عناية الأصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج2

- السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي المزيد...
400 /
1

من أول النواهي إلى آخر المجمل و المبين بقلم سماحة حجة الإسلام و المسلمين السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي النجفي مولدا و مسكنا هذه التعليقة هي ستة أجزاء جزءان في مباحث الألفاظ و أربعة أجزاء في الأدلة العقلية و هي لا تدع في الكفاية مشكلة الا و قد حلتها و لا معضلة الا و أوضحتها بل و تتكفل هي حل مطالب شيخنا الأنصاري أيضا أعلى اللَّه مقامه و قد أخذت آراؤه الشريفة في مباحث الألفاظ من التقريرات المعروفة لبعض أجلاء تلامذته و في الأدلة العقلية من كتاب الرسائل و هو بقلمه الشريف (هذا) مضافا إلى تكفل هذه التعليقة لحل جملة من مطالب الفصول و غيره أيضا حيثما يشير إليه المصنف (قدس سره) و اللَّه ولى التوفيق.

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله كما هو أهله و الصلاة و السلام على أكرم خلقه و أشرف بريته محمد خاتم أنبيائه و رسله و على أهل بيته الطاهرين حجج اللَّه على عباده و خلفائه في بلاده و أمنائه على حلاله و حرامه و اللعنة الدائمة على أعدائهم و معادي أوليائهم و موالي أعدائهم إلى يوم لقائه (أما بعد) فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا الموسوم بعناية الأصول في شرح كفاية الأصول و أسأل اللَّه تعالى أن يوفقني لإتمامه كما وفقني لإتمام الجزء الأول إنه أكرم مسئول و أجود من أعطى.

3

في مادة النهي و صيغته‏

قوله المقصد الثاني في النواهي فصل الظاهر أن النهي بمادته و صيغته في الدلالة على الطلب مثل الأمر بمادته و صيغته ... إلخ‏

(1) فكما قلنا في مادة الأمر إنها حقيقة في إنشاء الطلب الحتمي الصادر من العالي إذا كان بداعي الطلب الحقيقي النفسانيّ لا بدواعي أخر كالاختبار و غيره و إلا فلا يطلق عليه الأمر حقيقة إلا الأمر الصوري فكذلك نقول في مادة النهي حرفا بحرف غير أن متعلق الطلب في الأمر هو الفعل و في النهي هو الترك و كما قلنا في صيغة الأمر إنها حقيقة في إنشاء الطلب مطلقا سواء كان وجوبيا أو ندبيا و سواء كان إنشاء الطلب بداعي الطلب الحقيقي النفسانيّ أو بسائر الدواعي و إن ظهر من المصنف خلاف ذلك كله فكذلك نقول في صيغة النهي بلا تفاوت أصلا

قوله فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه ... إلخ‏

(2) أي فيعتبر في النهي ما استظهرنا اعتباره في الأمر من العلو و الحتم و الإلزام و أن يكون الطلب منشأ بداعي الطلب النفسانيّ الحقيقي لا بد واعي أخر.

قوله نعم يختص النهي بخلاف و هو أن متعلق الطلب فيه هل هو الكف أو مجرد الترك و أن لا يفعل و الظاهر هو الثاني ... إلخ‏

(3) نعم الظاهر أن متعلق الطلب في النهي هو مجرد الترك و أن لا يفعل كما أفاد المصنف لا الكف و لكن لا يبعد أن يكون صدق الامتثال و حصول القرب بل و استحقاق الثواب على القول به متوقفا على الكف كما أن صدق الكف يتوقف على الميل و الرغبة إلى الفعل فما لم يكن مائلا إليه راغبا فيه لا كف هناك و لا امتثال و لا قرب و لا ثواب (و بالجملة) ان المكلف في المحرمات‏

4

الإلهية (تارة) لا يتمكن من الفعل أصلا و هاهنا لا يكون مخاطبا بالنهي أبدا إذا النهي عن الشي‏ء هو كالأمر به فرع القدرة عليه و إلّا لم يصح النهي عنه عقلا كما لا يصح الأمر به كذلك (و أخرى) يقدر على الفعل لكن لا يميل إليه و لا يرغب فيه و لو مع قطع النّظر عن حرمته شرعا بحيث كان ترك الفعل مستندا إلى عدم الميل إليه و عدم الرغبة فيه بطبعه لا إلى نهيه تعالى و زجره عنه جل و علا و هاهنا مخاطب بالنهي و لكن لا يثاب على الترك لعدم كون الترك مستندا إلى امتثال نهيه و إطاعة زجره.

(و ثالثة) يقدر على الفعل و يميل إليه و يرغب فيه و لكن يكف نفسه عنه بداعي نهيه تعالى و زجره عنه جل و علا و هاهنا يكون ممتثلا للنهي متقربا بالكف مثابا عليه إن شاء اللَّه تعالى.

قوله و توهم أن الترك و مجرد أن لا يفعل خارج عن تحت الاختيار فلا يصح أن يتعلق به البعث و الطلب فاسد .. إلخ‏

(1) و قد أفاد في وجه الفساد ما حاصله أن الترك أيضا مقدور كالفعل و إلّا بان كان الترك خارجا عن تحت القدرة كان الفعل أيضا غير مقدور و كان خارجا عن تحت القدرة فان مقدورية الفعل لا تنفك عن مقدورية الترك فإذا كان الترك غير اختياري كان الفعل أيضا غير اختياري (ثم ان مقصود المصنف) من كون الترك مقدورا كما صرح به في المتن هو مقدوريته بحسب البقاء و الاستمرار الّذي يكون بحسبه محلا للتكليف لا العدم الأزلي الثابت من قبل فانه بلا اختيار قطعا.

قوله ثم انه لا دلالة لصيغته على الدوام و التكرار كما لا دلالة لصيغة الأمر و ان كان قضيتهما عقلا تختلف و لو مع وحدة متعلقهما ... إلخ‏

(2) و قد أفاد في وجه الاختلاف ما حاصله أن وجود الطبيعة يكون بوجود فرد واحد و أما ترك الطبيعة فلا يحصل إلّا بترك جميع أفراد الطبيعة سواء كانت دفعية

5

أو تدريجية أي عرضية أو طولية فإذا قال مثلا اضربه فيكفى الإتيان بضرب واحد و إذا نهى عنه و قال لا تضربه لا يحصل الامتثال إلّا بترك جميع افراد الضرب افراده العرضية كالضرب بهذا السوط و الضرب بذاك السوط و الضرب في هذا المكان و الضرب في ذاك المكان و هكذا افراده الطولية من الضرب في هذا الآن و الضرب في الآن الثاني و الضرب في الآن الثالث و هكذا.

قوله بان يكون طبيعة واحدة بذاتها و قيدها تعلق بها الأمر مرة و النهي أخرى ... إلخ‏

(1) كما إذا قال اضربه ضربا شديدا أو قال لا تضربه ضربا شديدا و لو قال بان يكون طبيعة واحدة تعلق بها الأمر مرة و النهي أخرى بإسقاط كلمة بذاتها و قيدها كان أولى.

قوله طبيعة مطلقة غير مقيدة بزمان أو حال ... إلخ‏

(2) فإذا كانت مقيدة بزمان أو بحال لم يكن النهي للدوام و الاستمرار كما إذا قال لا تأكل الحامض غدا أو لا تأكله في حال سقمك و مرضك.

قوله و بالجملة قضية النهي ليس إلّا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له كانت مقيدة أو مطلقة ... إلخ‏

(3) فإن كانت الطبيعة التي تكون متعلقة للنهي مطلقة كان مقتضى النهي المتعلق بها الدوام و الاستمرار و ان كانت مقيدة بزمان أو حال لم يكن النهي للدوام و الاستمرار و ان استوعب جميع الأفراد الدفعيّة بل و مقدارا من التدريجية.

قوله ثم انه لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف أو عدم إرادته بل لا بد في تعيين ذلك من دلالة و لو كان إطلاق المتعلق من هذه الجهة ... إلخ‏

(4) قد عرفت فيما تقدم آنفا أن متعلق الطلب في النهي هو الترك و ان ترك الطبيعة لا يكون إلّا بترك تمام أفرادها أي الدفعيّة و التدريجية جميعا و لكن حيث أن النهي ثبوتا على قسمين:

6

(أحدهما) أن يكون المطلوب فيه هو مجموع التروك من حيث المجموع بحيث إذا خالف مرة لم يحصل الامتثال أصلا و يسقط النهي بالمرة كما إذا نهى عبده عن التكلم ساعة لئلا يشعر بهم العدو لكونه في مكان قريب منهم فإذا خالف آناً ما و تكلم و شعر بهم العدو سقط النهي من أصله و لم يحصل الامتثال أبدا و إن فرض سكوته في بقية آنات الساعة و هذا القسم من المنهي عنه هو في الحقيقة من المأمور به الارتباطي غير أنه قد تكون أجزائه وجودية كما في الصلاة و قد تكون عدمية كما في الصوم و المثال من الثاني.

(و ثانيهما) أن يكون المطلوب فيه متعددا بتعدد التروك فكل ترك مطلوب مستقل غير مرتبط بالآخر فإذا خالف أحدها بقي الباقي على مطلوبيته كما في قوله لا تشرب الخمر أو لا تكرم الفساق أو لا تكذب أو لا تزن و نحو ذلك من النواهي فينحل النهي فيه إلى نواهي متعددة بتعدد الخمر أو الفساق أو الكذب أو الزنا فإذا خالف بعضها لم يضر الباقي و هذا القسم من المنهي عنه هو المحرم الغير الارتباطي (فحينئذ) يقع الكلام في أنه إذا خالف النهي مرة فهل لنا في مقام الإثبات ما يدل على كون النهي من القسم الثاني كي يكون باقيا على حاله بالنسبة إلى بقية التروك أم لا بل هو من القسم الأول بحيث إذا خالفه مرة سقط النهي رأسا (فيقول المصنف) إن نفس النهي مما لا دلالة له على إرادة الترك لو خولف مرة و لكن إطلاق المتعلق من هذه الجهة و عدم تقيده بان لا يخالف و لو مرة مما يكفى للدلالة في مقام الإثبات على بقاء النهي على حاله لو خولف مرة أو أكثر و ان لم ينفعه إطلاق المتعلق من ساير الجهات كالزمان و المكان و نحوهما (و ببالي) أن المحقق القمي (رحمه اللَّه) قد تمسك لهذا المعنى بإطلاق الطلب أي طلب الترك كما تمسك بإطلاقه لكون النهي للدوام و التكرار (و لكن الحق) أن شيئا من الإطلاقين مما لا يجدى لا إطلاق الطلب‏

7

و لا إطلاق المتعلق فان شيئا من الطلب و المتعلق ليس مقيدا في القسم الأول من النهي في لسان الدليل كي يعرف من إطلاقه إثباتا أن النهي من القسم الثاني ثبوتا و أنه إذا خولف مرة أو أكثر فهو باق على حاله بالنسبة إلى بقية التروك (و عليه) فان عرف كما هو الغالب حال النهي من القرائن المقامية أو المقالية و أنه من أي القسمين فهو و إلّا فالمرجع هو الأصول العملية فإذا خولف النهي مرة أو أكثر و شك في بقائه استصحب (ثم ان للنهي) قسم ثالث لم ينبه عليه في كلماتهم هنا و هو أن يكون المبغوض فيه المجموع من حيث المجموع و هو المسمى بالمحرم الارتباطي غير أنه قد تكون أجزائه وجودية كما في الغناء إذا فرض كونه هو الصوت مع الإطراب و الترجيع و قد تكون عدمية كما إذا قال لا تهجر الفراش أربعة أشهر فمجموع التروك من حيث المجموع مبغوض للمولى فإذا هجر الفراش في تمام المدة الا يوما واحدا لم يعص (و إذا تردد) النهي بين القسم الأول و الثاني و الثالث و لم يكن هناك ما يعين حاله كما إذا قال لا تأكل ساعة و لم يعرف أن المطلوب فيه هل هو مجموع التروك أو هو متعدد بتعدد التروك في آنات الساعة أو أن المبغوض فيه هو مجموع الأكل في تمام الساعة من حيث المجموع فإذا أكل في تمام الساعة الا آناً واحدا لم يعص فالظاهر أن الفعل في تمام المدة مقطوع الحرمة و فيما سواه مشكوك فتجري البراءة عنه (نعم إذا تردد) النهي بين الأول و الثاني فقط فيستصحب الحرمة حينئذ بعد المخالفة مرة أو أكثر كما أشرنا و في غير هذه الصورة يكون الفعل في مجموع المدة مقطوع الحرمة و فيما سواه مشكوك فتجري البراءة عنه فتأمل جيدا فان المقام لا يخلو عن دقة.

8

في اجتماع الأمر و النهي و بيان أقوال المسألة

قوله فصل اختلفوا في جواز اجتماع الأمر و النهي في واحد و امتناعه على أقوال ثالثها جوازه عقلا و امتناعه عرفا ... إلخ‏

(1) لا اختلاف من أحد في امتناع اجتماع الأمر و النهي في واحد بعنوان واحد و انما الاختلاف كما سيأتي التصريح به في جواز اجتماعهما في واحد إذا كان ذا وجهين و معنونا بعنوانين بأحدهما تعلق الأمر و بالآخر تعلق النهي كما في الصلاة في المغصوب (فمنهم) من جوزه بدعوى أن تعدد الوجه و العنوان مما يوجب تعدد المتعلق فلا يسرى كل من الأمر و النهي إلى متعلق الآخر كي يلزم اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد الّذي لا اختلاف في امتناعه (و منهم) من منعه نظرا إلى أن تعدد الوجه و العنوان مما لا يوجب تعدد المتعلق فيسري بالأخرة كل من الأمر و النهي إلى متعلق الآخر فيكون من اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد فيمتنع (ثم) ان أقوال المسألة كما أشار إليها المصنف ثلاثة (قال في التقريرات) فذهب أكثر أصحابنا و جمهور المعتزلة و بعض الأشاعرة كالباقلاني إلى الامتناع بل عن جماعة منهم العلامة و السيد الجليل في إحقاق الحق و العميدي و صاحب المعالم و المدارك و صاحب التجريد الإجماع عليه بل ادعى بعضهم الضرورة و ليس بذلك البعيد و أكثر الأشاعرة على الجواز و وافقهم جمع من أفاضل متأخري أصحابنا كالمحقق الخوانساري في تداخل الأغسال من المشارق و جمال الدين و المدقق الشيرواني و السيد الشارح للوافية و المحقق القمي بل نسبه‏

9

إلى ظاهر السيد في الذريعة و الأردبيلي بل حكاه عن الفضل بن شاذان مستظهرا من كلامه أنه من مسلمات الشيعة و استظهره من الكليني حيث نقل كلام الفضل و لم يطعن عليه (إلى أن قال) و قد ينقل في المقام قول ثالث و هو التفصيل بين العقل و العرف فيجوز عقلا و لا يجوز عرفا و نسبه بعضهم إلى الأردبيلي في شرح الإرشاد (انتهى موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه).

في بيان المراد من الواحد

قوله و قبل الخوض في المقصود يقدم أمور الأول المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين و مندرجا تحت عنوانين ... إلخ‏

(1) قد يكون الواحد شخصيا كزيد و قد يكون نوعيا كالإنسان و قد يكون جنسيا كالحيوان و الوحدة في كل من هذه الأقسام الثلاثة حقيقية لا مجازية و قد يكون الواحد بالنوع كما في قولك الزنجي و الرومي واحد أي من نوع واحد و قد يكون بالجنس كما في قولك البقر و الغنم واحد أي من جنس واحد و الوحدة في هذين القسمين مجازية لا حقيقية فان الزنجي و الرومي اثنان حقيقة و انما ينسب إليهما الوحدة بالعرض و المجاز أي نوعهما واحد و هكذا الحال في البقر و الغنم فهما واحد أي جنسهما واحد (ثم انك) إذا عرفت هذا الأمر فنقول ان محل الكلام في المقام ليس خصوص الواحد الشخصي المعنون بعنوانين كالصلاة الخارجية الواقعة ليس خصوص الواحد الشخصي المعنون بعنوانين كالصلاة الخارجية الواقعة في المغصوب بل مطلق الواحد الحقيقي المعنون بعنوانين و ان كان كليا مقولا على كثيرين كطبيعة الصلاة الواقعة في المغصوب فذكر كلمة الواحد في عنوان البحث انما هو لإخراج الواحد بالنوع أو بالجنس الّذي ليست الوحدة فيه حقيقية و لا كلام في جواز الاجتماع فيه لتعدد متعلقي الأمر و النهي حقيقة

10

من دون أن يجتمعا وجودا و خارجا و ان كان يجمعهما نوع واحد أو جنس واحد كما في السجود لله و السجود للصنم فالأوّل واجب و الثاني حرام مع كونهما واحدا بالجنس و ليس ذكر كلمة الواحد لإخراج الواحد النوعيّ أو الجنسي بعد كون الوحدة فيهما حقيقية لا مجازية فتأمل جيدا.

في الفرق بين المسألة و مسألة النهي في العبادات‏

قوله الثاني الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادات ... إلخ‏

(1) (قال المحقق القمي) في مسألة النهي في العبادات و المعاملات ما هذا لفظه و مما ذكرنا يظهر أن ما تقدم من اجتماع الأمر و النهي هو فيما كان بين المأمور به و المنهي عنه عموم من وجه (إلى أن قال) و بالجملة النزاع في هذا الأصل هو فيما كان بين المأمور به و المنهي عنه أو المأمور و المنهي عموم و خصوص مطلقا (و قال صاحب الفصول) في مسألة الاجتماع ما هذا لفظه ثم لا فرق في موضع النزاع بين أن يكون بين الجهتين عموم من وجه كالصلاة في الغصب و بين أن يكون بينهما عموم مطلق مع عموم المأمور به كما لو أمره بالحركة و نهى عن التداني إلى موضع مخصوص فتحرك إليه فان الحركة و التداني طبيعتان متخالفتان و قد أوجدهما في فرد واحد و الأولى منهما أعم و بعض المعاصرين يعنى به المحقق القمي خص موضع النزاع بالقسم الأول و جعله فارقا بين هذا النزاع و النزاع الآني في الفصل اللاحق حيث يختص بالقسم الثاني و قد سبقه إلى ذلك غيره (إلى أن قال) و سيأتي تحقيق الفرق بين النزاعين (و قال) في‏

11

مسألة النهي في العبادات و المعاملات ما هذا لفظه ثم أعلم إن الفرق بين المقام و المقام المتقدم و هو أن الأمر و النهي هل يجتمعان في شي‏ء واحد أو لا أما في المعاملات فظاهر و أما في العبادات فهو أن النزاع هناك فيما إذا تعلق الأمر و النهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة و ان كان بينهما عموم مطلق و هنا فيما إذا اتحدتا حقيقة و تغايرتا بمجرد الإطلاق و التقييد بان تعلق الأمر بالمطلق و النهي بالمقيد و ما ذكره بعض المعاصرين في بيان الفرق من أن النزاع هناك فيما إذا كان بين الموردين عموم من وجه و هنا فيما إذا كان بينهما عموم مطلق فغير مستقيم و قد مر التنبيه عليه (انتهى) هذا كله كلام المحقق القمي و كلام صاحب الفصول رحمهما اللَّه (و أما المصنف) فحاصل كلامه أن الفرق بين المسألتين إنما هو باختلاف الجهة المبحوثة عنها التي بها تمتاز المسائل بعضها عن بعض و الجهة المبحوثة عنها في المسألة هي سراية كل من الأمر و النهي إلى متعلق الآخر لاتحاد متعلقيهما وجودا و عدم سرايته لتعدد هما و عدم اتحادهما وجودا كما أن الجهة المبحوثة عنها في تلك المسألة هي مفسدية النهي للعبادة أو المعاملة و عدمها بعد الفراغ عن سراية النهي و توجهه إليها و ليس الفرق بين المسألتين ما ذكره الفصول من أن متعلقي الأمر و النهي في مسألة الاجتماع طبيعتان متغايرتان بحسب الحقيقة و في المسألة الآتية طبيعتان متحدتان بحسب الحقيقة متغايرتان بمجرد الإطلاق و التقييد الّذي مرجعه إلى الفرق بموضوعي المسألتين فان مجرد تعدد الموضوعات مما لا يوجب التمايز بين المسائل ما لم يكن هناك اختلاف الجهات المبحوثة عنها و مع اختلافها لا حاجة أصلا إلى تعدد الموضوعات فإذا كانت الجهة متعددة فلا بد من عقد مسألتين و لو مع وحدة الموضوع و إن كانت الجهة واحدة فلا بد من عقد مسألة واحدة و لو مع تعدد الموضوع (ثم إن هذا الاعتراض) و إن وجهه المصنف إلى خصوص‏

12

الفصول و لكنه مما يشمل المحقق القمي أيضا حيث لم يفرق بين المسألتين بالجهة المبحوثة عنها بل حام حول الفرق بتعدد الموضوع أيضا غايته أنه ببيان آخر و هو أن النسبة بين متعلقي الأمر و النهي في إحداهما عموم من وجه و في أخراهما عموم مطلق.

(أقول) أما ما ادعاه المصنف من أن تمايز المسائل إنما هو باختلاف الجهة المبحوثة عنها فهو حق لكن في الجملة لا مطلقا (و توضيحه) أن المراد من الجهة المبحوثة عنها في المسألة هو محمول المسألة لا الغرض الّذي لأجله دون هذا العلم لأن غرض العلم مترتب على تمام المسائل على اختلافها فكيف يكون تمايز بعضها عن بعض بالغرض الوحداني المترتب على الكل و من المعلوم أن تمايز المسائل كما قد يكون بتمايز المحمولات فكذلك قد يكون بتمايز الموضوعات (فان كان الموضوع) في المسألتين واحدا فالتمايز يكون بتمايز المحمول كما أفاد المصنف (و إن كان المحمول) فيهما واحدا فالتمايز يكون بتمايز الموضوع و لا يكاد يصح عقد مسألة واحدة حينئذ بمجرد اتحاد المحمول ما دام الموضوع فيهما متعددا مختلفا و إلا لزم أن يكون الفقه بطوله عبارة عن مسائل معدودة بان تكون مسائل الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و الجهاد و نحو ذلك من الواجبات كلها مسألة واحدة لكون المحمول فيها و هي الجهة المبحوثة عنها واحدا أي الوجوب و تكون مسائل الكذب و الغيبة و النميمة و الرشوة و شرب الخمر و القمار و نحو ذلك من المحرمات مسألة واحدة لكون المحمول فيها و هي الجهة المبحوثة عنها واحدا أي الحرمة و هكذا مسائل النجاسات و المطهرات و نحوهما و هو كما ترى (و بالجملة) تمايز مسائل علم واحد بعضها عن بعض كما تقدم في صدر الكتاب انما هو بتمايز الموضوع أو المحمول أو كليهما جميعا لا بخصوص المحمول فقط كما يظهر من المصنف هنا

13

(و أما ما ادعاه المحقق القمي) من أن النسبة بين متعلقي الأمر و النهي في المسألة عموم من وجه و في المسألة الآتية عموم مطلق فهو أيضا حق لا مجال لإنكاره (و ما اعترضه الفصول عليه) من أن النسبة في المسألة قد تكون عموما مطلقا كما في الأمر بالحركة و النهي عن التداني إلى موضع مخصوص مدعيا أن الحركة و التداني طبيعتان متخالفتان (هو في غير محله) فان المثال المذكور خارج عن النزاع بلا شبهة و يعامل معه معاملة العام و الخاصّ بلا ريب و ليس التداني إلى موضع مخصوص طبيعة متخالفة مع الحركة بل هو قسم خاص منها و لكن يرد على المحقق القمي شي‏ء يسير و هو أن مجرد كون النسبة بين متعلقي الأمر و النهي عموما من وجه مما لا يوجب دخولهما في مسألة الاجتماع ما لم تكن النسبة بين نفس المتعلقين كذلك كما في الصلاة و الغصب لا بين متعلقي المتعلقين كما في أكرم العلماء و لا تكرم الفساق فانه من باب التعارض و الرجوع إلى المرجحات السندية و ليس من باب الاجتماع بلا كلام كما نبه عليه صاحب التقريرات (بقوله) ثم ان الظاهر اختصاص كلماتهم فيما نحن بصدده بما إذا كان العموم من وجه بين نفس الفعل المأمور به و الفعل المنهي عنه كما في قولك صل و لا تغصب (إلى أن قال) بخلاف ما إذا كان العموم بينهما باعتبار متعلقهما كما في قولك أكرم عالما و لا تكرم فاسقا ... إلخ و سيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله تعالى في آخر تنبيهات المسألة عند تعرض المصنف له فانتظر (و أما ما ادعاه الفصول) من أن متعلقي الأمر و النهي في المسألة طبيعتان متغايرتان و في النهي في العبادات متحدتان فهو أيضا حق و لكن قد عرفت آنفا ما في تجويزه كون النسبة في المسألة عموما مطلقا و عرفت حال تمثيله له بالأمر بالحركة و النهي عن التداني إلى موضع مخصوص (كما أنه يرد عليه) أيضا ما اشترطه في النهي في العبادات من تعلق الأمر بالمطلق و النهي بالمقيد كصل و لا تصل‏

14

في الدار المغصوبة مع إمكان العكس أيضا كما إذا قال لا تصل و صل في المكان المباح فان النهي متعلق بالمطلق و الأمر متعلق بالمقيد و مع ذلك يكون النهي عن الصلاة في غير المكان المباح من النهي في العبادات (و بالجملة) ملخص الكلام إلى هنا أن الفرق بين مسألة الاجتماع و مسألة النهي في العبادات يكون من جهات.

(الأولى) أن الجهة المبحوثة عنها في مسألة الاجتماع هي غير الجهة المبحوثة عنها في مسألة النهي في العبادات كما أفاد المصنف فان النزاع في الأولى في سراية النهي و عدمها و في الثانية في مفسدية النهي و عدمها بعد الفراغ عن سرايته و توجهه.

(الثانية) أن النسبة بين متعلقي الأمر و النهي في مسألة الاجتماع غير النسبة بين متعلقي الأمر و النهي في مسألة النهي في العبادات كما أفاد المحقق القمي فان النسبة في الأولى عموم من وجه و في الثانية عموم مطلق.

(الثالثة) أن متعلقي الأمر و النهي في مسألة الاجتماع طبيعتان مختلفتان و في مسألة النهي في العبادات طبيعتان متحدتان كما أفاد الفصول فتأمل جيدا فان المقام لا يخلو عن دقة.

قوله التي بها تمتاز المسائل ... إلخ‏

(1) أي تمتاز مسائل علم واحد منها عن بعض لا مسائل هذا العلم عن مسائل ساير العلوم فان تمايز مسائل هذا العلم عن مسائل ساير العلوم كما تقدم في صدر الكتاب إنما هو بتمايز الأغراض و ان جاز بالموضوعات و المحمولات أيضا فراجع.

قوله نعم لو قيل بالامتناع مع ترجيح جانب النهي في مسألة الاجتماع ... إلخ‏

(2) أي بإحدى مرجحات باب التزاحم كما سيأتي تفصيلها واحدا بعد واحد إن شاء الله تعالى.

15

قوله أما في المعاملات فظاهر ... إلخ‏

(1) و لعل وجه الظهور أنه لا أمر في المعاملات كي تشتبه مسألة النهي في المعاملات مع مسألة اجتماع الأمر و النهي و يحتاج إلى بيان الفارق بينهما.

قوله فان مجرد تعدد الموضوعات و تغايرها بحسب الذوات لا يوجب التمايز بين المسائل ما لم يكن هناك اختلاف الجهات ... إلخ‏

(2) بل قد عرفت أن تعدد الموضوع مما يوجب التمييز بين المسألتين و إن كان المحمول واحدا أي الجهة المبحوثة عنها.

قوله بل لا بد من عقد مسألتين مع وحدة الموضوع و تعدد الجهة ... إلخ‏

(3) فالخمر حرام مسألة و الخمر نجس مسألة أخرى مع وحدة الموضوع في كلتيهما.

قوله و عقد مسألة واحدة في صورة العكس كما لا يخفى ... إلخ‏

(4) أي عقد مسألة واحدة في صورة تعدد الموضوع و وحدة الجهة المبحوثة عنها و لكن قد عرفت ما فيه فان مجرد وحدة المحمول أي الجهة المبحوثة عنها مما لا يوجب وحدة المسألة ما دام الموضوع فيها متعددا مختلفا و إلا لزم أن تكون جملة من مسائل الفقه كما تقدم مسألة واحدة نظرا إلى أن الجهة المبحوثة عنها واحدة و هي الوجوب أو الحرمة أو الطهارة أو النجاسة و نحوها و هو كما ترى‏

قوله و من هنا انقدح أيضا فساد الفرق بان النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا و هناك في دلالة النهي لفظا ... إلخ‏

(5) إشارة إلى فرق آخر بين مسألة الاجتماع و مسألة النهي في العبادات و المعاملات ذكره بعضهم و هو أن النزاع هاهنا في جواز الاجتماع و عدمه عقلا و هناك في دلالة النهي و عدمها على الفساد لفظا فمسألتنا هذه عقلية و تلك لفظية (و قد أجاب عنه المصنف) بوجهين:

16

(الأول) أن مجرد كون النزاع هاهنا في جواز الاجتماع عقلا و هناك في دلالة النهي لفظا مما لا يوجب فرقا بين المسألتين ما لم يكن تعدد الجهة في البين فان الملاك في تمايز المسائل على ما عرفت من المصنف هو تعدد الجهة فان كانت متعددة فهو و إلا فمجرد الفرق المذكور مما لا يوجب إلا تفصيلا في المسألة الواحدة فنقول مثلا أنه يجوز الاجتماع عقلا و لكن النهي يدل على الفساد لفظا أو بالعكس فلا يجوز الاجتماع عقلا و لكن النهي لا يدل على الفساد لفظا إلى غير ذلك من الصور و لا يوجب ذلك تمييزا بين المسألتين و لا فرقا بينهما ما لم يكن تعدد الجهة في البين (و فيه) أن مجرد كون النزاع هاهنا في جواز الاجتماع عقلا و هناك في دلالة النهي على الفساد لفظا هو مما يوجب اختلاف المحمول و الجهة المبحوثة عنها فتتعدد المسألة قهرا لما عرفت من أن الجهة المبحوثة عنها هي المحمول لا غيره فإذا كان المحمول متعددا كانت الجهة المبحوثة عنها متعددة.

(الوجه الثاني) أن النزاع في مسألة النهي في العبادات و المعاملات كما سيظهر لك تفصيله هو مما لا يختص بدلالة اللفظ كي يتم الفرق المذكور و يوجب التمايز بين المسألتين (و فيه) أن مسألة النهي في العبادات و المعاملات و إن لم تختص هي بدلالة اللفظ بل لا مساس لها باللفظ أصلا فهي عقلية محضة و ليس النزاع فيها في دلالة النهي على الفساد أبدا و لكن المصنف كما سيأتي هناك ممن يلتزم بان تلك المسألة لفظية لا عقلية (و عليه) فلا يبقى له مجال هاهنا أن يجيب بهذا الوجه أصلا و إن صح الجواب به في حد ذاته ثبوتا.

17

في كون المسألة أصولية

قوله الثالث انه حيث كانت نتيجة هذه المسألة مما تقع في طريق الاستنباط كانت المسألة من المسائل الأصولية لا من مباديها الأحكامية و لا التصديقية و لا من المسائل الكلامية و لا من المسائل الفرعية و ان كانت فيها جهاتها ... إلخ‏

(1) (قال المحقق القمي أعلى اللَّه مقامه) ما هذا لفظه و هذه المسألة و ان كانت من المسائل الكلامية و لكنها لما كانت يتفرع عليها كثير من المسائل الفرعية ذكرها الأصوليون في كتبهم و نحن نقتفي آثارهم في ذلك (و قال في التقريرات) ما هذا لفظه يظهر من بعضهم انها من المسائل الكلامية و لم يظهر له وجه فانه يبحث في الكلام عن أحوال المبدأ و المعاد (إلى أن قال) نعم لو كان البحث من حيث صدوره عنه أي عن الصانع جل و علا كأن يكون النزاع في فعله كما يبحث في جواز إقدار الكاذب على فعل خارق للعادة كان له وجه (إلى أن قال) و قد يظهر من بعض آخر أن البحث فيها يرجع إلى البحث عن مقاصد الأصول فانها يستنبط منها صحة الصلاة في الدار المغصوبة و فسادها و ليس بشي‏ء فان الصحة و الفساد لا يترتبان على الجواز و العدم بل التحقيق أن الصحة متفرعة على عدم التعارض و التناقض بين مدلولي الأمر و النهي و تشخيص ذلك موقوف على مسألة الجواز و الامتناع فهذه المسألة من مباني المسألة الأصولية و هي وجود التعارض و تحقق التناقض بين الأدلة و عدمه فالحكم الفرعي لا يترتب على هذه المسألة بدون توسيط و الأولى أن يقال بان البحث فيها انما هو بحث عن مبادئ الأحكامية حيث يناسب عند ذكرها و تحقيقها ذكر بعض أحكامها و أوصافها من ملازمة وجوب شي‏ء لوجوب‏

18

مقدمته و من جواز اجتماع الحكمين مع تضادهما كما تقدم شطر من الكلام في ذلك في بحث المقدمة و ذلك هو الوجه في ذكر العضدي له في المبادي الأحكامية كشيخنا البهائي (انتهى).

(أقول) و يعرف من جميع ما ذكر إلى هنا أن (لنا قول) بكون المسألة من المسائل الكلامية و هو خيرة المحقق القمي و لعله نظرا إلى كونها بحثا عن بعض أفعاله تعالى كما احتمله التقريرات و أنه هل يجوز ذلك منه جل و علا أم لا (و لنا قول) بكونها من المسائل الأصولية نظرا إلى كونها مما يستنبط به صحة الصلاة في الدار الغصبي و فسادها و هو خيرة بعضهم كما تقدم التصريح به من التقريرات (و لنا قول) بكونها من المبادي الأحكامية نظرا إلى انها باحثة عن أحوال الحكم و أوصافه و أن الأمر و النهي هل يجتمعان في شي‏ء واحد ذي جهتين أم لا و هو خيرة التقريرات و شيخنا البهائي و العضدي بل الحاجي أيضا على ما تقدم في صدر الكتاب في المبادي الأحكامية (و أما المصنف) فقد اختار كونها من المسائل الأصولية أي القول الثاني و هو أجود من الكل.

(و ما أفاده التقريرات) في وجه عدم كونها من المسائل الأصولية من أن الصحة و الفساد مترتبان على التعارض و عدمه و هما على الجواز و عدمه (فليس كما ينبغي) إذ لا يجب أن تكون المسألة الأصولية مما يستنبط به الحكم الشرعي بلا توسيط كما تقدم في صدر الكتاب أيضا و إن لم يجز أن تكون الوسائط كثيرة بحيث يخرجها عن المسألة الأصولية (مضافا) إلى أن الصحة و الفساد مترتبان على التزاحم و ترجيح جانب النهي و عدمه لا على التعارض و التناقض بين الدليلين و عدمه و ذلك لما ستعرف من أن الجمع على الامتناع من باب التزاحم لا التعارض (و لكن يرد على المصنف) أنه بعد ما سلم أخيرا أن في المسألة جهات غير المسألة الأصولية أيضا حيث قال و ان كانت‏

19

فيها جهاتها لا وجه لنفي كونها من المبادي الأحكامية و لا التصديقية و لا من المسائل الكلامية ... إلخ بقوله لا من مباديها الأحكامية و لا التصديقية و لا من المسائل الكلامية ... إلخ فان المسألة و ان كانت أصولية لما فيها من جهتها و لكن لا ينافى كونها من المبادي الأحكامية أيضا و غيرها بعد ما فرض وجود ساير الجهات فيها (نعم يظهر من قوله) و ان عقدت كلامية في الكلام و صح عقدها فرعية أو غيرها بلا كلام ... إلخ أنه لا ينفى كونها من غير المسائل الأصولية أيضا و بين العبارتين لا يخلو عن التناقض (و بالجملة) الصحيح الّذي ينبغي المصير إليه أن المسألة أصولية لما فيها من جهتها و هي استنباط الحكم الشرعي بوسيلتها و لو بأكثر من واسطة و لا ينافى ذلك كونها من المبادي الأحكامية أيضا و غيرها لما فيها من جهتهما و إن لم يجز عقدها في الأصول من غير الأصول بعد كونها أصولية كما لا يخفى (ثم ان ظاهر قول المصنف) و ان كانت فيها جهاتها ... إلخ تسليم كون ساير الجهات فيها حتى جهة المبادي التصديقية و المسألة الفرعية و لم يتضح لنا وجهه نعم يمكن تصوير كونها من المبادي التصديقية نظرا إلى ما أشار إليه التقريرات من كونها من مباني المسألة الأصولية فإذا كانت من مبانيها كانت من مباديها التصديقية و لكن لا وجه لكونها من المسائل الفرعية و لا أظن أن أحدا قد احتمل ذلك سوى المصنف و اللَّه العالم.

قوله ضرورة أن مجرد ذلك لا يوجب كونها منها ... إلخ‏

(1) أي ضرورة أن مجرد كون الجهات فيها لا يوجب كونها منها أي من المبادي الأحكامية و التصديقية و من المسائل الكلامية و الفرعية (و فيه) ما عرفته آنفا فان المسألة بعد الاعتراف بوجود ساير الجهات فيها تكون هي منها قهرا و ان كانت فيها جهة أخرى أمكن عقدها معها من المسائل الأصولية بل لا مجال‏

20

لعقدها في الأصول من غير الأصول كما أشرنا.

قوله و قد عرفت في أول الكتاب ... إلخ‏

(1) أي عند قوله فلذا قد يتداخل بعض العلوم في بعض المسائل مما كان له دخل له في مهمين لأجل كل منهما دون علم على حده فيصير من مسائل العلمين ... إلخ.

قوله أنه لا ضير في كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصة من مسائل علمين لانطباق جهتين عامتين على تلك الجهة كانت بإحداهما من مسائل علم و بالأخرى من آخر ... إلخ‏

(2) مقصوده من الجهة الخاصة التي يبحث عنها في المسألة هي المحمول المختص بتلك المسألة فان كل مسألة كما أن لها موضوع خاص كذلك لها محمول خاص كما أن مقصوده من الجهتين العامتين بقرينة ما تقدم منه في أول الكتاب هما غرضا العلمين فان غرض العلم هي الجهة العامة المترتبة على تمام مسائله المختلفة و أما قوله على تلك الجهة ... إلخ فالأولى كان أن يقول على تلك المسألة أي لانطباق جهتين عامتين على تلك المسألة كانت بإحداهما من مسائل علم و بالأخرى من آخر.

في كون المسألة عقلية لا لفظية

قوله الرابع أنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أن المسألة عقلية ...

إلخ‏

(3) لما عرفت في صدر الأمر الثاني من أن النزاع في المسألة هو في سراية كل من الأمر و النهي إلى متعلق الآخر و عدمها و ليس النزاع في دلالة اللفظ و عدمها (مضافا إلى ما عرفت في آخر الأمر المذكور عند ذكر الفارق الأخير بين المسألتين و هو كون النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا و هناك أي في مسألة النهي في العبادات و المعاملات في دلالة النهي لفظا من أن النزاع في كلتا المسألتين عقلية لا لفظية.

21

قوله و لا اختصاص للنزاع في جواز الاجتماع و الامتناع فيها بما إذا كان الإيجاب و التحريم باللفظ ... إلخ‏

(1) بل لو كان النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع مختصا بما إذا كان الإيجاب و التحريم باللفظ لكانت المسألة أيضا عقلية لأن النزاع مع ذلك تكون في السراية و عدمها لا في دلالة اللفظ و عدمها غايته أن دائرة البحث حينئذ تكون أضيق مما إذا وقع الكلام في جواز الاجتماع و الامتناع بالنسبة إلى مطلق الإيجاب و التحريم و لو كانا مستفادين من دليل لي كإجماع أو سيرة و نحوهما فما يوهمه تعبير المصنف من أن النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع لو كان مختصا بما إذا كان الإيجاب و التحريم باللفظ لكانت المسألة لفظية لا يخلو عن مسامحة و التعبير الصحيح هو ما ذكره في الفوائد حيث قال في الأمر الرابع ما لفظه إنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه أن المسألة عقلية و ليس البحث فيها في دلالة اللفظ أصلا (انتهى).

قوله و ذهاب البعض إلى الجواز عقلا و الامتناع عرفا ... إلخ‏

(2) أي و ذهاب البعض إلى الجواز عقلا و الامتناع عرفا كما نسب ذلك إلى الأردبيلي في شرح الإرشاد على ما تقدم في صدر المسألة ليس هو بمعنى دلالة اللفظ على الامتناع كي يكون هذا التفصيل من شواهد كون المسألة لفظية فان الامتناع العرفي بهذا المعنى مما لا محصل له بل معناه أن الواحد المعنون بعنوانين بالنظر الدّقيق العقلي اثنان فيجوز الاجتماع فيه عقلا و بالنظر المسامحي العرفي واحد فلا يجوز الاجتماع فيه عرفا و من المعلوم أن هذا المعنى مما لا شهادة فيه على كون المسألة لفظية لا عقلية.

قوله غاية الأمر دعوى دلالة اللفظ على عدم الوقوع بعد اختيار جواز الاجتماع ... إلخ‏

(3) استدراك عن المنع عن كون الامتناع عرفا بمعنى دلالة اللفظ (فيقول) نعم يمكن أن يكون الامتناع عرفا بمعنى دلالة اللفظ

22

على عدم وقوع الاجتماع بعد اختيار جواز الاجتماع عقلا.

(أقول) لكن مع ذلك مما لا يشهد هذا التفصيل على كون المسألة لفظية محضة و ان شهد على كونها ذا جهتين عقلية و لفظية بل لا يشهد على ذلك أيضا فان مجرد ذهاب بعضهم إلى الامتناع العرفي و لو بالمعنى المذكور مما لا يوجب كونها ذا جهة لفظية مع ذهاب جلهم إلى الجواز و الامتناع العقليين من دون تعرض لحال الجواز و الامتناع العرفيين أصلا.

ملاك النزاع يعم جميع أقسام الإيجاب و التحريم‏

قوله الخامس لا يخفى أن ملاك النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع يعم جميع أقسام الإيجاب و التحريم .... إلخ‏

(1) أي سواء كانا نفسيين أو غيريين أو مختلفين أو كانا عينيين أو كفائيين أو مختلفين أو كانا تعبديين أو توصليين أو مختلفين بل ملاك النزاع يعم حتى الأمر و النهي الغير الإلزاميين (نعم لا ينبغي) التأمل في جواز اجتماع الأمر و النهي التخييريين كما قال به في التقريرات و لو بعنوان واحد فضلا عما إذا كان بعنوانين بينهما من وجه (و هكذا لا ينبغي) التأمل في جواز اجتماع الأمر و النهي الموسعين أو المشروطين و لو بعنوان واحد أيضا فضلا عما إذا كان بعنوانين بينهما من وجه (أما جواز الاجتماع في الأول) فلعدم التنافي بين قوله تزوج هندا أو أختها و قوله دع تزويج هندا أو أختها فان مرجع ذلك إلى وجوب تزويج إحداهما و حرمة الجمع بينهما.

23

(و أما جواز الاجتماع في الثاني) فلعدم التنافي بين قوله تحرك في كل يوم ساعة و قوله دع الحركة في كل يوم ساعة فالحركة في كل ساعة من ساعات النهار واجبة موسعا و محرمة كذلك و الاختيار بيد المكلف فله أن يختار في الحركة أي ساعة من ساعات النهار و له أيضا أن يختار في ترك الحركة أي ساعة من ساعات النهار و لا محذور في هذا كله.

(و أما جواز الاجتماع في الثالث) فلعدم التنافي أيضا بين قوله إن جاءك زيد فأكرمه و قوله إن لم يجئك زيد فلا تكرمه فإكرام زيد واجب مشروط بالمجي‏ء و محرم مشروط بعدم المجي‏ء (و لكن مع ذلك كله) قد عمم المصنف جريان النزاع بالنسبة إلى الأمر و النهي التخييريين أيضا و مثل له في الكتاب بما إذا أمر بكل من الصلاة و الصوم تخييرا و نهى عن كل من التصرف في الدار و المجالسة مع الأغيار تخييرا فصلى في الدار مع مجالستهم فقال هذه الصلاة كالصلاة في الدار الغصبي عينا من حيث جواز الاجتماع و الامتناع عقلا و مثل له في الفوائد بما إذا أمر بكل من الصلاة و الصوم تخييرا و نهى عن كل من التسرب و الدخول في الحمام تخييرا فصلى في الحمام و قال هذه الصلاة أيضا كالصلاة في الغصب من حيث جريان النزاع فيها (كما أن صاحب التقريرات) عمم النزاع بالنسبة إلى الأمر و النهي الموسعين و المشروطين جميعا (فقال) و أما ساير أقسام الأمر و النهي من الموسعين و المضيقين أو المشروطين أو التعبديين و التوصليين و غير ذلك فلعله لا فرق لها في دخولها في محل الكلام (انتهى) (أقول) و أنت خبير بما في كلا التعميمين جميعا (أما تعميم) المصنف فلما في تمثيله في الكتاب من المسامحة الواضحة إذ المكلف لو أتى بكلا طرفي النهي التخييري من التصرف في الدار و المجالسة مع الأغيار فيقع قهرا كل من طرفي النهي التخييري على صفة المبغوضية و لكن لو أتى بأحدهما دون‏

24

الآخر كما إذا صلى في الدار و لم يجالس الأغيار فلا تقع الصلاة حينئذ مبغوضة محرمة مع أنه اجتمع فيها الوجوب و الحرمة التخييريين فالصحيح كان أن يقول فصلى في الدار مع عدم مجالستهم نعم تمثيله في الفوائد صحيح و لكن كون الصلاة في الحمام في المثال المذكور كالصلاة في الغصب غير مسلم بل هي مما يجوز فيه اجتماع الأمر و النهي التخييريين قطعا فإذا صلى فيه و لم يشرب صحت صلاته مع كونها واجبة تخييرا و محرمة تخييرا.

(و بالجملة) المثال المذكور في الكتاب خارج عن محل الكلام و ما ذكره في الفوائد ليس بخارج و لكن كونه كالصلاة في الغصب ممنوع.

(و أما تعميم صاحب التقريرات) فالمسامحة فيه أوضح إذ قد عرفت أنه لا مانع من أن يجب شي‏ء واحد تخييرا و يحرم ذلك الشي‏ء بعينه تخييرا أيضا و من المعلوم أن الأمر و النهي الموسعين مرجعهما إلى الأمر و النهي التخييريين و عرفت أيضا أنه لا مانع من أن يجب شي‏ء واحد على تقدير و يحرم ذلك الشي‏ء بعينه على تقدير آخر فيكون في حال واحد متعلقا للوجوب التقديري و للحرمة التقديرية و لعل هذا التعميم من طغيان قلم المقرر لا مما أفاده الشيخ أعلى اللَّه مقامه و اللَّه العالم.

قوله كما هو قضية إطلاق لفظ الأمر و النهي ... إلخ‏

(1) فكما أن ملاك النزاع في جواز الاجتماع و الامتناع يعم جميع أقسام الإيجاب و التحريم فكذلك إطلاق لفظ الأمر و النهي الواقعين في عنوان البحث مما يقتضى الشمول لجميع أقسام الإيجاب و التحريم قلنا دليلان على العموم أحدهما عموم الملاك و الآخر إطلاق لفظ الأمر و النهي.

قوله و دعوى الانصراف إلى النفسيين التعيينيين العينيين في مادتهما غير خالية عن الاعتساف ... إلخ‏

(2) إذ لا منشأ يعتد به لانصراف لفظ

25

الأمر و النهي إلى النفسيين التعيينيين العينيين على نحو يوجب ظهوره فيهما عرفا ظهورا يعمل به و يعتمد عليه.

قوله و ان سلم في صيغتهما ... إلخ‏

(1) كما تقدم في المبحث السادس من مباحث صيغة الأمر بعد التعبدي و التوصلي بلا فصل.

قوله مع أنه فيهما ممنوع ... إلخ‏

(2) أي مع أن الانصراف إلى النفسيّ التعييني العيني في الصيغة أيضا ممنوع لأن ما تقدم في المبحث السادس من مباحث الصيغة من أن قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا إنما هو بمقتضى مقدمات الحكمة لا بمقتضى الانصراف اللفظي أو الانسباق الحاقي المستند إلى الوضع فالانصراف المسلم هناك كما ستأتي الإشارة إليه بقوله نعم لا يبعد ... إلخ هو انصرافها بمقدمات الحكمة و الانصراف الممنوع هاهنا هو انصرافها بنفسها لفظا أو وضعا.

قوله نعم لا يبعد دعوى الظهور و الانسباق من الإطلاق بمقدمات الحكمة الغير الجارية في المقام ... إلخ‏

(3) أي الغير الجارية في لفظ الأمر و النهي الواقعين في عنوان البحث و ذلك لعموم ملاك النزاع و شموله لجميع أقسام الإيجاب و التحريم و معه لا تكاد تتم المقدمات هنا.

قوله و كذا ما وقع في البين من النقض و الإبرام ... إلخ‏

(4) الظاهر أنه عطف على الملاك أي لما عرفت من عموم الملاك لجميع الأقسام و كذا عموم ما وقع في البين من النقض و الإبرام.

26

في أخذ قيد المندوحة في محل النزاع‏

قوله السادس انه ربما يؤخذ في محل النزاع قيد المندوحة في مقام الامتثال بل ربما قيل بان الإطلاق انما هو للاتكال على الوضوح ... إلخ‏

(1) المندوحة هي كون المكلف في سعة و فسحة على نحو أمكنه الإتيان بالصلاة مثلا في غير المغصوب في قبال من لا يتمكن من الإتيان بها إلا في المغصوب (ثم ان الّذي) أخذ قيد المندوحة صريحا في محل النزاع هو صاحب الفصول (قال:) في صدر المسألة ما هذا لفظه و ان اختلفت الجهتان و كان للمكلف مندوحة في الامتثال فهو موضع النزاع و من ترك القيد الأخير فقد اتكل على الوضوح لظهور اعتباره (انتهى) (بل و يظهر ذلك) من المحقق القمي أيضا (قال) فيما إفادة في الدليل الأول للجواز ما هذا لفظه نعم لو فرض انحصار تحقق الصلاة مثلا في الدار المغصوبة فنحن أيضا نقول بامتناع الاجتماع فلا بد إما من الوجوب أو التحريم (انتهى) (بل و يظهر ذلك من المصنف) أيضا في الفوائد حيث قال في الأمر الخامس (ما لفظه) ثم الظاهر انه يعتبر في محل النزاع اعتبار المندوحة و ان أطلقه جماعة ... إلخ.

(نعم) خالف المصنف في الكتاب فلم يعتبر المندوحة في محل النزاع أصلا حيث (قال) و لكن التحقيق مع ذلك عدم اعتبارها فيما هو المهم في محل النزاع من لزوم المحال ... إلخ (انتهى) و هو جيد فان المهم المبحوث عنه في المقام هو استحالة اجتماع الأمر و النهي في مثل الصلاة في المغصوب و عدمها من ناحية وحدة المتعلق و تعدده و وجود المندوحة و عدمها أي تمكن المكلف من الإتيان بالصلاة في غير الغصب و عدمه مما لا مدخل له في استحالة

27

اجتماع الأمر و النهي في الصلاة في نفس الغصب و عدمها (نعم إذا قلنا) بالجواز و عدم استحالة اجتماعهما من ناحية وحدة المتعلق بدعوى تعدده و اثنينيته فلا بد في فعلية الحكمين جميعا من اعتبار المندوحة و تمكن المكلف من التفكيك و الإتيان بالصلاة في غير الغصب كما ربما يعتبر أمر آخر كالعلم و العقل و نحوهما و إلا فلا قدرة له على امتثالهما جميعا فيلزم التكليف بالمحال أي بغير المقدور و هو غير التكليف المحال أي الأمر و النهي بشي‏ء واحد.

(أقول) و الظاهر أنه لا فرق بين التكليف بالمحال و التكليف المحال فان كلا منهما محال إذ لا يعقل تعلق التكليف و الإرادة الحقيقية بالمحال الا تكليفا صوريا أو إذا جهل الآمر بمحالية المكلف به فأمر به جهلا.

في توهم ابتناء النزاع على القول بتعلق الأحكام بالطبائع‏

قوله السابع ربما يتوهم تارة أن النزاع في الجواز و الامتناع يبتنى على القول بتعلق الأحكام بالطبائع ... إلخ‏

(1) في المقام توهمان.

(أحدهما) أن النزاع في الجواز و الامتناع مبتن على القول بتعلق الأحكام بالطبائع و أما على القول بتعلقها بالأفراد فلا محيص عن الامتناع (قال المنصف) ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي و لو كان ذا وجهين على هذا القول يعنى به على القول بتعلقها بالأفراد (انتهى).

(ثانيهما) أن الجواز مبتن على القول بتعلق الأحكام بالطبائع و الامتناع على القول بتعلقها بالأفراد (و قد أشار إليه المصنف) بقوله الآتي و أخرى‏

28

أن القول بالجواز مبنى على القول بالطبائع لتعدد متعلق الأمر و النهي ذاتا أن اتحد وجودا و القول بالامتناع على القول بالأفراد لاتحاد متعلقهما شخصا خارجا و كونه فردا واحدا (انتهى) (ثم ان المصنف) قد أجاب عزّ كلا التوهمين بجواب واحد و حاصله أن تعدد الوجه ان كان يجدى في تعدد المتعلق بحيث لا يضر معه الاتحاد الوجوديّ لكان يجدى ذلك حتى على القول بتعلق الأحكام بالأفراد فكما لا يضر وحدة الوجود بتعدد الطبيعتين و بكونهما موجودين بوجود واحد فكذلك لا يضر وحدة الوجود بتعدد الفردين و بكونهما موجودين بوجود واحد (و أما إذا كان) تعدد الوجه مما لا يجدى في تعدد المتعلق بل كان المتعلقان واحدا لا تعدد فيه فلا يجدى ذلك حتى على القول بالطبائع.

(أقول) و في كل من التوهمين و جواب المصنف عنهما ما لا يخفى (أما التوهمان) فلما عرفته في بحث تعلق الأحكام بالطبائع أو الأفراد من أن متعلق الأحكام على كل من القولين كلي صادق على كثيرين ليس بجزئي خارجي فان الخارجي أمر حاصل محقق و لا يكاد يتعلق الطلب بالأمر الحاصل المحقق غايته أن المتعلق على الأول هي الطبيعة المحضة و أما الخصوصيات و المشخصات التي بها يكون الفرد فردا فهي خارجة عن تحت الطلب و تكون لازم المطلوب لا جزئه و على الثاني هي الطبيعة مع الخصوصيات و المشخصات على نحو كانت الخصوصيات جزء المطلوب لا لازمه و من الواضح المعلوم أن متعلق الأحكام إذا كان على كل من القولين أمرا كليا صادقا على كثيرين فلا يكاد يبقى معه مجال للتوهمين المذكورين و لا لشي‏ء من علتيهما أصلا و هما قوله ضرورة لزوم تعلق الحكمين بواحد شخصي و لو كان ذا وجهين على هذا القول ... إلخ و قوله لاتحاد متعلقهما شخصا خارجا و كونه فردا واحدا ... إلخ.

29

(و أما جواب المصنف) عن التوهمين فلان المجوز و إن كان يدعى أن تعدد الوجه مما يجدى في تعدد المتعلق و لكن لم يعلم أنه يعترف بالاتحاد الوجوديّ و لعله كما يدعى تعدد المتعلقين ذاتا فكذلك يدعى تعددهما خارجا و ان المجمع مقدمة لهما كما سيأتي شرحه بل لا معنى لكونهما متعددين موجودين بوجود واحد (و كأن المصنف) زعم ان اتحاد متعلقي الأمر و النهي وجودا أمر مفروغ عنه لا ينكره حتى المجوز فأجاب بان الاتحاد الوجوديّ كما لا يضر بتعدد المتعلقين على القول بالطبائع فكذلك لا يضر بتعددهما على القول بالأفراد أيضا.

في اعتبار وجود المناطين في المجمع‏

قوله الثامن أنه لا يكاد يكون من باب الاجتماع إلا إذا كان في كل واحد من متعلقي الإيجاب و التحريم مناط حكمه ... إلخ‏

(1) (المقصود) من عقد هذا الأمر الثامن هو بيان أنه يعتبر في باب الاجتماع أن يكون مناط كل من الأمر و النهي موجودا في المجمع كي يكون على الجواز محكوما بكلا الحكمين و على الامتناع مندرجا في باب التزاحم بين المقتضيين و ستعرف حكم التزاحم بينهما (و المقصود) من عقد الأمر التاسع بيان أنه بم يحرز المناطان في المجمع كي يكون على الجواز محكوما بكلا الحكمين و على الامتناع مندرجا في باب التزاحم بين المقتضيين (كما أن المقصود) من صدر التنبيه الثاني من التنبيهات الآتية في خاتمة البحث أنه إذا أحرز المناطان في المجمع و كان على الامتناع من صغريات باب التزاحم فكيف يصنع به و ما حكم التزاحم بين المقتضيين فهذه مقامات ثلاثة (أما المقام الأول) فحاصل الكلام فيه أن المجمع (إن كان) كل من‏

30

المناطين موجودا فيه فهو من باب الاجتماع كما ذكرنا فعلى الجواز يكون محكوما بكلا الحكمين و على الامتناع يكون من باب التزاحم بين المقتضيين (و أما إذا كان) أحد المناطين موجودا فيه دون الآخر فهو محكوم بحكمه بالخصوص دون غيره (كما أنه إذا لم يكن) فيه شي‏ء من المناطين فهو محكوم بحكم آخر غير الحكمين من غير فرق في الصورتين الأخيرتين بين الجواز و الامتناع أصلا (هذا كله) بحسب مقام الثبوت و الواقع فانه لا يخلو من إحدى الصور الثلاث (و أما) بحسب مقام الدلالة و الإثبات (فتارة) يحرز أن المناط من قبيل الثاني بمعنى أن أحد المناطين بلا تعيين موجود فيه دون الآخر و في هذه الصورة الدليلان الدالان على الحكمين متعارضان بالنسبة إلى المجمع على كل من الجواز و الامتناع و لا بد من عمل المعارضة حينئذ بينهما من الترجيح أو التخيير (و أخرى) يحرز أن المناط من قبيل الأول بمعنى أن كلا من المناطين موجود في المجمع و في هذه الصورة يكون الدليلان متزاحمين بالنسبة إلى المجمع فربما كان الترجيح مع ما هو أضعف دليلا لكونه أقوى مناطا و لكن التزاحم إنما هو على الامتناع و إلا فعلى الجواز لا تعارض و لا تزاحم أصلا لعدم التنافي بينهما باعتقاد المجوز (و من جميع) ما ذكر إلى هنا يعرف أن عبارة المصنف المقام الإثبات قاصرة جدا عن إفادة المراد فان العبارة لم تستقص صور مقام الإثبات الا بعضها فانه كما يحرز تارة أن المناط من قبيل الأول و أخرى من قبيل الثاني فكذلك يحرز أن المناط من قبيل الثالث أي لا مناط في المجمع أصلا و الدليلان حينئذ لا متعارضان و لا متزاحمان لا على الجواز و لا على الامتناع‏

31

في بيان ما يحرز به المناطان في المجمع‏

(و أما المقام الثاني) فحاصل الكلام فيه أن المحرز لثبوت المناطين في المجمع أحد أمور ثلاثة فهو أما إجماع أو غيره من دليل خاص أو إطلاق الدليلين و في محرزية الأمر الأخير تفصيل (و شرحه) أن الإطلاقين (إن كانا) لبيان الحكم الاقتضائي فهما محرزان للمناطين في المجمع (و إن كان) أحدهما اقتضائيا و الآخر فعليا فهما أيضا محرزان لهما و ان لم يتعرض له المصنف هاهنا و تعرضه في صدر التنبيه الثاني حيث لم يحكم فيه بالتعارض بل حكم فيه بوجوب الأخذ بالفعلي دون الاقتضائي (و إن كانا) بصدد الحكمين الفعليين فان قلنا بالجواز فهما أيضا محرزان لهما لعدم التنافي بينهما و ان قلنا بالامتناع فالإطلاقان متنافيان أي متعارضان فلا يثبت بهما المناطان جميعا و لكن يرجع عنه أخيرا بقوله إلا أن يقال إن قضية التوفيق بينهما هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي لو لم يكن أحدهما أظهر يعنى في الشمول لمادة الاجتماع و إلا فخصوص الظاهر منهما ... إلخ أي خصوص الظاهر منهما يحمل على الاقتضائي و الأظهر على الفعلي فيؤخذ به فبناء على رجوعه الأخير يكون إطلاق الدليلين مطلقا مثبتا و محرزا للمناطين سواء كانا اقتضائيين أو كان أحدهما اقتضائيا و الآخر فعليا أو كانا جميعا بصدد الحكم الفعلي و قد صرح بذلك في الفوائد بعد رجوعه المذكور (فقال) ما لفظه فيكون أي مورد الاجتماع من موارد هذه المسألة مطلقا يعنى به في جميع الصور الثلاث المذكورة.

(أقول) إن قيام الإجماع أو غيره من دليل خاص على وجود المناطين في المجمع و إن كان أمرا ممكنا في حد ذاته و لكنه بعيد جدا بل غير واقع‏

32

خارجا و عليه فالمحرز للمناطين ينحصر دائما بإطلاقي الدليلين (ثم ان التفصيل) في محرزيتهما بين ما إذا كان الدليلان بصدد الحكم الاقتضائي أو كان أحدهما بصدد الفعلي و الآخر بصدد الاقتضائي و بين ما إذا كانا جميعا بصدد الحكم الفعلي فيكون المناطان محرزين بالإطلاقين في الصورتين الأوليين دون الأخيرة بدعوى تعارض الدليلين فيها (ضعيف جدا) فان الأدلة التي بأيدينا كلها بصدد الأحكام الفعلية و ليس شي‏ء منها بصدد الحكم الاقتضائي فان الاقتضائي الإنشائي مما لا يجب الإتيان به مع قطع النّظر عن التعارض أو التزاحم فكيف بما إذا كان معارضا أو مزاحما بمثله و سيأتي اعترافه بذلك في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي إن شاء اللَّه تعالى في بحث إمكان التعبد بالأمارة الغير العلمية (و عليه) فالحكمان المستفادان من إطلاقي الدليلين في المجمع كلاهما فعليان دائما قد تجاوز عن مرتبة الاقتضاء و الإنشاء إلى مرتبة الفعلية و هما على الامتناع متزاحمان لا متعارضان لما ستعرف السر في ذلك مشروحا في الجهة الأولى من الجهتين الآتيتين إن شاء اللَّه تعالى بل هما متزاحمان في مرتبة التنجز فقط فيتنجز أحدهما لمرجح من مرجحات باب التزاحم دون الآخر و سيأتي تفصيل مراتب الحكم من الاقتضاء و الإنشاء و الفعلية و التنجز و معنى كل منها على التفصيل و وجه عدم تنافي الحكمين لا بنحو التزاحم و لا بنحو التعارض الا في المرتبة الأخيرة فقط في المقدمة الأولى من مقدمات الاستدلال على الامتناع فانتظر (هذا كله مضافا) إلى منافاة حكمه في المقام بتعارض الإطلاقين بمجرد كونهما بصدد الحكم الفعلي من دون استثناء صورة أقوائية مناط أحدهما من الآخر مع حكمه بما سيأتي الإشارة إليه في آخر هذا الأمر الثامن من أن مناط أحد الحكمين الفعليين إذا كان أقوى فهو يوجب رفع التعارض بينهما فيحمل الأقوى منهما مناطا على الفعلي و الآخر على الاقتضائي حيث يقول ما لفظه لو لم يوفق بينهما

33

بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة ... إلخ يعنى به الأقوائية في المناط و سيأتي أيضا حكمه بذلك صريحا في صدر التنبيه الثاني حيث يحكم فيه بوجوب الأخذ بالغالب منهما مناطا مطلقا إذا أحرز الغالب منهما و إطلاق حكمه مما يشمل حتى ما إذا كان الإطلاقان جميعا بصدد الحكم الفعلي كما يشمل ما إذا كانا جميعا اقتضائيين أو كان أحدهما اقتضائيا و الآخر فعليا (و أضعف من الكل) توفيقه بين الإطلاقين المتعارضين لكونهما فعليين بحمل كل منهما على الاقتضائي لو لم يكن أحدهما أظهر و إلّا فخصوص الظاهر فان الدليلين إذا لم يكن أحدهما أظهر فلا وجه لحمل كل منهما على الاقتضائي بعد فرض كونهما بصدد الحكم الفعلي فانه حمل بلا شاهد بل يبقى الدليلان على تعارضهما فلا بد من الترجيح أو التخيير على الخلاف الآتي في باب التعارض و لا يحرز بهما المناطان حينئذ في المجمع ليكون من باب التزاحم هذا إذا لم يكن الدليلان أحدهما أظهر أي في الشمول لمادة الاجتماع و إلّا فبينهما جمع دلالي و هو يوجب خروج المجمع عن تحت الآخر رأسا كما في العام و الخاصّ عينا فلا يكون المناطان محرزين فيه جميعا ليكون من باب التزاحم و يستنتج منه صحة الصلاة في الغصب و نحوها نسيانا أو جهلا كما سيأتي شرحها في الأمر العاشر فانتظر.

في بيان حكم المجمع على الامتناع و التزاحم‏

(و أما المقام الثالث) و هو أهم المقامات الثلاثة (فحاصل الكلام) فيه أنه لا بد في باب الاجتماع بعد القول بالامتناع و إحراز المناطين في المجمع بأحد الأمور المتقدمة الثلاثة و صيرورته من باب التزاحم لا التعارض من‏

34

الترجيح بأقوائية المناط (فإذا أحرز) الغالب منهما فيؤخذ به و يقدم على صاحبه و يكون المجمع محكوما بحكمه و من إطلاق المصنف هاهنا يعرف أنه لا فرق في تقديم الغالب منهما بين أن كان الخطابان جميعا بصدد الحكم الفعلي أو كان أحدهما بصدد الفعلي و الآخر بصدد الاقتضائي أو كانا جميعا بصدد الحكم الاقتضائي (و إذا لم يحرز) الغالب منهما (فان كان) الخطابان جميعا بصدد الحكم الفعلي فهما متعارضان و يقدم الأقوى منهما دلالة أو سندا و بطريق الإن يحرز أن ملاكه أقوى (و إن كان) أحدهما بصدد الفعلي و الآخر بصدد الاقتضائي فيؤخذ بالفعلي دون الاقتضائي و الظاهر أنه لاستكشاف أغلبية مناطه بسبب فعليته و إن لم يصرح به (و إن كانا) جميعا بصدد الحكم الاقتضائي فلا بد من الرجوع إلى الأصول العملية و الأخذ بحكم آخر بعد فرض كون الحكمين جميعا اقتضائيين غير فعليين (بل لا يبعد) الرجوع إلى الأصول العلمية في الصورة الثانية أيضا في نظر المصنف و إن لم يصرح به إذا لم يكن أحدهما أقوى دلالة أو سندا فيكون الفعليان المتساويان في الدلالة و السند كالاقتضائيين (اللهم إلّا أن يقال) أن في مورد فرضهما فعليين إذا تعارضا و لم يكن هناك مرجح دلالي أو سندي فنتخير بينهما شرعا لعدم جواز الرجوع في المتعارضين إلى الثالث بل لا بد من الترجيح أو التخيير بمقتضى الإجماع و الأخبار العلاجية الآتية في محلها إن شاء اللَّه تعالى.

(و بالجملة) اللازم بنظر المصنف في باب الاجتماع هو الأخذ بأقوى المناطين إذا أحرز الأقوى منهما و إلّا فان كان الدليلان فعليين فأقوائية أحدهما دلالة أو سندا هو المحرز لأقوائية مناطه فيقدم و ان كان أحدهما فعليا و الآخر اقتضائيا فيؤخذ بالفعلي دون الاقتضائي و ان كانا اقتضائيين جميعا فلا بد من الرجوع إلى الأصل العملي.

35

(أقول) و يرد عليه مضافا إلى ما ستعرفه في الجهة الثانية من أن المرجح الأول لباب التزاحم ليس هو أقوائية المناط و أغلبية الملاك بل هو اللابدلية في قبال ما له البدل فما لا بدل له يقدم على ما له البدل و ان كان أضعف مناطا بكثير فان تساويا من هذا الحيث فعند ذلك تصل النوبة إلى الترجيح بأقوائية المناط و أغلبية الملاك لا من بدو الأمر كما زعم المصنف (أن بأقوائية) الدلالة أو السند فيما إذا كانا فعليين كيف يعرف إنا أقوائية المناط و أي ربط بين أقوائية الدلالة أو السند و بين أقوائية المناط و أغلبية الملاك (على أن الدليلين) إذا فرضنا متعارضين لأجل كونهما بصدد الحكمين الفعليين فلا يكاد يحرز بهما المناطان جميعا كي تكون أقوائية الدلالة أو السند في أحدهما كاشفا عن أقوائية مناطه عن مناط الآخر و يكون المجمع من باب التزاحم لا التعارض فتأمل في المقام جيدا هذا كله شرح ما للمصنف في المقامات الثلاثة من التحقيق الّذي لا ينجلي تفصيله الا بالتدبر التام فيه.

تحقيق في كون المجمع على الامتناع من باب التزاحم لا التعارض‏

(و أما) ما عندنا من التحقيق فنقول إن اللازم هو البحث عن جهتين لم يؤد حقهما كما ينبغي.

(الأولى) أن المجمع على الامتناع هل هو من باب التعارض بحيث يجب الرجوع فيه إلى المرجحات السندية أو نتخير بين الدليلين على الخلاف الآتي في المتعارضين أو هو من باب التزاحم بحيث يجب الرجوع فيه إلى مرجحات‏

36

هذا الباب كما ستعرف تفصيلها إن شاء اللَّه تعالى واحدا بعد واحد و بين البابين فرق عظيم جدا (و الحق) أنه من باب التزاحم بين المقتضيين كما هو خيرة المصنف و ظاهر المشهور حيث حكموا بصحة الصلاة في الغصب نسيانا أو جهلا بالموضوع كما سيأتي في الأمر العاشر نظرا إلى وجود المقتضى فيها و فقد المانع عن التقرب بها و هو النهي المنجز فلو كان من باب التعارض و قدم فيه جانب النهي لم يتفاوت الحال بين الذّكر و النسيان و لا بين العلم و الجهل أصلا لخروجه عن تحت الأمر رأسا (و ليس المجمع) من باب التعارض كما هو ظاهر التقريرات من عبارته المتقدمة عند بيان كون المسألة أصولية بل صريحه في الهداية الثانية عند بيان ثمرة النزاع (قال فيها) الثالث في بيان ثمرة النزاع و اعلم أنه لما كانت هذه المسألة من المبادي فالوجه أن تظهر الثمرة في مسألة أصولية و هي أن الأمر و النهي في مورد الاجتماع هل هما متعارضان أو لا تعارض بينهما فعلى القول بالامتناع فالتعارض ثابت و على القول بالجواز فلا تعارض (ثم حكم) على تقدير التعارض بالرجوع إلى المرجحات الدلالية (إلى أن قال) هذا و لكن ينبغي أن يعلم أن الأخذ بالمرجح من حيث الدلالة مثل تقديم الخاصّ على العام أو تقديم النهي على الأمر لقوة الدلالة لا يلائم مذاق المشهور المانعين حيث أنهم كما عرفت من كلام المحقق الأردبيلي يقتصرون في التخصيص بصورة وجود النهي الفعلي و يحكمون بالصحّة في صورة النسيان و الجهل و نحوهما و تخصيص العام بالخاص ليس من هذا القبيل بل مقتضاه خروج الفرد بجميع أحواله عن العام.

(أقول) و العجب أنه مع نقله فتوى المشهور بالصحّة عند الجهل و النسيان و نحوهما من موارد سقوط النهي عن مرتبة التنجز و التفاته إلى عدم ملائمة ذلك مع كون المجمع من باب التعارض لخروجه حينئذ عن تحت الأمر

37

رأسا كيف يدعى أن المجمع على الامتناع من باب التعارض بضرس قاطع من دون أن يحتمل كونه من باب التزاحم على مذاق المشهور (و لو قال) أعلى اللَّه مقامه الحق عندنا أن المجمع على الامتناع من باب التعارض و إن كان يظهر من المشهور القائلين بالامتناع أنه من باب التزاحم كان أهون (و على كل حال) الحق كما ذكرنا آنفا أن المجمع على الامتناع هو من باب التزاحم لا التعارض و ذلك لأن ضابطة التعارض كما سيأتي في محله هو التنافي في مقام الجعل و التشريع بحيث يعلم إجمالا بكذب أحد الدليلين من أصله و لو في خصوص ما إذا كانا قطعيين دلالة وجهة لا مطلقا و ضابطة التزاحم هو التنافي في مقام الامتثال و الإتيان بحيث لا قدرة للمكلف على رعايتهما جميعا و المقام من قبيل الثاني إذا لا تنافي عرفا بين تشريع صل و تشريع لا تغصب فيشمل إطلاق كل منهما الصلاة في الغصب و بوسيلة الإطلاقين يثبت فيها المقتضيان جميعا فيتزاحمان في مقام الامتثال حيث لا يقدر المكلف على رعايتهما جميعا من جهة وحدة المتعلق فيسقط أحد الحكمين عن التنجز و يبقى الآخر على تنجزه لمرجح من المرجحات الآتية لباب التزاحم و إذا فرضا متساويين فنتخير بينهما عقلا (و دعوى) إنا نعلم إجمالا بكذب أحد الإطلاقين من أصله فيتعارضان الإطلاقان و لا يكاد يتزاحمان مما لا وجه له حيث تجري هذه الدعوى بعينها في مثل أنقذ العالم و أنقذ الهاشمي فإطلاق هذا يشمل جميع الأحوال حتى حال ما إذا غرق ذاك و إطلاق ذاك يشمل جميع الأحوال حتى حال ما إذا غرق هذا فإذا غرقا جميعا و لم يتمكن المكلف من إنقاذهما جميعا فأحد الإطلاقين كاذب لا محالة في هذا الحال إما هذا و إما ذاك مع انهما من باب التزاحم بلا كلام غايته أن الإطلاق في المثال أحوالي و في المقام أفرادي و ذلك مما لا يوجب تفاوتا في ناحية العلم الإجماليّ بكذب أحد الإطلاقين (كما أن تعدد المتعلق) في المثال و وحدته في‏

38

المقام مما لا يوجب أيضا تفاوتا في ذلك فان مجرد وحدة المتعلق مما لا يوجب التعارض بين الدليلين بعد تحقق المناطين في المتعلق و إلا لوجب أن تكون المقدمة المنحصرة بالحرام من باب التعارض بين الوجوب الغيري المترشح إليها من الواجب الأهم و الحرمة النفسيّة الثابتة لها بما هي هي مع أن الحكمين فيها متزاحمان لا متعارضان فإذا توقف إنقاذ الغريق على اجتياز أرض غصبي قدم الأمر الغيري على النهي النفسيّ نظرا إلى أهمية الإنقاذ من الغصب فكما يقال في جميع ذلك كله لا تنافي عرفا بين الإطلاقين في مقام الجعل و التشريع و انما يتنافيان في مقام الامتثال من جهة عدم القدرة على رعاية الحكمين جميعا بعد إحراز المناطين في المجمع بوسيلة إطلاقي الدليلين فكذلك يقال في مثل صل و لا تغصب حرفا بحرف غايته أن المرجح في الأمثلة المذكورة أقوائية المناط و في المقام أمر آخر و هو اللابدلية كما ستعرف تفصيلها إن شاء اللَّه تعالى‏

في بيان مرجحات باب التزاحم‏

(الجهة الثانية) في بيان مرجحات باب التزاحم و قد أهمل الأصوليون ذكرها في الأصول و لم يفردوا لها بحثا مستقلا و محلا مخصوصا مع أنه كان ينبغي ذلك منهم و لم يفعلوا و على كل حال هي أمور عديدة.

(منها) أن يكون أحد التكليفين تعيينيا لا بدل له و الآخر تخييريا له البدل فيقدم التعييني على التخييري سواء كان التخيير عقليا أو شرعيا.

(أما الأول) فكما إذا زاحم واجب مضيق كإنقاذ غريق و نحوه واجبا موسعا له أفراد طولية إلى آخر الوقت كالصلاة و نحوها بناء على كون التخيير بين الأفراد الطولية عقليا كما اختاره المصنف لا شرعيا كما اخترناه و تقدم في‏

39

الواجب الموقت أو زاحم حرام واجبا له المندوحة كالغصب مع الصلاة إذا تمكن من إتيانها في غير الغصب فان الغصب استيعابي يحرم منه جميع أفراده على التعيين و الصلاة بدلي لها أفراد عرضية من الصلاة في المسجد و الصلاة في الدار و الصلاة في الحمام و نحو ذلك كالأفراد الطولية نتخير بينها عقلا.

(و من هنا) يظهر أن جانب النهي في باب الاجتماع على الامتناع مما يقدم على جانب الأمر دائما من غير ملاحظة لأقوائية مناط أحدهما كما زعم المصنف على ما تقدم تفصيل كلامه في المقام الثالث نعم إذا انحصر الواجب في فرد واحد فتصل النوبة حينئذ إلى الترجيح بأقوائية المناط كما إذا لم يتمكن من إيقاع الصلاة الا في الغصب بان كان في مكان مباح و لم يقدر على إتيان الصلاة بما لها من الأجزاء الواجبة كالقيام و الركوع و السجود الا في مكان مغصوب فحينئذ لا بد من ملاحظة أقوائية الملاك فان كان ملاك الأجزاء الواجبة أقوى من حرمة الغصب وجبت الصلاة في الغصب و ان كان ملاك الغصب أقوى لم تجب الأجزاء الخاصة بل تحرم و ان تساويا نتخير بينهما عقلا.

(و أما الثاني) أي التخيير الشرعي فكما إذا زاحم واجب تعييني أحد خصال الكفارة فيقدم التعييني على التخييري إذا وجد له عدل و إلّا فينقلب التخييري إلى التعييني (هذا) و قد يدعى أنه يلحق بالبدل الاختياري البدل الاضطراري مطلقا فيقدم ما لا بدل له على ما له البدل الاضطراري دائما فإذا زاحم مثلا طهارة البدن الوضوء قدم طهارة البدن عليه و انتقل التكليف بالوضوء إلى التيمم (و فيه ما لا يخفى) إذ قد يكون الفائت من المصلحة بسبب الانتقال من اختياري إلى الاضطراري أكثر من تمام مصلحة ما لا بدل له فيتعين الإتيان حينئذ بما له البدل الاضطراري و ترك ما لا بدل له رأسا.

(نعم) إذا أحرزنا أن مصلحة ما لا بدل له أكثر من القدر الفائت‏

40

بسبب الانتقال من الاختياري إلى الاضطراري قدم حينئذ ما لا بدل له على ما له البدل الاضطراري كما أنه إذا لم نحرز شيئا منهما إثباتا و لو بالظن الغير المعتبر نتخير بينهما عقلا فإذا لا عبرة بتقديم ما لا بدل له على ما له البدل الاضطراري مطلقا أي دائما كما يقدم على ما له البدل الاختياري كذلك.

(و منها) أن يكون أحد التكليفين عينيا و الآخر كفائيا فيقدم العيني على الكفائي مع وجود من به الكفاية و إلّا فينقلب الكفائي إلى العيني و هذا واضح.

(و منها) أن يكون أحد التكليفين أقوى مناطا و أهم ملاكا كما إذا زاحم إنقاذ عالم إنقاذ جاهل أو إنقاذ نبي إنقاذ عالم فيقدم الأقوى منهما مناطا على الآخر الأضعف بل لو احتمل الأقوائية في أحدهما دون الآخر قدم محتمل الأقوائية على الطرف الآخر هذا إذا كانت الأقوائية المقطوعة أو المحتملة بمقدار يعتد به و إلّا لم يتعين الأخذ بالجانب الأقوى و ان كان تقديمه حسنا عقلا (و من هنا يظهر) أن التخيير عند التساوي أو التفاوت اليسير عقلي لا شرعي و ان نسب إلى المحقق صاحب الحاشية و إلى صاحب البدائع أن التخيير بينهما شرعي (و لكن فيه ما لا يخفى) فان التخيير الشرعي انما يكون إذا ورد في لسان الدليل و إلّا فيكون من مستقلات العقل جدا و الشرع و ان كان عن لا يتخطى ثبوتا عن حكم العقل و لكن مجرد ذلك مما لا يجعل التخيير شرعيا كما لا يخفى.

(ثم) أن المرجح الأولى و الثاني لا ترجيح لأحدهما على الآخر فإذا كان أحد التكليفين مما لا بدل له و كان كفائيا و كان الآخر مما له البدل و كان عينيا فتخير بينهما عقلا مع وجود من به الكفاية (و أما إذا) دار الأمر بين المرجح الأول أو الثاني و بين المرجح الثالث فيقدم الأول أو الثاني على‏

41

الثالث فإذا كان أحدهما مما لا بدل له و كان الآخر الّذي له البدل أقوى مناطا قدم ما لا بدل له على الآخر الأقوى مناطا أو كان أحدهما عينيا و كان الآخر الكفائي أهم ملاكا قدم العيني على الكفائي.

(نعم) إذا تساويا الطرفان من حيث التعيينية و العينية بان كانا تعيينيين عينيين فحينئذ تصل النوبة إلى الأقوى مناطا و يقدم الأهم ملاكا و إذا تساويا من هذا الحيث أيضا فنتخير بينهما عقلا كما تقدم آنفا.

(هذا) و قد يدعى أن لباب التزاحم مرجحين آخرين.

(أحدهما) أن يكون أحد التكليفين مشروطا بالقدرة الشرعية و هي ما أخذت شرطا في لسان الدليل كما في الحج و الآخر مشروطا بالقدرة العقلية كما في الصلاة و الصيام و الزكاة و نحو ذلك من التكاليف الغير المشروطة بها في لسان الدليل و إن كانت مشروطة بها عقلا فيقدم المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية (و وجه التقديم) أن المشروط بالقدرة العقلية يصلح أن يكون معجزا مولويا عما يكون مشروطا بالقدرة الشرعية لأن وجوبه لا يتوقف على أزيد من القدرة العقلية و هي حاصلة موجودة و مع وجوبه لا يكاد يبقى قدرة شرعا على الآخر.

(أقول) إن المراد من القدرة الشرعية كما تقدم آنفا هو ما أخذه الشرع شرطا للتكليف في لسان الدليل و القدرة العقلية هي ما اعتبره العقل شرطا للتكليف من دون أن تكون مأخوذة في لسان الدليل (و بعبارة أخرى) لا فرق بين القدرة الشرعية و القدرة العقلية سوى أن الحاكم بإحداهما الشرع و بأخراهما العقل (و عليه) فلا وجه لدعوى حصول الشرط بالنسبة إلى أحدهما بالخصوص فيكون واجبا و مع وجوبه لا تكاد تبقى قدرة شرعا على ذاك فان لنا واجبين في المقام مشروطين بالقدرة جميعا و لنا قدرة واحدة في‏

42

البين ان صرفناها في هذا فذاك مما لا قدرة عليه و ان صرفناها في ذاك فهذا مما لا قدرة عليه فلا يكون أحدهما أحق بها إلا الأهم الأقوى مناطا في نظر الشرع دون ما ليس مشروطا بالقدرة في لسان الدليل و كان مشروطا بها عقلا فان عدم الاشتراط بها في لسان الدليل مما لا دخل له في التقدم على الآخر أبدا (لا يقال) إن المراد من القدرة الشرعية في مثل الحج هي القدرة الخاصة من حصول الزاد و الراحلة و الرجوع على الكفاية و نحو ذلك في قبال القدرة المطلقة على الحج و لو متسكعا فالأولى تسمى بالقدرة الشرعية و الثانية تسمى بالقدرة العقلية فإذا زاحم ما يعتبر فيه القدرة الشرعية ما لا يعتبر فيه إلا القدرة العقلية و كان في البين قدرة واحدة عقلية فلا محالة يقدم الثاني على الأول (لأنه يقال) نعم في هذا الفرض يقدم الثاني على الأول بل الأول لم يحصل شرطه كي يزاحم الثاني و لكنا نفرض الكلام فيما إذا حصلت القدرة الشرعية فان صرفناها في الحج لم نتمكن من ذاك و ان صرفناها في ذاك لم نتمكن من الحج و في مثله لا بد من ملاحظة الأقوى منهما مناطا فيقدم هو لا تقديم ما لا يعتبر فيه إلا القدرة العقلية (نعم يمكن) أن يقال إن المشروط بالقدرة الشرعية تكون القدرة دخيلة في أصل ملاكه و مناطه بخلاف المشروط بالقدرة العقلية فانه مع انتفاء القدرة عليه يكون ذا ملاك و مناط غير أن المكلف من جهة عجزه عنه يكون معذورا في تركه و هذا معنى سقوطه عن مرتبة التنجز دون ساير المراتب (و عليه) فإذا زاحم واجب مشروط بالقدرة الشرعية مع واجب آخر غير مشروط بها فالملاك في الثاني محرز محقق لعدم دخل القدرة في ملاكه أصلا بخلافه في الأول فان الملاك فيه مشكوك غير محرز لدخل القدرة فيه و هي مشكوكة (و لكن يجاب عنه) بان القدرة فيه غير مشكوكة ليكون الملاك أيضا مشكوكا بتبعها فان كلا من الواجبين المتزاحمين مع قطع‏

43

النّظر عن الإتيان بالآخر مقدور للمكلف يمكنه الإتيان به و هو يكفى في تحقق الملاك و حدوث المناط فيه فيتزاحمان الواجبان جميعا بعضهما مع بعض و تصل النوبة إلى الأقوى منهما مناطا فيقدم هو عقلا على صاحبه.

(ثانيهما) أن يكون ظرف امتثال أحدهما مقدما على الآخر كما إذا زاحم القيام في الركعة الأولى مع القيام في الركعة الثانية بان لم يتمكن من الجمع بينهما فيقدم الأول لقدرته عليه فعلا و عدم ما يوجب سلب قدرته عليه شرعا بل لو كان زمان وجوب أحدهما مقدما على زمان وجوب الآخر و ان اتحدا من حيث زمان الامتثال كما إذا قال ان جاءك زيد فأكرمه يوم الجمعة و قال ان جاءك عمرو فأكرمه يوم الجمعة فجاء أحدهما يوم الأربعاء و جاء الآخر يوم الخميس فوجب إكرام أحدهما قبل وجوب إكرام الآخر و لم يتمكن المكلف من الجمع بين إكراميهما في يوم الجمعة قدم الأسبق منهما وجوبا على الآخر فانه قد شغل الوقت و لم يبق مجال للثاني.

(نعم) الترجيح بأسبقية زمان الامتثال أو أسبقية زمان الوجوب إنما يكون عند تساوى المتزاحمين في قوة المناط و أهمية الملاك و إلا فيقدم الأهم الأقوى و إن كان زمان امتثاله متأخرا كما إذا زاحم القيام حال القراءة مع القيام المتصل بالركوع أو كان زمان وجوبه متأخرا كما في مثال الإكرام و فرض أن إكرام الجائي يوم الخميس أهم من إكرام الجائي يوم الأربعاء بكثير (أقول) إن الحاكم في مرجحات باب للتزاحم ليس إلا العقل و مجرد تقدم زمان امتثال أحدهما على الآخر من دون أقوائية مناطه لا يكاد يوجب في نظر العقل الحكم بوجوب تقديمه بعد أن كان الوجوب المتعلق بالثاني أيضا فعليا.

(نعم) إذا كان المتأخر امتثالا لم يدخل بعد وقت وجوبه فلا وجه‏

44

حينئذ لرفع اليد عن السابق و الأخذ باللاحق و لكن مع فعلية وجوب الثاني كالأول لا وجه في نظر العقل في تقديم الأسبق امتثالا بمجرد سبق زمان امتثاله من دون أقوائية مناطه و إن استحسنه العقل و كان راجحا في نظره لكن لا بنحو الإلزام (كما أن مجرد) تقدم زمان وجوب أحدهما على الآخر مع اتحاد زمان امتثالهما من دون أقوائية مناطه لا يكاد يوجب أيضا في نظر العقل الحكم بوجوب تقديمه و مراعاته بعد فرض تساويهما في قوة المناط و أهمية الملاك (و دعوى) أن الأسبق وجوبا شاغل للوقت فلا يكاد يبقى مجال للثاني لو صحت لقدم الأسبق وجوبا حتى على الأقوى مناطا لإشغاله الوقت مع أن المدعى يعترف بتقديم الأقوى مناطا و إن كان متأخرا وجوبا بل يظهر منه و ان لم يدخل بعد زمان وجوبه و هو مشكل جدا فإذا لم يتم الدليل فيما إذا كان أحدهما أقوى مناطا لم يتم في المتساويين في المناط أيضا.

(و بالجملة) ترجيح الأسبق امتثالا أو الأسبق وجوبا بعد فرض تساوى الطرفين في قوة المناط و أهمية الملاك و ان كان راجحا في حد ذاته و لكن ليس متعينا في نظر العقل بنحو البت و الإلزام و لكن مع ذلك ينبغي مراعاة الاحتياط في المقام و اللَّه العالم.

قوله أو بحكم آخر غير الحكمين فيما لم يكن هناك أحدهما أقوى ...

إلخ‏

(1) يعنى فيما كان الحكمان اقتضائيين و ذلك لما عرفت في المقام الثالث من عدم رجوعه إلى الحكم الآخر أي الأصل العملي الا عند عدم إحراز الغالب منهما مناطا مع كونهما اقتضائيين و أما مع كونهما فعليين فيؤخذ بالأقوى منهما دلالة أو سندا و بطريق الإن يعرف أن ملاكه أقوى كما أن مع كون أحدهما فعليا و الآخر اقتضائيا يؤخذ بالفعلي دون الاقتضائي.

قوله كما يأتي تفصيله ... إلخ‏

(2) أي في صدر التنبيه الثاني الّذي عبرنا عنه بالمقام الثالث و قد أشرنا نحن إلى تفصيله كما هو حقه فلا نعيد.

45

قوله بل لا بد من مرجحات المقتضيات المتزاحمات كما يأتي الإشارة إليها ... إلخ‏

(1) أي في صدر التنبيه الثاني و لكن الّذي يؤشر إليه فيه هو مرجح واحد لا أكثر و هو أقوائية المناط فقط نعم يذكر المصنف هناك مرجحات النهي على الأمر و هي غير مرجحات باب التزاحم.

قوله نعم لو كان كل منهما متكفلا للحكم الفعلي لوقع بينهما التعارض ... إلخ‏

(2) استدراك عن قوله و إلا فلا تعارض في البين بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين ... إلخ أي نعم لو كان كل من الدليلين بصدد الحكم الفعلي لوقع التعارض بينهما إلا إذا كان أحدهما أغلب مناطا و أقوى ملاكا فيوفق بينهما بحمل الأغلب على الفعلي و الآخر على الاقتضائي فيؤخذ بالفعلي دون الاقتضائي و هذا معنى قوله لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة فتفطن.

قوله التاسع أنه قد عرفت أن المعتبر في هذا الباب ... إلخ‏

(3) قد عرفت أن المقصود من عقد هذا الأمر التاسع هو بيان أنه بم يحرز المناطان في المجمع كي يكون على الجواز محكوما بكلا الحكمين و على الامتناع مندرجا في باب التزاحم بين المقتضيين و قد عبرنا نحن عن الأمر التاسع بالمقام الثاني من المقامات الثلاثة و أوضحنا الجميع مشروحا في صدر الأمر الثامن فلا تغفل.

قوله إلا إذا علم إجمالا بكذب أحد الدليلين فيعامل معهما معاملة المتعارضين ... إلخ‏

(4) و فيه ما لا يخفى فان مجرد العلم الإجماليّ بكذب أحد الدليلين مما لا يوجب التعارض بينهما ما لم يكن العلم الإجمالي بالكذب ناشئا من جهة التنافي بين مدلوليهما على وجه التضاد أو التناقض حقيقة أو عرضا على ما سيأتي تفصيل الكل في محله إن شاء اللَّه تعالى و عليه فإذا كان هناك دليلان ليس بينهما تناف بحسب المدلول لا حقيقة و لا عرضا و قد علمنا من الخارج‏

46

بكذب أحدهما من أصله فهما من باب اشتباه الحجة بلا حجة لا من باب التعارض.

قوله فان انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن أن يكون لأجل المانع مع ثبوت المقتضى له ... إلخ‏

(1) أي فان انتفاء أحد الحكمين المتعارضين كما يمكن أن يكون لأجل المانع و هو التعارض مع ثبوت المقتضى له واقعا فكذلك يمكن أن يكون لأجل انتفاء المقتضى له من أصله و بعبارة أخرى إذا تعارض الحكمان و انتفى أحدهما فلا محرز و لا كاشف لمناطيهما جميعا كي يعامل معهما معاملة المقتضيين المتزاحمين.

قوله إلّا ان يقال ان قضية التوفيق بينهما ... إلخ‏

(2) هذا رجوع عن حكمه بتنافي الإطلاقين و تعارضهما على القول بالامتناع فيما إذا كانا بصدد الحكم الفعلي كما أشرنا من قبل في المقام الثاني من المقامات الثلاثة فتذكر.

قوله فتخلص أنه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضى في الحكمين ... إلخ‏

(3) أي فتلخص أنه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضيين جميعا فهو من باب الاجتماع و كلما لم تكن هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض مطلقا حتى على الجواز إذا كانت هناك دلالة على انتفاء أحدهما أي بلا تعيين و إلّا أي و ان لم تكن هناك دلالة على انتفاء أحدهما فعلى خصوص القول بالامتناع يكون من باب التعارض لكفاية عدم الدلالة على ثبوت المقتضيين في كونه من باب التعارض بين الدليلين و ان لم يكف هذا على القول بالجواز بل يحتاج إلى إحراز انتفاء أحد المقتضيين.

47

في ثمرة بحث الاجتماع‏

قوله العاشر لا إشكال في سقوط الأمر و حصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز مطلقا و لو في العبادات ... إلخ‏

(1) المقصود من عقد هذا الأمر العاشر بيان الثمرة بين القول بالجواز و القول بالامتناع في مسألة الاجتماع فالإتيان بالمجمع (على الجواز) امتثال للأمر و عصيان للنهي (و على الامتناع) إن رجحنا جانب الأمر فهو امتثال للأمر و لا عصيان و ان رجحنا جانب النهي فهو عصيان و لا امتثال غايته أن المجمع (ان كان توصليا) كما إذا قال حدث و لا تؤذ فهو حرام قد سقط به الأمر و حصل به الغرض (و ان كان تعبديا) كما إذا قال صل و لا تغصب فهو حرام لم يسقط به الأمر و لم يحصل به الغرض (إذا كان) الإتيان بها مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيرا كما إذا قصر في معرفة حكم الغصب فصلى في الغصب جهلا بالحكم أو قصر في رد الغصب حتى صلى فيه نسيانا للموضوع فان الصلاة حينئذ و ان كانت مأتية بها بقصد القربة لعدم الالتفات إلى حرمتها و لكن حرمتها المنجزة عليه بسبب التقصير مما تمنع عن حصول التقرب بها شرعا بل يصدر الفعل قبيحا مبعدا له لا حسنا مقربا فلا يحصل الغرض و لا يسقط الأمر (و أما إذا كان) الإتيان بها مع عدم الالتفات إلى الحرمة قصورا سواء كان جهلا بالحكم إذا فرض فيه القصور أو جهلا بالموضوع أو كان نسيانا لأحدهما فالصلاة صحيحة شرعا قد سقط بها الأمر و حصل بها الغرض (و وجه الصحة) وجود الملاك فيها و حصول التقرب بها إلى اللَّه تعالى (أما وجود الملاك فيها) فلان المفروض أن المجمع على الامتناع من باب التزاحم‏

48

و يكون مناط كل من الأمر و النهي موجودا فيه كما تقدم (و أما حصول التقرب بها) فلان النهي انما ينافى التقرب بل يؤثر في بعد المكلف و صدور الفعل قبيحا مبغوضا عليه إذا كان منجزا عليه بسبب الالتفات إلى الحرمة أو عدم الالتفات إليها تقصيرا و أما إذا لم يكن منجزا عليه بان لم يلتفت إلى الحرمة قصورا فلا يكاد ينافى التقرب أو يؤثر في بعد المكلف و صدور الفعل قبيحا مبغوضا عليه بل المكلف حيث تخيل أن الفعل مأمور به و أتى به بهذا القصد فإتيانه كذلك مما يؤثر في قربه إلى اللَّه تعالى و يكون صدوره منه حسنا عقلا و ان كان محرما قبيحا واقعا فان المكلف إذا أتى بحرام واقعي محض ليس فيه مناط الوجوب أصلا و هو يزعم أنه واجب بلا تقصير في زعمه فالحرام الواقعي يكون مقربا له عقلا كما إذا قتل صديق المولى بزعم أنه عدو له فكيف بما إذا أتى بحرام واقعي فيه مناط الوجوب أيضا كما في المقام فان المجمع و ان كان محرما واقعا و لكن فيه مناط الوجوب أيضا كما أشير آنفا غايته أنه مغلوب لمناط الحرمة.

(و بالجملة) ان الفعل بسبب عدم الالتفات إلى الحرمة و ان لم يتغير عما هو عليه من المبغوضية الواقعية و القبح الواقعي و لكنه حيث يصدر عنه بلا التفات إليها لا عن تقصير فلا يؤثر مبغوضيته الواقعية و قبحه الواقعي في البعد منه جل و علا و في صدوره عنه قبيحا مبغوضا عليه فإذا لم يؤثر في البعد أثر الإتيان به بزعم كونه مأمورا به في القرب إليه و في صدوره عنه حسنا و إذا صدر حسنا وقع صحيحا شرعا بعد فرض وجود المناط فيه كما لا يخفى (و من هنا) قد أفتى المشهور بصحة الصلاة في الغصب إذا كان نسيانا أو جهلا بالموضوع بل بالحكم إذا كان عن قصور مع ذهابهم إلى الامتناع في مسألة الاجتماع و ادعوا ان الغصب من الموانع العلمية فإذا علم به و بحرمته و تنجزت‏

49

الحرمة بسبب العلم أو بأمر آخر فهي مانع عقلا عن الصلاة و تبطلها و إلا فالغصب الواقعي مما لا يبطل الصلاة نظرا إلى أن الغصب ليس من الموانع الشرعية أي المأثورة من قبل الشارع في لسان الدليل نظير لبس غير المأكول مثلا كي تقتضي القاعدة بطلان الصلاة معه مطلقا سواء كان عن علم أو عن نسيان أو عن جهل و سواء كان عن تقصير أو بلا تقصير بل هو من الموانع العلمية من جهة منافاة حرمته المعلومة المنجزة مع التقرب المعتبر في العبادات عقلا فتأمل جيدا.

قوله فيسقط به الأمر مطلقا في غير العبادات ... إلخ‏

(1) أي فيسقط الأمر بإتيان المجمع في التوصليات مطلقا سواء كان مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيرا أو قصورا فان التوصلي مما يحصل به الغرض لا محالة و لو على نحو محرم.

قوله فالأمر يسقط لقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به لاشتماله على المصلحة ... إلخ‏

(2) بل لو قصد التقرب بما لا يصلح أن يتقرب به لعدم اشتماله على المصلحة أصلا بل كان مشتملا على المفسدة الواقعية كما في الحرام الواقعي المحض لحصل التقرب به إذا كان بلا التفات إلى الحرمة قصورا و قد زعم رجحانه و حسنه (فالأولى) كان تعليل سقوط الأمر بوجود الملاك فيه و حصول التقرب به من جهة عدم الالتفات إلى حرمته قصورا و قد زعم وجوبه و رجحانه كما عللناه آنفا لا بقصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به لاشتماله على المصلحة فانه مما يوهم انحصار قصد التقرب بما يصلح أن يتقرب به لاشتماله على المصلحة و هو كما ترى.

قوله مع صدوره حسنا لأجل الجهل بحرمته قصورا ... إلخ‏

(3) المناط في الحسن الصدوري أن يعتقد الفاعل بلا تقصير منه رجحان الفعل‏

50

فيأتي به بهذا الداعي سواء كان الفعل حسنا واقعا ليطابق حسنه الصدوري مع حسنه الواقعي أو كان قبيحا محضا واقعا ليس فيه جهة الحسن أصلا غير أن الفاعل أخطأ في اعتقاده أو كان واجدا لجهتي الحسن و القبح جميعا كما في المقام و لكن لم يعلم الفاعل بجهة القبح قصورا

قوله و ان لم يكن امتثالا له ... إلخ‏

(1) و ذلك لسقوط الأمر المتعلق بالمجمع عن التنجز فان إطلاق كل من الأمر و النهي و ان كان شاملا للمجمع و به أحرزنا المناطين فيه و صار من باب التزاحم و لكن حيث كان الترجيح مع جانب النهي سقط الأمر لا محالة عن التنجز كما في ساير موارد التزاحم إذا قدم أحد الجانبين لمرجح من المرجحات و سقط الآخر عن التنجز.

قوله بناء على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح و المفاسد واقعا ... إلخ‏

(2) أي بناء على تبعية الأحكام الواقعية لما هو الأقوى من جهات المصالح و المفاسد واقعا و حيث أن المجمع تكون المفسدة فيه أقوى فالحكم الواقعي فيه تابع لها و لا يكون مأمورا به و ان صح و سقط به الأمر من جهة وجود المناط فيه و سقوط النهي عن مرتبة التنجز بسبب عدم الالتفات إليه قصورا و صدوره عنه حسنا على ما عرفت شرحه آنفا كما أن الحسن و القبح العقليين أيضا يتبعان أقوى الجهات واقعا فالشي‏ء الواحد و إن صح أن يكون فيه جهتا الحسن و القبح جميعا كما في المقام أو في مثل الكذب المنجي من الهلكة أو الصدق الموقع في المهلكة و لكن لدى النتيجة بنظر العقل إما يكون محكوما بالحسن إذا كان ملاك الحسن أقوى أو بالقبح إذا كان ملاك القبح أقوى و إذا تساويا فهو لا قبيح و لا حسن بنظر العقل لكن هذا في الحسن و القبح الواقعيين و أما الحسن و القبح الصدوريين فهما تابعان لما علم من الجهات فإذا علم المكلف بجهة الحسن فقط و قد أتى به بداعيه كان صدوره عنه‏