عناية الأصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج3

- السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي المزيد...
408 /
1

-

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله كما هو أهله و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أفضل بريته محمد و عترته الأطيبين و اللعنة الدائمة على أعدائهم و معادي أوليائهم و موالي أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين (أما بعد) فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الموسوم بعناية الأصول في شرح كفاية الأصول و أسأل اللَّه تعالى أن يوفقني لإتمامه و إتمام بقية الأجزاء كما وفقني للجزء الأول و الثاني انه سميع قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه.

في تقسيم حال المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي‏

قوله المقصد السادس في بيان الأمارات ... إلخ‏

(1) و المقصد السابع كما سيأتي في الأصول العملية و الفرق بين الأمارات و الأصول العملية ان ما له جهة كشف و حكاية عن الواقع هو أمارة سواء كانت معتبرة كخبر الثقة و لو في الأحكام خاصة و البينة مطلقا و لو في الموضوعات أم لم تكن معتبرة كخبر الفاسق أو المجهول و نحوهما و ما ليس له جهة كشف و حكاية عن الواقع أصلا بل كان مجرد وظيفة للجاهل في ظرف الشك و الحيرة كقاعدتي الطهارة و الحل و أصالة البراءة و نحوها أو كانت له جهة كشف و حكاية و لكن الشارع لم يعتبره من هذه الجهة كما ادعى ذلك في الاستصحاب و التجاوز و الفراغ و نحوهما فهو أصل عملي (و لك ان تقول) إن الفرق بين الأمارات و الأصول العملية بعد كون الجميع وظائف مقررة للجاهل‏

3

في وعاء الجهل بالواقع و الستار عليه ان الأول لم يؤخذ الجهل و الشك في لسان دليله و الثاني قد أخذ ذلك في لسان دليله كما في قوله كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر أو كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام أو لا ينقض اليقين بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر إلى غير ذلك من الأصول العملية.

قوله المعتبرة شرعا أو عقلا ... إلخ‏

(1) فالأمارة المعتبرة شرعا هي كالبينة و خبر الثقة و لو في خصوص الأحكام و هكذا ظواهر الكلام و اما الأمارة المعتبرة عقلا فهي كالعلم بل الظن على الانسداد و الحكومة و سنشير إليهما عن قريب فانتظر.

قوله و ان كان خارجا من مسائل الفن ... إلخ‏

(2) وجه خروجه عنها ان الميزان في كون المسألة أصولية على ما عرفت في صدر الكتاب ان تكون هي مما يستنبط به الحكم الشرعي كمسألة حجية خبر الواحد و نحوها و ما للقطع من الأحكام ليس من هذا القبيل قطعا كما ستعرف.

قوله و كان أشبه بمسائل الكلام ... إلخ‏

(3) وجه الشباهة ان من علم الكلام مباحث الإلهيات و من مسائلها البحث عن أفعاله تعالى فكأن البحث عن حجية القطع عقلا و عدم إمكان جعل الحجية له شرعا و لا النهي عن اتباعه كذلك أو البحث عن القطع المخطئ و انه إذا وافقه القاطع فهل على المولى ان يثيبه على الانقياد أو إذا خالفه القاطع فهل للمولى ان يعاقبه على التجري هو يشبه البحث عن أفعاله جل و علا مثل انه تعالى لا يفعل القبيح أو لا يخل بالواجب أو لا يفعل لغير فائدة و نحو ذلك.

قوله فاعلم ان البالغ الّذي وضع عليه القلم ... إلخ‏

(4) و كأن وجه عدول المصنف عما في رسالة شيخنا العلامة أعلى اللَّه مقامه من التعبير بالمكلف حيث قال لدى التقسيم (ما لفظه) فاعلم ان المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي فإما ان يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن ... إلخ (انه قد يقال) ان‏

4

المكلف لا يصح جعله مقسما ثم إخراج غير الملتفت منه بقوله إذا التفت فان الغافل الّذي لا التفات له ليس بمكلف (و لكن ذلك مما لا وجه له) فان المقصود من المكلف هو من وضع عليه قلم التكليف لا خصوص من تنجز عليه التكليف كي لا يصح جعله مقسما (و بعبارة أخرى) المراد من المكلف هو المكلف الشأني أي الّذي من شأنه التكليف لا المكلف الفعلي أي الّذي تنجز عليه التكليف كي لا يصح جعله مقسما و إخراج غير الملتفت منه.

قوله إلى حكم فعلى ... إلخ‏

(1) وجه التخصيص بالحكم الفعلي كما سيأتي التصريح به من المصنف هو اختصاص أحكام القطع من المنجزية عند الإصابة و العذرية عند الخطاء و حكم العقل بوجوب المتابعة بما إذا تعلق القطع بالحكم الفعلي لا بالإنشائي و قد تقدم تفصيل مراتب الأحكام و ما لكل مرتبة من الخواصّ و الآثار في مسألة الاجتماع في ذيل بعض مقدمات الامتناع كما هو حقه مبسوطا فراجع.

قوله واقعي أو ظاهري .. إلخ‏

(2) فالواقعي هو الحكم المشترك بين العالم و الجاهل قد تصيبه الطرق و الأمارات و تطابقه الأصول العملية و قد تخطئه الطرق و الأمارات و لا تطابقه الأصول العملية و الظاهري هو الحكم المجعول على طبق مؤديات الطرق و الأمارات أو على طبق الأصول العملية سواء وافق الواقع و طابقه أو خالفه و لم يطابقه.

قوله متعلق به أو بمقلديه ... إلخ‏

(3) اما الأول فواضح و اما الثاني فكالأحكام المتعلقة بالحيض أو النفاس أو الاستحاضة و أشباه ذلك مما هو خارج عن ابتلاء المجتهد بنفسه.

قوله فإما ان يحصل له القطع به أولا ... إلخ‏

(4) (اما حصول) القطع بالحكم الواقعي و عدم حصوله به فواضح (و اما حصول) القطع بالحكم الظاهري فكما إذا قامت أمارة شرعية أو أصل شرعي عند المكلف‏

5

فيقطع بسببه بالحكم الظاهري الشرعي المجعول على طبقها أو على طبقه (و اما عدم حصول القطع) بالحكم الظاهري فكما إذا لم يتم عند المكلف حجية أمارة شرعية بالخصوص و لا أصل عملي شرعي أو تمت و لكن في المسألة التي التفت فيها إلى الحكم الفعلي لم تقم تلك الأمارة و لم يجر ذلك الأصل فحينئذ لا بد له من الانتهاء إلى ما استقل به العقل كما أشار إليه المصنف (فإن حصل) له الظن و قد تمت مقدمات الانسداد على الحكومة بان قلنا ان مقتضي مقدمات الانسداد على ما سيأتي شرحها في ذيل خبر الواحد هو استقلال العقل بحجية الظن في حال الانسداد كاستقلاله بحجية العلم في حال الانفتاح فيتبع الظن و يعمل به و هذا بخلاف ما لو تمت المقدمات على الكشف بان قلنا ان نتيجة المقدمات بعد تماميتها هو الاستكشاف عن كون الظن طريقا منصوبا من قبل الشرع في حال الانسداد كالأمارات الشرعية المنصوبة في حال الانفتاح فان حصول الظن حينئذ مما يوجب القطع بالحكم الظاهري الشرعي المجعول على طبقه و هو خلاف المفروض من عدم القطع بالحكم الظاهري الشرعي (و اما إذا لم يحصل) له الظن فيرجع حينئذ إلى الأصول العملية العقلية من البراءة العقلية عند الشك في التكليف أو أصالة الاشتغال عند الشك في المكلف به أو أصالة التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين على التفصيل الآتي في محله إن شاء اللَّه تعالى.

قوله و انما عممنا متعلق القطع ... إلخ‏

(1) أي و انما عممنا متعلق القطع إلى الأحكام الظاهرية حيث قال إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري (إلى ان قال) فإما ان يحصل له القطع أولا ... إلخ لأجل عدم اختصاص أحكام القطع من المنجزية في صورة الإصابة و العذرية عند الخطاء و حكم العقل بوجوب المتابعة بما إذا تعلق القطع بالحكم الواقعي بل تترتب عليه الأحكام و لو تعلق بالحكم الظاهري.

قوله و خصصنا بالفعلي ... إلخ‏

(2) قد أشرنا إلى وجه التخصيص بالفعلي و انه سيأتي التصريح به من المصنف و هذا

6

هو تصريحه به و تنصيصه عليه فلا تغفل.

قوله و لذلك عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة أعلى اللَّه مقامه من تثليث الأقسام ... إلخ‏

(1) أي و لأجل التعميم و التخصيص المذكورين عدلنا عما في رسالة شيخنا العلامة أعلى اللَّه مقامه من تثليث الأقسام حيث انه لم يعمم و لم يخصص فقال كما أشرنا آنفا فاعلم ان المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي فاما ان يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن ... إلخ (اما عدم تخصيصه) بالحكم الفعلي فواضح (و اما عدم تعميمه) إلى الحكم الظاهري فلان الظاهر من قوله إلى حكم شرعي بقرينة حصول الشك فيه أو القطع أو الظن هو الحكم الواقعي فان الظاهري مما لا يقع الشك فيه أو الظن به فان الأمارة الشرعية و هكذا الأصل الشرعي ان قامت على الحكم فالظاهري مقطوع به و إلّا فمقطوع العدم و ان كان الواقعي مشكوكا أو مظنونا (اللهم) الا إذ شك في حجية أمارة أو أصل أو ظن حجيتها أو حجيته و قد قامت تلك الأمارة أو الأصل على حكم من الأحكام أو شك في قيام أمارة معتبرة على حكم أو أصل معتبر أو ظن فحينئذ يقع الشك في الحكم الظاهري أو الظن به مثل ما يقع في الحكم الواقعي عينا.

أقول مقصود الشيخ أعلى اللَّه مقامه من تثليث الأقسام عند الالتفات إلى حكم شرعي هو الإشارة إلى موارد العمل بالعلم و الأمارات الظنية و الأصول العملية (فإن حصل القطع) فهو مورد العمل بالعلم (و إن حصل الظن) أي المعتبر فهو مورد العمل بالأمارات الظنية (و إن حصل الشك) فهو مورد العمل بالأصول العملية على ترتيب يأتي ذكره في محله إن شاء اللَّه تعالى و قد عقد لكل منها مقصدا على حده (و إلّا) فكما ان المصنف قد جعل الأقسام الثلاثة قسمين فكذلك يمكن جعل القسمين قسما واحدا (فنقول) إن المكلف إذا التفت إلى ما هو وظيفته شرعية

7

كانت أو عقلية واقعية كانت أو ظاهرية فهو قاطع بها لا محالة و هذا لدى التدبر واضح فتدبر.

قوله فالأولى ان يقال ان المكلف اما ان يحصل له القطع أولا و على الثاني اما ان يقوم عنده طريق معتبر أم لا ... إلخ‏

(1) وجه الأولوية ان المصنف قد عبر عن الظن بقيام الطريق المعتبر و عن الشك بعدم قيام الطريق المعتبر فلا يتداخل الأقسام حينئذ كما يتداخل على تعبير الشيخ أعلى اللَّه مقامه حيث يلحق الظن الغير المعتبر بالشك و يلحق الشك الحاصل من الأمارة المعتبرة الغير المفيدة للظن بالظن و إليه أشار المصنف بقوله لئلا يتداخل الأقسام ... إلخ‏

قوله إلى القواعد المقررة عقلا أو نقلا لغير القاطع و من يقوم عنده الطريق ... إلخ‏

(2) و هي الأصول العملية الشرعية أو العقلية الممهدة لغير القاطع و من قام عنده الطريق المعتبر الّذي هو بمنزلة القطع.

في حجية القطع‏

قوله الأمر الأول لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا ... إلخ‏

(3) المقصود من عقد هذا الأمر الأول هو بيان حجية القطع (فنقول) ان الحجة باصطلاح المنطقي هو المعلوم التصديقي الموصل إلى المجهول التصديقي كقولنا العالم متغير و كل متغير حادث الموصل إلى قولنا فالعالم حادث (و ان شئت قلت) ان الحجة باصطلاح المنطقي هي الوسط الّذي يحتج به على ثبوت الأكبر للأصغر كالتغير الّذي يحتج به على إثبات الحدوث للعالم (و من هنا يظهر) انه صح إطلاق‏

8

الحجة بهذا المعنى على قيام الأمارات المعتبرة شرعا فتقول مثلا هذا ما قامت البينة على وجوبه و كلما قامت البينة على وجوبه فهو واجب شرعا و لو ظاهرا فهذا واجب شرعا و لو ظاهرا فيكون قيام البينة وسطا لإثبات الوجوب للصغرى (و لا يكاد يصح) إطلاق الحجة بهذا المعنى على القطع إذ لا تقول هذا مقطوع الوجوب و كل مقطوع الوجوب واجب شرعا فهذا واجب شرعا فان الوجوب شرعا ثابت لنفس الأشياء بما هي هي لا لمقطوع الوجوب كما لا يخفى (و توضيحه) ان للشارع في موارد قيام الأمارات المعتبرة بالخصوص أحكاما ظاهرية مجعولة على طبق مؤدياتها بحيث كان قيام الأمارة سببا لثبوت تلك الأحكام الظاهرية فصح قولك كلما قامت البينة على وجوبه مثلا فهو واجب شرعا أي ظاهرا (و اما القطع) فليس في مورده حكم ظاهري مجعول شرعا كي يكون سبباً لثبوت ذلك الحكم الظاهري و صح قولك هذا مقطوع الوجوب مثلا و كل مقطوع الوجوب واجب شرعاً أي ظاهرا فهذا واجب شرعاً أي ظاهرا الا الحكم الواقعي الّذي لا دخل للقطع في تحققه أصلا فانه ثابت في مورده لنفس الشي‏ء بما هو هو ان لم يخطأ القطع و أصاب الواقع و إلّا فلا حكم في مورده أبدا لا ظاهرا و لا واقعاً.

(نعم) إذا أخذ القطع بشي‏ء موضوعاً لحكم شرعي بحيث كان القطع به دخيلا في ثبوت ذلك الحكم صح حينئذ إطلاق الحجة بهذا المعنى على القطع المأخوذ موضوعا فإذا فرض انه قال إذا قطعت بخمرية مائع فهو حرام و لم يقل الخمر بما هي هي حرام فصح حينئذ ان تقول هذا ما قطعت بخمريته و كلما قطعت بخمريته فهو حرام فهذا حرام فيكون القطع حينئذ وسطاً يحتج به لثبوت الأكبر للأصغر هذا كله بيان معنى الحجة باصطلاح المنطقي (و اما الحجة باصطلاح الأصولي) فهي ما كان منجزا عند الإصابة و عذرا عند الخطأ بمعنى انه إذا قام على تكليف إلزاميّ من وجوب أو حرمة و قد أصاب بان كان هناك وجوب أو حرمة واقعاً فهو منجز له بحيث لا يبقى للمكلف عذر في تركه بعد قيام الحجة عليه فان خالفه‏

9

فهو يستحق العقاب و إذا قام على نفي تكليف إلزاميّ و أخطأ بان كان هناك تكليف إلزاميّ واقعاً فهو عذر للمكلف على فوت الواقع منه بحيث إذا عاقبه المولى بعدا فقد ظلمه مع قيام الحجة على نفيه و عدمه (و من هنا يظهر) انه صح إطلاق الحجة بهذا المعنى على كل من القطع و الأمارات الظنية المعتبرة بالخصوص على حد سواء غايته ان القطع كما ستعرف حجة بنفسه لا يحتاج حجيته إلى جعل جاعل و الأمارات الظنية المعتبرة بالخصوص حجيتها مجعولة من قبل الشرع (ثم ان) من تبعات منجزية القطع. بل منجزية كل حجة سواء كانت عقلية أو شرعية هو حكم العقل بوجوب متابعته و الحركة على طبقه و المشي على وفقه و ذلك دفعاً للعقوبة و المؤاخذة الدنيوية أو الأخروية فان التنجيز و ان لم يكن الا في خصوص ما إذا كان القطع مصيباً لا مخطئاً و لكن القاطع حيث يرى قطعه مصيباً دائما فيرى حكم العقل بوجوب المتابعة محققاً فعلياً ما دام كونه قاطعاً متيقناً على صفة القطع و اليقين.

(و بالجملة) إن القطع و هكذا كل حجة أخرى سواء كانت عقلية كالظن على الانسداد و الحكومة أو شرعية كالأمارات المعتبرة بالخصوص هو مما له آثار ثلاثة اثنان منها وضعيان و هما المنجزية عند الإصابة و العذرية عند الخطاء و واحد منها تكليفي و هو حكم العقل بوجوب متابعته و الحركة على طبقه.

قوله و تأثيره في ذلك لازم و صريح الوجدان به شاهد و حاكم ... إلخ‏

(1) أي و تأثير القطع في تنجز التكليف به عند الإصابة و هكذا كونه عذرا عند الخطاء لازم لا ينفك عنه بحكم الوجدان فإذا كان لازماً لا ينفك عنه كانت الحجية من لوازمه الذاتيّة قهرا و لا تكون بجعل جاعل سواء كان الجاعل هو الشرع أو العقل إذ لا جعل تركيبي بين الشي‏ء و لوازمه الذاتيّة كالنار و الإحراق و انما يجعل مثل الإحراق جعلا عرضياً بتبع جعل النار بسيطاً أي إذا وجدت النار و تحققت هي تحقق الإحراق بتبعها من دون ان يكون الإحراق مجعولا لها بالجعل التركيبي من قبيل جعل السواد أو البياض للقرطاس و نحوه (و من هنا يظهر) امتناع المنع عن‏

10

حجية القطع كامتناع جعلها له سواء كان المنع من الشرع أيضا أو من العقل و ذلك لاستحالة المنع عن الأثر الذاتي و هو معنى قولهم القطع حجة بنفسه لا تناله يد الجعل لا نفياً و لا إثباتاً لا شرعاً و لا عقلا (و قد أفاد الشيخ) أعلى اللَّه مقامه هذا المضمون بعينه مختصرا غير انه لم يبرهن عليه كما برهن المصنف (قال) لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا لأنه بنفسه طريق إلى الواقع و ليس طريقته قابلة لجعل الشارع إثباتاً أو نفياً انتهى (ثم ان تأثير القطع) في تنجيز التكليف به عند الإصابة و هكذا عذريته عند الخطاء حيث كان لازماً ذاتياً له صح ان يقال ان القطع حجة ذاتاً و حيث ان الأثر مما يدركه العقل بنفسه من غير حاجة إلى تصريح الشرع به صح ان يقال ان القطع حجة عقلا في قبال الأمارات الظنية المنصوبة من قبل الشرع كخبر الثقة و نحوه مما لا يدرك العقل حجيته بنفسه و انما هو صار حجة بجعل الشارع الحجية له تأليفياً.

قوله و بذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا ... إلخ‏

(1) إشارة إلى قوله و تأثيره في ذلك لازم أي و بذلك انقدح امتناع المنع عن تأثيره أيضا كامتناع جعله له إذ كما لا يمكن الجعل التأليفي بين الشي‏ء و لوازمه فكذلك لا يمكن المنع عن تأثيره ذاتاً كما أشير آنفاً.

قوله مع انه يلزم منه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقاً و حقيقة في صورة الإصابة ... إلخ‏

(2) هذا دليل آخر لامتناع المنع عن تأثيره مضافاً إلى كون الحجية لازماً ذاتياً للقطع و لا يمكن المنع عن اللازم الذاتي (و تقريبه) انه إذا قطع المكلف بوجوب شي‏ء و نهي الشارع عن العمل بقطعه (فان كان) قطعه مصيباً لزم اجتماع الضدين حقيقة فانه حسب قطعه المصيب واجب و على حسب نهي الشارع عن العمل بقطعه حرام و هو اجتماع الضدين حقيقة (و ان كان) قطعه مخطئاً لزم اجتماع الضدين اعتقادا فانه على حسب قطعه واجب و لو في اعتقاده و على حسب نهي الشارع عنه حرام‏

11

غير جائز و من المعلوم ان اجتماع الضدين و لو اعتقادا محال ممتنع كاجتماع الضدين حقيقة فان المحال كما يستحيل وقوعه خارجا كذلك يستحيل الاعتقاد بوقوعه خارجا بل اجتماع الضدين الاعتقادي مما يلزم مطلقا أي في صورتي الإصابة و الخطاء جميعا غايته انه في صورة الإصابة اعتقادي و حقيقي و في صورة الخطاء اعتقادي محض لا حقيقي (و إليه أشار) المصنف بقوله اعتقادا مطلقا أي في صورتي الإصابة و الخطاء (قال) و حقيقة في صورة الإصابة ... إلخ.

قوله ثم لا يذهب عليك ان التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا و ما لم يصر فعليا لم يبلغ مرتبة التنجز و استحقاق العقوبة على المخالفة ... إلخ‏

(1) و فيه ما سيأتي قريبا في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي من الاعتراف بكون الأحكام الواقعية التي قامت الأمارات و الأصول على خلافها فعلية لا بعث و لا زجر على طبقها في النّفس النبوية أو الولويّة (و على كل حال) مقصوده من ذلك هنا هو التنبيه على ان ما تقدم آنفا من كون القطع منجزا للتكليف في صورة الإصابة انما هو فيما كان التكليف المتعلق به القطع فعليا لا إنشائيا محضا (و قد أشار) إلى هذا المعنى في صدر هذا الأمر الأول بقوله و كونه موجبا لتنجز التكليف الفعلي ... إلخ و قبله بقوله إذا التفت إلى حكم فعلي (إلى ان قال) و خصصنا بالفعلي ... إلخ فأراد في المقام الإشارة إلى هذا المعنى بنحو أبسط (فقال) ما حاصله ان التكليف ما لم يبلغ مرتبة البعث و الزجر يعني الإرادة و الكراهة كما سيتضح لك في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي لم يصر فعليا و ما لم يصر فعليا لم يبلغ مرتبة التنجز و استحقاق العقوبة على المخالفة بتعلق القطع به و ان كان ربما يوجب موافقته أي موافقة ما لم يصر فعليا و هو الإنشائيّ المحض المثوبة و ذلك لأن الحكم ما لم يبلغ تلك المرتبة أي الفعلية لم يكن حقيقة بأمر. و لا نهي و قد تقدم مراتب الحكم و خواص كل مرتبة في مسألة الاجتماع في ذيل بعض مقدمات لامتناع مفصلا فراجع.

12

قوله نعم في كونه بهذه المرتبة موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل ... إلخ‏

(1) أي نعم في كون التكليف بهذه المرتبة الفعلية موردا للوظائف المقررة شرعا للجاهل من الأمارات و الأصول الشرعية إشكال لزوم اجتماع الضدين أو المثلين فان خالفت الأمارة أو الأصل مع الحكم الواقعي لزم اجتماع الضدين و إن طابقته لزم اجتماع المثلين و سيأتي الجمع بينهما في أول الظن إن شاء اللَّه تعالى فانتظر.

في التجري و الانقياد

قوله الأمر الثاني قد عرفت انه لا شبهة في ان القطع يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة ... إلخ‏

(2) المقصود من عقد هذا الأمر الثاني هو بيان حال التجري و بتبعه يعرف حال الانقياد أيضا (و فيه مقامان) من الكلام.

(الأول) ان المتجري هل هو يستحق العقاب أم لا بمعنى انه إذا قطع بحرمة شي‏ء و تجري و أتى به أو قطع بوجوب شي‏ء و تجري و لم يأت به ثم انكشف الخلاف و انه لم يكن حراما أو لم يكن واجبا فهل هو يستحق العقاب حينئذ أم لا بعد التسالم ظاهرا على استحقاق الذم و اللوم على خبث باطنه و سوء سريرته.

(الثاني) انه بعد البناء على استحقاق المتجري للعقاب هل العقاب يكون على القصد أو على الفعل المتجري به.

(اما المقام الثاني) فسنتعرضه عند تعرض المصنف له.

(و اما المقام الأول) فالحق فيه كما اختار المصنف هو استحقاق المتجري للعقاب بشهادة الوجدان بل بشهادة كافة العقلاء بمعنى ان العبد إذا أتى بما اعتقد حرمته أو ترك ما اعتقد وجوبه ثم عاقبه المولى لم يذمه العقلاء و لا يرونه ظالما مفرطا

13

في حق عبده بل يرون العبد أهلا لذلك بل ربما إذا لم يعاقبه المولى في بعض موارد التجري و عفي عنه يرون ذلك نقصا في شخص المولى و ضعفا في عقله و لبه كما إذا اعتقد ان هذا مولاه فتجري و قتله ثم انكشف انه كان عدوا للمولى أو اعتقد ان هذه زوجة مولاه فتجري و واقعها ثم انكشف انها كانت زوجته لا زوجة مولاه و هكذا و هكذا.

قوله و المثوبة على الموافقة في صورة الإصابة ... إلخ‏

(1) القطع بالتكليف و ان كان مما يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة بل و استحقاق المثوبة على الموافقة في صورة الإصابة إذا قلنا باستحقاق الثواب في الطاعات و قد تقدم التفصيل في النفسيّ و الغيري و لكن الّذي عرفناه في الأمر السابق كما أشار إليه المصنف بقوله قد عرفت انه لا شبهة ... إلخ هو خصوص الأول دون الثاني و عليه فعطف المصنف قوله و المثوبة على الموافقة ... إلخ على قوله يوجب استحقاق العقوبة على المخالفة مما لا يخلو عن مسامحة إذ لم نعرف الثاني في الأمر السابق.

قوله و هتك حرمته لمولاه ... إلخ‏

(2) و لو قال و هتكه حرمة مولاه كان أصح.

قوله و ان كان مستحقا للوم أو المدح بما يستتبعانه ... إلخ‏

(3) و الصحيح كان ان يقول بما يستتبعهما أي و ان كان مستحقا للوم أو المدح بما فيه من الصفة الكامنة المستتبعة للوم أو المدح و يعرف ذلك بملاحظة قوله و بالجملة ما دامت فيه صفة كامنة لا يستحق بها الا مدحا أو لوما ... إلخ فالصفة الكامنة هي المقصود من الموصول و هي المستتبعة للمدح أو اللوم فلا تغفل.

قوله و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري به أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة واقعا ... إلخ‏

(4) هذا شروع في المقام الثاني من الكلام في التجري (و حاصل مختاره) فيه ان العقاب إنما هو على قصد العصيان و العزم على الطغيان كما سيأتي تصريحه به في‏

14

الجواب عن ان قلت الأول و ليس هو على الفعل المتجري به و ذلك لدليلين.

(الأول) ما أشار إليه بقوله و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجري به إلى قوله لا يخرج عن كونه محبوبا أبدا.

(الثاني) ما أشار إليه بقوله هذا مع ان الفعل المتجري به أو المنقاد به إلى قوله إلا إذا كانت اختيارية.

(اما الثاني) فسيأتي شرحه.

(و اما الأول) فحاصله ان الفعل المتجري به أو المنقاد به لا يحدث فيه بسبب القطع بالخلاف حسن أو قبح و لا وجوب أو حرمة واقعا كي يكون عليه الثواب أو العقاب بل باق على ما هو عليه من الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة (فقتل ابن المولى) بسبب القطع بأنه عدو له لا يحدث فيه حسن و لا وجوب بل باق على قبحه و حرمته (كما ان قتل عدو المولى) بسبب القطع بأنه ابن المولى لا يحدث فيه قبح و لا حرمة بل باق على حسنه و وجوبه فان القطع بالحسن أو القبح ليس من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن و القبح و الوجوب و الحرمة كالعناوين الثانوية الطارية للافعال مثل عنوان إنجاء المؤمن الطاري للكذب أو الإيقاع في المهلكة الطاري للصدق و نحوهما.

(و فيه) ان القطع بالخلاف و ان لم يحدث بسببه حسن أو قبح و لا وجوب أو حرمة واقعا الّذي كان للفعل بعنوانه الأولى و لكن يحدث بسببه الحسن أو القبح الّذي هو للفعل بعنوانه الثانوي و هو عنوان الانقياد أو التجري الطاري له (و ان شئت قلت) يحدث بسببه الحسن أو القبح الصدوري أي يجعل صدوره من القاطع حسنا أو قبيحا و ان لم يكن نفس الفعل حسنا أو قبيحا واقعا (و من هنا يظهر) ان القطع بالحسن أو القبح و ان لم يكن بنفسه من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن أو القبح و لكنه سبب لطرو عنوان للفعل هو من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن أو القبح و هو عنوان الانقياد أو التجري (فماء القراح)

15

بسبب القطع بكونه خمرا و ان لم يحدث فيه القبح و الحرمة الموجودين في الخمر الواقعي ليكون شربه معصية من المعاصي الشرعية و لكن يحدث فيه عنوان التجري و هو عنوان قبيح عقلا (و هكذا إذا قطع) بكونه دواء نافعا فلا يحدث فيه الحسن و الوجوب الموجودين في الدواء النافع ليكون شربه واجبا من الواجبات الشرعية و لكن يحدث فيه عنوان الانقياد و هو عنوان حسن عقلا (و عليه) فلا مانع عن الالتزام بكون الثواب و العقاب على نفس الفعل المتجري به أو المنقاد به لكن لا بعنوانه الأولى بل بعنوانه الثانوي الطاري عليه بسبب القطع بحرمته أو بوجوبه و هو عنوان التجري أو الانقياد الموجبين لاستحقاق العقاب و الثواب عقلا.

قوله هذا مع ان الفعل المتجري به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا ... إلخ‏

(1) هذا هو الدليل الثاني الّذي أقامه على عدم كون العقاب و الثواب على الفعل المتجري به أو المنقاد به (و حاصله) ان الفعل المتجري به أو المنقاد به بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختياريا فان هذا العنوان غير ملتفت إليه غالبا فان من يشرب الماء باعتقاد انه خمر يقصده و يشربه بعنوانه الأولى الاستقلالي أي بعنوان انه خمر لا بعنوانه الطاري الآلي أي بعنوان انه مقطوع الخمرية فإذا لم يكن هذا العنوان اختياريا ملتفتا إليه غالبا فلا يعقل أن يكون هو من جهات الحسن أو القبح عقلا و من مناطات الوجوب أو الحرمة شرعا.

(و فيه) ان العنوان الطاري كعنوان إنجاء المؤمن أو الإلقاء في المهلكة و نحوهما إذا كان غير ملتفت إليه و ان لم يعقل ان يكون من جهات الحسن أو القبح الصدوري فان الحسن أو القبح الصدوري كما تقدم في بحث الاجتماع في الأمر العاشر تابع لما علم من الجهات فالجهة المجهولة مما لا تعقل ان تجعل صدور الفعل حسنا مقربا أو قبيحا مبعدا ما لم يعلم بها و ان كان الحسن و القبح الواقعيان غير مربوطين بالجهل و العلم و هكذا لا يعقل ان يكون العنوان الغير الملتفت إليه من‏

16

مناطات الوجوب و الحرمة أي المنجزين فان الحكم المنجز فرع العلم و الالتفات قطعا (و لكن هذا كله) في غير صفة القطع بالوجوب أو الحرمة فان صفة القطع بأحدهما بنفسها التفات إليه فيصح أن تكون هي من جهات الحسن أو القبح الصدوري من دون لزوم التفات إلى هذا الالتفات كما لا يخفى.

قوله ان قلت إذا لم يكن الفعل كذلك فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع ... إلخ‏

(1) أي ان قلت إذا لم يكن الفعل بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب اختياريا فلا وجه لاستحقاق العقوبة على مخالفة القطع يعني المخطئ و هل العقاب عليها الا عقابا على ما ليس بالاختيار (و قد أجاب عن الإشكال) بان العقاب في التجري انما هو على قصد العصيان و العزم على الطغيان لا على الفعل الغير الاختياري و قد أشرنا آنفا انه سيأتي من المصنف تصريح بكون العقاب على قصد العصيان و العزم على الطغيان فهذا هو تصريحه به و تنصيصه عليه.

(و فيه) ان المتجري بعد ما انكشف له الخلاف كما يعرف انه لم يأت بمعصية واقعا بل تخيل انه قد عصى فكذلك يعرف انه لم يقصد المعصية واقعا بل تخيل انه قصد المعصية فإذا اعتقد مثلا ان الماء الخارجي خمر و قصد شربه و شربه فبعد ما انكشف له انه لم يكن خمرا واقعا كما يعرف انه لم يشرب الخمر فكذلك يعرف انه لم يقصد الخمر بل قصد الخمر التخيلي و هو الماء الواقعي (و عليه) فإذا لم يكن هناك معصية و لا قصد المعصية بل قصد ما تخيل انه معصية فلا وجه للالتزام بكون العقاب على قصد العصيان و العزم على الطغيان لعدم تحققهما واقعا.

قوله ان قلت ان القصد و العزم انما يكون من مبادئ الاختيار و هي ليست باختيارية و إلّا لتسلسل ... إلخ‏

(2) أي ان قلت ان القصد و العزم انما يكون من مقدمات اختيار الفعل و هي كما تقدم تفصيلها في الطلب و الإرادة عبارة (عن خطور) الشي‏ء في النّفس (ثم الميل)

17

و هيجان الرغبة إليه (ثم الجزم) و هو التصديق بفائدته و بدفع ما يوجب التوقف عنه (ثم العزم) و القصد أي الشوق الأكيد المسمى بالإرادة المستتبع لحركة العضلات نحو الفعل و لاختياره خارجا و من المعلوم ان مقدمات الاختيار غير اختيارية فان اختيارية الأفعال تكون بها فلو كانت هي اختيارية أيضا لكانت بمقدمات أخرى فيتسلسل و قد تقدم نظير ذلك في التعبدي و التوصلي أيضا (فقال) المصنف هناك فان الفعل و ان كان بالإرادة اختياريا إلّا ان إرادته حيث لا تكون بإرادة أخرى و إلا لتسلسلت ليست باختيارية (انتهى) فجعل الكلام هناك في نفس الإرادة و جعله في المقام في مجموع مبادئ اختيار الفعل التي منها الإرادة (و على كل حال) إذا كانت مقدمات الاختيار الأربع و منها القصد غير اختيارية لم يصح العقاب على القصد و العزم عقلا.

(و قد أجاب المصنف) عن الإشكال بأمرين:

(الأول) ما أشار إليه بقوله قلت مضافا إلى ان الاختيار ... إلخ (و حاصله) ان الاختيار و ان لم يكن بالاختيار إلّا ان بعض مباديه و هي المقدمة الثالثة أي الجزم و التصديق بفائدة الفعل و بدفع ما يوجب التوقف عنه غالبا يكون بالاختيار فإن خطور الشي‏ء في النّفس و هكذا الميل و هيجان الرغبة إليه و ان كان أمرا قهريا خارجا عن تحت الاختيار و لكن الجزم أمر اختياري لجواز التأمل فيما يترتب على الفعل و التدبر في عواقبه و تبعاته من العقوبات. و المؤاخذات فيصرف النّفس عنه و يمنع ذلك عن وصول الميل و هيجان الرغبة إلى مرتبة الجزم و التصديق بالفائدة ثم الشوق الأكيد المستتبع لحركة العضلات نحو الفعل.

(الثاني) ما أشار إليه بقوله يمكن أن يقال إن حسن المؤاخذة ... إلخ (و حاصله) ان استحقاق العقاب هو من البعد و البعد من التجري أي من قصد المعصية و التجري من سوء سريرته و خبث باطنه و هما ذاتيان و الذاتي لا يعلل كما تقدم في الطلب و الإرادة فان الذاتي ضرورية الثبوت للذات ليس مجعولا له تعالى‏

18

لا بالجعل البسيط و لا بالجعل التأليفي كي يقال انه لم جعله هكذا و لم يجعله هكذا فان الخبيث خبيث بنفسه و الطيب طيب بنفسه و انما أوجدهما اللَّه تعالى بالجعل البسيط فوجد الذاتي بالتبع.

أقول و يرد على مجموع الجوابين من وجوه ثلاثة.

(الأول) ان قوله (قدس سره) قلت مضافا إلى ان الاختيار و ان لم يكن بالاختيار ... إلخ غير مطابق لما أفيد في الإشكال فان الّذي أفيد في الإشكال ان مبادئ الاختيار غير اختيارية و الّذي أفاده في الجواب ان نفس الاختيار لا يكون بالاختيار فلا يطابق بعضهما بعضا.

(الثاني) ان المقصود من قوله ان الاختيار و ان لم يكن بالاختيار ... إلخ (إن كان) ان الاختيار لا يكون باختيار آخر و هكذا ليتسلسل نظير ما تقدم منه في شأن الإرادة في التعبدي و التوصلي كما أشير آنفا فهذا حق لا ننكره و لكن لا ينافي ذلك اختيارية الاختيار فانه اختياري باختيارية بعض مقدماته لا باختيار آخر ليتسلسل (و ان كان) المقصود ان الاختيار ليس بأمر اختياري فهذا ممنوع جدا سيما مع اعتراف المصنف هنا بان بعض مباديه غالبا يكون بالاختيار فان الّذي يتوقف على مقدمات عديدة إذا كانت مقدمة واحدة منها اختيارية كان صدور ذي المقدمة اختياريا قهرا فان النتيجة تتبع أخس المقدمات كما لا يخفى.

(الثالث) انه أنهى أمر العقاب بالأخرة إلى سوء السريرة و خبث الباطن كما انه أنهاه في الطلب و الإرادة إلى الشقاوة الذاتيّة و هو مما لا يكاد يجدي فان الذاتي و ان كان ضرورية الثبوت للذات غير مجعول له تعالى لا بالجعل البسيط و لا بالجعل التأليفي كي يقع السؤال بلم و لكنه مجعول له تعالى تبعا فإذا استند العقاب بالأخرة إلى جعله تعالى و لو تبعا لزم الجبر قهرا (و الصحيح) ان يقال ان العقاب مطلقا سواء كان في المعصية أو في التجري انما هو على الفعل الصادر بالإرادة

19

و الإرادة اختيارية باختيارية بعض مقدماتها كما تقدم شرح ذلك بنحو أبسط في الطلب و الإرادة (و عليه) فلا جبر و لا ظلم و لا اضطرار (و اما تأثير) الشقاوة و السعادة في إرادة الطاعة و المعصية و ان كان حقا لا ننكره إلّا انه لا يكون بنحو العلية التامة كي يلزم الجبر بل بنحو الاقتضاء كما تقدم فلا جبر.

قوله كما كان من تبعته بالعصيان ... إلخ‏

(1) أي كما كان حسن المؤاخذة و العقوبة من تبعة بعده بالعصيان في صورة المصادفة أي مصادفة قطعه مع الواقع.

قوله فكما انه يوجب البعد عنه كذلك لا غرو ... إلخ‏

(2) أي فكما ان التجري يوجب البعد عنه فكذلك لا عجب في ان يوجب استحقاق العقوبة أي مع الواسطة و هي البعد فالتجري يوجب البعد و البعد يوجب استحقاق العقوبة فلا تغفل.

قوله و ان لم يكن باختياره إلّا انه بسوء سريرته و خبث باطنه ... إلخ‏

(3) أي و ان لم يكن التجري الموجب للبعد الباعث لاستحقاق العقوبة باختياره بل بسوء سريرته و خبث باطنه.

قوله و لا يخفى ان في الآيات و الروايات شهادة على صحة ما حكم به الوجدان ... إلخ‏

(4) و تفصيل الآيات و الروايات هكذا (قال الشيخ أعلى اللَّه مقامه) في الرسائل و اما لو كان التجري على المعصية بالقصد إلى المعصية فالمصرح به في الأخبار الكثيرة العفو عنه و ان كان يظهر من اخبار أخر العقاب على القصد أيضا (مثل) قوله (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) نية الكافر شر من عمله (و قوله) (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) انما يحشر الناس على نياتهم (و ما ورد) من تعليل خلود أهل النار في النار و خلود أهل الجنة في الجنة بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية و الطاعة لو خلدوا في الدنيا (و ما ورد) من انه إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل‏

20

و المقتول في النار قيل يا رسول اللَّه هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه (و ما ورد) في العقاب على فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام كغارس الخمر و الماشي لسعاية مؤمن (و فحوى) ما دل على ان الرضا بفعل كالفعل مثل قوله (عليه السلام) الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم و على الداخل إثمان إثم الرضا و إثم الدخول (و يؤيده) قوله تعالى ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللَّه (و ما ورد) من رضي بفعل فقد لزمه و ان لم يفعل (و ما ورد) في تفسير قوله تعالى فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين من ان نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخرهم عن القاتلين بكثير لرضاهم بفعلهم (و يؤيده) أيضا قوله تعالى تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا (و قوله تعالى) ان الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم انتهى.

(فيقول المصنف) إن في الآيات و الروايات المذكورة شهادة و دلالة على صحة ما حكم به الوجدان من صحة مؤاخذة المتجري كما تقدم في المقام الأول و انها على قصد العصيان و العزم على الطغيان كما تقدم في المقام الثاني.

أقول لا إشكال في ان الآيات و الروايات مما تشهد بثبوت العقاب على قصد المعصية و لكنك قد عرفت منا انه في التجري بإتيان ما قطع كونه حراما ثم انكشف انه لم يكن حراما كما لا معصية واقعا فكذلك لا قصد للمعصية واقعا و انما قصد ما تخيل انه معصية و عليه فالاستشهاد بالآيات و الروايات للمقام مشكل جدا.

قوله و معه لا حاجة إلى ما استدل على استحقاق المتجري للعقاب إلى آخره‏

(1) أي معه لا حاجة إلى الدليل العقلي الّذي نقله الشيخ أعلى اللَّه مقامه (قال) و قد يقرر دلالة العقل على ذلك بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بان قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما

21

للواقع و مخالفة الآخر فإما ان يستحقا العقاب أو لا يستحقه أحدهما أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر أو بالعكس لا سبيل إلى الثاني و الرابع و الثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار و هو مناف لما يقتضيه العدل فتعين الأول.

قوله مع بطلانه و فساده إذ للخصم ان يقول ... إلخ‏

(1) (و حاصل) وجه البطلان ان الخصم يمكنه التفكيك في الشق الثالث بين العاصي و المتجري فيلتزم باستحقاق الأول للعقاب دون الثاني (اما استحقاق الأول) فلمخالفته عن عمد (و اما عدم استحقاق الثاني) فلعدم مخالفته أصلا و لو عن غير عمد (و قد قرر الشيخ) أعلى اللَّه مقامه وجه البطلان بنحو آخر (قال) و اما ما ذكر من الدليل العقلي فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع لأنه عصى اختيارا دون من لم يصادف قولك إن التفات بالاستحقاق و العدم لا يحسن ان يناط بما هو خارج عن الاختيار ممنوع فان العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح إلّا ان عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم (انتهى) (و حاصله) ان عقاب العاصي انما هو على المعصية الاختيارية و عدم عقاب المتجري انما هو لأمر خارج عن تحت قدرته يعني عدم مصادفة قطعه مع الواقع و قبحه غير معلوم فان القبيح هو العقاب على الأمر الغير الاختياري لا عدم العقاب على الأمر الغير الاختياري.

قوله بل عدم صدور فعل منه في بعض افراده بالاختيار ... إلخ‏

(2) كما في الشبهات الموضوعية فانه إذا اعتقد مثلا ان الماء الخارجي خمر و شربه بهذا الاعتقاد ثم انكشف انه لم يكن خمرا بل كان ماء فلم يصدر منه فعل اختياري فانه قد شرب الماء و لم يقصده و قصد الخمر و لم يشربه (نعم في الشبهات الحكمية) كما إذا اعتقد أن العصير التمري حرام و شربه ثم انكشف انه ليس بحرام فقد أتى بفعل اختياري فانه قصد العصير التمري و شربه غير انه أخطاء في اعتقاد حرمته‏

22

(و بالجملة) ان للخصم ان يستند في عدم استحقاق المتجري العقاب مطلقا سواء كان في الشبهات الحكمية أو الموضوعية إلى عدم مخالفته أصلا و لو عن غير عمد و في خصوص الشبهات الموضوعية له ان يستند إلى ذلك و وجه آخر و هو عدم صدور فعل اختياري منه.

قوله فيحتاج إلى إثبات ان المخالفة الاعتقادية سبب كالواقعية الاختيارية ... إلخ‏

(1) تفريع على بطلان ما استدل به من الدليل العقلي و المعنى هكذا أي و معه لا حاجة إلى ما استدل على استحقاق المتجري للعقاب مع بطلان الدليل و فساده في حد ذاته فيحتاج المستدل إلى إثبات ان المخالفة الاعتقادية أي التجري هي سبب كالواقعية الاختيارية و هي المعصية كما عرفته منا بما لا مزيد عليه حيث استشهدنا له بمراجعة الوجدان الحاكم بالاستقلال في باب الإطاعة و العصيان.

قوله ثم لا يذهب عليك انه ليس في المعصية الحقيقية الا منشأ واحد لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد فلا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين كما توهم ... إلخ‏

(2) (المتوهم) هو صاحب الفصول و تفصيله (انه قال) في الفصل الأخير من الاجتهاد و التقليد ما هذا لفظه و اما إذا اعتقد التحريم فلا يبعد استحقاق العقوبة بفعله و ان كان بطريق غير معتبر نظرا إلى حصول التجري بفعله إلّا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة فانه لا يبعد عدم ترتب العقاب على فعله مطلقا أو في بعض الموارد نظرا إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية فان قبح التجري ليس عندنا ذاتيا بل يختلف بالوجوه و الاعتبار فمن اشتبه عليه مؤمن ورع عالم بكافر واجب القتل فحسب انه ذلك الكافر فتجري و لم يقدم على قتله فانه لا يستحق الذم على هذا التجري عقلا عند من انكشف له الواقع و ان كان معذورا لو فعل و أظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي نبي فتجري و لم‏

23

يفعل أ لا ترى أن المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدو له فصادف العبد ابنه و قطع بأنه ذلك العدو فتجري و لم يقتله ان المولى إذا اطلع على حاله لا يذمه بهذا التجري بل يرضى به و ان كان معذورا لو فعل و كذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوه فأدى الطريق إلى تعيين ابنه فتجري و لم يفعل و هذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجري لا يجديه إن لم يصادف الواقع و لهذا يلزمه العقل بالعمل بمقتضى الطريق المنصوب لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب بخلاف ما لو ترك العمل به فان المظنون فيه عدمها و من هنا يظهر ان التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في مباحاتها و هو فيها أشد في مندوباتها و يختلف باختلافها ضعفا و شدة كالمكروهات و يمكن ان يراعي في الواجبات الواقعية ما هو الأقوى من جهاتها و جهات التجري (انتهى) (ثم ان الشيخ أعلى اللَّه مقامه) نقل العبارة المذكورة بطولها في الرسائل ثم بفصل يسير نقل عبارة أخرى منه لم أجدها في الفصول في الفصل المذكور و لعلها في غيره (قال) ثم انه ذكر هذا القائل يعني به صاحب الفصول في بعض كلماته ان التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما (انتهى) و مقصوده من تصادف التجري مع المعصية الواقعية ان يعتقد حرمة شي‏ء ثم ينكشف حرمته من غير الجهة التي اعتقد حرمته كما إذا اعتقد انه خمر فشربه ثم انكشف انه كان دما أو مائعا مغصوبا و لم يكن خمرا (ثم ان) ظاهر المصنف انه بصدد الجواب عن العبارة الأخيرة فقط و ان الفصول قائل بعقابين متداخلين في مطلق المعصية الحقيقية و ليس كذلك و انما التزم به في خصوص التجري المصادف مع المعصية الحقيقية (و على كل حال) حاصل الجواب انه لا وجه لاستحقاق عقابين متداخلين بعد اتحاد المنشأ له و هو هتك واحد و على تقدير استحقاقهما لا وجه لتداخلهما كما لا يخفى.

أقول و بهذا الجواب يندفع ما قد يتوهم انه يلزم المصنف الّذي ادعى كون العقاب في‏

24

التجري على قصد العصيان القول باستحقاق عقابين في المعصية الحقيقية أحدهما على قصد المعصية و الآخر على نفس المعصية (و وجه الاندفاع) ما صرح به من اتحاد المنشأ لاستحقاق العقوبة و هو هتك واحد) (و كيف كان) يرد على العبارة الأولى للفصول ان قبح التجري عندنا ذاتي على خلاف ما ذهب إليه (رحمه اللَّه) بمعنى انه علة تامة للقبح و لا يكاد يعقل انفكاكه عنه أبدا (فإذا قطع) انه كافر حربي أو عدو للمولى و تجري و لم يقتله فيكون هذا الترك منه قبيحا صدورا و إن انكشف بعدا انه كان نبيا أو وصي نبي فضلا عن كونه مؤمنا ورعا أو رجلا عالما (كما انه إذا قطع) انه مؤمن ورع أو نبي أو وصي نبي و تجري و قتله فيكون هذا الفعل منه قبيحا صدورا و إن انكشف بعدا انه كان كافرا حربيا أو عدوا للمولى بل قبح التجري من هذا الحيث هو أقوى من قبح الظلم عقلا فان الظلم يعقل ان يعرضه الصفة المحسنة له كما إذا توقف حفظ دماء المسلمين على ظلم يتيم مسكين و لكن التجري لا يكاد يعقل ان يعرضه الصفة المحسنة له من الجهات الواقعية أبدا (و السر فيه) ان قبح التجري صدوري قد نشأ من القطع بالحرمة فلا يعقل ان يرتفع القبح الصدوري ما دامت صفة القطع موجودة قائمة بالقاطع بجهة من الجهات الواقعية المجهولة المغفولة عنها و ان كانت هي في غاية القوة و أقصى مرتبة الأهمية و ذلك لما تقدم في بحث الاجتماع في الأمر العاشر من ان الحسن و القبح الصدوريين تابعان لما علم من الجهات لا لأقوى الجهات الواقعية (فالكذب المنجي من الهلكة) و ان كان حسنا واجبا واقعا و لكن ما لم يعلم الكاذب بجهة الإنجاء لم يرتفع بها قبح صدوره أصلا (و هكذا الصدق الموقع في الهلكة) فهو و ان كان قبيحا حراما واقعا و لكن ما لم يعلم الصادق بجهة الهلاك لم يرتفع بها حسن صدوره أبدا (و من هنا يظهر) ما في قوله نظرا إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية ... إلخ فانها ما لم يعلم بها لم تعارض الجهة الظاهرية و لم يرتفع بها القبح أو الحسن الصدوري بلا ارتياب (بل و من هنا يظهر) ما في عبارته الأخيرة المختصرة من ان التجري‏

25

إذا تصادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما ... إلخ فان جهة المعصية الواقعية مجهولة غير معلومة فكيف توجب هي عقابا آخر غير عقاب التجري و يتداخلان العقابان جميعا بعضهما في بعض.

قوله و لا منشأ لتوهمه ... إلخ‏

(1) أي و لا منشأ لتوهم التداخل أي تداخل العقابين الا وضوح انه ليس في معصية واحدة الا عقوبة واحدة مع الغفلة عن ان وحدة المسبب أي العقوبة تكشف بنحو الإن عن وحدة السبب.

في أقسام القطع‏

قوله الأمر الثالث انه قد عرفت ان القطع بالتكليف أخطأ أو أصاب يوجب عقلا استحقاق المدح و الثواب أو الذم و العقاب ... إلخ‏

(2) فان أخطأ فالثواب على الانقياد و العقاب على التجري و ان أصاب فالثواب على الإطاعة و العقاب على المعصية (ثم ان المقصود) من عقد هذا الأمر الثالث هو بيان أقسام القطع أولا ثم بيان قيام الطرق و الأمارات الظنية المعتبرة بل و بعض الأصول العملية مقام بعض أقسام القطع في الجملة (اما قيام الطرق و بعض الأصول) فسيأتي التعرض له (و اما أقسام القطع) فنقول إن القطع (تارة) يكون غير مأخوذ في لسان الدليل موضوعا لحكم أبدا فيكون طريق محض إلى متعلقه كما في القطع بالنسبة إلى أغلب التكاليف الشرعية التي لا دخل للقطع في ثبوتها أصلا غايته انه ان تعلق بها القطع تنجزت هي بسببه و إلّا لم تتنجز مع ثبوتها في الواقع بلا كلام و لا شبهة (و أخرى) يكون مأخوذا في لسان الدليل موضوعا لحكم آخر كما إذا قال مثلا ان قطعت بوجوب صلاة الجمعة فتصدق بدرهم فيكون القطع حينئذ بالنسبة إلى وجوب صلاة الجمعة طريقيا غير دخيل في تحققه أصلا و ان كان دخيلا

26

في تنجزه على القاطع و بالنسبة إلى وجوب الصدقة موضوعيا فما لم يتحقق القطع بوجوب صلاة الجمعة لم يجب الصدقة لا ثبوتا و لا إثباتا (ثم ان) القطع المأخوذ موضوعا (تارة) يكون تمام الموضوع (و أخرى) يكون جزء الموضوع و الجزء الآخر هو الواقع الّذي تعلق به القطع و تظهر الثمرة فيما إذا انكشف الخلاف كما إذا ظهر في المثال انه لم تكن صلاة الجمعة واجبة أصلا فان كان القطع تمام الموضوع لوجوب الصدقة فالصدقة كانت واجبة واقعا لتحقق موضوعها و هو القطع بوجوب صلاة الجمعة و ان كان جزء الموضوع فالصدقة لم تكن واجبة واقعا لعدم تحقق جزئه الآخر و هو وجوب صلاة الجمعة (و لك ان تقول) كما عبر المصنف ان المأخوذ موضوعا (تارة) يكون مطلق القطع و لو كان مخطئا (و أخرى) يكون خصوص المصيب منه فإذا انكشف عدم وجوب صلاة الجمعة في المثال المذكور فعلى الأول لم يكشف عن عدم وجوب الصدقة على الثاني يكشف عن عدم وجوبها بلا شبهة (و على كل حال) ان كلا من القطع المأخوذ تمام الموضوع و المأخوذ جزء الموضوع (تارة) يكون مأخوذا بما هو طريق و كاشف عن الواقع (و أخرى) بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة للقاطع أو للمقطوع به أي الواقع الّذي تعلق به القطع (فهذه أربعة) أقسام للقطع الموضوعي و بانضمام الطريقي إليها تصير خمسة و هذه الأقسام كلها و بأجمعها تجري في الظن أيضا بلا كلام كما أشار إليه الشيخ أعلى اللَّه مقامه (فقال ما لفظه) ثم ان الّذي ذكرنا من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقية و أخرى على وجه الموضوعية جار في الظن أيضا ... إلخ.

قوله و قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه لا يماثله و لا يضاده ... إلخ‏

(1) ففي مثل قوله إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة فتصدق بدرهم قد أخذ القطع موضوعا لوجوب الصدقة و هو حكم يخالف الحكم الّذي تعلق به القطع أعني وجوب‏

27

صلاة الجمعة لا يماثله و لا يضاده لاختلاف المكلف به (نعم لو قال) إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة فتجب صلاة الجمعة أو تحرم كان الحكم الّذي قد أخذ القطع في موضوعه مثل الحكم الّذي تعلق به القطع أو ضده لاتحاد المكلف به و سيأتي تفصيل ذلك كله في الأمر الرابع فانتظر.

قوله و ذلك لأن القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة إلى آخره‏

(1) علة لجواز أخذ القطع في موضوع حكم آخر بما هو صفة خاصة للقاطع أو المقطوع به و اما الصفات الحقيقية فهي الصفات المتأصلة التي تكون في قبال الصفات الانتزاعية الاعتبارية كالأبوة و البنوة و الفوقية و التحتية و التقدم و التأخر و نحو ذلك مما ليس بحذائه شي‏ء في الخارج سوى منشأ انتزاعه و الصفات الحقيقية ذات الإضافة هي التي تحتاج إلى طرف آخر كالعلم و القدرة المحتاجين إلى المعلوم و المقدور في قبال الصفات الحقيقية التي لا تحتاج إلى ذلك كالقوة و الضعف و الشجاعة و الجبن و نحو ذلك من الصفات القائمة بالنفس من دون حاجة إلى طرف آخر.

قوله و لذا كان العلم نورا لنفسه و نورا لغيره ... إلخ‏

(2) الظاهر انه علة لكون القطع من الصفات الحقيقية ذات الإضافة و لعل المناسب لهذا التعليل كان ان يقول و نورا إلى غيره أي إلى الأمر المقطوع به و إلّا فمجرد كونه نورا للغير كالقاطع مما لا يقتضي كونه ذات إضافة يحتاج إلى طرف آخر غير من تقوم به الصفة.

قوله بإلغاء جهة كشفه ... إلخ‏

(3) هذه مسامحة واضحة من المصنف فان القطع المأخوذ موضوعا بما هو صفة خاصة و حالة مخصوصة ليس معناه إلغاء جهة كشفه و إلّا لم يبق له خصوصية كي تكون صفة خاصة و حالة مخصوصة بل يلزم حينئذ صحة قيام كل صفة حقيقية مقام القطع المأخوذ بما هو صفة إذ لا فرق حينئذ بعد إلغاء جهة كشفه بين القطع و بين القوة

28

و الشجاعة و الجود و الحياة و نحو ذلك من الصفات إذ كل هذه صفة من الصفات الحقيقية و هو باطل قطعا (بل المراد) من تقسيم القطع الموضوعي إلى القطع المأخوذ بما هو كاشف أو بما هو صفة خاصة ان القطع قد يؤخذ موضوعا بما هو كاشف من الكواشف و طريق من الطرق إلى الواقع و قد يؤخذ بما هو كاشف خاص قد بلغ كاشفيته إلى أقصى مرتبة الشدة و القوة بحيث لم يبق معها احتمال الخلاف أصلا حتى قيل له العلم و اليقين فجهة الكشف في كلا القسمين ملحوظة مرعية غير انه قد يلحظ مطلق الكاشفية و الطريقية و قد يلحظ خصوص الكاشفية البالغة حدا خاصا و قدرا مخصوصا فتأمل جيدا.

قوله أو اعتبار خصوصية أخرى فيه معها ... إلخ‏

(1) مثل ما إذا اعتبر القطع الحاصل من سبب خاص أو من شخص خاص أو في مورد خاص موضوعا لحكم من الأحكام الشرعية.

في قيام الأمارات و الأصول مقام القطع في الجملة

قوله ثم لا ريب في قيام الطرق و الأمارات المعتبرة بدليل حجيتها و اعتبارها مقام هذا القسم ... إلخ‏

(2) (لا ريب) في ان الطرق و الأمارات الظنية كالبينة و خبر الثقة و الإجماع المنقول و نحو ذلك إذا قام الدليل على حجيتها و اعتبارها قامت مقام القطع الطريقي المحض بلا كلام فكما ان القطع يكون منجزا عند الإصابة و عذرا عند الخطاء و موضوعا لحكم العقل بوجوب متابعته و المشي على وفقه فكذلك الطريق الظني الغير المفيد للعلم بعد ان صار حجة معتبرا من قبل الشرع كان منجزا عند الإصابة و عذرا عند الخطأ و موضوعا لحكم العقل بوجوب المتابعة و الجري على طبقه غير ان القطع بذاته كان منجزا و عذرا و موردا لاستقلال العقل بوجوب المتابعة و الطريق الظني بعد

29

ان قام الدليل على اعتباره و حجيته صار كذلك بالعرض (و اما قيام الطرق و الأمارات) بمجرد الدليل على حجيتها و اعتبارها مقام القطع الموضوعي على نحو يترتب عليها عين ما يترتب عليه من وجوب التصدق بدرهم في المثال المتقدم بمعنى انه كما إذا قطع بوجوب صلاة الجمعة وجب التصدق بدرهم فكذلك إذا قام الطريق المعتبر على وجوبها وجب التصدق بدرهم (فهو محل الكلام) بين الأعلام فمختار الشيخ أعلى اللَّه مقامه هو قيامها مقام القطع المأخوذ موضوعا بما هو كاشف بمجرد قيام الدليل على حجيتها و اعتبارها من دون حاجة إلى دليل آخر على تنزيلها منزلة القطع في ما يترتب عليه من الحكم المخصوص (و اما قيامها) مقام القطع المأخوذ موضوعا بما هو صفة خاصة فيحتاج إلى دليل آخر على التنزيل و لا يكاد يكفي مجرد قيام الدليل على حجيتها و اعتبارها (قال أعلى اللَّه مقامه) ما لفظه ثم من خواص القطع الّذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية و الأصول العملية مقامه في العمل بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعية فانه تابع لدليل ذلك الحكم فان ظهر منه أو من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقية للموضوع كالأمثلة المتقدمة قامت الأمارات و الأصول مقامه و ان ظهر من دليل الحكم اعتبار صفة القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره كما إذا فرضنا ان الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائية و الثلاثية و الأوليين من الرباعية فان غيره كالظن بأحد الطرفين أو أصالة عدم الزائد لا يقوم مقامه إلّا بدليل خاص خارجي غير أدلة حجية مطلق الظن في الصلاة و أصالة عدم الأكثر (انتهى) (و اما مختار المصنف) (قدس سره) فهو عدم قيام الطرق و الأمارات الظنية بمجرد قيام الدليل على حجيتها و اعتبارها مقام القطع الموضوعي مطلقا سواء كان مأخوذا بما هو كاشف أو بما هو صفة ما لم يرد دليل آخر على التنزيل و ذلك لأن مقتضي دليل الحجية و الاعتبار ليس إلّا مجرد ترتيب ما للقطع بما هو حجة و طريق من الآثار و هي المنجزية عند

30

الإصابة و العذرية عند الخطاء و حكم العقل بوجوب المتابعة لا ترتيب ما للقطع بما هو موضوع لحكم خاص ما لم يقم دليل بالخصوص على تنزيلها منزلة القطع فيما رتب عليه من الحكم المخصوص.

أقول (اما قيام الطرق) و الأمارات الظنية مقام القطع المأخوذ موضوعا بما هو صفة خاصة فلا يكاد يجوز و لو بدليل آخر على تنزيلها منزلته إذ لو قام دليل كذلك فهو مما يكشف عن عدم دخل القطع بما هو صفة خاصة أي قد بلغ كاشفيته إلى أقصى مرتبة الكشف و الحكاية في الحكم المخصوص بل يجزي فيه قيام مثل خبر الثقة و نحوه (و اما قيامها) مقام القطع المأخوذ موضوعا بما هو طريق و كاشف فيجوز من دون حاجة إلى دليل آخر على تنزيلها منزلة القطع في الأثر المترتب عليه من الحكم المخصوص بل بمجرد ان قام الدليل على حجية طريق خاص و قد الغى احتمال الخلاف الموجود في مورده رتب عليه جميع ما للقطع من الآثار من جهة كونه طريقا من المنجزية و العذرية و حكم العقل بوجوب المتابعة و من جهة كونه موضوعا لحكم مخصوص بما هو كاشف و طريق إلى متعلقه.

قوله و منه قد انقدح عدم قيامها بذاك الدليل ... إلخ‏

(1) أي و من قولنا فان قضية الحجية و الاعتبار ترتيب ما للقطع بما هو حجة من الآثار لا له بما هو صفة و موضوع ... إلخ قد انقدح عدم قيام الطرق و الأمارات بمجرد ذلك الدليل القائم على حجيتها و اعتبارها مقام القطع المأخوذ في الموضوع بما هو كاشف و حاك عن متعلقه.

قوله و توهم كفاية دليل الاعتبار الدال على إلغاء احتمال خلافه إلى آخره‏

(2) هذا هو الدليل الّذي نحن نعتمد عليه في قيام الطرق و الأمارات الظنية بمجرد الدليل على حجيتها و اعتبارها مقام القطع المأخوذ موضوعا بما هو كاشف من غير حاجة

31

إلى دليل آخر على تنزيلها منزلة القطع في دخله في الحكم المخصوص المترتب عليه غير ان المصنف حيث لم يوافقه ذلك فعبر عنه بالتوهم و انه فاسد جدا و لكن ستعرف منا صحته و سداده و انه كيف نجيب عما أورد عليه من المحذور العقلي فانتظر

قوله فان الدليل الدال على إلغاء الاحتمال لا يكاد يكفى ... إلخ‏

(1) رد على التوهم المذكور (و حاصله) ان دليل الاعتبار لا يكاد يكفي الا لتنزيل واحد (فهو إما أن ينزل) الأمارة منزلة القطع في طريقيته إلى الواقع و في هذا التنزيل يكون كلا من المنزل و المنزل عليه ملحوظا على وجه الآلية فقوله الأمارة قطع أي مؤدي الأمارة و محكيها هو الواقع و النّظر الحقيقي فيه يكون إلى المؤدي و الواقع (و إما أن ينزل) الأمارة منزلة القطع في موضوعيته للحكم المخصوص المترتب عليه و في هذا التنزيل يكون كلا من المنزل و المنزل عليه ملحوظا على وجه الاستقلالية فقوله الأمارة قطع أي نفس الأمارة بما هي هي من دون نظر إلى محكيها و مؤداها قطع فيترتب عليها ما يترتب على القطع من الحكم الشرعي المخصوص و لا يكاد يمكن الجمع بين التنزيلين في دليل واحد لما فيه من الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي و هو محال عقلا فلا محالة يكون دليل الاعتبار دليلا على أحد التنزيلين و هو التنزيل منزلة القطع في طريقيته إلى الواقع لا في موضوعيته للحكم الخاصّ و ذلك لظهور دليل التنزيل في اللحاظ الآلي دون الاستقلالي (و فيه) ان الجمع بين اللحاظين و ان لم يمكن عقلا لكن لحاظ واحد يكفي في التنزيل لكلا الغرضين جميعا فإذا لاحظ كلا من الأمارة و القطع بما هو هو و على وجه الاستقلال و نزلها منزلته و قال مثلا الأمارة قطع فيترتب عليها جميع ما يترتب على القطع من الخواصّ و الآثار بأسرها من آثار طريقيته إلى الواقع و هي المنجزية و العذرية و حكم العقل بوجوب المتابعة و أثر موضوعيته و هو الحكم المخصوص المترتب عليه شرعا و لا وجه لتخصيص التنزيل بجهة دون جهة و أثر دون أثر كما لا يخفى.

32

قوله و لا يخفى انه لو لا ذلك لأمكن ان يقوم الطريق بدليل واحد إلى آخره‏

(1) الظاهر انه رد على الشيخ أعلى اللَّه مقامه الّذي فصل كما تقدم بين القطع الموضوعي المأخوذ بما هو كاشف و الموضوعي المأخوذ بما هو صفة ففي الأول قال بكفاية مجرد قيام الدليل على اعتبار الأمارة في قيامها مقامه و في الثاني لا يكفي إلّا مع دليل آخر على التنزيل.

(فيقول المصنف) ما حاصله انه لو لا لزوم الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي لأمكن أن يقوم الطريق بدليل واحد مقام القطع المأخوذ موضوعا بتمام اقسامه حتى بما هو صفة من غير اختصاص بالمأخوذ موضوعا بما هو كاشف أقول و فيه ما عرفته منا من عدم صحة قيام الطريق مقام القطع المأخوذ موضوعا بما هو صفة و لو بدليلين فضلا عن دليل واحد فانه لو قام الدليل الخاصّ على تنزيله منزلة القطع المأخوذ بما هو صفة فيكشف ذلك عن عدم كون القطع حقيقة مأخوذا بما هو صفة خاصة أي قد بلغ كاشفيته إلى أقصى مرتبة الشدة و القوة و إلّا لم يقم مقامه شي‏ء ما لم يفد القطع بل قد أخذ بما هو كاشف و طريق معتبر إلى الواقع فيقوم مقامه كل طريق معتبر فتدبر جيدا.

قوله و اما الأصول فلا معنى لقيامها مقامه بأدلتها أيضا غير الاستصحاب ... إلخ‏

(2) لا يبعد ان يكون ذلك إشارة إلى ما في إطلاق كلام الشيخ أعلى اللَّه مقامه في عبارته المتقدمة حيث (قال فيها) ثم من خواص القطع الّذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعية و الأصول العملية مقامه في العمل ... إلخ فلم يقيد الأصول العملية بأصل دون أصل و ان كان يلوح من تمثيله بعدا بالاستصحاب ان مقصوده من الأصول العملية هو خصوص الاستصحابات (و على كل حال) حاصل‏

33

دعوى المصنف انه لا معنى لقيام الأصول العملية بدليل حجيتها و اعتبارها مقام القطع إلّا الاستصحاب (و قد أفاد) في وجه ذلك ما حاصله ان المراد من قيام المقام ليس إلّا ترتيب ما للقطع من الآثار و الأحكام و هي كما تقدم المنجزية عند الإصابة و العذرية عند الخطأ و حكم العقل بوجوب المتابعة و الآثار المذكورة هي مما لا تترتب على الأصول العملية كقاعدة الطهارة أو الحل أول البراءة الشرعية و ما أشبه ذلك الا على الاستصحاب فقط فانها ليست إلّا مجرد وظائف مقررة للجاهل في وعاء الجهل و الحيرة اما من الشرع كما في الأصول المذكورة أو من العقل كما في البراءة العقلية و أصالة التخيير و الاحتياط العقلي في موارد العلم الإجمالي.

أقول هذا مضافا إلى ما ستعرفه من انه لا بد و ان يكون للشي‏ء القائم مقام القطع سنخية مع القطع في الكشف و الطريقية كي صح أن يقال انه قد قام مقامه و لا سنخية للأصول العملية مع القطع و اليقين الا للاستصحاب فكما ان القطع طريق إلى الواقع كاشف عنه فكذلك الاستصحاب له جهة كشف و نظر إلى الواقع و ان لم تكن هي ملاك حجيته شرعا عند من لا يراه أمارة بل يراه أصلا (و من هنا يظهر) انه صح دعوى قيام كل أصل عملي له جهة كشف و نظر إلى الواقع مقام القطع و اليقين كأصالة الصحة و قاعدة التجاوز و قاعدة الفراغ و نحوها بناء على كونها أصولا عملية لا أمارات شرعية.

قوله لا يقال ان الاحتياط لا بأس بالقول بقيامه مقامه في تنجز التكليف لو كان ... إلخ‏

(1) (و حاصل الإشكال) ان القطع كما انه يتنجز به التكليف فكذلك الاحتياط يتنجز به التكليف فصح القول بقيام الاحتياط مقام القطع كما صح ذلك في الاستصحاب عينا (و حاصل جواب المصنف) انه اما الاحتياط العقلي فليس إلّا نفس حكم العقل بتنجز التكليف و صحة العقوبة و ليس شيئا آخر يقوم مقام القطع في هذا الحكم‏

34

(و فيه) ان الاحتياط العقلي عبارة عن حكم العقل بالإتيان بأطراف العلم الإجمالي أو بتركها لتنجز التكليف المعلوم فيها بسبب العلم الإجمالي لا انه نفس حكم العقل بتنجز التكليف (و عليه) فالصحيح في الجواب أن يقال هكذا ان حكم العقل بالاحتياط في العلم الإجمالي هو بمنزلة حكم العقل بوجوب المتابعة في العلم التفصيليّ فكما يحكم العقل في الثاني بإتيان الفعل أو بتركه لتنجز التكليف المتعلق به العلم التفصيليّ فكذلك يحكم في الأول بإتيان الأطراف أو بتركها لتنجز التكليف المتعلق به العلم الإجمالي و ليس الاحتياط شيئا آخر غير الحكم المذكور كي يقوم مقام القطع في هذا الحكم المترتب على القطع فافهم جيدا.

(و اما الاحتياط النقلي) و هو إلزام الشارع به بمقتضى الأخبار الكثيرة مثل قوله (عليه السلام) قف عند الشبهة فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة و نحو ذلك من الاخبار التي سيأتي تفصيلها في أصل البراءة إن شاء اللَّه تعالى فهو و ان كان منجزا للتكليف عند الإصابة كالقطع و لكن لا نقول به في الشبهات البدوية و ان قال به الأخباريون في الشبهات التحريمية الحكمية على ما ستعرف تفصيله مع تفصيل الجواب عنهم في محله و اما في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي فهو ليس بنقلي بل عقلي و قد عرفت الجواب عن العقلي (و فيه) ان مقتضي ذلك انه لو قلنا بالاحتياط النقلي في الشبهات البدوية و لو في خصوص التحريمية الحكمية كالأخباريين لصح القول حينئذ بقيامه مقام القطع و هو كما ترى ضعيف إذ ليس ملاك القيام كما أشرنا آنفا هو مجرد كون الشي‏ء منجزا للتكليف كالقطع بل الملاك هو سنخيته معه في الكاشفية و النّظر إلى الواقع علاوة على منجزيته للتكليف و ذلك كما في الأمارات المعتبرة و بعض الأصول العملية كالاستصحاب و أصالة الصحة و نحوهما بناء على كونهما أصلين عملين (هذا مضافا) إلى ما يرد على كلامه الأخير من عدم كون الاحتياط بنقلي في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي و ذلك لما سيأتي من جملة الأخبار الآمرة بالتوقف المعللة بأنه خير من الاقتحام في الهلكة على الشبهات‏

35

المقرونة بالعلم الإجمالي (و عليه) فالاحتياط في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي نقلي و عقلي لا انه عقلي محض ليس بنقلي و الظاهر انه إليه أشار أخيرا بقوله فافهم فافهم جيدا.

قوله فافهم ... إلخ‏

(1) قد أشير الآن إلى وجه قوله فافهم فلا تغفل.

قوله ثم لا يخفى ان دليل الاستصحاب أيضا لا يفي بقيامه مقام القطع المأخوذ في الموضوع مطلقا ... إلخ‏

(2) (و حاصله) ان الأصول و ان قلنا إنه لا معنى لقيامها مقام القطع إلّا الاستصحاب و لكن الاستصحاب لا يكون أعلى شأنا من الأمارات المعتبرة فكما انها لم تقم بدليل حجيتها و اعتبارها الا مقام القطع الطريقي دون الموضوعي سواء كان الموضوعي مأخوذا بما هو كاشف أو بما هو صفة إلّا بدليل آخر على التنزيل منزلته فكذلك الاستصحاب لا يقوم بدليل حجيته و اعتباره الا مقام القطع الطريقي دون الموضوعي و ذلك لعين ما تقدم في الأمارات حرفا بحرف فكما قلنا هناك ان كلا من المنزل و المنزل عليه و هما الأمارة و القطع إما أن يكون ملحوظا على وجه الآلية أو على وجه الاستقلالية و لا يمكن الجمع بين اللحاظين فكذلك نقول في المقام ان كلا من المنزل و المنزل عليه و هما اليقين السابق و اليقين الفعلي إما أن يكون ملحوظا على وجه الآلية و النّظر الحقيقي يكون إلى المتيقن أو على وجه الاستقلالية و النّظر الحقيقي يكون إلى نفس اليقين بما هو هو و لا يمكن الجمع بين النظرين في حال واحد أقول و يرد عليه ما أوردناه هناك عينا فكما قلنا هناك انه يكفي لحاظ واحد و هو لحاظ المنزل و المنزل عليه على وجه الاستقلالية في ترتيب جميع الآثار تماما فكذلك نقول في المقام حذو النعل بالنعل فيلحظ اليقين السابق و اليقين الفعلي بما هما هما و ينزل الأول منزلة الثاني و يرتب عليه جميع ما رتب على الثاني من تنجيز الواقع عند

36

الإصابة و العذرية عند الخطأ و وجوب المتابعة و الحكم المخصوص الّذي قد أخذ القطع موضوعا له شرعا فتأمل جيدا.

قوله و ما ذكرنا في الحاشية في وجه تصحيح لحاظ واحد ... إلخ‏

(1) (و حاصل) ما ذكره في حاشيته على الرسائل في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل من دون حاجة إلى لحاظين الآلي و الاستقلالي كي لا يمكن الجمع بينهما ان دليلي اعتبار الأمارة و الاستصحاب ينزلان المؤدي و المستصحب منزلة الواقع فإذا نزلا منزلة الواقع بالمطابقة نزل القطع بهما منزلة القطع بالواقع بالملازمة فيترتب على القطع بهما ما يترتب على القطع بالواقع فإذا قامت الأمارة مثلا على وجوب صلاة الجمعة و قد نزل دليل اعتبار الأمارة هذا الوجوب الّذي قامت عليه الأمارة منزلة الوجوب الواقعي بالمطابقة فالقطع بهذا الوجوب التنزيلي يكون منزلا منزلة القطع بالوجوب الواقعي بالملازمة فيترتب عليه ما يترتب على القطع بالوجوب الواقعي من التصدق بدرهم في المثال السابق المتقدم (و حاصل ما أجاب) به في الكتاب ان الموضوع المركب من جزءين المترتب عليه أثر خاص إذا أريد تنزيل أحد جزئيه بلحاظ الأثر المترتب على المجموع فلا بدّ من ان يكون الجزء الآخر محرزا اما بالوجدان أو بتنزيل آخر في عرضه و إلّا فيلغو التنزيل و يكون بلا أثر فالماء الكر مثلا المترتب عليه عدم الانفعال إذا قامت الأمارة على أحد جزئيه كالكرية و أريد تنزيله منزلة الواقع فلا بدّ من ان يكون الجزء الآخر و هو المائية محرزا اما بالوجدان أو بتنزيل آخر في عرضه و إلّا فلا ثمرة في التنزيل (و عليه) ففي المقام لو قال مثلا إن قطعت بحياة ولدك فتصدق عنه بدرهم و قامت الأمارة على حياة ولدك و أريد تنزيلها منزلة الواقع فلا بدّ من ان يكون الجزء الآخر و هو القطع بحياة الولد محرزا إما وجدانا أو تنزيلا مع انه ليس بمحرز لا وجدانا و لا تنزيلا أما عدم إحرازه وجدانا فواضح و أما عدم إحرازه تنزيلا فلأن القطع بحياة الولد و ان كان موردا للتنزيل لكنه بعد تنزيل حياة الولد و في طوله فان المفروض ان تنزيله بالملازمة

37

فتنزيل حياة الولد يتوقف على تنزيل القطع بها ليكون الجزء الآخر محرزا و لو تنزيلا و تنزيل القطع بها يتوقف على تنزيل نفس حياة الولد (و هذا هو الدور) الّذي قد أشار إليه في الكتاب بقوله فان دلالته على تنزيل المؤدي يتوقف على تنزيل القطع بالملازمة و لا دلالة له كذلك إلا بعد دلالته على تنزيل المؤدي ... إلخ (و فيه) ان الجواب المذكور بطوله انما يتم إذا لم يكن ما قامت عليه الأمارة و أريد تنزيله حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم شرعي كما في المثال الأخير إن قطعت بحياة ولدك فتصدق عنه بدرهم فإنه لا حكم و لا موضوع ذو حكم و أما إذا كان ما قامت عليه الأمارة و أريد تنزيله حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم شرعي كما لو قال إن قطعت بوجوب صلاة الجمعة أو بوجود الحمر في بيتك فتصدق بدرهم و قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة أو على وجود الخمر في بيتك و أريد تنزيل ما قامت عليه الأمارة منزلة الواقع فلا يلزم هذا المحذور أصلا حيث ينزل المؤدي و هو وجوب صلاة الجمعة أو وجود الخمر في بيتك الّذي قامت عليه الأمارة منزلة الواقع بلحاظ نفسه أو بلحاظ ما له من الأثر الشرعي المترتب عليه و هو حرمة الخمر فينزل بالملازمة القطع بوجوب صلاة الجمعة أو بوجود الخمر في بيتك منزلة القطع بالواقع فيترتب عليه ما رتب على القطع بالواقع من وجوب التصدق بدرهم فتأمل و تدبر جيدا فان المقام دقيق بل هو أدق ما في الكفاية على التحقيق.

قوله في التنزيل منزلة الواقع و القطع ... إلخ‏

(1) أي في تنزيل مؤدي الأمارة أو المستصحب منزلة الواقع و تنزيل القطع بهما منزلة القطع بالواقع.

قوله و انما كان تنزيل القطع فيما له دخل في الموضوع بالملازمة بين تنزيلهما و تنزيل القطع بالواقع تنزيلا و تعبدا منزلة القطع بالواقع حقيقة إلى آخره‏

(2) أي و انما كان تنزيل القطع بالمستصحب أو بالمؤدى فيما كان للقطع دخل في‏

38

الموضوع بالملازمة بين تنزيل نفس المستصحب أو المؤدي و بين تنزيل القطع بهما و هو القطع بالواقع التنزيلي التعبدي منزلة القطع بالواقع الحقيقي.

قوله فانه لا يكاد يصح تنزيل جزء الموضوع أو قيده ... إلخ‏

(1) شروع في الجواب عما ذكره في الحاشية و بيان للتكلف و التعسف الّذي صرح بهما هاهنا و مراده من جزء الموضوع هو المؤدي أو المستصحب و الترديد بين جزء الموضوع و قيده انما هو بلحاظ ان القطع بالمستصحب أو بالمؤدى ان كان جزء الموضوع فالمستصحب أو المؤدي جزئه الآخر و ان كان تمام الموضوع فهو قيده‏

قوله الا فيما كان جزئه الآخر أو ذاته محرزا بالوجدان ... إلخ‏

(2) و المراد من جزئه الآخر هو القطع بالمستصحب أو بالمؤدى و الترديد بين الجزء و الذات بلحاظ ان القطع بالمستصحب أو بالمؤدى قد يكون جزء الموضوع و قد يكون تمام الموضوع و ذاته.

قوله و فيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة كما فيما نحن فيه على ما عرفت لم يكن دليل الأمارة ... إلخ‏

(3) الواو للاستئناف و ليست بعاطفة أي و فيما لم يكن دليل على تنزيل جزئي الموضوع بالمطابقة في عرض واحد كما فيما نحن فيه على ما عرفت من ان تنزيل المستصحب أو المؤدي يكون بالمطابقة و تنزيل الجزء الآخر و هو القطع بهما يكون بالملازمة تبعا لم يكن دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع أي المؤدي أو المستصحب للزوم الدور كما تقدم.

قوله فان الملازمة انما تدعى بين القطع بالموضوع التنزيلي و القطع بالموضوع الحقيقي و بدون تحقق الموضوع التنزيلي التعبدي أولا بدليل الأمارة لا قطع ... إلخ‏

(4) هذه العبارة إلى قوله ثم لا يذهب عليك مذكورة بأنحاء مختلفة في نسخ متعددة و هي لا تخلو عن تعقيد و اضطراب شديد (و على كل حال) هي علة لقوله و لا

39

دلالة له كذلك إلا بعد دلالته على تنزيل المؤدي و الصحيح كان ان يقول هكذا فان الملازمة انما تدعى بين تنزيل القطع بالموضوع التنزيلي و تنزيل نفس الموضوع أي المؤدي و بدون تحقق الموضوع التنزيلي التعبدي أولا بدليل الأمارة لا قطع بالموضوع التنزيلي كي يدعي الملازمة بين تنزيله و تنزيل نفس الموضوع (هذا) و في بعض النسخ المطبوعة أخيرا قد أسقطوا العبارة المذكورة بطولها و ذكروا هكذا فان الملازمة انما تدعى بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي و تنزيل المؤدي منزلة الواقع كما لا يخفى.

قوله ثم لا يذهب عليك ان هذا لو تم لعم ... إلخ‏

(1) أي لو تم ما ذكرناه في الحاشية في وجه تصحيح لحاظ واحد في التنزيل على نحو صح قيام الطرق و الأمارات المعتبرة و بعض الأصول كالاستصحاب بدليل حجيتها و اعتبارها مقام القطع الطريقي و القطع المأخوذ موضوعا لعم ذلك تمام أقسام القطع الموضوعي من غير اختصاص بالمأخوذ موضوعا بما هو كاشف (و فيه) ما عرفته منا من عدم قيام الأمارات فضلا عن الاستصحاب مقام القطع المأخوذ موضوعا بما هو صفة خاصة و لو بدليل آخر فضلا عن قيامها مقامه بمجرد الدليل على حجيتها و اعتبارها فتذكر.

لا يمكن أخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم‏

قوله الأمر الرابع لا يكاد يمكن ان يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم للزوم الدور ... إلخ‏

(2) فلا يمكن ان يؤخذ القطع بوجوب صلاة الجمعة مثلا موضوعا لشخص هذا الحكم‏

40

بأن يقول إذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة فتجب صلاة الجمعة و ذلك لأن القطع بوجوبها يتوقف على وجوبها واقعا و لو في نظر القاطع توقف القطع على المقطوع به و وجوبها واقعا يتوقف على القطع به توقف الحكم على الموضوع إذ المفروض ان القطع به موضوعه و هذا هو الدور المحال.

قوله و لا مثله للزوم اجتماع المثلين ... إلخ‏

(1) فلا يمكن ان يؤخذ القطع بوجوب صلاة الجمعة مثلا موضوعا لوجوب آخر متعلق بصلاة الجمعة للزوم اجتماع المثلين (و فيه) ان اجتماع المثلين في الأحكام التكليفية إذا كان الحكمان من سنخ واحد كوجوبين أو وجوب و استحباب أو تحريمين أو تحريم و كراهة مما لا محذور فيه فيندك بعضهما في بعض و يتأكد بعضهما ببعض فيكون هناك حكم واحد أكيد متعلق بشي‏ء واحد نظير الأوامر التأكيدية المتعلقة بشي‏ء واحد فيندك الثاني في الأول و يتأكد الأول بالثاني.

قوله و لا ضده للزوم اجتماع الضدين ... إلخ‏

(2) فلا يمكن أن يؤخذ القطع بوجوب صلاة الجمعة مثلا موضوعا لحرمتها للزوم اجتماع الضدين (و فيه ما لا يخفى) فإن أخذ القطع بوجوبها موضوعا لحرمتها على نحو تبدل الحكم بحكم آخر مما لا محذور فيه و لعل مراده (قدس سره) هو غير هذا النحو بان يبقى الوجوب على حاله و تضاف إليه الحرمة أيضا.

قوله نعم يصح أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة أخرى منه أو مثله أو ضده ... إلخ‏

(3) قد عرفت في بحث الاجتماع في بعض مقدمات الامتناع تفصيل مراتب الحكم من الاقتضاء و الإنشاء و الفعلية و التنجز (فنقول) لا بأس بأخذ القطع بمرتبة من الحكم موضوعا لمرتبة أخرى منه بان يؤخذ القطع بمرتبة الإنشاء مثلا من وجوب صلاة الجمعة موضوعا لبلوغ تلك المرتبة إلى مرتبة الفعلية كما ان القطع بمرتبة الفعلية موضوع دائما لبلوغها إلى مرتبة التنجز لما عرفت من ان التنجيز هو من آثار القطع‏

41

إذا تعلق بالحكم الفعلي لا الإنشائيّ (كما لا بأس) بأخذ القطع بمرتبة من الحكم موضوعا لمرتبة أخرى من مثله أو ضده كما إذا أخذ القطع بمرتبة الإنشاء من وجوب صلاة الجمعة موضوعا لوجوب آخر فعلي متعلق بصلاة الجمعة أو لحرمة أخرى فعلية متعلقة بها و وجه عدم البأس انه لا تنافي حينئذ بين الحكمين بعد اختلافهما في المرتبة كما لا تنافي بين الحكم الظاهري و الواقعي لاختلافهما كذلك على ما سيأتي تفصيله قريبا فالواقعي فعلي غير منجز بمعنى انه لو تعلق به العلم لتنجز و الظاهري فعلي منجز فانتظر يسيرا.

قوله و اما الظن بالحكم فهو و ان كان كالقطع ... إلخ‏

(1) و حاصله ان الظن بالحكم و ان كان كالقطع بالحكم من حيث عدم جواز أخذه موضوعا لشخص هذا الحكم غايته انه في القطع يلزم الدور القطعي و في الظن يلزم الدور الظني و هو محال كالقطع به بل احتمال الدور محال فضلا عن الظن به إلّا انه لما كان مع الظن مرتبة الحكم الظاهري محفوظة بمعنى ان الجهل لم يرتفع من أصله لبقاء احتمال الخلاف معه كان جعل حكم آخر في مورده مثله أو ضده ممكنا (و السر فيه) انه لا يلزم حينئذ اجتماع الحكمين المتماثلين أو المتضادين مع اتحاد المرتبة بل مع اختلافهما فالمظنون بسبب الجهل به و عدم رفع الستار عنه كما ينبغي يكون فعليا على فرض وجوده غير منجز و الحكم الّذي قد أخذ الظن موضوعا له يكون فعليا منجزا فيكون حالهما حال الحكم الواقعي و الظاهري من حيث كون أحدهما فعليا غير منجز و الآخر فعليا منجزا على ما أشير آنفا (بقي شي‏ء) لم يذكره المصنف و هو أخذ الظن بمرتبة من الحكم موضوعا لمرتبة أخرى منه نظير ما تقدم في القطع عينا و لعل عدم ذكره له لوضوح جوازه فانه لو جاز ذلك في القطع بلا محذور فيه عقلا جاز ذلك في الظن بطريق أولى.

قوله ان قلت ان كان الحكم المتعلق به الظن فعليا أيضا ... إلخ‏

(2) (هذا إشكال) على دعوى جواز أخذ الظن بحكم موضوعا لحكم آخر مثله أو ضده‏

42

نظرا إلى محفوظية مرتبة الحكم الظاهري مع الظن (و حاصله) ان الدعوى تشمل ما إذا كان الظن بحكم فعلي موضوعا لحكم آخر فعلي مثله أو ضده مع انه محال من جهة لزوم الظن باجتماع الضدين أو المثلين و هما الحكمان الفعليان المتضادان أو المتماثلان (و حاصل الجواب) انه لا مانع من أخذ الظن بحكم فعلي موضوعا لحكم آخر فعلي مثله أو ضده فان الفعلي الّذي تعلق به الظن و ان كان على فرض وجوده فعليا بمعنى انه حكم لو تعلق به العلم لتنجز و لكنه غير منجز لعدم تعلق العلم به و الفعلي الّذي قد أخذ الظن موضوعا له فعلي منجز لتحقق موضوعه فلا تنافي بينهما من جهة اختلاف المرتبة لما سيأتي توضيحه في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي إن شاء اللَّه تعالى فانتظر.

قوله و انما يصح أخذه في موضوع حكم آخر كما في القطع ... إلخ‏

(1) أي و انما يصح أخذ الظن في موضوع حكم آخر يخالف متعلقه لا يماثله و لا يضاده كما في القطع على ما تقدم من المصنف في صدر الأمر الثالث فتذكر.

قوله و مع ذلك لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلف برفع جهله إلى آخره‏

(2) إشارة إلى دفع ما قد يتوهم من ان الحكم الّذي تعلق به الظن إذا كان فعليا بحيث لو علم به لتنجز فلم لا يرفع الحاكم عذر المكلف برفع جهله لو أمكن كي يأتي به و يمتثله أو يجعل له الاحتياط فيما أمكن كي يدركه و لا يفوته (و حاصل الدفع) انه لا يجب على الحاكم رفع ذلك الجهل مع ان الحكم فعلي لا نقص فيه سوى انه لم يتعلق به العلم ليتنجز بل يجوز للحاكم جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة و إلى خلافه أخرى و ذلك لحكمة مقتضية للجعل هي أهم من درك الواقع لا محالة.

قوله و لا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضده كما لا يخفى فافهم ... إلخ‏

(3) فان الواقعي المفروض كونه فعليا إذا تعلق به القطع تنجز و مع تنجزه كيف يمكن‏

43

جعل حكم آخر مثله أو ضده في مورده للزوم اجتماع الحكمين المنجزين و هو محال (و فيه) ان اجتماع المنجزين و إن لم يجز عقلا لكن إذا كانا ضدين و اما إذا كانا متماثلين فلا بأس باجتماعهما كما في الواقعي الّذي قام الظاهري على طبقه أي أدته الأمارة فان الواقعي حينئذ منجز بأداء الأمارة إليه و الظاهري المجعول على طبق الأمارة منجز أيضا لتحقق موضوعه و هو قيام الأمارة فكما لا محيص في مثله عن الالتزام باجتماع الحكمين المتماثلين و اندكاك بعضهما في بعض و تأكد بعضهما ببعض كما أشير إليه مجملا و يأتي شرحه مفصلا فكذلك فيما إذا أخذ القطع بحكم فعلي موضوعا لحكم آخر مثله غايته انه يلزم حينئذ اجتماع المنجزين الواقعيين لا أحدهما واقعي و الآخر ظاهري و هذا مما لا يوجب التفاوت في المقام كما لا يخفى و لعله إليه أشار أخيرا بقوله فافهم.

قوله ان قلت كيف يمكن ذلك ... إلخ‏

(1) أي كيف يمكن ان يكون الحكم الواقعي فعليا مع جعل أصل أو أمارة مؤدية إليه تارة و إلى ضده أخرى و هل هو الا مستلزم لاجتماع المثلين أو الضدين.

قوله قلت لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي ... إلخ‏

(2) وجه عدم البأس هو ما أشرنا إليه آنفا من ان الحكم الواقعي فعلي غير منجز و الحكم الآخر الّذي في مورده بمقتضى الأصل أو الأمارة أو بمقتضى دليل قد أخذ في موضوعه الظن بالحكم فعلي منجز فلا تنافي بينهما.

قوله بالخصوص به ... إلخ‏

(3) أي بالخصوص بالظن لما عرفت من عدم تجويز المصنف أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر مثله أو ضده و ان جاز ذلك في خصوص الظن لمحفوظية مرتبة الحكم الظاهري معه.

44

قوله على ما سيأتي من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهري و الواقعي ... إلخ‏

(1) متعلق بقوله لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذلك المعنى أي لو قطع به من باب الاتفاق لتنجز مع حكم آخر فعلي ... إلخ فان الّذي سيأتي في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي هو هذا المعنى أي ان الواقعي فعلي غير منجز و الظاهري المتحقق في مورده بمقتضى الأصل أو الأمارة فعلي منجز.

في الموافقة الالتزامية

قوله الأمر الخامس هل تنجز التكليف بالقطع كما يقتضى موافقته عملا يقتضى موافقته التزاما ... إلخ‏

(2) و الأصل في هذا النزاع أي في وجوب الموافقة الالتزامية علاوة على وجوب الموافقة العملية ما أشار إليه الشيخ أعلى اللَّه مقامه في المخالفة الالتزامية للعلم الإجمالي (قال ما هذا لفظه) و وجوب الالتزام بالحكم الواقعي مع قطع النّظر عن العمل غير ثابت لأن الالتزام بالاحكام الشرعية الفرعية انما يجب مقدمة للعمل و ليست كالأصول الاعتقادية يطلب فيها الالتزام و الاعتقاد من حيث الذات (إلى أن قال) فالحق مع فرض عدم الدليل على وجوب الالتزام بما جاء به الشارع على ما جاء به ان طرح الحكم الواقعي و لو كان معلوما تفصيلا ليس محرما إلا من حيث كونها معصية دل العقل على قبحها و استحقاق العقاب بها فإذا فرض العلم تفصيلا بوجوب شي‏ء فلم يلتزم به المكلف لكنه فعله لا لداع الوجوب لم يكن عليه شي‏ء نعم لو أخذ في ذلك الفعل نية القربة فالإتيان به لا للوجوب مخالفة عملية و معصية لترك المأمور به (انتهى).

45

أقول لا إشكال في ان هذا النزاع غير جار في التعبديات بلا كلام كما يظهر من استدراك الشيخ أعلى اللَّه مقامه بقوله نعم لو أخذ ... إلخ و ذلك لوضوح انه لا يجتمع فيها عدم الالتزام بالوجوب مع الإتيان بها بقصد القربة بل يختص هذا النزاع بالتوصليات فقط (و توهم) ان النزاع في التوصليات من حيث وجوب الالتزام بها و عدمه مساوق للنزاع فيها في اعتبار قصد القربة و عدمه (فاسد جدا) فان وجوب الالتزام بها غير وجوب الإتيان بها متقربا إلى اللَّه تعالى إذ من الممكن ان يلتزم بها و يعقد القلب عليها و لا يؤتي بها بداعي وجوبها و متقربا بها إلى اللَّه تعالى.

(ثم ان الحق) ان وجوب الالتزام بالأحكام الشرعية الإلهية التي جاء بها النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) من الحلال و الحرام مع قطع النّظر عن العمل بها ثابت لازم عقلا و ليس وجوبه مقدميا محضا لأجل العمل بها على نحو لا يكون فرق بين من لم يعمل بالأحكام الشرعية و لم يعتقد بها أصلا و بين من لم يعمل بها و اعتقد بها و خضع لها (بل الظاهر) ان الالتزام بالأحكام الشرعية الإلهية واجب نفسيا من حيث هو كالأصول الاعتقادية عينا على نحو لا يكون المؤمن مؤمنا إذا لم يذعن بأحد الأحكام الإلهية بعد حصول العلم له و اليقين به فضلا عما إذا لم يذعن بجميعها و لم يلتزم بشي‏ء منها و يظهر ذلك كله من الاخبار الكثيرة أيضا المروية في الوافي في كتاب الإيمان و الكفر في أبواب تفسير الإيمان و الإسلام سيما باب حدود الإيمان و الإسلام ففي بعضها قال قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام) أوقفني على حدود الإيمان فقال شهادة أن لا إله إلّا اللَّه و ان محمدا رسول اللَّه و الإقرار بجميع ما جاء به من عند اللَّه (الحديث).

(و بالجملة) ان اللازم في الأمور الاعتقادية هو مجرد الاعتقاد بها و في الأحكام الشرعية مضافا إلى وجوب الاعتقاد بها و لو بنحو الإجمال يجب الإتيان بها خارجا فان كان الواجب توصليا وجب الإتيان به و لو لا بداعي وجوبه و ان‏

46

كان تعبديا وجب الإتيان به بهذا الداعي فتأمل جيدا.

قوله الحق هو الثاني لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان ... إلخ‏

(1) بل الحق هو الأول كما تقدم فان الوجدان يشهد باستحقاق العقوبة بل بالكفر فضلا عن العصيان إذا لم يلتزم المكلف بحكم واحد من الأحكام الإلهية بعد ما حصل له العلم و اليقين به و ان وافقها عملا بدواعي آخر نفسانية نعم لا يشهد بذلك في تكاليف الموالي العرفية و لكن لا تقاس هي بالتكاليف الشرعية الإلهية.

قوله و استقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده الا المثوبة دون العقوبة و لو لم يكن مسلما و ملتزما به ... إلخ‏

(2) (فيه مسامحة واضحة) فان العقل و ان كان يستقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيده الا المثوبة دون العقوبة و لكن ذلك مما لا يجتمع مع عدم التسليم لأمره و عدم الالتزام به و كأن المصنف لا يرى التنافي بين قصد الامتثال و بين عدم التسليم لأمره و عدم الالتزام به و لعله لذلك لم يفرق في عدم وجوب الالتزام بين التوصليات و التعبديات أصلا كما فرق بينهما الشيخ أعلى اللَّه مقامه و كيف كان قد عرفت منا التنافي فلا تغفل.

قوله ثم لا يذهب عليك انه على تقدير لزوم الموافقة الالتزامية إلى آخره‏

(3) (و حاصله) انه على القول بوجوب الموافقة الالتزامية تجب حتى في دوران الأمر بين المحذورين كما إذا دار أمر صلاة الجمعة بين الوجوب و الحرمة على نحو لا تجب فيه الموافقة القطعية عملا و لا تحرم المخالفة القطعية كذلك لامتناعهما عقلا و لو في واقعة واحدة و ان لم تمتنعا في واقعتين كما إذا أتى بصلاة الجمعة في أسبوع و لم يأت بها في أسبوع آخر فتحصل المخالفة القطعية كما تحصل الموافقة القطعية (و السر) في ذلك كله هو التمكن من الموافقة الالتزامية و لو إجمالا مع دوران الأمر

47

بين المحذورين فيلتزم فيه بما هو الثابت في الواقع و في نفس الأمر من الحكم الشرعي الإلهي من دون لزوم التعيين شخصا.

قوله و إن أبيت الا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه ... إلخ‏

(1) (و حاصل كلام المصنف) من أول الأمر الخامس إلى هنا انه لا تجب الموافقة الالتزامية و على تقدير وجوبها تجب حتى في دوران الأمر بين المحذورين للتمكن من الموافقة الالتزامية الإجمالية و إن أبيت إلا عن لزوم الموافقة الالتزامية التفصيلية لم تجب حينئذ فيما دار أمره بين المحذورين و ذلك لعدم التمكن منها كما لا يخفى.

قوله لما كانت موافقته القطعية الالتزامية حينئذ ممكنة ... إلخ‏

(2) أي لما كانت موافقته الالتزامية التفصيلية حينئذ ممكنة.

قوله و لما وجب عليه الالتزام بواحد قطعا ... إلخ‏

(3) إشارة إلى دفع ما قد يتوهم من انه إذا لم تجب الموافقة القطعية الالتزامية أي التفصيلية في دوران الأمر بين المحذورين لعدم التمكن منها وجبت الموافقة الاحتمالية فيلتزم فيه بأحد الحكمين اما الوجوب أو الحرمة تخييرا (فيجيب عنه) المصنف بان ذلك مما لا يجب قطعا لأمرين.

(أحدهما) ان الالتزام بأحد الحكمين تخييرا مما لا يؤمن من الالتزام بضد التكليف و محذور الالتزام بضد التكليف عقلا ليس بأقل من محذور عدم الالتزام بنفس التكليف.

(ثانيهما) ان التكليف على القول باقتضائه الالتزام به مما لا يقتضى إلا الالتزام بنفسه لا به أو بضده تخييرا و هذا واضح.

قوله و من هنا قد انقدح انه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع إلى آخره‏

(4) أي و من مجموع ما تقدم إلى هنا من عدم وجوب الموافقة الالتزامية و على تقدير وجوبها تجب حتى في دوران الأمر بين المحذورين للتمكن من الموافقة الالتزامية

48

الإجمالية و عدم وجوب الموافقة الالتزامية التفصيلية لعدم التمكن منها ... إلخ قد انقدح انه لا يكون من قبل وجوب الالتزام مانع عن إجراء الأصول الحكمية أو الموضوعية فيما دار أمره بين الوجوب و الحرمة ان لم يكن مانع عنه من جهة أخرى و هي العلم الإجمالي (ففي مثل) صلاة الجمعة المرددة بين الوجوب و الحرمة أو المرأة المرددة بين من حرم وطيها بالحلف و من وجب وطيها بالحلف لا مانع عن جريان البراءة عن كل من الوجوب و الحرمة أو جريان كل من أصالة عدم تعلق الحلف بوطيها و أصالة عدم تعلق الحلف بترك وطيها من ناحية وجوب الالتزام فيجمع فيها بين حليتها ظاهرا بمقتضى الأصول العملية و بين الالتزام بما هو الثابت لها واقعا من الحكم الشرعي الإلهي كما لا تنافي في الشبهات البدوية بين البناء على حليتها ظاهرا بمقتضى الأصل العملي و بين الالتزام بما هو الثابت لها في الواقع من الحكم الشرعي المشترك بين الكل من العالم و الجاهل جميعا فافهم جيدا.

قوله كما لا يدفع عنا محذور عدم الالتزام به بل الالتزام بخلافه لو قيل بالمحذور فيه ... إلخ‏

(1) إشارة إلى ضعف ما صنعه الشيخ أعلى اللَّه مقامه في المقام من دفع محذور عدم الالتزام بالحكم الواقعي في دوران الأمر بين المحذورين بوسيلة الأصول العملية الجارية فيه سواء كانت في الشبهة الموضوعية أو الحكمية ففي المرأة المرددة بين من حرم وطيها بالحلف و بين من وجب وطيها بالحلف بوسيلة أصالة عدم تعلق الحلف بوطيها و عدم تعلقه بترك وطيها تخرج المرأة عن موضوع حكمي التحريم و الوجوب رأسا و في صلاة الجمعة المرددة حكمها بين الوجوب و الحرمة بوسيلة أصل البراءة عن كل من الوجوب و الحرمة يرتفع الحكم الشرعي المعلوم بالإجمال من البين فلا يبقى حكم يجب الالتزام به عقلا أو نقلا.

(فيقول المصنف) إن إجراء الأصول الحكمية أو الموضوعية لا يكاد يدفع عنا محذور عدم الالتزام بالحكم الواقعي بل الالتزام بخلافه أي الإباحة لو قلنا

49

بوجود المحذور في عدم الالتزام به عقلا و ذلك لأن جريان الأصل موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام اللازم منه فلو كان عدم المحذور موقوفا على جريان الأصل لزم الدور.

أقول و يرد على الشيخ أعلى اللَّه مقامه.

(أولا) ان الأصول العملية لا تكاد تجري في أطراف العلم الإجمالي لموانع عديدة ستأتي الإشارة إليها إجمالا و يأتي شرحها مفصلا في صدر بحث الاشتغال إن شاء الله تعالى فهي مع تلك الموانع لا تكاد تجري كي تدفع عنا محذور عدم الالتزام بالحكم الواقعي و كأن الشيخ لم يخطر بباله الشريف في المقام مانعا عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي سوى لزوم المخالفة العملية و انها حيث لا تلزم في دوران الأمر بين المحذورين فتجري الأصول و يدفع بها محذور عدم الالتزام بالحكم الواقعي و غفل عما سيأتي منه بنفسه من الاعتراف بمعارضة الأصول في أطراف العلم الإجمالي و قصور أدلتها عن الشمول لأطرافه رأسا.

(و ثانيا) قد عرفت آنفا انه لا تنافي فيما دار امره بين الوجوب و الحرمة بين الالتزام بما هو الثابت له في الواقع من الحكم الشرعي الإلهي و بين البناء على حليته ظاهرا بمقتضى الأصول العملية و عليه فلا نحتاج إلى دفع محذور عدم الالتزام بوسيلة الأصول الجارية في الشبهة الموضوعية أو الحكمية أصلا بل الشيخ أيضا بنفسه قد أشار إلى عدم التنافي بينهما في صدر أصالة التخيير بل صرح به تصريحا فوق الإشارة كما لا يخفى و لعل المصنف قد أخذ الموافقة الالتزامية الإجمالية من كلام الشيخ أعلى اللَّه مقامه هناك (قال في صدر البحث) المذكور ما لفظه و اما دعوى وجوب الالتزام بحكم اللَّه تعالى لعموم دليل وجوب الانقياد للشرع ففيها (إلى ان قال) و ان أريد وجوب الانقياد و التدين بحكم اللَّه تعالى فهو تابع للعلم بالحكم فإن علم تفصيلا وجب التدين به كذلك و إن علم إجمالا وجب التدين بثبوته‏

50

في الواقع و لا ينافي ذلك التدين حينئذ بإباحته ظاهرا (انتهى).

(و ثالثا) لو سلم التنافي بينهما كما هو ظاهر الشيخ في المقام فالحق مع المصنف فلا يكاد يدفع عنا محذور عدم الالتزام بوسيلة الأصول فان جريان الأصول موقوف على عدم لزوم محذور منه فلو توقف عدم لزوم المحذور على جريان الأصول لزم الدور كما أفاد و لعله لذلك رجع الشيخ أخيرا عما أفاده أولا (فقال) ما لفظه و لكن التحقيق انه لو ثبت هذا التكليف أعني وجوب الأخذ بحكم اللَّه و الالتزام مع قطع النّظر عن العمل لم تجر الأصول لكونها موجبة للمخالفة العملية للخطاب التفصيليّ أعني وجوب الالتزام بحكم اللَّه و هو غير جائز حتى في الشبهة الموضوعية (انتهى كلامه رفع مقامه).

قوله اللهم إلا أن يقال ان استقلال العقل بالمحذور فيه انما يكون فيما إذا لم يكن هناك ترخيص في الإقدام ... إلخ‏

(1) هذا رجوع عما أورده على الشيخ أعلى اللَّه مقامه من الدور بقوله المتقدم لأن جريانها موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام ... إلخ (و حاصله) ان الالتزام بالحكم الشرعي الإلهي انما يجب عقلا و يكون عدم الالتزام به محذورا عقلا إذا لم يرخص الشارع بنفسه بمقتضى أدلة الأصول العملية في الاقتحام في أطراف العلم الإجمالي و مع ترخيصه فيه لا محذور في عدم الالتزام اللازم منه بل و لا في الالتزام بضده (و فيه) ان مع الترخيص في الاقتحام في الأطراف و ان لم يكن محذور في عدم الالتزام اللازم منه و لكن الكلام في شمول الترخيص و أدلة الأصول العملية لأطراف العلم الإجمالي فانه يتوقف على ان لا يلزم منه محذور فلو ارتفع المحذور بشموله لها لدار و عليه فرجوع المصنف عن الدور في غير محله.

قوله إلا ان الشأن حينئذ في جواز جريان الأصول في أطراف العلم الإجماليّ ... إلخ‏

(2) فانها مما لا تجري فيها لجهات (منها) ما أشار إليه المصنف بقوله مع عدم ترتب‏