

ثم إن المحقق الخراساني «(قدس سره)» يلتزم بأن إثبات أصل الركعة بمقتضى الاستصحاب، لكن كونها مفصولة بمقتضى الدليل المقيّد، فاتيانها مفصولة على خلاف إطلاق الاستصحاب لا على خلاف أصله، و قد قوّاه بعض الأعاظم.

و لكنه مخدوش:

أما أولا: فلأنه ليست النسبة بين هذه الرواية و سائر الروايات، الاطلاق و التقييد، لظهور الرواية في لزوم الركعة الموصولة، و هي مباينة للركعة المفصولة الواردة في أخبار الشكوك.

و أما ثانيا: فلما سيجي‏ء إنشاء اللّه تعالى، من أن الموضوع الثابت بالاستصحاب لا بدّ و أن لا يكون مبائنا مع المستصحب عرفا، فإذا كان مبائنا عرفا فلا يجري الاستصحاب و إن كان بحسب الدقة غير مباين، فلا يمكن باستصحاب عدم إتيان الركعة الموصولة من الصلاة إثبات الركعة المفصولة، لما يكون بنظر العرف بينهما من التباين، من جهة تكبيرة الإحرام، و الفصل بالسلام، فلا يكون مثل السواد الضعيف الموجود في ضمن السواد القوي، بل من قبيل استصحاب الرجحان الموجود في ضمن الوجوب، لإثبات الاستحباب الذي لا يلتزم به المحقق المذكور، مع أن الوظيفة ليست منحصرة باتيان ركعة

45

مفصولة، بل مخيّر بينها و بين الركعتين من جلوس، فلا يكون من آثار عدم الإتيان بها، فتأمل جيدا.

مع أن التحقيق في محله، عدم جريان الاستصحاب في الركعات في الصلاة، لأن جريانها على طبق مفاد ليس التامة، و الآثار- مثل وجوب التشهد- مترتّبة على مفاد كان الناقصة أو ليس الناقصة، حيث أن بعد رابعية الموجود يجب التشهد لا بعد وجود الرابعة، و لذا كان من المحقّق في محله أنه لو لم تكن قاعدة «البناء على الأكثر» أصلا، أو كانت و لكنها صارت معارضة لغيرها، لم يرجع إلى الاستصحاب، لأنه من الأصل المثبت.

و لا يخفى بعد التأمل: أنه لا يرد على ما حققه الأستاذ «(قدس سره)» من عدم جريان الاستصحاب في الركعات، من جهة ما ذكرنا من أن ترتب الأثر على مفاد كان الناقصة، لا وجود الرابعة، و جعل عدم إجراء الأصحاب «(قدس سرهم)» الاستصحاب في الركعات من هذه الجهة.

و بالجملة، كان شيخنا الأستاذ يقول: إنه لو لم تكن الأخبار الواردة في الشكوك الدالة على البناء على الأكثر، لما كان يجري استصحاب البناء على الأقل، حيث أنه:

أولا: لا يستفاد من أدلة الأجزاء، إلا كون كل جزء بعد الجزء السابق، لا كون التشهد في الركعة الرابعة، فإذا أجرى الاستصحاب و أتى بالتشهد يحصل له اليقين بأنه أتى بالتشهد بعد السجدة الثانية من الركعة الرابعة، غاية الأمر لا يدري أنه أتى به بلا فصل أو بعد زيادة الركعة، و هذا لا يضر.

و ثانيا: على فرض استفادة لزوم كون التشهد في الركعة الرابعة لا مانع من جريان استصحاب بقاء الكون في الركعة الرابعة، لأنه بعد إتيان الركعة يقطع بكونه في الرابعة إما الآن و إما قبل ثلاث دقائق مثلا، و لا يدري خروجه عن الرابعة، فيستصحب عدم خروجه منها. لأنه «(قدس سره)» ما كان يقول: إن مقتضى الأدلة لزوم كون التشهد في الرابعة، حتى يقال: بأنه يستصحب عدم خروجه منها، بعد فرض كون مراد المستشكل‏

46

من عدم الخروج بقاء الكون فيها، لوضوح القطع بالخروج من الرابعة و بعد إتيان الركعة، ضرورة تماميتها بتمامية السجدة الثانية أو برفع الرأس عنها، و هي حاصلة قطعا، فلا يكون في البين شك حتى يستصحب عدم الخروج عنها و بقاء الكون فيها.

بل المقصود: أن الدليل- أي الأمر الضمني- بالنسبة إلى التشهد، يقتضي أن لا يكون إلا بعد السجدة الثانية. و لا يخفى: أن المقصود من البعدية، هي البعدية المتصلة لا مطلقا، كما قال بها المورد، لوضوح أن زيادة الركعة مضرة قطعا و أن الأمر الضمني لا يكون، و لا تكون داعويته إلا إتيانها متصلة، فافهم.

و بالجملة، بعد جريان الاستصحاب لا يقطع بتوجه الأمر الضمني المتوجه إلى التشهد و السلام.

فإن قلت: ليست الركعة إلا نفس الأجزاء، فإذا لم يجر الاستصحاب فيها فلازمه عدم جريانه في الأجزاء أيضا إذا شك في أحدها و لم يتجاوز عن محلها، لأن المحذور المذكور يأتي في جريان استصحاب العدم في بعضها. مثلا: إذا شك في الركوع و لم يخرج عن محله، فمقتضى جريان الاستصحاب لزوم إتيان الركوع، مع أن الأمر الضمني المتوجه إلى الركوع في الركعة الأولى إنما هو بعد القراءة بالبعدية المتصلة، مع أنه يحتمل تحقق الركوع.

و إن قلتم بجريان أصالة عدم الزيادة، فنقول بجريانها أيضا في الركعة المحتمل زيادتها في المبحوث عنه.

قلت: أولا: إن الركعة و إن كانت في الخارج عين الأجزاء وجودا، إلا أنه قد اعتبر فيها عنوان اجتماع الأجزاء، أولها التكبير أو القراءة و آخرها السجدتين كنفس الصلاة، و لذا انتظمت الصلاة عند الشارع بعدد الركعات كالثنائية و الثلاثية و الرباعية لا بحسب الأجزاء.

و ثانيا: إنه يمكن الالتزام بجريان الاستصحاب في الأجزاء، حتى بالنسبة إلى الجزء الذي تكون زيادته مبطلة، مثل الركوع، و عدم جريانه بالنسبة إلى الركعة، لأنه المستفاد

47

من تعليل الامام (عليه السلام) في تعليم زرارة وجه إتيان صلاة الاحتياط عند الشك في الركعة، فانه (عليه السلام) يصرّح بأنه إذا عملت هكذا و أتيت بصلاة الاحتياط ما زدت في الصلاة، و من المعلوم أنه إذا أتى بالركعة الموصولة لا يقطع بالزيادة، و احتمال الزيادة مدفوع بالأصل، و هذا دليل قوي على أن الامام (عليه السلام) لا يرى جريان الاستصحاب في باب الركعات من الصلاة.

و بهذا يمكن تقوية ما يبني عليه الأستاذ «(قدس سره)» من عدم جريان الاستصحاب فيها و لو لم تكن أدلة وجوب البناء على الأكثر، بل يمكن أن يجعل هذا دليلا مستقلا على المطلب، و لو فرضنا عدم تمامية ما ذكرنا من الفرق بين مفاد كان الناقصة و التامة في المقام. و بهذا يمكن الفرق بين الركعة و الأجزاء و الالتزام بعدم جريانه في الأول و جريانه في الثاني بمقتضى عموم الدليل.

و ثالثا: نحن في غنى عن جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الأجزاء، لأن مقتضى مفهوم قاعدة التجاوز أنه يجب الإتيان بالجزء المشكوك إذا كان الشك فيه قبل تجاوز المحل، بحيث لولاه يمكن الالتزام بعدم جريان الاستصحاب في الجزء أيضا إذا قلنا بالبعدية المتصلة ببعض الأجزاء مثل الركوع.

نعم، تظهر الثمرة في مقام التمسك بالاستصحاب فيما إذا عارض مفهوم القاعدة بمثله أو غيره، فتأمل جيدا، حتى لا يتوهم أن الاستفادة من التعليل في أدلة الشكوك بما ذكر من أن عدم إجراء الاستصحاب لا ينافي ما ادعاه المورد موافقا للمصنف «(قدس سره)» و غيره كما سيجي‏ء إنشاء اللّه. لأنهم يقولون أيضا بعدم جريان الاستصحاب لكن بالتخصيص، أي تخصيص أدلة الاستصحاب بأدلة الشكوك، كما يصرّح به المصنف على ما سيجي‏ء، لما لا يخفى على المتأمل من أنه إذا آل الأمر إلى هنا، فيكون الأمر مردّدا بين التخصيص و التخصّص، و تقدم الثاني على الأول يشهد على صحة ما قلنا، فافهم و اغتنم.

و أما الاحتمال الثالث: و هو كون الصدر في مقام التمسك بالاستصحاب لاثبات أصل‏

48

الركعة و لكنه (عليه السلام) بعد ذلك يقيّده بكونها مفصولة بقوله «و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يختلط أحدهما بالآخر»، فمن جهة أنه لا يكون المراد من الشك الركعة المشكوكة التي لا بدّ من الإتيان بها، لأنه مع منافاته لقوله (عليه السلام) بعد الفقرتين «و لكنه ينقض الشك باليقين، و يتم على اليقين، فامض عليه» كما لا يخفى على المتأمل، يلزم أن يكون المراد منه الركعة المشكوكة المردّدة بين الرابعة و الخامسة التي لا بدّ من الإتيان بها، و الحال أن الشك في صدر الحديث الركعة المشكوكة المردّدة بين الثالثة و الرابعة. و الالتزام بامكان اختلاف المراد من الشك في الفقرتين، كما ترى، إذ من الواضح أن الظاهر من الشك في جميع الفقرات شي‏ء واحد، كما أنه في اليقين كذلك.

و بعبارة أخرى: إن الركعة التي لا بدّ أن يؤتى بها بحكم الاستصحاب، لا يطلق عليها المشكوكة، بل هي المتيقّنة بحكم الشارع، و هو دخل اليقين في اليقين لا دخل الشك في اليقين و خلط أحدهما بالآخر.

و لما ذكرنا يمكن القول بأن قوله (عليه السلام) «و لكنه ينقض الشك باليقين» يمكن أن يكون قرينة على أن المراد من اليقين المذكور في الحديث، هو اليقين بالبراءة، كما في الاحتمال الرابع، لأن المراد من اليقين الناقض للشك هو إتيان الركعة لا غيره، و بوحدة السياق يكشف عن أن المراد من اليقين في الصدر هو البناء على الأكثر لا البناء على الأقل.

و ربما لأجل ما ذكر قال المصنف «(قدس سره)» في ردّ هذا الاحتمال و تضعيفه، إنه مناف للفقرات الست أو السبع كما لا يخفى على المتأمل.

و العجب من بعض الأعاظم‏ (ژ) أنه كيف جعل هذا الاحتمال هو المراد من الحديث، و يقول: بأنه مقتضى الاستصحاب، و يصرّ على المطلب، و غفل عن عدم كون المراد من الشك، الركعة المشكوكة التي لا بدّ من إتيانها و المردّدة بين الرابعة و الخامسة، و عدم توجهه إلى ما صرح المصنف «(قدس سره)» من منافاته للفقرات الست أو السبع؟!.

____________

(ژ). المحقق النائيني «قده».

49

و الأعجب من ذلك أنه يجعل هذا الاحتمال ظاهر الحديث، و يستدل به على الاستصحاب بلا أن يكون أصله أو تطبيقه في مقام التقية، مع أنه في أثناء كلامه يقول: بأن الامام (عليه السلام) بهذه الفقرات أشار إلى زرارة بأن المقصود الركعة المفصولة، حتى لا ينافي التقية. فراجع تقريرات بحثه.

فتلخص من جميع ما ذكرنا أنه لا معيّن لأحد الاحتمالات، الذي يكون منشأ لظهور الرواية في الاستصحاب، فلو لم يكن الأمر كما ذكرنا و لم يكن معيّن و لا مرجّح في البين يكون مجملا، مع أن القرائن الخارجية شاهدة على ورودها للزوم تحصيل اليقين بالبراءة، بالبناء على الأكثر، بل صدر الحديث أيضا شاهد عليه.

و يمكن أن يقال: إنه من المسلّم أن الشك الذي هو موضوع الاستصحاب في جميع الموارد، هو الترديد بين الوجود و العدم، و لكن الظاهر بل الصريح من قول الامام (عليه السلام) «و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع» أن الترديد بين الوجودين. و هذا و إن كان ملازما للشك في وجود الرابعة و عدمها، إلا أن المأخوذ في الحديث موضوعية الترديد بين الثلاث و الأربع، و هو لا يكون إلا الموضوع في أحكام الشك في عدد الركعات.

فإن قلت: هذا إذا تم كلامه (عليه السلام) بقوله: «و قد أحرزت الثلاث» فيكون حينئذ ذكر الترديد بين الوجودين مقدمة و توطئة للشك و الترديد بين وجود الرابعة و عدمها الذي هو الموضوع للاستصحاب، و لهذا قال (عليه السلام): «قام و أضاف إليها أخرى».

قلت: نعم، لو لم يكن المذكور في صدر الحديث عنوان الإحراز في الشك بين الاثنين و الأربع، فإن المقصود من الإحراز هناك على المشهور إكمال المتيقّن فليكن الذيل مثله، غاية الأمر يكون (عليه السلام) قد بيّن أحد أفراد الشك بين الثلاث و الأربع و هو بعد إكمال السجدتين، و لذا قال (عليه السلام): «قام و أضاف إليها أخرى» فتأمل جيدا.

50

قوله- (قدس سره)-:

و بالجملة، فمن تأمل في الرواية و أغمض عن ذكر بعض لها في أدلة الاستصحاب جزم بما ذكرناه في معنى الرواية

الإنصاف أنه بعد التأمل لا يجزم الإنسان بدلالة الخبرين على الاستصحاب و لا على القاعدة، بل يحتمل الأمران فيهما، و لا يكون التعبير في باب الاستصحاب ب «عدم نقض اليقين بالشك» قرينة على إرادة الاستصحاب، بل في غيره من قاعدة اليقين بالبراءة عند اليقين بالاشتغال كما قد عرفت. بل قد عرفت إطلاق النقض على رفع اليد عن الشك، فإحراز المراد في كل مورد يتبع وجود القرينة عليه، فافهم.

نعم، يمكن أن يقال: بأن التعبير باليقين شاهد على كونهما راجعين إلى الاستصحاب، لأن اليقين كثيرا ما يتخلف عن الواقع، بخلاف القطع. و لكنه معارض بالتعبير بالمضي، لظهوره في إمضاء العمل السابق، بجعله صحيحا غير مخدوش، لا البناء على ترتيب الآثار في اللاحق.

و بعبارة أخرى: يمكن أن يدّعى أن ظاهر أمثال قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم: «كلما شككت فيه مما قد مضى- من صلاتك و طهورك- فامضه كما هو» (1) حيث تكون التعدية في روايات الاستصحاب ب (على) و في روايات التجاوز بنفسه، قرينة على الفرق بينهما و امتياز إحداهما عن الاخرى في بيان المراد. مع أن إطلاق اليقين على القطع ربما لم يكن على خلاف المعمول، و إلا يلزم أن يكون اصطلاح الأصوليين و تعبيرهم بقاعدة اليقين في قبال الاستصحاب، غلطا.

و بالجملة، بعد هذا الاحتمال لا تطمئن النفس بكون المراد من البيان المذكور أي‏

____________

(1). وسائل الشيعة ج 5، كتاب الصلاة، الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

51

القاعدتين بحسب الظاهر.

قوله- (قدس سره)-:

«... و الانصاف أن هذه الرواية أظهر ما في هذا الباب من أخبار الاستصحاب إلا أن سندها غير سليم ...»

قد يقال‏ (1): بأنه لا ظهور لهذه الرواية في المدّعى. فضلا عن كونها أظهرها، لاحتمال أن يكون المراد من «اليقين» اليقين بدخول شهر رمضان في الصوم، لا اليقين بوجود السابق من شهر شعبان، كما هو مناط الاستدلال. بل يدعي القائلان تواتر الأخبار على ذلك، و أنه انعقد في كتاب الوسائل باب في لزوم تحقق اليقين بوجود شهر رمضان في وجوب الصوم، و هو شاهد على أن المراد من الخبر اليقين بتحقق شهر رمضان و وجوده.

أقول: إني قد راجعت الوسائل، فلم يكن في الباب المذكور إلا هذا الخبر وحده، و إنما نجد أخبارا متواترة دالة على أن الصوم و الافطار يتبعان الرؤية و في بعضها أنه لا يكفي الظن بل لا بدّ من الرؤية، و أين هذا مما ادعياه، فراجع و افهم.

و العجب من هذين العلمين كيف ادعيا الادعاء المذكور، و لعلهما اعتمدا على نقل ناقل لذلك و لم يراجعا بنفسيهما.

و أما المراد من «اليقين» في الخبر المذكور، فالتحقيق أن يقال: إنه لو لا القرينة، يحتمل الأمران، من كون المقصود اليقين بالحالة السابقة حتى يكون دليلا على الاستصحاب، أو اليقين بوجود شهر رمضان حتى لا يكون دليلا عليه، بل يكون دليلا على لزوم تحقق اليقين بوجود شهر رمضان في وجوب الصوم، و حيث لم يكن ترجيح لأحد الاحتمالين يصير مجملا.

هذا، و لكنه في نفس الخبر نجد قرينة على أن المراد اليقين بالحالة السابقة، لأن‏

____________

(1). القائل هو المحقق الخراساني و المحقق النائيني «قده».

52

المسئول عنه اليوم المشكوك من شهر رمضان، و أنه هل يصام فيه أم لا؟ و من المعلوم أنه يشمل المشكوك من شهر رمضان في آخره بالاطلاق، أو ترك الاستفصال، كما يشهد عليه جواب الامام (عليه السلام) عنه و حكمه بأنه لا بدّ من الصوم و عدم الإفطار، و إلا فالراوي لم يسأل عن خصوص مسألة المشكوك من شهر شوال، حتى يكون قوله (عليه السلام) «و أفطر للرؤية» جوابا عنه.

و بالجملة، يكون مدلول الجواب: أنه لا بدّ من الصوم في أول الشهر و آخره بالرؤية و عدم رفع اليد عن اليقين، و لا يمكن أن يكون اليقين في آخره عين اليقين بالحالة السابقة، لأن المفروض أنه مشكوك كونه من رمضان، و لا يقين بوجود شهر رمضان، فلا بدّ أن يكون المراد منه اليقين بالحالة السابقة، و أنه لا يرفع اليد عن اليقين برمضان بالشك فيه و يصام ذلك اليوم، و هذا ليس إلا الاستصحاب، و لما لم يكن المذكور فيه إلا لفظ واحد من اليقين، فلا بدّ أن يكون المراد من أوله أيضا، اليقين بوجود شعبان و أنه لا يرفع اليد عنه إلا بالرؤية.

و احتمال أن يكون المراد من اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، خصوص اليوم المشكوك من أوله، و جواب الامام (عليه السلام) عنه، و عن مسألة وجوب الافطار في اليوم المشكوك من شهر شوال، و أنه لا يفطر إلا بعد الرؤية فقط، بحيث يكون حكم صوم يوم الشك من آخر رمضان، مسكوتا عنه في هذا الخبر، و لا يستفاد منه أبدا، كما ترى.

فالانصاف بعد التأمل: أن هذا الخبر كالنص في حجية الاستصحاب، و ربما لأجل ذلك قال المصنف «(قدس سره)» بأنه أظهر ما في الباب من أخبار الاستصحاب دلالة على المطلب.

و أما ما يقال‏ (1) في تأييد المقالة المذكورة: من أن استصحاب بقاء شعبان في الأول و بقاء رمضان في الآخر، هما مفادا كان التامة، كما أن استصحاب عدم دخول شهر رمضان‏

____________

(1). القائل هو الأستاذ المحقق العراقي «قده».

53

أو شوال مفاد ليس التامة، و الأثر إنما هو مرتّب على مفاد الناقصة منهما، للزوم إحراز كون اليوم من رمضان أو شوال في وجوب الصوم أو الافطار، و من الواضح أن ترتب الأثر المترتب عليهما يكون من الأصل المثبت.

فجوابه أولا:- إن لازمه حجية الأصل المثبت في خصوص المقام، و هو لا يضر بالمطلب، و لا مانع من الالتزام بها بعد تطبيق الامام (عليه السلام) و إجرائه بالنسبة إليه، و «ما من عام إلا و قد خص» معروف، فتأمل حتى يظهر لك وجهه.

و ثانيا: إنه يمكن الالتزام بخفاء الواسطة.

و ثالثا: إنه يمكن أن يكون نظر الامام (عليه السلام) إلى الاستصحاب الحكمي لا الموضوعي، كما سيجي‏ء في كلام المصنف «(قدس سره)». إلا أن يقال: إنه يتم لو كان صيام شهر رمضان عبادة واحدة، و أما إذا لم يكن كذلك- كما هو التحقيق- فلا مجال لهذا الاستصحاب، لعدم الحالة السابقة، و سيأتي إنشاء اللّه تعالى زيادة توضيح لهذا الحديث.

***

54

التمسك بحديث الحلية لحجية الاستصحاب‏

قوله- (قدس سره)-:

... إذ لا مانع من إرادة الجامع بين الأولين، اعني قاعدة الطهارة في الشبهة الحكمية و الموضوعية

لا يخفى: أن الجامع بين الحلية الظاهرية و الواقعية و إن كان في البين، إلا أن مجرده لا يكفي في كون الرواية دالة على الحلية الظاهرية و الواقعية، إذا كان المقصود الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، لأن الحكم الظاهري لا يكون في مرتبة الحكم الواقعي، بل هما في مرتبتين من حيث الموضوع و الحكم، فلا يمكن جعل الحكمين بجعل واحد، بل يحتاجان إلى إنشاءين، مع أنه خلاف ظاهر معنى الغاية.

و تفصيل المطلب أن يقال: إنه لا إشكال في أن الظاهر من لفظة «حتى» في المقام، بل في كل غاية هو الدلالة على المعنى التبعي، حيث أنها من قيود المعنى، و المغيى إنما يلاحظ تبعا له، لا أن يدل على معنى استقلالي، و لا يخرج عن معناه الحرفي، و قد عرفت: أن الحكم الظاهري و الواقعي بنفسيهما و من حيث الموضوع في مرتبتين، فلا يمكن أن ينشأ بالصدر الحكم الواقعي و الحلية للانشاء بعناوينها الأولية، حتى يصير مثل قوله تعالى:

«و أحلّت لكم ما في الأرض جميعا» (1)، من إنشاء الحلية للشي‏ء بعنوانه المشكوك، و إلا يلزم أن يكون الحكمان و الموضوعان اللذان في مرتبتين، قد تحققا في مرتبة واحدة، فلا بدّ أن‏

____________

(1). هذا مضمون آية قرآنية.