غاية الأصول في شرح كفاية الأصول‏

- الشيخ علي آغا ميري الدزفولي المزيد...
556 /
1

تقريظ سماحة آية اللّه العظمى السّيّد محمّد الوحيدي (دامت بركاته)

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

بعد الحمد و الصّلاة، فقد لاحظت شطرا مما كتبه و حرّره جناب الفاضل العلّامة قرّة عين السّيادة و نخبة أهل الفضل و الكرامة آية اللّه المغفور له الآغا السّيد علي السيّد آقا مير أعلى اللّه تعالى في فراديس الجنان مقامه تقريرا لابحاث استاذه علم دائرة التّحقيق و مقنن قواعد الاصول و مهذّبه آية اللّه العظمى الغروي الهروي الشّهير ب «آخوند الخراساني» صاحب كفاية الاصول (قدّس اللّه روحه الزّكية) فرأيته حسن التّعبير وافيا للمراد و كافيا للمقال وسطا بين الإيجاز و الأطناب فللّه درّه و عليه سبحانه أجره و قد نهض و قام حفيده العزيز سلالة السّادة و غرّة شرف النّجابة الآغا السّيد حسين السيّد آقاميرى حفظه اللّه عن العاهة و الآفة بنشره و بذل نفقة طبعه اداء لبعض حقوقه و إحياء لتراث جدّه و اعزازا للعلم و العلماء و جعل البارى جلّ شأنه سعيه مشكورا و أمدّ في عمره و زاد في تأييده.

27/ 3/ 76 قم المشرفة محمّد الحسيني الوحيدي‏

متن الإجازة بخط المرحوم آية اللّه الشّيخ الشّربياني (ره)

2

متن الإجازة بخط المرحوم آية اللّه الشّيخ حبيب اللّه الرّشتي (ره)

3

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

حياة المؤلف‏

كان سيّد الفقهاء و الأعلام المرحوم آية اللّه العظمى السّيد عليّ آقا ميري ابن الفقيه الطّبيب المرحوم السّيد نعمة اللّه ابن المرحوم السّيد أسد اللّه ابن المرحوم آية اللّه السّيد محمّد حسين آقا ميري ابن علّامة دهره، و وحيد عصره المرحوم آية اللّه العظمى السّيد عبد الباقي الموسوي الدّزفولي المعروف بالسّيد آقا مير (1) ابن المرحوم السّيد مرتضى.

و ما يظهر من التّحقيق إنّ أوّل العلماء من سكنة مدينة دزفول كان المرحوم آية اللّه آقا مير السّيد عبد الباقي، فإنّه علاوة على رئاسته العلميّة كان في زهده و قداسته و ورعه وحيد عصره، كما ظهرت منه كرامات كثيرة لا زالت تتناقل على ألسن النّاس.

سافر في أوان شبابه إلى مدينة اصفهان ليغرف من علوم أهل البيت (عليهم السّلام) من منابعها الفياضة عند كبار العلماء و الفقهاء، و استفاد من دروس الحوزات العلميّة لأعاظم العلماء أمثال جمال الدّين الخوانساري‏ (2)، ثمّ سافر إلى مشهد الإمام عليّ‏

____________

(1) كان هذا اللقب يطلق في تلك الأيّام للشّخصية المرموقة علميا في تلك المدينة.

(2) تتلمذ العالم العامل، الحكيم المحقق، المتكلّم المدفق، الفقيه و المحدث الجليل الشأن جمال الدّين‏

4

الرّضا (عليه السّلام) استفاد من درس المولى عبد الرحيم الجامي، و يعتقد الآخرون أنّه حضر دروس العلّامة محمّد باقر المجلسي (رحمه اللّه) في زمن إقامته في مدينة أصفهان، و توفق بأخذ إجازة الرّواية و الفتوى منه (رحمه اللّه)، و بعد نيله المدارج العالية و احرازه المراتب العلميّة السّامية أقفل راجعا إلى مدينته دزفول، و اغتنم طلاب العلم وجوده الشّريف بينهم، فتقاطروا من الأطراف و الأكناف إلى درسه و تخرج جميع العلماء و الفضلاء في تلك الأيّام و في تلك الدّيار من مدرسته و تربوا على يده المباركة و كان لهم افتخار التّلمذة.

كما حضر في درس العلّامة الكبير المرحوم السّيد عبد اللّه الجزائري حفيد المحدّث الكبير المرحوم السّيد نعمة اللّه الجزائري (رحمه اللّه) بعد هجرته من مدينة التّوستر- الشّوشتر- إلى مدينة دزفول- و ذكر في كتابه «الإجازة الكبيرة» عن فضله و كماله و تقواه و فقاهته.

كان للسّيد عبد الباقي مدرسا كبيرا يحضره الأعلام للاستفادة منه- يعرف هذا المحل أو المدرس ب «غرفة السّيد آقا ميري» (1) و لا زال جانبا من هذا البناء باقيا إلى الآن- فكان له (ره) مضافا إلى مقامه العلمي الشّامخ إمامة الجمعة، تولى إمامة الجماعة في المسجد الجامع في دزفول من سنة (1110 ه ق) تقريبا (2)، و لا زالت إمامة الجماعة بيد أحد أبناء هذه العائلة الكريمة.

____________

(1) و للأسف اعتبر بعض الكتّاب الجهلاء، هذا المحل من الآثار التاريخية يعود إلى قبل الإسلام، و هذا خطأ، لأنّ الحوزات العلميّة في دزفول كانت تسمى في السّابق «اطاق» و بهذا الدّليل كانت أكثر البيوتات العلميّة في دزفول لها مثل هذه الغرف، و يجدر بالذّكر أنّ تاريخ بناء «أطاق» آقا مير يعود إلى العصر الصّفوي.

(2) أقدم سند موجود للمسجد الجامع في دزفول، سند الوقف لحمام المسجد، و يرجع تاريخ كتابته إلى سنة (1051 ه، ق) و فيها نسخة محفوظة.

5

كتب المؤرخ الشّهير الشّيخ محمّد عليّ الحزين اللاهيجي في سفره إلى دزفول في كتابه المشهور «تاريخ الحزين»: «كان من الاعيان السّيد الفاضل مير عبد الباقي (ره)، و المرحوم مير السّيد عليّ بن مرتضى الدّزفولي «المتوفي 1200 ه، ق» تقريبا».

و ورد في كتاب «تذكرة دزفول» و لا يزال مخطوطا و توجد منه نسخة مصوّرة في مكتبة آية اللّه العظمى السّيد المرعشي النّجفي (ره) في فصل الماضين: «أمّا من العلماء المعاصرين منهم كان و المرحوم آقامير عبد الباقي، و قد انتشر إحسانه في كل مكان بما يستغني عن البيان».

و أخيرا أفل كوكب ذلك العالم الفريد المشرق في سنة (1142 ه، ق) و عرجت روحه الطّاهرة إلى الملأ الأعلى.

و كان لآية اللّه العظمى آقا مير عبد الباقي ستة أولاد، و كان الذّكور من أولاده هم:

1- المرحوم آية اللّه السّيد محمّد حسين، كان من العلماء الأعلام و الشّخصية المرموقة من بيت السّادات آقا مير بعد وفاة والده، و حاز في مدينة دزفول الرّئاسة العلميّة في سنة (1143 ه، ق) إلى حدود سنة (1214 ه، ق) في المسجد الجامع دزفول.

2- المرحوم السّيد مرتضى.

3- المرحوم السّيد محمّد باقر.

و كذلك كان للمرحوم آية اللّه السّيد محمد حسين آقا مير ثمانية أولاد، و الذّكور

6

منهم:

1- المرحوم السّيد نور الدّين‏ (1). تولّى إمامة الجماعة في مسجد الجامع في دزفول بعد وفاة والده من سنة (1214 ه، ق) إلى (1245 ه، ق) تقريبا.

2- المرحوم السّيد أسد اللّه الطّبيب.

3- المرحوم السّيد عليّ.

4- المرحوم السّيد إسماعيل.

5- المرحوم السّيد أبو القاسم.

6- المرحوم السّيد أبو الحسن.

7- المرحوم السّيد إبراهيم.

و كان للمرحوم السّيد أسد اللّه الطّبيب أيضا ستة أولاد، و الذّكور من أولاده عبارة عن.

1- المرحوم السّيد نعمة اللّه، فانّه علاوة على تلبسه بلباس أهل العلم كان يعمل طبيبا.

2- المرحوم السّيد نور اللّه.

3- السيد محمّد حسين.

____________

(1) و كان للمرحوم السيد نور الدين أيضا خمسة أولاد الذّكور منهم: الأول المرحوم السّيد عبد الكريم، كانت له إمامة الجماعة من سنة (1245 ه، ق) إلى حدود (1367 ه، ق) في المسجد الجامع، الثّاني:

المرحوم السّيد محمد حسين، كانت له إمامة الجماعة أيضا عند غياب أخيه و بعد وفاته إلى سنة (1300 ه، ق) في المسجد الجامع.

و كان للمرحوم السّيد محمّد حسين أيضا ثلاثة أولاد، و الذكور منهم: الأول: المرحوم السّيد عبد السّلام بعد رجوعه فإنّه من سفر طهران تولى إمامة الجماعة في المسجد الجامع من سنة (1322 ه، ق) إلى (1326، ه، ق). الثّاني: المرحوم السّيد عبد النّبى الذي تولى إمامة الجماعة في المسجد الجامع من سنة (1308 ه، ق) إلى (1321 ه، ق)،- و لا يخفى أنّه جدّ الكاتب عن حياة المؤلف- دفن هذان الأخوان الجليلان في مقبرة خاصّة تقع في مقابل «اطاق» آقا مير (ره).

7

و كان أولاد المرحوم السّيد نعمة اللّه هم:

1- المرحوم السّيد عبد الكريم.

2- المرحوم السّيد طاهر.

3- المرحوم السّيد محمّد حسين.

توفوا جميعا دون أن يحلفوا من بعدهم ذريّة «رحمهم اللّه جميعا».

4- المرحوم الحاج محمّد حسين السيّد الإمامي.

5- سيّد الفقهاء و المجتهدين المرحوم آية اللّه العظمة السّيد عليّ آقا ميري (قدّس سرّه) مؤلف الكتاب.

و كان من أعاظم علماء الأعلام، الفقيه، الأصولي، الزّاهد، الذي وصل إلى الكمالات النّفسية و اتصف بالصّفات الحميدة ولد في مدينة دزفول في سنة (1267 ه، ق) و بعد إتمامه المقدّمات و السّطوح شدّ رحله و توجه إلى النّجف الأشرف، و استفاد عدّة سنوات من درس المحقق المدقق و الفقيه الزّاهد المرحوم الحاج ميرزا حبيب اللّه الرّشتي (رحمه اللّه) (1) حيث كان من أكابر تلاميذ الشّيخ الأعظم الشّيخ مرتضى الأنصاري (ره).

و ورد في إجازة الأستاذ له بالرّواية في سنة (1311 ه، ق) في خاتمة تقريرات فقهه مدح السّيد (ره) بهذه العبارة.

____________

(1) يعتبر آية اللّه ميرزا حبيب اللّه الرّشتي (ره) من أكابر علماء و أساتذة فقهاء الشّيعة الإمامية، تتلمذ على يد المولى عبد الكريم الايرواني في مدينة قزوين، ثمّ رحل إلى النّجف الأشرف و استفاد من درس آية اللّه الشّيخ محمّد حسن الجواهري صاحب كتاب «الجواهر» و بعده التحق ببحر العلم و المعرفة آية اللّه الشّيخ الأنصاري (ره)، و بقي مرافقا له حتّى وفاة الشّيخ الأنصاري (ره)، و كان محتاطا جدا بحيث انّه كان لا يتصرف في الوجوهات الشّرعيّة، مع ابتعاده الكامل عن الرّئاسة، و من شدّة زهده و تقواه لم يرض أن يقلّده أحد من النّاس، علاوة على ذلك كان رجلا عابدا دائم الطّهارة و الوضوء، و يقضي بالصّوم أكثر أيّام سنته، توفي في سنة (1312 ه، ق).

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه بارئ النّسم، و معلّم الإنسان ما لم يعلم، و اصلّي على نبيّ الرّحمة و آله الأطهار الأئمّة (صلى اللّه عليهم أجمعين).

هذا، و لمّا كان العامل العالم و ذبالة مقباس بني هاشم السّيد التّقي و الحبر الصّفي جناب السّيد عليّ الدّزفولي نجل المرحوم من له الفضل و الرّفعة امام الجمعة قد تلمّذ علينا برهة من الزّمان، فرأيناه ذا فكرة نقّادة و بصيرة وقّادة، و قد أطلعني على هذه الكراريس، فرأيت فيها نبذة من العلم النّفيس ممّا تلقاه منّا في مجلس التّدريس، فأردت أن أخطّ بالبراع، تعريف ما وقع في هذه الرّقاع، فرأيت أنّ النّظر فيه عن جميع ذلك يغنيه، و في العيان كفاية عن البيان، لذاك طويت عن ذلك كشحا، و صرفت القلم عن ذلك رشحا، و حيث أنّ والده المرحوم قد انتقل إلى دار القرار و محلّ الأبرار، أذنّا له بالرّجوع إلى وطنه و الحلول في مسكنه كي ما يكون بمقام أبيه، فإنّه و الحمد للّه قد أحرز الجمّ الكثير و الفريد الخطير، تقيّ ورع نقيّ مهذّب و عليم بالفضل مجرّب.

و قد أذنّا له بأن يتصرّف في جميع الأمور الحسبيّة الرّاجعة إلى حاكم الشّرع من قبض حقّ الإمام روحي فداه و صرفه في مواقعه، و كذا مجهول المالك و مال اللقطة، و النّيابة عن الغيّاب و غير ذلك.

و أوصيناه بالمواظبة على الاشتغال و اقتناص صالح الأعمال، و أن يأخذ بالحائطة، و في الخبر:

10

«أخوك دينك، فاحتط لدينك» و أن لا ينساني من الدّعاء كما إنّي إنشاء اللّه لا أنساه، زاد اللّه في علمه و تقواه.

الجاني‏

حبيب اللّه الغروي الجيلاني‏

الختم.

و يستفاد من بعض عبارات الإجازة، أن صاحب التّرجمة بعد وقوفه على وفاة والده يصمم العودة إلى وطنه دزفول، ثمّ لعلل أخرى رفض البقاء فيها فقفل عائدا إلى النّجف الأشرف، و حضر درس الفقيه الكبير مولى الشّرابياني المعروف بالفاضل الشّربياني‏ (1).

و مؤلفنا الجليل قد تتلمذ على يد هذا العالم الجليل و مرجع الشّيعة المشهور من أكابر علماء الإماميّة و فقهاء الاثني عشرية، و قد ورد في إجازته التي منحها للسّيد المؤلف في سنة (1320 هق) مادحا و معظما له.

____________

(1) ولد آية اللّه الفاضل الشّربياني في سنة (1248 ه ق) بعد إتمامه للمقدّمات رحل إلى مدينة تبريز، و منها في السّنة (1273 هق) إلى النّجف الأشرف و حضر درس آية اللّه الشّيخ مرتضى الأنصاري (ره)، و بعد وفاة الشّيخ الأنصاري (ره) أتمّ دراسته عند السّيد حسين الكوه‏كمري (ره) و كان السّيد يحبّه و يحترمه، و بعد وفاة السّيد الكوه‏كمري (ره) تولى مرجعيّة الشّيعة المجدّد الشّيرازي (ره) و كانت له منزلة عظيمة عند النّاس و الدّولة و العثمانيّة، توفي في سنة (1322 ه ق) في النّجف الأشرف.

و بعد «35» سنة من وفاته يعني- (1357 ه ق) عند ما قامت الحكومة العراقيّة بترميم أطراف الحرم المطهر لأمير المؤمنين (ع)، في هذا الحين ظهرت أجساد الموتى، و من جملته هذا العالم الجليل و الفاضل المقدّس، و كان جسده الطّاهر سالما لم يتغيّر.

11

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

12

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الّذي رفع درجات العلماء و ... فيهم ... فصاروا شكوة الضّياء و جعلهم ورثة الأنبياء، و الصلاة و السلام على شمس فلك الاصطفاء محمّد المبعوث على الورى و آله الطّيبين الطّاهرين المعصومين الأتقياء الأذكياء.

بعد، فإنّ أعظم نعم اللّه سبحانه بعد النبيين و الأوصياء المرضيين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) ما دارت السّماء على الأرضين، وجود العلماء الأمجاد الذين هم منار الهدى في البلاد و أعلام الاهتداء للعباد، إذ بهم يعرف صلاح المعاش و المعاد، و يوضح طريق الصواب و السداد، فطوبى لمن منّ اللّه عليه بهذه النعمة العظيمة و أعطاه تلك المنقبة الجسيمة.

و لقد منّ اللّه بذلك على العالم العامل الفاضل الكامل، نور حدقة المجد و السيادة، و نور حديقة الفضل و السعادة، صاحب القريحة الوقّادة و الطبيعة ... سلالة المصطفين المحرز لقصبات السبق في مضمار الفضل من الذهن الّذي علا علاه الفرقدين وفاق نور سناه النيّرين المحقّق الورع التّقي و ... الصفي اللوذي الألمعي السّيد السند الركن المعتمد، ولدي و قرّة عيني جناب السّيد على الدزفولي دام فضله العالي، فإنّي قد تشرّفت بخدمته مدّة من الأوان و برهة من الزّمان حين حضوره عندي مع جملة من الأعيان ملتجئا بالمشهد الغروي و الحمي المرتضوي (عليه السّلام)، و وجدته بحرا متلاطم الأمواج يتشعّب منه في علمه الأنهار و الفجاج، صاحب الفضائل الوافرة و الفواضل الفاخرة، حليف التقي و رديف العلي،

13

ذا قوّة قدسية و منحة ربانية و ملكة لاهوتية، بالغا إلى أقصى مراتب ما يراد بل ما فوق المراد، مندرجا في الكمّلين الأوتاد.

و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء، فليحمد اللّه على ما وفّقه من الوصول إلى هذه المرتبة السنيّة و الموهبة السماوية، فشكر اللّه سعيه و عمله، و أناله أمله، لا زال موفّقا للصواب و مؤيّدا بفصل الخطاب، و أوصيه سلّمه اللّه تعالى بملازمة الورع و التقوى و مخالفة النّفس و الهوى، و أنّ لا ينساني من الدعاء في جميع الأوقات من مظانّ الإجابات، ما أنّي لا أنساه كذلك إنشاء اللّه تعالى.

حرّره الأحقر الجاني‏

محمّد الغروي الشرابياني ختم.

و بعد وفاة هذا الأستاذ- الشّيخ الشرابياني (ره) في سنة (1322 هق)- حضر درس الأستاذ الشّيخ الآخوند الخراساني (ره) (1)، و بقي ملازما له حتّى توفي أستاذه الشّيخ الآخوندي (ره).

توفي المرحوم السّيد عليّ بعد عمر من البحث و التّدريس، كسب الفيوضات العلميّة من أساتذته الكرام في حوزة النّجف الأشرف و ذلك في سنة (1330 هق) و دفن في وادي السّلام إلى جوار مولاه و جدّه الإمام أمير المؤمنين (ع).

____________

(1) كان الشيخ الملا كاظم الخراساني (ره)- صاحب كتاب كفاية الأصول القيمة- من أكابر علماء الإماميّة، و من أشهر علماء الأصول، جامع المعقول و المنقول، تولد في سنة (1255 هق) في طوس، و بعد إتمام المقدّمات في سنة (1377 هق) ذهب إلى طهران و بعد سنة من إقامته في طهران رحل إلى النّجف الأشرف، و قد تخرج من درسه فقهاء كثيرون، حتّى وافاه الأجل يوم الثّلاثاء «20» ذي الحجة سنة (1329 هق).

14

و قد كتب (رحمه اللّه) كثيرا من تقريرات البحوث الفقيه للميرزا حبيب اللّه الرّشتي (رحمه اللّه) و الفاضل الشّرابياني (رحمه اللّه) و كذلك تقريرات الأصول للآخوند الخراساني (ره)، و هي الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، و جميع هذه التّقريرات موجودة.

و قد أشار العلّامة المتتبع و العالم الجليل الشّيخ آقا بزرگ الطّهراني في كتاب القيم «الذّريعة» إلى هذه التّأليفات ..

و كان المؤلف (رحمه اللّه) معاصرا للمرحوم آية اللّه العظمى الشّيخ محمّد طاهر المعزّي «رضوان اللّه» من سنة (1315) إلى (1330)، و تربطه به علاقة حميمة و من أصدقائه المخلصين، و على هذا الأساس طالب المرحوم آية اللّه المعزي (رحمه اللّه) من السّيد عليّ آقا ميري (رحمه اللّه) أن يترجم له رسالته العمليّة المعروفة ب (مصباح الهداية) من الفارسي إلى العربية، و لا زالت النّسخة الخطيّة منها موجودة.

و كان للمرحوم السّيد عليّ آقا ميري (رحمه اللّه) ثمانية أولاد الذّكور منهم:

1- المرحوم حجّة الإسلام الحاج السّيد محمّد، ولد في «17» ربيع الأوّل سنة (1310 هق) و كان من أهل العلم ابتداء ثمّ عمل تاجرا في ميناء المحمرة (ميناء خرمشهر) و بعدها سافر إلى ميناء بمبئي هندوستان، و من أوصافه الحميدة كرمه و عطاه للفقراء و المحتاجين بالأخص الأصدقاء و الأرحام. و كان عقيما لم يخلف من بعده ذريّة، و دفن في جوار جدّه و مولاه أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) في وادي السّلام في النّجف الأشرف.

2- المرحوم حجّة الإسلام السّيد عبد اللّه، المتولد (4) شعبان المعظم، توفي في أيّام شبابه و لم يعقب، و دفن في مقبرة الآيتين المرحوم السّيد عبد السّلام و السّيد

15

عبد النّبيّ إماما الجمعة لمدينة دزفول.

3- المرحوم حجّة الإسلام السّيد نعمة اللّه الذي ولد في ربيع المولود سنة (1314 هق) و توفي (هق) و دفن في البقعة المتبركة لمحمّد بن جعفر الطّيار (رحمه اللّه) الواقع على خمسة كيلومترات جنوب مدينة دزفول.

4- المرحوم حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السّيد عبد الرّزاق الذي ولد في (20) محرم الحرام (1323 هق) و كان من العلماء العاملين من أكابر بيت السّادات آقا مير في عصره، تولى إقامة صلاة الجماعة لسنوات طويلة في المسجد الجامع في دزفول، و من شدّة قداسته أنّه كان يتأثر كثيرا عند ما يشاهد مخالفة للشرع تصدر من أحد، و توفي في سنة (1415 هق) و دفن في البقعة المتبركة لمحمّد بن جعفر الطّيار (رحمه اللّه).

5- المرحوم حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السّيد عبد الوهاب الذي ولد في (1316 هق) و كانت دراسته عموما عند أستاذه المرحوم آية اللّه العظمى الشّيخ عبد الحسين العاملي (شيخ الإسلام) (1).

و كان (رحمه اللّه) من أكابر بيت السّادات آقا ميري في عصره، و كانت له يد طولى في الأصول السّياسية، و قد استفاد من هذه الميزة في إدارة أمور السّادات آقا ميري و كانت له يد طولى أيضا في العلوم الغريبة، و يقضي أكثر أوقاته في اللّيل لمطالعة الكتب حول هذه العلوم. وافاه الأجل ليلة الحادي عشر من شهر شعبان المعظم سنة (1376 هق) و قيل انتقلت جنازته إلى النجف الأشرف و دفن في جوار مولى الكونين أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام) في وادي السّلام.

____________

(1) توفي المرحوم الشيخ عبد الحسين العاملي في سنة (1354 هق)، و دفن في المقبرة العائليّة في البقعة المتبركة محمّد بن جعفر الطّبار (ره) في دزفول.

16

و كانت زوجته والدة «كاتب التّرجمة» بنت المرحوم آية اللّه السّيد عبد النّبيّ آقا ميري إمام الجمعة الأسبق لمدينة دزفول. و كانت «عليها الرّحمة» زاهدة و عابدة و متقية، و كانت جميع العلويات من بيت السّادات آقا ميري يجلونها و يحترمونها.

و من أبرز خصائصها أنّها كانت لا تتكلم إلّا بمقدار الضّرورة، و كانت هذه العلوية الزّاهدة تحبّ جدّها سيّد الشّهداء أبا عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) حبّا عظيما، و ذلك عند ما كان ينادي (السيد حسين آقا ميري) أحد من أهل بيته فكانت تتذكر مظلوميّة سيّد الشّهداء (عليه السّلام) و تجري دموعها، و تقيم تمام الشّهر من المحرم و الصّفر و أيّام استشهاد سيّدة النّساء فاطمة (عليها السّلام) العزاء في منزلها. توفيت «رحمها اللّه» في الرّابع من ربيع الأوّل سنة (1403 هق) في مدينة دزفول، و دفنوها بصورة مؤقتة، و بعد عدّة سنوات نقل جثمانها الطّاهر- دون أن يطرأ عليه أي تغيير- إلى جوار الطّاهر للعلوية فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى الكاظم (عليهما السّلام) و دفنت هناك.

كان للمرحوم حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السّيد عبد الوهاب «والدي» خمسة أولاد. و الذكور منهم.

الأوّل: العالم العامل الرّباني و الفاضل الصّمداني المرحوم آية اللّه الحاج السّيد أسد اللّه آقاميري الذي ولد في سنة (1307 هق) في مدينة دزفول، و بعد كسبه الفيوضات العلميّة من محضر كبار المراجع في دزفول، سافر إلى مدينة قم المقدّسة و تتلمذ عند جماعة من العلماء الأكابر، ثمّ قضى عائدا إلى وطنه، و بدأ بأداء مسئوليته الدّينيّة من إرشاد النّاس و توجيههم، و كانت له محبّة خاصّة في قلوب النّاس، حتّى توفي في اليوم الخامس و العشرين من شهر محرم سنة (1408 هق) لصادف ليوم السّابع عشر من شهر شهريور سنة (1367 هق) في دزفول، و دفن‏

17

إلى جوار جدّه من الأمّ المرحوم السّيد عبد النّبي آقا ميري إمام الجمعة الأسبق لمدينة دزفول. في مقبرة الخاصة لبيت السّادات آقا ميري.

ورد ترجمة حياته مفصلة في مقدّمة كتابه «في ضلال النور» و يعتبر هذا الكتاب من آثار ذلك الفقيد. طبع بعد وفاته.

الثّاني: المرحوم حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السّيد عبد الوهاب آقاميري من سلالة السّادات و هو الاخ الكبير للسّيد محمّد رضا آقا ميري. ولد في سنة (1306 هش) و اشتغل بتحصيل العلوم الدّينيّة عدّة سنوات في مدينة قم المقدّسة.

أمّا اليوم فمع اشتغاله في التّحقيق و مطالعة آثار السّلف و تفحّص مشارق علومهم المنيرة في المسائل المذهبيّة و الأخلاقيّة يعمل تاجرا في سوق طهران.

الثّالث: من أولاده ميري، السّيد حسين آقا ميري المتولد في (1316 هش) أحمل شهادة بكلوريوس في علوم الأدبيات العربيّة، و لا زالت مشغولا في أداء الوظائف الدّينيّة، و مدرسا في إحدى ثانويات مدينة دزفول.

و لا يخفى، أنّي استفدت بعض مطالب هذه التّرجمة عن حياة المؤلف من كتاب «حياة الشّيخ مرتضى الأنصاري (رحمه اللّه)» «تاريخ مسجد الجامع في مدينة دزفول» تأليف الحاج السّيد محمّد عليّ الإمام.

و كذلك نشكر مساعي الجليلة للسّيد مهدي «وحيد» آقاميري ابن المرحوم آية اللّه الحاج السّيد أسد اللّه آقاميري.

و كذا أرى من وظيفتي في خاتمة الكلام و ختامه مسك أن أقدم شكري و امتناني لإرشادات و توجيهات المرجع الدّيني الكبير آية اللّه العظمى الحاج السّيد محمّد الوحيدي متّع اللّه المسلمين بطول بقاءه الشّريف في طبع هذا الكتاب.

18

نأمل من اللّه القدير أن يوفقنا على نشر سائر الآثار القيمة للمرحوم آية اللّه العظمى السّيد علي آقا ميري إنشاء اللّه.

و كذلك من وظيفتي أن أقدم جزيل شكري و امتناني على ما بذله سماحة السّيّد أحمد القبانچي و سماحة الشيخ هاشم الصّالحي من تصحيح و تنقيح و إخراج هذا السّفر الجليل بهذا الشكل الجميل و أسأل اللّه سبحانه أن يوفقهما للعلم و العمل آمين ربّ العالمين.

السّيد حسين آقا ميري‏

الدّزفولي‏

14/ 3/ 1376

19

أمّا المقدّمة ففي بيان امور

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله الطّاهرين و اللّعنة على أعدائهم أجمعين من الاوّلين و الآخرين الى يوم الدّين.

و بعد:

هذا الكتاب مشتمل على:

1- مقدّمة

2- مقاصد

3- خاتمه.

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

الامر الاوّل في موضوع علم الاصول و مسائله‏

في بيان موضوع علم الاصول و مسائله، و هو يستدعي تقديم مقدّمة: و هي أن لكلّ علم موضوعا و مسائل، أمّا موضوعه و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذّاتيّة، أي عن أحواله الّتي تعرض عليه بلا واسطة في العروض بأن لا تكون تلك الاحوال من أحوال الواسطة بحسب الحقيقة بحيث يكون إسنادها الى ذي الواسطة أي الموضوع لاجلها تجوزا و على وجه المسامحة، فهو ما انتزع و اخترع عن موضوعات مسائله جامعا بينها و مغايرا لها بحيث يتّحد بها عينا و حقيقة و ينطبق عليها خارجا اتحادا الكلّي مع الافراد و انطباق الطّبيعي على المصاديق، فلا تغاير بين موضوع كلّ علم و بين موضوعات مسائله إلّا عند التّصور و بحسب المفهوم الذّهني تغاير الجزئي مع الكلّي و المصداق مع الطّبيعي كالفعل و الفاعل و المفعول و الحال و التّمييز و نحوها في موضوعات مسائل النّحو الّتي يبحث فيها عن عوارضها الذّاتيّة كالاسناد و الرّفع و النّصب و نحوها فانها ممّا يتّحد معها و ينطبق عليها موضوعه و هو ذات الكلام و الكلمة لا بشرط و غير مقيدة بقيد حتى قيد الاطلاق.

24

و أمّا مسائله: و هي الّتي تكون حقيقة نفس ذلك العلم فهي جملة من القضايا المتشتتة المختلفة بحسب الموضوع و المحمول المتساوية و المشتركة في الدّخل في حصول الغرض، و المهم الدّاعي على تدوين العلم و هو الضّابط، و هذا و المقياس لتميز المسائل كلّ علم في ما عداها، فكلّ قضية تذكر فيه ينبغي أن تلاحظ إن كانت مشتركة في الدّخل في حصول ما هو الغرض في تدوين العلم فهي في مسائله و إن لم تكن كذلك بل كانت مرتبطة به في بعض المقامات فهي ممّا تذكر فيه استطراد أو تبعا لما ترتبط من المسائل و الاستطراديات في كلّ علم كثيرة جدا، مثلا لو فرض أن الغرض من تدوين علم النحو هو معرفة أحوال الكلام و الكلمة فكلّ قضية تذكر فيه إن كانت مشتركة في الدّخل في حصول هذا الغرض فهي داخلة في مسائله، و إلا فهي خارجة عنه، و إن كانت من استطرادياته و لأجل ما ذكرنا يمكن تداخل بعض العلوم كالاصول و اللغة أو النّحو أو الكلام أو الحكمة في جملة من المسائل اذا كانت مشتركه في الدخل فيما هو الغرض تدوين علمين فصاعدا كما لا يخفى. و ليس المراد بالغرض ما يتعلق بأمر شخصي، ضرورة أنّه قد يتعلق الغرض من تدوين علم بأمرين، كمعرفة أحوال الكلام و الكلمة من علم النّحو مثلا، و ليس المراد بالمسائل خصوص المسائل المعنونة المبحوث عنها في ألسنة أرباب ذلك العلم، بل الاعمّ منها و من المسائل المستحدثة الّتي لم تكن معنونة عندهم بعد اذا كانت مشاركة لها في الدّخل في حصول الغرض الدّاعي على تدوين العلم. مثلا لو فرض أن الغرض من تدوين علم الاصول تنقيح القواعد الّتي تقع في طريق استنباط الاحكام الفرعيّة من أدلتها أو تنتهي اليها عند اليأس عن الظفر على الامارات و الطرق، فكلّ مسئلة ينتفع بها في هذا المقام فهي من مسائله سواء

25

عنونت في كلّ مات الاصوليين أو لم يكن معنونة بعد، و ممّا ذكر تبين أن تمايز العلوم إنّما هو باعتبار تمايز الأغراض الدّاعية على تدوينها لا باعتبار تمايز موضوعات المسائل أو محمولاتها كما قيل، بل هو المعروف، ضرورة أن الموضوع و المحمول في أبواب كلّ علم كالطّهارة و الدّيات من علم الفقه بل في كلّ مسألة من كلّ باب منه غير الموضوع و المحمول فى سائر الابواب و المسائل الاخرى من ذلك العلم، و لو كان اختلاف العلوم باختلاف الموضوعات أو المحمولات لزم أن يكون كلّ باب من كلّ علم بل كلّ مسألة منه علما على وحده، و هذا واضح الفساد. فتحصل مما ذكرناه أن المقياس الصّحيح لامتياز العلوم هو اختلاف الأغراض الا الدّاعية على تدوينها سواء اختلفت مسائلها موضوعا و محمولا أم اتّحدت في جملة منها، كما أن مجرد اختلاف المسائل كذلك لا يوجب اختلاف العلوم، كذلك اتحادها في الجملة لا يوجب اتحادها، بل إنّما يوجب تداخلها موضوعه، فهو على حسب ما عرفت في بيان المقياس لموضوع كلّ علم عبارة عن الطّبيعي الجامع بين شتات موضوعات مسائله و إن لم تكن معنونة بذلك، فإن قدرنا على استقصائها و التّعبير عن الجامع بينها بمفهوم فارد و معنى واحد ينطبق عليها فهو، و إلّا فنشير إليه بأي لفظ يدل عليه و لو بمثل ما ينطبق عليها و يتحد معها، و لا يلزم محذور حينئذ، ضرورة أن العجر عن ذلك لا يقتضي جهالته مطلقا كي يكون طلبه من قبيل طلب المجهول المطلق، فإن معرفة الشّي‏ء بوجه يكفي في صحّة طلبه قطعا، و بمثل ما ذكر تتحقق معرفته بوجه كما هو واضح، و ليس موضوعه خصوص الأدلة الأربعة الكتاب و السّنّة و الاجماع و العقل إذ لو كان الامر كذلك يلزم أن يكون البحث في كلّ مسألة من المسائل الاصوليّة راجعا إلى البحث عن أحوال الأدلة مع أنه في كثير من مسائله‏

26

المهمّة لا يكون كذلك، و ذلك لأنّ منها ما يكون النّزاع فيه صغرويّا، بمعنى أنه في أصل ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة الذي يقع جوابا عن سؤال عنه بهل البسيطة كمسائل التّحسين و التّقبيح العقليين و حرمة الضّد و وجوب المقدّمة و عدم جواز إجماع الأمر و النّهي في شي‏ء واحد و حجّية الاجماع و خبر الواحد تعيينا أو تخييرا عند المعاوضة و نحوها لوضوح أن البحث في هذه المسائل يرجع الى أنه هل للعقل حكم و استقلال في بعض الاشياء أم لا؟ و إلى أن الاجماع المتحقق بم يتحقق؟

هل يتحقق من باب اللّطف كما هو مذهب الشّيخ (قده)؟ أو من باب الحدس كما هو مذهب المتأخرين، أم لا؟ لأنّه بعد تحققه لا يمكن النّزاع في حجّيته، ضرورة أنّه بعد تحققه يكون قطعيا فكيف ننكر حجّيته؟ و الى إنّه عند تعارض الاخبار هل فيها حجّة شرعيّة يقينيا أو تحيزا أم لا. و منها ما يكون النّزاع فيه كبرويّا، بمعنى أنّه يرجع الى النّزاع في كيفية ثبوت الموضوع بعد الفراغ عن أصل ثبوته و ما هو مفاد كان النّاقصة الذي يقع جوابا عن سؤال عنه بهل المركبة، كمسائل حجّية ظواهر الكتاب و السّنة القطعيّة و حكم العقل بعد فرض ثبوته في مقابل الاخباري المنكر لها.

و لا يخفى أن السّنة إن اريد بها نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما هو المصطلح فيها فالبحث في حجّية الخبر الواحد داخل في القسم الاوّل، لوضوح أن البحث عن حجّيته يرجع الى أنّه هل ثبت به السّنة أم لا؟ و كذا مسائل التّعادل و التّرجيح. و إن اريد بها ما يعمّ حكايتها فالبحث عن حجّيته يدخل في القسم الثّاني، و كذا مسائل التّعادل و التّرجيح كما لا يخفى، و الاجماع المنقول بخبر الواحد قسم منه فيأتي فيه حكمه. و لو كان موضوع الاصول خصوص الأدلة يلزم خروج‏

27

القسم الاوّل عن مسائله لانه عمدة مسائله المهمّة لعدم رجوع البحث فيه عن أحوال الأدلة بما هي أدلة كما لا يخفى. و ربّما يتكلّف لادراج مسألة حجّية خبر الواحد و مسائل التّعادل و التّرجيح حيث أن البحث فيها ليس عن أحوال السّنة بعد الفراغ عن الدّليلية فيلزم خروجها عن مسائل الاصول.

و يقال: أن المراد بالأدلة ذواتها بما هي هي لا بما هي أدلة، و مرجع البحث فيها الى البحث عن ثبوت السّنة بخبر الواحد عند عدم المعارضة و بأى الخبرين عندها، و البحث عن ثبوت السّنة بحث عن أحوالها.

و فيه: أن البحث عن أحوال كلّ شي‏ء و عوارضه فرع إحرازه و إثباته، و ما قيل في أن مرجع البحث في هذا المسائل الى البحث عن إثبات السّنة بخبر الواحد و لو حال المعارضة إن اريد به إثباته واقعا فهو واضح الفساد ضرورة أنّه لا تثبت بخبر الواحد و لو مع عدم المعارضة السّنة واقعا. و إن أريد به اثباته تعيين القول هذا مسلّم، و لكنّه في عوارض السّنة لو اريد بها ما يعمّ حكايتها لا نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره فإنه عند قيام خبر الواحد غير معلوم فكيف يكون البحث عن إثباتها حينئذ بحثا عن أحوالها؟ و من هنا ظهر أن عد مسألة حجّية خبر الواحد و مسائل التّعادل و التّرجيح من مسائل الأصول إنّما يصحّ لو اريد بالسّنة ما يعمّ حكايتها و هو خلاف المصطلح فيها.

***

28

الأمر الثاني في اختصاص اللفظ بالمعنى‏

الوضع نحو اختصاص للفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما يحدث تارة بوضع الواضع اللّفظ بازاء المعنى و اخرى غلبة استعماله فيه الى أن يصير حقيقا له و منقولا إليه، و بهذا المعنى يصحّ تقسيم الوضع الى قسمين: تعييني و هو الاوّل الحادث من وضع الواضع، و تعيني و هو الثّاني الحادث من كثرة الاستعمال على ما مرّ. و لا بدّ في الاوّل للواضع في تصور الطّرفين اللّفظ و المعنى حين الوضع و لا يخلو إمّا أن يكون الوضع أي المعنى الملحوظ حينه عاما أعني به ما ينطبق و يصدق على كثيرين، أو خاصا ليس كذلك، و على الاوّل فإمّا أن يوضع اللّفظ بازاء ذلك المعنى العام فيكون الوضع و الموضوع له حينئذ عامين، و إمّا أن يوضع اللّفظ بازاء مصاديق ذلك المعنى و أفراده الكثيرة المجهولة بخصوصياتها و مشخصاتها المعلومة بهذا العنوان العام حين الوضع فإن العام و جهة لها و معرفته طريق و مرآة لمعرفتها فإنّه ممّا ينطبق عليها و يتّحد معها عينا، و لا يلزم في مقام الوضع تصور المعنى بنفسه و حقيقته، بل تكفي معرفته بوجه. و من المعلوم أنه إذا لاحظ العام فقد لاحظ

29

الخاص، أي كلّ فرد من أفراده بوجهة فيصحّ له أن يوضع اللفظ بإزائهما، و إن وضع كذلك يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا، و على الثاني فلا بدّ له من أن يوضع اللفظ بازاء ذلك المعنى الخاص، و لا يمكن العكس بأن يتصور معنا خاصا و يوضع اللفظ بازاء عام، فإن معرفة الخاص بما هو خاص كمعرفة زيد بما هو زيد لا يكون معرفة للعام كالانسان بما هو عام، لا بنفسه و حقيقته و لا بوجهه، فلا يكون ملحوظا بوجه، فلا يعقل أن يوضع اللفظ بإزائه إذ لا بدّ في مقام الوضع في تصور المعنى الموضوع له و لو بوجهه.

و حاصل الفرق بين القسمين أن جميع أفراد العام ما وجد منها و ما سيوجد لأجل تشتتها و عدم إنهائها أو عدم انحصارها ممّا لا طريق الى معرفتها بأنفسها و خصوصياتها، فاذا أراد الواضع أن لوضع لفظا بإزائها فلا بدّ له من الاقتصار بمعرفتها بوجهها، أي بعنوان جامع ينطبق عليها أعني الطّبيعي المشترك بينها. فإن لاحظها كذلك و وضع لفظا بإزائها يكون الوضع حينئذ عاما و الموضوع له خاصا، بخلاف العكس فإن ملاحظة الخاص بما هو خاص كملاحظة زيد بخصوصيته زيديته لا يكون آلة و مرآة و وجهه لملاحظة العام بما هو عام، لا بنفسه و لا بوجهه، فلا يمكنه أن يتصور خاصا و يوضع لفظا بازاء عام، نعم لو تصور الخاص و جرد عنه قيد خصوصيته و حلل الى خصوصيّة و معنى عام يشترك بينه و بين سائر الافراد و هو المسمى بالطّبيعي كما لو تصور زيدا و حلله الى خصوصيته الزّيديّة و الانسانيّة فقد تصور العام أو أيضا حينئذ بنفسه و حقيقته، فله أن يضع لفظا بإزائه، إلّا أن هذا ليس قسما رابعا بل هو القسم الاول، غاية الأمر أن تصور العام نفسه حينئذ إنما حصل تصور الخاص و تحليله فانه صار سببا لتصوره بنفسه. و لا

30

ننكر هذا إذ فرق واضح بين كون تصور الخاص بما هو خاص تصورا للعام بوجهه و بين كونه موجبا و سببا لتصوره بنفسه أيضا إذا حلل الى جزءين خصوصية و معنى عام كالإنسانيّة في زيد و الذي ننكره هو الاول ضرورة أن تصور زيد مثلا بما هو زيد من دون تحليله الى الجزءين لا يكون تصورا للانسانيّة الموجودة في ضمن عمرو مثلا، فإن ما هو موجود في ضمن زيد بما هو زيد و خصوصيته من العام مغاير لما هو موجود منه في ضمن عمرو كذلك فاذا لم يكن تصور الخاص بما هو خاص تصورا للعام بما هو عام لا بنفسه و لا بوجهه فلا يعقل أن يوضع لفظا حينئذ بإزائه، فالأقسام الممكنة للوضع باعتبار المعنى المتصور بعينه و المعنى الموضوع له ثلاثة كما ذكرها القدماء و الفحول و الاساطين: إمّا كلاهما عام و إمّا كلاهما خاص أو الاوّل عام و الثّاني خاص، و لا يمكن العكس كما توهّمه بعض الأعلام حيث زعم أنه كما يمكن أن يجعل تصور العام موجبا لتصور الخاص بوجه، فان العام مرآة الخاص، فبتصور العام يتصور الخاص لوجهه و مرآته لا بنفسه و حقيقته كذلك يمكن العكس بأن يجعل الواضع ملاحظة الخاص آلة و مرآتا لملاحظة العام، فيصوره بوجهه و يضع لفظا حينئذ بإزائه و هو ناشئ عن الغفلة و عدم التّفرقة بين كون تصور الخاص موجبا لتصور العام بنفسه و حقيقته عند تجريد خصوصية الخاص و تحليله الى جزءين خصوصيته و مفهوم عام، و بين كون تصوره موجبا لتصور العام بدون التّجريد و التّحليل و الذي ننكره و نقول بعدم مكانه هو الثّاني، لأن تصور الخاص بما هو خاص لا يوجب تصور العام أصلا كما أن تصوره لا يوجب تصور الخاص بما هو خاص كما لا يخفى. و من هنا يقال إنّ لجزئي لا يكون كاسبا و لا مكتسبا، و الاوّل الذي نعترف هو قسم في الإقسام‏

31

الثلاثة حقيقة كما عرفت، و هل الإقسام الثّلاثة الممكنة حصولها واقعة أم لا؟

لا اشكال و لا كلام في وقوع القسم الاوّل كأسماء الاجناس، فإن الوضع و الموضوع له فيها عام بلا كلام و كذلك في وقوع القسم الثّاني كأسماء الاعلام فإن الوضع و الموضوع له فيها خاص بلا اشكال و كلام.

و أمّا القسم الثّالث و هو كون الوضع عاما و الموضوع خاصا فقد يتوهّم وقوعه أيضا و يعدّ منه وضع الحروف و ما يشابهها من الاسماء بزعم أن المستعمل فيه لها خاص دائما، و هو كاشف عن كونها حقائق في المعاني الخاصة الّتي تستعمل فيها، اذ من البعيد جدا كونها موضوعة لغيرها من المعاني العامة مع عدم استعمالها فيها أصلا و إن لم يكن استعمالها في المعاني الخاصة من قبيل المجاز بلا حقيقة، و حيث أن المعاني المستعمل فيها لم تكن معلومة للواضع حين الوضع بتشخصاتها و خصوصياتها قطعا، فلا بدّ بعد فرض كونها حقائق هما في الالتزام بانها كانت متصورة حين الوضع لا بنفسها بل بوجهها، أي بتصور الطّبيعي الجامع بينها، فيكون الوضع فيها عاما و المستعمل فيه خاصا.

و قد يتوهم: فيها أن المستعمل فيه خاص فقط دون الوضع و الموضوع له، و كلا القولين على ما يقتضيه النّظر الدّقيق على خلاف التّحقيق، و ذلك لأن خصوصية المعنى المستعمل فيه المتوهمّة لا يخلو إمّا أن تكون الخصوصية الخارجية أو الذهنية، لان الكلّي الطّبيعي له موطنان الخارج و الذّهن، إن وجد في الخارج يتخصّص و يصير جزئيا خارجيا، و إن وجد في الذّهن يتخصّص فيه أيضا و يصير جزئيا ذهنيّا، أو يمتنع بهذا اللّحاظ و التّصور الذّهني صدقه على كثيرين حتى أنه يباينه إذا لوحظ ثانيا كما لوحظ أوّلا، و إن كان الملاحظ واحدا، فإن اريد بالخصوصية المعنى‏

32

الثّاني فلا شبهة في كذبه و فساده، لوضوح أن المستعمل فيه ربّما يكون كلّيا كما في مثل سر من البصرة، و لذا كان المكلّف مخيرا في الابتداء في ايّ مكان يشاء، و لو كان المعنى جزئيا خارجيا لم يكن له ذلك كما لا يخفى، و إن اريد بالخصوصية المعنى الثّاني نظرا إلى أن معاني الحروف آليّة و غير مستقلة في أنفسها بخلاف معاني الأسماء فإنّها ملحوظة مستقلة في أنفسها، فامتياز كلّ كلّ منهما عن الآخر إنّما هو بحسب اللّحاظ و التّصور الذّهني إذا لوحظ المعنى في غيره و بتبعه لأنه من أحواله و خصوصياته القائمة به يكون حرفيا، و إن لوحظ مستقلا في نفسه يكون اسميا، مثلا مفهوم الابتداء إن لوحظ في أحوال المبتدأ و المبتدأ منه كالسير و الكوفة مثلا في سرت من الكوفة يكون معنا حرفيا، و لذا قيل في تعريفه: هو ما دلّ على معنى في غيره، و إن لوحظ مستقلا في نفسه يكون معنى اسميّا، فالمعنى الحرفي جزئي ذهني نسبته الى المعنى الاسمي في الوجود الذّهني نسبة العرض الى الجوهر في الوجود الخارجي كما أن العرض لا يكاد يوجد خارجا إلّا في الجوهر، لانّه من أحواله و صفاته فهو قائم به و موجود بتبعه، كذلك المعنى الحرقي‏ (1) لا يكاد يوجد ذهنا إلّا في مفهوم آخر لانّه من أحواله و خصوصياته القائمة به.

ففيه: أن هذه الخصوصيّة إمّا تجي‏ء و تحدث في قبل الارادة الاستعماليّة أي استعمال اللّفظ في المعنى إذ ليس إلّا عبارة عن إرادته باللّفظ و هي كسائر الخصوصيات الجائية من ناحية الارادة و الاستعمال كلحاظ استقلالية المعنى من مقومات المعنى المستعمل فيه، بمعنى أنّها ليست مأخوذة فيه على وجه الجزئيّة أو الشّرطيّة، فإن مرتبة صيرورة المعنى مستعملا فيه في عرض مرتبة الاستعمال،

____________

(1) لا يخفى أنّ أقول خصوصية المعنى الحرفي كخصوصية المعنى الاسمي.

33

و هذه الخصوصيّة متأخرة عن مرتبة الاستعمال لتفرعها عليه، فكيف تكون مأخوذة في المستعمل فيه شطرا أو شرطا؟ نعم يمكن أخذها فيه كذلك إمّا أنه يحتاج استعمال اللّفظ فيه الى إرادة اخرى و لحاظ آخر فإن مفروض الكلام، الكلام الصادر عن القصد و الارادة، و لما لم تكن للمستعمل إلّا إرادة واحدة قطعا فيعلم عدم كون الخصوصية جزءا و قيدا للمستعمل فيه، فهو في الحروف ليس إلّا نفس المعنى مجردا عن الخصوصيات الحادثة فيه من ناحية الارادة و لحاظ آليته و عدم استقلاله في نفسه، كما أن المستعمل فيه في الاسماء إنّما هو نفس المعنى مجردا عن الخصوصيات الحادثة فيه من قبل الارادة و لحاظ استقلاليته إذ لا يعقل أن يكون شي‏ء من الخصوصيتين مأخوذا من المستعمل فيه، مع أن المعنى لو كان هذا للحاظ و الخصوصية مستعملا فيه لامتنع تعلق التّكليف و امتثاله في مثل سر من البصرة إلّا و إلغاء الخصوصيّة، لأنّه بهذا اللّحاظ من أقسام الكلّي الفعلي و لا موطن له إلّا في الذّهن، فيمتنع صدقه مع الخارجيات الّتي هي متعلقات التّكاليف، مضافا الى أن لحاظ عدم استقلال المعنى لو كان موجبا لخصوصيّة المستعمل فيه في الحروف فليكن الامر كذلك في الأسماء لأن معانيها أيضا ملحوظة بنحو الاستقلال، و حيث أن هذه اللّحاظ فيها لا يوجب خصوصية معانيها فكذلك في الحروف من غير فرق أصلا. و بالجملة لا فرق بين كلمة من و الابتداء في المعنى و كذا بين سائر الحروف و الاسامي الموضوعة لمعانيها إلّا بحسب التّصور و اللّحاظ في الذّهن مستقلة في أنفسها أو غير مستقلة كذلك مثلا مفهوم الابتداء إن لوحظ مستقلا في نفسه لا في أحوال غيره و خصوصياته يكون معنى للابتداء الاسمي و يصح حينئذ أن يخبر به و عنه كأن يقال إبتداء سيري من مكان كذا أحسن من كذا فيقبل للصّدق‏

34

و الكذب حينئذ، و أن لوحظ غير مستقل في نفسه بل في غيره و بتبعه بحيث لا يمكن تصوره بدون تصور الغير لأنه من .. أحواله و خصوصياته في الذّهن كالسير و الكوفة يكون معنى لمن و لا يصح أن يخبر به و لا عنه حينئذ و حيث قد عرفت أن هذان اللحاظان خارجان عن ذات المعنى غير مأخوذين فيه عند الاستعمال فلا فرق بين الحروف و الاسماء الموضوعة لمعانيها لا بحسب الوضع و لا بحسب الموضوع له و لا بحسب المستعمل فيه.

فإن قلت: على هذا تكون كلمة من و الابتداء و الى و الانتهاء و كذا سائر الحروف و الاسامي الموضوعة لمعانيها في قبيل الالفاظ المترادفة، فيجوز استعمال كلّ منها في معنى الآخر مع أن هذا واضح الفساد.

قلت: الفرق فيهما كما أشرنا إليه إنّما هو في اختصاص كلّ من الحروف و الأسماء بوضع و طور على حده، بمعنى أن الغرض و الدّاعي على الوضع فيهما مختلف فالغرض من وضع الحروف أن تلاحظ معانيها و تصور غير مستقلة في أنفسها، فتراد باستعمال الفاظها فيها لكن لا مع هذا اللحاظ، بل مجردة منه و الغرض من وضع الأسماء أن تلاحظ و تصور معانيها مستقلة في أنفسها و بما هي هي فتراد باستعمال الفاظها أيضا مجردة عن هذا اللّحاظ، لما قد عرفت من أن لحاظ آلية المعنى أو استقلاليته خارج عن المستعمل فيه، و لا يعقل أخذه فيه فالمستعمل فيه في الحروف و الأسماء هو ذات المعنى المتصور كمفهوم الابتداء مثلا مجردا عن قيد تصوره غير مستقل أو مستقلا في نفسه، فلو استعمل كلّ منهما في مقام الآخر و اريد به المعنى مجردا عن القيدين لم يستعمل اللّفظ في غير معنى ما وضع له، بل إنّما استعمل مع خلاف وضع استعماله و طوره، فإن شئت أن تسمي هذا النّحو من‏

35

خلاف الوضع في طور الاستعمال مجازا فلا مشاحة في الاصطلاح إلّا أنّه خارج عن اقسام المجاز بالمعنى المصطلح كما لا يخفى، فعدم جوازه إنّما هو لأجل كونه على خلاف ذلك الوضع و القانون في مقام الاستعمال.

و من هنا انقدح: أنّه يصح الالتزام بأن الاختلاف بين الإخبار و الإنشاء كذلك، بأن يقال: أن المعنى المستعمل فيه في مثل «بعت» إخبار أو إنشاء واحد، و هو إسناد المتكلّم البيع الى نفسه مجردا عن خصوصية إخبارية أعني لحاظ قصد الحكاية و الإخبار بلفظ «بعت» عن تحقق ذلك المعنى في موطنه خارجا أو ذهنا إن أمكن و عن خصوصية إنشائيته أعني لحاظ قصد وقوعه و ثبوته في الخارج لنفس هذا اللّفظ. فالفرق بينهما إنّما هو من قد يقصد المتكلّم في لفظ بعت مثلا الحكاية عن تحقق معناه في موطنه فيصير اخبارا، و قد يقصد به تحقق معنى في موطنه و إيجاده لنفس هذا اللّفظ فيصير إنشاء، لكن المعنى المستعمل فيه في كلا الاستعمالين واحد، و هو ذات المعنى المقصود مجردا عن اللّحاظين، فإنّهما يبحثان في ناحية الارادة و الاستعمال و لا يعقل أن تكون خصوصية المعنى الحادثة بنفس الارادة و الاستعمال مأخوذة في المستعمل فيه و من مقوماته.

و من هنا انقدح: أنّه يمكن أن يقال أن الموضوع له و المستعمل فيه في أسماء الاشارة و الضمائر كهذا، و أنا و أنت و نحوها عام و إن كان يصير في جزئيا خارجيا بعد الاستعمال، فإن تشخصه و جزئيته إنّما تجي‏ء من قبل الاشارة الحسية في مثل «هذا» و الحكاية عن النفس في مثل «أنا» و المخاطبة مع الغير في مثل «أنت» و تشخص المعنى بالاشارة أو الحكاية أو المخاطبة لا يقتضي أن يكون هو بهذا التشخص الخارجي و بهذا اللّحاظ مستعملا فيه، فيصح أن يقال، أن هذا مثلا هو

36

موضوع و مستعمل في مطلق المفرد المذكر لمشار إليه و لكن بقيد كونه مشارا إليه كي يكون جزئيا، بل مجردا عن هذا القيد، غاية الامر أن الاشارة الحسيّة تقتضي جزئيته و تشخصه خارجا، و هكذا الكلام في مثل أنا و أنت، فإن تشخص المعنى فيهما في ناحية الحكاية و المخاطبة و لا داعي لنا على الالتزام بأنّ الموضوع له و المستعمل فيه في أسماء الاشارة و الضّمائر خاص، إذ يمكن القول بكونهما فيها عامين و إن تشخص المعنى المستعمل فيه إنّما يجي‏ء من قبل الامور المقارنة في الاستعمال من الاشارة و الحكاية أو المخاطبة.

فتلخص ممّا ذكرناه: أن خصوصيّة المعنى المستعمل فيه سواء كانت خارجيّة كما في أسماء الاشارة و الضمائر أو ذهنيّة كما في أسماء الاجناس و الحروف لا تقضي كون الموضوع له خاصا و لا المستعمل فيه كذلك، إذ يمكن أن يقال أن المستعمل فيه عام و إن تشخصه ذهنيا أو خارجيا إنّما يجي‏ء من قبل الاستعمال، و الحكاية أو الاشارة و نحوها، و لا يكون مأخوذا في المستعمل فيه قيدا أو جزء له بل لا يعقل، لأن غرض المتكلّم في لفظ «هذا» الاشارة الى معناه، و بها إنّما يتعين و يتخصص، فكيف يكون تعيّنه و تخصصه بالاشارة جزء منه و مأخوذا فيه كي يستعمل اللفظ فيه بهذا التّعيين و التّخصص؟ و هكذا الكلام في سائر أسماء الاشارة و الضّمائر، سلمنا إمكان كون المستعمل فيه فيها و في الحروف معانيها بما هي عليها من الخصوصيات الخارجيّة أو الذّهنيّة، لكن نقول: أيّ دليل يدل على أن الواقع هذا دون ذلك، فإن كلا منهما فنقول فيمكن أن يكون الواقع في الاقسام الثّلاثة المتصورة للوضع اثنين، و هما القسمان الاوّلان. و لعله إذا لم يكن في كلام القدماء من وقوع القسم الثّالث في الحروف و ما الحق بها عين و لا أثر، و إنّما ذهب اليه بعض‏

37

من تأخر أن تخصص معانيها عند الاستعمال ذهنا أو خارجا يستلزم أن يكون هي بهذا التّخصص مرادة و مستعملة فيها، و استعمالها كذلك دائما كاشف عن كون الموضوع له فيها خاصا، و قد عرفت بما لا مريد عليه أن خصوصية المعنى عند الارادة و الاستعمال لا يستلزم أخذها في المستعمل فيه، فلا كاشف عن خصوصية المعنى الموضوع له.

***

38

الأمر الثالث هل استعمال اللّفظ فيما يناسب الموضوع له بالوضع أو بالطّبع؟

صحّة استعمال اللّفظ فيما يناسب الموضوع له و يلائمه هل هو بالوضع و لو نوعا أو بالطّبع؟ وجهان بل قولان، أصحها الثّاني بشهادة الوجدان فإنا نجد حسن استعماله له فيما يناسب ما وضع له و لو مع عدم التفات المستعمل الى ترخيص الواضع و وصفه و وضعه له و لو نوعا، و عدم صحته و استهجانه فيما لا يناسبه و لو مع ترخيص الواضع في استعماله فيه، و لا نعني بصحة الاستعمال إلّا حسنه مع أن علائق المجازات لو كانت موضوعة و لو نوعا لزم أن لا يكون فرق بيّن في حسن الاستعمال لاشتراك الجميع في الوضع على حد سواء مع انا نجد الفرق البيّن في من الاستعمال بينها بحسب اختلاف مراتبها في المناسبة و الملاءمة مع المعنى الموضوع له شدة و ضعفا كما لا يخفى، مع أنّا لو وضعنا لفظا لمعنى و لم نلتفت الى ما يناسبه و الوضع له نجد صحّة استعماله فيما يناسبه قطعا، و هذا أقوى شاهد على أنه ليس في المجازات وضع و لو نوعا، فالقول بثبوت وضع فيها من الاغلاط، و الملاك فيهما هو

39

ما ذكرناه من المناسبة و الملاءمة بين المعنيين و لا العلائق الّتي ذكروها لعل من كان بصدد هذا الامر و أنهاها الى عدد لم يلتفت الى أزيد منه، و لم يستقصها و بقي منها مما لم يظفر عليه ما هو أقوى بحسب الملاك الذي ذكرناه.

***

40

الأمر الرّابع في إطلاق اللّفظ

قد يطلق اللفظ و يراد به نوعه كما اذا قيل: ضرب فعل ماضي أو صنفه أو فرد مثله، كما إذا قيل ضرب، في «ضرب زيد» فعل، أو زيد فيه فاعل، و لم يقصد به شخصه، فإنّه و حينئذ يمكن أن يراد به صنفه و يمكن أن يراد به فرد مثله و لا شبهة و لا إشكال في صحّة هذه الاطلاقات لما تقدم من أن صحة استعمال اللّفظ في غير ما وضع له ممّا يناسبه و يلائمه بالطّبع، لا بالوضع و يشهد لهذا صحّة هذا النحو من الاطلاقات في المهملات، كأن يقال: ديز، و يراد به نوعه أو صنفه أو مثله مع أنه لا وضع فيها أصلا و لو كانت صحّة هذه الاطلاقات متوقفة على الوضع لزم عدم صحتها في المهملات أو التزام وضع فيهما، و هو كما ترى فيعلم من هذا أن صحّة استعمال اللّفظ فيما يناسب الموضوع له ليس من الوضع، و كيف كان هل يصح أن يطلق اللّفظ و يراد به شخصه و يحكم عليه بما يخصه من دون تأويل؟ كأن يقال:

مسألة زيد لفظ، استشكل فيه صاحب الفصول مستدلا بقوله: لاستلزامه اتحاد الدّال و المدلول أو تركب القضيّة من جزءين، انتهى توضيح ما ذكره في لزوم احد التّاليين الفاسدين أنه لا يخلو إمّا أن يكون للفظ دلالة على شخص نفسه أو لا

41

تكون له دلالة أصلا، و الاوّل يستلزم اتحاد الدّال و المدلول، لأن لفظ زيد حينئذ في قولك زيد لفظ، دال و مدلول، و الثّاني يستلزم تركب القضية الحاكية من جزءين محمول و نسبة لعدم الموضوع بالفرض، فتكون القضية الذّهنيّة المحكية بها أيضا مركبة من الجزءين، مع أنه يستحيل أن تتركب القضية في الجزءين لاستحالة ثبوت النّسبة بدون المنتسبين. و فيه مضافا الى أنه على التّقدير الثّاني ينبغي أن يقول يستلزم تركب القضية من جزء واحد أي المحمول، ضرورة أن النّسبة لا يمكن وقوعها بدون ثبوت المنتسبين، فعدم الموضوع كما هو المفروض يستلزم عدم النّسبة أيضا أنه يمكن أن يلتزم بكلّ من التّاليين مع عدم لزوم محذور في البين.

أمّا على الاوّل: فلأنّه إن كان المراد أنه لا بدّ في الدّال و المدلول من تعدّدهما ذاتا، قلنا هذا ممنوع إذ يكفي تعدّدهما اعتبارا و إن اتّحدا ذهنا، و إن كان المراد إنه لا بدّ فيهما من تعدّدهما و لو اعتبارا بمعنى أنه لا يلزم تعدّدهما ذاتا، بل يكفي تعدّدهما اعتبارا قلنا التّعدد الاعتباري في المقام موجود، اذ المفروض أن اللّفظ استعمل و اريد منه شخصه فيجتمع فيه اعتباران باعتبار أنه استعمل و اريد منه شخصه دال، و باعتبار أنه المراد في اللّفظ مدلول.

و أمّا على الثّاني: فلتماميّة أجزاء القضية في المقام و إن لم يكن فيها ما يحكي عن الموضوع و يدل عليه، اذ لا حاجة في خصوصها الى توسيط ما يحكي عنه، إذ بايجاد اللّفظ يتحقق موضوعها، و ليس غرض المتكلّم إلّا تحقيقه خارجا و أخطاره في ذهن السّامع، و بعد تحققه و حضوره في ذهن السّامع يصح أن يحمل عليه بما يخصه من أحكام، و لا يحتاج الى ذكره و التّلفظ به، ثانيا بالجملة غرض المتكلّم في مثل «زيد لفظ» تحقيق موضوع هذه القضيّة، أعني لفظة زيد خارجا و إخطار في ذهن‏

42

السّامع ليحمل عليها حكم أي كونها لفظا، و بعد تحقق الموضوع في الخارج و حضوره في ذهن السّامع يصح حمل محموله عليه و اسناده إليه من دون حاجة الى توسيط ما يحكي عنه بيان ما و يدلّ عليه، ضرورة أن صحة الحمل لا يحتاج الى أزيد من وجود الموضوع في ذهن السّامع، و هما يتحققان بمجرد التّلفظ، فلا حاجة الى التّصريح بما نحكي عنه، بخلاف سائر القضايا فإن وجود موضوعاتها لا يتحقق بنفس اللّفظ، فلو أراد المتكلّم الاخبار عن ما هو محمول عليها واقعا لا يصح حمله و لا يكون كلامه تاما إلّا إذا كان مشتملا على أجزاء ثلاثة: موضوع، و محمول، و رابطة تكون هي حاكية عن واقعياتها. و هذا هو الفارق بين ما نحن فيه و سائر القضايا.

فنحصل ممّا ذكرناه: أن لفظ زيد في مثل «زيد لفظ» لم يستعمل في شخص نفسه، بل إنما ذكر ليوجد موضوع القضية خارجا، و هو تشخص هذا اللّفظ و يخطر في ذهن السّامع ليحمل عليه بما يخصه ككونه لفظا. و من الواضح أن هذا ليس من قبيل استعمال اللّفظ في معنى.

و بما ذكرناه: تبين أنّه يمكن الالتزام بكون إطلاق اللّفظ و إرادة نوعه و صنفه منه أيضا من هذا القبيل، بأن يقال: أن اللّفظ حينئذ لم يستعمل في نوعه أو صنفه و حاكيا عنه كي يكونان من قبيل اللّفظ و المعنى، و إلّا جرى الإشكال فيه حرفا بحرف، إذ عليه يكون شخص اللّفظ مصداقا لمعناه فيتّحد معه فيلزم من إسناده إليه أحد المحذورين من اتّحاد الدّال و المدلول، أو تركب القضية من جزءين، بل إنما القي الى المخاطب ليوجد شخصه خارجا و يخطر في ذهن السّامع من دون توسيط لفظ آخر حاك عنه ليحكم عليه بما هو حكمه كلّيّة، فيكون إسناده إليه من أجل أنه‏

43

مصداق له لا من أجل أنه خصوص جزئيّة. نعم لا يصح هذا الالتزام في القسم الثّالث أعني ما لو أطلق اللّفظ و اريد به مثله كما في قولك «ضرب فعل ماض) أو موضوع لكذا، فإنه أريد به مثله، و لا يشمل نفسه لأنه في هذا الكلام اسم لا فعل ماض، و لا موضوعا لمعناه فلا يصح فيه أن يقال: أنه القي الى المخاطب ليوجد خارجا و يخطر في ذهن السّامع ليحمل عليه بما هو حكم شخصه و كلّية، فلا بدّ من الالتزام فيه بانه استعمل في مثله بان يكون هو لفظ و ذاك معناه كي يصح الحمل و الاسناد.

فتحصل مما ذكرناه أن غير هذا القسم من الاطلاقات مشتركة في جريان الاشكال و الجواب عنه. و أقول يحتمل أن يكون مراد صاحب الفصول من الجزءين في قوله: أو تركب القضية من جزءين الموضوع و المحمول، بأن يكون محصل كلامه هكذا، إن كان اللّفظ دالا على شخص نفسه لزم اتحاد الدّال و المدلول و إن لم يكن دالا عليه بأن لا تكون له دلالة على شي‏ء أصلا كما حمله عليه شيخنا العلامة، بل بأن يكون دالا على غيره لزم تركب القضية من موضوع و محمول، بناء على أن المنسوب إليه في القضيّة اللّفظيّة لا يكون إلّا ما كان الموضوع حاكيا عنه و دالا عليه، و ذلك لأن مدلول اللّفظ حينئذ لا يكون موضوعا لما حمل عليه في القضية، أعني قوله لفظ و ما اريد به و هو شخص نفسه لا يكون مدلولا عليه، فعلى التّقديرين لا نسبة في البين. و هذا الاحتمال في كلام و إن لم يكن صحيحا في نفسه أيضا إلّا أنه لا يتوجه عليه بعض ما اورده عليه الاستاذ «أدام اللّه أيامه» كما لا يخفى.

***

44

الأمر الخامس الالفاظ موضوعة لمعانيها من حيث هي هي لا من حيث كونها مرادة

لا ريب في أن الالفاظ موضوعة لمعانيها من حيث هي هي لا من حيث كونها مرادة بأن يكون الارادة من مقوماتها و مأخوذة فيها شطرا أو شرطا، و كذلك المعاني المستعمل فيها الالفاظ هي ذواتها لا من حيث مرادة للافظيها، لأن إرادة المعنى وضعا أو استعمالا إنّما تكون من مقومات الوضع أو الاستعمال كما عرفت سابقا، فلا يعقل أخذها قيدا أو جزء للموضوع له أو المستعمل فيه لتأخر مرتبة (1) كونه موضوعا له أو مستعملا فيه عن مرتبة إرادة الوضع له أو الاستعمال فيه، نعم يمكن ذلك بارادة اخرى سوى تلك الارادة حين الوضع أو الاستعمال، و من الواضح عدمهما خارجا فلا يكون الموضوع له و لا المستعمل فيه إلّا ذوات المعاني مجردة عن كونها مرادة. نعم يصح أن يحمل المراد عليها بالحمل الشائع الصّناعي بأن يقال أن المعاني مراد للمتكلّم أو الواضع، و لا يقتضي هذا كون الارادة مأخوذة فيها كما لا يخفى.

____________

(1). و أقول الاولى أن يقال لتوقف صيرورته موضوعا له أو مستعملا فيه على تصوره و إرادته ليوضع له أو مستعمل فيه اللفظ، لمحرره.

45

و بالجملة: ما ادعيناه بديهي بحسب الوجدان غير محتاج الى برهان، و مع هذا يمكن أن يستدل عليه أيضا بأن الالفاظ لو كانت موضوعة أو مستعملة في المعاني بقيد أنّها مرادة يلزم عدم صحّة الحمل و الاسناد في الجمل مطلقا الا بالتّجريد و إلغاء هذه الخصوصيّة أعني خصوصية كونها مرادة، ضرورة أن الموضوع و المحمول في مثل زيد انسان أو قائم ذات زيد و نفس القيام، الانسانيّة الخارجيين المحكيّين بلفظهما لا بما هما مرادان لأنّهما حينئذ من متباينان، و كذلك المسند و المسند إليه في مثل «ضرب عمرو» هو ذات زيد الخارجي و نفس الضرب، و كذلك إلّا بقيد أنّهما مرادان لكمال المباينة بينهما حينئذ، فكيف يصح الاسناد؟ و كذلك يلزم في عامة الالفاظ أن يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا و إن كان من المفاهيم الكلّية كأسماء الاجناس، فإنّهما لأجل اعتبار هذه الخصوصية فيها، أعني كونهما مرادة للافظين تصير جزئية و إن كانت مع قطع النّظر عن اعتبرها فيها كلّيّة.

هذا و قد يتوهّم من كلام العلمين المحققين الشّيخ الرّئيس و المحقق الطّوسي أن الدّلالة تتبع الارادة مصيرهما الى أن الالفاظ مستعملة في المعاني بما هي مرادة أو موضوعة لها كذلك، و ليس كما توهّم فإن كلامهما ناظر جهة اخرى و في مقام آخر، و ذلك لأن للالفاظ دلالتان تصورية و هي كون سماعهما موجبا لإحظار المعاني و انسباقها الى ذهن السّامع و تصديقيّة و هي كون سماعهما موجبا مضافا الى ما ذكر لتصديق السّامع و إذعانه بأن معانيها مرادة للمتكلّم بحيث يرتب عليها آثارها من الاقرار و الشهادة و الاخبار و الانشاء و نحوها، فهذه المرتبة هي حقيقة الدّلالة لأنها الغرض الاصلي من وضع الالفاظ و الفائدة المهمّة من الكلام مطلقا إخبارا كان أو إنشاء و يترتب آثار الكلام إلّا عليها، و المرتبة الاولى لا تتوقف على أزيد من العلم‏

46

بالوضع أو القرينة ضرورة حصولها بمجرد سماع الالفاظ و لو من مثل الجدار أو النّائم أو المغمي عليه و نحوهما ممن ليس له قصد و شعور و اختيار، بخلاف هذه فإنها تتوقف مضافا إلى ما يتوقف عليه الاولى على إحراز كون المتكلّم قاصدا للمعاني و بصدد إفادتها بالالفاظ بظاهرها أو صريحها حقيقة أو مجازا أو كناية، صادقا كان أو كاذبا، ضرورة أنّه لو لا ثبوت شي‏ء واقعا لم يعقل إثباته و الكشف عنه و الدّلالة عليه، و لو انكشف الخطأ و تبين أن المتكلّم لم تكن له إرادة و بصدد الافادة لما استفيد من كلامه و إن لم يكن خاليا عن الارادة بالمرّة لم تكن له حقيقة الدّلالة و واقعها، غاية الأمر أنه تخيلها السّامع و توهّما ثمّ انكشف له عدمها واقعا و لا نريد إثبات الملازمة بين ثبوتها في اعتقاد و السّامع و بين ثبوتها واقعا، ضرورة إمكان التّفكيك من الطّرفين، بل نريد أن إثباتها في نظر السّامع متوقف على إحرازه و لو خطأ و تخيلا أن المتكلّم له ارادة و بصدد و الافادة، فظاهر كلامه أو صريحه نحو الحقيقة أو المجاز أو الكناية، و هذا مما لا ريب فيه فتبعية الدّلالة بهذا المعنى للارادة حقّ لا محيص عنه و كلام المحققين العلمين من أهل العقول ناظر الى هذا المعنى أجنبي عن ما حمله عليه صاحب الفصول (ره) و العجب منه إنّه كيف رضي بحمل كلامهما على ما حمله عليه مع أنّهما ليسا في ذلك المقام، و يشهد لما ذكرناه أنّهما ذكرا هذا الكلام في مقام الجواب عن النّقض الذي أورد على حدي المطابقة و التّضمن، و هو أن اللّفظ إذا كان مشتركا بين الكلّ و الجزء و استعمل فيه يصدق عليه أنّه تمام ما وضع له و أنّه جزؤه فيصدق على الدّلالة عليه حدا المطابقة و التّضمن أو أجابا عن هذا النّقض بأنّ الدّلالة تتبع الارادة، و توضيح جوابهما أن الدّلالة الّتي هي المقسم للمطابقة و التّضمن الدّلالة الّتي تتبع الارادة، و حيث أن إرادة الجزء من‏

47

اللّفظ المشترك بينه و بين الكلّ لا يتصور فيها إلّا وجه واحد إمّا أن تكون على وجه الاستقلال أو على وجه التّبعية، و لا يمكن اجتماع الارادتين فالدّلالة التّابعة لها أيضا لا تكون إلّا واحدة إن كانت على الوجه الأوّل فالدّلالة مطابقة، و إن كانت على الوجه الثّاني فالدّلالة تضمن فلا تجمعان في مورد كي يصدق عليه الحدّان و لا يخفى أن هذا الكلام لا يدلّ على أنّهما جعلا الارادة جزء من المستعمل فيه أو الموضوع له في جميع الالفاظ كما فهم صاحب الفصول «قده».

***

48

الأمر السّادس في المركبات‏

هل للمركبات وضع أخر غير وضع المفردات و منها الهيئات الحاصلة لمواد المركبات كما قد يتوهّم من بعض العبائر أم لا؟ الحقّ هو الثّاني، إذ بعد وضع المفردات بجميع أجزائها من المواد و الهيئات في جميع الجمل اسمية كانت أو فعلية، إخبارية كانت أو إنشائيّة و خصوصيات الهيئات الموجبة لإفادة مزايا و إضافات في المعاني كالقصر و التأكيد مثلا لا يبقى معنى آخر يحتاج في فهمه الى وضع المركبات بإزائه، ضرورة إنّه إذا فرض أن الواضع في الجمل الاسميّة وضع لفظ المبتدأ و الخبر شخصا أو نوعا لمعنيهما و وضع أيضا هيئة تركبهما نوعا للدلالة على الدّوام و الثبوت مثلا، و كذلك خصوصياتها من كون المبتدأ معرقا باللام أو مؤخرا عن الخبر لإفادة الحصر مثلا، و هكذا سائر خصوصيات الهيئات الطارئة على المبتدأ و الخبر الموجبة لإفادة إضافات في أصل المعنى المشترك بين جميع الهيئات، إذ لا بدّ من الالتزام بوضع نوعي لهذه الخصوصيات مضافا الى وضع أصل الهيئات، و كذلك في الجمل الفعليّة وضع لفظا الفعل و متعلقاته شخصا أو نوعا

49

لمعنيهما و وضع هيئة تركيبهما للدّلالة على التّجدد و الحدوث مثلا و خصوصيات هيئاتها من تقديم الفعل أو متعلقاته لإفادة إضافات في أصل المعنى المشترك بين جميع الهيئات، فأيّ معنى يبقى بعد يحتاج في فهمه و إفادته الى وضع المركبات بإزائه فوضع المركبات ستغني عنه بعد وضع المفردات، لأنه واف بتمام الغرض المرام كاف في إفادة تمام المقصود من الكلام، مع أنه لو كان للمركبات وضع على حده أيضا يلزم التّكرار في الوضع زمن إفادة المراد مرّتين، تارة بملاحظة وضع المفردات أحاديا و اخرى بملاحظة وضعها بجملتها أي المركبات و هذا بديهي الفساد لعل المخالف أراد بوضع المركبات وضع الهيئات على حده غير وضع المفردات بموادها، فإن أراد هذا فنعم الوفاق، و إلّا ففيه ما لا يخفى.

***

50

الأمر السّابع في علائم الوضع‏

من علائم الوضع و الحقيقة تبادر المعنى و انسباقه الى الذّهن من نفس اللّفظ بدون القرينة، ضرورة أنه لو لا وضعه له لم يكن وجه لتبادره منه بنفسه، لا يقال: أن تبادر المعنى في اللّفظ متوقف على العلم بالوضع، إذ مع عدمه لا يتبادر المعنى منه:

فلو كان العلم بالوضع متوقفا على التّبادر أيضا يلزم الدّور، لأنه يقال: الموقوف و الموقوف عليه متعدّد مطلقا سواء جعل العلامة التّبادر الحاصل عند المستعلم أو عند غيره من أهل المحاورة العالم بأوضاع اللغة. أمّا على الثاني فواضح، لأنّ العلم الذي يتوقف على التّبادر إنّما هو علم المستعلم و العلم الذي يتوقف التّبادر عليه إنّما هو علم العالم باللّغة و أوضاعها، فلا اتحاد فلا دور، أما على الأول فلان الموقوف هو علم المستعلم تفصيلا بالوضع و الموقوف عليه هو علمه به إجمالا لارتكازه في ذهنه و إن لم يلتفت إليه تفصيلا، و العلم التّفصيلي الموقوف على التّبادر مع العلم الاجمالي الارتكازي الذي يتوقف عليه التّبادر متعدّدان، فلا دور. و نظير هذا الاشكال و الجواب عنه المذكوران في الاستدلال بالشكل الاوّل مع أنه بديهي‏