غاية المأمول‏ - ج2

- الشيخ محمد تقي الجواهري المزيد...
831 /
5

من كتاب غاية المأمول من علم الاصول بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

هذا ما رسمته و قرّرته من بحث آية اللّه العظمى و حجّته الكبرى جامع المعقول و المنقول و حاوي الفروع و الاصول سيدنا و عمادنا و مولانا و استاذنا النحرير السيّد أبو القاسم الخوئي رفع اللّه في الدنيا منزلته و في الآخرة درجته أثناء حضوري مجلس بحثه الموقّر في الاصول العمليّة و هذا هو الجزء الثاني و الجزء الأوّل في مباحث الألفاظ، و في المتن ما حرّرناه في الدورة الاولى و في الهامش بإضافة (صح 2) ما أفاده في الدورة الثانية و أنا الأقلّ محمّد تقي آل صاحب جواهر الكلام (قدّس سرّه)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

تنبيه:

لقد وافانا الأستاذ الشاعر الخطيب الكبير الشيخ محمد باقر الإيرواني بتاريخ استشهاد الشيخ الفقيه التقي من آل الجواهر و بما أن اعتقال الشيخ كان سنة (1400 ه. ق) و لا يعلم تاريخ استشهاده لحدّ الآن فيحتمل كان في سنة الاعتقال كما هو الأرجح، و يحتمل أن يكون سنة (1401 ه. ق) و لذا كان التاريخ هذا على الاحتمال الثاني.

يا أمة الإسلام أفجعنا الأسى‏* * * بفقيد عالم قد نعته أكابر

من أسرة نجفيّة أهل الولا* * * بحمى أمير المؤمنين مجاور

للعلم و العلماء مفخرة معا* * * و ابن الرسول له علا و مفاخر

لأبيه كان الفرد طول حياته‏* * * و حوى الفقاهة بل عظيم شاعر

و بحوزة التدريس خير مدرّس‏* * * وجد المعارف أمجد و معاصر

رحل الفقيه مؤرخا (بعلومه‏* * * أعني الشهيد هو التقي جواهر)

153/ 131 350 11 541 215

1401 ه. ق‏

و ناظم الشعر و التاريخ غير خفي‏* * * محمد الباقر بن الصادق النجفي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّه الرحمن الرحيم، و منه العون‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه و أكرم بريّته أجمعين محمد و آله الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

الكلام في مباحث الأدلّة العقليّة

و يقع الكلام في الأمارات الّتي تقع أو ادّعي وقوعها في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة.

و قبل الخوض في ذلك نتكلّم في القطع استطرادا؛ لأنّه ليس من المسائل الاصوليّة، لما تقدّم منّا مرارا من كون المناط في المسألة الاصوليّة ما تكون نتيجتها كبرى لو ضم إليها صغراها لأنتجت حكما فرعيّا. و معلوم أنّ القطع ليس كذلك، لأنّ القطع بالحكم هو تحصيل للحكم، فلا يقع في طريقه إذ هو ذو الطريق، هذا في القطع الطريقي. و كذا القطع الموضوعي فإنّه موضوع لحكم شرعي، مثلا إذا قيل: إذا قطعت بحرمة الخمر حرم عليك اللبن‏ (1)، فإنّ القطع بحرمة الخمر هنا موضوع و ليس طريقا لاستنباط الحكم الشرعي، بل حاله حال سائر الموضوعات للأحكام الشرعيّة في كونها غير موجبة لتحصيل حكمها و استنباطه أصلا، فإنّ وجود الموضوع للحكم لا ربط له بنفس الحكم.

____________

(1) في الأصل: اللين، و لعلّ الصحيح ما أثبتناه.

10

فظهر أنّ القطع بقسميه ليس من المسائل الاصولية، و إنّما ذكر هنا باعتبار أنّ القطع بالحكم هو نتيجة لها- أي للمسائل الاصولية- فإنّ نتيجتها استنباط الحكم و القطع به، فافهم و تأمّل.

ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) قسم المكلّف إلى قاطع بالحكم الواقعي، و ظانّ به، و شاكّ به‏ (1) فالقاطع بالحكم الواقعي يتبع قطعه لأنّه حجّة عقليّة، و الظانّ إن قام دليل دالّ على حجّية ظنّه يتبعه أيضا، و إلّا فهو و الشاكّ يرجعان إلى الاصول العمليّة.

و قد أورد عليه الآخوند (قدّس سرّه) بأنّ الحكم تارة يكون واقعيّا و اخرى ظاهريّا، فالمناسب تعميم الحكم إلى جميع أقسامه- أي إلى الواقعي و الظاهري- فقسّم فقال ما مضمونه: إنّ المكلّف- أي الّذي وضع عليه قلم التكليف- إذا التفت إلى الحكم الفعلي الواقعي أو الظاهري فإمّا أن يقطع به، و إمّا أن يستقلّ عقله باتّباع ظنّه لو تمّت له مقدّمات الانسداد، و إن لم تتمّ مقدّمات الانسداد أو تمّت و لم يكن يحصل عنده الظنّ ينتهي إلى الاصول العمليّة، فعمّم الحكم في تقسيمه إلى الظاهري و الواقعي‏ (2).

و أمّا تخصيصه بالفعلي فليس من مختصات تقسيمه، لأنّ الحكم في لسان الشيخ (قدّس سرّه) أراد به الحكم الفعلي، إذ الحكم الإنشائي إن كان بمعنى الحكم الجعلي فقبل وصوله إلى مرتبة الفعليّة بوجود موضوعه لا جدوى في التفات المكلّف له‏ (*) و الإنشائي بمعنى آخر لا معنى له كما سنذكره في مبحث البراءة إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) فرائد الاصول 1: 25 و 2: 9.

(2) انظر الكفاية: 296.

(*) على أنّ الحكم الإنشائي كذلك بلحاظ آثاره، فإن للمجتهد الفتوى على طبقه فلا بأس بإطلاق الحكم في كلام الشيخ بنحو يشمل الإنشائي أيضا. (من إضافات بعض الدورات اللاحقة).

11

ثمّ إنّ الآخوند (قدّس سرّه) قال: و إن أبيت إلّا عن تثليث الأقسام فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أم لا، لئلّا يتداخل الأقسام فيما يذكر لها من الأحكام، و مرجعه على الأخير إلى القواعد المقرّرة عقلا أو نقلا لغير القاطع‏ (1). و كأنّه أشار بقوله: «لئلّا يتداخل ... إلى آخره» إلى أنّ الظنّ قد يدلّ الدليل على اعتباره فيلحق بالقطع، و الشكّ قد يكون موجودا و الظهور على خلافه و يعمل على الظهور مثلا فيكون حكمه حكم القطع، ففي هذه الموارد يقع التداخل.

و الظاهر أنّ الطريقة الّتي سار عليها الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) أنسب، لأنّ العبد عند التفاته إلى كونه عبدا و أنّ هناك له مولى و أنّه كلّفه و أمره بأشياء فلا بدّ له من القيام بلوازم العبوديّة، و هي تحصيل المؤمّن له من تكاليفه الواقعيّة، فإن كان قاطعا بالحكم فمؤمّنه القطع بالحكم إذ القطع منجّز و معذّر، و إن كان له ظنّ قام الدليل على اعتباره فالظنّ هو المؤمّن له، و إن فقد الظنّ أيضا فلا بدّ له من تحصيل المؤمّن من الاصول العمليّة المقرّرة للجاهل في مقام العمل، فإنّها في ظرف الشكّ مؤمّنة له.

و أمّا تعميمه الحكم إلى الظاهري و الواقعي فليت شعري انّ الحكم الظاهري ما اخذ الشكّ بالواقع موضوعا له فما لم يتحقّق الشكّ بالواقع لا يوجد الحكم الظاهري لعدم موضوعه، فيلزم أن يذكر في مرحلة الشكّ بالحكم. و أمّا التداخل الّذي زعمه فلا يرد أيضا، لأنّ الشيخ بنفسه يصرّح في باب البراءة أنّ المراد بالشكّ كلّما لم يقم دليل شرعي على اعتباره، و حينئذ فيشمل ما زعمه من أقسام الظنّ و يكون داخلا في الشكّ بتصريحه (قدّس سرّه)(2) فافهم و تأمّل.

____________

(1) كفاية الاصول: 297.

(2) فرائد الاصول 2: 11.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

في مباحث القطع‏

و يقع الكلام:

في طريقيته و أنّها ذاتيّة أو جعليّة.

و في حجيّته و أنّها ذاتيّة أو جعليّة.

و في إمكان نهي الشارع عن العمل بالقطع و استحالته.

أمّا الكلام في المورد الأوّل و هو طريقيّته، فالظاهر أنّ طريقيّته عبارة عن انكشاف الواقع، و انكشاف الواقع هو عبارة عن حقيقة القطع، فهي ذات القطع و ليست من ذاتيّاته و لا من الامور القابلة للجعل التشريعي. نعم لمّا كان القطع من الامور التكوينيّة لأنّه صفة تكوينيّة للإنسان جاز عقلا و أمكن للمولى أن يكوّنها في نفس العبد، و لكن الجعل التشريعي لها أمر غير معقول أصلا، فافهم.

المقام الثاني في حجّيته، بمعنى كونه يحتجّ به المولى على عبده عند تركه ما قطع بوجوبه بقوله: «لما ذا تركت ما وصل إليك وجوبه» و يحتجّ به العبد على مولاه عند تركه ما قطع بحرمته فكان في الواقع واجبا بقوله: «عملت على طبق قطعي و ما وصل لي من أحكامك».

و الحجّية بهذا المعنى- أي بمعنى لزوم ترتيب الآثار على طبق ما قطع به- هل هي بحكم العقل بمعنى بعثه و حثّه، أو بحكم العقلاء، أو بادراك العقل؟ المعروف فيما بينهم الأوّل.

14

و لا يخفى عليك ما فيه، فإنّ العقل ليس من شأنه الحكم أصلا، بمعنى أن يبعث نحو شي‏ء أو يزجر عنه. نعم العقل يدرك الحسن و القبيح و لا ربط لإدراكه بالحكم أصلا، نعم الإنسان بحسب طبعه ميّال إلى ما يلائم حواسّه الخمس- من سماع الأصوات الطيّبة و شمّ الروائح الطيّبة و أكل المأكولات الطيّبة- و لكن لا ربط لها بالحكم و الحثّ. و من جبلّة الإنسان حبّه لنفسه، و بجبلّته أيضا يحبّ لنفسه ما هو الحسن عنده و يبغض ما هو القبيح لها، فتراه يدفع عن نفسه كلّما يحتمل مضرّته لنفسه دنيا أو آخرة. و بالجملة، فالعقل ليس من شأنه الحكم بمعنى الحثّ و الردع، لأنّهما من صفات المولى الحقيقي أو المولى العرفي فليس للعقل حظ فيهما أصلا.

و أمّا كون الحاكم بتطبيق آثار القطع حكم العقلاء (بتقريب أنّ سيرتهم مستمرّة على حسن الإحسان و قبح الظلم و العدوان لحفظ النظام، و لا ريب أنّ مطالبة العبد بما وراء قطعه ظلم فيكون حينئذ مصداقا لتلك الكليّة) (1) فمعلوم ضعفه، لأنّ حكم العقلاء موقوف على وجودهم و اجتماعهم و استقرار بنائهم على شي‏ء، و نحن نرى لزوم ترتيب آثار القطع و إن لم نلتفت إلى وجود عقلاء و استقرار بنائهم على لزوم ترتيب الآثار، فإنّه لو لم يكن في الدنيا إلّا إنسان واحد كان يرى لزوم ترتيب آثار القطع و لا يتوقّف عن ذلك إلى أن يبني العقلاء عليه أصلا. و أيضا فإنّ العقلاء إنّما يحكمون و يستقرّ بناؤهم بالنسبة إلى الأشياء الّتي يتوقّف عليها حفظ النظام الدنيوي و لا ربط لهم بالامور الشرعيّة، فأيّ ربط لهم في أنّ القاطع بوجوب الصلاة مثلا يلزمه العمل على طبق قطعه، فتأمّل.

و إذا بطل هذان النظران تعيّن الثالث، و هو كون العقل يدرك حسن ترتيب آثار القطع لإدراكه قبح الظلم و حسن الإحسان. و لا ريب أنّ ترك أوامر المولى أو عدم الانزجار عن نواهيه من أظهر انواع الظلم القبيح، فيدرك العقل حسن ترتيب آثار

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

15

القطع في الواجبات و المحرّمات، فإسناد الحكم للعقل إن كان بمعنى إدراكه حسن ترتيب الآثار لا بأس به، و قد اطلق حكم العقل على إدراكه في اصطلاح الفلاسفة، بل أطلقوا الحكم على نفس الإدراك في عدّة موارد.

إذا عرفت هذا فالحجيّة بهذا المعنى قد صارت من لوازم القطع عقلا، (لأنّه إذا قطع بشي‏ء واجب فقد قطع بلزوم فعله، و بين هذين القطعين هذه الملازمة العقلية) (1).

و حينئذ فلا يمكن للشارع أن يجعلها تشريعا و لا تكوينا إلّا بالعرض، بأن يكوّن صفة القطع في الإنسان فيحصل لازمه حينئذ قهرا، (و هذا لا يختصّ بالشارع، بل يمكن أن يوجد زيد صفة القطع في عمرو بتمهيد المقدّمات المفيدة لقطعه) (2).

هذا تمام الكلام في الحجّية.

و أمّا الكلام في المقام الثالث فنتعرّض له عند تعرّض الآخوند (قدّس سرّه) له، و هو بعد مبحث التجرّي.

ثمّ إن تقسيم الملتفت إلى القاطع و الظانّ و الشاكّ لا يخصّ المجتهد كما توهّم‏ (3) بل يشمل حتّى المقلّد، فإنّ كل ملتفت إلى الحكم الفعلي إن كان قاطعا به يرتّب آثار القطع عليه بلا توقّف، و إن كان ظانّا به ظنّا معتبرا فكذلك، و إن كان شاكّا فله أحكام الشاكّ.

نعم، هناك فرق و هو أنّ المجتهد يستطيع إجراء البراءة العقليّة و هي قبح العقاب بلا بيان، لتمكّنه من إحراز عدم البيان إذا تفحّص فلم يجد، لكن المقلّد لا يستطيع ذلك- يعني إجراء البراءة- لعدم تمكّنه من إحراز شرطها.

إذا عرفت هذا فالمجتهد إذا التفت إلى حكم فعلي له بخصوصه أو يشترك فيه مع غيره فقطع به أو ظنّ أو شكّ فلا إشكال في صحّة ترتيب آثاره عليه.

____________

(1 و 2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

(3) انظر كفاية الاصول: 296.

16

و إن التفت إلى حكم يختصّ به غيره مثل أحكام الحيض للنساء مثلا فقطع به، ربّما يقال: إن القطع إنّما يكون حجّة إذا كان بالنسبة إلى نفس القاطع له أثر، و قطع المرء في حقّ غيره لا قيمة له لعدم استطاعته ترتيب آثاره و من يستطيع ترتيب آثاره لا قطع له به، كما أنّه ربّما تتسرى المقالة إلى بعض الأحكام الّتي ليست بفعليّة، بل إلى بعض الأحكام الّتي ربّما لا تكون فعليّة أصلا فكيف يكون قطعه بها حجّة؟

فالأوّل مثل أنّ المبتدئة تتحيّض بمجرّد الرؤية.

و الثاني مثل وجوب الحج على من وجد الزاد و الراحلة و إن كان بعد مجيئه من الحجّ يكون معدما و يكون استنباطه لهذا الحكم في محرّم الحرام بعد أن حجّ المجتهد نفسه، فليس هذا الحكم فعليّا أصلا، كما أنّه ليس للمجتهد عمل يرتبط به أصلا.

و الثالث مثل فرض ستّة عشر جدّا للميّت الواحد، فإنّه ربّما لا يكون مثل هذا الحكم فعليّا أصلا.

و لكن لا يخفى أنّ المجتهد إنّما يستنبط الحكم المنشأ بنحو القضيّة الحقيقيّة، و هو لا يستدعي وجود الموضوع خارجا حتّى يصير فعليّا كما أنّه يستنبط الحكم الواقعي سواء كان لعمله ربط به أم لا، فهو نظير الإمام (عليه السّلام) في إخباره عن الأحكام الواقعيّة غير أنّ أقوال الإمام (عليه السّلام) دائمة المطابقة، و أقوال المجتهد قد تصيب و قد تخطئ، و الأثر لقطعه ليس هو التنجيز، بل هو جواز الإفتاء لدخوله فيمن أفتى بالحكم و هو عالم به. و في صورة الظنّ المعتبر أيضا يجري الكلام عينا حرفا بحرف.

و لكنّ الكلام كلّ الكلام في صورة شكّه في الحكم الواقعي الّذي ليس محلّا لابتلائه بنفسه في عمله، فإنّ إجراء الاصول العمليّة إنّما هي بالنسبة إلى الشاكّ فهي تعيّن له عمله، و من ثمّ كانت مرجعا في مقام العمل للمتحيّر فكيف يجريها المجتهد في هذه الصورة؟ و قد ادّعى بعضهم‏ (1) النيابة بمعنى أنّ المجتهد ينوب‏

____________

(1) هو الشيخ الأنصاري كما صرّح به في دراسات الاصول 2: 17.

17

عن الشاكّ في استنباط حكمه الخاصّ به، و لكنّ الكلام في صحّة هذه النيابة و بيان مستندها الدالّ على صحّتها.

و التحقيق أن يقال: إنّ المجتهد إذا ابتلى بالحكم الّذي ليس فعليّا له و لم يكن له قطع به و لا طريق قام الدليل على اعتباره إمّا أن يكون شكّه فيه من ناحية الشكّ في طروء النسخ له و عدمه، فحينئذ يجري في حقّه: لا تنقض اليقين بالشكّ، فإنّه متيقّن بالحكم سابقا شاكّ به لا حقا من جهة احتمال طروء النسخ مثلا، فيجري الاستصحاب حينئذ في حقّه، و أثره هو جواز الإفتاء أيضا، و كفى به أثرا في المقام، و لا يحتاج حينئذ إلى التفات المقلّد إلى الحكم سابقا، بل و لا لاحقا أصلا، كما لا يتوقّف على أصل وجوده، لأنّ التفات المجتهد إلى الحكم الإنشائي أي إلى الحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة لا إلى الحكم الفعلي.

و إمّا أن يكون شكّه راجعا إلى الشكّ في الموضوع من حيث سعته و ضيقه، مثل ما لو ابتلي المقلّد بماء قليل لاقته النجاسة ثمّ أكمل كرّا فالمجتهد شاكّ في بقاء نجاسته لسعة موضوع الماء القليل إذا لاقته نجاسة لما كمل كرّا بعد ذلك، أو ارتفعت نجاسته لسعة موضوع عدم انفعال الماء الكثير لمثل هذا الفرد، ففي المقام الشكّ في حكم المقلّد الفعلي. فكلّ من المجتهد و المقلّد لهما شكّ لاحق و يقين سابق بالطهارة، فللمجتهد إجراء الاستصحاب و أثره جواز الإفتاء، و له أن يجري الاستصحاب في حقّ المقلد لالتفاته إلى الحكم الفعلي، و أثره حينئذ التنجيز و الإعذار، و كذا إذا دار أمر المقلّد بين المحذورين أو كان للمقلّد علم إجمالي بالتكليف، فالمجتهد هنا يجري في حقّهما التخيير العقلي في الأوّل، و الاحتياط في الثاني.

و أمّا إذا كان شكّه في التكليف- بأن شكّ المقلّد في وجوب شي‏ء عليه أم لا- فليس له إجراء البراءة، لعدم تمكّنه من شرطه و هو الفحص، فالمجتهد هنا هو يفحص فتجرى البراءة، و أثرها بالنسبة إليه جواز الإفتاء كما ذكرنا، و ليس للمقلّد إجراء البراءة لعدم إحراز شرطها.

18

فقد عرفت أنّ التقسيم ينبغي أن يكون شاملا للمجتهد و المقلّد، و تقريبه أن يقال: المجتهد إمّا أن يشكّ في حكم نفسه أو يشكّ في حكم الغير:

فإنّ شكّ في حكم نفسه فيتبع القطع لو كان أو الظنّ المعتبر أو الاصول العمليّة.

و إن كان شكّه في حكم الغير ففي صورة القطع و الظنّ يستنبط الحكم و أثره جواز الإفتاء، و في صورة الشكّ إلى التفصيل الّذي ذكرناه.

19

مبحث التجرّي‏

و يمكن أن يقع البحث فيه من جهات ثلاثة: جهة فقهيّة، و جهة اصوليّة، و جهة كلاميّة.

أمّا الجهة الاولى ففي تحريم التجرّي شرعا و عدم تحريمه شرعا.

و أمّا الجهة الاصولية فيقع البحث فيها من ناحيتين:

الاولى في شمول إطلاقات الأدلّة الواردة للموضوعات الواقعيّة للقطع بالموضوعات الواقعيّة و عدم شمولها للقطع بها.

الناحية الثانية في ترتّب مفسدة واقعيّة على المقطوع بحرمته أو بخمريّته من جهة العنوان الثانوي، كالتمرّد على المولى و عدم ترتّبها.

و لا يخفى أنّ الجهة الفقهيّة إنّما تبتني على الجهة الاصوليّة بناحيتيها، إذ التحريم الشرعي إمّا أن يكون من جهة شمول الإطلاقات أو ترتّب المفسدة، كما أنّ الناحية الاولى من الجهة الاصوليّة مختصّة بالاشتباه في التطبيق لا في الحكم، إذ التجرّي بعد شمول إطلاقات الأدلّة إنّما هو بالنسبة إلى الموضوعات المشتبه تطبيقها، بخلاف الناحية الثانية من الجهة الاصوليّة فهي شاملة للاشتباه في التطبيق و الاشتباه في الحكم، فهو البحث الشامل لجميع فروض المسألة فينبغي أن يلحظ أهميّته.

و أمّا الجهة الكلاميّة ففي أنّ المتجرّي هل يستحقّ الذمّ و اللوم عقلا بمجرّد إظهاره خبث سريرته و تمرّده على المولى؟ و هل يستحق العقاب عند العقلاء أم لا؟ و بعبارة اخرى هل فيه قبح فاعلي أم لا؟

ثمّ إنّ الظاهر أنّ موارد التجرّي لا تخصّ صورة قيام القطع، بل التجرّي حاصل إذا قطع و خالف، (سواء تعلّق قطعه بالحكم الواقعي أم بالحكم الظاهري،

20

أعني الحجّيّة ثمّ انكشف عدمها) (1) أو قام ظنّ معتبر و خالفه أو أصل من الاصول العمليّة و خالفه و صادف مخالفة القطع و الظنّ و الأصل العملي للواقع، (بل من موارد التجرّي موارد مخالفة الحكم العقلي كاقتحام أحد أطراف الشبهة المحصورة أو قبل الفحص ثمّ ينكشف إباحته و إنّه غير محرّم) (2).

و بالجملة، التجرّي في كلّ مورد يتنجّز الحكم الشرعي فيخالفه و تظهر مخالفة الحكم المنجّز للحكم الواقعي.

و ربّما يقال باختصاص التجرّي في صورة قيام القطع، و أمّا صور قيام الظنّ أو الاصول فلا يعقل التجرّي فيها، لعدم إمكان ظهور المخالفة فيها، لأنّ الأحكام الظاهريّة أحكام في صورة الشكّ مجعولة، فلو علمنا بالحكم الواقعي بعد ذلك الشكّ فعدم العمل بالحكم الظاهري، لعدم موضوعه و هو الشاكّ، و الشاكّ لا يعقل أن ينكشف له خلاف الحكم الظاهري و هو شاكّ أصلا. و بالجملة، فالأحكام الظاهريّة لا ينكشف خلافها، و العلم بالحكم الواقعي يكون من قبيل تغيّر الموضوع. (و كذا الكلام في الأمارات فإنّها موضوعة في ظرف الشكّ) (3).

و لا يخفى فساده، فإنّ هذا الكلام مبنيّ على سببية الأمارات و إنّ متعلّقها يكون مشتملا على المصلحة الفائتة من فوات الحكم الواقعي، و لكنّ الصحيح أنّ حجيّتها- أي حجّية الطرق و الأمارات- ليس من باب السببيّة، بل من باب الطريقيّة، و حينئذ فلا يترتّب على الطرق و الأمارات غير ما يترتّب على الواقع نفسه، و حينئذ فالعلم بالحكم الواقعي بعد ذلك لا يوجب تغيّر الموضوع و ارتفاعه و أنّ ما تركه تجرّيا من الحكم الواقعي عصيان ليس إلّا، لمخالفته للحكم الظاهري فإنّ الحكم الظاهري لا يترتّب عليه طاعة و عصيان إلّا بلحاظ الحكم الواقعي، فافهم و تأمّل.

____________

(1- 2- 3) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

21

و يقع الكلام الآن في الناحية الاولى من ناحيتي الجهة الاصوليّة و هي ما إذا كان الاشتباه في تطبيق المنهيّ عنه على الخارج، كما لو قطع الإنسان بكون زيد في الدار فكذب فقال: ليس زيد في الدار، ثمّ انكشف أنّه ليس فيها، و أنّه ليس بكاذب بناء على أنّ الكذب مخالفة الواقع.

فالكلام في أنّ دليل تحريم الكذب هل يشمل مقطوع الكذبيّة و إن لم يكن كذبا واقعا فيكون محرّما أم لا؟ قد زعم الأوّل و استدلّ عليه بدليل مركّب من مقدّمات:

الاولى: أنّ التكاليف إنّما تتوجّه نحو المقدور، إذ لا معنى للحثّ و الزجر نحو غير المقدور، و من هنا كانت التكاليف الّتي لها متعلّقات في الخارج غير مقدورة يلزم أن يكون متعلّقاتها مفروضة الوجود في الخارج و يكون التكليف متعلّقا بتركها، مثلا خمريّة الخمر مثلا ليس باختيار المكلّف، بل هي أمر أجنبيّ عنه لا ربط لها بالتكليف، و التكليف إنّما يتوجّه بعد فرض وجودها فينهى عن شربها مثلا و لا يمكن النهي عن خمريّة الخمر، لعدم كونها تحت اختياره.

الثانية: أنّ المحرك للإنسان نحو الأشياء الخارجيّة هو علمه بها، مثلا من علم بوجود الأسد يفرّ عن المكان الّذي يحتمل وجوده فيه، و من لم يعلم بوجود الأسد لا يفرّ أصلا. فالمحرّك للإنسان نحو أفعاله الاختياريّة إنّما هو علمه و قطعه، فمن كان عطشانا و قطع بوجود الماء على يمينه يتحرّك على جهة اليمين لتحصيله و إن لم يكن واقعا، و من لم يقطع بوجود الماء لا يتحرّك بل يبقى حتّى يموت عطشا و لو كان الماء قريبا منه جدّا، فالمحرّك للإنسان إنّما هو قطعه.

الثالثة: أنّ المكلّف إنّما يستطيع أن يحرّك العبد نحو اختيار الفعل لا نحو الفعل الاختياري، و ذلك بأن يحرّكه بما يكون محرّكا له و هو قطعه، فالمولى يحرّك العبد نحو الاختيار بأن يوجد له مقدّماته و هو القطع بالواقع مثلا، كما يحرّك نفس أعضائه‏

22

لو أراد فعلا مباشرته بنفسه فيفرض العبد كأعضائه فيوجد له أسباب التحريك بأن يحصل له القطع بالواقع لما علم من أنّه لا يتحرّك إلّا بعلمه و قطعه‏ (1).

و إذا تمّت هذه المقدّمات الثلاث يلزم أن يكون نهي المولى و زجره عن تناول المقطوع بخمريّته، لأنّه الّذي يتمكّن العبد من تركه، و المصادفة للواقع و عدمها ليست باختيار المكلّف حتّى ينهى عنها.

و بالجملة، العاصي و المتجرّي كلّ منهما يقدم على تناول ما قطع بخمريّته، و مصادفة تناول العاصي للواقع ليست باختياريّة أصلا، فالخمريّة لا يمكن أن تؤخذ في متعلّق التكليف بمقتضى المقدّمة الاولى من أنّها ليست باختياريّة، و المحرّك لا يمكن أن يكون إلّا قطع العبد لا الواقع مع قطع النظر عن القطع بموجب المقدّمة الثانية، و المولى لا يمكن أن يحرّك العبد إلّا بإيجاد محرّكاته و هو القطع. فينتج هذه المقدّمات أنّ النهي يلزم أن يتعلّق بمقطوع الخمريّة لا بالخمر الواقعي و إن اقتضى ظاهره ذلك، و هو معنى شمول إطلاق الأدلّة للمقطوع، فافهم و تأمّل.

و الجواب عن هذا الدليل أنّ المقدّمة الاولى و المقدّمة الثانية و إن كان لا شبهة فيهما، إلّا أن الكلام في المقدّمة الثالثة، و هي أنّ تكاليف المولى إنّما تتوجّه نحو اختيار الفعل لا الفعل الاختياري، فإنّ الظاهر بطلانها:

بالنقض أوّلا، و ذلك بالواجبات فإنّ التكاليف إذا كانت متوجّهة نحو اختيار الفعل فيلزم كونها في الواجبات كذلك أيضا، فلو قطع بأنّ هذا اليوم من شهر رمضان و صامه يلزم أن يكون صومه صحيحا مجزيا و إن لم يكن ذلك اليوم من شهر رمضان، لأنّ التكاليف متوجّهة إلى اختيار الفعل، و لم يقل فقيه أو متفقّه (بالصحّة بل و لا) (2) بإجزاء القطع المخالف للواقع قطعا.

____________

(1) انظر أجود التقريرات 3: 44.

(2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

23

و بالحلّ ثانيا، و ذلك بأن يقال: إنّ التكاليف إنّما تصدر إذا كان فيها مصلحة، و المصلحة إنّما تقوم بواقع الأشياء، فالتكليف يلزم أن يكون بالامور الواقعيّة و حيث إنّ الامور الواقعيّة مجهولة للمكلّف، و تكليف الجاهل قبيح لاعتبار القدرة في متعلّقات التكاليف الفعليّة أو في تنجّز التكاليف كما اخترناه اعتبر وصول التكاليف الواقعيّة إليه ليعرفها، فالقطع إنّما اعتبر طريقا إليها و ليس له موضوعيّة في الحكم، فهو مكلّف بترك الفعل الاختياري لا بترك اختيار الفعل، و حينئذ فالعاصي لم يترك الشرب الاختياري للخمر، بل شربه، و لكنّ المتجرّي لم يشرب الخمر أصلا. فكم ترى من الفرق بينهما فإنّهما معا مكلّفان بترك شرب الخمر الواقعي اختيارا لكنّ أحدهما شربه و هو العاصي و الآخر تخيّل أنّه شربه و لم يشربه. و بالجملة، فهما متغايران.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الإطلاقات لا يمكن شمولها للمقطوع الخمريّة، لأنّها تابعة للمصالح و المفاسد الواقعيّة المترتّبة على واقع الأشياء، و القطع صفة للمكلّف لا يمكن أن تغيّر الواقع عمّا هو عليه، إذ لو قطع بنفع هذا الشي‏ء و كان ضارّا في الواقع لا ينقلب ضرره نفعا، فظهر عدم شمول إطلاقات التكاليف للمقطوع أصلا، فافهم.

ثمّ إنّه يقع الكلام الآن في الناحية الثانية من الجهة الاصوليّة و هي ترتّب المفسدة على الفعل المتجرّى به:

فإمّا أن يدّعى ترتّب المفسدة الواقعيّة المترتّبة على الفعل الواقعي المنهيّ عنه، فبطلانه معلوم، لما أشرنا إليه من أنّ المفاسد الواقعيّة إنّما تترتّب على الموضوعات الواقعيّة، و القطع بالموضوعات الواقعيّة مع كونه مخالفا واقعا لا يوجب ترتّب حكم الواقع و المفسدة الواقعيّة عليه أصلا.

و إمّا أن يدّعى أنّ هذا الفعل الخارجي يكون ذا مفسدة لكشفه عن قبح سريرة العبد و خبث ذاته، فمعلوم أنّ المنكشف قبيح لا الكاشف، فيلزم أن تكون المفسدة و الذمّ مترتّبان على المنكشف لا على الكاشف، و الكلام في الكاشف لا في المنكشف.

24

و إمّا أن يدّعى أنّ صفة القطع من العناوين المحسّنة و المقبّحة نظير الضرب لليتيم تأديبا و ظلما في اتّصاف الأوّل بالحسن و الثاني بالقبح، فكذلك القطع بالخمريّة من الصفات المقبّحة لشربه و المحسّنة لتركه و إن لم يكن خمرا بحسب الواقع.

و قد أورد الميرزا النائيني (قدّس سرّه) عليه أنّ القطع لا يكوّن مصلحة بالفعل و لا مفسدة بالقطع و الوجدان، بمعنى أنّ الوجدان حاكم بعدم كون صفة القطع من الصفات المغيّرة لعنوان المحبوبيّة و المبغوضيّة و لا يكون المبغوض بسببها محبوبا وجدانا؛ لأنّ انكشاف الشي‏ء لا يزيد عليه شيئا و أيضا أنّ تخصيص الحرمة بالقطع المخالف للواقع فيقال مثلا: أيّها القاطع قطعا مخالفا للواقع اجتنب، فلا مصداق له و لمطلق القطع يوجب جمع المثلين بنظر المكلّف‏ (1).

و الآخوند (قدّس سرّه) ذكر في مقام الإيراد على أصل الدعوى بأنّ الصفات الّتي توجب تغيّر عناوين الأفعال هي الجهات الاختياريّة للمكلّف الّتي يمكن أن يحقّقها و أن لا يحقّقها، و القطع و عدمه ليس منها، لعدم كونها صفة اختياريّة له، فلا يتحقّق له قصد إليها، بل إنّما يقصد العقل بعنوانه الواقعي، بل قد لا يلتفت القاطع إلى ذلك القطع الّذي عنده، و إنّما الملتفت إليه هو المقطوع‏ (2).

و الجواب عمّا ذكره الآخوند (قدّس سرّه) هو أنّه ما معنى قولك: «إنّه لا يقصده إلّا بعنوانه الواقعي»؟

إن اريد من القصد الداعويّة أي لا يدعوه إليه إلّا عنوانه الواقعي، فمعلوم أنّ المغيّرات لعناوين الأفعال لا يلزم أن تكون هي الداعية إليها، فإنّ ضرب اليتيم الضرب المؤذي لا بداعي الإيذاء، بل بداعي تجربة العصا قبيح قطعا مع عدم قصد الإيذاء.

____________

(1) انظر فوائد الاصول 2: 41.

(2) انظر كفاية الاصول: 299.

25

و إن كان المراد من القصد الالتفات فلا معنى للترقّي حينئذ بقولك: «بل لا يلتفت إليه»، إذ هو هو فلا مجال للترقّي.

مع أنّه غير مسلّم، بل القطع ملتفت إليه قطعا و إلّا فلا يستطيع تصوّر المقطوع إلّا بعد تصوّر القطع إلّا أنّه ملتفت إلى قطعه إجمالا لا تفصيلا، بل لو لم يكن الالتفات إلى قطعه لكونه طريقيّا كما ادّعى لم يمكن أخذ القطع بحكم موضوعا لحكم شرعا فيسقط القطع الموضوعي كليّة. فظهر أنّ ما ذكره الآخوند (قدّس سرّه) غير وارد بحسب الظاهر.

ثمّ إنّ ما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) (من لزوم اجتماع المثلين في نظر القاطع، فقد اعترف هو بعدم المانع منه، و أنّه يتأكّد الوجوب أو التحريم في كلّ مجمع لعنوانين بينهما العموم من وجه‏ (1) كما في المقام، ضرورة أنّ الخمر مثلا قد يكون مقطوعا به و قد لا يكون مقطوعا به، كما أنّ القطع بالخمريّة قد يكون موافقا للواقع و قد لا يكون فبينهما عموم من وجه حتّى باعتراف القاطع نفسه، و إن أنكر كون قطعه مخالفا للواقع.

و أمّا ما ذكره) (2) من القطع بعدم تغيّر الأفعال الواقعيّة بواسطة القطع عن عناوينها الواقعيّة، فلا يخفى أنّ المراد ليس تغيّر المصالح و المفاسد الواقعيّة و لا المحبوبيّة الواقعيّة و المبغوضيّة الواقعيّة بسبب القطع، بل المراد اتّصافه بالحسن و القبح عقلا عند العقلاء، و اتّصافه بهما عقلا لا يكاد ينكر أصلا، لأنّ إقدامه على هذا العمل الّذي قطع بكونه محبوبا للمولى جري على مقتضى العبوديّة و إيفاء المولى حقّه فهو جري على مقتضى العدل، كما أنّ إقدامه على العمل المقطوع بكونه مبغوضا للمولى‏

____________

(1) انظر فوائد الاصول 2: 45.

(2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

26

هتك للمولى و تمرّد عليه و طغيان و هتك له قطعا. و حينئذ فنفس العمل يكون مبغوضا للمولى، لكونه هتكا له و تمرّدا عليه و طغيانا و ظلما لمقام المولويّة، و لا نعني بالحسن و القبح إلّا تحسين العقلاء الثواب في الجري الأوّل و العقاب في الجري الثاني.

و الظاهر أنّ منشأ انكار الميرزا ذلك هو الخلط بين التحسين و التقبيح العقليين و المصالح و المفاسد الواقعيّة و المحبوبيّة و المبغوضيّة الذاتيّة، فتأمّل تعرف أنّ ما ذكرناه من كون العبد بعمله هذا يكون في مقام الظلم لحقّ المولى أمر محال إلى الوجدان و إلى حكم العقلاء بحسن الذمّ لمثل مرتكب هذا العمل، كما التزم الجميع بحسن العمل المنقاد به و إثابة المولى له زيادة على استحقاقه المدح، لأنّه في مقام حفظ مراتب العبوديّة، (إلّا أنّ الكلام في استلزام هذا القبح الفعلي للحرمة الشرعيّة بقاعدة الملازمة و عدم الاستلزام فنقول) (1):

في الحسن و القبيح العقليّين‏

اختلف المتكلّمون في الحسن و القبح العقليّين فذهب جماعة إلى أنّهما يتبعان ذوات الأفعال، فالحسن ذاتا لا يعقل أن يكون قبيحا أصلا و بالعكس، و آخرون إلى أنّهما بالوجوه و الاعتبارات، و ذهبت الأشاعرة إلى أنّ العقل لا يدرك حسنا و لا قبيحا، بل يتبعان أمر المولى الحكيم، فما أمر به المولى يكون حسنا و ما نهى عنه يكون قبيحا، فالحسن و القبح يتبعان أمره تعالى و ليس لهما واقع أصلا (2).

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

(2) انظر شرح تجريد العقائد (للقوشجي): 337، و الفصول: 431، و أصول الفقه (للمظفر) 1: 199، حيث نسب القول الأوّل إلى العدلية و المعتزلة و الثاني إلى بعض المعتزلة و صاحب الفصول و الثالث إلى الأشاعرة.

27

و لا يخفى أنّ القول الأوّل و هو أنّهما تابعان لذوات الافعال الواقعيّة، إن اريد منهما المصلحة و المفسدة و المحبوبيّة و المبغوضيّة فمسلّم، إلّا أنّ الكلام في الحسن و القبح بمعنى عدّ العقلاء له حسنا و قبيحا و هذا لا يتبع ذات الفعل، فإنّ القيام الواحد قد يكون حسنا إذا كان بقصد تعظيم المولى و يكون قبيحا إذا كان بقصد الاستهزاء بالمولى مع عدم خروجه عن ذاته و عدم تغيّرها قطعا، و كذا ضرب اليتيم تأديبا و ظلما، و غيرهما من الأمثلة الّتي هي فوق حدّ الإحصاء.

كما أنّ القول الثالث- و هو قول الأشاعرة- كالأوّل باطل، لأنّ الحسن و القبح و إدراك العقل لهما يكاد أن يكون من ضروريّات مدركات العقل و بديهيّاته مع قطع النظر عن الشارع، بل ان قلنا به لم يمكن إثبات نبوّة نبيّ فإنّ ظهور المعجزة على يد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لو لا إدراك العقل لحسنها لم لا يجوز أن يكون هذا المدّعي لها كاذبا و أنّ المعجزة يظهرها اللّه على يد الكاذب لو لا قبح ذلك منه؟ و لم لا يجوز أن يدخل اللّه النار كلّ من أطاعه و الجنّة كلّ من عصاه لو لا الحسن و القبح؟ غايته أنّه يقول: إنّه تعالى وعد المطيعين الجنة و العاصين النار، فنقول: ما المانع من إخلافه وعده و كونه كاذبا لو لا الحسن و القبح العقليّين؟ تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.

و بالجملة، فالالتزام بما ذكره يؤدّي إلى لوازم باطلة تؤدّي إلى إضحاك الثكلى، مثل كونه تعالى ظالما غير عادل- نعوذ باللّه منها- و قد التزموا بها مع بداهة بطلانها، و التزموا بالجبر و أشباهه تفريعا على هذه المقدّمة قبّحهم اللّه تعالى.

و إذا بطل القول الأوّل و الثالث تعيّن الثاني للصحّة، و هو كون الأفعال تابعة في تحسين العقلاء و تقبيحهم للوجوه و الاعتبارات لا ذاتيّة لها و لا عارية عنها كما هو مؤدّى القولين الباطلين. و حينئذ فالعمل المتجرّى به يكون قبيحا لوجهه قطعا، ضرورة أنّ التقبيح و التحسين من العقلاء إنّما هو على الأعمال الاختياريّة لهم و إلّا فلا يستحقّ المدح على صدور فعل منه قسرا أوجب إنجاء مؤمن أو يستحقّ الذمّ لصدور فعل قسرا منه أوجب قتل مؤمن. و حينئذ فالمتجرّي و العاصي بالنسبة

28

إلى ما يقترفانه باختيارهما سواء قطعا، و إنّما يختلفان بمصادفة الواقع في العاصي دون المتجرّي، و هي أمر خارج عن اختيارهما، و حينئذ فالذمّ و العقاب العقلائي بالنسبة إليهما على حدّ سواء.

ثمّ إنّه بعد ما ظهر أنّ الفعل المتجرّى به قبيح عقلا فهل يحكم بحرمته شرعا أم لا؟

الظاهر الثاني، و هو عدم حرمته شرعا. و حديث الملازمة- و هي كلّما حكم به العقل حكم به الشرع- إنّما هي في غير صورة إدراك العقل الحسن و القبح، بل في صورة إدراك العقل المصلحة و المفسدة الّتي هي في مرتبة علل الأحكام الشرعيّة لا الحسن و القبح، فإنّه لا مجال لحكم الشرع حيث يكون المدرك هو الحسن و القبح العقليّين، فإنّ هذه القاعدة فيها غير مسلّمة قطعا، و إنّما المسلّم من قاعدة «كلّما حكم به العقل حكم به الشرع» هي صورة إدراك العقل لمصلحة الحكم، و حيث إنّ المصلحة الواقعيّة لا تكاد ينفكّ عن حكم شرعي آمر بها يحكم الشرع حينئذ بالملازمة المذكورة لكنّ المقام مقام إدراك العقل في مرحلة الامتثال، فإنّ العقل إنّما يدرك أنّ هذا العمل الّذي هو في مرحلة الامتثال قبيح. و حينئذ فلا ملازمة بين هذا الحكم العقلي و الحكم الشرعي، بل لا يمكن أن يحكم الشارع هنا، لأنّه (لغو و ذلك لأنّ الحكم الأوّلي إن كفى فلا حاجة إلى الثاني، و إن لم يكف لم ينفع الثاني لعدم زيادته على الأوّل، مضافا إلى أنّ الشارع) (1) إن حكم بحرمته:

فإمّا أن يحكم بحرمة خصوص ما قطع بحرمته قطعا مخالفا للواقع فيختصّ الحكم بالتحريم بخصوص المتجرّي دون العاصي، لأنّ العاصي ليس قطعه مخالفا للواقع بل مصادف للواقع. و هذا مع كونه بعيدا في نفسه لاستلزامه تحريم التجرّي دون العصيان غير ممكن، لأنّ القاطع إن علم أنّ قطعه مخالف للواقع فليس قاطعا حينئذ، و إن لم يعلم أنّ قطعه مخالف للواقع فلا يتنجّز التحريم عليه، بمعنى لا يكون الحكم‏

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

29

بالتحريم فعليّا في حقّه، لأنّ القدرة شرط فعليّة التكليف و من مبادئها الالتفات، نظير عدم إمكان خطاب الناسي، فافهم.

و إمّا أن يحكم بحرمة مقطوع الحرمة مطلقا، صادف الواقع أم لم يصادفه. و هذا أيضا غير ممكن لاستلزامه التسلسل، و ذلك لأنّ الإتيان بمقطوع الحرمة يكون عصيانا للنهي عن ارتكاب مقطوع الخمريّة، فالحاكم بقبح هذا العصيان إن كان العقل فهو المدّعى، و إن كان الشرع فيلزم نهي آخر و إليه ينقل عين الكلام. (و هذا هو التسلسل الباطل في نفسه، مضافا إلى استلزامه عدم اختلاف المعاصي صغرا و كبرا، لأنّ الأمرين الغير المتناهيين لا يختلفان من حيث العدد و الكيفيّة كما برهن عليه في محلّه) (1).

فقد ظهر أنّ التجرّي قبيح عقلا، غير محكوم بالحرمة شرعا، لكن لا يخفى أنّ نفي الحرمة الشرعيّة لا توجب نفي العقاب، لأنّ العقاب إنّما يكون بحكم العقل و العقل لا يفرّق في العقاب بين العاصي و المتجرّي، لأنّ كلّا منهما في مقام التعدّي على المولى و عدم توفيته حقوقه و ظلمه و هتكه بمعنى عدم الجريان على قانون العبوديّة.

و بالجملة، فالعاصي و المتجرّي يستحقّان العقاب على أعمالهما الاختياريّة و هي كونهما بصدد الطغيان، و مصادفة الواقع و عدمها أمران خارجان عن أفعالهما الاختياريّة فلا معنى لتعليق العقاب عليها أصلا، فافهم.

(نعم، يمكن أن يفرّق بين العاصي و المتجرّي بأمرين:

أحدهما: مقدار العقاب الاخروي المعدّ لشارب الخمر مثلا متعمّدا، كما ورد أنّه لا يشرب من الكوثر و إن تاب‏ (2) فمثل هذا لا يترتّب في حقّ المتجرّي لعدم شربه الخمر.

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

(2) لم نعثر عليه بعينه و إن ورد مضمونه في الوسائل 25: 327، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 11 و 14.

30

الثاني: الحدود الدنيويّة فإنّ الثمانين حدّ شارب الخمر لا المتجرّي) (1).

و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّه لا مجال لما قيل من أنّه بناء على العقاب للمتجرّي يلزم أن يعاقب العاصي بعقابين، و ذلك لأنّ العقاب إنّما هو على الامور الاختياريّة، و مصادفة الواقع ليست منها، فعقاب العاصي كعقاب المتجرّي لا أنّ له عقابين. كما أنّه لا مجال لما ذكره الميرزا النائيني‏ (2) من لزوم كون العقاب على القصد لعدم كون العقاب على القصد، و إنّما هو على الأعمال الاختياريّة الصادرة من العبد في مقام الطغيان على المولى و السيّد.

(و قد ذكر الآخوند (قدّس سرّه) في كفايته أنّ الفعل المتجرّى به ليس قبيحا و إن استحقّ العبد المتجرّي العقاب و ذكر أنّ العقاب على عزمه و اختياره، ثمّ حيث بنى على أنّهما ليسا بالاختيار و إلّا لتسلسل أجاب بالالتزام بحسن العقاب عليهما و إن لم يكونا بالاختيار كما في العاصي فإنّ مصادفة المعصية للواقع ليس باختياره ثمّ انجرّ (قدّس سرّه) إلى باب عظيم‏ (3).

و لا يخفى أنّ هذا الكلام مبنيّ على كون العزم و الاختيار من الصفات لا من الأفعال و أنّ العقاب عليهما، و هما باطلان فإنّ العزم و الاختيار من أفعال الإنسان الاختياريّة بمعنى كون فعلها و تركها بيده، مع أنّ العقاب ليس عليها و إنّما هو على الفعل الخارجي الّذي به هتك المولى و العزم بصرفه لا هتك فيه، و إلّا لزم العقاب حينئذ عليه و إن لم يفعل خارجا) (4).

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

(2) انظر فوائد الاصول 3: 46- 50.

(3) انظر كفاية الاصول: 298- 302.

(4) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

31

[تنبيهات التجرّي‏]

بقي هنا امور ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل: ذكر الميرزا النائيني (قدّس سرّه) بعد أن حكم بقبح الفعل المتجرّى به عقلا أنّه ليس محكوما شرعا بالحرمة، لأنّ مقطوع الخمريّة بالنسبة إلى الخمر الواقعي و إن كان بينهما بحسب الأمر و الواقع عموما من وجه، إذ يجوز أن يؤخذ مقطوع الخمريّة موضوعا لحكم آخر فيجوز أن يكون حكم الخمريّة الحرمة و حكم مقطوع الخمريّة الحرمة أيضا، نظير الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بالموضوعات الّتي بينها عموما من وجه، مثل ما لو ورد: أكرم هاشميّا و أكرم عالما، فكذلك مقامنا يحكم الشارع بحرمة الخمر الواقعي و بحرمة مقطوع الخمريّة ثانيا، فهو ممكن في نفسه إذ يعقل أن يكون خمر ليس بمقطوع الخمريّة، و أن يكون مقطوع الخمريّة و ليس خمرا واقعا، و أن يجتمعا، فجعل الحكمين و إن كان في نفس الأمر و الواقع ممكنا إلّا أنّه بالنسبة إلى المكلّف غير ممكن بخصوص المقام، إذ أنّ القاطع لا يرى أنّ قطعه مخالف للواقع فهو يرى الخمر الواقعي و يرى أنّه محكوم بحكمين أحدهما حكم الخمر الواقعي و الثاني حكم مقطوع الخمريّة، و هذا يؤدّي إلى أن يكون جعل الحكم بحرمة التجرّي مؤدّيا إلى اجتماع المثلين فأحال حكم الشارع بالحرمة في مقام التجرّي بأدائه إلى اجتماع المثلين‏ (1).

و لا يخفى عليك ما فيه:

أمّا أوّلا: فلأنّه مختصّ بالقطع بالحكم، و أمّا القطع بالموضوع فلا يؤدّي إلى اجتماع المثلين، لأنّه قد يقطع بالخمر و حكم مقطوع الخمريّة و لا يعلم بحكم الخمر أصلا و قد يعلم حكم الخمر و يقطع بالخمر و لكنّه لا يعلم حكم مقطوع الخمريّة، و حينئذ فلا يكون الجعل مؤدّيا إلى اجتماع المثلين بنظر المكلّف أصلا لعدم علمه بالحكم الثاني حتّى يتنجّز.

____________

(1) انظر فوائد الاصول 2: 45- 46.

32

و أمّا ثانيا: فلأنّه يجوز أن يكون المقام من قبيل العموم المطلق لا العموم من وجه، و حينئذ فجعل حكمين أيضا ممكن كما في نذر الصلاة الواجبة الّتي قد اتّفق تقريبا على انعقاده و التزم فيه بتأكّد الطلب و حينئذ فمقامنا من هذا القبيل، و حينئذ فيجوز أن يحرّم الشارع مقطوع الخمريّة و لا يلزم اجتماع المثلين، بل يلتزم بالتأكّد كما التزم به في غير المقام كما ذكرنا. فظهر أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) لاستحالة جعل الحرمة شرعا للفعل المتجرّى به غير مرضيّ، و لكن الوجه ما ذكرناه نحن من عدم الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و عدم إمكان حكم الشرع بالنسبة إلى خصوص صورة التجرّي و استلزامه التسلسل بالنسبة إلى مطلق المقطوع، فافهم.

الثاني من الامور: ربّما يستدلّ على حرمة التجرّي شرعا باتّفاق الأصحاب على عدم إعادة من سافر مغرّرا بنفسه فصلّى تماما و انكشف عدم التغرير بسفره‏ (1) فيقال: إنّ التجرّي معصية فسفره تجرّي، و حيث إنّ التجرّي محرّم لزمه الإتمام. كما أنّه قد يستدلّ على التحريم أيضا بمن خاف ظنّ ضيق الوقت فلم يصلّ ثمّ انكشف أنّه واسع و ليس بضيّق فإنّ الإجماع قائم على أنّه آثم‏ (2) و ليس إلّا لأنّه متجرّي و إلّا فلم يترك واجبا.

و لا يخفى عليك ما في الاستدلال بهذين، فإنّ وجوب الإتمام في الأوّل ليس من جهة التجرّي و إنّما هو لوجود موضوعه و هو ظنّ الضرر، فإنّ الموضوع لوجوب الإتمام كونه مغرّرا بنفسه، و التغرير حاصل في المقام، (و تفصيل ذلك أنّ الضرر المظنون إن كان هلاكا لنفسه أو هتكا لعرضه أو ذهاب مال مؤمن فإنّ احتمال الضرر موجب لتحريم السفر، لكون السفر منافيا للحفظ الواجب عليه فهو معصية بنفسه، و إن لم يكن كذلك يكون من صغريات التجرّي و لا إجماع حينئذ على الإتمام،

____________

(1) انظر الفرائد 1: 38.

(2) انظر المنتهى 4: 107، و كشف اللثام 3: 109، و مفتاح الكرامة 2: 61.

33

بل الأقوال فيه أربعة: كون العبرة بالمعصية الواقعيّة، أو الاعتقاديّة، أو إحداهما، أو بهما معا، كما هو الظاهر، إذ المعصية المأخوذة في الأخبار لا تصدق إلّا على الواقع الواصل. و إن كان الضرر ذهاب مال- كما في الكمارك- فالقطع به لا يقتضي حرمة السفر فضلا عن الظنّ) (1).

و الإثم في الثاني من جهة أنّ موضوعه خوف الفوات الحاصل مع قيام الظنّ على ضيق الوقت، فلا ربط لهما بالتجرّي أصلا، فافهم.

(و إن شئت فقل: إنّ احتمال الضيق يقتضي أيضا المبادرة، لأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني. و دعوى الإثم لو ترك و انكشف حينئذ سعة الوقت ممنوعة أشدّ المنع) (2).

الثالث: أنّه ربّما يستدلّ على حرمة الفعل المتجرّى به شرعا بما دلّ على أنّ الناس يعاملون بنيّاتهم و أنّ لكلّ امرئ ما نوى، بتقريب أنّها دالّة على حرمة نيّة المعصية، فيعارضها ما دلّ على العفو عن نيّة السوء و أنّها لا تكتب، فيجمع بينها بحمل الأخبار الدالّة على التحريم و العقاب على ما إذا شرع بعد نيّته بمقدّمات العمل المحرّم، و حمل ما دلّ على العفو على ما إذا لم يشرع في مقدّمات العمل المحرّم، فينتج الجمع حرمة ما اشتغل المكلّف بمقدّماته، و المتجرّي المفروض أنّه اشتغل بالمقدّمات و أتى بذي المقدّمة أيضا فيكون محرّما (3).

و الجواب أوّلا: أنّ هذا الجمع جمع تبرّعي لا شاهد له فهو غير مقبول، بل ينبغي الجمع بينها بحمل الاولى- و هي ما دلّت على العقاب- على ما إذا لم يرتدع من نفسه بل ارتدع بأمر خارجي قسرا عليه، و حمل الثانية و هي ما دلّت على العفو على ما إذا ارتدع بنفسه. و شاهد هذا الجمع هو الخبر المرويّ عن النبيّ في الرجلين يقتتلان‏

____________

(1 و 2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

(3) انظر القواعد و الفوائد 1: 107، و الفرائد 1: 48- 50.

34

فيقتل أحدهما صاحبه، القاتل و المقتول في النار، قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله): لأنّه أراد قتل صاحبه‏ (1). و معلوم أنّ المقتول لم يرتدع من قبل نفسه، بل ارتدع لأمر خارجي و هو قتله. و حينئذ فيخصّص ما دلّ على العفو بهذه الرواية، فيختصّ العفو بمن ارتدع من قبل نفسه فيكون خبر العفو أخصّ فيقدّم على خبر العقاب لأخصيّة اللاحقة.

(و لكنّا راجعنا رواية القاتل و المقتول الّتي هي شاهد هذا الجمع و إذا هي في تحريم مقاتلة المسلم للمسلم و هما مقاتلان، فهما عاصيان لا متجرّيان، فإنّ إخافة المؤمن بالنظر الشرور حرام فضلا عن مقاتلته، فلا شاهد للجمع بين الطائفتين المتعارضتين من الأخبار، إلّا أنّ المهمّ إنّا لم نجد في الأخبار ما يدلّ على العفو عن نيّة السوء و إنّما الموجود أنّ نيّة السيّئة لا توجب كتابة نفس السيّئة، بل فيها أنّه لو عمل نفس السيّئة لا تكتب حتّى تمضي تسع ساعات من غير توبة. فما دلّ على العقاب بنيّة السوء ليس له معارض، إلّا أنّه لا يدلّ على حرمة نفس الفعل الخارجي المتجرّى به كما هو محلّ الكلام، بل و لا على حرمة نفس النيّة، إذ العقاب بحكم العقل و هو مسلّم، و إنّما الكلام في التحريم) (2).

و ثانيا: لو سلّمنا الجمع بتلك الطريقة الاولى فيختصّ التحريم بمن شرع في مقدّمات الحرام إلّا أنّ المتجرّي لم يشرع في مقدّمات الحرام، و إنّما شرع بمقدّمات المباح في الواقع و إن تخيّل أنّها مقدّمات حرام.

و ثالثا: أنّ هذه الأخبار إنّما دلّت على العقاب فلا دلالة لها على التحريم الّذي نفيناه، و إنّما يدلّ على العقاب و قد سلّمناه، فلا مجال للإيراد علينا بهذه الأخبار. نعم من نفى العقاب تكون هذه الأخبار ردّا عليه، فافهم و تأمّل.

____________

(1) الوسائل 11: 113، الباب 67 من أبواب جهاد العدوّ، الحديث الأوّل، مع تفاوت يسير.

(2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

35

الثالث من الامور: أنّه ذكر صاحب الفصول (قدّس سرّه) بعد أن اختار حرمة الفعل المتجرّى به و ترتّب العقاب عليه جريان التجرّي مع الأحكام الخمسة، و أنّه ربّما يكون محرّما حرمة شديدة إذا صادف الحرام الواقعي، و قد تكون حرمته أخفّ إذا صادف ما تخيّله حراما مكروها، و قد يكون مباحا فتكون حرمته أخفّ، و قد يكون مستحبّا و واجبا فربّما تكون مصلحته بمرتبة توجب اضمحلال المفسدة الحاصلة من التجرّي كما إذا تخيّله عدوّا للمولى و مع ذلك تجرّى فلم يقتله و بعد ذلك انكشف أنّه نفس المولى مثلا (1).

و لا يخفى أنّ كلامه (قدّس سرّه) مبنيّ على مقدّمات ثلاث:

الاولى: أنّ التجرّي يمكن انفكاك القبح عنه.

الثانية: أنّ المصادفة للواجب ترفعه.

الثالثة: أنّ العبد في صورة مصادفة العمل المتجرّى به للواقع يستحقّ عقابين:

أحدهما على تجرّيه، الثاني على المفسدة الواقعيّة.

و لا يخفى عليك أنّ هذه المقدّمات الثلاث باطلة كلّها.

توضيح بطلان الاولى: أنّ التجرّي هو عبارة عن كون العبد في مقام الطغيان على المولى، و لا يخفى أنّه حينئذ ظالم للمولى، لعدم توفيته حقّه، و الظلم لا ينفكّ عن القبح عقلا في العمليّات، كما لا ينفكّ اجتماع الضدّين عن الاستحالة عقلا في النظريّات. نعم المصلحة و المفسدة قد ينفكّان عن العمل لكن عنوان الظلم لا ينفكّ عن التجرّي، فلا ينفكّ التجرّي حينئذ عن القبح أصلا.

ثمّ لو تنزلنا و سلّمنا إمكان انفكاك القبح عن التجرّي فإنّما يكون ذلك بامور اختياريّة للمتجرّي، و مصادفة الواجب و عدمها لا يصلحان لذلك أصلا، لأنّهما ليسا باختياره قطعا.

____________

(1) انظر الفصول: 432.

36

و منه يظهر الجواب عن الثالثة فإنّ المتجرّي و العاصي سواء في كونهما في مقام الظلم و الهتك للمولى و الخروج عن حدوده، فاستحقاقهما للعقاب سواء. و أمّا مقدار العقاب فأمره بيد المولى (مع أنّ في صورة مصادفة قطعه للواقع لا تجرّي و إنّما هو عصيان، و على تقدير تحقّق التجرّي لا مقتضي للتداخل) (1).

في القطع الطريقي و الموضوعي بأقسامه‏

و فيه مباحث: الأوّل في الطريقي، و الكلام في أنّه يمكن أن يؤخذ القطع الطريقي في موضوع حكم نفسه أو مثله أو ضدّه، و المهمّ في هذا المبحث هو إبطال شبهة الأخباريّين حيث زعموا أنّه لا يجوز التعويل على القطع الغير الحاصل من الكتاب و السنّة، فإنّهم زعموا أنّ الشارع منع عن اتّباع القطع الّذي لا يحصل من الكتاب و السنّة.

و قد دفعوا شبهتهم بأنّ القطع لا يمكن أن ينهى عنه الشارع بعد أن بيّنّا أنّ طريقيّته ذاتيّة له و أنّ حجيّته من اللوازم الذاتيّة الّتي لا ينفكّ عنه، و استدلّوا على عدم إمكان أن ينهى عنه الشارع بأنّ القاطع إن نهاه الشارع عن العمل بقطعه فنهيه يؤدّي إلى اجتماع الضدّين في الواقع إن كان القطع مصيبا، و في نظر القاطع إن كان مخطئا و كلاهما محال، (لأنّ الحكم الّذي ليس قابلا للبعث و الزجر فجعله لغو) (2). كما أنّه لا يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم نفسه فيقال: أيّها القاطع بالوجوب يجب عليك الواجب الّذي قطعت بوجوبه لأدائه إلى الدور، و حينئذ فلا يمكن للشارع أن ينهى عن كلّ قطع من أيّ طريق كان لاستحالة ذلك كما بيّناه، و لا يمكنه أن يجعل الوجوب على القاطع بالوجوب. هذا كلّه بالنسبة إلى عمل القاطع نفسه، و أمّا بالنسبة إلى عمل غيره كالمقلّد فيمكن أن يدّعى ذلك.

____________

(1 و 2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

37

لكنّ الميرزا (قدّس سرّه) أنكر الاستحالة و ادّعى الإمكان إلّا أنّه أنكر الوقوع، بل سلّمه في خصوص القطع الحاصل من القياس فقط (1)، لدلالة خبر أبان‏ (2) على المنع عن اتّباع القطع الّذي يحصل من القياس إمّا بنحو الشرطيّة أو بنحو المانعيّة و أنكر الدليل على المنع عن غيره، فافهم و تأمّل.

فيقع الكلام أوّلا في ثبوت نسبة هذا الكلام إلى الأخباريّين كلّية أو بنحو الموجبة الجزئيّة فنقول: ظاهر كلام المحدّث الاسترآبادي هو النهي عن اتّباع الظنّ الغير الحاصل من الكتاب و السنّة (3) و كذا ظاهر كلام جملة من الأخباريّين ذلك‏ (4) و لكن ظاهر كلام من قسّم القطع إلى الضروري و النظري و أنّ الضروري يتّبع على كلّ حال و أنّ النظري إنّما يتّبع إذا كان طريق القطع خصوص الكتاب و السنّة هو النهي عن اتّباع القطع الغير الحاصل من الكتاب و السنّة، فثبت موجبة جزئيّة أنّ من الأخباريّين من يقول بأنّ القطع الغير الحاصل من الكتاب و السنّة لا يجوز العمل على طبقه‏ (5).

ذهب الميرزا النائيني‏ (6) إلى أنّ النهي عن القطع الغير الحاصل من الكتاب و السنّة أمر ممكن إلّا أنّا نطالب الأخباريّين بالدليل المانع، و قد ذكر (قدّس سرّه) في وجه الإمكان أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد كما مرّ ذكره تقابل العدم و الملكة، فالإطلاق عدم التقييد ممّا من شأنه و قابليّته التقييد، و التقييد عدم الإطلاق ممّا من شأنه الإطلاق، فإذا استحال أحدهما استحال الثاني. و حينئذ فخطاب المولى و قوله: «يجب الصلاة

____________

(1) فوائد الاصول 2: 13- 14.

(2) الوسائل 19: 268، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث الأوّل.

(3) انظر الفوائد المدنية: 128- 131.

(4) انظر شرح التهذيب للجزائري: 47 (مخطوط)، و الدرر النجفية: 147- 148.

(5) راجع الهامش 1.

(6) انظر فوائد الاصول 2: 12- 14.

38

على القاطع بوجوب الصلاة» إذا استحال؛ لأنّ تعليق الوجوب على القاطع يوجب أن يتحقّق القاطع في الخارج حتّى يتوجّه إليه الوجوب، و القاطع بالوجوب يرى الواقع فيعمل على طبقه من دون جعل الوجوب عليه، فجعل الوجوب عليه يوجب اجتماع المثلين بحسب نظر القاطع و إن لم يوجبه بحسب الواقع أو في الواقع، فإذا استحال تعليق الوجوب و تقييده بخصوص العالم استحال إطلاقه للعالم و الجاهل أيضا، لما ذكرناه من أنّ استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق.

و حينئذ فلا بدّ من كون الأدلّة الدالّة على وجوب الواجبات مهملة بالإضافة إلى العالم بها و الجاهل، فإذا كانت مهملة فإن كانت المصلحة قائمة بصدور الفعل من كلّ مكلّف علم به أم لم يعلم لا بدّ من بيان لذلك يسمّى بمتمّم الجعل كما وردت الأخبار الّتي ادّعى الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) تواترها على اشتراك العالم و الجاهل بالأحكام‏ (1) و حينئذ فهذا الدليل يكون متمّما للجعل الأولي و مبيّنا أنّ موضوعه عامّ للعالم و الجاهل‏ (2)، و إن كانت المصلحة قائمة بإتيان هذا الواجب من خصوص العالم به دون الجاهل يلزم أن يأتي متمّم الجعل و يبيّن ذلك كما ورد بالنسبة إلى الجاهل بالقصر فأتمّ‏ (3) و أنّه ليس بمخاطب بالقصر كما هو مضمون ما ورد أنّه إن قرئت له الآية و فسّرت‏ (4).

____________

(1) فرائد الاصول 1: 113.

(2) و قد أنكر الميرزا النائيني (قدّس سرّه) وجود هذه الأخبار و الظاهر أنّها متواترة معنى كما ذكره الشيخ الأنصاري فإنّ ما دلّ على الاحتياط دليل على اشتراك الحكم الواقعي، و كذا ما دلّ على أنّ المخطئ في اجتهاده معذور و مأجور و ما دلّ على وجوب السؤال و التعلّم و التعليم إلى غير ذلك من مضامين الأخبار. (من إضافات بعض الدورات اللاحقة).

(3) الوسائل 5: 530، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 و 4.

(4) المصدر السابق: الحديث 4.

39

و حينئذ فإذا جاز أن يبيّن بمتمّم الجعل عموم الحكم أو تخصيصه جاز أن يبيّن بمتمّم الجعل أيضا مانعيّة القطع الحاصل من غير الكتاب و السنّة عن العمل به، و ليس هذا منعا عن حجّية القطع، بل عن العمل على طبق المقطوع به. فالمنع عن العمل على طبق القطع الغير الحاصل من الكتاب و السنّة ممكن، إلّا أنّ الكلام في أنّه واقع أم لا، الظاهر عدم وقوعه لعدم الدليل المانع عن غير الحاصل من القياس كما تقتضيه رواية أبان. أمّا غير القطع الحاصل من القياس فلا دليل على المنع عنه أصلا.

و لا يخفى عليك ما في قوله: «إنّ استحالة التقييد تستدعي استحالة الإطلاق، لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة» (فإنّ ذلك في مقام الإثبات و الدلالة، و أمّا في مقام الثبوت فتقابلهما تقابل الضدّين اللذين لا ثالث لهما، فاستحالة أحدهما تستدعي ضرورية الثاني، و الكلام فيه لا في مقام الإثبات، فإذا استحال الجعل لخصوص العالم كان الجعل للعموم حينئذ ضروريّا) (1). و مع أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد و إن كان تقابل العدم و الملكة إلّا أنّ تقابل العدم و الملكة ليس دائما إذا استحال أحد الأمرين استحال الثاني، و ذلك لأنّ الملكة تارة تعتبر بالنسبة إلى نفس الشخص فاستحالة أحد المتقابلين توجب استحالة الآخر، مثلا لو قسنا البصر أو العمى بالنسبة إلى خصوص هذا الجدار فاستحالته موجبة لاستحالة الثاني المقابل له، و قد يكتفى في هذا التقابل بوجود الملكة في النوع لا في الشخص، مثلا يقال للعقرب: أعمى، فاستحالة البصر في حقّه لا يوجب استحالة العمى، لأنّ الملكة موجودة في نوع الحيوان، و قد مثّلنا فيما تقدّم باستحالة الجهل على اللّه تعالى فهل توجب استحالة العلم؟ نعوذ باللّه من ذلك، مع أنّ التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة قطعا، و كما في جهل الممكن بذاته تعالى فاستحالة العلم بذاته تعالى هل توجب استحالة الجهل؟ كلّا، و ما ذلك إلّا لأنّ نوع الموجود المدرك في الأوّل قابل للجهل‏

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

40

فلذا يوصف «اللّه» تعالى بالعلم باعتبار ملكة الجهل بالنوع، و كذا جهل الممكن بذات الواجب باعتبار قابليّة النوع للعلم بالمدركات و إن لم تكن لها قابليّة بالنسبة إلى خصوص هذا المدرك.

إذا عرفت هذا عرفت أنّ باب الإطلاق و التقييد من هذا القبيل، فاستحالة الإطلاق توجب ضرورة التقييد كما أنّ استحالة التقييد توجب ضرورة التقييد بالطرف المقابل أو ضرورة الإطلاق، و حيث إنّ التقييد بالطرف المقابل مستحيل أيضا إذ لا يمكن أن يقال: «أيّها الجاهل بالوجوب للصلاة يجب عليك الصلاة» فيتعيّن أن يكون الإطلاق ضروريّا، مضافا إلى أنّ الإهمال لا يمكن في الواقعيّات، لأنّه يستحيل أن يكون نفس الحاكم جاهلا بموضوع حكمه. و لذا التزموا بأنّ الأحكام العقليّة لا يعقل فيها الإهمال، لأنّ الحاكم هو العقل و لا يمكن أن لا يعلم موضوع حكمه‏ (1).

و ما ذكره الميرزا النائيني من استشهاده لمتمّم الجعل الّذي يبيّن أنّ الحكم يختصّ بخصوص العالم بمسألة الجهر و الإخفات و الإتمام في موضع القصر (2) فهي أجنبيّة عمّا يدّعيه من تقييد الحكم المهمل، بل هي إنّما تدلّ على أنّ ما أتى به مجزيا لا أنّه مكلّف بالجهر في صورة العلم بالحكم، بل ظاهره الإجزاء و أنّه مخاطب بعمل غير هذا لكن هذا يجزي عن ذاك (بقرينة قول السائل في الرواية أجهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه أو أخفت فيما لا ينبغي الإخفات فيه‏ (3)؟ و فيه دلالة على شمول الحكم الواقعي له، و قد أقرّه الإمام على معتقده و لم يردعه) (4). و لذا يلتزمون ظاهرا باستحقاقه العقاب غاية ما هناك أنّه ليس عليه قضاء و لا إعادة، فافهم.

____________

(1) انظر فوائد الاصول 2: 14.

(2) انظر فوائد الاصول 2: 13.

(3) الوسائل 4: 766، الباب 26 من أبواب القراءة، الحديث 1 و 2.

(4) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

41

و أمّا ما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه) من أنّه ورد النهي عن القطع الحاصل من القياس في رواية أبان‏ (1) فلا يخفى ما فيه:

أوّلا: ضعف سند الرواية.

و ثانيا: ضعف دلالتها إذ لا تصريح فيها بأنّ أبانا كان قاطعا، نعم كان مطمئنّا.

و ثالثا: أنّه (عليه السّلام) أزال قطعه لا أنّه نهاه عن العمل على طبق قطعه مع فرض وجود قطعه، و هذا أمر ممكن، إذ لا تنازع في أنّ المولى يستطيع أن يزيل قطع إنسان فلا يعمل به، كما أنّه يمكن أن ينهاه أوّلا عن الخوض في مقدّمات بخصوصها لئلّا يحصل له القطع منها. أمّا إذا حصل له القطع فبعد حصوله له لا يعقل أن ينهاه عن العمل به لاستلزامه جمع الضدّين في نظر القاطع أو في نفس الواقع، و ما يكون محالا في نظر المخاطب به يستحيل جعله، فافهم.

(و رابعا: أنّ محلّ الكلام أن يكون القطع من طريق مانعا عن لزوم العمل على طبق الحكم و إن كان الحكم ثابتا في الواقع، و معلوم أنّ الحكم الّذي قطع به أبان لم يكن في الواقع أصلا، فتأمّل) (2).

فظهر ممّا ذكرنا أنّ القطع الطريقي لا يمكن أن يؤخذ في موضوع حكم نفسه لأدائه إلى الدور كما تقدّم ذكره.

(ثمّ إنّ ما ذكرناه من استحالة تقييد التكليف بالعلم به إنّما هو في مقام الجعل و الاعتبار، و أمّا التقييد به في مقام المبرز فلا مانع منه، نظير أن ينادي المولى عبيده العشرة الّذين يعلم عدم بلوغ صوته إلّا إلى خمسة منهم و يجعل تكليفه مقيّدا بخصوص من بلغه صوته منهم لا مطلقا، و هذا أمر ممكن لا مانع منه. فإن أراد

____________

(1) فوائد الاصول 2: 13- 14.

(2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

42

الأخباريّون ذلك فهو أمر ممكن ثبوتا، كما أنّ الإطلاق ممكن ثبوتا أيضا، فيقع الكلام في مرحلة الإثبات معهم) (1).

و أمّا أخذه في موضوع الحكم المماثل مثل أن يقول: إذا قطعت بوجوب الصلاة يجب عليك الصلاة بوجوب ثان غير الوجوب الأوّل فلا بأس به و لا مانع عنه و نلتزم بالتأكّد حينئذ، (لما هو معلوم من كون النسبة بين القطع بوجوب الصلاة و نفس الوجوب عموما من وجه، ففي مورد الاجتماع يتأكّد الحكم كسائر موارد العموم من وجه) (2).

و أمّا أخذه في حكم ضدّه فمحال لما ذكرنا من أنّه يستلزم جمع الضدّين في نظر المخاطب به، و كلّما كان محالا في نظر المكلّف به استحيل جعله، فافهم.

في القطع المأخوذ في موضوع حكم مخالف لمتعلّقه‏

القطع المأخوذ في موضوع حكم مخالف لحكم متعلّقه مثل: إذا قطعت بوجوب الصلاة يجب عليك التصدّق بدرهم- مثلا- و قد قسّمه العلّامة الأنصاري إلى قسمين:

أحدهما: أن يؤخذ بنحو الصفتيّة.

و الثاني: أن يؤخذ بنحو الطريقيّة (3).

و قد قسم الآخوند (قدّس سرّه) كلّا من القسمين إلى ما كان تمام الموضوع، و ما كان جزء الموضوع‏ (4) فتصير الأقسام على رأيه أربعة.

____________

(1 و 2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

(3) انظر الفرائد 1: 33- 34.

(4) كفاية الاصول: 303.

43

و قبل الخوض في الأقسام ينبغي تقديم امور:

الأوّل: أنّ المراد بكون القطع مأخوذا بنحو الموضوعيّة هو الموضوعيّة الواقعيّة لا في لسان الدليل، و معنى الموضوعيّة الواقعيّة أنّ الموضوع لحكم التصدّق بدرهم واقعا هو القطع بوجوب الصلاة و ليس المراد الموضوعيّة بلسان الدليل الحاكي، لأنّ أخذ القطع بلسان الدليل الحاكي لا يكون موضوعيّا دائما بل قد يكون طريقيّا مثل قولنا: إذا قطعت بأنّ هذا جلد ما لا يؤكل لحمه ليس لك أن تصلّي به، و معلوم أنّ القطع إنّما اعتبر هنا طريقا كاشفا و ليس له دخل في النهي عن الصلاة به، نظير قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (1) بناء على إرادة الرؤية من الشهود لا على إرادة الحضور من الشهود، فيكون مؤدّاه: صم للرؤية و أفطر لها.

الثاني: في معنى الطريقيّة و الصفتيّة فنقول: إنّ من قطع بقيام زيد مثلا فيحصل له صفة القطع بها بمعنى عدم تردّده و شكّه بذلك، فهذه الصفة من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، و ليس من الصفات الّتي ليست إلّا صرف الإضافة نظير الفوقيّة و التحتيّة، بل هي لها ما بإزاء في الخارج و هو ارتفاع التردّد. كما أنّ هذا القاطع أيضا ينكشف له أنّ هذا القيام حاصل لزيد مثلا. و حينئذ فقد يكون القطع مأخوذا في الموضوع من الجهة الاولى فيسمّى قطع موضوعي بنحو الصفتيّة، نظير الوسواسي الّذي لا يحصل له صفة القطع بطلوع الفجر فينذر إن قطعت بطلوع الفجر أتصدّق بدرهم شكرا للّه تعالى، فإنّ قصد هذا الناذر من نذره تحصيل هذه الصفة له و رفع التردّد الناشئ من وسوسته. و قد يؤخذ القطع لكاشفيّته عن الواقع و ليس لرفعه التردّد أصلا، نظير من نذر إن قطعت بطلوع الفجر أتصدّق‏

____________

(1) البقرة: 185.

44

بدرهم لقصد إيقاعه صلاته أوّل الوقت مثلا لا لرفع تردّده لعدم تعلّق غرضه به أصلا، فيكون مأخوذا بنحو الطريقيّة.

الثالث: أنّ القطع الموضوعي بنحو تمام الموضوع، بمعنى أنّ موضوع الحكم الواقعيّ وجدان هذه الصفة و ارتفاع هذا التردّد، سواء طابق الواقع أم لا. و معنى المأخوذ بنحو جزء الموضوع أنّ الموضوع القطع بشرط مطابقته للواقع، فالموضوع هو العلم بمعنى القطع الّذي يكون المقطوع به ثابتا في الواقع. و حينئذ فالقطع المأخوذ بنحو الصفتيّة ينقسم إلى ما كان تمام الموضوع نظير مثال نذر الوسواسي، و إلى ما كان جزء الموضوع مثل: إذا وجدت هذه الصفة عندي و ارتفع تردّدي و كان الأمر كذلك واقعا أتصدّق بدرهم.

و لكنّ القطع المأخوذ بنحو الطريقيّة و الكاشفيّة لا يمكن أن يكون إلّا جزء الموضوع، لأنّ كونه تمام الموضوع يستدعي دوران الحكم مداره مع قطع النظر عن الواقع، و المفروض أنّه قد اخذ بنحو الكشف و الطريقيّة فيتنافيان، لأنّ كونه جزء الموضوع يستدعي وجود المقطوع به في الواقع جزء آخر إذ المفروض أنّه كاشف عن الواقع، فإذا لم يكن الجزء الثاني موجودا فمعناه أنّه ليس بكاشف، فالمأخوذ بنحو الطريقيّة دائما هو جزء الموضوع و لا يمكن أن يكون تمامه للزوم التنافي، إذ معنى كونه تمامه أنّه ليس بكاشف و لا طريق، فكونه تمام الموضوع ينافي كونه كاشفا واقعا، و المفروض أنّه كاشف واقعا فهو جزء الموضوع لا تمامه. و هذا هو ما ذكره الميرزا النائيني (قدّس سرّه)(1). فالحقّ أنّ أقسام القطع الموضوعي المأخوذ في موضوع حكم آخر ثلاثة: صفتي بقسميه، و كاشفي بنحو يكون جزء الموضوع، فإذا ضمّ إليها القطع الطريقيّ صارت الأقسام أربعة.

____________

(1) انظر فوائد الاصول 2: 11.

45

(و لكنّ التأمّل الصادق يقضي بصحّة ما أفاده الآخوند (قدّس سرّه) من تقسيم القطع الموضوعي إلى الأقسام الأربعة (1) بيان ذلك أنّ القطع و إن كان أمرا بسيطا إلّا أنّه ينحلّ إلى امور ثلاثة:

الأوّل: جزم النفس و ارتفاع تردّدها.

الثاني: انكشاف المعلوم و ظهوره من حيث كونه انكشافا و ظهورا.

الثالث: انكشاف الواقع.

فإن لوحظ من الجهة الاولى كان مأخوذا بنحو الصفتيّة تمام الموضوع أو جزؤه، و إن لوحظ من الجهة الثانية و هي جهة الانكشاف المحض كان مأخوذا بنحو الكاشفيّة تمام الموضوع، و إن لوحظ من الجهة الثالثة كان مأخوذا بنحو الكاشفيّة جزءا، فأخذ القطع كاشفيّا تمام الموضوع ممكن، بل واقع في مثل الفتوى و الشهادة إذ المقصود أن تكون الفتيا عن علم له، و كذا الشهادة عن انكشاف له و إن لم يكن الواقع كذلك. نعم مانعيّة العلم بالنجاسة لصحّة الصلاة اخذ العلم فيه جزءا بنحو الكاشفيّة، و لذا لو علم بالنجاسة ثمّ نسي و صلّى ثمّ ظهر أنّه لم تكن نجاسة فصلاته صحيحة) (2).

في قيام الأمارات مقام القطع‏

لا ريب في قيام الأمارات الّتي دلّ الشارع على حجّيّتها مقام القطع الطريقيّ في ترتيب آثار القطع بدليل حجّيّتها، لأنّ دليل الحجّيّة دالّ على ترتيب آثار الواقع عليها و إلغاء احتمال الخلاف، فتترتّب عليها آثار القطع من التنجيز عند المصادفة، و الإعذار عند الخطأ، و إذا خالفه المكلّف يكون متجرّيا تجري عليه أحكام التجرّي و آثاره.

____________

(1) كفاية الاصول: 303.

(2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

46

و إنّما الكلام في قيام الأمارات بدليل حجّيّتها مقام القطع المأخوذ على نحو الموضوعيّة.

فربّما يقال بقيام الأمارات مقامه بجميع أقسامه. و ربّما يقال بعدم قيام الأمارات بدليل حجّيّتها مقامه بجميع أقسامه كما ذهب إليه الآخوند (قدّس سرّه)(1). و ربّما يقال بقيام الأمارات بدليل حجّيّتها مقام المأخوذ في الموضوع بنحو الكاشفيّة دون المأخوذ بنحو الصفتيّة، و عليه الشيخ الأنصاري‏ (2) و الميرزا النائيني‏ (3)- (قدّس سرّهما)- و الآخوند منع قيام الأمارات مقام القطع مطلقا بدليل حجّيّتها، أمّا إذا كان هناك دليل غير دليل الحجّيّة دلّ على جعل الأمارات موضوعات كالقطع بجميع لوازمه فلا مجال للإنكار عليه، لأنّ الشارع بيده موضوعات أحكامه فلا حقّ لأحد في الاعتراض عليه أصلا. و إنّما منع الآخوند (قدّس سرّه) من قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي لأنّه زعم أنّ دليل الحجّيّة يمكن أن يكون ناظرا للواقع فيكون قد نزّل الأمارة مقام القطع الطريقي بما أنّه كاشف عن الواقع فتكون الأمارة ملحوظة بنحو الآلة، و أن يكون ناظرا إلى الصفة الحاصلة من الأمارة كالظنّ و ضعف التردّد، فيكون النظر للأمارة نظرا مستقلّا و هو القطع الموضوعي و دليل الحجّيّة واحد فلا يمكن أن ينزّله منزلة القطع، لأدائه إلى اجتماع اللحاظين: الآليّة و الاستقلاليّة في آن واحد. ثمّ أورد على نفسه بأنّ أدلّة الحجّيّة تكون مجملات حينئذ، و أجاب بأنّها ليست مجملات أصلا لبناء العرف على تنزيلها منزلة القطع آليّا كما هو واضح‏ (4).

____________

(1) كفاية الاصول: 305.

(2) الفرائد 1: 33- 34.

(3) فوائد الاصول 2: 21.

(4) انظر كفاية الاصول: 304- 305.

47

و لا يخفى عليك ما في كلامه (قدّس سرّه) أمّا أوّلا فلأنّ الجمع بين اللحاظين إنّما يكون على القول بكون مؤدّيات الطرق و الأمارات أحكاما واقعيّة مجعولة من قبل الشارع المقدّس، و لا يلتزم (قدّس سرّه) به أصلا، مع أنّه مؤدّ إلى الالتزام بالتصويب المجمع على بطلانه، و هو تصويب المعتزلة القائلين بأنّ للّه أحكاما واقعيّة ما لم تقم أمّارة على خلافها فيغيّر الحكم الواقعي و يجعل على طبق الأمارة القائمة (1) و إنّما يلتزم (قدّس سرّه) في موارد قيام الطرق و الأمارات بجعل ما كان ثابتا للقطع عقلا من التنجيز و الإعذار لها فيقول بجعل التنجيز لها، بمعنى أنّها إذا قامت على موضوع أو حكم مثلا فيترتّب عليه شرعا ما يترتّب على القطع عقلا من التنجيز إذا صادف الواقع و الإعذار إذا خالفه، فهو (قدّس سرّه) ملتزم بجعل ما للقطع من الآثار للأمارات شرعا، و عليه حينئذ لا يرد إيراد اجتماع اللحاظين، لأنّ النظر الآلي مفقود في المقام.

(و بعبارة اخرى، ليس في دليل الحجّيّة تنزيل للمؤدّى و إنّما فيها الإلزام بالسير على مقتضى الأمارة كالسير على مقتضى القطع، فله أن يرتّب آثار وجوب السورة بقيام الأمارة بوجوبها فيقرأها في الصلاة، كما له أن يفتي بوجوبها فيما اخذ فيه القطع موضوعا) (2). مع أنّ ما ذكره من جعل التنجيز و الإعذار غير مرضيّ عندنا، لأنّ دليل جعل الحجّيّة إمّا أن يوسّع الموضوع أو يوسّع الحكم، و حيث إنّ الحكم العقلي لا يعقل أن يثبت لغير مورده، لأنّ الحكم العقلي إنّما يتبع موضوعه. و حينئذ فلا بدّ من توسعة الموضوع، فمعنى جعل الشارع للحجّيّة ليس إلّا جعل الطريقيّة بمعنى أنّ طريقيّة القطع ذاتيّة و لكن طريقيّة الأمارات جعليّة بمعنى إلغاء احتمال الخلاف.

و حينئذ فإذا صار بسبب توسعة الشارع من أفراد القطع ترتّب عليه عقلا ما يترتّب على القطع من الأحكام العقليّة كالتنجيز و الإعذار، و صار طريقا جعليّا،

____________

(1) انظر نهاية الاصول: 434 (مخطوط).

(2) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

48

فالشارع لم يجعل إلّا الطريقيّة له، (و لو كان المجعول هو التنجيز و الإعذار من دون جعل الطريقيّة لزم تخصيص قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لعدم كون الأمارة بيانا، و الحكم العقلي غير قابل للتخصيص، فافهم) (1).

و لا يخفى أنّ جعل الطريقيّة إنّما هي جعل طريقيّة ظاهريّة كطريقيّة القطع، فلو خالفت الواقع لا يترتّب عليها أثر أصلا، و إنّما تترتّب آثار الواقع، فافهم. نظير القطع لو انكشف خطاؤه عينا، و حينئذ فإذا جعل الشارع المقدّس طريقيّة الأمارة لترتيب آثار الواقع المنكشف فترتيب آثار نفس الانكشاف أولى بالترتّب، فيترتّب التنجيز و الإعذار قسرا عليه بلا حاجة إلى جعل الشارع لذلك، كما ذكره (قدّس سرّه) فتأمّل.

و بالجملة، فلو كان معنى جعل الحجّيّة جعل المؤدّى لزم اجتماع اللحاظين و كان وجها للمنع كما ذكره (قدّس سرّه) إلّا أنّه لا يلتزم به كما قدّمنا، و هو غير صحيح في نفسه، لعدم دليل من أدلّة الحجّيّة يدلّ على جعل المؤدّى أصلا. و أمّا قوله (عليه السّلام): ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان‏ (2) المراد منه ليس جعل المؤدّى أصلا و إنّما معناه أنّ الشكّ الّذي يعتريكم في روايتهما ألغوه، يعني ما أدّيا عنّي فكان مشكوكا لكم فهو عنّي، بمعنى رتّبوا آثار القطع عليه، و حينئذ فجعل المؤدّى ثبوتا غير ممكن لأدائه إلى التصويب المجمع على بطلانه، و إثباتا أيضا غير صحيح، لعدم دليل يدلّ عليه.

و بالجملة، فالحقّ أنّ الأمارة لا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة، و ذلك لأنّ الصفة و هي عدم التردّد له مدخليّة في الحكم. و لا ريب أنّ دليل حجّية الأمارة لا يرفع التردّد وجدانا، و إنّما يرفعه تعبّدا، فالصفة لا يمكن أن توجد بدليل الحجّيّة. و لكن لا يخفى أنّه لا قطع يؤخذ في موضوع حكم شرعي بنحو الصفتيّة أصلا، فالبحث فيها بحث علمي لا جدوى فيه عملا.

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

(2) الوسائل 18: 100، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

49

نعم، ربّما توهّم أخذ القطع في مقام الشهادة بنحو الصفتيّة، و كذا أخذ القطع في الركعتين الأوّلتين فيقال حينئذ: إنّ الأمارة مثلا إذا قامت على الملكيّة أو على الركعتين فهل دليل الحجّيّة في تلك الأمارة كافل بقيامها مقام القطع الصفتي فيجوز له الشهادة أم لا؟ و لكنّ الإنصاف أنّه لم يؤخذ القطع في كلّ منهما إلّا بنحو الكشف عن الواقع، لأنّ الإمام (عليه السّلام) أشار إلى الشمس ثمّ قال: على مثلها فاشهد أودع‏ (1) يعني إذا انكشف لك الواقع انكشاف الشمس، و لا ريب في ظهوره في المأخوذ بنحو الكشف.

و كذا في الركعتين فإنّ في أخبارها: حتّى تثبتهما أو حتّى تحرزهما، و معلوم أنّ الإثبات و الإحراز فرع للثبوت واقعا، فيكون مأخوذا على وجه الكاشفيّة و الطريقيّة، فافهم.

(و قد ذكر الآخوند (قدّس سرّه) في حاشيته على الرسائل‏ (2) وجها لا مكان تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي بتقريب أن دلالة دليل الحجّيّة إنّما كان بلحاظ الآليّة و تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فهذا هو مدلول دليل الحجّيّة بحسب المطابقة إلّا أن الملازمة محقّقة بين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و تنزيل القطع التعبّدي بالمؤدّى منزلة القطع الحقيقي بالواقع.

إلّا أنّه ضعّفه في الكفاية (3) بأنّ تنزيل الجزء للمركّب موقوف على تحقّق أثر له و تحقّق أثره موقوف على تنزيل الجزء الآخر، إذ المفروض أنّ الأثر مترتّب على المركّب، و المفروض أنّه بالملازمة فهو موقوف على الدلالة المطابقيّة و هذا هو الدور المحال.

____________

(1) الوسائل 18: 250، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

(2) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 29.

(3) كفاية الاصول: 264.

50

و لا يخفى عليك أنّا قد أنكرنا الدلالة المطابقيّة ذاتها؛ لأنّه ليس مفاد دليل الحجّيّة جعل المؤدّى بمنزلة الواقع لأدائه إلى التصويب، بل إنّ الآخوند نفسه لم يلتزم به لأدائه إلى ما ذكر، و إنّما التزم بجعل التنجيز و الإعذار كما تقدّم إلّا أنّا نتكلّم في الكبرى الكلّية و إن لم يكن لها مصداق في المقام فنقول إنّ دليل الحجّيّة إن كان مركّبا من جزءين كالماء الكر مثلا، فإن أحرز جزءاه بالوجدان أو التعبّد أو بالتفريق فلا كلام، و إن قام الدليل على أحد الجزءين و لم يكن لهذا الجزء أثر شرعي يصح الجعل بلحاظه كما لو استصحبت كرّية المائع فإنّها لا أثر لها ما لم يحرز كونه ماء، فصونا لكلام الحكيم عن اللغوية لا بدّ من الالتزام بكون ذلك المقام بخصوصه يجعل لازمه الّذي هو الجزء الثاني و إن لم يرد فيه دليل بالخصوص فنلتزم بعدم شمول الإطلاق له حينئذ، بمعنى أنّ دليل التنزيل لا يشمل هذا الفرد كما في الأصل المثبت؛ لأنّ الشمول مع عدم الأثر لا معنى له و الأثر مستلزم للدور؛ لأنّ الملازمة موقوفة على الدلالة المطابقيّة فإن كانت الدلالة المطابقيّة موقوفة على الدلالة الالتزامية لزم الدور المحال، و ما ذكر من المثال ليس مثالا للازم و الملزوم و إنّما هو مثال للموضوع المركب من جزءين، فافهم) (1).

و أمّا قيام الأمارة مقام القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الكاشفيّة بدليل حجّيّتها فلا مانع منه؛ لأنّ دليل حجّيّتها إنّما يتكفّل جعل الطريقيّة لها، فحيث إنّ الظنّ ليس طريقا تامّا فدليل حجّيته يتمّم كشفه الناقص و يكون ملغيا لاحتمال الخلاف بمعنى أنّه يجعله قطعا فتترتّب عليه أحكام القطع من التنجيز و الإعذار و غيرهما. و حينئذ فلو قام الدليل على أنّ ظنّ الإمام أمارة للمأموم فيكون ظنّ الإمام بمنزلة قطع المأموم في ترتيب آثار الواقع عليه، و إذا ترتّبت آثار المنكشف تترتّب آثار نفس الكشف من التنجيز و الإعذار عقلا عليه.

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

51

فيصحّ أن تقوم الأمارة بدليل اعتبارها مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الكاشفيّة، (و لو لا ذلك لم يكن لمجتهد أن يفتي، لأنّه إنّما يحصل الحكم بالأمارات و ليست علما لو لا التنزيل. كما أنّ به تنحلّ عويصة الإشكال في إجراء الاستصحاب حيث يثبت الحكم الّذي يراد استصحابه بالأمارة، إذ قد اخذ في موضوع الاستصحاب عدم نقض اليقين بالشكّ، فلولا أنّ الأمارة يقين لم يجر استصحاب ذلك الحكم) (1). بل اليقين الّذي جعل غاية في دليل الاستصحاب أيضا تقوم الأمارة مقامه، إذ لو لا ذلك لأشكل تقديم الأمارة على الاستصحاب، مثلا لو شكّ الإنسان بعد أن كان متطهّرا في أنّه نام أم لا فقامت البيّنة على أنّه نام فلو لا أنّ البيّنة هنا تكون يقينا جعليّا من قبل الشارع لم يكن لرفع اليد عن الاستصحاب وجه بسبب الأمارة، لعدم ترجّحها عليه من جهة الحكومة، لأنّ كلّا منهما يترتّب عليهما التنجيز و الإعذار، فافهم و تأمّل. و تمام الكلام في أواخر مباحث الاستصحاب في تعارضه مع الأمارة.

في قيام الاصول مقام القطع‏

و يقع الكلام في الاصول المحرزة تارة، و في غيرها اخرى.

أمّا الكلام في الاصول المحرزة و هي نظير الاستصحاب و قاعدة الفراغ و التجاوز بناء على أنّهما من الاصول، و أمّا بناء على أنّهما من الأمارات كما هو غير بعيد فلا كلام لنا عنهما.

(و الظاهر أنّ الاصول المحرزة من الأمارات الّتي هي في طول الأمارات الاصطلاحيّة، و ما ذكر فرقا بين الاصول و الأمارات بأنّ الأوّل ما أخذ الشكّ في موضوعه و الثاني ما كان الشكّ موردا له، فمن المشهورات الّتي لا أصل لها،

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

52

لأنّ الشكّ مأخوذ في موضوع الجميع و لذا لا تكون البيّنة حجّة عند العالم باشتباهها، و لاستحالة الإهمال في الواقعيّات، فلا بدّ من كون موضوع الجميع هو الشاكّ واقعا و إن لم يؤخذ في لسان الدليل، لأنّ العبرة بالموضوع ثبوتا لا إثباتا. و كونها- يعني الاصول المحرزة- في طول الأمارات الاصطلاحيّة لا يضرّ بكونها أمارات، لتقدّم بعض الأمارات على بعض في الاصطلاحيّة أيضا لاقتضاء أدلّتها ذلك. و إذا كانت الاصول المحرزة من الأمارات فقد قدّمنا حكم الأمارات و حكمها حكمها في قيامها مقام القطع الطريقي و الموضوعي على نحو الطريقيّة جزء الموضوع أو تمامه.

نعم، لا يجوز قيام الاستصحاب مقام القطع المأخوذ في موضوع الإخبار، لأنّ الإخبار إن كان على خلاف الاستصحاب فهو إخبار مع العلم بالعدم لو فرض حجّية الاستصحاب، و إن كان الإخبار على طبق الاستصحاب كان إخبارا بعلم فأين الإخبار بغير علم الّذي نهي عنه في الكتاب و السنّة؟ فلا يبقى له مورد لو كان الاستصحاب علما فتكون لغوا و هو باطل.

و وجه تقدّم الأمارات عليه هو عدم المورد لها لو عكس الأمر أوّلا و إطلاق دليل الحجّيّة لعدم تقييده من قبل العقل بأزيد من صورة العلم الوجدانيّ بالخلاف، إذ لا استحالة لأزيد من ذلك بخلاف الاصول التنزيليّة فقد أخذ فيها الشكّ و ظاهره الشكّ من جميع الجهات و التعبّد رافع للشكّ، فتأمّل) (1).

و معنى كونها اصول محرزة أنّها قد أخذ الشكّ في موضوعها و هي مع ذلك لها نظر إلى الواقع، فهي تشارك البراءة و غيرها في كون موضوعها الشكّ و لكنّها تفارقها أنّها مع ذلك لها نظر إلى الواقع. إذا عرفت هذا فالأصول المحرزة تتمّ بدليل حجّيّتها مقام القطع الطريقي قطعا، لأنّ دليل حجّيّتها يجعلها من أفراد القطع بإلغاء احتمال الخلاف، و المفروض أنّ لها نظرا إليه، فهي من موارد البيان،

____________

(1) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.

53

فمع وجود دليل حجّيته يرتفع موضوعات اللابيان، لأنّ الشارع جعله بيانا.

فلا يكون العقاب مع وجود الاستصحاب أو غيره لو خالفه المكلّف عقابا بلا بيان، و لا تكون المؤاخذة بلا برهان، بل يترتّب عليه جميع ما يترتّب على القطع الطريقي من التنجيز و التعذير و غيرها.

و أمّا قيام الاصول المحرزة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الصفتيّة فلا ريب في بطلانه، لأنّ هذه الصفة من الصفات التكوينيّة فلا يمكن أن يكون دليل حجّية الاستصحاب مكوّنا لها كما تقدّم في الأمارة.

و أمّا قيام الاصول المحرزة مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الكاشفيّة، فالقطع المأخوذ في الموضوع على نحو الكاشفيّة له جهتان، فإنّه تارة يؤخذ من حيث إحراز الواقع من حيث هو واقع، و اخرى يؤخذ من حيث البناء القلبي على إحراز الواقع، فإن كان مأخوذا في الموضوع على نحو الكاشفيّة من حيث إحراز الواقع فلا ريب في عدم قيام الاصول المحرزة مقامه، لأنّها ليست محرزة إلّا من حيث العمل لا من حيث إحراز الواقع بما هو واقع، و إن كان القطع مأخوذا في الموضوع على نحو الكاشفيّة من حيث البناء العملي فلا ريب في قيام الاصول المحرزة لأنّ إحرازها من حيث العمل موجود بدليل حجّيّتها فافهم و تأمّل.

و أمّا الاصول الغير المحرزة فلا تقوم مقام القطع الطريقي‏ (*)، لأنّ دليل حجّيّتها ليس ناظرا في جعلها إلى إحراز الواقع بها و إنّما هو ناظر إلى الرجوع إليها في مقام العمل. و معلوم أنّ القطع الطريقي إنّما هو طريق إلى الواقع، فكيف يقوم الاصول مع عدم نظرها إلى الواقع مقام ما هو محرز له و ناظر إليه.

____________

(*) لأنّها إن كانت عقليّة كالبراءة و الاحتياط العقليّين فليس معناهما إلّا إدراك العقل ذلك و لا معنى لقيامه مقام القطع، و إن كانت شرعيّة فمعناه حكم الشارع بفراغ الذمّة أو بلزوم إحراز الفراغ و لا معنى لقيامه حينئذ مقام القطع، إذ هو كما يقال: وجوب الصوم يقوم مقام القطع أم لا، إذ لا معنى لقيام الحكم مقام القطع. (من إضافات بعض الدورات اللاحقة).

54

و كذا لا تقوم الاصول الغير المحرزة مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة، و هو واضح جدّا. و كذا لا يقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الكاشفيّة أيضا، لعدم كونها ناظرة إلى الواقع كما قدّمناه، و ترتيب آثار القطع من التنجيز و الإعذار غير تنزيلها منزلته، فافهم.

بقي الكلام فيما ذكره الآخوند (قدّس سرّه) من جواز أخذ القطع بحكم في مرتبة من مراتبه في موضوع نفس ذلك الحكم في مرتبة اخرى‏ (1) و ذلك فيما لم يكن الحكم فعليا من جميع الجهات بأن يقال: إذا قطعت بوجوب التصدّق إنشاء يجب عليك ذلك الوجوب الإنشائي فعلا، أو يجب عليك التصدّق وجوبا آخر، أو يحرم عليك التصدّق فعلا.

و لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه (قدّس سرّه) مبنيّ على أنّ الحكم له مراتب أو مرتبتان، و أمّا إذا قلنا: إنّ الحكم ليس له إلّا مرتبة جعل و مرتبة مجعول، فهل يمكن حينئذ أن يؤخذ القطع بمرتبة الجعل في موضوع الحكم بمرتبة المجعول؟ الظاهر أنّه لا يمكن ذلك، لأنّ الحكم المقطوع به إن كان القاطع من أفراده لزم محذور الدور، إذ القطع به يقتضي تحقّقه و إن لم يحصل القطع به. و أخذ القطع موضوعا معناه توقّف الحكم على حصول القطع، و إن لم يكن القاطع ممّن يشملهم الحكم المقطوع كان من أخذ القطع في موضوع حكم آخر و هو جائز كما تقدّم، لأنّ بالقطع بمرتبة الجعل يحصل موضوع حكم مرتبة المجعول فيترتّب حكم المجعول الأصلي لوصوله إلى مرتبة الفعليّة حينئذ، فافهم.

نعم، يمكن أن يقال: إذا قطعت بصدور الأمر الامتحانيّ من المولى يجب عليك التصدّق بدرهم، إلّا أنّ هذا خارج عن محلّ الكلام، لأنّ الأمر الامتحاني ليس حكما، فلا يعدّ من مراتب الحكم، فافهم.

____________

(1) كفاية الاصول: 307.