عناية الأصول في شرح كفاية الأصول‏ - ج4

- السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي المزيد...
327 /
1

يشتمل على مباحث البراءة و التخيير و الاشتغال بقلم سماحة حجة الإسلام و المسلمين السّيد مرتضى الحُسيني الفيروزآبادي النجفي مولداً و مسكناً هذه التعليقة هي ستة أجزاء جزءان منها في مباحث الألفاظ و أربعة أجزاء في الأدلة العقلية و هي لا تدع في الكفاية مشكلة إلا و قد حلتها و لا معضلة إلا و أوضحتها بل و تتكفل هي حل مطالب شيخنا الأنصاري أيضا أعلى اللّه مقامه و قد أخذت آراؤه الشريفة في مباحث الألفاظ من التقريرات المعروفة لبعض أجلاء تلامذته و في الأدلة العقلية من كتاب الرسائل و هو بقلمه الشريف (هذا) مضافاً إلى تكفل هذه التعليقة لحل جملة من مطالب الفصول و غيره أيضا حيثما يشير إليه المصنف (قدس سره) و اللّه ولي التوفيق.

مطبعة النجف- النجف الأشرف- تلفون: 62 1385 هجري‏

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه بعدد ما في علمه و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أكرم بريته محمد و عترته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و اللعنة الدائمة على أعدائهم الذين سيصلون سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا (اما بعد) فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا الموسوم بعناية الأصول في شرح كفاية الأصول و أسأل اللّه تعالى أن يوفقني لإتمامه و إتمام ما يتلوه من الجزء الخامس و السادس كما وفقني للأجزاء المتقدمة إنه ولي التوفيق و لا قوة إلّا باللَّه العلي العظيم.

في تعريف الأصول العملية و تنقيح مجاريها

قوله المقصد السابع في الأصول العملية .. إلخ‏

(1) قد أشرنا في صدر المقصد السادس المنعقد لبيان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا إلى الفرق بينها و بين الأصول العملية و ظهر هناك تعريف كل منهما على حده و أن ما له جهة كشف و حكاية عن الواقع هو أمارة سواء كانت معتبرة كخبر العادل أو غير معتبرة كخبر الفاسق و ما ليس له جهة كشف و حكاية عن الواقع بل كان مجرد الوظيفة للجاهل الشاك في وعاء الجهل و الحيرة من دون كشف و لا حكاية كقاعدة الطهارة و قاعدة الحل و قاعدة البراءة و نحوها أو كان له جهة كشف و حكاية و لكن الشارع لم يعتبره من هذه الجهة كما ادعى ذلك في الاستصحاب فهو أصل عملي (و قد أشرنا) إلى فرق آخر أيضا و إلى تعريف ثاني لكل منهما على حدة و هو ان كلا من الأمارات و الأصول العملية و ان كان لدى الحقيقة وظيفة مقررة للجاهل يؤخذ بها في وعاء الجهل و الحيرة و يستند إليها في ظرف الستار على الواقع‏

3

و لكن الأمارات لم يؤخذ الجهل و الشك في لسان دليلها و الأصول العملية قد أخذ ذلك في لسان دليلها كما في قوله كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر أو كل شي‏ء حلال حتى تعرف انه حرام أو الناس في سعة ما لا يعلمون أو لا ينقض اليقين بالشك و لكن ينقضه بيقين آخر إلى غير ذلك من أدلة الأصول الشرعية.

قوله و هي التي ينتهى إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل ... إلخ‏

(1) هذا التعريف مما ينطبق على خصوص الأصول العملية الجارية في الشبهة الحكمية فانها هي التي ينتهي إليها المجتهد بعد الفحص و اليأس عن الدليل الاجتهادي لا على مطلق الأصول العملية و لو كانت جارية في الشبهة الموضوعية (و المقصد الأصلي) من البحث في هذا المقام و ان كان هو خصوص الأصول الجارية في الشبهة الحكمية فانها التي تكون من المسائل الأصولية و يستنبط بها الأحكام الشرعية الكلية و لكن تعريف مطلق الأصول العلمية بما ينطبق على خصوص الجارية في الشبهة الحكمية مما لا وجه له كما لا يخفى.

قوله و المهم منها أربعة فان مثل قاعدة الطهارة فيما اشتبه طهارته بالشبهة الحكمية و ان كان مما ينتهى إليها. إلخ‏

(2) مقصوده من هذه العبارة إلى قوله فافهم هو بيان السر في عدم ذكر الأصوليين في علم الأصول غير الأصول العملية الأربعة من البراءة و التخيير و الاحتياط و الاستصحاب مع ان الأصول العملية الجارية في الشبهة الحكمية التي تكون من المسائل الأصولية مما لا تنحصر بها فان قاعدة الطهارة الجارية لدى الشك في طهارة مثل الأرانب و الثعالب و نحوهما أصل عملي جار في الشبهة الحكمية و تكون من المسائل الأصولية و يستنبط بها حكم شرعي كلي و لم يتعرضوا لها (و قد أفاد) في وجه ذلك أمرين.

(الأول) ان تلك الأصول العملية الأربعة هي محل الخلاف بين الأصحاب‏

4

و يحتاج تنقيح مجاريها إلى إطالة الكلام و مزيد النقض و الإبرام فتعرضوا لها بخلاف مثل قاعدة الطهارة الجارية في الشبهة الحكمية فانها جارية بلا كلام من غير حاجة إلى مزيد النقض و الإبرام فلم يتعرضوا لها.

(الثاني) ان تلك الأصول العملية الأربعة أصول عملية عامة جارية في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى الدّيات و مثل قاعدة الطهارة لا يجري إلّا في باب واحد و هو باب النجاسات (و قد أشار) إلى هذا الأمر الثاني بقوله أخيرا هذا مع جريانها في كل الأبواب و اختصاص تلك القاعدة ببعضها.

قوله فافهم ... إلخ‏

(1) و لعله أشار بذلك إلى ضعف ما أفاده من الأمرين المتقدمين في وجه عدم ذكر الأصوليين غير تلك الأصول العملية الأربعة في علم الأصول (و ان السر) في عدم تعرضهم له كما يظهر من الشيخ أعلى اللّه مقامه هو حصر الأصول العملية الجارية في الشبهة الحكمية بتلك الأصول الأربعة بل صرح ان الحصر بها عقلي (قال) في أول الرسائل (ما لفظه) فاعلم ان المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي فإما ان يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن فإن حصل له الشك فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل و تسمى بالأصول العملية و هي منحصرة في أربعة (انتهى) (و قال) في أوائل البراءة و اعلم ان المقصود بالكلام في هذا المقصد الأصول المتضمنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلي و إن تضمنت حكم الشبهة في الموضوع أيضاً و هي منحصرة في أربعة أصل البراءة و أصل الاحتياط و التخيير و الاستصحاب (إلى ان قال) ثم ان انحصار موارد الاشتباه في الأصول الأربعة عقلي (انتهى).

أقول و الظاهر ان مقصود الشيخ أعلى اللّه مقامه من الحصر حصر الأصول العملية الجارية في الأحكام التكليفية بتلك الأربعة على ما يستفاد من بعض تعبيراته كالتعبير بالشك‏

5

في التكليف أو المكلف به و نحو ذلك و إلّا فلا وجه للحصر بها بناء على جريان قاعدة الطهارة في الشبهة الحكمية و أن الطهارة هي من الأحكام الشرعية الوضعيّة (و منه يظهر) انه لا وجه لقول المصنف فافهم إن كان نظره فيه إلى الحصر و ضعف الأمرين السابقين فتأمل جيدا.

(ثم إن الشيخ) أعلى اللّه مقامه قد أفاد في أول الرسائل بل و أول البراءة أيضاً في وجه حصر الأصول العملية بالأربعة المتقدمة ما محصله أن الشك (ان لوحظ فيه الحالة السابقة) فهو مجري الاستصحاب و إلّا (فإن كان) الشك في أصل التكليف فهو مجري البراءة (و ان كان) في المكلف به بعد العلم الإجمالي بأصل التكليف كالشك في ان الواجب في يوم الجمعة هل هو صلاة الظهر أو صلاة الجمعة فهو مجري الاحتياط (و إن كان) بين الوجوب و الحرمة بحيث لا يمكن الاحتياط فيه أصلا فهو مجري التخيير.

في أصالة البراءة

قوله فصل لو شك في وجوب شي‏ء أو حرمته و لم تنهض عليه حجة جاز شرعا ترك الأصول و فعل الثاني ... إلخ‏

(1) شروع في البحث عن أصالة البراءة أي براءة الذّمّة عن التكليف المشكوك (و قد أشار) بقوله في وجوب شي‏ء أو حرمته إلى كل من الشبهة الوجوبية و التحريمية (و كأن) وجه التخصيص بالشك في وجوب شي‏ء أو حرمته دون استحبابه أو كراهته هو اختصاص التكليف بالوجوب و الحرمة أو اختصاص النزاع الجاري في البراءة و الاحتياط بهما (قال الشيخ) أعلى اللّه مقامه فيما أفاده في أوائل البراءة (ما لفظه) و هذا مبني على اختصاص التكليف بالإلزام أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط به و لو فرض شموله للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب‏

6

و الحرام فلا حاجة إلى تعميم العنوان (انتهى) (كما انه قد أشار) المصنف بقوله جاز شرعا و عقلا ... إلخ إلى كل من البراءة الشرعية و العقلية جميعا فتفطن.

قوله كان عدم نهوض الحجة لأجل فقدان النص أو إجماله و احتماله الكراهة أو الاستحباب أو تعارضه ... إلخ‏

(1) إشارة إلى أقسام كل من الشبهة الوجوبية و التحريمية فإن منشأ الشك في وجوب شي‏ء أو حرمته.

(تارة) يكون فقدان النص.

(و أخرى) يكون إجمال النص.

(و ثالثة) يكون تعارض النصين.

(ثم إن) لكل من الشبهة الوجوبية و التحريمية قسم رابع لم يؤشر إليه المصنف و هو الشبهة الموضوعية فيكون مجموع الأقسام ثمانية (و قد أشار الشيخ) أعلى اللّه مقامه إلى جميعها واحدا بعد واحد (و من هنا) عقد لبحث البراءة ثمان مسائل لكل قسم مسألة خاصة (قال) أعلى اللّه مقامه (ما لفظه) ثم متعلق التكليف المشكوك (إما ان) يكون فعلا كليا متعلقا للحكم الشرعي الكلي كشرب التتن المشكوك في حرمته و الدعاء عند رؤية الهلال المشكوك في وجوبه (و إما ان) يكون فعلا جزئيا متعلقا للحكم الجزئي كشرب هذا المائع المحتمل كونه خمرا و منشأ الشك في القسم الثاني اشتباه الأمور الخارجية و منشؤه في الأول (إما عدم النص) في المسألة كمسألة شرب التتن (و إما ان) يكون إجمال النص كدوران الأمر في قوله تعالى حتى يطهرن بالتشديد و التخفيف مثلا (و إما يكون) تعارض النصين و منه الآية بناء على تواتر القراءات (إلى ان قال) فالمطلب الأول فيما دار الأمر فيه بين الحرمة و غير الوجوب يعني به الشبهة التحريمية (قال) و قد عرفت ان متعلق الشك (تارة) الواقعة الكلية كشرب التتن و منشأ الشك فيه عدم النص أو إجماله أو تعارضه (و أخرى) الواقعة الجزئية فهنا أربع مسائل (انتهى) ثم شرع‏

7

أعلى اللّه مقامه في بيانها إلى ان ذكر للشبهة الوجوبية أيضا أربع مسائل.

(و اما المصنف) فلم يعقد للبراءة سوى مسألة واحدة جمع فيها بين الشبهة الوجوبية و التحريمية جميعا مع الإشارة الإجمالية إلى أقسامهما و لم يؤشر إلى الشبهة الموضوعية أصلا (و قد أفاد) في وجه ذلك في تعليقته على الكتاب (ما هذا لفظه) لا يخفى إن جمع الوجوب و الحرمة في فصل و عدم عقد فصل لكل منهما على حده و كذا جمع فقد النص و إجماله في عنوان عدم الحجة انما هو لأجل عدم الحاجة إلى ذلك بعد الاتحاد فيما هو الملاك و ما هو العمدة من الدليل على المهم و اختصاص بعض شقوق المسألة بدليل أو بقول لا يوجب تخصيصه بعنوان على حدة و اما ما تعارض فيه النصان فهو خارج عن موارد الأصول العملية المقررة للشاك على التحقيق فيه من الترجيح أو التخيير كما انه داخل فيما لا حجة فيه بناء على سقوط النصين عن الحجية و اما الشبهة الموضوعية فلا مساس لها بالمسائل الأصولية بل فقهية فلا وجه لبيان حكمها في الأصول الا استطرادا فلا تغفل (انتهى).

أقول كان حق المقام أن ينعقد للبراءة أربع مسائل لا ثمان و لا واحدة (مسألة) للشبهة التحريمية الحكمية (و مسألة) للشبهة التحريمية الموضوعية (و مسألة) للشبهة الوجوبية الحكمية (و مسألة) للشبهة الوجوبية الموضوعية فإن كلا من التحريمية الموضوعية و الوجوبية الموضوعية و ان كان مما لا مساس له بالمسائل الأصولية لعدم استنباط حكم شرعي كلي به بل من القواعد الفقهية التي يستنبط بها حكم شرعي جزئي و لذا صح إعطائها بيد العامي كلي يعمل بها في مواردها فيبني على طهارة ثوبه مثلا إذا شك في طهارته و نجاسته و لم تكن له حالة سابقة معلومة أو على بقاء وضوئه مثلا إذا تيقن به و شك في الحدث و انتقاضه به و هكذا و لكن لا بأس بذكره في الأصول استطرادا بعد اشتداد الحاجة إليه و مزيد الاهتمام به (و اما إفراز التحريمية) الحكمية عن الوجوبية الحكمية فلاختصاص الأولى بمخالفة معظم‏

8

الأخباريين حيث ذهبوا فيها إلى الاحتياط على خلاف ما ذهب إليه الأصوليون من إجراء البراءة فيها (هذا كله) من غير حاجة إلى التعرض لمنشإ الشك في الشبهة الحكمية من فقدان النص أو إجماله أو تعارضه سيما الأخير منها فان المتعارضين على ما ستعرف مما لا نقول فيهما بمقتضى القاعدة الأولية من التساقط كي يجوز الرجوع في موردهما إلى الأصل العملي بل لا بد فيهما من العمل بأحدهما لا محالة إما تخييرا أو تعيينا بدليل الإجماع و الاخبار العلاجية كما ستأتي (و لو بني) على التعرض لمنشإ الشك في الشبهة الحكمية فالتعرض لأقسام إجمال النص من إجمال الحكم أو المتعلق أو الموضوع كان أولى من التعرض لتعارض النص و كانت الشبهات حينئذ تبلغ اثني عشر قسما مع فقد النص و تعارض النصين و الشبهة الموضوعية في كل من التحريمية و الوجوبية.

(و بالجملة إن) الحق في تعريف الشبهات البدوية الجارية فيها البراءة ان يقال هكذا إن التكليف المشكوك (إن كان حرمة) فالشبهة تحريمية (و ان كان وجوبا) فالشبهة وجوبية ثم إن منشأ الشك (إن كان) فقدان النص أو إجمال النص (إما من حيث الحكم) كما إذا ورد نهي مردد بين الحرمة و الكراهة (أو من حيث موضوع الحكم) كما إذا ورد نهي عن الغناء و لم يعلم مفهومه و تردد بين الصوت مع الترجيع و الطرب أو مطلق الصوت مع الترجيح و لو بلا طرب (أو من حيث موضوع الحكم) كما إذا ورد نهي عن إكرام الفاسق و لم يعرف مفهوم الفاسق و انه هل هو مرتكب الكبيرة فقط أو هو و المصر على الصغيرة (فالشبهة حكمية) (و ان كان) منشأ الشك هو اشتباه حال الموضوع كما إذا شك في حرمة مائع خارجي للشك في كونه خمرا أو في حرمة كلي النبيذ للشك في كونه مسكرا مع العلم بحرمة المسكر و بمفهومه جميعا (فالشبهة موضوعية) (و من هنا يعرف) انه ليس ملاك الشبهة الموضوعية هو كون الحكم المشكوك فيه جزئيا خاصا بل قد يكون كليا عاما و مع ذلك تكون الشبهة موضوعية كما انه قد يكون‏

9

الحكم المشكوك فيه جزئيا و لا تكون الشبهة موضوعية كالشك في حرمة الفقاع الخارجي للشك في حرمة أصل الفقاع شرعا فتدبر جيدا.

قوله فيما لم يثبت بينهما ترجيح بناء على التوقف في مسألة تعارض النصين فيما لم يكن ترجيح في البين و اما بناء على التخيير كما هو المشهور فلا مجال لأصالة البراءة ... إلخ‏

(1) لا وجه لتقييد التعارض بما لم يثبت بين المتعارضين ترجيح (إذ بناء) على التوقف أي التساقط و الرجوع إلى الأصول العملية تصل النوبة إلى البراءة مطلقا سواء كان المتعارضان متكافئين أو متفاضلين (كما أن) بناء على عدم التساقط و الأخذ باخبار التخيير أو الترجيح لا تكاد تصل النوبة إلى البراءة مطلقا أيضا سواء كان المتعارضان متكافئين أو متفاضلين (و توضيحه) ان مقتضي القاعدة الأولية في المتعارضين سواء كانا متكافئين أو متفاضلين بناء على الطريقية هو التساقط و الرجوع إلى الأصل العملي و لكن لا يكاد يصار إلى ذلك بل لا بد من العمل فيهما بأحد المتعارضين لا محالة و ذلك لدليل الإجماع و الاخبار العلاجية كما صرح به الشيخ أعلى اللّه مقامه و أشير إليه آنفا و المشهور في المتكافئين هو التخيير و في المتفاضلين هو الترجيح و ان كان الحق كما ستعرف هو التخيير في كليهما جميعا (و على كل حال) قد اتضح لك من هذا كله ان الحق كان ان يقول المصنف أو تعارضه بناء على التوقف في مسألة تعارض النصين أي بناء على الأخذ بالقاعدة الأولية من التساقط و اما بناء على التخيير أو الترجيح فلا مجال لأصل البراءة أصلا (كما ان من هذا كله) قد اتضح لك أيضا ان الحق كان ان لا يؤشر الشيخ هنا إلى تعارض النصين أبدا بعد تسالم الجميع على رفع اليد عن مقتضي القاعدة الأولية من التساقط و على عدم الرجوع إلى الأصل العملي أصلا و انه يجب العمل بأحد المتعارضين لا محالة إما تعييناً أو تخييرا فتأمل جيدا.

10

في الآيات التي استدل بها لأصالة البراءة و ذكر آية التعذيب‏

قوله و قد استدل على ذلك بالأدلة الأربعة أما الكتاب فبآيات أظهرها قوله تعالى و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ... إلخ‏

(1) هي في سورة الأسرى (و قد أفاد الشيخ) أعلى اللَّه مقامه في تقريب التمسك بها (ما حاصله) ان بعث الرسول (إما كناية) عن بيان التكليف و وضوحه و انجلائه للمكلف و لو كان بالعقل و انما كني عنه ببعث الرسول بلحاظ كون البيان بسببه غالباً كما يكنى عن دخول الوقت بأذان المؤذن في مثل قولك لا أبرح من هذا المكان حتى يؤذن المؤذن بلحاظ كون معرفته في الأغلب بأذان المؤذن (و إما عبارة) عن البيان النقلي الّذي يأتي به الرسول و نخصص عموم الآية بغير المستقلات العقلية فإن ما استقل به العقل يستحق العذاب عليه و لو لم يبعث الرسول و لم يبين أو يلتزم في المستقلات العقلية بعدم استحقاق العذاب حتى يبعث الرسول و يبين نظرا إلى وجوب تأكيد حكم العقل بالنقل فتبقى عموم الآية محفوظاً سالماً على حاله و على أي تقدير تدل الآية الشريفة على نفي العذاب قبل البيان.

قوله و فيه ان نفى التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسل لعله كان منة منه تعالى على عباده مع استحقاقهم لذلك .. إلخ‏

(2) (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه في رد المتمسك بالآية الشريفة للبراءة (ما لفظه) و فيه ان ظاهره الإخبار بوقوع التعذيب سابقاً بعد البعث فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة (انتهى) (و محصله) ان اللَّه تعالى قد أخبر انه لم يعذب الأمم السابقة بالعذاب الدنيوي، ما لم يبعث فيهم رسولا و ليس فيها دلالة على انه‏

11

تعالى لم يفعل ذلك لعدم استحقاقهم له كي يكون دليلا على البراءة و على نفي العقاب مطلقا أي الدنيوي و الأخروي جميعا قبل البيان بل لعله لم يفعل ذلك منة منه تعالى عليهم و لا يمن على غيرهم و دعوى ان نفي التعذيب كان لعدم الاستحقاق بلا كلام لوضوح استقلال العقل بذلك هي عدول عن التمسك بالآية الشريفة إلى غيرها و نحن لا ننكر استقلال العقل به و هو دليل مستقل كما سيأتي تفصيله إن شاء اللَّه تعالى فانتظر.

قوله و لو سلم اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق و الفعلية لما صح الاستدلال بها إلا جدلا ... إلخ‏

(1) (و توضيح المقام) ان الآية الشريفة قد استدل بها الأخباريون لنفي الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع بدعوى ان ما حكم به العقل قبل بعث الرسول مثل وجوب قضاء الدين و رد الوديعة و حرمة الظلم و نحو ذلك لو كان الشرع يحكم به أيضاً لكان عذاب قبل بعث الرسول فحيث لا عذاب قبل البعث فلا حكم للشرع قبله فيثبت التفكيك بين حكم العقل و حكم الشرع في الخارج (و قد رد الأصوليون) على الاستدلال المذكور بان الآية ليست لنفي استحقاق العذاب قبل البعث كي يستكشف به عدم حكم الشرع قبله بل لنفي فعلية التعذيب و هو أعم من نفي الاستحقاق و لعلهم كانوا مستحقين له فلم يعذبهم تعالى منة منه عليهم فإذا كانوا مستحقين له كفى ذلك في ثبوت حكم الشرع على طبق ما حكم به العقل من قبل بعث الرسول فلا يثبت التفكيك (و قد جمع) بعض الأصحاب بين التمسك بالآية للبراءة و بين الرد على الاستدلال المذكور فأورد عليه بالتناقض فإن التمسك بها للبراءة مما يبتني على نفي الاستحقاق و الرد على الاستدلال المذكور مما يبتني على نفي الفعلية فان كانت الآية لنفي الاستحقاق صح التمسك بها للبراءة و لم يصح الرد على الاستدلال المذكور و ان كانت لنفي الفعلية صح الرد على الاستدلال المذكور و لم يصح التمسك بها للبراءة (و الشيخ) أعلى اللَّه مقامه مع انه ممن لا يرى التمسك بها للبراءة كما عرفت‏

12

قد حاول دفع التناقض بين التمسك بها للبراءة و بين الرد على الاستدلال المذكور بأن الآية لنفي الفعلية و به يتم الرد على الاستدلال المذكور و نفي الفعلية مما يكفي للتمسك بها للبراءة نظراً إلى ان خصمنا في هذا المقام و هو الاخباري القائل بوجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية الحكمية ممن يدعي ان فيها الهلاك الفعلي بمقتضى روايات الاحتياط كرواية التثليث و غيرها مما سيأتي تفصيله و يعترف بأنه إذا انتفت الفعلية بالآية فلا مقتضى للاستحقاق أصلا (و عليه) فإذا انتفت الفعلية بالآية و اعترف الخصم بعد نفي الفعلية بعدم المقتضي للاستحقاق حصل الالتئام بين الرد على الاستدلال المذكور و بين التمسك بها للبراءة من دون تناقض بينهما أبداً (فالمصنف) ممن يناقش في دفع التناقض المذكور و تصحيح التمسك بها للبراءة بمجرد نفي الفعلية (و وجه المناقشة) انه لو سلم اعتراف الخصم بأنه مهما انتفت الفعلية فلا استحقاق لم يصح الاستدلال بها للبراءة الا جدلا و إلزاماً للخصم لا إقناعاً على نحو صح أن يقنع به المستدل بنفسه بعد وضوح عدم الملازمة واقعاً بين نفي الفعلية و عدم الاستحقاق لجواز نفي الفعلية و ثبوت الاستحقاق عقلا كما لا يخفى‏

قوله مع وضوح منعه ضرورة ان ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عنده بأعظم مما علم بحكمه و ليس حال الوعيد بالعذاب فيه الا كالوعيد به فيه فافهم ... إلخ‏

(1) أي مع وضوح منع اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق و الفعلية فان مشتبه الحرام الّذي يحتاط فيها ليس عنده بأعظم من المحرم القطعي إذ المحرم القطعي لا ملازمة فيه بين الاستحقاق و الفعلية لإمكان المغفرة و شمول الرحمة فكيف بمشتبه الحرمة (و فيه) ان الشيخ أعلى اللَّه مقامه لم يدع اعتراف الخصم بالملازمة بين الاستحقاق و الفعلية كي يجاب عنه بهذا الجواب بل ادعى اعتراف الخصم بالملازمة بين نفي الفعلية و نفي الاستحقاق و هي و إن لم تكن صحيحة في حد ذاتها لما عرفت من عدم الملازمة بين نفيهما لجواز نفي الفعلية و ثبوت الاستحقاق واقعاً و لكنه غير

13

الملازمة بين وجود الاستحقاق و الفعلية و لعله إليه أشار أخيرا بقوله فافهم (فافهم جيداً)-

في الاستدلال بآية الإيتاء

(ثم إن في المقام) آيات أخرى قد استدل بها للبراءة.

(منها) قوله تعالى في سورة الطلاق:

(لا يكلف اللَّه نفسا الا ما آتاها سيجعل اللَّه بعد عسر يسراً) (قال الشيخ) قيل دلالتها واضحة (انتهى).

أقول و في الاستدلال بها ما لا يخفى فإن المراد من الموصول (إما هو المال) بقرينة قوله تعالى قبل ذلك لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه فالمعنى هكذا أي لا يكلف اللَّه نفساً الا ما لا آتاها أي أعطاها و هذا المعنى هو أجنبي عن البراءة كما لا يخفى.

(و إما هو الفعل) بقرينة وقوع التكليف عليه أي لا يكلف اللَّه نفساً الا فعلا آتاها أي أقدرها عليه و مكنها منه و هو الّذي يظهر من الطبرسي أعلى اللَّه مقامه حيث قال و في هذا دلالة على انه سبحانه لا يكلف أحداً ما لا يقدر عليه و ما لا يطيقه (و قال الشيخ) و هذا المعنى أظهر و أشمل لأن الإنفاق من الميسور داخل فيما آتاه اللَّه.

أقول اما كونه أشمل فنعم و اما كونه أظهر فلا بل الأول أظهر بقرينة ما قبله (و على كل حال) هو أجنبي أيضاً عن البراءة بلا كلام.

(و إما هو التكليف) بمناسبة قوله تعالى لا يكلف اللَّه أي لا يكلف اللَّه نفساً

14

الا تكليفاً آتاها أي أعلمها و هذا هو الّذي يناسب البراءة و لكنه مما ينافي المورد و هو الإنفاق مما آتاه اللَّه فلا يتم الاستدلال به (قال الشيخ) نعم لو أريد من الموصول نفس الحكم و التكليف كان إيتاؤه عبارة عن الإعلام به لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الآية و إرادة الأعم منه و من المورد يستلزم استعمال الموصول في معنيين إذ لا جامع بين تعلق التكليف بنفس الحكم و بالفعل المحكوم عليه فافهم (انتهى) أقول و لعل قوله فافهم إشارة إلى ان الموصول إذا أبقيناه على عمومه الحقيقي و لم يكن المراد منه خصوص المال أو الفعل أو التكليف يشمل كلا من هذه الأمور الثلاثة جميعاً من دون استعمال له في معنيين أو معاني غايته انه إيتاء كل شي‏ء بحسبه فإيتاء المال إعطاؤه و إيتاء الفعل الإقدار عليه و إيتاء التكليف إعلامه.

في الاستدلال بآية الإضلال‏

(و منها) قوله تعالى في سورة التوبة:

(و ما كان اللَّه ليضل قوماً بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون) (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه أي ما يجتنبون به من الأفعال و التروك (قال) و ظاهرها انه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الإسلام الا بعد ما يبين لهم (ثم قال) و عن الكافي و تفسير العياشي و كتاب التوحيد حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه (انتهى) (و قال الطبرسي) في نزولها (ما لفظه) قيل مات قوم من المسلمين على الإسلام قبل أن ينزل الفرائض فقال المسلمون يا رسول اللَّه إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم فنزل و ما كان اللَّه ليضل قوماً الآية عن الحسن و قال في معناها أي و ما كان اللَّه ليحكم بضلالة قوم بعد ما حكم بهدايتهم حتى يبين لهم ما يتقون من الأمر بالطاعة و النهي عن المعصية فلا يتقون فعند ذلك يحكم بضلالتهم‏

15

(ثم قال) و قيل و ما كان اللَّه ليعذب قوماً فيضلهم عن الثواب و الكرامة و طريق الجنة بعد إذ هديهم و دعاهم إلى الإيمان حتى يبين لهم ما يستحقون به الثواب و العقاب من الطاعة و المعصية (ثم قال) و قيل لما نسخ بعض الشرائع و قد غاب أناس و هم يعملون بالأمر الأول إذ لم يعلموا بالأمر الثاني مثل تحويل القبلة و غير ذلك و قد مات الأولون على الحكم الأول سأل النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) عن ذلك فأنزل اللَّه الآية و بين انه لا يعذب هؤلاء على التوجه إلى القبلة الأولى حتى يسمعوا بالنسخ و لا يعملوا بالناسخ فحينئذ يعذبهم عن الكلي (انتهى).

أقول سواء كان الإضلال بمعنى الخذلان أو بمعنى الحكم بالضلالة أو بمعنى التعذيب قد دلت الآية الشريفة على نفيه قبل البيان من غير اختصاص بقوم دون قوم فتكون هي دليلا قاطعاً على البراءة و لو في خصوص الشبهات الحكمية التي من شأنه تعالى البيان فيها (و من هنا يظهر) ضعف ما أورده الشيخ على الاستدلال بها (بقوله) و فيه ما تقدم في الآية السابقة (انتهى) فإن الآية السابقة قد أخبر فيها سبحانه و تعالى بنفي تعذيب الأمم السالفة ما لم يبعث فيهم رسولا و ليس فيها دلالة على انه يعامل الجميع هذه المعاملة و لعلها كانت مختصة بهم بخلاف هذه الآية فانها تدل على نفي الإضلال قبل البيان مطلقاً من غير اختصاص بقوم دون قوم و ان كان سبب النزول أناساً مخصوصين.

(نعم ليس فيها) دلالة على ان نفي الإضلال قبل البيان هل هو لنفي الاستحقاق أو للتفضل و لكن لا يضر ذلك بالمقصود بلا كلام فإن مجرد نفي الإضلال قبل البيان مما يكفي للمقام و ان كان للتفضل و لم يكن لعدم الاستحقاق (اللهم) إلّا أن يقال إن الآية مما تدل على نفي الإضلال قبل البيان و نحن في الشبهات الحكمية نحتمل البيان و اختفاءه علينا فإذاً يكون التمسك بها تمسكاً بالدليل في الشبهات المصداقية (و لكن يرده) ان المراد من البيان فيها ليس هو مطلق البيان و لو لم‏

16

يصل أصلا فإن المراد منه لو لم يكن هو البيان الواصل بنفسه بشهادة ما تقدم في نزولها من انه لما نسخ بعض الشرائع إلى قوله حتى يسمعوا بالنسخ فلا أقل هو البيان الّذي يمكن الوصول إليه و لو بالفحص عنه فإذا تفحصنا في الشبهات و لم نظفر على بيان من الشرع حتى يئسنا فقد أحرزنا انه لا بيان في البين يمكن الوصول إليه أصلا و قطعنا انه لا إضلال حينئذ أبداً.

في الاستدلال بآية الهلاك‏

(و منها) قوله تعالى في سورة الأنفال:

(ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة) (و أول الآية هكذا):

(إذ أنتم بالعدوة الدنيا و هم بالعدوة القصوى و الركب أسفل منكم و لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد و لكن ليقضي اللَّه امراً كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة) (قال في الفصول) في تقريب الاستدلال بها (ما لفظه) فإن قضية تخصيص الهلاك و الحياة بصورة وجود البينة نفيهما عند انتفائهما و قضية ذلك نفي الوجوب و الحرمة و أخويهما حينئذ على إشكال في دلالته على نفي الكراهة (انتهى).

(و قال الشيخ) بعد ذكر الآية (ما لفظه) و في دلالتها تأمل ظاهر (انتهى) أقول و لعل وجه التأمل ان المراد من الهلاك في الآية ليس هو العذاب كي تكون من أدلة البراءة كما زعم الفصول بل هو الموت أي ليموت من مات عن بينة و يعيش من عاش عن بينة فتكون الآية أجنبية عن المقام جداً.

(قال الطبرسي) أعلى اللَّه مقامه في تفسير الآية (ما ملخصه) ثم بين سبحانه‏

17

و تعالى نصرته للمسلمين ببدر فقال سبحانه (إذ أنتم) أيها المسلمون (بالعدوة الدنيا) أي بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة (و هم) يعني المشركين (بالعدوة القصوى) أي بالشفير الأقصى من المدينة (و الركب) يعني أبا سفيان و أصحابه (و هم) العير (أسفل منكم) أي في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر (و لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) أي لو تواعدتم أيها المسلمون للاجتماع في الموضع الّذي اجتمعتم فيه لاختلفتم بما يعرض من العوائق و القواطع (و لكن ليقضي اللَّه امراً كان مفعولا) أي و لكن قدر اللَّه التقاءكم و جمع بينكم و بينهم على غير ميعاد منكم ليقضي اللَّه أمراً كان كائناً لا محالة و هو إعزاز الدين و أهله و إذلال الشرك و أهله (ليهلك من هلك عن بينة و يحيا من حي عن بينة) أي فعل ذلك ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليه (قال) و قيل إن البينة ما وعد اللَّه من النصر للمؤمنين على الكافرين صار ذلك حجة على الناس في صدق النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) فيما أتاهم به من عند اللَّه (انتهى).

في الاستدلال بآية المحرمات‏

(و منها) قوله تعالى في سورة الأنعام مخاطباً لنبيه (صلى اللَّه عليه و آله) ملقناً إياه طريق الرد على اليهود حيث حرموا بعض ما رزقهم اللَّه افتراء عليه على ما ذكر الشيخ أعلى اللَّه مقامه (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه إلّا ان يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) (الآية) فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرموه في جملة المحرمات التي أوحى اللَّه إليه.

أقول و في الاستدلال بها ما لا يخفى فإن عدم وجدان النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) فيما

18

أوحى اللَّه إليه محرماً غير ما ذكر من الميتة و أختيها دليل قطعي على عدم الوجود واقعاً و هو خارج عما نحن بصدده من أن الأصل عند الشك مع احتمال الوجود ثبوتاً هو البناء على العدم ما لم يقم عليه دليل إثباتاً.

(نعم عدوله) تعالى عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان مما لا يخلو عن إشعار بالمطلب و لكنه ليس بحد الدلالة عليه كما أفاد الشيخ أيضاً (قال) لكن الإنصاف ان غاية الأمر ان يكون في العدول عن التعبير من عدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب و اما الدلالة فلا (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

في الاستدلال بآية التفصيل‏

(و منها) قوله تعالى في سورة الأنعام أيضاً.

(و ما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم اللَّه عليه و قد فصل لكم ما حرم عليكم) أقول و يظهر الجواب عن الاستدلال بها مما تقدم في الآية السابقة فإن خلو ما فصل اللَّه لنا من المحرمات عن ذكر ما سواه هو دليل قطعي على حلية ما سواه واقعاً لا على حليته ظاهراً مع احتمال حرمته واقعاً كما هو المطلوب.

(ثم إن الشيخ) أعلى اللَّه مقامه قد أورد إيراداً عاماً على الاستدلال بهذه الآيات الشريفة كلها بل و على بعض الأخبار الآتية أيضاً لا بأس بالإشارة إليه (قال) في ذيل الآية الرابعة و هي قوله تعالى ليهلك من هلك عن بينة ... إلخ (ما لفظه) و يرد على الكل ان غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلف لو فرض وجوده واقعاً فلا ينافي ورود الدليل العام على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم و معلوم ان القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول‏

19

به الا عن دليل علمي و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه كما لا يخفى (انتهى) و يعني بقوله من قبيل الأصل بالنسبة إليه ان دليل الاحتياط حاكم أو وارد على الآيات لانتفاء موضوعها به فإن موضوعها اللابيان و هو ينتفي بمجي‏ء البيان على وجوب الاحتياط كحكومة الدليل الاجتهادي أو وروده على الأصل العملي عيناً نظراً إلى انتفاء موضوعه به و هو الشك (و قال) أيضاً في ذيل الآية الأخيرة (ما لفظه) و الإنصاف ما ذكرناه من ان الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط لأن غاية مدلول الدال منها هو عدم التكليف فيما لم يعلم خصوصاً أو عموماً بالعقل أو النقل و هذا مما لا نزاع فيه لأحد و انما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه فاللازم على منكره رد ذلك الدليل أو معارضته بما يدل على الرخصة و عدم وجوب الاحتياط فيما لا نصّ فيه و اما الآيات المذكورة فهي كبعض الاخبار الآتية لا تنهض لذلك ضرورة انه إذا فرض انه ورد بطريق معتبر في نفسه انه يجب الاحتياط في كل ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة لم يعارضه شي‏ء من الآيات المذكورة (انتهى).

أقول نعم إن الآيات المذكورة على تقدير دلالتها كلا أو بعضاً هي كبعض الاخبار الآتية بل كلها إلا مرسلة الفقيه (كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي) مما لا تعارض دليل الاحتياط لو تم فإنه لو لم يكن حاكماً أو وارداً عليهما فهو لا محالة أخص منهما بمعنى اختصاصه بالشبهة التحريمية الحكمية دون الآيات و بعض الروايات فيشملان عموم الشبهات (و عليه) فاللازم على مدعي البراءة رد ذلك الدليل أو معارضته بما دل على الرخصة كالمرسلة (و لكن) مجرد رده مما لا يكفي فإما بعد رد ذلك الدليل و دفع المانع نحتاج قطعاً إلى أدلة نستند إليها في الحكم بالبراءة مطلقاً فنحن‏

20

الآن بصدد تلك الأدلة فنقررها واحداً بعد واحد ثم نجيب بعداً عن دليل الاحتياط كما هو حقه.

(و بالجملة إن) الآيات المذكورة و هكذا الأخبار الآتية لو تمت دلالتها على البراءة فهي سالمة من ناحية هذا الإشكال العام الّذي أورده الشيخ أعلى اللَّه مقامه فانه مما لا يضر بهما قطعاً غير انك قد عرفت عدم دلالة الآيات على البراءة سوى الآية الثالثة و هي قوله تعالى (و ما كان اللَّه ليضل قوماً بعد إذ هديهم حتى يبين لهم ما يتقون) كما انك ستعرف عدم دلالة بعض الاخبار الآتية أيضاً و ان دل بعضها الآخر عليها بل و أكثرها كحديث الرفع و حديث الحجب و حديث السعة و نحوها و هو ما يكفي للمدعي كما لا يخفى.

في الروايات التي استدل بها لأصالة البراءة و ذكر حديث الرفع‏

قوله و اما السنة فروايات منها حديث الرفع حيث عدما لا يعلمون من التسعة المرفوعة فيه ... إلخ‏

(1) (قال) المحقق القمي في أثناء ذكر ما دل من السنة على البراءة (ما هذا لفظه) و ما رواه الصدوق في التوحيد في الصحيح عن حريز عن الصادق عليه الصلاة و السلام قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) رفع عن أمتي تسعة الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما لا يعلمون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة (قال) و رواه في أوائل الفقيه أيضاً (انتهى) (و زاد الشيخ أعلى اللَّه مقامه) روايته في الخصال (قال) و اما السنة فيذكر منها في المقام اخبار كثيرة منها المروي عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله)

21

و سلم بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه (قال) الخبر و لم يذكر تمامه غير انه (قال) أخيراً إن النبوي المذكور مشتمل على ذكر الطيرة و الحسد و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطبق الإنسان بشفة.

أقول و وجدت الحديث الشريف في الوافي في كتاب الإيمان و الكفر في باب ما لا يؤخذ عليه و قد نقله عن الفقيه (و لفظه) قال النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) وضع عن أمتي تسعة أشياء السهو و الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و الطيرة و الحسد و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة (و نقله) أيضاً في الباب المذكور عن الكافي عن الحسين بن محمد عن محمد بن أحمد النهدي رفعه عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) وضع عن أمتي تسع خصال الخطأ و النسيان و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و ما استكرهوا عليه و الطيرة و الوسوسة في التفكر في الخلق و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد.

قوله فالإلزام المجهول مما لا يعلمون فهو مرفوع فعلا و إن كان ثابتاً واقعاً فلا مؤاخذة عليه قطعاً ... إلخ‏

(1) (قال الشيخ) في تقريب الاستدلال بالحديث الشريف (ما لفظه) فإن حرمة شرب التتن مثلا مما لا يعلمون فهي مرفوعة عنهم و معنى رفعها كرفع الخطاء و النسيان رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة ... إلخ و هو إشارة إلى الخلاف الآتي من ان المرفوع هل هو خصوص المؤاخذة أو الأثر الظاهر في كل من الأمور التسعة أو جميع الآثار على ما ستعرف شرحه (و حاصل تقريب المصنف) أن الإلزام المجهول سواء كان في الشبهة الحكمية كحرمة شرب التتن أو الموضوعية كحرمة المائع الخارجي المشكوك كونه خمراً مما لا يعلمون فهو مرفوع أي ظاهراً و هو

22

المقصود من قوله فعلا بقرينة قوله و ان كان ثابتاً واقعاً ... إلخ (و لعل) الفرق بين التقريبين ان المرفوع في نظر الشيخ هو المؤاخذة أو الأثر الظاهر أو جميع الآثار فيقدر أحد هذه الأمور في الحديث الشريف لا محالة و في نظر المصنف نفس الحكم المجهول يكون مرفوعاً و لو ظاهراً لا واقعاً برفع تنجزه بلا حاجة إلى التقدير أصلا.

(ثم) إن الموصول في قوله (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) و ما لا يعلمون فيه احتمالات ثلاثة.

(الأول) أن يكون المراد منه بقرينة الأخوات و ساير الفقرات خصوص فعل المكلف الغير المعلوم كالفعل الّذي لا يعلم انه شرب الخمر (و على هذا الاحتمال) يختص الحديث الشريف بالشبهات الموضوعية فقط و لا يكاد ننتفع به في الشبهات الحكمية أصلا.

(الثاني) أن يكون المراد منه خصوص الحكم المجهول سواء كان في الشبهات الحكمية أو الموضوعية و هو الظاهر من المصنف سيما بقرينة ما سيأتي منه من قوله ثم لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة و لا غيرها من الآثار الشرعية فيما لا يعلمون فإن ما لا يعلم من التكليف مطلقاً كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعاً و إن كان في غيره لا بد من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه ... إلخ (و على هذا الاحتمال) يشمل الحديث كلا من الشبهات الحكمية و الموضوعية جميعاً من غير اختصاص بالموضوعية فقط.

(الثالث) ان يكون المراد من الموصول ما يعم الحكم و الفعل جميعاً و هو الظاهر من الشيخ سيما بقرينة ما سيأتي من تصريحه بأن تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع و الحكم ... إلخ (و على هذا الاحتمال) يشمل الحديث أيضاً كلا من الشبهات الحكمية و الموضوعية جميعاً بل يشمل الشبهات الموضوعية من جهتين من جهة الحكم الغير المعلوم فيها و من جهة الفعل الغير المعلوم‏

23

فيها (و الظاهر) انه لا وجه للاحتمال الثاني فان الموصول فيما لا يعلمون (إما ظاهر) في الفعل بقرينة الأخوات و هي ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه بل الخطأ و النسيان و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق فإن كل هذه أفعال للمكلف (أو ظاهر) في العموم الشامل للحكم و الفعل جميعاً بمقتضى وضعه للعموم لغة فيدور الأمر بين هذين الاحتمالين أي الأول و الثالث (و قد أورد الشيخ) أعلى اللَّه مقامه على الاحتمال الثالث بإيرادين (قال) بعد ذكر الحديث الشريف و الاستدلال به (ما لفظه) و يمكن ان يورد عليه بان الظاهر من الموصول فيما لا يعلمون بقرينة أخواتها هو الموضوع أعني فعل المكلف الغير المعلوم كالفعل الّذي لا يعلم انه شرب الخمر أو شرب الخل و غير ذلك من الشبهات الموضوعية فلا يشمل الحكم الغير المعلوم مع ان تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع و الحكم لأن المقدر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات و لا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة (انتهى) و يعني بذلك ان المؤاخذة انما تكون على الفعل المحرم لا على نفس الحرمة.

أقول و الظاهر أن الاحتمال الثالث هو المتعين من بين الاحتمالات إذ لا وجه لرفع اليد عن العموم الثابت للموصول بمقتضى الوضع اللغوي بمجرد كون المراد من الأخوات خصوص الفعل بعد جواز إبقاء الموصول فيما لا يعلمون على عمومه الوضعي و استعماله فيما هو معناه الحقيقي (و دعوى) ان تقدير المؤاخذة في الرواية مما لا يلائم عموم الموصول نظراً إلى انه لا معنى للمؤاخذة على نفس الحكم (مما لا وجه له) فإن التقدير بالنسبة إلى الحكم غير محتاج إليه إذ الحكم بنفسه قابل للرفع و لو بمعنى رفع تنجزه و هو المرتبة الأخيرة منه فترتفع المؤاخذة بتبعه بل بالنسبة إلى ما سوى الحكم أيضاً غير محتاج إليه غايته أن إسناد الرفع إليه يكون مجازاً بلحاظ المؤاخذة من قبيل إسناد السؤال إلى القرينة مجازاً بلحاظ الأهل.

24

(نعم) يلزم حينئذ أن يكون إسناد الرفع إلى بعض افراد الموصول حقيقاً و بالنسبة إلى بعضها الآخر مجازياً و هو سهل يسير (هذا) مضافاً إلى جواز تقدير المؤاخذة بالنسبة إلى الجميع حتى الحكم فإن المؤاخذة على كل شي‏ء بحسبه فالمؤاخذة على الفعل هو على ارتكابه و على الحكم بترك امتثاله و لعل هذا أظهر من الأول و أقوى.

قوله لا يقال ليست المؤاخذة من الآثار الشرعية كي ترتفع بارتفاع التكليف المجهول ظاهراً فلا دلالة على ارتفاعها ... إلخ‏

(1) هذا الإشكال مع جوابه مأخوذان عن كلام للشيخ في المقام فإنه أفاد أولا (ما ملخصه) انه لو بنينا على عموم رفع الآثار فالمراد بالآثار المرفوعة بحديث الرفع هي الآثار المجعولة التي وضعها الشارع لأنها هي القابلة للارتفاع برفعه (ثم أشكل) على نفسه بما حاصله انه على ما ذكر يخرج أثر التكليف فيما لا يعلمون بناء على عموم الموصول و شموله للحكم و الفعل جميعاً عن مورد الرواية فإن المؤاخذة ليست من الآثار المجعولة الشرعية (ثم أجاب عنه) بما ملخصه ان أثر التكليف المجهول هو إيجاب الاحتياط لحفظ الواقعيات و هو أمر مجعول و سبب لاستحقاق المؤاخذة على التكليف المجهول و هو أمر غير مجعول (قال) فالمرتفع أولا و بالذات أمر مجعول يترتب عليه ارتفاع أمر غير مجعول (انتهى) (و من هنا يعرف) أن مراد المصنف من قوله فإنه يقال إنها و إن لم تكن بنفسها أثراً شرعياً إلّا انه مما يترتب عليه بتوسيط ما هو أثره و باقتضائه من إيجاب الاحتياط شرعاً فالدليل على رفعه دليل على عدم إيجابه المستتبع لعدم استحقاق العقوبة على مخالفته ... إلخ (هو هكذا) ان المؤاخذة و إن لم تكن بنفسها أثراً شرعياً قابلا للرفع و لكنها مما يترتب على التكليف المجهول بسبب ما هو أثره الشرعي القابل للرفع و هو إيجاب الاحتياط فإذا دل حديث الرفع على رفع التكليف المجهول فقد دل على عدم إيجاب الاحتياط المستتبع لعدم استحقاق المؤاخذة عليه.

(و بالجملة) إن للتكليف المجهول أثرين مترتبين عليه بنفسه أحدهما شرعي‏

25

و هو إيجاب الاحتياط و الآخر عقلي و هو استحقاق العقاب على مخالفته غايته ان الشرعي سبب لترتب العقلي.

أقول إن المؤاخذة و إن لم تكن هي أثراً مجعولا شرعاً و لكن أمرها بيد الشارع و هي تحت قدرته و سلطته فيمكنه رفعها بمعنى أن لا يؤاخذ على التكليف المجهول.

(نعم) إذا كان المراد من المؤاخذة استحقاقها كما يظهر من القول المتقدم للمصنف (المستتبع لعدم استحقاق العقوبة على مخالفته) فهو أثر لا يقبل الرفع شرعاً إلّا برفع منشئه و هو إيجاب الاحتياط المرتفع برفع التكليف المجهول إلا ان المصنف ممن لا يحتاج إلى هذا الجواب أصلا بعد ما التزم ان المراد من الموصول فيما لا يعلمون هو الإلزام المجهول و هو بنفسه مرفوع من غير حاجة إلى تقدير المؤاخذة أبداً (اللهم) إلا ان يقال إنه يحتاج إلى هذا الجواب لسائر الفقرات مما يحتاج إلى تقدير المؤاخذة و نحوها جداً فتأمل جيداً.

قوله لا يقال لا يكاد يكون إيجابه مستتبعاً لاستحقاقها على مخالفة التكليف المجهول بل على مخالفة نفسه كما هو قضية إيجاب غيره ... إلخ‏

(1) (حاصل الإشكال) ان إيجاب الاحتياط و إن كان أثراً شرعياً للتكليف المجهول و هو قابل للرفع و لكنه ليس سبباً لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول بل على مخالفة نفسه كما هو مقتضي سائر الأوامر الصادرة من المولى (و حاصل الجواب) ان إيجاب الاحتياط لو كان نفسياً لكان موجباً لاستحقاق العقاب على مخالفة نفسه و لكنه طريقي قد شرّع لأجل حفظ الواقعيات في المشتبهات فيوجب استحقاق العقاب على الواقع المجهول في المشتبهات كما هو الحال في غيره من الإيجاب و التحريم الطريقيين كما في موارد الأمارات بناء على الطريقية و جعل الأحكام الظاهرية فإن الإيجاب و التحريم الطريقيين المجعولين في موارد الأمارات منجزان للواقع عند الإصابة يوجبان استحقاق العقاب على مخالفته لا مخالفة

26

نفسهما فكما صح أن يحتج بهما عند الإصابة على مخالفة الواقع بنفسه فكذلك صح ان يحتج بإيجاب الاحتياط عند الإصابة على عدم مراعاة الواقع بنفسه.

قوله و قد انقدح بذلك ان رفع التكليف المجهول كان منة على الأمة حيث كان له تعالى وضعه بما هو قضيته من إيجاب الاحتياط فرفعه ... إلخ‏

(1) (لا إشكال) في ان رفع التكليف المجهول امتناني حيث كان له تعالى وضعه بوضع ما هو مقتضاه من إيجاب الاحتياط الّذي هو سبب لاستحقاق العقاب على مخالفة التكليف المجهول و لم يفعل فهو منة منه تعالى على الأمة (و لكن الكلام) في أن رفع المؤاخذة على ساير الأمور من الخطأ و النسيان و أخواتهما هل هو امتناني أيضاً و من خواص أمة النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) كما يشعر به الحديث الشريف حيث يقول (رفع عن أمتي) المشعر بعدم الرفع عن ساير الأمم (فيه إشكال) نظراً إلى استقلال العقل بقبح المؤاخذة على تلك الأمور فلا منة في رفعها و لا اختصاص للرفع بأمة النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) (و قد أجاب الشيخ) أعلى اللَّه مقامه عن الإشكال بما ملخصه ان الّذي يهون الأمر في الرواية جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضاً لقوله تعالى.

(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا و لا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) الآية (قال) و الّذي يحسم أصل الإشكال منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الأمور بقول مطلق فإن الخطأ و النسيان الصادرين من ترك التحفظ لا يقبح المؤاخذة عليهما و كذا المؤاخذة على ما لا يعلمون مع إمكان الاحتياط و كذا في التكليف الشاق الناشئ عن اختيار المكلف (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

أقول (اما منع استقلال العقل) بقبح المؤاخذة على ما لا يعلمون بمجرد إمكان الاحتياط

27

بلا دليل عليه من الشرع فممنوع أشد المنع فإنه هدم لما سيأتي من استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان الّذي هو من أقوى أدلة البراءة بل العقل يستقل بقبح العقاب على ما لا يعلمون و لا يكاد يسقطه عن حكمه به مجرد إمكان الاحتياط أبداً ما لم يقم دليل عليه شرعاً (و عليه) فرفع التكليف المجهول غير امتناني (إلا أن يقال) إن رفعه امتناني من ناحية أخرى و هي كما أشير آنفاً جواز وضع منشأ استحقاق العقاب عليه و هو إيجاب الاحتياط كما أفاد المصنف فحيث ان سبحانه و تعالى لم يضعه فقد منّ على الأمة و هذا غير دعوى عدم قبح العقاب عقلا على التكليف المجهول بمجرد إمكان الاحتياط كما لا يخفى.

(و اما الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما اضطروا إليه) (فإن كان) المراد من هذه الأمور ما كان حاصلا بطبعه فلا إشكال في استقلال العقل أيضاً بقبح المؤاخذة عليها فيكون الرفع غير امتناني (و إن كان) المراد منها ما كان حاصلا من ترك التحفظ و سوء الاختيار فالعقل حينئذ و إن لم يستقل بقبح المؤاخذة عليها و يكون الرفع امتنانياً و لكن الظاهر عدم رفعها كي يكون امتنانياً إذ لم يعلم ان من وقع في الحرام كالزناء و شرب الخمر و نحوهما خطأ أو نسيانا أو إكراهاً أو اضطراراً مستنداً إلى ترك التحفظ و سوء الاختيار لا يكون معاقباً شرعاً بل يستحق العقاب بلا كلام فالرفع الامتناني غير واقع و الواقع منه غير امتناني.

(و من هنا يظهر حال ما لا يطيقون) في الحديث الشريف (فإن كان) المراد منه ما لا يقدر عليه فالعقل يستقل بقبح المؤاخذة عليه قطعاً و يكون الرفع غير امتناني (و إن كان) المراد منه ما لا يحتمل عادة إلا بكلفة شديدة و هو الظاهر من الرواية كما صرح به الشيخ أعلى اللَّه مقامه (قال) و المراد بما لا يطاق في الرواية هو ما لا يتحمل في العادة لا ما لا يقدر عليه كالطيران في الهواء (انتهى) فالعقل لا يستقل بقبح المؤاخذة عليه و يكون الرفع امتنانياً قهراً.

(و اما الحسد فان كان) المراد منه هو محض الصفة الكامنة في النّفس ما لم‏

28

يظهر أثرها باللسان أو باليد كما يظهر من رواية الكافي على ما تقدم حيث قال في آخرها (و الحسد ما لم يظهر بلسان أو يد) فلا إشكال حينئذ في كونه أمراً غير اختياري يستقل العقل بقبح المؤاخذة عليه فيكون الرفع غير امتناني (و إن كان) المراد منه إظهاره باللسان و اليد فالرفع و ان كان امتنانياً و لكن الحسد بهذا المعنى مما لم يرفع قطعاً بشهادة ما ورد في النهي عنه مثل قوله (عليه السلام) (اتقوا اللَّه و لا يحسد بعضكم بعضاً) (أو ان الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب) (أو ان آفة الدين الحسد و العجب و الفخر) إلى غير ذلك مما ذكره في الوافي في كتاب الإيمان و الكفر في باب الحسد فان النهي لا يكاد يتعلق إلّا بأمر اختياري لا بصفة كامنة نفسانية خارجة عن تحت القدرة و الاختيار و هكذا الّذي يأكل الإيمان و يكون آفة للدين لا يكون إلّا فعلا اختيارياً للمكلف لا صفة كامنة خارجة عن تحت الاختيار و القدرة.

(و اما الطيرة) فالظاهر انها في الأصل التشؤم بالطير كما أفاد الشيخ أعلى اللَّه مقامه (قال) لأن أكثر تشأم العرب كان به خصوصاً الغراب (انتهى) (و عليه) فهي أمر غير اختياري فيكون الرفع غير امتناني (و يؤيده) ما ذكره الشيخ أيضاً من انه روى (ثلاثة لا يسلم منها أحد الطيرة و الحسد و الظن قيل فما نصنع قال إذا تطيرت فامض و إذا حسدت فلا تبغ و إذا ظننت فلا تحقق) (قال) و البغي عبارة عن استعمال الحسد (انتهى) و وجه التأييد ان الطيرة و الحسد و الظن لو كانت هي أموراً اختيارية و كانت هي تحت القدرة و الاختيار لم يجز أن لا يسلم منها أحد من الناس و فيهم الأنبياء و المعصومون.

(و اما التفكر في الوسوسة في الخلق) أو الوسوسة في التفكر في الخلق على ما في رواية الكافي (فالظاهر) انه أمر غير اختياري أيضاً فالرفع غير امتناني (و قد ذكر) في الوافي في كتاب الإيمان و الكفر في باب الوسوسة أحاديث متعددة في شأنها (منها) ما رواه محمد بن حمران قال سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن‏

29

الوسوسة و إن كثرت فقال لا شي‏ء فيها تقول لا إله إلّا اللَّه.

(و منها) ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قالت قلت له يقع في قلبي أمر عظيم فقال قل لا إله إلّا اللّه قال جميل فكلما وقع في قلبي شي‏ء قلت لا إله إلّا اللَّه عني.

(و منها) ما رواه ابن أبي عمير عن محمد عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال جاء رجل إلى النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) فقال يا رسول اللَّه هلكت فقال هل أتاك الخبيث فقال لك من خلقك فقلت اللَّه تعالى فقال لك اللَّه من خلقه فقال أي و الّذي بعثك لكان كذا فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) ذلك و اللَّه محض الإيمان قال ابن أبي عمير فحدثت بذلك عبد الرحمن بن الحجاج فقال حدثني أبي عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) ان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) إنما عني بقوله هذا و اللَّه محض الإيمان خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض ذلك في قلبه إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة فراجع الباب المذكور.

(بقي الكلام) في معنى الآية الشريفة ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا و لا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به ... إلخ.

(فنقول) اما قوله تعالى (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فيظهر من الطبرسي أن فيه وجوهاً.

(أحدها) ان المراد بنسينا تركنا كقوله تعالى نسوا اللَّه فنسيهم أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه و المراد بأخطأنا أذنبنا لأن المعاصي توصف بالخطإ من حيث انها ضد للصواب و إن كان فاعلها متعمداً.

(ثانيها) ان معنى قوله إن نسينا إن تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر و الغفلة عن الواجب أو أخطأنا أي تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ و يحسن الدعاء بذلك كما يحسن الاعتذار منه.

30

(ثالثها) ان معناه لا تؤاخذنا إن نسينا أي إن لم نفعل فعلا يجب فعله على سبيل السهو و الغفلة أو أخطأنا أي فعلنا فعلا يجب تركه من غير قصد و يحسن هذا في الدعاء على سبيل الانقطاع إلى اللَّه تعالى و إظهار الفقر إلى مسألته و الاستعانة به و ان كان مأموناً منه المؤاخذة بمثله (و اما قوله تعالى ربنا و لا تحمل علينا إصراً) فيظهر من الطبرسي أيضا ان فيه وجهين.

(أحدهما) أن معناه لا تحمل علينا عهداً نعجز عن القيام به و لا تعذبنا بتركه و نقضه (قال) عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و الربيع و السدي.

(ثانيهما) ان معناه لا تحمل علينا ثقلا عن الربيع و مالك و عطا يعني لا تشدد الأمر علينا كما حملته على الذين من قبلنا أي على الأمم الماضية و القرون الخالية لأنهم كانوا إذ ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم عقوبتها و حرم عليهم بسببها ما أحل لهم من الطعام كما قال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم و أخذ عليهم من العهود و المواثيق و كلفوا من أنواع التكاليف ما لم يكلف هذه الأمة تخفيفاً عنها (و اما قوله تعالى ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ففيه وجوه أيضاً.

(أحدها) ما يثقل علينا تحمله من أنواع التكاليف و الامتحان مثل قتل النّفس عند التوبة و قد يقول الرّجل لأمر يصعب عليه إني لا أطيقه.

(ثانيها) ان معناه ما لا طاقة لنا به من العذاب عاجلا و آجلا.

(ثالثها) انه على سبيل التعبد و إن كان تعالى لا يكلف و لا يحمل أحداً ما لا يطيقه.

قوله فافهم ... إلخ‏

(1) و لعله إشارة إلى ان رفع التكليف المجهول و ان كان امتنانيا حيث كان له تعالى وضعه بوضع ما يوجب استحقاق العقاب عليه و هو إيجاب الاحتياط (و لكن) رفع المؤاخذة على ساير الأمور من الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما اضطروا

31

إليه إلى آخر الفقرات ليس امتنانياً على وجه الإطلاق و قد اتضح لك تفصيل الكل واحداً بعد واحد فلا نعيد.

قوله ثم لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة و لا غيرها من الآثار الشرعية فيما لا يعلمون ... إلخ‏

(1) قد عرفت فيما تقدم ان المراد من الموصول فيما لا يعلمون في نظر المصنف هو الحكم المجهول و من المعلوم ان الحكم المجهول هو بنفسه قابل للرفع و لو بمعنى رفع تنجزه و هو المرتبة الأخيرة منه من غير حاجة إلى تقدير شي‏ء فيه أصلا (و من هنا) يقول المصنف إنه لا حاجة إلى تقدير شي‏ء فيما لا يعلمون و ان كان في غيره من ساير الفقرات لا بد من تقدير المؤاخذة أو الأثر الظاهر في كل منها أو تمام الآثار كما سيأتي تفصيل الجميع أو إسناد الرفع إليه مجازاً بلحاظ المؤاخذة أو الأثر الظاهر أو تمام الآثار من قبيل إسناد السؤال إلى القرية مجازاً بلحاظ الأهل.

قوله نعم لو كان المراد من الموصول فيما لا يعلمون ما اشتبه حاله و لم يعلم عنوانه ... إلخ‏

(2) هذا هو الاحتمال الأول من الاحتمالات المتقدمة في موصول ما لا يعلمون (ثم إنه) استدراك عن قوله المتقدم ثم لا يخفى عدم الحاجة ... إلخ فلا تغفل.

قوله ثم لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح ان المقدر في غير واحد غيرها فلا محيص عن ان يكون المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها أو تمام آثارها التي تقتضي المنة رفعها ... إلخ‏

(3) (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه (ما لفظه) و الحاصل ان المقدر في الرواية باعتبار دلالة الاقتضاء يحتمل ان يكون جميع الآثار في كل واحد من التسعة و هو الأقرب اعتباراً إلى المعنى الحقيقي و ان يكون في كل منها ما هو الأثر الظاهر فيه و ان يقدر المؤاخذة في الكل و هذا أقرب عرفاً من الأول و أظهر من الثاني أيضاً لأن الظاهر

32

أن نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد (انتهى) (و محصله) ان في الحديث الشريف من حيث التقدير احتمالات ثلاثة.

(الأول) ان يكون المقدر جميع الآثار من التكليفية و الوضعيّة تماماً.

(الثاني) ان يكون المقدر في كل منها ما هو الأثر الظاهر فيه.

(الثالث) ان يكون المقدر في الكل خصوص المؤاخذة و هو اقرب من الأول و أظهر من الثاني.

(فيقول المصنف) انه لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح ان المقدر في غير واحد غيرها يعني بها الفقرات الثلاث الآتية في الصحيحة الآتية و هي ما أكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما أخطئوا فلا محيص ان يكون المقدر هو الأثر الظاهر في كل منها أو تمام آثارها من التكليفية و الوضعيّة جميعاً.

أقول (أولا) انك قد عرفت آنفاً ان التقدير أمر غير متعين بل الأمر يدور بين تقدير جميع الآثار أو الأثر الظاهر أو المؤاخذة و بين اسناد الرفع إلى تلك الأمور مجازاً بلحاظ الآثار أو الأثر الظاهر أو المؤاخذة.

(و ثانياً) ان تقدير جميع الآثار من التكليفية و الوضعيّة تماماً غير ظاهر من الحديث الشريف فمن أحدث مثلا في الصلاة أو استدبر فيها خطأ أو نسياناً أو إكراهاً أو اضطراراً أو جهلا لم نعرف من الحديث انه لا تبطل صلاته و ان القاطعية للصلاة التي هي أثر وضعي للحدث أو الاستدبار قد ارتفعت بسبب طرو أحد العناوين المذكورة و هكذا إذا ترك جزءاً أو شرطاً في المعاملات لأحد العناوين المذكورة فلو كان الظاهر من الحديث الشريف رفع جميع الآثار من التكليفية و الوضعيّة تماماً لعرفنا ذلك منه جداً و هكذا الأمر في تقدير الأثر الظاهر في كل من الفقرات فلا يكون ظاهراً من الحديث الشريف بل الظاهر منه هو تقدير خصوص المؤاخذة بالنسبة إلى الجميع فإنه أقرب و أظهر كما أفاد الشيخ (ثم إن الشيخ)

33

أعلى اللَّه مقامه قال بعد عبارته المتقدمة (ما لفظه) نعم يظهر من بعض الاخبار الصحيحة عدم اختصاص المرفوع عن الأمة بخصوص المؤاخذة فعن المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى و البزنطي جميعاً عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرّجل يستكره على اليمين فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك فقال لا قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) رفع عن أمتي ما أكرهوا عليه و ما لا يطيقون و ما أخطئوا (الخبر) فان الحلف بالطلاق و العتاق و الصدقة و ان كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضاً إلا ان استشهاد الإمام (عليه السلام) على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة لكن النبوي المحكي في كلام الإمام (عليه السلام) مختص بثلاثة من التسعة فلعل نفي جميع الآثار مختص بها فتأمل (انتهى).

أقول إن التمسك بالصحيحة لإثبات كون المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار حتى الوضعيّة ضعيف جداً فإن الحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك باطل عندنا من أصله حتى مع الاختيار فكيف مع الإكراه فكان مقتضي القاعدة أن يبين الإمام (عليه السلام) بطلانه مطلقاً و لم يفعل (و من هنا) يقوي في النّظر ان الجواب مبني على التقية فكأن الإمام (عليه السلام) لم يتمكن من إظهار الحق و هو بطلان الحلف بتلك الأمور مطلقاً و لو مع الاختيار فاقتصر على بيان بطلانه في مورد السؤال فقط و هو الإكراه بوسيلة الاستشهاد بالنبوي ليسلم من شر الأعداء لا لأن الإكراه رافع للأثر الوضعي واقعاً و اللَّه العالم.

(إن) انها امرين لا بأس بالتنبيه عليهما.

(الأول) انه إذا شك في حكم وضعي مثل ما شك في حكم تكليفي فلا إشكال في رفعه و لو ظاهراً بمثل رفع التكليف عيناً فإذا شك في نجاسة الخمر مثلا بناء على كون النجاسة و الطهارة من الأحكام الوضعيّة أو شك في ضمان ما يفوت على الحر

34

بسبب حسبة ظلماً يرفعها حديث الرفع بلا كلام و ذلك لاندراج الحكم الوضعي تحت عموم الموصول فيما لا يعلمون و لو قيل باختصاصه بالحكم المجهول فقط كما ظهر من المصنف.

(نعم) لو قيل بكون المراد منه خصوص الفعل الغير المعلوم لم يندرج فيه الحكم الوضعي كما لا يندرج فيه التكليفي أيضاً (و هذا كله) غير مربوط بالنزاع المعروف من ان المرفوع بالحديث الشريف هل هو جميع الآثار أو الأثر الظاهر أو خصوص المؤاخذة فإن النزاع المذكور انما هو في خصوص الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما اضطروا إليه و ما لا يطيقون بل و الفعل الغير المعلوم لا في غيره كما لا يخفى.

(الثاني) انه إذا بنينا على كون المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار فلا إشكال في ان الرفع امتناني و من خواص هذه الأمة إذ ليس رفعها جميعاً مما استقل به العقل كي لا يكون في رفعها منة و حينئذ فلا ببعد اختصاص رفع الآثار بما إذا لم يكن في رفعها ما ينافي الامتنان (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه (ما لفظه) و اعلم أيضاً انه لو حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار فلا يبعد اختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الأمة كما إذا استلزم إضرارا المسلم فإتلاف المال المحترم نسياناً أو خطأ لا يرتفع معه الضمان و كذلك الإضرار بمسلم لدفع الضرر عن نفسه لا يدخل في عموم ما اضطروا إليه إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل بإضرار الغير فليس الإضرار بالغير نظير ساير المحرمات الإلهية المسوغة بالفتح لدفع الضرر (انتهى) موضع الحاجة من كلامه رفع مقامه.

قوله كما ان ما يكون بلحاظه الإسناد إليها مجازاً هو هذا ... إلخ‏

(1) قد عرفت فيما نقدم ان الأمر يدور بين تقدير المؤاخذة أو الأثر الظاهر أو جميع الآثار فيكون التجوز في التقدير و بين إسناد الرفع إلى نفس تلك الأمور التسعة مجازاً بلحاظ المؤاخذة أو الأثر الظاهر أو جميع الآثار فيكون التجوز في الإسناد

35

(فيقول المصنف) لا وجه لتقدير خصوص المؤاخذة بعد وضوح ان المقدر في غير واحد من الفقرات غيرها فلا محيص عن أن يكون المقدر هو الأثر الظاهر أو تمام الآثار أو يكون الإسناد إليها مجازاً بلحاظ الأثر الظاهر أو تمام الآثار.

قوله ثم لا يذهب عليك ان المرفوع فيما اضطر إليه و غيره مما أخذ بعنوانه الثانوي انما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الأولى ... إلخ‏

(1) (و توضيحه) انه إذا بنينا على كون المرفوع بحديث الرفع جميع الآثار كما صرح به المصنف بقوله فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي ... إلخ فالمرفوع هي الآثار المترتبة على الفعل بما هو هو و بعنوانه الأولى بحيث كان طرو أحد العناوين الثانوية من الخطأ و النسيان و أخواتهما رافعاً لها لا الآثار المترتبة على نفس تلك العناوين الثانوية كوجوب الكفارة المترتبة على الخطأ في القتل و وجوب سجدتي السهو المترتب على النسيان في بعض أجزاء الصلاة و نحوهما فإن العنوان الثانوي موضوع للآثار المترتبة عليه فكيف يعقل أن يكون هو سبباً لرفعه (و إليه أشار المصنف) بقوله و الموضوع للأثر مستدع لوضعه أي لثبوته فكيف يكون موجباً لرفعه ... إلخ.

قوله لا يقال كيف و إيجاب الاحتياط فيما لا يعلم و إيجاب التحفظ في الخطأ و النسيان يكون أثراً لهذه العناوين بعينها و باقتضاء نفسها ... إلخ‏

(2) (حاصل الإشكال) انه ادعيتم أن الآثار المرفوعة بحديث الرفع ليست هي الآثار المترتبة على نفس تلك العناوين الثانوية فإنها موضوعة لها فكيف يعقل أن تكون رافعة لها مع أن إيجاب الاحتياط فيما لا يعلمون و إيجاب التحفظ في الخطأ و النسيان هما من الآثار المترتبة على نفس عنوان ما لا يعلم أو عنوان الخطأ و النسيان فكيف يكونان مرفوعين (و حاصل الجواب) انهما من آثار الواقع المجهول أو الواقع الصادر خطأ أو نسياناً لا من آثار عنوان الجهل أو الخطأ أو النسيان فتفطن.

36

في الاستدلال بحديث الحجب‏

قوله و منها حديث الحجب ... إلخ‏

(1) و هو حديث موثق كما في الفصول مروي في الوسائل في القضاء في باب وجوب التوقف و الاحتياط عن زكريا بن يحيى عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

قوله و قد انقدح تقريب الاستدلال به مما ذكرنا في حديث الرفع إلى آخره‏

(2) فكما قيل في تقريب الاستدلال بحديث الرفع إن الإلزام المجهول مما لا يعلمون فهو مرفوع فعلا أي ظاهراً و ان كان ثابتاً واقعاً فكذلك يقال في تقريب الاستدلال بحديث الحجب حرفاً بحرف.

أقول إن المصنف و إن استدل هناك بحديث الرفع للبراءة في كل من الشبهات الحكمية و الموضوعية جميعاً (حيث قال) فان ما لا يعلم من التكليف مطلقاً كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعاً (و لكن الاستدلال) هاهنا بحديث الحجب للبراءة مطلقاً و لو في الشبهات الموضوعية مشكل جداً فإن بيان الأحكام المجهولة في الشبهات الموضوعية كحرمة هذا الخمر أو ذاك الخمر هو كبيان الأفعال الغير المعلومة كالفعل الّذي لا يعلم انه شرب الخمر أو شرب الخل ليس من شأنه تعالى كي إذا لم تعلم هي صدق عليها انها مما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم (و من هنا يظهر) ان المراد من الموصول هاهنا هو خصوص الحكم المجهول الّذي من شأنه تعالى بيانه كحرمة شرب التتن أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و نحوهما (و عليه) فلا يستدل بالحديث الشريف الا للشبهات الحكمية فقط دون الموضوعية.

37

قوله إلّا انه ربما يشكل بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه لعدم أمر رسله بتبليغه ... إلخ‏

(1) هذا الإشكال من الشيخ أعلى اللَّه مقامه (قال) بعد ذكر الاستدلال بالحديث الشريف (ما لفظه) و فيه ان الظاهر مما حجب اللَّه علمه ما لم يبينه للعباد لا ما بينه و اختفى عليهم من معصية من عصى اللَّه في كتمان الحق أو ستره فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (صلوات اللَّه و سلامه عليه) ان اللَّه حدد حدوداً فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تعصوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً لها فلا تتكلفوها رحمة من اللَّه لكم (انتهى).

أقول و يظهر من المصنف التسليم لهذا الإشكال حيث سكت عنه و لم يذكر في تضعيفه شي‏ء بل يظهر منه التأييد بقوله حيث انه بدونه لما صح إسناد الحجب إليه تعالى إلى آخره مع ان الإشكال ضعيف غير وارد فإن الحجب كما انه صادق مع عدم بيانه تعالى من أصله فكذلك صادق مع بيانه للعباد و اختفائه عليهم بالعرض فإن التكليف في الثاني و إن كان مما بينه تعالى لهم و لكن حيث انه اختفى عليهم و أمكنه سبحانه أن يظهره لهم ثانياً بأسباب خاصة و لم يفعل صدق انه مما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.

38

في الاستدلال بحديث الحل‏

قوله و منها قوله (عليه السلام) كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه الحديث حيث دل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقاً و لو كان من جهة عدم الدليل على حرمته ... إلخ‏

(1) (قد رواه في الوسائل) في التجارة في باب عدم جواز الإنفاق من الكسب الحرام مسنداً عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال سمعته يقول كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة و المملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة (و قد ذكره الشيخ) أعلى اللَّه مقامه في الشبهة التحريمية الموضوعية و لفظه كل شي‏ء لكل حلال ... إلخ بإسقاط كلمة هو كما فعل المصنف بل المصنف مضافاً إلى الإسقاط المذكور بدّل قوله (عليه السلام) حتى تعلم حتى تعرف و الصحيح ما ذكرناه (و دعوى) ان ما ذكره المصنف لعله رواية أخرى غير رواية مسعدة (غير مسموعة) فان روايات الحل التي ليس فيها تعبير بفيه حلال و حرام منحصرة بحديثين.

(أحدهما) ما ذكر.

(و ثانيهما) ما رواه في الوسائل في الأطعمة في باب جواز أكل الجبن و نحوه مما فيه حلال و حرام مسنداً عن عبد اللَّه بن سليمان عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) في الجبن قال كل شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة و حيث ان ما ذكره المصنف ليس هو الثاني فيتعين انه هو الأول (و على كل حال) يستدل المصنف بهذه الرواية لأصالة البراءة في الشبهة التحريمية مطلقاً سواء كانت‏

39

موضوعية قد نشأ الشك فيها من اشتباه الأمور الخارجية أو كانت حكمية قد نشأ الشك فيها من عدم الدليل أو غيره (و قد أشار إلى ذلك) بقوله حيث دل على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقاً و لو كان من جهة عدم الدليل على حرمته.

أقول إن قوله (عليه السلام) كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام و إن كان وزانه وزان قوله (عليه السلام) كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر فلا يأبى عن الشمول لكل من الشبهة الحكمية و الموضوعية جميعاً (و لكن الضمير) في انه حرام حيث أكده الإمام (عليه السلام) بكلمة بعينه فهو مما لا يخلو عن اشعار بل عن ظهور في الشي‏ء الخارجي المعلوم على التفصيل فتنحصر الرواية إذاً بالشبهة الموضوعية فقط (مضافاً) إلى أن الأمثلة المذكورة في ذيلها هي مما يؤيد بل تشهد باختصاصها بالشبهة الموضوعية فقط (و من هنا قال في الوسائل) بعد ذكر الحديث الشريف (ما لفظه) هذا مخصوص بما يشتبه فيه موضوع الحكم و متعلقه كما مثل به في هذا الحديث و غيره بقرينة الأمثلة و ذكر البينة و التصريحات الآتية لا نفس الحكم الشرعي كالتحريم (انتهى) (بل و لعل من هنا) لم يذكره الشيخ أيضاً في الشبهة التحريمية الحكمية و لم يستدل به فيها بل ذكره في الشبهة التحريمية الموضوعية فقط.

(نعم قد ذكر الشيخ) أعلى اللَّه مقامه في الشبهة التحريمية الحكمية الاستدلال بقوله (عليه السلام) كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه أخذاً من الشهيد في الذكرى (قال) و يستدل على المطلب أخذاً من الشهيد في الذكرى بقوله (عليه السلام) كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه (انتهى).

أقول إن روايات الحل التي فيها تعبير بفيه حلال و حرام حسب ما ظفرت عليه في كتب الأخبار أربعة.

40

(الأولى) ما رواه في الوسائل في الأطعمة في باب حكم السمن و الجبن و غيرهما إذا خلطه حرام و في التجارة في باب عدم جواز الإنفاق من الكسب الحرام بسند صحيح عن عبد اللَّه سنان قال قال أبو عبد اللَّه (عليه السلام) كل شي‏ء يكون فيه حرام و حلال فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه فتدعه.

(الثانية) ما رواه في الوسائل في الأطعمة أيضاً في باب جواز أكل الجبن و نحوه مما فيه حلال و حرام مسنداً عن عبد اللَّه بن سليمان قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن (و ساق الحديث إلى أن قال) فقال أي الإمام (عليه السلام) و سأخبرك عن الجبن و غيره كل ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه.

(الثالثة) ما رواه في الوسائل في الأطعمة في الباب المذكور أيضاً مسنداً عن رجل من أصحابنا قال كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر (عليه السلام) انه لطعام يعجبني و سأخبرك عن الجبن و غيره كل شي‏ء فيه الحلال و الحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام فتدعه بعينه.

(الرابعة) ما ذكره في المستدرك في التجارة أيضاً في باب عدم جواز الإنفاق من الكسب الحرام عن الشيخ الطوسي في أماليه مسنداً عن الحسين بن أبي غندر عن أبيه عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) انه قال و كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه فتدعه.

(و تقريب الاستدلال بها) على نحو تشمل الشبهات الحكمية و الموضوعية جميعاً على قسمين.

(الأول) ما حكاه الشيخ أعلى اللَّه مقامه عن شرح الوافية (و ملخصه) ان ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراماً فهو لك حلال (و بعبارة أخرى) كل شي‏ء صح ان تجعله مقسماً لحكمين فتقول هو إما حلال و أما حرام فهو لك حلال فالرواية صادقة على مثل اللحم المشتري من السوق المحتمل‏

41

للمذكى و الميتة و على شرب التتن و على لحم الحمير إن شككنا فيه و لم نقل بوضوحه (و قد أورد عليه الشيخ) أعلى اللَّه مقامه بما ملخصه ان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيه حرام و حلال هو وجود القسمين فيه فعلا لا ان فيه احتمالهما (و عليه) فلا تنفع الرواية الا للشبهة الموضوعية فقط فلحم الغنم مثلا الّذي فيه حلال و هو المذكى و فيه حرام و هو الميتة هو لك حلال حتى تعرف انه الحرام بعينه أي الميتة فتدعه و لا يكاد ننتفع بها في الشبهة الحكمية كالشك في حلية لحم الحمير أصلا.

أقول و هو رد متين لا يتعدى عنه.

(الثاني) من تقريب الاستدلال ما حكاه الشيخ أيضاً عن بعض معاصريه من انا نفرض شيئاً له قسمان حلال و حرام و اشتبه قسم ثالث منه كما في اللحم فانه شي‏ء فيه حلال و هو لحم الغنم و فيه حرام و هو لحم الخنزير فهذا اللحم الكلي هو لك حلال حتى تعرف الحرام منه و هو لحم الخنزير فتدعه (و عليه) فيندرج لحم الحمير المشتبه تحت عموم الحل كما لا يخفى (و قد أورد عليه الشيخ) أعلى اللَّه مقامه بما حاصله ان الظاهر من القيد المذكور في الحديث الشريف و هو كلمة فيه حلال و حرام انه المنشأ للاشتباه في المشتبه و انه الموجب للشك فيه فيحكم بحليته ظاهراً و هذا مما لا ينطبق على ما إذا علم ان في اللحم مثلا حلال كلحم الغنم و حرام كلحم الخنزير و مشتبه كلحم الحمير فإن وجود الغنم و الخنزير في اللحم مما لا مدخل له في الشك في حلية لحم الحمير أصلا و لا في الحكم بحليته ظاهراً أبداً و هذا بخلاف ما إذا شك في اللحم المردد بين لحم الغنم و الخنزير بنحو الشبهة الموضوعية فيكون وجود القسمين في اللحم هو المنشأ للشك فيه و الموجب للحكم بحليته ظاهراً و هذا واضح.

أقول و هذا رد متين أيضاً لا يتعدى عنه فيكون خلاصة الكلام في المقام ان روايات الحل التي فيها تعبير بفيه حلال و حرام مما لا تلائم الشبهات الحكمية أصلا بل تلائم الشبهات‏

42

الموضوعية فقط سيما بقرينة ورود روايتين منها في الجبن الّذي قد علم ان في بعضه ميتة (نعم) هي صادقة على موردين (على الكلي) الّذي فيه حلال و حرام و اشتبه فرد منه بنحو الشبهة الموضوعية بين الحلال و الحرام ككلي الجبن الّذي فيه حرام و هو ما فيه الميتة و فيه حلال و هو ما ليس فيه الميتة و فرد مردد بين ما فيه الميتة و بين ما ليس فيه الميتة أو اللحم الّذي فيه حلال و هو لحم الغنم و فيه حرام و هو لحم الخنزير و فرد مردد بين لحم الغنم و لحم الخنزير و هكذا (و على الأمر الخارجي) الّذي فيه حلال و حرام جميعاً كالقطيع من الغنم الّذي يعلم إجمالا ان فيه موطوء و غير موطوء أو الأواني التي يعلم إجمالا أن فيها نجس و طاهر أو غصب و مباح و هكذا (و من هنا يظهر) أن هذه الروايات بظاهرها قابلة للشمول لأطراف العلم الإجمالي نظراً إلى كونها مغياة بالعلم التفصيليّ بمقتضى ظهور لفظة بعينه و انها تأكيد للمعرفة كما سيأتي اعتراف الشيخ به (و من المعلوم) ان العلم التفصيليّ مفقود في أطراف العلم الإجمالي فلا يبقى مانع عن الشمول لها بتمامها و سيأتي تحقيق الكلام فيه في صدر بحث الاشتغال إن شاء اللَّه تعالى و ان هذا الظهور غير معمول به عند الأصحاب فلا يمكن الأخذ به فتأمل جيداً.

(بقي شي‏ء) و هو انه يظهر من الشيخ أعلى اللَّه مقامه مناقشة في الأمثلة المذكورة في ذيل رواية مسعدة بن صدقة المتقدمة من حيث ان الحل الموجود فيها ليس مستنداً إلى أصالة الحلية بل إلى أمور أخر (و الظاهر) ان المناقشة بمحلها غير انها مما لا يضر بالاستدلال بصدر الحديث كما صرح به بنفسه (قال) أعلى اللَّه مقامه (ما لفظه) و لا إشكال في ظهور صدرها في المدعي إلّا أن الأمثلة المذكورة فيها ليس الحل فيها مستنداً إلى أصالة الحلية فإن الثوب و العبد إن لوحظا باعتبار اليد عليهما حكم بحل التصرف فيهما لأجل اليد و إن لوحظا مع قطع النّظر عن اليد كان الأصل فيهما حرمة التصرف لأصالة بقاء الثوب على ملك الغير و أصالة الحرية في الإنسان المشكوك في رقيته و كذا الزوجة إن لوحظ فيها أصل عدم تحقق النسب‏

43

أو الرضاع فالحلية مستندة إليه و إن قطع النّظر عن هذا الأصل فالأصل عدم تأثير العقد فيها فيحرم و طيها (قال) و بالجملة فهذه الأمثلة الثلاثة بملاحظة الأصل الأولى محكومة بالحرمة و الحكم بحليتها انما هو من حيث الأصل الموضوعي الثانوي فالحل غير مستند إلى أصالة الإباحة في شي‏ء منها هذا و لكن في الاخبار المتقدمة يعني بها الاخبار التي استدل بها للبراءة بل في جميع الأدلة من الكتاب و العقل كفاية مع ان صدرها و ذيلها ظاهر ان في المدعي (انتهى) و الظاهر ان المراد من ذيلها هو قوله (عليه السلام) و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة.

قوله و بعدم الفصل قطعاً بين إباحته و عدم وجوب الاحتياط فيه و بين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية يتم المطلوب ... إلخ‏

(1) (توضيح المقام) انه لما دل الحديث الشريف و هو قوله (عليه السلام) كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقاً في نظر المصنف حتى في الشبهات الحكمية أراد الاستدلال به في الشبهات الوجوبية أيضاً بضميمة عدم القول بالفصل فإن الأمة بين من يقول بالاحتياط في الشبهات التحريمية الحكمية فقط و هم الأخباريون و بين من يقول بالبراءة فيها و في الشبهات الوجوبية جميعاً و هم المجتهدون فالقول بالبراءة في التحريمية فقط دون الوجوبية قول ثالث ينفيه عدم القول بالفصل و الإجماع المركب.

قوله مع إمكان أن يقال ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته فهو حلال تأمل ... إلخ‏

(2) هذا استدلال بنفس الحديث الشريف للبراءة مطلقاً حتى في الشبهات الوجوبية من غير حاجة إلى التشبث بعدم القول بالفصل أصلا (و محصله) ان ترك الواجب حرام فإذا شك مثلا في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فقد شك في حرمة تركه فيكون حلالا بالحديث الشريف (و فيه) ان المنصرف من الحرام هو الأمر

44

الوجوديّ الّذي تعلق الطلب بتركه كالكذب و الغيبة و نحوهما لا الأمر العدمي الّذي تعلق الطلب بتركه كترك الصلاة و ترك الزكاة و نحوهما (و عليه) فالظاهر من الحديث الشريف ليس إلا حلية الوجوديّ الّذي شك في تعلق الطلب بتركه كشرب التتن أو شرب المائع الخارجي المحتمل كونه خمراً و نحوهما لا العدمي الّذي شك في تعلق الطلب بتركه كترك الدعاء عند رؤية الهلال و نحوه (و لعله) إليه أشار أخيراً بقوله تأمل (فتأمل جيداً).

في الاستدلال بحديث السعة

قوله و منها قوله (عليه السلام) الناس في سعة ما لا يعلمون فهم في سعة ما لم يعلم أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته ... إلخ‏

(1) (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه و منها أي و من السنة قوله (عليه السلام) الناس في سعة ما لا يعلمون فان كلمة ما إما موصولة أضيف إليه السعة و إما مصدرية ظرفية و على التقديرين يثبت المطلوب (انتهى) و إلى هذا الترديد قد أشار المصنف بقوله فهم في سعة ما لم يعلم أو ما دام لم يعلم ... إلخ (و على كل حال ان كانت) كلمة ما موصولة قد أضيف إليها السعة بلا تنوين فحالها حال الموصول فيما لا يعلمون في حديث الرفع فيستدل بها لأصل البراءة في المسائل الأربع جميعاً من الشبهات الحكمية و الموضوعية التحريمية منهما و الوجوبية (و ان كانت) مصدرية ظرفية بمعنى ما دام فهي دالة على المطلوب أيضاً يستدل بها للبراءة في المسائل الأربع جميعاً (و قد ذكر المحقق القمي) الحديث الشريف بنحو آخر لا تكون كلمة ما فيه الا موصولة (و لفظه) الناس في سعة مما لم يعلموا (ثم إن) هذا الحديث محكي عن بعض كتب العامة (و ذكر في الوسائل) في كتاب الطهارة في باب طهارة ما يشتري من مسلم و من سوق المسلمين حديثاً مسنداً عن السكوني عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)

45

يقرب من هذا الحديث لكن لا يبعد اختصاصه بالشبهات الموضوعية فقط بقرينة المورد (و لفظه) إن أمير المؤمنين (عليه السلام) سأل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة يكثر لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوّم ما فيها ثم يؤكل لأنه يفسد و ليس له بقاء فإذا جاء طالبها غرموا له الثمن قيل يا أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم أم سفرة مجوسي فقال هم في سعة حتى يعلموا

قوله و من الواضح انه لو كان الاحتياط واجباً لما كانوا في سعة أصلا فيعارض به ما دل على وجوبه كما لا يخفى ... إلخ‏

(1) رد على ما أفاده الشيخ أعلى اللَّه مقامه فإنه بعد أن ذكر الحديث الشريف و ذكر تقريب الاستدلال به بالعبارة المتقدمة (قال ما لفظه) و فيه ما تقدم في الآيات من ان الأخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمل و التتبع (انتهى) (و محصله) بملاحظة ما تقدم منه في الآيات الشريفة ان الحديث الشريف مما لا يعارض دليل الاحتياط فإنه بالنسبة إليه كالأصل بالنسبة إلى الدليل الاجتهادي ينتفي به موضوعه و هو اللابيان فاللازم على منكر الاحتياط رد دليل الاحتياط أو معارضته بما دل على الرخصة.

قوله لا يقال قد علم به وجوب الاحتياط ... إلخ‏

(2) أي قد علم وجوب الاحتياط بما دل على الاحتياط و هو إشارة إلى ما في نظر الشيخ في وجه عدم معارضة الحديث الشريف مع دليل الاحتياط من كونه بالنسبة إليه كالأصل بالنسبة إلى الدليل الاجتهادي يرتفع به موضوعه و هو عدم العلم (فيقول) في جوابه ما محصله إن الحديث الشريف مما يثبت السعة ما لم يعلم الواقع المجهول من الوجوب أو الحرمة و دليل الاحتياط مما يثبت الضيق مع كون الواقع مجهولا غير معلوم فيتعارضان الدليلان.

(نعم لو كان) وجوب الاحتياط نفيساً لا طريقياً شرّع لأجل حفظ الواقعيات لم يكن بينهما تعارض بل كان مما ينتفي به موضوعه فانه شي‏ء قد علم به‏

46

المكلف فليس في سعة منه و ان كان في سعة من الواقع المجهول لكن قد عرفت قبلا ان وجوب الاحتياط على القول به طريقي شرّع لأجل حفظ الواقعيات المجهولة فهو مما يثبت الضيق لأجل الواقع المجهول و الحديث الشريف مما يثبت السعة من ناحية الواقع المجهول فيتنافيان.

أقول و في جواب المصنف ضعف كما لا يخفى فان الحديث الشريف و دليل الاحتياط و إن كانا يتعارضان من حيث ان أحدهما يثبت السعة من ناحية الواقع المجهول و الآخر يثبت الضيق من ناحيته فليس الحديث الشريف بالنسبة إلى دليل الاحتياط كالأصل بالنسبة إلى الدليل الاجتهادي بحيث ينتفي به موضوعه (و لكن) الثاني حيث انه أخص من الأول لاختصاصه بالشبهات التحريمية الحكمية فقط فيقدم على الأول إذا تم و سلم مما أورد عليه و يختص الأول بالشبهات الوجوبية فقط بل بالوجوبية و التحريمية الموضوعية جميعاً (و عليه) فالحق في الجواب عن الشيخ أعلى اللَّه مقامه كما تقدم منا قبلا أن يقال إن الآيات الشريفة و هكذا الأحاديث الشريفة الا مرسلة الفقيه و هي ما سيأتي من قوله (عليه السلام) كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي و إن لم تعارض دليل الاحتياط لم تم و سلم و لو لأخصيته منها لا لحكومته أو وروده عليها فاللازم على منكر الاحتياط رد دليل الاحتياط أو معارضته بما دل على الرخصة (و لكن) مجرد رده و دفع المانع و إبطاله مما لا يكفي لمدعي البراءة فإنا بعد رده نحتاج لا محالة إلى أدلة نستند إليها و براهين نعتمد عليها فنحن الآن بصدد تلك الأدلة و البراهين ثم نجيب بعداً عن دليل الاحتياط كما هو حقه إن شاء اللَّه تعالى‏

قوله فافهم ... إلخ‏

(1) و لعله إشارة إلى ضعف جوابه كما أشير آنفاً فلا تغفل.

47

في الاستدلال بحديث كل شي‏ء مطلق‏

قوله و منها قوله (عليه السلام) كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى ... إلخ‏

(1) (قد رواه في الوسائل) في القضاء في باب وجوب التوقف و الاحتياط في القضاء و الفتوى عن الصدوق مرسلا عن الصادق (عليه السلام) كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي (قال الشيخ) أعلى اللَّه مقامه بعد ذكر الحديث الشريف (ما لفظه) استدل به الصدوق (قدس سره) على جواز القنوت بالفارسية و استند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الأشياء حتى يثبت الحظر من دين الإمامية (انتهى) (و قال المحقق القمي) (قدس سره) (ما لفظه) و رواه الشيخ (رحمه اللَّه) يعني به الطوسي و في روايته امر أو نهي (انتهى).

أقول و حكى عن البحار انه نقله عن الأمالي مسنداً عن أبي غندر عن أبيه عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر و نهي (الحديث).

قوله و دلالته تتوقف على عدم صدق الورود الا بعد العلم أو ما بحكمه بالنهي عنه و إن صدر عن الشارع و وصل إلى غير واحد مع انه ممنوع إلى آخره‏

(2) (و لكن يظهر من الشيخ) تسليم دلالته (بل قال) و دلالته على المطلب أوضح من الكل (إلى ان قال) فإن تم ما سيأتي من أدلة الاحتياط دلالة و سنداً وجب ملاحظة التعارض بينها و بين هذه الرواية (انتهى).

أقول إن اعتمدنا في الحديث الشريف على رواية الصدوق أو الطوسي (رضوان اللّه عليهما) كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي أو حتى يرد فيه أمر أو نهي (فالحق مع المصنف)

48

من منع دلالته على المطلوب و ذلك لوضوح صدق الورود على الصدور من الشارع و إن اختفى علينا لبعض الأسباب و الدواعي و من الواضح المعلوم أنا نحتمل الصدور في كل شبهة حكمية فلا يمكننا التمسك فيها بالحديث الشريف فإنه من التمسك بالدليل في الشبهة المصداقية (و عليه) فالحديث أجنبي عن البراءة و يكون من أدلة ما اشتهر على الألسن و نسبه الصدوق (رحمه اللَّه) إلى دين الإمامية من أن الأصل في الأشياء هو الإباحة إلى أن يرد فيه النهي لا الحظر أو الوقف إلى أن يرد فيه الرخصة (و إن اعتمدنا) في الحديث الشريف على ما حكى عن البحار عن الأمالي الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر و نهي (فالحق مع الشيخ) و يكون الحديث الشريف من أدلة المطلوب فإن الإطلاق فيه مغيا بالورود على المكلف فما لم يصل إليه امر أو نهي لم يصدق الورود عليه (بل يظهر من الحديث) انه لا يجب الفحص عليه في الشبهات الحكمية فيكون الإطلاق ثابتاً إلى أن يصل الحكم إليه بنفسه و لكن لا بد من تقييده بما سيأتي من أدلة الفحص كما ستعرف (هذا و إن شئت التوضيح) بنحو أبسط فنقول إن لنا نزاعين ممتازين كل منهما عن الآخر.

(أحدهما) أن الأصل في الأفعال الغير الضرورية التي لا يدرك العقل حسنها و لا قبحها هل هو الإباحة إلى أن يرد من الشرع الحظر أو الأصل فيها الحظر و لا أقل من الوقف إلى أن يرد فيه الرخصة و هذا هو النزاع المعروف بين القدماء المشتهر بالإباحة و الحظر (و قد عرفت) ان الصدوق (رحمه اللَّه) قد اختار الأول بل جعله من دين الإمامية (و يظهر من الشيخ) في ذيل بيان الدليل العقلي على الاحتياط أن القول بالحظر منسوب إلى طائفة من الإمامية و ان الوقف قد ذهب إليه الشيخان أي المفيد و الطوسي و ان الطوسي (رضوان اللّه عليه) قد احتج في العدة على الوقف بكون الإقدام على ما لا يؤمن من المفسدة فيه كالإقدام على ما يعلم فيه المفسدة (كما انه يظهر من الفصول) أن القائلين بالحظر يحتجون بأن فعل ما لم يرد فيه رخصة تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم.

49

(ثانيهما) أن الأصل في الأفعال عند الشك في حرمتها و احتمال ورود النهي فيها و عدم وصوله إلينا هل هو حليتها ظاهراً إلى أن يثبت الحرمة أم لا بل الأصل في ظرف الشك هو الاحتياط إلى أن يثبت الحل و هذا هو النزاع المعروف بين المجتهدين و الأخباريين (و الفرق بين النزاعين) أن مجري الأول هو ما علم بعدم ورود النهي عنه و مجري الثاني هو ما احتمل ورود النهي عنه ثبوتاً و انه اختفى علينا و لم يصل إلينا (ففي المقام) إن اعتمدنا في الحديث الشريف على رواية الصدوق أو الطوسي فهو نافع للنزاع الأول و يكون هو دليلا اجتهادياً كالدليل على المباحات و يكون مدركاً لكون الأصل في الأشياء هو الإطلاق حتى يرد فيه نهي و ليس هو أصلًا عملياً مضروباً لظرف الشك أبداً (و إن اعتمدنا) في الحديث الشريف على رواية الأمالي فهو نافع للنزاع الثاني و يكون مدركاً للبراءة الشرعية الجارية في ظرف الشك أي لإباحة الشي‏ء و إطلاقه ظاهراً مع احتمال ورود النهي فيه واقعاً.

قوله لا يقال نعم و لكن بضميمة أصالة العدم صح الاستدلال به و تم ... إلخ‏

(1) (و حاصل الإشكال) انه نعم يصدق الورود على صدور النهي عن الشارع و إن اختفي علينا لبعض الأسباب و الدواعي و لكن الأصل عدم صدوره فإنه مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه فيتم الاستدلال بضميمة الأصل (و حاصل الجواب) ان الاستدلال حينئذ و ان كان يتم بضميمة الأصل و يحكم بإباحة ما شك في حرمته لكن لا بعنوان انه مشكوك الحرمة و محتمل النهي بل بعنوان انه مما لم يرد فيه نهي (و بعبارة أخرى) ان مفاد الأدلة المتقدمة التي استدل بها للبراءة هو الحكم بحلية المشكوك ظاهراً مع احتمال حرمته و ورود النهي عنه واقعاً و مفاد هذا الحديث الشريف بضميمة الأصل هو أن المشكوك حرمته مما لم يرد فيه نهي واقعاً فهو مطلق حلال من هذه الجهة لا من جهة انه مشكوك الحرمة يحتمل ورود النهي عنه واقعاً

50

أقول و الحق في الجواب أن يقال ان الحديث الشريف كما تقدم آنفاً على رواية الصدوق أو الطوسي (رضوان اللّه عليهما) انما هو من أدلة كون الأصل في الأشياء هو الإباحة حتى يرد فيه نهي غايته انه إن علم أن الشي‏ء مما لم يرد فيه نهي فيتمسك حينئذ بالحديث الشريف لإثبات إطلاقه بلا حاجة إلى شي‏ء آخر أصلا و إن شك في ورود النهي فيه فبأصالة عدم ورود النهي فيه يحرز الصغرى ثم يحكم عليه بالإطلاق و الإباحة (و عليه) فالحديث الشريف على كل حال انما هو من أدلة كون الأصل في الأشياء هو الإباحة حتى يرد فيه نهي إما بنفسه أو بضميمة الأصل و ليس هو مربوطاً بمسألة البراءة أصلا و ان كان لا يتفاوت الأمر لدى النتيجة فيما يهمنا في المقام من الحكم بالإباحة لدى الشك في الحرمة كما سيأتي في لا يقال الثاني غايته ان دليل البراءة هو يحكم في المشكوك بالإباحة مع احتمال ورود النهي فيه و هذا الحديث الشريف بضميمة الأصل يزيل الشك و الاحتمال أو لا ثم يحكم عليه بالإباحة.

قوله لا يقال نعم و لكن لا يتفاوت فيما هو المهم من الحكم بالإباحة كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان ... إلخ‏

(1) (حاصل الإشكال) انه نعم ان مفاد الحديث الشريف بضميمة أصالة العدم هو الحكم بإباحة مجهول الحرمة إلّا انه لا بعنوان انه مجهول الحرمة بل بعنوان انه مما لم يرد فيه نهي و لكن لا يتفاوت ذلك فيما هو المهم في المقام من الحكم بإباحة مجهول الحرمة سواء كان بهذا العنوان أو بذاك العنوان (و حاصل الجواب) انه لو كان الحكم بإباحة مجهول الحرمة بالعنوان الثاني أي بعنوان انه مما لم يرد فيه نهي لاختص ذلك بما إذا لم يعلم ورود النهي فيه فيستصحب عدم الورود أولا ثم يحكم عليه بالإطلاق و اما إذا علم إجمالا بورود النهي فيه في زمان و بورود الإباحة فيه في زمان آخر و اشتبه السابق باللاحق فلا يكاد يتم الاستدلال حينئذ إذ لا يستصحب العدم لينضم إلى الحديث الشريف و يتم الأمر و يثبت المطلوب كما لا يخفى و هذا بخلاف ما إذا كان الحكم بإباحته بعنوان انه مجهول‏