غاية المسؤول في علم الاُصول‏

- السيد محمد حسين الحسيني الشهرستاني المزيد...
456 /
1

[مقدمة المقرر]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للَّه الّذي شيّد دعائم الإسلام بقوانين الدّين المبين و نوّر معالمه بلمعة من هداية المسترشدين و الصّلاة على من أرسل لإيضاح مناهجه و بيان ضوابطه منتهى التبيين محمّد خاتم النبيّين و آله مفاتيح الحكم و مصابيح الظلم و أنوار المستوحشين سيّما باب مدينة العلم و أساس السّكينة و الحلم أمير المؤمنين عليهم صلوات ربّ العالمين إلى يوم الدّين (و بعد) يقول الرّاجي عفو ربّه السّني محمّد حسين بن محمّد علي الحسيني الشهرستاني عفا اللَّه عنهما إنّ هذا غاية المسئول و نهاية المأمول من علم الأصول كم حوت من تحقيقات شريفة هي عمدة أفكار المتقدّمين و تدقيقات لطيفة هي نبذة أنظار المتأخّرين و دقائق نكات فلمّا تنبّه لها أفهام المتبحّرين يظهر لمن تعمّق النّظر فيها فتلطف لا لمن قصر فهمه عنها فتكلّف كتبته حين قراءتي على الحبر الوحيد المتبحّر الفريد الأستاذ الفاضل و العالم العامل أبو الفضائل و الفواضل قطب فلك التحقيق و مركز دائرة التّدقيق سمي جديّ و أحد السّبطين المولى الأردكاني محمّد حسين أدام اللَّه على رءوس العالمين ظله الظليل أبد الآباد و أقام عليه أيادي نعمه إلى يوم التّناد بمحمّد و آله الأمجاد و سميّته (غاية المسئول) و نهاية المأمول و رتّبته ككتب القوم على مقدّمة و أصول و باللَّه أستعين إنّه خير معين‏

مقدمة

أصول الفقه اسم للعلم الخاصّ و له اعتباران علمي و إضافي و ذكرهما في المقام ليعلم وجه المناسبة بين المنقول إليه و المنقول عنه و لنقدم‏

تعريفه‏

بالمعنى العلمي ليفيد الإضافي حين ذكره فائدة أصل الكلام بخلاف ما إذا قدم الإضافي فإنّه لا يفيد حين ذكره فائدة إذا المقصود بالذات هو المعنى العلمي فهو يفيد حين ذكره فائدة بخلاف الإضافي و قولنا المعنى العلمي يراد به مقابل الإضافي‏

2

لا العلم الاصطلاحي للخلاف في أنّ الأسماء العلوم أعلام شخصيّة أو أعلام جنسيّة أو أسماء أجناس و هذا مبنيّ على أنّ المسمّى هل هو المسائل أو الملكة و التّصديق فعلى الأوّل يكون علم شخص إذ المسائل أشخاص معينة مخصوصة لا يقال إنّ المسائل تتزايد كلّ يوم لأنّا نقول إنّ جميعها معينة مخصوصة في الواقع و إن كان التفات الواضع إلى جميعها بالعنوان الإجمالي و على الأخيرين يكون علم جنس أو اسم جنس فإن لوحظ الموضوع له بقيد الحضور الذّهني فهو علم جنس و إلاّ فاسم جنس و هذا يعلم من معاملتهم معه معاملة المعارف و النكرات فعلى الأول يكون علما و إلاّ فلا قيل الحق إنّها ليست أسماء للمسائل كما سيأتي فينتفي احتمال كونها أعلاما شخصيّة و أنّهم يعاملون معها معاملة النكرات من إدخال أل و الإضافة و الوصف بالجمل و غير ذلك من صفات النكرات و هكذا أسماء الكتب إلاّ أنّ احتمال العلمية الشخصيّة فيها منتفية قطعا إذ لم يوضع لفظ المعالم مثلا للكتاب المشخّص الجزئي الحقيقي و إلاّ لكان إطلاقه على غير النّسخة الأصلية إطلاقا على غير الموضوع له بل هو موضوع لنوع النقش المخصوص بملاحظة دلالتها على الألفاظ أو لنوع الألفاظ المدلول عليها بالنّقوش و هكذا الموضوع ليس لفظ المعالم المخصوص بل الموضوع أيضا نوع لفظ المعالم و إلاّ لكان إطلاقه من غير واضعه لا حقيقة و لا مجازا إذ ليس موضوعا و هما تابعان للوضع لا يقال ينافي ذلك عدم استعمال النّوع و عدم وجوده لأنّا نقول الاستعمال الخاصّ هو عين إيجاد النّوع و الفرد إنّما يكون بعد الاستعمال فردا فالاستعمال و الإيجاد إنّما يتعلقان بالنّوع لا بالفرد فافهم فنقول قد عرف بأنّه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة و لنتكلم في أمور يوجب تحقيق المرام الأوّل قد ذكروا أنّه لا يمكن تعريف العلوم بالحدّ قبل إتمامها و تعاريف العلوم كلها رسميّة و المراد بالحد التعريف بالذاتي لا ما يطلق عليه في اصطلاح الأصوليّين أي التعريف الجامع و المانع و وجه عدم إمكان ذلك بأنّ ذاتي العلم و مسائله و لا يمكن تعريف العلم بها إلاّ بعد المعرفة بها و هي لا تمكن إلاّ بعد تعلّمها بالتمام و الكمال حتّى يعلم جميع مسائلها و فيه أولا أنّه يكفي في التّعريف التصوّر بل هو معنى التّعريف لا التّصديق فإن أردت بعدم إمكان معرفة المسائل قبل الشروع التّصديق بها فمسلّم لكن لا يحتاج في التعريف إلى التّصديق بالذّاتي و إن أردت منه التّصور فممنوع لإمكان تصور جميع مسائل العلم قبل الشروع فيه و هو واضح و ثانيا أنّه لا يتمّ بناء على جعل المسمّى هو الملكة أو التّصديق و ثالثا أنّ هذا إنّما نشأ من الخلط بين الجوهر و الجوهري و العرض و العرضي و ذلك لأنّ الجوهر عبارة عن‏

3

الموجود لا في موضوع و العرض هو الموجود في الموضوع و الجوهري عبارة عن الداخل في حقيقة الشي‏ء و العرضي عبارة عن الخارج عن حقيقة الشي‏ء فقد يكون الجوهر عرضيّا كالصّورة للهيولى فإنّها خارجة عن حقيقته و قد يكون العرض جوهريّا كهيئة السرير بالنّسبة إلى مفهوم مسمّى السّرير فإنّها عرض لكن داخل في حقيقة مفهوم السّرير إذا عرفت ذلك فنقول إنّ العلوم كلّها مشتركة في معنى هو الإدراك و ليس لها مميّز ذاتيّ و إنّما امتيازها بامتياز العوارض و متعلّقات العلم فتعريف العلوم بمتعلقاتها بالنّسبة إلى حقيقة ذلك العلم رسم و تعريف بالعارض لكن بالنّسبة إلى مفهوم المسمّى لذلك اللّفظ جوهري ذاتي فإن كان التعريف ناظر إلى حقيقة العلم كان رسما و إن كان ناظرا إلى مسمّى اللّفظ كان حدّا لفظيّا إذا لم يكن تعريفا بالغاية و الفائدة و إلاّ كان رسما من كلّ جهة إذا الغاية أو الثمرة ليست جوهريّا بالنّسبة إلى مفهوم المسمّى أيضا إذ ليست مأخوذة في الموضوع له فتعريف الأصول رسم قطعا و إن جاز إطلاق الحدّ على تعريف الكلام مثلا بأنّه العلم الباحث عن أحوال المبدإ و المعاد و الحكمة بأنّه العلم بحقائق الأشياء بقدر الطّاقة البشريّة الثاني في ذكر قيود التعريف المذكور فنقول قد اشتمل التّعريف على قيود و مقتضى النظم و الترتيب أن يخرج بكلّ قيد منه ما لم يخرج من سابقه قال في المعالم و خرج بقيد الأحكام العلم بالذوات و اعترض عليه في القوانين بأنّ الذّوات قد خرجت بقيد الشّرعية و لكن خرج بقيد الأحكام العلم بالماهيّات كمسألة الحقيقة الشرعيّة و نظائرها ربما ذكرنا من التّرتيب الطبيعي عرفت عدم ورود الإيراد على المعالم فإنّ خروج الذّوات بقيد الشرعيّة لا ينافي خروجها بالأحكام أيضا فإنّ مقتضى النّظم أن يخرج بالقيد السّابق كلما يخرجه فإن بقي شي‏ء جي‏ء بالقيد اللاّحق لإخراجه فخرج بقيد الأحكام الذّوات و الماهيات مثلا و بقي الأحكام الغير الشّرعية فخرج بقيد الشّرعية و الحاصل أنّه يجب الإخراج بالقيد اللاحق ما بقي بعد القيد السّابق لا أن يخرج بالقيد السّابق ما يبقى بعد القيد اللاّحق و أورد على القوانين بأنّ إخراج الماهيات بقيد الأحكام فاسد إذ المراد من استنباط الماهيّات بالقواعد إمّا التصديق بها فلا يخرج بالأحكام إذا الحكم عبارة عن النّسب الخبريّة كما صرّح به و إمّا قصورها فهو باطل إذ القواعد عبارة عن القضايا و المجهولات التصوّرية إنّما تكتسب من المعلومات التصوّرية لا من المعلومات التصديقية كذا قيل و فيه نظر إذ ليس المراد استنباط الماهيات أو الأحكام من القواعد الممهّدة بل المراد أنّ وجه تمهيد تلك القواعد استنباط الأحكام أو الماهيّات من غير تلك القواعد و من الظاهر أنّ الحكم الشرعي لا يستنبط من مسألة أنّ الأمر للوجوب بل إنّما مهّدت هذه المسألة ليستنبط

4

الحكم من قوله تعالى‏ أَقِيمُوا الصَّلاةَ* كما أنّ تمهيد مسألة المعرّف في المنطق إنّما هو لاستنباط المجهولات التصوّرية من المعلومات التصوريّة مع أنّ مسائل المعرّف كلّها قضايا مثل أنّه يشترط أن يكون مساويا و أجلى و لا يجوز بالأعمّ و غير ذلك و حينئذ فلا يلزم أن يكون استنباط التصوّر من التّصديق كما ذكره المعترض فالأولى في الاعتراض أن يقال إنّه إن أريد التصديق بالماهيّات فلا يخرج بقيد الأحكام و إن أريد تصوّرها فليس ما مثل به قاعدة ممهّدة لاستنباط تصوّر الماهيات فإنّه مثل بالحقيقة الشرعية و هو فاسد فإنّ المبحوث عنه فيها إنّما هو أن الألفاظ المستعملة في المعاني المستحدثة الموضوعة لها في زمان المتشرّعة هل كانت موضوعة لها في زمان الشّارع أو لا و لا يخفى على امرئ أنّ المطلوب فيها التّصديق لا تصوّر الماهيّة فالحق أن القواعد الممهّدة لاستنباط الماهيات أي التّصديق بها داخلة في الأصول لصدق التعريف عليه و لا ضرر في دخولها فلنرجع إلى تحقيق المطلب فنقول قد خرج بالقواعد العلم بالجزئيّات و بالممهّدة ما لم يمهد أصلا كقاعدة الكل أعظم من الجزء و كل نار حارّة و نحو ذلك و و بقيد الاستنباط ما مهد للاستنباط كالمسائل الكلامية فإنّها مقصودة بذاتها لا للاستنباط شي‏ء و بالأحكام المنطق إذ ليس ممهّدا لخصوص استنباط الأحكام لاستنباط التّصورات منه أيضا و بالشرعيّة العقليّة و بالفرعيّة الأصوليّة كذا ذكروا (أقول) و يرد على التّعريف أنّ مقتضاه عدم كون الأصول علما برأسه بل يكون تابعا لاعتبار المعتبرين إذ المراد بالتمهيد ليس تمهيد شخص خاصّ بل كلما مهده الشّخص للاستنباط يكون أصولا فلو ذكر شخص في كتابه جميع مسائل النحو و الصّرف و البيان و المنطق و غير ذلك بقصد الاستنباط يجب أن يكون أصولا لا يقال إن المراد الممهّدة بتمهيد أئمة الفنّ لأنّا نقول المسائل و القواعد الأصوليّة تتزايد يوما فيوما و يظهر ذلك من اختلاف الكتب الأصولية في ذكر المسائل و أيضا يرد على التعريف و شموله للقواعد الفقهيّة مثل أنّ كل عقد يجب الوفاء به فإنّها قاعدة كلية مهدت لاستنباط الأحكام الشرعيّة و هي أنّ عقد المعاطاة يجب الوفاء به و هكذا سائر العقود فإن القاعدة عبارة عن قضية كليّة يستنبط منها أحكام جزئيّات موضوعها و سيجي‏ء تحقيق المطلب عند ذكر الموضوع و هناك يعلم أنّ الأصول علم أو لا و هل له تعريف صحيح أو لا الثّالث في وجه المناسبة بينه و بين المعنى الإضافي و هو متوقّف على فهم المعنى الإضافي فنقول إنّه مركّب من المضاف و المضاف إليه و الإضافة و لنتكلّم في كلّ منها أمّا الكلام في المضاف فنقول الأصول جمع أصل و هو في اللّغة عبارة عما يبتني عليه الشي‏ء و في اصطلاح الأصوليّين يطلق على الأمور الأربعة الدّليل و القاعدة و الظاهر و الاستصحاب و إطلاقه على كل واحد من هذه‏

5

الأربعة ليس باعتبار رجوعه إلى الآخر بخلاف سائر الإطلاقات فإنّها ترجع إلى أحد الأمور الأربعة فإنّ قولهم أصالة الحقيقة معناه ظهور الحقيقة لا باعتبار أنّه يرجع إلى القاعدة و كذا أصالة العدم معناه استصحاب العدم لا باعتبار كونه قاعدة فافهم و أمّا الكلام في المضاف إليه فنقول الفقه في اللّغة الفهم إمّا مطلقا أو مع جودة الذّهن و غير ذلك ممّا هو مذكور في كتب اللّغة و في الاصطلاح عرّف بأنّه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيلية و المراد بالعلم التّصديق لا الإدراك المطلق إذ الفقه منحصر في التّصديقات و الحكم عبارة عن النسبة الخبرية قيل و يلزم منه خروج الإنشاءات عن الفقه فالمراد النسب الجزئية و فيه أنّ الإنشاءات ليست من الفقه قطعا لما عرفت أنّ الفقه عبارة عن التصديق و لا يتعلّق التصديق بالإنشاءات إلاّ باعتبار ما تضمّنت من النسب الخبرية مثل قوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ* فإنّه لا يتعلق التّصديق به إلاّ باعتبار ما تضمّنه من أنّ الصّلاة واجبة و النّسب الجزئية إن أريد مقابل مفهوم النسبة فالقيد لغو لأنّه ظاهر أن ليس العلم بمفهوم النسبة فقها و إن أريد الجزئية الاصطلاحيّة فهي عبارة عن قضيّة كان موضوعها جزئيا و القضايا الفقهيّة كلها موضوعها كلي و لا يحكم في الفقه على الموضوعات الجزئية لفظ و الشرعيّة يحتمل وجوها ثلاثة أحدها أن يكون المراد به ما صدر من الشارع فعلا و الثّاني أن يكون معناه ما من شأنه أن يؤخذ من الشارع و الثالث أن يكون معناه ما يمكن أن ينسب إلى الشارع من حيث إنّه شارع و الأوّل مستلزم لخروج الأحكام العقلية مع أنّه داخل في الفقه إذا العقل أحد الأدلّة و الثاني مستلزم لخروج مسألة وجوب النظر في المعجزة عن الفقه إذ ليس من شأنها أن يؤخذ من الشارع لاستلزامه الدّور مع أنّه واجب شرعا فالمراد هو المعنى الثالث لإمكان أن ينسب ذلك إلى الشّارع من حيث إنّه شارع و خرج بقيد الحيثيّة مثل الحكم بأن مشي الإنسان أبطأ من مشي الفرس لإمكان نسبة هذا الحكم إلى الشارع لكن لا من حيث أنّه شارع و الفرعيّة معناها المنسوب إلى الفرع و المراد به الحكم الّذي كان الموضوع فيه عمل المكلف أو يفهم منه حكم عمل المكلف بلا حاجة إلى خطاب آخر فالأوّل كالأحكام التكليفيّة و الثاني كالوضعيّة فإنّ قوله الكلب نجس يعلم منه وجوب الاجتناب عنه الّذي هو حكم شرعي لعمل المكلّف بخلاف مثل الكتاب حجّة إذ لا يفهم منه حكم العمل إلاّ بضميمة قوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ* مثلا فافهم و عن أدلتها إمّا متعلّق بالعلم أو بالأحكام باعتبار قيد المستنبطة و على أيّ تقدير فإمّا المراد به الأدلّة المعهودة أو لا فإن كان المراد به الأدلة المعهودة كان قيد التفصيليّة لغوا و خرج علم المقلّد و علم اللَّه و علم‏

6

الأنبياء و الملائكة إن تعلق الظّرف بالعلم بخلاف ما لو تعلق بالأحكام لأنّهم عالمون بالأحكام المستنبطة إلاّ أن يعتبر قيد الحيثيّة لأنّ علمهم بالأحكام المستنبطة ليس من حيث كونها مستنبطة و فيه أنّ أخذ الحيثيّة إنّما يثمر في أن العلم بالأحكام المستنبطة يلاحظ فيه جهة الاستنباط أيضا و هذا لا يقتضي أن يكون العلم ناشئا عن الدليل فإنّ قولنا علمت زيدا الفاضل من حيث إنّه فاضل أنّي أحضرته في الذّهن مع ملاحظة الفضل فيه لا أنّ فضله كان سببا لعلمي فافهم و إن أريد مطلق الأدلة خرج علم المقلد بقيد التّفصيلية لأن علمه إنّما هو من دليل إجمالي و هو أن هذا الحكم مما أفتى به المفتي و كلما أفتى به المفتي فهو حكم اللَّه في حقي فهذا حكم اللَّه في حقي و أورد عليه أمّا أوّلا فبأنّ علم المجتهد ناشئ من الدّليل الإجمالي بضميمة التفصيلي فإنّه إذا لاحظ الأدلة التّفصيلية و حصل له الظن بالحكم يرتّب القياس هذا ما ظننت أنّه حكم اللَّه و كلما ظننت أنّه حكم اللَّه فهو حكم اللَّه في حقّي و حقّ مقلدي فهذا حكم اللَّه في حقي و حق مقلّدي فإسناد العلم إلى الأدلة التفصيلية لا وجه له و أمّا ثانيا فبأنّ المقلد أيضا له دليل تفصيلي و دليل إجمالي و علمه حاصل منهما فإنّه يلاحظ فتوى المجتهد في خصوص كلّ واقعة فهذا دليله التفصيلي و يضمّ إليه المقدمات المذكورة و هو الدليل الإجمالي فيحصل له العلم فما الفرق بين المجتهد و المقلّد في ذلك (أقول) الإيراد الثاني وارد و لا مدفع عنه مع عدم جعل المراد الأدلة و أمّا الإيراد الأوّل فقد يجاب عنه بأنّ علة الشي‏ء إذا كان مركبا يجوز استناده إلى مجموع الأجزاء و إلى الجزء الأخير و الأدلّة التفصيلية جزء أخير لعلة حصول العلم بالحكم إذ لا بدّ أوّلا من إثبات أن الكتاب حجّة مثلا ثمّ ملاحظته تفصيلا لاستنباط الأحكام منه و نظير هذا قيل في الجواب عما قيل إنّ الدّليل العقلي إن كان عبارة عمّا كان بجميع أجزائه عقليا فما وجه عدهم الاستصحاب من الأدلة العقلية مع أن حجيّته يثبت بالنقل عند القائلين بالظنون الخاصّة و إن كان عبارة عمّا كان بعض أجزائه عقليّا فما وجه عدم جعلهم الكتاب من الأدلة العقلية مع أنّ حجيّته تثبت بحكم العقل و حاصل الجواب أنّ المعتبر هو الجزء الأخير الّذي يتعاقبه الاستنباط و هو في الاستصحاب حكم العقل بالبقاء و في الكتاب حكم النّقل بوجوب الصّلاة مثلا و فيه أنّ هذا الجواب لا يتمّ إذا كان العلم بالحجيّة متأخّرا عن العلم بالتّفصيل كما إذا اجتهد الكافر بطريقة الإسلام ثم أسلم فالأولى في الجواب أن يقال إن المراد بالأحكام الأحكام الخاصّة من حيث الخصوصية كوجوب الزكاة و حرمة الخمر و نحو ذلك و حجيّة الكتاب لا توجب العلم بالخصوصية بل العلم بالخاص من حيث الخصوصيّة لا يستنبط إلاّ من قوله تعالى‏ آتُوا الزَّكاةَ* و حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ* و نحو ذلك فلا يجوز

7

إسناد العلم بالخصوصية إلى المجموع و لا إلى الدّليل الإجمالي فافهم و لما علم مفردات التّعريف فلنتكلّم في أمور يحتاج إلى بسط الكلام الأوّل قد فسّر الحكم في التّعريف بخطاب اللَّه المتعلّق بأفعال المكلّفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا و المراد من الأفعال و المكلفين الجنس ليشمل خصائص النبيّ (صلى اللَّه عليه و آله) أيضا و القيود الثلاثة الأخيرة ليشمل الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة قيل إنّ تعريف الحكم المذكور في التّعريف بخطاب اللَّه تعالى مستلزم لاتحاد الدّليل و المدلول إذا الكتاب من جملة الأدلة و هو أيضا خطاب اللَّه تعالى إلاّ على مذهب الأشاعرة حيث قالوا بالخطاب النّفسي الّذي هو مدلول الخطاب اللّفظي و فيه أنه لم يعرّف الحكم بالخطاب إلاّ من ذهب إلى الخطاب النّفسي و لم يقل أحد إنّ الحكم عبارة عن الخطاب اللّفظي حتّى يرد عليه اتحاد الدّليل و المدلول ثمّ إنّه أجاب عن الإيراد بناء على عدم القول بالكلام النّفسي بأنّ الأحكام عبارة عن الخطابات المعلومة بالإجمال و الأدلة خطابات مفصّلة فنحن نعلم أن لشرب الخمر قد ورد خطاب في الشريعة و نعلم تفصيله بقوله تعالى فاجتنبوه مثلا و فيه أنه لا يتمّ هذا الكلام في الجواب إذ يكون معنى التّعريف أن الفقه عبارة عن العلم بالخطابات المجملة عن الخطابات التفصيليّة فإن أريد العلم الإجمالي بالخطابات المجملة فهو لم يحصل من الأدلة بل هو معلوم بالضّرورة و إن أريد العلم التفصيلي بالخطابات المجملة فهو عين العلم بالخطابات المفصّلة لا أنه حاصل منها فإنّ معنى العلم التّفصيلي معرفة الشي‏ء مفصّلا و الخطابات المفصّلة عين المجملة و الفرق إنما هو بالإجمال و التفصيل فالعلم التفصيلي بالخطابات المجملة عين العلم بالأدلة المفصّلة و هو يحصل بالنظر فإنّ من أراد أن يعلم شيئا بالتّفصيل ينظر فعلمه يحصل بالنّظر لا بالعلم التّفصيلي (فافهم) و أمّا على القول بالخطاب النّفسي فيرد أمور منها ما ذكره الفاضل القميّ (رحمه الله) من أنّ اللفظ كاشف عن المدّعى لا أنّه مثبت للدعوى و معناه أنّ الخطاب اللفظي دالّ على مدلوله الّذي هو الكلام النّفسي لا أنّه دليل عليه و الفرق بين الدّال و المدلول أنّ الأوّل يوجب تصوّر مدلوله و الثّاني موجب للتّصديق بالمدعى و يظهر منه في الحاشية وجه آخر و هو أنّ الدليل عبارة عما يتوصّل بصحيح النّظر (فيه) إلى مطلوب خبري فيجب أوّلا تصوّر المطلوب الخبري ثم ترتيب المعلومات لتحصيله كما هو طريقة النّظر و الكلام النّفسي لا يتصوّر إلاّ بعد ذكر الكلام اللّفظي فكيف يكون دليلا عليه و فيه أنّه لا يجوز أن يتصور أنّ في شرب الخمر مثلا خطابات نفسيّة ثم يستنبط تفصيلها بالخطابات اللّفظية فالأولى هو الوجه الأول إلاّ أنه قد أورد عليه بأنّ اللفظ و إن كان بالنّسبة إلى نفس المعنى دالا أنّه بالنّسبة إلى ثبوت المعنى في ذهن المتكلّم دليل بضميمة مقدمات أخر من كون المتكلم عاقلا غير عابث و اللفظ موضوع للمعنى و لم ينصب القرينة فيجب أن يكون المعنى‏

8

مراده فاللّفظ بالنّسبة إلى ثبوت المعنى في نفس المتكلّم الّذي قد يقال إنّه الكلام النفسي دليل لا دال فتأمّل (و منها) أنّ الكلام النّفسي غير معقول و بيان هذه الدّعوى محتاج إلى بسط المقال فنقول قد ذكر الأشاعرة أنّ من جملة صفاته تعالى المتكلم و يشترط في صدق المشتق على شي‏ء قيام المبدإ بذلك الشي‏ء و مبدإ المتكلّم الكلام فيشترط في صدق المتكلّم عليه تعالى باعتبار إيجاده الصّوت القائم بالهواء لما قلنا من اشتراط قيام المبدإ بالموصوف و إلاّ لجاز إطلاق المتحرك عليه باعتبار إيجاده الحركة في الأفلاك و حينئذ فلا بد أن يكون معنى قائما بذاته تعالى ثم إنّ بعضهم قال إنّه عبارة عن مدلول الألفاظ و هذا لا يدفع المحذور لأنّ مدلول الألفاظ حادث كحدوثها فإنّ مدلول قال اللَّه‏ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ‏ لا يمكن أن يكون قديما لأنّه إخبار عن الماضي و لذا قال بعضهم إنّ الكلام معنى بسيط قديم قائم بذاته تعالى قابل للشئونات المختلفة من الأمر و النّهي و الإخبار و غير ذلك باعتبار المتعلّقات و الإضافات و قد يتمسّك لمذهبهم بأنّ الكلام لغة موضوع لمعاني الألفاظ أو للألفاظ المتصوّرة الذّهنية قبل النطق فإنّ النطق متأخّر عن تصوّر الألفاظ و الكلام اسم لذلك و لذا قال الشاعر إنّ الكلام لفي الفؤاد و إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فهو لغة اسم للنفسيّ لا للفظي (ثم) إنّهم بنوا على قولهم من اشتراط قيام مبدإ المشتق بموصوفه دعواهم أنّ صفاته تعالى مغايرة مع ذاته فإنّ صدق قيام شي‏ء بشي‏ء يستدعي تحقّق المغايرة بينهما و استدلّ الرّازي على هذا المطلب بوجوه لا بأس بذكرها لتعلّقها بالمقام (منها) القياس بهذا الترتيب ذاته تعالى غير معلوم لنا و صفاته تعالى معلومة لنا و غير المعلوم غير المعلوم فذاته غير صفاته (و منها) أنّه لو لا المغايرة لكان قولنا اللَّه عالم قادر بمنزلة الذات ذات فلم يكن للنزاع في ثبوت الصفات له تعالى معنى لبداهة كون الذات ذاتا (و منها) أنّه لو لا المغايرة لكانت الصفات أيضا متّحدة لأنّها عين الذّات و حينئذ فيكون إثبات إحدى الصفات مغنيا عن إثبات البواقي لاتحادها (و منها) أنّ صفاتها الثبوتيّة موجودات لا سلوب و إضافات و الموجودات لا يمتاز أحدها عن الآخر إلاّ بالمغايرة هذا ما ذكروه في المقام و لا بدّ أوّلا من ذكر معنى الصّفة و أقسامها ليظهر ما هو الحق في المقام فنقول من المعلوم أن الصّفة غير الموصوف إذا الصّفة عرض و الموصوف معروض لكن المغايرة على قسمين حقيقي و هو أن يكون الصّفة موجودة في الخارج بوجود مشتمل غير وجود الموصوف كالبياض للجسم و الكتابة للكاتب و يسمّى الوصف الخارجي و اعتباري و هو أن لا يكون لها وجود مستقل في الخارج غير وجود الموصوف بل لها منشأ انتزاع في الخارج و هو إمّا

9

ذات الموصوف كالوجود للواجب فإن ذاته كاف في انتزاع الوجود منه و إمّا بواسطة ملاحظة حيثية من الحيثيّات الاعتباريّة كالوجود للممكن فإنّه ينزع منه بملاحظة حيثية الاستناد إلى العلّة لا من نفس ذاته و هذه الحيثيّة المذكورة قد تكون تقييديّة و قد تكون تعليلية لثبوت الوصف كالاستناد إلى العلة فإنّه علة لاتّصاف الممكن بالوصف و هذا لا دخل له بما يكون فيه الحيثيّة للحكم بالاتصاف لا لنفس الاتّصاف فإنه لا يستلزم حيثية أخرى زائدة و لو اعتبارا بل يكون نفس ملاحظة الاتصاف كافيا في الحكم به و من هذا القسم صفاته تعالى الذاتية فإن حيثيّة انكشاف الأشياء له تعالى ليست علة لاتّصافه بوصف العلم بل هي علّة للحكم بالاتّصاف فالوصف فيه عين الموصوف و حينئذ فنقول لا كلام في الوصف الخارجي و أمّا الاعتباري فلا شبهة في أنّ الّذي ينتزع من نفس الذّات هو عين الموصوف فإنّ معنى العينيّة أنّهما ليسا موجودين بوجودين و معنى الانتزاع أنّ العقل إذا لاحظ الشي‏ء حكم بأنّه متّصف في الخارج بهذا الوصف الذّهني و لا ينافي ذلك عدم وجود الوصف في الخارج كالإمكان للشي‏ء فإن العقل إذا لاحظ الإنسان حكم عليه بأنّه ممكن و الإمكان ليس وصفا خارجيّا بل هو وصف ذهني و مع ذلك حكم به على الأمر الخارجي و من الاعتباري المعقولات الثانية كالكلية و الجزئيّة فإنّها وصف ذهني للأمور الذّهنية بشرط الوجود الذّهني و بهذا يفترق عما ذكرنا إذ يمكن فيه كون الموضوع فيه موجودا خارجيا كالإمكان و قد يقال إنّ القسم الّذي ينتزع فيه الوصف بواسطة الحيثية التّعليليّة الوصف فيه أيضا عين الموصوف كما قال الأشاعرة إنّ وجود الإنسان عين ماهيّته و فيه نظر فإنّ الحيثيّة التقييديّة أو التّعليليّة لا بدّ من اعتبارها مع الذات في انتزاع الصّفة و هي علة لها في الواقع أيضا و واسطة في الثبوت فكيف يكون الوصف فيه عين الموصوف و لا دخل له بقول الأشاعرة فإن مرادهم من عينيّة الوجود و الماهيّة أنّهما ليسا بمنزلة السواد و الجسم و هاهنا إشكال يرد على القول بعينيّة الأوصاف الاعتباريّة مع موصوفها و هو الإشكال الّذي ورد على القول بأن الإمكان وجودي و هو أنّ الإمكان ليس شيئا موجودا في الخارج بل هو موجود ذهني على القول بوجوده و الذّهن مرآة الخارج و ظلّ للموجودات الخارجيّة فإذا كان الشي‏ء موجودا في الذّهن دون الخارج كان جهلا مركّبا و نظيره أورد في المقام فإن الوصف الاعتباري الموجود في الذّهن لو لم يكن موجودا في الخارج كان جهلا مركّبا و إن كان موجودا في الخارج كان غير الموصوف و لذا قال جماعة إنّ صفاته تعالى يراد منها سلب الأضداد فالمراد بكونه عالما أنّه ليس جاهلا و هكذا لأنّ الصّفة

10

إن كانت موجودة في الخارج لزم التركيب في الخارج و إلاّ كان جهلا مركبا و أيّدوه بقوله تعالى و كمال توحيده نفي الصّفات عنه و الجواب أن الذهن إن كان حاكيا عن الخارج و لم يطابقه كان جهلا مركبا و أمّا إن لم يكن حاكيا عن الخارج فلا يلزم فيه المطابقة للخارج بل يكفي فيه المطابقة لنفس الأمر و معنى عدم الحكاية عن الخارج أنّه حكم عقلي الموجود الخارجي و صدقه إنما هو بالمطابقة لنفس الأمر فقولنا الإنسان ممكن معناه أنّ الإنسان محكوم بحكم العقل بالإمكان فصدقه مطابقته لنفس الأمر و لا يكفي المطابقة للذّهن لإمكان تصور الكواذب و بهذا نجيب عن الإشكال في المقام فإن ذاته تعالى بسيط من جميع الجهات لكن العقل يحكم باعتبار الحيثيّات بأحكام من كونه عالما قادرا بمعنى أنّ الذات الخارجي هو المنشأ لهذه الآثار بخلاف الممكنات فإنّ ذواتها ليست منشأ لهذه الصّفات بل بواسطة قوّة ذهنيّة موجودة معها في الخارج و الصفة قد يراد منها المعنى المصدري و يطلق عليه الأثر بهذا الاعتبار و قد يراد منها المبدأ للأثر فعلى المعنى الأوّل معنى كون الصّفة عين الذّات أنّ الذّات هو المنشأ لهذه الآثار من دون حاجة إلى ضمّ ضميمة إليه و على المعنى الثاني معناه أن الذّات يترتّب عليه ما يترتب على هذه المبادي فافهم فلا يلزم تركيب في الذات و يظهر وجه اتحاد الصّفة و الموصوف و لا يلزم الجهل المركب و هذا الجواب أحسن مما قيل إنّ صفة العلم و القدرة لانتزع من نفس الذّات حتّى يلزم التركيب بل إنما تنزع منه بواسطة الحيثيّات و ملاحظة ترتب الآثار و إن كان ترتب الآثار ناشئا من نفس الذّات بلا واسطة لكن انتزاع مفهوم العالم مثلا إنّما هو من الذات مع ملاحظة ترتب الآثار عليه فالعلم ينتزع باعتبار ملاحظة المعلوم و القدرة باعتبار المقدور فليس منتزعا من الذات حتى يلزم التركيب و فيه أنّه يستلزم الفرق بين صفة الوجود و العلم مع أنّهم لم يفرقوا بينهما من حيث كونهما من صفات الذّات و إن فرقوا بينهما من جهة أخرى و هي أنّ الوجود من صفات الذات غير ذات الإضافة و العلم من صفات الذّات ذات الإضافة و فرق بين صفة الذّات ذات الإضافة و بين الصّفات الإضافيّة و هي صفات الفعل فإنّها إضافيّة لا بدّ في اعتبارها من ملاحظة الطرف المقابل كالأخوّة و الأبوّة مثلا بخلاف العلم أو القدرة فإنّ معنى العلم ما به ينكشف الأشياء و هو في الممكن أمر زائد و هو الصّورة الحاصلة و في الواجب هو الذات و كيف كان فهو شي‏ء مستقل يلزمه تعلقه بشي‏ء آخر فافهم و الحاصل أنّهما ينتزعان من الذّات و معنى الانتزاع حكم العقل بأنّ الذات منشأ لهذه الآثار و لا يلزم التركيب إذ لا يلزم أن يكون له وجود في الخارج كما عرفت و يؤيّد ما ذكرنا من أنّ الوجود في الذهن لا يستلزم الوجود في الخارج ما ذكره الشيخ في الإشارات من أنّ أجزاء حدّ

11

البسيط أجزاء لحدّه لا لقوامه و هو شي‏ء نفرضه و أمّا هو في ذاته فلا جزء له و أمّا الحق فاعتقادنا فيه أنّه ليس مركبا من الأجزاء الخارجيّة و أمّا الأجزاء الذهنيّة فهي لم تثبت في الماهيّات المتأصّلة الممكنة فضلا عن الواجب إذ ما يعبرون به في حدودها يحتمل أن يكون من قبيل إطلاق صفة العلم و القدرة و نحوهما على الواجب فكما أن تلك الصفات مع تكثّرها لا توجب التركيب في الذات فكذا ما يعبرون به في الماهيّات انتهى مع أدنى تغيير وجه التأييد أنّ معنى ما ذكر هو أنّ أجزاء حد البسيط ليست أجزاء خارجيّة بل إنّما هي أجزاء ذهنيّة فيمكن فرض الجنس و الفصل للبسيط إذ لا يلزم التركيب الخارجي و يمكن أن يكون المراد أن ما يذكر في حدود البسائط كالألوان مثلا إنما هو من العوارض و اللوازم كغير البسائط فإنّ النّطق ليس من ذاتيات الإنسان بل هو كالضّحك و إنّما الذّاتي هو مبدؤه و منشؤه و حاصل الكلام أن الصّفة إن كانت مطلقا بالمعنى المصدري فمعنى كونها عين الذّات أنّ الذّات هو مبدؤها و منشؤها و إن كانت بمعنى المبدإ و الصورة الحاصلة فمعنى كونها عين الذّات أنّ الذّات وحده يترتب عليه ما يترتب على الذّات مع المبدإ في الممكن و هو ظاهر لا إشكال فيه إنما الإشكال في الفرق بين صفات الذات كالعلم و صفات الفعل كالخلق إذ لو أريد مفهوم اللفظ فهو غير الذّات مطلقا قطعا و إن أريد المصداق و المبدأ فهو نفس الذّات في الجميع و يمكن الجواب بأنّ صفات الفعل معناها نفس الفعل كالخلق و الرزق و نحوهما فإنّ فعل الشخص من صفاته هي لكونها أمرا اعتباريا منتزعا من تأثير العلة في المعلول لا يمتنع كونها زائدة على الذّات و الكمال هو كون العلّة بحيث يترتّب عليه الآثار لا أصل نفس الفعل فلا يقدح حدوثه إذ لا يلزم النّقص في الواجب حين انتفائه بخلاف العلم و القدرة فإنّ المراد بهما المبدأ و هو نفس الذّات و أمّا أنّ المراد بالعلم هو المبدأ و بالخالق الذات باعتبار الفعل فهو ناظر إلى الأمر العرفي فإنّه تعالى وصف نفسه بالعالم و الخالق فيرجع إلى اصطلاح القوم و هم يفهمون من العالم من له قوة العلم و من الخالق الخلق الفعلي و لا مشاحة في الاصطلاح كذا أجاب بعضهم و ما ذكرنا من عينيّة الصفات بالمعنى الّذي تقدّم هو مذهب الإماميّة و المعتزلة و هناك أقوال آخر لا بأس بالإشارة إليها منها مذهب الأشاعرة و هو أن علمه تعالى زائد على ذاته و موجود مستقل و صور مرتسمة في ذاته تعالى إلاّ أنّ العلم على قسمين أحدهما انتقاش صورة الشي‏ء بعد رؤيته مثلا كالعلم بالشمس بعد رؤيتها و الثّاني تصوّر الشي‏ء قبل وجوده كما يتصوّر الفخار و صورة الكوز و يسمى الأوّل بالعلم الانفعالي و الثّاني بالعلم الفعلي و علمه تعالى من القسم الثّاني و منها أنّ علمه ليس بالصّورة

12

الحاصلة بل هو عبارة عن الأعيان الثابتة القائمة بذاتها الواسطة بين الموجودات و المقدمات و علمه بها حضورها عنده تعالى لا بصورها كعلم الشخص بنفسه فإنّه ليس بالصورة بل بحضوره عنده إذ ليس الشخص فاقدا لنفسه و منها مذهب الحكماء و هو أنّ علمه تعالى إنما هو بالصور الحاصلة في العقل الأوّل و علمه بالعقل الأوّل حضوري لأنّه حاضر عنده بغير صورة و منها ما ذكره بعضهم من أنّ علمه بالأشياء زائد على ذاته و لا يلزم تركّب الواجب فإنّه إنّما يلزم ذلك إذا كان علمه بالأشياء في مرتبة الذّات و ليس كذلك فإنّه ثابت بواسطة علمه بذاته فإن علمه بذاته حضوري و ذاته علة جميع الآثار فيستلزم علمه بذاته علمه بجميع آثار ذاته أيضا و الكل فاسد أمّا إجمالا فبالإجماع و أمّا تفصيلا فبأنّهم قد ذكروا أن الواجب الوجود بالذّات من جهة يجب أن يكون واجبا من جميع الجهات إذ لو كان فيه جهة ممكنة لكانت محتاجة إلى علة ينتهي إلى الواجب و قد ثبت ببرهان التوحيد أنّ الواجب لا يتعدّد فيجب أن يكون علّة تلك الجهة نفس الواجب فيلزم أن يكون الواجب فاعلا و قابلا من جهة واحدة إذ المفروض أنّ تلك الجهة مأخوذة في الواجب و إن فرضت فيه الجهتين لزم التركيب في الواجب من جهة الفعل و جهة القبول و هو محال و بهذا يظهر أنّ كل صفة أمكن وجودها في الواجب بالإمكان العام وجب ثبوتها له و كونها عين الذّات إذ لو كانت ممكنة بالإمكان الخاصّ لاحتاج ثبوتها للواجب إلى علّة هي نفس الواجب فيلزم تركب الواجب من جهتي الفعل و القبول و قد يقرر هكذا لو كان في الواجب جهة إمكان لاحتاج ثبوتها و عدم ثبوتها إلى علة إذ هو معنى الممكن فيجب أن يكون الواجب معلولا في بعض جهاته إمّا لنفسه و هو مستلزم لتقدّم الشي‏ء على النّفس أو لغيره و هو يقتضي الخروج عن الوجوب و قد يقدر بأن جهة الإمكان إن كانت معتبرة في جهة الوجوب خرج جهة الوجوب إلى الإمكان و إلاّ فلا معنى لجواز ثبوته للواجب إذ لا يجوز التغيّر في الواجب و كيف كان ظهر لك بطلان الأقوال الأخر إذ الأوّل مستلزم للتّركيب و الثّاني غير معقول إلى الواسطة بين الوجود و العدم و الثالث مستلزم للنقص إذ لم يجعل العلم في مرتبة الذات مضافا إلى أنّ علم العقل الأوّل لا بدّ له من علة تنتهي إلى علم الواجب و كذا الرابع فإنّه جعل العلم في غير مرتبة الذات فهو مستلزم لأن يكون في مرتبة الذات ناقصا و هو باطل بإجماع الأنبياء و أهل الملل و العقلاء و إقرار الخصم و علم مما ذكرنا بطلان ما استدلّ به الرازي من الوجوه الأربعة أمّا الأوّل فبأنّ كنه الذات مجهول و مفهوم الصّفات معلوم و كنه الذّات غير مفهوم الصّفات كما ذكرنا و أمّا الثّاني فبأنّ النزاع يرجع إلى أنّ الذات هل ينتزع منها الصّفة الفلانية أو لا و به يعلم بطلان الثالث أيضا فإن مصاديق الصّفات واحدة و أمّا المفاهيم فمتغايرة

13

و النزاع يرجع إلى جواز انتزاع هذا المفهوم من الذات و عدمه و أمّا الرّابع فبأنّ مصداق الصفات موجود و أمّا مفهوماتها فأمور اعتبارية متغايرة و هو لا يوجب تغاير المصداق بقي الجواب عن استدلال الأشاعرة بالمسألة اللغوية فنقول الجواب الإجمالي أنّه بعد ما قام الدّليل العقلي على أن صفاته تعالى عين ذاته نقول إنّ إطلاق المشتق عليه مجاز لغوي و أمّا الجواب التفصيلي فهو متوقف على فهم معنى المشتق و المبدإ و أنّه هل يشترط المغايرة بينهما و هل يشترط قيام المبدإ به أو لا فنقول قيل إنّ الذّات غير مأخوذة في المشتق بل المشتق عين المبدإ إلا أنّ المبدأ مأخوذ بشرط لا و المشتق مأخوذ لا بشرط كالفرق بين الجنس و المادة فإنّ الجسم إن لوحظ بشرط أن لا يكون معه شي‏ء آخر بل كل ما فرض معه يكون خارجا عنه يكون مادة و إن لوحظ لا بشرط بحيث يجوز فرض شي‏ء آخر معه داخل فيه فهو جنس و لهذا يجوز حمل الجنس على النوع و لا يجوز حمل المادة عليه فكذا نقول في المبدإ و المشتق و حينئذ يكون الفرق بينهما اعتباريّا كما ذكر المنطقيّون أنّ الفرق بين النّطق و الناطق اعتباري و حينئذ فنقول الحمل عبارة عن اتحاد الوجودين و وجود العلم عين وجود العالم إذ ليس المراد وجود ذات العالم بل المراد وجود العالم بعنوان أنّه عالم فالوجودان متحدان فلا ضرر في حمل أحدهما على الآخر فيقال العالم علم و بالعكس إذا لاحظ المبدأ لا بشرط و لو كان الذات مأخوذا في المشتق فإمّا يكون المراد مفهوم الذات فيلزم أن يكون الفصل عرضيّا كالناطق فإنّ مفهوم ذات ثبت له النطق ليس ذاتيّا للإنسان و إمّا أن يكون المراد مصداق الذات فيلزم انقلاب الممكنة ضروريّة فإنّ قولنا زيد كاتب ممكنة و لو لوحظ مصداق الذّات لكانت ضرورية لضروريّة أنّ الذات ذات انتهى و فيه نظر لأن كلمات المنطقيين ليست بملاحظة اللغة و إنّما هي لبيان ما يتعلّق به غرضهم من الأجناس و الفصول فإنّ كنه الفصول مما لا يدركه العقل و إنما يدرك ببعض الخواصّ النّاشئة منه فالمراد بالنطق الّذي هو الفصل مبدؤه الّذي هو غير مدرك بكنهه و قولهم الناطق متّحد مع المبدإ وجودا ليس المراد به مبدأ الاشتقاق بل المراد به مبدأ النطق و هو القوّة فليس له تعلق بالاشتقاق و أمّا انقلاب الممكنة فباطل لأن الذّات مع أخذ الكتابة فيه ليست بضروري الثبوت لزيد نعم الذات البحت ضروري الثبوت و هو ليس معنى المشتقّ فالحق أنّ الذّات مأخوذة في المشتق لغة و لكن المغايرة المفهوميّة كافية بين الذات و الصّفة و هي المغايرة الذهنيّة كما سلف فافهم و لعلّك تسمع للمطلب زيادة توضيح في المباحث الآتية إن شاء اللَّه تعالى الثاني أنّ المراد بالأحكام إمّا العموم فيلزم خروج أكثر الفقهاء بل كلهم و إن أريد البعض دخل المتجزي و أجيب أوّلا باختيار الشقّ الأوّل و هو أنّ المراد جميع الأحكام و لكن بحمل العلم على الملكة و ثانيا باختيار

14

الثاني و هو أنّ المراد بعض الأحكام و التجزي إن قلنا باستحالته فلا إشكال و إن قلنا بإمكانه فإن كان علمه حجة فلا ضرر في دخوله و إلاّ فإن كان التّعريف للفقه مطلقا أعمّ من الصحيح و الفاسد فلا ضرر في دخوله أيضا و إن كان للفقه الصّحيح ورد الإشكال و يمكن أن يجاب بخروجه بقيد العلم بالأحكام لما يأتي أنّ المراد الأحكام الظّاهريّة و المتجزي لا علم له بالحكم الظاهريّ إذ ليس حجّة في حقّه و اعترض على المجيب بوجوه أحدها أنّ جعل العلم بمعنى الملكة باطل لوجوه منها أنّ الملكة لا تتعدّى بالباء فلا معنى لأن يقال الملكة بالأحكام و منها أنّ ملكة الأحكام لا تحصل من الأدلّة بل من الممارسة و المزاولة إلاّ أنّ يجعل الظّرف متعلقا بالأحكام و منها أنّ أسماء العلوم ليست أسماء للملكات بل لنفس المسائل أو لإدراكها و منها أنّ إرادة الملكة مستلزمة لسبك المجاز عن المجاز بضميمة ما يقال إن المراد من العلم هو الظن لأنّ أكثر الأحكام ظنيّة فيكون استعمال العلم في ملكة الظنّ من قبيل سبك المجاز عن المجاز و الثّاني أنّ تسليم دخول المتجزي بناء على إرادة البعض لا وجه له مطلقا لأنّ المراد ليس البعض مطلقا بل المراد القدر المعتدّ به فالمتجزّي إن لم يعلم القدر المعتدّ به فقد خرج و إن علم به و كان حجّة فلا وجه لإخراجه و إلاّ فليس بداخل لأنّ المراد الجزم بالحكم الظّاهري و لكن يلزم على هذا خروج من ليس له العلم بالقدر المعتدّ به و إن كان له ملكة الكلّ و هذا غير بعيد بل هو كذلك و إن كان تحقق هذا الفرض بعيدا أقول أمّا قوله الملكة لا تتعدى بالباء فيمكن دفعه بأنّ المراد ملكة الظنّ و أمّا قوله إنّ الملكة تحصل بالممارسة فيدفع بتعلّق الجار بالأحكام و أمّا قوله إنّ أسماء العلوم ليست أسماء للملكات فهو محلّ إشكال و فيه أقوال ثلاثة أحدها أنّها أسماء للملكات و الثّاني أنها أسماء لجميع المسائل و الثالث أنّها أسماء للمسائل المعروفة و أمّا المتجدّدة فراجعة إليها و يشكل الأوّل بأنّه يلزم عليه صحّة إطلاق الفقيه على من لم يعرف مسألة من الفقه فعلا و لكن كان له القوة و الملكة و ليس كذلك و الثاني بأنّه يلزم عليه أن لا يطلق الفقيه على أحد إذ لا يعرف جميع المسائل إلاّ اللَّه و الثالث بأنّه إنما يتمّ إرجاع المسائل المتجدّدة إلى المعروفة عند اتحاد موضوع المسألتين و أمّا عند اختلافهما فلا كما لو كان المعروف من مسائل النحو أنّ الفاعل مرفوع فلا يمكن إرجاع المفعول منصوب إليه إذ لا ربط بينهما فيلزم أن لا يكون من النحو و يمكن دفع الإيراد الثاني بالتسليم بأن يقال إنّ الفقه اسم للعلم بالجميع فلا أحد يعلم الفقه بل كلّ فقيه فهو عالم ببعض الفقه فيكون الفقه علم شخص للمسائل إذ لا جامع بين المسائل المختلفة حتى يكون اسم جنس أو علم جنس و لكن إذا تعقب بالعلم أو أطلق على إدراك المسائل كان المراد أعم من بعض‏

15

المسائل و كلها فلو علم بعض المسائل صدق عليه الفقيه بهذا المعنى كما لو علم الجميع و كيف كان فلهذا الإشكال وجه و أمّا قوله إنّ إرادة الملكة مستلزمة لسبك المجاز عن المجاز فنقول عليه إنّ سبك المجاز عن المجاز أقسام أحدها ما هو المعروف من أن يستعمل اللّفظ في معنى مجازيّ و منه في مجاز آخر بالنسبة إلى ذلك المعنى المجازي و الثاني أن يستعمل اللّفظ في معنى لمناسبته مع المعنى المجازي من دون أن يكون له مناسبة مع المعنى الحقيقي و لو بالواسطة و لا ريب في فساد هذين القسمين و الثالث أن يستعمل في معنى مناسب للمعنى المجازي بحيث يحصل المناسبة بينه و بين المعنى الحقيقي بواسطة تلك المناسبة كاستعمال الأسد في زيد لمناسبة مع الشجاع المناسب للأسد في الشجاعة و الرابع أن يستعمل في المجاز المناسب و يراد المجاز الغير المناسب بادّعاء أنّه من الأفراد المناسبة كاستعمال العلم في الظنّ الفعلي و إرادة الملكة منه بادّعاء أنّها من أقسام الظنّ الفعلي و يمكن ادعاء عدم الدّليل على فساد هذين القسمين بل الدّليل قائم على صحتهما أمّا الأوّل فلاستعمال الأسد في زيد في العرف شائعا و أمّا الثاني فلحكم المحققين بإرادة ملكة الظنّ من العلم و هو كاف في إثبات صحّة الاستعمال و لكن التحقيق فسادهما أيضا لتوقيفية الاستعمال و لم يثبت أمّا الأوّل فلأنّ استعمال الشجاع في زيد غير ثابت بل هو من قبيل إطلاق الكلي على الفرد و هو ليس بمجاز و أمّا الثاني فلمنع عدم مناسبة ملكة الظنّ للعلم بل المناسبة متحققة و هي المشابهة في السببية للإدراك فهو مستعمل فيها ابتداء و لا يلزم سبك المجاز عن المجاز حتى يكون باطلا و أمّا الاعتراض الثاني و قوله بإرادة القدر المعتد به فقد عرفت أنّه لا وجه له بل التحقيق أن يقال إن كان المراد بالأحكام الجميع و بالعلم العلم الفعلي لم يدخل أحد في الفقيه و لكن كل فقيه يعرف بعض الفقه و أمّا علم المتجزي على فرض إمكانه فإن كان حجّة صدق عليه العلم ببعض الفقه و إلا فلا و إن كان المراد بالأحكام البعض فإن أريد القدر المعتدّ به خرج غير العالم به مطلقا و دخل المتجزي العالم به و إن أريد البعض مطلقا دخل المتجزي و على التّقديرين إن كان حجة فلا ضرر و إلا خرج بما بينا الثالث أنّ الفقه كله ظنيات فتعريفه بالعلم بالأحكام فاسد و أجيب عنه بوجوه منها أنّ المراد هو الظنّ بعلاقة وجوب العمل و منها أنّ المراد الاعتقاد الراجح بعلاقة رجحان الحصول و يردّهما عدم وجود القرينة و منها أنّ المراد من العلم هو معناه الحقيقي و لكن المراد من الأحكام الأعمّ من الأحكام الواقعيّة و الظّاهرية و الحكم الظّاهري معلوم و اعترض عليه بأنّ الفقه هو العلم بخصوص الحكم الظّاهري لأنه الّذي يبنى عليه في مقام العمل و الفقه موضوعه عمل المكلّف فالتعميم للظاهريّ و الواقعي لا وجه له و فيه‏

16

نظر لأنّ الحكم الواقعي قد يكون معلوما فيتعلّق بالعمل و لا يسمّى حينئذ حكما ظاهريّا فالتعميم أولى و لكن فيه إشكالات أحدها أنّ الفقه ليس عبارة عن العلم بالحكم الظاهري لأنّ الفقه إنّما يبحث فيه عن ثبوت الأحكام الواقعية لموضوعاتها لأنّ الحكم الظاهري ليس قابلا للنّفي و الإثبات و النّزاع و الجدال فلا يكون البحث عن المسائل المختلف فيها بحثا عن الفقه و هو ظاهر البطلان لأنّ الفقه إمّا اسم للمسائل أو للعلم بها و الثاني أنّ العلم بالحكم الظّاهري ليس حاصلا من الأدلّة التفصيليّة بل إنما يحصل من دليل اعتبار تلك الأدلّة إذ المراد بالحكم الظّاهري هو هذا لا مثل الوجوب الثّابت بالاستصحاب و الطّهارة الثّابتة بالأصل فإنّه هنا داخل في الحكم الواقعي و إن أطلق عليه الحكم الظّاهري باصطلاح آخر و أجيب عنه بوجوه منها أنّ الظرف متعلق بالعلم باعتبار ما تضمّنه من معنى مطلق الاعتقاد فلا يجب أن يكون الجزم به أيضا حاصلا من تلك الأدلّة و لا ريب أنّ هذا بعيد جدّا و منها أن الظّرف متعلّق بالمستنبطة المقدّرة صفة للأحكام و يخرج علم الملائكة و الأنبياء بقيد الحيثيّة و منها أنّه متعلق بالعلم و الحكم مظنون فالمدرك مظنون و ظنية المدرك لا يستلزم ظنية الإدراك و فيه أنّه إن كان المراد عدم التنافي بين ظنيّة المدرك و قطعيّة الإدراك الّذي أدرك به ذلك المدرك فهو ظاهر البطلان و إن أريد إدراك آخر متعلق بذلك المدرك فهو ممكن لأنّ الحكم إذا صار مظنونا بسبب الأدلّة أدرك النفس ظنيتها قطعا فينحصر الأحكام المظنونة عند النّفس بسبب تلك الأدلّة و النفس عالم بمظنوناتها و لكن يلزم كون الفقه من قبيل التّصورات و هو فاسد فالأولى أن يقال إنّ الفقه هو العلم بالأحكام عن الأدلّة المعتبرة و العلم بالحكم الظّاهري أيضا حاصل من الأدلّة المعتبرة أمّا أصل الاعتقاد فمن ذات الدليل و أمّا الجزم فمن اعتبار ذلك الدليل لكن التحقيق ما عرفت أن الفقه عبارة عن الأحكام الواقعية لا الظاهريّة فالإيراد وارد إلاّ أن يراد من العلم مطلق الاعتقاد فيرد عليه ما سلف و الثالث أنه كيف يكون الواقعي مظنونا و طريقه قطعيّا كما قيل إنّ ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم و أجيب بأنّ الحكم الواقعي مظنون بمقتضى دليله و لكن مقتضى دليل حجيّة ذلك الدّليل أنّ ذلك المظنون يصير حكما شرعيّا فيكون مظنون الوجوب واجبا و مظنون الحرمة حراما و لا تنافي بين كون ذات العمل مظنون الوجوب و كونه واجبا من حيث إنّه مظنون الوجوب و قيل ليس مقتضى دليل حجية الأدلة إلاّ وجوب العمل بمقتضاها لا صيرورة مقتضاها حكما شرعيّا في الظاهر و تصوير الفرق بين القولين مشكل و محلّه مسألة التخطئة و التصويب و سيأتي إن شاء اللَّه هذا تمام الكلام في‏

17

بيان المضاف و المضاف إليه من أصول الفقه بقي معنى الإضافة و مقتضاها فنقول قيل إنّ الإضافة تفيد الاختصاص فإن كانت إضافة اسم المعنى أفادت الاختصاص في الوصف العنواني نحو هذا مملوك زيد فإنّه يفيد الاختصاص في الملك و إن كانت في الأعيان أفادت الاختصاص لكن لا يعلم جهة الاختصاص إذ ليس فيه الوصف العنواني و على هذا فمعنى أصول الفقه المباني المختصّة بالفقه و الاختصاص أعمّ من الاختصاص في التّدوين ليشتمل بعض مسائل الأصول الّذي يستنبط منه غير الفقه أيضا و لكن تمهيد إنّما هو لأجل الفقه فينحصر في المعنى العلمي و هو علم الأصول فظهر المناسبة بين المعنى العلمي و الإضافي فإنّ المراد بالأصول على ما سبق هو المعنى اللغوي لا الدليل و القاعدة لما سبق و فيه نظر إذ لا نسلم كون الإضافة مفيدة للاختصاص و إلاّ لزم إفادته في مثل اللَّه ربّي و محمّد نبيّي و نحو ذلك و أمّا في مثل هذا مملوك زيد فاستفادة الاختصاص إنّما هو من عدم قابلية كون المال الواحد تمامه ملكا لشخصين و تعميم الاختصاص يوجب شمول الأصول للرجال أيضا لأنّ تمهيده إنما هو لأجل الفقه و حينئذ فيشمل كلما يبتني عليه الفقه فيكون أعمّ من المعنى العلمي إلا أن يحمل الإضافة على العهد و لا دليل عليه‏ الأمر الرابع في بيان موضوع علم الأصول‏ فنقول قد استشكل في كون الأصول علما مستقلا حتّى يكون له موضوع و ذلك لاختلاف موضوعات مسائله لاختلافها فبعضها من علم العربيّة و بعضها من الحكمة و بعضها من غيرهما فليس بعلم مستقل بل هو عبارة عن مجموع مسائل متفرّقة من علوم متفرّقة مختلفة في الموضوع قد اجتمعت في الأصول فيتكلّمون فيها هنا لأنّ أكثر الطلبة لا يتقنونها في محلّها و لا يمكن إتقان الفقه بدون إتقانها و هذا هو مقتضى تعريفه بالعلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام فإنّه موجب لعدم كون الأصول علما مستقلا إذ لا موضوع له حينئذ و تمايز العلوم إنّما هو بتمايز الموضوعات و قيل إنّ موضوع الأصول هو أدلة الفقه يعني الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل بعد فرض حجيّتها و نوقش فيه بأنّه يبحث في العلم عن عوارض الموضوع بعد إحرازه فلا يمكن التكلّم في علم الأصول في حجيّة الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل مع أنّ أكثر الأصول هو التكلّم في ذلك و فيه أنّه إنما يتم بالنسبة إلى الكتاب و العقل و أمّا السنّة و الإجماع فلا لأنّهم إنما يتكلّمون في حجيّة الحديث و معنى حجيّته أنّه هل يثبت السنة أعني قول المعصوم بالحديث أو لا فيكون بحثا عن عوارض السّنّة و لا يتكلّمون عن حجيّة السّنّة و كذا الكلام في حجيّة الإجماع أنّه هل يثبت به رأي المعصوم أو لا و قيل إنّ الموضوع هو ذات تلك الأدلّة أو كلّ ما يصلح أن يكون دليلا في نظر العرف لا شرعا ليدخل القياس و البحث عن‏

18

دليليّتها أيضا داخل في البحث عن عوارض الموضوع و لكن يشكل الأمر في بعض مسائل الأصول كمسائل الاجتهاد و التقليد و مقدّمة الواجب و أمثال ذلك و يمكن إدخال الأوّل بأن يقال البحث عن حال الأدلّة إمّا يكون عن دلالتها و إمّا يكون عن دليليّتها و على الثاني إمّا أن يكون عن دليليّتها في نفسها و إمّا يكون عن دليليّتها على بعض الأشخاص دون بعض و لكن يخرج مسائل التّقليد و تكون مذكورة بالتّبع و الاستطراد و أمّا المسائل الآخر فيجب في إدراجها في الأصول و تميز موضوعاتها و أنها داخلة في العلم أو في المبادي اللغويّة أو الأحكامية من إمعان نظر و إعمال فكر لأنّ بعضها مما لا يمكن إدراجها في الأصول إلاّ بتكلّف و بعضها مما وقع الخلاف فيها كمسألة اجتماع الأمر و النهي حيث قيل بدخولها في المسائل الكلاميّة و قيل غير ذلك و ليس هنا مقام تحقيق ذلك و سيأتي إن شاء اللَّه تعالى فلنقتصر على ما ذكرنا فإن فيه كفاية

أصل في علائم الوضع‏

قد تداول بين الأصوليّين ذكر جملة مما يثبت به الحقيقة و المجاز في كتبهم و يتكلّمون على كيفيّة ثبوتها بها كنقل أئمة اللّغة و الاستقراء إذ لا فرق بين الوضع الهيئتي الثابت بالاستقراء و المادي الثابت بغيره و كالتبادر و صحّة السّلب و الاطراد و غيرها حتى أنّ بعضهم استدل في إثبات أنّ للعام صيغة تخصه بالعقل و إنّ مقتضى الحكمة في الوضع أن يوضع للعام أيضا لفظ لكونه من المعاني المحتاج إليها في المخاطبات و اقتصر الأغلب على بيان كيفية دلالتها على الحقيقيّة و المجازيّة و لم يتعرضوا لوجه حجيّة المذكورات على فرض الدلالة إلاّ القليل مع أنّه أهم فلنقدّم الكلام فيه فنقول اختلفوا في أنّ وجه حجيّة الأمور المذكورة هل هو أمر واحد هو المدار في الحجيّة إن وجد كان حجّة و إلاّ فلا أو إن كلاّ منها أمر مستقلّ ثبت حجيّته بالخصوص ذهب إلى كل فريق و الأوّلون اختلفوا في أنّ المدار في الحجيّة هو حصول العلم بالوضع لانفتاح باب العلم في اللّغة و تلك المذكورات أسباب لحصوله أو لا بل المدار هو الظن و المذكورات أسباب له ذهب إلى كل جماعة و القائلون بأنّ المدار على الظنّ اختلف كلماتهم في بيان وجه حجيّته في اللّغة فتارة استدلوا بتقرير المعصومين أصحابهم على العمل بالظنون في مقام تميز الحقيقة و المجاز بل أمروهم بتدوين علم اللّغة كما قرروهم على العمل بالظواهر في تعيين المراد في مقام المخاطبة بل ادعى بعضهم الإجماع على حجيّة الظنّ في اللغات و تارة استدلوا بانسداد باب العلم في الأحكام الشرعيّة و استلزام الاحتياط للعسر و الحرج و البراءة للخروج عن الدّين فيثبت حجيّة الظن بالحكم الشرعي و لازمه حجية كلّ ظنّ استلزم الظّن بالحكم الشرعي كالظن في اللغات بقول‏

19

اللّغويّين و في الرّجال بقول أصحاب الرّجال فإنّ قول اللّغويّ الصّعيد هو التّراب مثلا يحصل منه الظّنّ بأنّه معناه و يستلزم ذلك الظّنّ بأنّ الواجب في التّيمّم هو التّراب و هو حجّة فيكون ما يستلزمه أيضا حجّة و حينئذ لا نحتاج إلى القول بانسداد باب العلم في اللّغات بل يثبت حجّيّة الظّنّ فيها بالدليل المذكور و إن كان باب العلم فيها مفتوحا و تارة استدلّ بانسداد باب العلم في نفس اللّغات بتقرير أنّ الواجب علينا هو العمل بما في الكتاب و السّنة و هما من الألفاظ الّتي نحتاج إلى فهم معانيها و كذا جميع مباحث اللّغات محتاج إليها و باب العلم في ذلك منسد فإمّا نقول بالاحتياط أو البراءة أو العمل بالظّنّ و الأوّلان باطلان بما مر و الثّالث هو المطلوب و على هذا نحتاج إلى إبطال القول بالانفتاح في اللّغة و إبطال القول بحجّيّة المذكورات بخصوصها إذا الظّنّ المطلق لا يصير حجّة إلاّ بعد عدم التّمكن من الدّليل المعتبر علما أو بالظّنّ المعتبر الخاصّ و يظهر الثّمرة بين الاستدلالين الأخيرين في حجّيّة الظّنّ في الموضوعات كما لو أقرّ بالصّعيد أو نذر أو أوصى فعلى الأوّل لا يمكن العمل في تعيين معنى الصّعيد بالظّنّ الّذي كان معتبرا في باب التّيمّم إذ لا يستلزم هنا الظّنّ بالحكم الشّرعي الكلّي الّذي هو المناط في الحجّيّة و على الثّاني أعني إجراء دليل الانسداد في نفس اللغات لا يتفاوت الأمر بين الأحكام و الموضوعات و نظير ذلك الظّنّ الحاصل بعدالة الرّاوي بتعديل واحد من أهل الرجال فإنّه حجّة في قبول روايته أمّا في صحّة الاقتداء به في الصّلاة فإن أجرينا الانسداد في الأحكام فلا يكون ذلك الظّنّ حجّة بل يحتاج إلى المعاشرة و إن أجريناه في نفس علم الرجال فيكون حجّة في صحة الاقتداء أيضا و أمّا القائلون بحجّيّة المذكورات بخصوصها فلم يتعرضوا لذلك إلاّ في أمور أحدها نقل اللّغويّين فتمسكوا في حجّيّته بالإجماع على العمل به و تقرير المعصومين و أمرهم أصحابهم بتدوين اللّغات مع تدوين غالب اللّغات في زمانهم و إلاّ لم يكن فائدة في ضبط اللّغات و تدوينها و حينئذ فحجّيّته هل هو بقيد شرعي لا يعتبر في النّاقل ما يحصل منه الظّنّ نوعا ككونه صدوقا ضابطا أو لا بل يعتبر ذلك أو يلزم الظّنّ فعلا أمّا الأوّل فباطل جدّا إذ ما ادّعي من الإجماع و السيرة قائم على خلافه فإن بناءهم على عدم الاعتماد على نقل الكذوب أو كثير السّهو و هو ظاهر و كذا الثّالث إذ ليس بناؤهم على التّوقف في العمل على حصول الظّنّ فعلا حتّى أنّه لو زال الظّنّ بسبب معارضة القياس مثلا لم يتركوا العمل بالنّقل و لو كان الظّنّ معتبرا فعلا وجب تركه مثبت حجّيّة من باب إفادة الظّنّ نوعا و لا يعتبر في النّاقل إلاّ الصّفات الّتي تصير سببا لحصول الرّجحان نوعا و الثّاني في أصالة العدم و هي عبارة عن أصالة عدم الوضع و أصالة عدم القرينة و بالأوّل يثبت المجاز

20

و بالثّاني الحقيقة فإنّه إذا شك في أنّ تبادر ذلك المعنى من اللّفظ هل كان مستندا إلى القرينة أو لا فينفيها بالأصل فيثبت أنّ التّبادر وضعي لا إطلاقي و يرجع إلى أصالة عدم الوضع أصالة عدم النقل و أصالة عدم الاشتراك و أصالة تأخّر الوضع إذا الأوّل معناه أصالة عدم الوضع للمعنى الجديد و هجر المعنى الأوّل و الثّاني معناه أصالة عدم الوضع لهذا المعنى المشكوك و الثّالث معناه أصالة عدم الوضع في الزّمان السّابق على الزّمان الّذي علم تحقق الوضع فيه و الكلام في حجّيّة المذكورات أيضا على النحو السابق هل هي تعبدي أو من باب الظّنّ النوعي فلا يضر مخالفة القياس بحيث يرتفع الظّنّ فعلا من المذكورات أو من باب الظّنّ الشخصي فيضر ذلك و الأوّل باطل كالسّابق إذا التّعبّد المدعى هنا إمّا عقلي أو شرعي و الأوّل ظاهر البطلان إذا العقل ناظر إلى الواقع فمتى لم يحصل الثّبوت الوضع الواقعي رجحان في نظره لا معنى لأن يحكم به لاستحالة التّرجيح بلا مرجّح و كذا الثّاني إذ ما يستدلّ به في المقام هو أدلّة حجّيّة الاستصحاب فنقول أمّا أولا فقد قيل بعدم شموله للمباحث اللّغويّة و هو محل تأمّل و أمّا ثانيا فنقول إجراء الاستصحاب في المقام باطل لكونه أصلا مثبتا و هو عبارة عما إذا ترتّب على إثبات شي‏ء بالاستصحاب لوازمه العادية أو العقليّة و بواسطة ذلك يثبت الحكم الشرعي مثلا إذا شك في اشتراك لفظ واقع في الكتاب فبأصالة عدم الاشتراك يثبت اتحاد الموضوع له و به يثبت أنّه مراد في الكتاب فكونه مرادا ليس من لوازم عدم الاشتراك لأنّ عدم الاشتراك يجتمع مع كون اللّفظ مهملا بل هو من لوازم اتّحاد المعنى و هو من لوازم عدم الاشتراك في خصوص المقام و الأخبار الدالة على حجّيّة الاستصحاب لا يشمل هذا لظهورها في حجّيّة الاستصحاب بالنسبة إلى إثبات الأحكام الشرعية للمستصحب بلا واسطة لا الأحكام العادية و لا الشرعيّة بالواسطة فالحجّيّة من حيث التّعبّد لا دليل عليه و كذا من حيث الظّنّ الفعلي إذ هو مخالف لطريق العرف لعدم توقّفهم على حصول الظّنّ منها بل طريقتهم الاعتماد عليها من حيث الرجحان النوعي حتى لو ارتفع الظّنّ بها فعلا لم يتركوا العمل بها بل ذلك هو سيرة العقلاء إذ لم يتوقف أحد في حمل كلام المتقدمين على المعنى الثّابت و ليس ذلك إلاّ لأصالة عدم النقل و لم يتوقفوا على حصول الظّنّ فعلا مضافا إلى تقرير المعصومين إذ ليس ذلك مختصا بزمان دون زمان بل هو جار من لدن آدم إلى زماننا هذا لم ينكره أحد مضافا إلى دعوى الإجماع عليه من غير واحد فثبت أنّ ذلك أيضا من باب الظّنّ النّوعي و الثّالث الاستقراء فقد ادّعوا الإجماع على حجّيّته بخصوصه بل قالوا

21

برجوع الأصول العدمية إليه و هو أيضا حجّة من باب الظّنّ النّوعي هذا حاصل ما ذكره القائلون بحجّيّة المذكورات بخصوصها و أمّا القائل بانفتاح باب العلم في اللّغات فله مسلك آخر و هو أنّ حجّيّته بعض ما ادّعوه من الظنون الخاصة مسلم لا كلّيّة و المسلم من حجّيّة نقل اللّغويّين هو النقل الّذي كان مشتملا على شرائط الشهادة من العدد و العدالة و الإجماع فيما عدا ذلك ممنوع و ما يوقع في الوهم هو أنهم كانوا يقولون على مطلق النّقل في حل اللّغات الواردة في الأشعار و الخطب دون ما يتعلّق بالأحكام الشرعية و لا ريب في اعتبار الظّنّ المطلق في أمثال ذلك لأنّ المدار في أمثاله يكون على المسامحة و لا يثمر في المقام و أمّا الأصول العدمية فحجّيّتها بخصوصها مما لا يمكن إنكاره لكنّه لا يثمر غالبا إذ لا يثبت بها وضع لشي‏ء معين بل ينفى بها الوضع الجديد إمّا مطلقا كأصالة عدم النقل و الاشتراك أو في زمان خاص كأصالة التّأخّر و أصالة عدم القرينة فرع التّبادر بل الحق أنّ المدار في اللّغات على العلم إذا اللّغة إمّا مادة أو هيئة و العلم بالأوّل قد يحصل بنقل أهل اللّغة و إرسالهم المسلم فإذا شاهدناهم يذكرون للّفظ معنى بطريق التّسليم من دون نقل المخالف يحصل العلم بذلك خصوصا إذا تعدد الناقل و قد يحصل بالرّجوع إلى لسان أهل العرف و ما يفهمونه بلا قرينة و هو أيضا يفيد العلم و إذا شكّ في استناد فهمهم إلى القرينة دفع بأصالة العدم الّتي ثبت حجّيّتها بخصوصها و إن احتاج إلى إثباته بالنّسبة إلى الزمان السّابق تمسّك بأصالة عدم النقل و هو أيضا كذلك و الثّاني يعلم بالاستقراء القطعي و هو كثير و بالجملة المداد في اللغة غالبا على العلم و إن لم يتم بنفسه فبضميمة الظنون الخاصة و إذا لم يكون فالاحتياط أو البراءة لعدم استلزامهما العسر و الخروج من الدين لأنّ المورد المحتاج إليها أقلّ قليل و إن لم يمكن إجراؤهما في مورد فحينئذ يعمل بالظنّ المطلوب كما لو اشتبه معنى الكلالة مثلا و تردد بين شخصين و لم يمكن تعيينه بالعلم و الظّنون بخاصة فحينئذ يعمل بالظّنّ المطلوب إذ لا يمكن الاحتياط بإعطائهما معا المال الموروث و لا البراءة بمنعهما عنه و الحاصل عدم حجّيّة الظّنّ المطلوب في اللّغة إلاّ في أمثال هذه الموارد هذا و الحق حجّيّة الظّنّ المطلوب في اللّغات و بطلان القولين الآخرين أمّا القول الأوّل فنقول الاستدلال بالإجماع المذكور فيه غير تمام إذ الإجماع إنّما هو على العمل بالمذكورات و وجه العمل غير معلوم فلعلّه لحجّيّة الظّنّ المطلوب و لا تسلم أنّهم كانوا يعملون بالمذكورات و إن لم تفد الظّنّ فعلا و يؤيد ذلك أنّ بعض القائلين بحجّيّة نقل النقلة قد صرح في موضع آخر بتحقق الإجماع على حجّيّة الظّنّ في اللّغة أو حجّيّة الظّنّ المطلوب فيها و الأوّل أيضا ظاهر في الظّنّ المطلوب لورود الحجّيّة على طبيعة الظّنّ فيه مع أنّ نقل النقلة إذا كان ظنّا خاصّا فإما يكون من باب النبإ أو الشهادة و ليس كذلك لابتنائهما على العلم و الحسّ‏

22

و نقل النقلة ليس مبنيا عليهما بل هو مبنيّ على اجتهاداتهم الظنّيّة و اجتهاد شخص لا يكون حجّة على آخر إلاّ إذا أفاد له الظّنّ و حجّيّته حينئذ من باب الظّنّ المطلوب و يؤيده أنهم أوردوا على الاستدلال لحجّيّة مفهوم الوصف بفهم أبي عبيدة من قوله (عليه السلام) ليّ الواجد يحل عقوبته أنّ ليّ غير الواحد لا يحل عقوبته بأنّه كان عن اجتهاد و هو لا يكون حجّة و نظيره ما ذكروه من أنّ حجّيّة تعديل أرباب الرجال للرّاوي ليست لكونه من باب النبإ و الشهادة بل هي لكونه مفيدا للظنّ المطلق لأنّه مبنيّ على اجتهاداتهم لا على العلم و الحس فإن قلت إنّ عملهم على نقل النقلة كاشف عن أنّ نقلهم مبني على النقل القطعي من الواضع لا على الاجتهاد قلت إنّ هذا أمر وجداني يظهر لمن شاهد الاستدلالات المذكورات في تلك الكتب حيث يستدلّون بالوجوه الضّعيفة الّتي قد لا يحصل منها الظّنّ المطلق فضلا عن كونها مفيدة للعلم و من العيان أنّ كل مصنّفي اللّغة لم يكن تصنيفهم و نقلهم مبنيا على الاستقراء القطعي بل كل منهم يعتمد على ما يفيد له الظّنّ و حينئذ فليجعل ذلك دليلا على أنّ وجه الإجماع على العمل بالمذكورات هو حجّيّة الظّنّ مطلقا و أمّا التّقرير فلعلّه أيضا لحجّيّة الظّنّ مطلقا بل لا يمكن أنّ يستدلّ به على الظّنّ النوعي إذا التّقرير إنّما هو لاحق لعمل العامة بالمذكورات فلا بد أن يكون عملهم بها مستندا إلى حكم العقل و هو لا يتعبّد بالشك و الوهم و الظّنّ النّوعي إن لم يكن فعليا فهو عين الشكّ و الوهم فظهر أنّ التّقرير إنّما هو على العمل بها من باب الظّنّ الفعلي و هو عين القول بالظنّ المطلق إذ القائل بالظنّ الخاص قائل بكفاية الظّنّ النوعي و هو غير ما قرره الإمام (عليه السلام) و أمّا الثّاني فيما ذكرنا ظهر ما فيه بالنسبة إلى جعله الأصول حجّة بخصوصها و جعله نقل النقلة كذلك عند وجود شرائط الشهادة و أمّا ادعاؤه انفتاح باب العلم ففيه أنّ إرسال المسلم في كتبهم ليس كاشفا عن الاتّفاق حتى يحصل منه القطع بل ذلك لعدم عثورهم على المخالف مع أنّ ذكرهم معنى اللّفظ ليس بطريق النقل عن الواضع بل كل منهم يعتمد على ما حصل له الظّنّ به و ربما كان اعتمادهم على الوجوه الّتي قد لا تفيد الظّنّ كما لا يخفى على من لاحظ استدلالهم على دلالة الأمر على الوجوب و غير ذلك من المباحث اللغوية و لو سلّم حصول القطع للنّقلة فلا يكون موجبا لحصول القطع لنا لأنّ قطعهم على فرض تسليمه مبنيّ على حدسهم و اجتهادهم إذ لا ينقلون ذلك معنعنا عن الواضع و حدس شخص ليس مورّثا لحصول القطع للآخر و لهذا شرطوا في التّواتر أن يكون المخبر به محسوسا ليسلم من احتمال الخطإ لكثرة الخطإ في الحدسيات و يؤيده ما أوردوه على الأخباريين في استدلالهم لقطعية الأخبار بشهادة المحمّدين الثلاثة بصحّة ما في كتبهم و معنى الصّحّة قطعيّة الصدور مضافا إلى ما كان دأب القدماء من النّقد و الانتخاب في الأخبار و تمييز الأخبار الموضوعة عن غيرها فإذا

23

لوحظ هذه الأمور مع قرائن أخرى أيضا حصل القطع بصحّة ما في الكتب الأربعة من أنّ حكمهم بالصّحة لا يدل على القطعية لاحتمال أن يكون الاعتماد عليه لحجّيّة الظّنّ المطلوب عندهم مع أنّه لو سلم حصول القطع بالصحة لهم فلا يحصل لنا إذ كان ذلك مبنيّا على حدسهم و اجتهادهم في تنقيح الأخبار و حدس المجتهد ليس سببا لحصول القطع الآخر إذ الخطاء في الحدسيّات كثير بل ربما يدعي واحد منهم الاجتماع في مورد و الآخر الإجماع على خلافه و ذلك ليس إلاّ لاختلاف الحدسيّات أو جواز تطرّق الخطاء إليها و أمّا الرجوع إلى العرف فنقول إنّه لا يفيد العلم إذ لا أقلّ من احتمال أنّ فهمهم مبنيّ على قرائن حالية أو مقالية و القطع بعدمها مما يتعسّر أو يتعذّر و كيف يدعي ذلك مع ما نرى أنّ الألفاظ المتداولة كالأمر و النهي و نحوهما قد صار محل الاختلاف العظيم فإذا لم يحصل العلم من العرف بهذه الألفاظ المتداولة فكيف يحصل بغيرها و إتمامه بضميمة أصالة عدم القرينة لا يثبت المطلوب و هو حجّيّة الظّنّ الخاص لما عرفت أنّ حجّيّة الأصول ليست إلاّ من باب الظّنّ المطلوب و هكذا إتمامه بالنسبة إلى الزّمان السّابق بضميمة أصالة عدم النقل إذ هي أيضا من باب الظّنّ المطلوب على ما عرفت مضافا إلى تحقق العلم الإجمالي بثبوت النقل في الألفاظ الثّابتة في الزّمان السّابق فيرتفع أصالة عدم النقل بثبوت العلم الإجمالي كما أنّ بالعلم بثبوت التّكاليف الشرعيّة انقطع أصالة البراءة و ترجيح أنّ هذا اللّفظ ليس من ألفاظ المنقولة دون ذلك اللّفظ إنّما يصير بالظنّ المطلق فثبت حجّيّة الظّنّ المطلق في اللّغات بالأدلّة المذكورة سابقا من تقرير المعصوم أو من باب الاستلزام أو لإجراء دليل الانسداد في نفس اللّغات إمّا بأن يقال إنّ باب العلم في أغلبها منسدّة أو أنها منسدّة في جملة منها لسريان الاحتياج إليها في غالب موارد الفقه كلفظ الصعيد مثلا للاحتياج إليه في أبواب الصّلاة و الأقارير و الوصايا و العهود و أمثال ذلك يستلزم إجراء أصل البراءة فيها للخروج عن الدين بسبب المخالفة القطعيّة و الاحتياط للعسر و الحرج هذا و يشكل الأمر في بعض الظنون الّتي اتّفقوا على عدم حجّيّتها في اللّغات كالقياس إذ لم يجوّزه هنا من جوّزه في الأحكام و كالظّنون اللّمّيّة كالّذي استدلّوا به في تعارض الأحوال على ترجيح الاشتراك على المجاز من أكثريّة الفائدة استدلّوا على العكس بالأوسعيّة و أمثال ذلك فإنّهم ذكروا الاتّفاق على عدم حجّيّتها أيضا فكيف يجتمع ذلك مع القول بحجّيّة الظّنّ مطلقا و يمكن الجواب بوجهين أحدهما أنهم لمّا اتّفقوا على توقيفيّة اللّغة و يلزمه عدم جواز إثباتها بالعقل و إلاّ لم تكن توقيفيّة وجب إجراء دليل الانسداد على الظّنون بحيث لا ينافي التّوقيفيّة بأن يكون مقتضاه حجّيّة الظّنون الإنّيّة دون اللّمّيّة و دون القياس ليجتمع مع الإجماع على التّوقيفيّة و هذا الوجه ضعيف و الثّاني‏

24

أنّ نتيجة دليل الانسداد مهملة و هي حجّيّة الظّنّ إمّا جميع الظّنون أو البعض فهو من الخارج إذ من مقدّماته استلزام الاحتياط في جميع الموارد العسر و الحرج و البراءة الخروج من الدّين فلا بد من حجّيّة جملة من الظّنون لئلاّ يلزم المحذوران فإن ثبت هناك ظنون راجحة الاعتبار بحيث يكتفى بها في أغلب الموارد و يخرج به عن المحذورين فلا مانع من عدم حجّيّة سائر الظّنون حينئذ و إلاّ وجب الحكم بحجّيّة الجميع لئلا يلزم التّرجيح بلا مرجّح و حينئذ نقول إنّ لنا ظنونا راجحة ذاتا و اعتبارا في أغلب الموارد و هو ما سوى ما علم أو ظنّ عدم اعتباره و بذلك نخرج عن المحذورين و القياس و الظّنون اللّمّيّة من الظّنون المقطوعة بعدم الاعتبار للإجماع المذكور فلا يضر عدم حجّيّتها بحجّيّة دليل الانسداد أقول الجواب الثّاني أصحّ إلاّ أنّ عدم حجّيّة الظّنون اللّمّيّة كلّيّة ممنوع فإنّا نراهم يستدلّون بدليل الحكمة على إثبات وضع صيغة للعموم و باستقراء أرباب الحرف و الصّناعات الخاصة على ثبوت الحقيقة الشّرعيّة فالأولى القول بالتفصيل و أنّ العلة المستفادة قد تكون من الأمور الّتي نعلم أنها معتبرة عند الواضع كالاحتياج إلى الإفادة و الاستفادة في الموردين المذكورين فإنّ كون العام من المعاني المحتاج إليها علة لأن يوضع له لفظ و الاحتياج معتبرة عند الواضع فهو لا يقصر عن سائر الظّنون ذاتا و اعتبارا حتى يرجح البواقي عليه بخلاف تكثّر الفائدة في ترجيح الاشتراك على المجاز و هو إذ لا نعلم اعتبار ذلك عند الواضع كما لا يمكن الحكم بمحض وجود مناسبة ذاتيّة بين اللفظ و المعنى بأنّه موضوع لذلك المعنى لعدم العلم بأنها معتبرة عند الواضع و بذلك علم وهن ما قيل في جواب القائلين بأنّ دلالة الألفاظ ذاتيّة من أنّها لو كانت بالمناسبات الذاتية لما فهم المعنى بدون العلم بالمناسبات بل فهم المعنى للجاهل بها إنّما هو بالوضع نعم لو علم أحد بالمناسبة الذّاتيّة لم يحتج إلى العلم بالوضع بل نفس المناسبة حينئذ كاشفة عن الوضع بيان بطلانه أن كشف المناسبة عن الوضع مبنيّ على العلم بأنّ الواضع اعتبر المناسبات الذاتيّة و هو ممنوع إذ لا يمكن العلم بذلك فلعل المرجح له في الوضع لهذا المعنى دون غيره أمر آخر غير المناسبات الذاتيّة ثم اعلم أنّه لا يجوز العمل بالظّنون الحاصلة قبل الفحص و الاجتهاد للاتّفاق على عدم حجّيّتها قبله و لذا ذكروا أنّ نقل النقلة ليس بحجّيّة إذا علم مستندهم بل يجب الاجتهاد في المستند إذ قبله يصير تقليدا إذ ليس النقل حينئذ مستندا لنا بل إنّما يكون النقل مستندا لنا إذا لم نعلم مستنده و بهذا اعتذر بعضهم عن تدوين الهيئات اللّغويّة في علم الأصول كالمشتق و الأمر و النهي و العام و الخاص و أمثال ذلك دون موادها لإمكان الاجتهاد في الأوّل بالرجوع‏

25

إلى العرف المترادف له لاتّحاد المترادفات الهيويّة معنى بالنّسبة إلى اللغات فإن صيغة افعل لو كان للوجوب لكان مترادفاتها من سائر اللغات أيضا كذلك فإذا علم دلالة مترادفة مثلا على الوجوب ثبت دلالته أيضا بخلاف المواد لعدم العلم بالمستند و عدم إمكان الاجتهاد بالرّجوع إلى المرادف إذ لا يعلم التّرادف إلاّ بعد العلم بمعناه المادّي و بعده لا نحتاج إلى ملاحظة الترادف و فيه نظر سيأتي في نقل النّقلة فافهم هذا الكلام في الحجّيّة بقي الكلام في بيان كشفها عن الوضع و هو موقوف على التفصيل فنقول إن منها نقل النّقلة و المتواتر منه و كذا الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعيّة و أمّا الآحاد المفيدة للظنّ فكشفها ظنّي و على أيّ تقدير فهو حجة على ما عرفت و خالف في ذلك بعضهم فقال إنّ المتواتر منه غير موجود و كذا الآحاد المحفوفة بالقرائن القطعية و الآحاد الغير المحفوفة لا تفيد الظنّ و استدلّ على الأوّل بوجوه منها عدم تحقّق عدد التواتر في المدوّنين للّغة من الصدر الأول بل نقل إنّ المدوّنين لا يزيدون عن ستة أو سبعة و منها عدم تحقق الشروط المعتبرة في التواتر في جميع الطبقات و هي أن يكون عدد كلّ منها عدد التواتر و ينقل كلّ واحد من أهل الطبقة اللاحقة عن كلّ واحد من أهل الطبقة السّابقة و ليس فيما نحن فيه كذلك و هو ظاهر فلم يوجد فيها التواتر و إلا لم يقع الاختلاف فكيف بالألفاظ الغير المتداولة و على الثالث بوجود الاختلالات العظيمة الواقعة في الناقلين كعمل بعضهم بالقياس فيها كالمازني حيث قال المقيس على لغة العرب لغة العرب و ارتجال ناقلي أشعار العرب الألفاظ الموضوعة و نسبتها إليهم على ما نقل من أن الشعراء الّذين يستشهد بأشعارهم قد انقرضوا في زمان النّبيّ لكثرة القتال الواقع في زمانه (صلى اللَّه عليه و آله) و الحافظون لأشعارهم قد كانوا ينسبون الألفاظ المجعولة إليهم لأغراض دعتهم إلى ذلك و لذا قيل إن المنقول من لغة العرب أقل قليل و كذا وضع بعض النّاقلين للّغات كالأصمعي فإنه كان جعالا بوضع اللغة و كذا حكاية تصديق العرب الكسائي في المسألة الزّنبوريّة حيث أوشوا على ذلك على ما قيل و يؤيّده ما نقل عن ابن جني أنّه وضع في كتاب الخصائص بابا في تخطئة بعض الأكابر لبعض و بابا في غرائب اللغة و كتاب العين المنسوب إلى الخليل مشتمل على الأغاليط و لذا قيل إنّه ليس من الخليل و غير ذلك من وجوه الاختلالات التي بها يخرج النقل عن إفادة الظنّ نوعا فضلا عن إفادته فعلا و في الجميع نظر أمّا الأول فلأن كلا من الوجهين الأوّلين في منعه مبني على اشتراط النقل المعنعن في حصول العلم و هو ممنوع إذ قد يحصل العلم بسبب التسامع و التظافر و إرسال المسلم بين ناقلي اللغة

26

بأن ذلك واصل إليهم من الواضع لكشفه عن تسالم الطبقة الثانية لبعد تسالم الأولى و اختلاف الثانية و هكذا إلى أن يصل إلى الواضع و هذا يفيد العلم و إن لم يكن تواتر اصطلاحيّا بل قد يحصل العلم من تعدّد الطريق و إن لم يكن على شرائط التّواتر و الوجه الثالث أيضا باطل إذا الاختلاف لا يضر بالتّواتر إذ لعلّ المخالف كان مسبوقا بشبهة و قد اشترط في حصول العلم بالتواتر أن لا يكون السامع مسبوقا بشبهة و كيف يضرّ ذلك و قد وقع الاختلاف في الضروريّات كوجود الصانع و احتياج الممكن إلى المؤثّر و هو لا يضرّ بكون المسألة ضروريّة نعم يمكن منع التواتر بأن يقال إنّ ضبطهم اللغة ليس مبنيّا على النقل بل هو لاجتهادهم فيها و كلّ منهم عامل برأيه و حجيّة قولهم إنما هو لكونهم نظير أهل الخبرة كالمقوم و الصيرفي لا لكونه نبأ أو شهادة حتّى يرد عليه أنه ليس مبنيّا على أمر محسوس (و أمّا الثّالث) فنقول هذه الاختلالات لا يضرّ بحصول الظنّ من خبر من نثق بضبطه و تدقيقه في تميز اللغات و نقدها و انتخابها كالفيروزآبادي و الجوهري و أمثالهما مع أن ما ذكر من الاختلالات يوجب ارتفاع الظنّ فيما إذا اختلف النقلة أمّا إذا اتّفقوا في مورد فلا مجال لإنكار حصول الظنّ بقولهم و بالجملة هذه من الوضوح بحيث يستغني عن البيان إنّما الشأن في تميز الحقيقة و المجاز بالرّجوع إلى نقل النّقلة فنقول لا إشكال فيما إذا صرحوا بكونه حقيقة أو مجازا أو ذكروا ما يشعر بذلك و لو ظنا كان يقال إنّه يفيد كذا أو اسم لكذا في بيان الحقيقة و قد يستعمل في كذا و قد يفيد كذا و نحو ذلك في بيان المجاز و ذكر معنى واحد للفظ ظاهر في الحقيقية لبعد عدم عثورهم على الحقيقة و نقلهم المجاز و كذا عدم وجود حقيقة له أو كونها مهجورة

و أمّا إذا اشتبه الأمر و لم يتميز فهل الأصل الحمل على إرادة ذكر الحقيقة أو المجاز أو يتوقف وجوه‏

و استدلّ على الأوّل بوجهين الأوّل أن المجاز مبنيّ على العلائق المنضبطة و القواعد الكلية فلا حاجة فيه إلى نقل الجزئيات فيعلم أن مقصودهم نقل الحقائق لأن الوضع الحقيقي توقيفي يتوقف على نقل الجزئيّات و الثّاني أن الغرض الأقصى من تدوين اللغة هو فهم الكتاب و السنّة و اللفظ المذكورة فيهما إن كان مقترنا بقرينة حمل على المجاز و لا حاجة إلى بيان اللّغوي و إلا فيحمل على الحقيقة و لا بد من تعيينها بالرّجوع إلى نقل اللغويّين فيعلم أن غرضهم نقل الحقائق ليكون مثمرا في فهم الكتاب و السنّة و فيه أمّا أولا فبأن هذا يستلزم كثرة الاشتراك إذ قلما يذكرون للّفظ معنى أو معنيين فقط إلا يقال إنّ الكلام إنّما هو في موارد الاشتباه و هو قليل فلا يوجب حملها على الحقيقة كثرة الاشتراك لأنا نقول الموارد المعلومة إمّا حقائق أو مجازات فعلى الأوّل يلزم المحذور لو حمل موارد الاشتباه أيضا على الحقيقة و على الثّاني يجب حمل الموارد المشتبهة على المجاز حملا للمشكوك على الأعمّ الأغلب و أمّا ثانيا فالوجهان‏

27

اللّذان استدل بهما ليسا على وجههما إمّا الأوّل فلوجود الفوائد العظيمة في نقل موارد الاستعمالات و لا أقل من حصول العلم بالتواريخ و القصص الواقعة في الزمان الماضي و أمّا الثّاني فلأنه قد يكون المذكور فيهما قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي للفظ دون المعيّنة لشياع اللّفظ في معنى مجازي في ذلك الزّمان فلا بدّ من حصول العلم بمحازات زمان الشارع و معرفة الشّائع منها في ذلك الزّمان حتّى نحمل اللّفظ عليه و نحو ذلك من الفوائد فالأولى في مقام الاشتباه التوقف ثمّ إنه إذا اتّفق أهل اللّغة في النّقل فلا إشكال و إن اختلفوا فيجب الجمع مهما أمكن و الاختلاف المذكور يتصوّر بوجوه منها أن يكون المعنيان المنقولان للفظ متباينين كأن ينقل أحدهم أن العين هو الذهب و الآخر أنه الميزان مثلا و منها أن يكون أحدهما أقل و الآخر أكثر أمّا استقلاليّا كأن ينقل أحدهم أن العين هو الذّهب و الآخر أنّه الذّهب و الميزان أو ارتباطيّا كنقل أحدهم أن اليد هو الكفّ و الآخر أنّها مجموع العضو من رءوس الأصابع إلى المنكب و منها أن يكون بينهما عموم مطلق كنقل واحد أن الصّعيد وجه الأرض و الآخر أنه التراب أو عموم من وجه كنقل واحد أن الغناء هو الصوت المطرب و الآخر أنّه الصوت مع الترجيع و قد ذكروا في وجه الجمع القول بالاشتراك في المتباينين أخذا بما أثبته كلّ منهما و طرحا لما نفاه فإن كلاّ منهما يثبت ما ادعاه و ينفي الآخر و تقديم المثبت على النّافي قاعدة مسلمة و بهذا أيضا قد جمع في الوجه الأخير بحمل الخاصّ على العام إذ ناقل العموم لا ينفي الخاصّ و ناقل الخاصّ ينفي العام فمقتضى طرح النفي الحمل على العام و مقتضاه في العامين مطلقا الأخذ بالعام و في العامين من وجه الأخذ بالقدر المشترك و هو في المثال المذكور و الصوت الأعمّ من المطرب و ما فيه ترجيع و لازمه صدق الغناء على ما وجد فيه أحدهما و قيل في وجه الجمع هنا بحمل المطلق على المقيّد إمّا لأنّه قاعدة اجتماعهما أو لأنّه القدر المتيقّن و مقتضاه في العام المطلق الحمل على الخاصّ و في العامين من وجه الجمع بين الخصوصيين ففي المثال المذكور نحكم بأنّ الموضوع له للغناء هو الصوت المطرب المشتمل على الترجيع و يعلم بالمقايسة أن حكم الأقل و الأكثر الاستقلالي حكم المتباينين و الارتباطي حكم العامين من وجه فأمّا القول بالاشتراك أو الأخذ بالكلّ أو الجزء و تحقيق الحقّ في المقام يحتاج إلى بيان أمور الأوّل الحقّ أنّه لا تعارض بين قولي النقلة عند الاختلاف إذ غاية ما يتصوّر في توجيه التعارض أن يقال إنّ الظاهر من حال اللغوي حيث إنّه في مقام استيفاء موارد الاستعمال أنه حاكم بعدم ثبوت غير ما أثبته فكل من الناقلين يثبت ما يدعيه و ينفي الآخر فبينهما تعارض و فيه أنّه على فرض التّصريح بالنفي أيضا لا تعارض بينهما فإنه إنما ينفيه بحسب وجدانه و لا ينفي الاستعمال واقعا و عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود الثاني‏

28

الظاهر من حال النّاقل للمعنى إرادة أنّه تمام الموضوع له لا الأعمّ بأن يكون مراده من نقل المعنى أنّه مربوط بالوضع و له تعلّق به إمّا بكونه موضوعا له أو جزءا للموضوع له بأن يكون تفسيرا بالأعمّ فإنّ العام جزء للخاصّ أو يكون الموضوع له جزءا له بأن يكون تفسيرا بالأخصّ مثلا إذا قال إن الصعيد وجه الأرض فالظاهر إرادة أنّه تمام الموضوع له و إرادة أن يكون جزءا للموضوع له و هو التراب بعيد و كذا إذا قال إنه التراب فاحتمال أن يريد أن الموضوع له جزء له و هو مطلق وجه الأرض بعيد بل الظاهر من ذكر كلّ منهما إرادة أنّه تمام الموضوع له الثّالث تقديم المثبت على النافي لا يتم كليّة بل فيه تفصيل و الحاصل أن المتصور هناك ثلاث صور أحدها أن يقول المثبت أدري ذلك و يقول النافي أدري عدمه كأن يقول الجارح رأيته يزني في الساعة الفلانية و يقول الثاني كنت عنده في تلك السّاعة و ما رأيته منه و الثّانية أن يقول المثبت أدري و الثاني لا أدري كأن يقول الثاني في المثال المذكور لا أدري هل صدر منه الزنا أو لا و الثّالثة أن يقول المثبت لا أدري و النافي أدري كأن يقول الجارح للشاهد العادل الّذي علموا أنّه عصى ما أدري توبته و قال النافي لفسقه رأيته تاب و لا إشكال في الصورتين الأخيرتين إذ لا تعارض قطعا بل القائل أدري مقدّم على نافيه إذ ليس لمن لم يعلم حجيته على من يعلم فيقدم المثبت في الأولى و الثاني في الثّانية إنما الإشكال في الصورة الأولى و قد قيل في تقديم المثبت فيها وجهان أحدهما قوّة الظنّ في جانب الإثبات لكثرة الخطاء في نفي الأفعال بخلاف إثباتها لاستناد الثّاني إلى المشاهدة بالعيان و الأول إلى نفي المشاهدة و ثانيهما أن المثبت مدّع و النافي منكر و قول أهل اللغة لحجيته يكون نظير البيّنة و عند تعارض البيّنتين يقدم بنية المدعي لأنّها وظيفته و اليمين على من أنكر و هذا وجه استحساني لا حجية فيه الرّابع حمل المطلق على المقيّد إنما يكون إذا وقعا في كلام من لا يجوز عليه التناقض كالكتاب و السّنة و فيه أيضا مشروط بحصول التعارض و حصول التعارض مشروط بشرطين أحدهما أن يتحد التكليف و كان عينيا و الثّاني أن يكون الحكم إلزاميّا لا وضعيّا و لا استحبابيّا فيحصل التّعارض فإن مقتضى إيجاب الطبيعة المطلقة حصول الامتثال لذلك التكليف بأيّ فرد كان فيتخيّر و مقتضى الأمر بالمقيّد عدم حصوله بسائر الأفراد بخلاف ما إذا تعدّد التكليف لجواز أن يحصل الامتثال لأحد التكليفين في ضمن أي فرد كان و لا يحصل الآخر إلا بالفرد الخاصّ و كذا إذا اتّحد و كان تخييريا إذ لا ينافي وجوب الفرد الخاصّ تخييرا حصول الامتثال بسائر الأفراد و كذا إذا كان وضعيّا أو استحبابيّا لسريان الحكم فيها إذا تعلّقا بالطبيعة إلى جميع الأفراد استغراقا فلا ينافي خصوصيّة الحكم في الفرد فإنّ قوله أحل اللَّه البيع يقتضي حلّيته‏

29

جميع الأفراد فلا ينافي قوله أحل اللَّه البيع المعاطاة كما لا ينافي قولنا أكرم العلماء مع قولنا بعده أكرم زيد العالم و لم يقل أحد بحمل العام على الخاصّ إذا كانا مثبتين و السرّ فيه ما ذكرنا من عدم التّعارض حينئذ بخلاف التخيير بين الأفراد و تعيين فرد واحد بالنسبة إلى التكليف الواحد فإنه تناقض يجب دفعه بحمل المطلق على المقيّد الخامس التعارض بين قول النّقلة قد يكون بضميمة مقدّمة خارجيّة فلا تعارض بالذّات بين نقل أحدهم أن العين هو الذّهب و الآخر أنّه الفضة كما ذكرنا في الأمر الأوّل لكن بضميمة أصالة عدم الاشتراك يقع التعارض كما أنّه لا تعارض بالذّات بين القول بنجاسة ماء القربة بالملاقاة و القول بعدم نجاسة ماء الإناء بها لكن بضميمة الإجماع المركّب و عدم القول بالفصل بين أقسام المياه القليلة يقع التعارض بينهما فإن قلت إن أصالة عدم الاشتراك لا يعارض بها الدّليل و هو نقل النقلة أمّا على حجيتها من باب التعبد فظاهر إذ الاستصحاب مورده الشكّ و مع الدليل لا شكّ هناك و أمّا على حجيّتها من باب الظنّ فلأنه ظنّ حاصل من الغلبة لندرة الاشتراك و هي من أضعف الظّنون فلا يعارض بها الدّليل فإن موردها هو فيما إذا كان بحيث لولاها لحصل الشك و فيما كان هناك أمارة معتبرة لا يحصل الشكّ لو لا أصالة عدم الاشتراك و لذا لا يقول السّيّد المرتضى بأصالة الحقيقة في الاستعمال إذا عارضها دليل كنقل الناقلين مثلا قلنا قد علمت بطلان تعبديتها سابقا مع أن جماعة ذهبوا إلى أنّ الاستصحاب كسائر الأدلّة يعارض به الدليل و الظنّ الحاصل من الغلبة ليس بأضعف من سائر الظنون بل هو أقوى و لذا لو أخبر واحد بأمر يخالف الغلبة كوجود إنسان ذي قرن و نحو ذلك لم يحصل لنا الظنّ من قوله مضافا إلى المفطورية على أصالة عدم الاشتراك فإنّ الطّبع السّليم إذا شاهد النّقلين المتخالفين يحكم بالتعارض و لا يلتفت إلى احتمال الاشتراك و أيضا يؤيدها أنّ الظاهر من نقل كل واحد معنى غير ما ذكره الآخر أنه لم يجد ذلك المعنى و إلا لنقله لأنّه في مقام استيفاء المعاني و يحصل الظنّ نوعا من عدم وجدان هذا الشخص المتفحّص المتتبّع لذلك المعنى عدم وجوده و كذا من الطرف الآخر فيقع التعارض و نظيره ما قيل من حجيّة أصالة البراءة فيما إذا كان الموضوع المشكوك الحكم من الأمور العامة البلوى بحيث لو كان له حكم لاقتضى العادة نقله لكثرة الدواعي إليه و اللغة أيضا من الأمور العامة البلوى فمتى لم ينقل ذلك المعنى واحد منهما يحصل الظنّ بعدم وجدانه و من ذلك يحصل الظنّ بعدم وجوده كما عرفت فالحاصل أن أصالة عدم الاشتراك بضميمة الظن الحاصل من عدم وجدان كل منهما للمعنى الّذي ذكره الآخر سبب لإيقاع التعارض بين النقلين المختلفين و إن لم يكن بينهما تعارض بالذات نعم لا

30

تضايق عن القول بأنه إذا كان نقل النقلة موجبا لحصول ظنّ أقوى من الأصل كان متّبعا دون الأصل السادس إذا تردّد الحكم التكليفي الإلزامي بين المطلق و المقيّد أو بين العامين من وجه فحصول البراءة بفعل المقيّد في الأوّل و مورد الاجتماع في الثاني متيقّن إذ لو تعلق بالمطلق حصل الامتثال بالمقيّد و إن تعلّق بالمقيّد فواضح و كذا مورد الاجتماع و أمّا إذا تردّد الوضع بينهما فليس المقيّد و مورد الاجتماع قدرا متيقنا لعدم تحقق الوضع للمقيدان قلنا إن المطلق موضوع له لما عرفت أنّ الظاهر من كونه موضوعا له أنّه تمام الموضوع له و كذا مورد الاجتماع لا يدخل في الوضع للعام لما ذكرنا إذا عرفت هذه الأمور فلنعد إلى ما كنّا فيه و نقول إن الجمع بين النقلين بالحمل على الاشتراك باطل لما عرفت من أنّ أصالة عدم الاشتراك سبب لوقوع التعارض بين النقلين و مانع عن الحمل على الاشتراك و الاستدلال بتقديم المثبت على النافي أيضا غير تمام لما عرفت في الأمر الثالث أنه إنما يسلم في موردين أحدهما أن يقول المثبت أدري الوجود و قال النافي أدري العدم و الثاني فيما إذا قال المثبت أدري و النافي لا أدري بخلاف ما إذا قال المثبت لا أدري و النافي أدري كما هو الغالب في موارد نقل اللّغة فإن المثبت للوضع يقول إنّي رأيت الاستعمال و لم أر القرينة فهو حقيقة و النافي يقول إني رأيت القرينة و قد علمت أنّه حينئذ يقدم النافي و علم من ذلك بطلان إرجاع الخاصّ إلى العام في العام المطلق و الأخذ بالقدر المشترك في العامين من وجه لأنّه مبني على تقديم المثبت على النافي و قد عرفت خلافه في باب اللّغات و كذا الجمع بحمل المطلق على المقيّد لما عرفت في الأمر الرابع أن ذلك إنما هو إذا كانا في كلام من لا يجوز عليه التناقض مع باقي الشروط و الجميع فيما نحن فيه مفقود و لذا لا يحمل المطلق في كلام فقيه على المقيّد في كلام آخر بل الفقيه الواحد أيضا لجواز التناقض على غير المعصوم و كذا الحمل على المقيّد لكونه المتيقن لما عرفت في الأمر السّادس أن الوضع إذا تردّد بين المطلق و المقيّد لا يكون المقيّد قدرا متيقّنا و إذا عرفت بطلان هذه الوجوه التي ذكروها في الجميع فالأولى حينئذ بحسب القواعد أن يقال بثبوت التّعارض و الرّجوع إلى المرجحات الخارجيّة و لو لوجود أحدهما في كلام فقيه أو الأخذ بالمطلق لقوة الاشتراك المعنوي و بالجملة كلما كان الظنّ في طرفه أقوى فيأخذ به و إن فقد المرجّح فهل الحكم حينئذ التخيير أو الرجوع إلى الأصل المخالف لهما أو الأصل الموافق لأحدهما فنقول أمّا الأوّل فباطل إذا التخيير إمّا شرعيّ و إمّا عقلي و التخيير الشرعي مورده الخبران المتعارضان لا ما نحن فيه و التخيير العقلي إنما هو فيما إذا كان المصلحة الثابتة حين العلم باقيا حين الاشتباه كإنقاذ أحد الفريقين عند تعارضهما فإنّ المصلحة الكائنة في إنقاذ الغريق الواحد ثابتة حينئذ أيضا غاية الأمر مزاحمة الآخر و هي‏

31

لا يوجب رفع المصلحة الثابتة بخلاف ما نحن فيه للعلم بأن أحدهما ليس بموضوع له فالمصلحة الثابتة حال العلم و هو إدراك الواقع لا تبقى حال الاشتباه مثلا ذكر بعضهم أن الجذع هو الضأن الّذي أتى عليه ستّة أشهر و قيل ما أتى عليه ثمانية فنعلم أن أحدهما ليس بموضوع له فكيف يحكم بالتخيير و أما الرّجوع إلى الأصل المخالف لهما بأن يقال في المثال إن الأصل البراءة من التعيين لتساقطهما فيكفي مطلق الغنم فهو مبني على عدم حجية الظن الإجمالي الحاصل من النقلين المتعارضين بنفي الثالث بأن يقال إن نتيجة دليل الانسداد مهملة لا يقتضي إلاّ حجيّة الظّنون المظنونة الاعتبار و الظنّ التفصيلي أقوى من الظنون الإجمالية فنعمل به و تبقى الظنون الإجماليّة تحت أصالة حرمة العمل بالظنّ و الأولى أن يقال إن حصل القطع بنفي الثالث فلا إشكال و كذا لو حصل الظنّ بناء على تعميم النتيجة بحيث يشمل جميع الظنون و أمّا على إهمال النتيجة فالأولى أيضا حجيّة الظن الإجمالي إذ لا نسلم قصورها ذاتا و اعتبارا عن الظنون التفصيلية بل ربما كان أقوى مضافا إلى أنّه قد يستكشف من الأخبار حجيّته بخصوصه حيث حكم في مقام تعارض الخبرين بالتخيير أو الترجيح بالمرجّحات و لم يتعرض للطرح فلو لم يكن الظن فنفي الثالث حجّة لحكم بطرحهما و الأخذ بالأصل للمخالف فثبت حجّية الظنّ الإجمالي و مقتضاه الرجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما و هو في المثال المذكور أصالة البراءة عن الزائد على ما اتفقا عليه و هو الستّة فافهم تتميم قد أشرنا سابقا إلى أن حجية نقل النقلة إنما إذا لم يعلم مستندهم و إلاّ وجب الرجوع إليه و الاجتهاد فيه و بهذا اعتذر بعضهم عن تدوين الهيئات في علم الأصول دون المواد فإن مستند الأوّل هو العرف و نحن نتمكن من الرّجوع إلى عرفنا و استعلام معنى الهيئة منه لترادف اللّغات في الهيئات فنقول لهذا أعني كلام المعتذر على إطلاقه غير تام بل لا بدّ من التفصيل بأن يقال إن المتصور في المقام صور خمسة (الأولى) أن نقطع بتغاير عرفنا مع اللّغة في المعنى و (الثّانية) أن نظن بالتغاير و (الثّالثة) أن نعلم اتحادهما و (الرابعة) أن نظن الاتحاد و (الخامسة) الشك في ذلك أمّا الصورة الأولى فيجب الرّجوع فيها إلى قول النقلة إن لم نعلم مستندهم و الاجتهاد في مستندهم من الأشعار و الشواهد إن علمناه و لا يمكن تعيينه بالرّجوع إلى عرفنا للعلم بالنقل و كذا في الصّورة الثّانية فإن حكم الظن في اللغات حكم العلم و أما الصورة الثّالثة أعني العلم باتحادهما فيجب الرّجوع إليهما لوجوب الفحص إذ يمكن ارتفاع الظن من قول اللغوي بالرّجوع إلى العرف و بالعكس و الظنّ قبل الفحص ليس حجة فإن تعيّن المعنى بأحدهما حمل عليه الآخر للعلم بالاتحاد و إلاّ فالتّوقف و إن اختلف نقل النقلة و فهم عرفنا فالمتبع هو ما كان مظنونا بالظنّ‏

32

الفعلي و لا يمكن حصول الظنّ منهما معا لمنافاته لفرض العلم بالاتحاد و كذا الصّورة الرابعة و أما الخامسة و هي صورة الشك فلا بد فيها أيضا من الرجوع إليها فإن تعيّن المعنى بأحدهما حمل عليه الآخر بضميمة أصالة عدم النقل و إلاّ فالتّوقف و إن اختلفا و حصل الظنّ منهما فيتعارض مع أصالة عدم النقل فإن مقتضاها الاتحاد فينافي الظنّ بالاختلاف فإن رجّحنا الثّاني حكمنا بالاتحاد و ارتفع الظنّ من اللّغة أو العرف و المتبع هو ما أفاد الظنّ فعلا و إن ارتفع منهما وجب التّوقف و إن رجحنا الأول حكمنا بالنقل و كان كالصورة الثانية من الصور الخمس فحكمه حكمها

[علائم الحقيقة]

و منها التّبادر

و هو سبق المعنى إلى الذّهن بدون ملاحظة واسطة و بعبارة أخرى فهم المعنى من اللّفظ بلا توسط شي‏ء و كشفه عن الوضع عقلي إنّي لأن السّبق إلى الذّهن يحتاج إلى مرجّح ضرورة استحالة الترجّح بلا مرجّح و هو إمّا الوضع أو المناسبة الذاتية أو القرينة و الثالثة مفروضة الانتفاء و الثاني باطل لعدم العلم بالمناسبات للأغلب فتعين الأوّل و هو من قبيل الاستدلال بوجود اللاّزم على الملزوم و يكفي في ذلك عدم كونه أعمّ سواء كان مساويا للوضع أو أخصّ إذ لا يشترط في العلامة الانعكاس بل يكفي الاطراد نعم لو أريد الاستدلال بعدمه على عدم الوضع أيضا لزم إثبات كونه مساويا أيضا و قد نوقش في اطراده بوجوده في أمور بدون تحقق الوضع فيها منها المجاز المشهور و منها المعنى اللاّزم للموضوع له إمّا بأن يكون قيدا للموضوع له كالبصر للمعنى و المفهوم للشرط أو لا بل يكون عرفيّا كالجود للخاتم و منها جزء الموضوع له فإن التّبادر ثابت في المذكورات بدون الوضع فهو لازم أعمّ لا يمكن إثبات الوضع به و مما ذكرنا في تعريف التّبادر من قولنا بلا توسط شي‏ء ارتفع النقض بما ذكر ضرورة توسّط الشهرة في الأوّل و الموضوع له في الأخيرين و زاد بعضهم في التعريف لإخراج المذكورات قيودا لا حاجة إليها بل هي مخلة فإنه قال إن التّبادر و هو فهم المعنى من حاق اللّفظ ابتداء استقلالا و بالقيد الأوّل أخرج المجاز المشهور و بالثاني اللازم و بالثالث الجزء و إنما لم يكتف بالقيد الثاني عن الثالث توهما منه أن الجزء لا يخرج بقيد الابتداء لتقدّمه على الكلّ فتبادره ابتدائي نعم هو ليس مستقلاّ فيخرج بقيد الاستقلال و فيه أمّا أولاّ فإن مقتضى ذكر تلك القيود أنه يجب اجتماعها في التّبادر و الوضعي و هو منتقض بالكلّ فإن تبادره ليس ابتداء على زعمه و أمّا ثانيا فإن الجزء ليس مقدّما على الكل في التّبادر نعم هو مقدّم عليه في الخارج فالتّبادر أولا إنّما هو للكل و بتوسّطه يثبت للجزء فتبادر الكل واسطة في عروض التّبادر للجزء كما لو تعلّق الأمر بمركب كان المقصود بالذات هو المركب و بتبعيّته يسري ذلك الوجوب بعينه إلى الأجزاء كالحركة

33

للسفينة بالنّسبة إلى الجالس فإنها أمر واحد يتعلّق بالسّفينة أوّلا و يعرض للجالس تبعا و بهذا يجاب عما قيل من أنّه لا ينبغي النزاع في وجوب المقدّمة إذا كانت جزءا لذي المقدّمة لدلالة الكلّ عليه تضمينا و ذلك لأن الوجوب المتعلّق بالجزء هو عين الوجوب المتعلّق بالكل لا وجوب آخر لازم من وجوب الكلّ كما هو محل النّزاع في وجوب المقدّمة هذا و إن كان و لا بدّ من ذكر تلك القيود فليقدم الاستقلالي على الابتدائي و يلاحظ الابتدائية بالنّسبة إلى الاستقلال بمعنى أن لا يكون شي‏ء آخر في الابتداء مستقلا غيره فيخرج الجزء أيضا إذ لو سلم كونه ابتداء فليس استقلاله ابتداء و كذا اللاّزم لعدم استقلاليته و يدخل الكل لابتدائية استقلاله و الأولى الاقتصار على ما ذكرنا ثم إنه قد اعترض على الاستدلال بالتّبادر باستلزامه الدّور لتوقف التّبادر على العلم بالوضع فلو أثبت الوضع به لزم الدّور و أجيب عنه بوجوه أحدها أنّ تبادر العالمين بالوضع دليل على الوضع بالنسبة إلى الجاهل فالعلم بالوضع للجاهل موقوف على تبادر العالم بالوضع و هو غير متوقف على علم الجاهل بالوضع حتى يلزم الدّور فإن الجاهل بالوضع إذا رأى انسباق المعنى إلى ذهن العالمين بالوضع من أهل اللسان و علم بانتفاء القرينة و المناسبات الذاتية على ما أشرنا إليه حصل له العلم بأنّه ناش عن الوضع و الثّاني أنه قد يكون الشخص عالما بالوضع لكن لاغتشاش ذهنه و تخليط الأمر عليه ربما غفل عن علمه فبعد التخلية التّامة إذا رأى انسباق المعنى إلى ذهنه حصل له العلم التفصيلي بالوضع فالعلم التّفصيلي بالوضع يثبت بالتّبادر و التّبادر متوقف على العلم الإجمالي لا التفصيلي و الثّالث منع توقف التّبادر على العلم بالوضع في الأوضاع التعيّنيّة و أكثر الأوضاع التعيّنيّة لأن صيرورة اللّفظ منقولا ناش من كثرة الاستعمال إلى حدّ ينسبق المعنى من اللّفظ إلى الذهن بدون ملاحظة الاستعمال فإذا حصل الانسباق بهذا المعنى يعرف النقل فالتّبادر كاشف عن النقل لا متوقف على العلم به و كذا في غالب الأوضاع التعيينيّة لأن انسباق المعنى فيها مستند إلى كثرة الاستعمال لا إلى الوضع بل لا يلتفت إلى الوضع أصلا و اعترض عليه بعض المحققين بأن الغلبة المذكورة إمّا يجب ملاحظتها حتى يحصل التّبادر أو لا و الأوّل ليس كاشفا عن الوضع بل اللّفظ حينئذ مجاز مشهور و على الثّاني فنقول التّبادر الكاشف عن الوضع لا بد أن يكون مستندا إلى الوضع و لا يكفي محض الغلبة في حصول التّبادر الكاشف لعدم كونها وضعا و لا يمكن استناد التّبادر الكاشف إليه و إلاّ لزم حصوله من أيّ سبب كان غير الوضع و لا يكفي نفس الوضع مع قطع النظر عن العلم به و إلاّ لزم العلم بجميع اللّغات لكل أحد و إن قلت إن الغلبة سبب لحصول الوضع‏

34

و بملاحظته يحصل التّبادر فهو قول بمسبوقية التّبادر بالوضع و يرجع الدّور و رد بأنّه لا يقول باستناد التّبادر إلى نفس الوضع و لا إلى ملاحظة الشهرة بل يقول إن الغلبة سبب لحصول ربط و ألفة ذهنيّة بين اللّفظ و المعنى بحيث صار سببا لتبادر المعنى من ذلك اللّفظ فالسامع ملتفت إلى الرّبط المذكور و الناشئ من كثرة الاستعمال الّتي هي مركوزة في خزانة الخيال و إن لم يلتفت إليها في التّبادر لكن لا يعلم أن الربط المذكور هل هو وضع أم لا فالتّبادر الّذي هو من لوازم الوضع يعلم أن ذلك الرّبط هو الوضع و الحاصل أن العلم بالوضع حاصل له قبل التّبادر إجمالا لا بعنوان أنه وضع بل بعنوان أنه ربط و بالتّبادر يحصل له العلم التفصيلي بأنه وضع نظير العلم بحدوث العالم بعنوان التّغيير ثم يحصل العلم التفصيلي بسبب ترتيب المقدمات بحدوث العالم بعنوان أنه عالم كيف و لا حدّ للاستعمال الكثير حتى يعرف به النقل بل لا يعرف النّقل بالتّبادر و الفرق بين الاشتهاد هنا و في المجاز المشهور وجوب ملاحظة الشهرة في المجاز فيحصل العلم بالمعنى المجازي في ضمن ملاحظة الشهرة لا بملاحظة الشهرة كما توهّم فإن معنى ملاحظة الشهرة أن يلاحظ كثرة استعمال اللّفظ في هذا المعنى فقد قصور المعنى حينئذ في ضمن تلك الملاحظة و لا يحتاج إلى قصور آخر بخلاف المجاز المستعمل مع القرينة كأسد يرمي فإن تصوّر المعنى يحصل فيه بملاحظة القرينة لا في ضمن ملاحظتها و أما المنقول فلا يحتاج إلى ملاحظة الشهرة بل الشهرة بلغت إلى حدّ حصل بها الرّبط الذّهني بين اللّفظ و المعنى بحيث لو قطع النظر عن تلك الشهرة لا تنسبق ذلك المعنى إلى الذّهن و إن كانت الغلبة مخزونة في خزانة الخيال لكن لا يلتفت إليها في التّبادر نظير ما ذكره بعض الأفاضل ردا على عصام الدّين في ادعائه تبعيّة الدلالة للإرادة مستدلاّ بأنّ شرط الدّلالة العلم بالوضع للمعنى فلا يمكن أن يكون المترتّب على الدلالة هو بالمعنى العام لحصوله قبله في ضمن العلم بالوضع فلا بدّ أن يكون الدلالة عبارة عن فهم المعنى بعنوان أنه مراد من أنه يجوز أن يكون الشخص عالما بالمعنى لكن لم يكن ملتفتا إلى علمه فبسماع اللّفظ يلتفت إلى علمه فلم يلزم تحصيل الحاصل لو لم يكن الدلالة تابعة للإرادة و بما ذكرنا علم الفرق بين المنقول و المجاز المشهور و سائر المجازات لعدم ملاحظة الشهرة في الأوّل و حصول العلم بالمعنى في ضمن ملاحظة القرينة أي الشهرة في الثّاني و بملاحظتها في الثالث هذا حاصل ما ذكر في الإيراد و فيه أن التّبادر ليس محض الخطور بالبال كيف و هو حاصل في المجاز أيضا فإن اللّفظ المستعمل في المعنى الحقيقي إذا سمع خطر المعنى المجازي بالبال أيضا فإنّ خطور أحد المتلابسين في الذهن بملاحظة الآخر مما لا يمكن إنكاره‏

35

فقد يسمع المركوب و يخطر الراكب بالبال لتلابسهما و غير ذلك و أيضا هو أمر قلبي لا يمكن الاطّلاع عليه فكيف يمكن العلم بالوضع بالرّجوع إلى تبادر أهل اللّسان إذ لا نعلم أنه يخطر ببالهم أو لا و محض الرّبط الذّهني ليس وضعا بل الحق أن التّبادر و هو فهم المعنى بعنوان أنه مراد كما قاله العصام و هو الّذي يعلم به بالرّجوع إلى أهل اللّسان حيث يحكمون بإرادة المعنى من اللّفظ و يعلم ذلك من علمهم على طبقه و هو لا يحصل بمحض الرّبط الذّهني الحاصل بالاشتهاد فإن حكم السامع بأن هذا المعنى مراد للمتكلّم مبنيّ على أن يعلم أنّ المتكلّم استعمله مع القرينة في ذلك المعنى أو بملاحظة الشهرة أو كان اللّفظ علامة لهذا المعنى عنده و هذا معنى الوضع و الأوّلان مفروض العدم و الحاصل أن السّامع قبل العلم بأن اللّفظ صار علامة لهذا المعنى عند المتكلم لا يمكن له الحكم بإرادته و إن خطر المعنى بباله لأن محض الخطور لا يكفي في الحكم بالإرادة و لذا قيل إن أصالة إرادة المعنى الحقيقي في الاستعمال مبني على مقدّمات و هي أن اللّفظ موضوع لهذا المعنى و المتكلّم عالم به و الغرض من الوضع استعمال اللّفظ بدون قرينة و المتكلّم لم ينصب قرينة فيعلم أنه أراد هذا المعنى أما المعرفة بالنّقل فتحصل بالرّجوع إلى أهل اللّسان و أنّهم هل يلاحظون مناسبة المعنى المشهور مع المعنى الحقيقي أو لا فإذا رأى أنهم لا يعتبرون تلك المناسبة يعلم أن الكثرة وصلت إلى حدّ النقل فإلغاء المناسبة سبب للعلم بالنقل لا التّبادر بل التّبادر أعني الفهم بعنوان المرادية لا يحصل إلاّ بعد العلم بالنقل و يؤيّد ما هو المعروف من أن الحقيقة هو استعمال اللّفظ في الموضوع له من حيث هو كذلك و كذا المجاز فمتى لم يعلم السامع أن المتكلم استعمله في المعنى من حيث إنّه موضوع له كيف يعلم أنّه مراد و كذا في المجاز إذا لم يعلم أنّه استعمله فيه من حيث إنّه غير موضوع له بمناسبة الموضوع له لا يمكن له الحكم بأنّه مراد و بالجملة التّبادر بالمعنى المذكور مسبوق بالعلم بالنّقل نعم بعد ثبوت النّقل بما ذكرنا يكون تبادرهم كاشفا عن الوضع بالنّسبة إلى الجاهل و هو حينئذ عين الجواب الأوّل و بالجملة الجواب الأخير لا يسمن و لا يغني من جوع و لا يتم إلاّ بجعل التّبادر عبارة عن محض الخطور و قد عرفت فساده و الباعث على جعله بمعنى الخطور توهم عدم وجوده في المشترك بالمعنى الّذي ذكرنا و الجواب أمّا أوّلا فبعدم وجوب انعكاس العلامة كما عرفت و أمّا ثانيا فبوجوده في المشترك أيضا بالمعنى المذكور لتبادر جميع المعاني على أنه مراد لكن على سبيل البدلية فإن احتمال الإرادة كاف في إثبات الوضع لعدم وجود الاحتمال المذكور في المجاز بلا قرينة فإنا إذا رأينا أن السّيّد أمر عبده بإتيان العين فالعبد من باب الاحتياط أتى بالميزان و الذهب و الفضة نعلم أن احتمال الإرادة

36

مقصور على الثلاثة فيثبت الوضع فيها لما عرفت هذا على القول بعدم جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى و إلاّ فلا إشكال لتبادر الجميع بعنوان أنّه مراد و بهذا علم أنّ هذه العلامة على ما ذكرنا أيضا لازم مساو للعلم بالوضع فعدمها علامة المجازيّة و لا نحتاج إلى القول بأنها أخصّ منه لعدم وجوده في المشترك فلا يكون عدمها علامة المجاز و إلاّ لزم كون المشترك مجازا بل تبادر الغير علامة المجاز لما حقّقنا من وجودها في المشترك كما ذكره بعضهم من المفاتيح للسّيّد من أن عدم التّبادر علامة المجاز مع القول بوجوده في المشترك بتقريب أنّه إذا لم نعلم فيما إذا رأينا عدم التّبادر هل هو مشترك أو لا فبضميمة أصالة عدم الاشتراك و ندرته نثبت أنه مجاز فعدم التّبادر كلية علامة المجاز بضميمة أصالة عدم الاشتراك لأنا نقول إنّ في هذا المقام إن كان هناك معنى متبادر غير المشكوك فقد ثبتت المجازية بتبادر الغير و لا نحتاج إلى ضميمة الأصل و إلاّ فلا يمكن إثبات المجازيّة بعدم التّبادر إذ يلزم وجود المجاز بلا حقيقة ضرورة تبادر الحقيقة لو وجدت‏

تتميم‏

لا إشكال فيما إذا علم استناد تبادر العرف إلى الوضع و كذا إذا علم استناده إلى القرينة و أمّا عند الشك أي عدم العلم بأحدهما فقيل يتصوّر حينئذ ثلاث صور الأولى أن يشك في أصل نصب القرينة و الثانية أن يعلم ذلك و يشك في التفات السّامع إليها في التّبادر و الثالثة أن يعلم ذلك و يشك في أن تلك القرينة هل كانت مؤكدة للموضوع له أو مؤسّسة و صارفة ففي الأوّلين يجري أصالة العدم فيثبت به الوضع و في الثالث يجب التوقّف لمعارضة إجراء الأصل في إحدى الحادثين بإجرائه في الآخر و يمكن أن يرجح المؤكديّة بأن الأصل الاستناد إلى أقدم السّببين و هو الوضع إذا القرينة متأخّرة عن الوضع و بما ذكرنا سابقا من أن المدار في اللّغات على الظنّ و أن حجيّة الأصل فيها أيضا من باب أنّه ظنّ لا حاجة إلى هذه الشّقوق بل العنوان حينئذ أنه إذا شك في استناد التّبادر إلى الوضع أو القرينة فالمدار على قوة الظن الحاصل من الغلبة و أن الغالب هل هو الأوّل أو الثاني و يمكن ترجيح الأوّل بأن الغالب في المحاورات استعمال الحقيقة و أن كلا من المجاز و الكناية و غيرهما نادر فيها و إن كثرت في الخطب و الأشعار و نحوهما و يمكن منعه بأن الغالب في المحاورات تبادر بعض الأفراد من المطلق لشيوع و نحوه في ذلك الفرد دون سائر الأفراد فإنه إذا أمر المولى عبده بإتيان الماء فيأتي بالماء الحلو أو الخبز فيأتي بخبز الحنطة و نحو ذلك و جميع هذه التّبادرات مستند إلى القرينة و ربّما قيل في منع استناد التّبادر غالبا إلى الوضع إن غالب الأفهام العرفية مستند إلى الشهرة إمّا في ضمن ملاحظتها أو لا و لا يلتفت إلى الوضع غالبا بل الفارق بين المعنى‏

37

الموضوع له و غيره عدم ملاحظة الشّهرة في الأوّل دون الثاني و الملاحظة أمر مخفي لا يمكن الاطلاع عليها على ملاحظتها و عدمه غالبا و مع ذلك فكيف يقال باستناد التبادر إلى الوضع غالبا و أجيب بندرة المجاز المشهور الّذي يلزم فيه ملاحظة الشّهرة و الغالب عدم ملاحظتها حتى أنّه قيل بعدم وجود المجاز المشهور و الظّنّ يلحق الشّي‏ء بالأعمّ الأغلب و فيه أنّ تبادر الفرد من الكليّ شائع في العرف و ليس مستندا إلى الوضع فإن قلت إنّه مجاز مشهور فقد بطل القول بندرته و إن قلت إنه مستند إلى غير الشّهرة من القرائن فقد بطل القول باستناد التّبادر إلى الوضع غالبا كما أشرنا إليه و الحق أن المدار على الظن الفعلي في اللّغات كما عرفت فبأيهما حصل فهو المتّبع‏

و منها صحّة السّلب و عدمها

و الأوّل علامة المجاز كما أن الثّاني علامة الحقيقة و المراد صحة سلب المعنى الحقيقي عن المشكوك فيه حقيقة و عدمها كذلك إلاّ سلب اللّفظ عن اللّفظ و لا عن المعنى لبداهة صحته مطلقا و لا المعاني المجازيّة لأنّ صحّة سلب المعنى المجازي ليس دليلا للمجازيّة و لا عدمها على الحقيقة بل بالعكس و لا الأعمّ من اللّفظ و المعنى أو الحقيقي و المجازي لبطلان العام من حيث إنّه عام ببطلان الخاصّ و لا السّلب ادعاء لصحّته عن المعنى الحقيقي أيضا كما يقال عمرو ليس بإنسان و عدمه عن المعنى المجازي كما يقال زيد ملك و نحو ذلك و كونها علامتين و كاشفين عن الحقيقية و المجازية واضح إنما الشّأن في دفع ما أورد من استلزامهما الدّور و قرّر بوجهين مرجعهما أمر واحد و بيانه أن صحّة السّلب ترجع إلى الشّكل الثّاني و عدمها ترجع إلى الشّكل الأوّل أمّا الأوّل فلأنّ إثبات مجازية البليد بالنسبة إلى الحمار يتوقّف على إثبات تغايره مع الحيوان النّاهق الذي هو مقطوع الوضعيّة فإثبات تغايره معه صغرى و إثبات الوضع للحيوان النّاهق كبرى و هو هكذا البليد ليس بحيوان ناهق و الموضوع له للحمار هو الحيوان النّاهق ينتج البليد ليس بموضوع له للحمار و أمّا الثّاني فلأنّ إثبات حقيقيّة الإنسان في البليد يتوقّف على إثبات اتحاده مع الحيوان النّاطق الذي هو الموضوع له قطعا فإثبات الاتحاد صغرى و إثبات الوضع للحيوان النّاطق كبرى و هو هكذا البليد حيوان ناطق و الحيوان النّاطق هو الموضوع له للإنسان ينتج البليد موضوع له للإنسان و حينئذ فنقول التقرير الأوّل هو ما قيل إنّ الشّكّ في النّتيجة ناشئ من الشّكّ في المقدّمتين إذ مع العلم بهما ليس هناك شكّ في النّتيجة فالشّك في مجازيّة البليد للحمار أو حقيقيّة للإنسان ناشئ عن الشّكّ في اتّحاده مع الحيوان النّاطق و تغايره مع الحيوان النّاهق إذ العلم بالاتحاد و التغاير عين العلم بالحقيقيّة و المجازيّة فالعلم بالنتيجة يتوقّف على العلم بالمقدّمتين و هو متوقّف على العلم بالنتيجة و هذا دور ظاهر و هذا الإشكال يجري في‏

38

جميع الإشكال و لا يختص بصحّة السّلب و عدمها إذا الشّكّ في حدوث العالم لا بد أن يكون ناشئا عن الشّكّ في المقدّمتين إذ مع العلم بهما لا يتصوّر الشّكّ في النّتيجة و الحاصل أنه إذا كان الشّكّ في النّتيجة منافيا مع قطعيّة المقدّمتين فهو مستلزم للدّور كليّة على ما بينا و الجواب ضع التنافي المذكور لجواز حصول العلم بشي‏ء بعنوان مع الجهل به بعنوان آخر فنقول هناك ذاتان أحدهما مشكوك الوضعيّة و هو البليد و الثاني مقطوع الوضعيّة و هو الحيوان النّاطق و النّاهق فإن كان الذّات المشكوك عين الذات المعلوم ثبت له الوضع و إلاّ فلا فبصغرى المقدمتين نثبت اتحادهما ذاتا فيتحدان وصفا أو نثبت تغايرهما ذاتا فيختلفان وصفا فالعلم بمجازيّة البليد للحمار يتوقّف على تغاير ذاته مع ذات الحيوان النّاهق و هو ليس عين العلم بالمجازية و لا متوقّف عليه بل هو مستلزم له لأنّه إذا سلب ذاته عنه يلزم سلب وصفه عنه أيضا و الحاصل أن الشّخص عالم باختلاف الذّاتين غافل عن اختلاف الوصفين فيجعل الذات المعلوم حد الوسط فبسلبه عن المشكوك في الصغرى و يثبت له الوضع في الكبرى فيسلب عن المشكوك أيضا و التقرير الثّاني هو ما ذكره المحقّق القمي (رحمه الله) أمّا في صحّة السلب فبيانه أنّه لا يثبت مجازية البليد إلاّ بعد جعل كبرى الشّكل كليّة و هو قولنا الموضوع له للحمار هو الحيوان النّاهق بأن يكون الوضع منحصرا في الحيوان النّاهق و إلاّ لم يلزم من إثبات الوضع للحيوان النّاهق و سلبه عن البليد مجازية البليد للحمار لجواز أن يكون الحمار موضوعا له بوضع آخر و كلية الكبرى يتوقّف العلم بها على العلم بعدم كون البليد موضوعا له للحمار و إلاّ فمع احتمال وضعه للبليد لا يحصل العلم بانحصار الوضع في الحيوان النّاهق و بالجملة الشّكّ في النّتيجة مناف لقطعية المقدّمتين و هو مناط الدّور على ما أشرنا إليه و الفرق بين التقريرين أنّ الشّكّ في الأوّل كان يرجع إلى الشّكّ في الصغرى أي الاتحاد و التغاير و هنا يرجع إلى كلية الكبرى مع فرض القطع بتغايره مع الحيوان النّاهق و مرجع التّقريرين إلى منافاة الشّكّ في النّتيجة مع قطعية المقدّمتين فافهم و أمّا في عدم صحة السّلب فقرره و إن لم يكن العلم بحقيقية البليد بالنسبة إلى الإنسان متوقّفا على عدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة عنه لكفاية عدم صحة سلب بعض الحقائق في إثبات الوضع لكن لا يثبت به إلاّ الوضع في الجملة و هو مستلزم لتفكيك العلامتين حيث جعل الأوّل علامة للمجاز مطلقا و هنا للحقيقيّة في الجملة و إذا ثبت أن المراد إثبات الحقيقيّة المطلقة لئلاّ يلزم التفكيك يلزم الدّور و لأن كون البليد معنى حقيقيّا للإنسان موقوف على العلم بعدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقية الثّانية للإنسان عن البليد و العلم بعدم صحة سلب جميع المعاني‏

39

الحقيقيّة عنه موقوف على العلم بعدم معنى حقيقي للإنسان يجوز سلبه عن البليد و العلم بذلك موقوف على العلم بكون البليد معنى حقيقيّا للإنسان و هذا دور ظاهر هذا حاصل تقريره و أقول أمّا جعله السالبة كلية في صحّة السّلب فصحيح إذ العلم بالمجازيّة و عدم كونه موضوعا له متوقّف على ذلك و أمّا جعل الموجبة كليّة في عدم صحّة السّلب و إيراد الدّور عليه فغير واضح أمّا الأوّل فلعدم الاحتياج إليه إذ الفرض إثبات الوضع و عدمه و الأوّل يحصل بمحض عدم صحة سلب بعض الحقائق بخلاف الثاني و أمّا الثاني أعني إيراده الدّور فلأنّ عدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة للإنسان عن البليد ليس موقوفا على عدم معنى حقيقي للإنسان يجوز سلبه عن البليد بل هو عينه إذ الفرض من جعل الموجبة كلية إثبات انحصار الموضوع له فيه إذ الحقيقيّة في الجملة للبليد تثبت بعدم سلب البعض أيضا و حينئذ فالمقصود نفي الغير و العلم بعدم صحة سلب جميع الحقائق عنه عين العلم بأنه موضوع له لا غيره و بعبارة أخرى إنا أثبتنا في الصغرى اتحاد الحيوان النّاطق مع البليد ذاتا ليثبت له الأوصاف الثابتة للحيوان النّاطق في الكبرى فإن كان الوصف الحقيقيّة في الجملة ثبت للبليد أيضا ذلك أو كليّة فكلية و إحراز أن الوصف الثابت للحيوان النّاطق هو الموضوع له المطلق أو في الجملة لا بد أن يرجع فيه إلى شي‏ء آخر و لا يتوقّف على حقيقيّة البليد أصلا لا بواسطة و لا بلا واسطة بل الشّكّ في ذلك و عين الشّكّ في أن البليد مطلق الموضوع له أو في الجملة و بالجملة البليد حكمه حكم الحيوان النّاطق بحكم الصغرى فيثبت له الحكم الثابت له في الكبرى إن كان مطلقا فمطلقا و إن كان في الجملة ففي الجملة بخلاف صحّة السّلب لأن إثبات نفس عدم الوضع متوقّف على كليّة الكبرى لا أنه تثبت في الجملة و يثبت إطلاقه بكلية الكبرى فالعلم بتغاير البليد مع الحيوان النّاهق الذي هو موضوع له للحمار لا يوجب نفي الوضع عن البليد إلاّ إذا علم انحصار الموضوع له في الحيوان النّاهق و هو متوقّف على العلم بالنتيجة و لا يمكن إحراز الكليّة بالرجوع إلى العرف إذ ليس في العرف إلاّ قضيّة سالبة و هو قولهم البليد ليس بحمار و هو إنما يدلّ على مجازيته بالنسبة إلى بعض معاني الحمار بأن يكون المراد من الحمار المسلوب الحيوان النّاهق و بالجملة دفع الدور هنا مشكل جدّا و لا يمكن إلاّ برفع منافاة الشّكّ في النّتيجة مع العلم بالمقدّمتين و قد ذكر في رفع التنافي أجوبة أغلبها فاسدة فمنها ما ذكره الفاضل المذكور في منع كلية الكبرى و قد عرفت أن الإشكال كان ناشئا منه و قرره بأن المقصود إثبات المجازية في الجملة بالنّسبة و يكفي فيه صحة سلب بعض المعاني الحقيقيّة عنه كما في عدم صحّة السّلب و فيه ما عرفت أن الفرض من هذه العلامات إثبات الوضع و عدمه‏

40

و الأوّل يثبت بعدم صحة السّلب في الجملة دون الثّاني و منها ما ذكره أيضا من أنّ المقصود تعيين فرد الموضوع له و مصداقه فبصحّة سلب الماء عن الجلاب المسلوب الطعم و الرائحة نعلم أنه ليس من مصاديق الماء و بعدمها عن ماء السيل المخلوط بالطين نعلم أنّه من مصاديقه و بالجملة لا نشكّ في عدم وضع الماء للجلاب بخصوصه و لكن نشكّ في أنه داخل في مصاديقه أو لا فبصحّة السّلب نعلم عدم دخوله فيه و فيه أن الشّكّ في الفرديّة إمّا ناش عن عوارض لاحقة لنفس الفرد كالبلل المشتبه بالبول و إمّا ناش عن الشّكّ في أصل المعنى كالشّكّ في ماء السّيل فإنه ناش عن الشّكّ في أن الماء موضوع للمطلق مطلقا أو للمطلق الصّافي فإن أراد الأوّل قلنا إن تشخيص الموضوعات يجب أن يكون بالعلم و هذه الأمارات لا حجّيّة فيها في الموضوعات بل الغرض منها إثبات الأوضاع اللّغويّة من الحقيقيّة و المجازيّة لا تشخيص الموضوعات العرفيّة و إن أراد الثّاني بقي الدّور بحاله لرجوع الشّكّ حينئذ إلى الشّكّ في أصل المعنى لا إلى الشّكّ في الفردية و منها ما ذكره بعضهم من أن كلية الكبرى في صحّة السّلب أعني صحة سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن المشكوك فيه يعلم بالرجوع إلى العرف فإنه إذا سلب الحمار عن البليد في العرف فلا يخلو إمّا أن يكون الحمار متحدا أو مشتركا و على أيّ تقدير يلزم سلب جميع الحقائق أمّا على الأوّل فظاهر و أمّا على الثاني فلأنّ المراد من سلب المشترك عن شي‏ء سلب مفهوم المسمّى عنه فإذا قيل هذا ليس بعين أريد به أنه ليس مسمّى بالعين و لازمه عدم كونه موضوعا له و إلاّ لم يجز سلب المسمّى عنه قال و هذا الجواب لا يجري في عدم صحة السّلب لأنّ معنى عدم السّلب صحة الحمل و لا يمكن العلم بكلية الكبرى و هي أنّه لا يصح سلب جميع الحقائق عنه بالرّجوع إلى العرف لأن حمل شي‏ء على شي‏ء لا يمكن أن يكون بإرادة مفهوم المسمّى من المحمول إذ يلزم حينئذ اتحاد المعنى الواحد مع المعاني المتعدّدة لو كان المحمول مشتركا و هو محال في غالب المشتركات حيث إن معانيها متباينة مفهوما و مصداقا نعم يصحّ ذلك فيما إذا كان المحمول معاني متعدّدة مفهوما متّفقة مصداقا كحمل العالم و النّاطق و الضاحك على الإنسان مثلا و ليس الكلام مختصّا بأمثال ذلك بل يعم المشترك بين المتباينين الذي لا يمكن حمله على شي‏ء بإرادة مفهوم المسمّى و فيه أن ادّعاء أنّ سلب المشترك عن شي‏ء يراد منه سلب مفهوم المسمّى ممنوع لأنّ إرادة مفهوم المسمّى عن المشترك مجاز لا يصار إليه بلا قرينة بل الظاهر من السّلب عرفا هو سلب الماهيّات و الحقائق و حينئذ لا يمكن إرادة أكثر من واحد من المسلوب و إن كان في النّفي لما قرّر في محلّه من عدم جواز استعمال المشترك في الأكثر من المعنى مطلقا و الفرق بين المثبت و المنفي شموله لجميع أفراد المعنى الواحد في النّفي دون الإثبات لا أنّه يشمل جميع المعاني لوقوعه في سياق النّفي و قوله إن ذلك لا يتم في عدم صحة السّلب لأن حمل المسمّى على شي‏ء يستلزم اتحاد المعنى الواحد مع المعاني‏

41

المتعدّدة فاسد لأنّ حمل المسمى لا يقتضي إلاّ صدق المسمّى على الموضوع و كونه من مصاديق المسمى كما يقال الذّهب مسمّى العين فإنّه ليس معناه أنّه جميع مسميات العين إذ النّكرة لا تعم في سياق الإثبات اللَّهمّ إلاّ أن يقال إن مراده من إثبات الكلية بالرّجوع إلى العرف لا يمكن إلاّ بجعل الحمل الحاصل في العرف عبارة عن حمل المفهوم المسمّى بجميع أفراده ليتم الكليّة فإن حمل مفهوم المسمى في الجملة لا يثبت الكليّة و حينئذ فيلزم المحذور فلا يتم الجواب لا أن محض حمل المسمّى يستلزم ذلك المحذور و منها ما ذكر الفاضل البهبهاني (قدِّس سرُّه) من أن كليّة الكبرى تعلم بالرجوع إلى العرف فإذا رأينا أنّهم سلبوا لفظا مجردا عن القرينة عن شي‏ء نعلم مجازيّته لأن تجرّده عن القرينة قرينة على اتحاده معنى إذ لو كان مشتركا لم يصحّ تجرّده عن القرينة و إذا ثبت اتحاده معنى فبسلبه عنه يلزم سلب جميع الحقائق عنه إذ لا حقيقة له سوى المسلوب و على هذا لا يلزم أن نعلم المعنى الحقيقي أصلا بل محض تجرّده عن القرينة الصارفة و المعيّنة دليل على كونه حقيقة دون غيره و ربما يناقش في ذلك بأن سلب اللّفظ المجرّد عن القرينة عن شي‏ء إنما يدفع احتمال اشتراكه في غير المسلوب عنه فلم لا يجوز أن يكون للّفظ موضوعا للمسلوب عنه أيضا و يكون السلب قرينة على إرادة المعنى الآخر من المسلوب لعدم جواز سلب الشّي‏ء عن نفسه فلم يلزم من التجرّد عن القرينة سلب جميع الحقائق و نظير ذلك ما ربما يقال من أن قولهم عدم صحة السّلب معناه صحة الحمل و حمل ذات الحقيقة على شي‏ء يستلزم ثبوت وصف الحقيقية له باطل لأنّ حمل الشّي‏ء على شي‏ء لو كان حقيقيّا لتم ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون الحمل ادعائيا و يكون القرينة عليه علم المتسامعين بتغايرهما فإذا سمعنا أنه قال واحد من أهل العرف لآخر البليد حمار لا يمكن لنا إثبات الوضع له بذلك لجواز أن يكون الحمل ادعائيا و يكون القرينة علم المتكلّم و المخاطب بالتّغاير و الجواب أمّا عن الثاني فظاهر لأن الحمل حقيقة في الحمل الحقيقي مجاز في الادعائي إذ لا تفاوت بين المادة و الهيئة فكما أن الأوّل موضوع فكذا الثّاني و الأصل في الاستعمال الحقيقة مضافا إلى ما هو متداول لأن في العرف من حمل الكلمات على ظواهرها و إن لم يكونوا مخاطبين بها و لو كانت هذه الاحتمالات لوجب التّوقّف لكل من لم يكن مخاطبا فيما كان هناك حمل لاحتمال ادعائية الحمل أو مجازية المحمول و يكون القرينة علم المتسامعين فلو سمع زيد ابني وجب التّوقّف لاحتمال أن يكون زيد غير ابنه و علمهما بهذا قرينة على ادّعائية الحمل أو على مجازية الابن بإرادة التّربية منه مع أنا نشاهدهم لا يتوقّفون في ذلك أصلا و هو ظاهر و أمّا عن الأوّل فبأنه و إن صحّ ما قلت من احتمال الاشتراك بين المعنيين بأن يكون السلب قرينة على إرادة المعنى الآخر من المسلوب لكن أصالة عدم الاشتراك و ندرته يدفع هذا الاحتمال أو يقال إن في غالب الموارد نعلم وحدة المعنى إنما الاشتباه في تعيينه فبصحة سلب اللّفظ

42

المجرد عن القرينة عنه عرفا نعلم أنّه ليس بموضوع له و بعدمها نعلم أنّه هو مضافا إلى ما عرفت من إثبات الحقيقيّة بعدم صحة سلب البعض و لا نحتاج إلى أخذه كلية فافهم تنبيهان الأوّل قد نوقش في كون صحّة السّلب علامة للمجاز بأن صحة السّلب معنا صحة سلب حمل المعنى الحقيقي عن المشكوك و الحمل المتداول في العرف هو حمل الكليّ على الفرد فمعنى صحة السلب سلب فرديّته للمعنى الحقيقي لا سلب عينيّته له و سلب الفرديّة له الاحتمالات أحدها أن يراد بالمسلوب مفهوم المسمّى و قد أثبتنا بطلانه لأنه مجاز بل الظاهر سلب الحقائق و الذوات و الثّاني أن يكون المسلوب فرديته للمعنى الحقيقي بأن يكون عينه و ذلك كأن يقال الذّهب ليس بذهب أي ليس فردا له بل هو عينه و الثالث أن يراد سلب فرديته له بأن يكون متباينا معه و إن كان موضوعا له بوضع آخر كما يقال الذهب ليس بفضة أي ليس فردا لها لكنّه موضوع له برأسه و الرابع أن يراد بسلب الفرديّة كونه مجازا و سلب الفرديّة أعم من المذكورات فهو مجمل لا يمكن به إثبات المجازيّة و نظير ذلك أن يقال في عدم صحّة السّلب أن معناه عدم صحة سلب الحمل المتعارفي بمعنى صحّة الحمل المتعارفي و غاية ما يثبت منه كونه فردا للمعنى الحقيقي لا أنّه موضوع له إذ هو لا يثبت إلاّ بالحمل الذّاتي و هو غير متداول في العرف و الجواب أمّا عن الإيراد في عدم صحّة السّلب فبأنّه ليس الغرض من هذه العلامة إلاّ إثبات أنه لو استعمل في المشكوك لكان على وجه الحقيقة و هو يحصل بالفردية أيضا إذ الفرد عين الكلي الموجود غاية الأمر عدم ثبوت الوضع له بخصوصه بذلك و هو يحصل بالفردية أيضا إذا الفرد عين الكلي الموجود غاية الأمر عدم ثبوت الوضع له بخصوصه بذلك و هو مسلم هذا إن قلنا بصحة سلب الكلّ عن الجزء عرفا و إلاّ بأن نقول لا يصحّ سلب الكل عن الجزء في العرف كما هو الظاهر فإنه لو رأى ورقا من المعالم مثلا فقال ليس هذا كتاب المعالم لخطئوه في ذلك فنقول حينئذ يتردّد عدم صحة السلب بين العينيّة للمعنى الحقيقي و الفردية و الجزئية له فيثبت أنه مربوط بالحقيقة لا أجنبي عنه و لا يثبت به الوضع و أمّا في صحّة السّلب فنقول الاحتمال الأول مدفوع بما عرفت و أمّا الثاني فظاهر البطلان لندرته عرفا بل هو غير مستعمل قطعا و أمّا الثالث فإنه و إن كان محتملا إلاّ أنّه مدفوع بما عرفت من أصالة عدم الاشتراك و ندرته و الرابع هو المطلوب الثاني صحة السلب و عدمها إنما يجريان في المعاني المستقلّة التي يمكن حمل شي‏ء بخلاف المعاني الغير المستقلّة كالمعاني الحرفيّة و الفعلية إذ لا يصح حمل شي‏ء عليهما و بهذا علم فساد قول من قال إن الاستفهام في قوله تعالى ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ مستعمل في الاستفهام الحقيقي بجعله أعمّ مما كان المراد طلب الفهم لنفس المتكلّم أو غيره و المراد في الآية الثّاني و الغير هو الملائكة مستدلاّ بعدم صحة سلب الاستفهام عن الاستفهام الذي كان الغرض منه طلب الفهم للغير فلا يقال إنه لم يستفهم و ذلك للفرق بين مادة الاستفهام و أداته فعدم صحة سلب الأوّل‏

43

لا يدلّ على حقيقية الثّاني كما هو المطلوب نعم لو علم أن المعنى الحرفي مترادف مع المعنى الاسمي في غير جهة الاستقلال و عدمه لصحّ ذلك كما لو علمنا أن معنى كلمة من هو معنى الابتداء إلاّ أنّه مستقل و هذا غير مستقلّ و حينئذ فلو شككنا في أن استعمال كلمة من في ابتداء الزمان حقيقة أو مجاز لصح الاستدلال بعدم صحة سلب الابتداء عن ابتداء الزّمان فيعلم بانضمام المقدّمة الخارجيّة و هي التّرادف أن كلمة من أيضا حقيقة فيه فليتدبّر

و منها الاطراد و عدمه‏

و اختلف في ذلك على أقوال فقيل بأنّ الاطراد علامة الحقيقة و عدمه علامة المجاز و لازم هذا القول تساوي الاطراد مع الوضع و قيل بأن الاطراد أعمّ من الحقيقة لوجوده في المجاز و عدمه أعمّ من المجاز لوجوده في الحقيقة فليس شي‏ء منها دليلا و قيل إنّ الاطراد أعمّ و عدم الاطراد غير موجود بل جميع المجازات مطردة و قيل الاطراد أعمّ و عدم الاطراد خاصّ بالمجاز فيثبت به المجازية و لا يثبت الوضع بالاطراد فهناك أقوال أربعة و الحق هو الأخير و تحقيق الحقّ يتوقّف على تمهيد مقدّمة فنقول الاطراد عبارة عن عموم صحة استعمال اللّفظ في المعنى و بعبارة أخرى أن يكون استعمال في المعنى غير مختص ببعض الموارد بأن لا يختلف باختلاف الموارد كما يصحّ استعمال زيد في مسمّاه في جميع الموارد إنشاء و إخبارا أمرا و نهيا و هكذا سواء كان اختلاف الموارد موجبا لتكثّر المعنى حقيقة أو لا فالأوّل كالنخلة في الطّويل فإنّ اختلاف موارد استعماله يوجب اختلاف حقيقة الطّويل فإنه قد يلاحظ بالنّسبة إلى الإنسان الطّويل و قد يلاحظ بالنّسبة إلى الجبل و الحائط الطّويلين و حقيقة الطّول الحاصل في الإنسان غير الحاصل في الجبل حيث يلاحظ فيه القطر و العرض الخاص و الثّاني كالرقبة في الإنسان فإن اختلاف موارد استعماله إنما هو باختلاف الأحكام كما يقال أعتق الرّقبة أو اضرب الرّقبة أو جاء الرّقبة فإن الرّقبة واحدة و إنما المختلف أحكامه المتعلّقة بها و الاطراد عبارة عن صحّة استعماله في جميع الموارد سواء كان اختلاف الموارد موجبا لتكثر المعنى أو لا و عدمه عبارة عن عدم صحة ذلك بأن كان استعماله في بعضها صحيحا دون بعض أعمّ من أن يكون الاختلاف سببا لتكثّر المعنى أو لا هذا و الفرق بين الاطراد و الاستقراء ظاهر إذا الاستقراء عبارة عن الحكم على جملة بما وجد في جزئيّاتها و ذلك يتصور بوجهين أحدهما أنا نرى لفظ ضارب مثلا مستعملا في من قام به الضّرب و نعلم أنّه موضوع له لكن نشكّ في أنّه لوحظ تفصيلا بمادته الخاصّة و وضع له اللّفظ أو لا بل لوحظ إجمالا في ضمن قضيّة كليّة هي آلة لملاحظة الجزئيات أعني كلّ ما كان على زنة فاعل لكلّ من تلبس بالمبدإ فنثبت بالاستقراء أن الملاحظ هو الكلّيّة لا خصوص المواد و حينئذ فالوضع عام و الموضوع‏

44

له خاصّ و الثّاني أن نشكّ في كونه موضوعا بخصوصه تفصيلا و كونه موضوعا بالعرض بأن يكون الموضوع هيئة الفاعل لمن تلبس بالمبدإ فبالاستقراء نثبت أن الموضوع هو الهيئة لمن تلبس بالمبدإ فالوضع عام و الموضوع له عام و يظهر الثّمرة في صحّة قياس ما لم نجده من الأفراد على ما وجدناه لو أثبتنا أن الموضوع هو الهيئة أو أنّ المعتبر في الوضع هو القضية الكلّيّة و عدم صحته لو كان المعتبر هو خصوص كلّ واحد منها و بالجملة يعتبر في الاستقراء إحراز الوضع بالنّسبة إلى الجزئيات و يكون الشّكّ في أنّ الموضوع هل هو الهيئة أو لا فيثبت بالاستقراء بخلاف الاطراد فإن مورده الشّكّ في الوضع كما إذا رأينا استعمال الإنسان في الحيوان النّاطق و شككنا في أنّه حقيقة أو لا فباطراد استعماله فيه ثبت حقيقيّته فيه و بذلك ظهر أن تمثيل بعضهم للاطراد بوضع المشتقات ليس على وجهه إلاّ أن يقال إن في وضع المشتقات جهتين بالنسبة إلى الشّكّ في الموضوع هل هو الخصوص أو الهيئة و بالنسبة إلى الموضوع له هل هو ما تلبس بالمبدإ مطلقا أو لا بل خصوص كلّ مادة فبالاستقراء يثبت الأوّل و بالاطراد الثّاني إذا عرفت ذلك فنقول إنّه إذا لوحظ اللّفظ و المعنى الخاصّ فإمّا أن يصحّ استعماله فيه في جميع الموارد أو يختصّ ببعض موارد ذلك المعنى فالأوّل هو الاطراد و الثّاني عدمه و عدم الاطراد مختصّ بالمجاز إذ لا معنى لعدم اطراد الحقيقة لأن فائدة وضع اللّفظ للمعنى أن يصح استعماله فيه في أيّ مورد أريد ذلك حتى أنّه لا يجوز للواضع بعد الوضع أن يمنع عن الاستعمال لمنافاته لغرضه و بهذا رد كون وضع المبهمات عاما و الموضوع له عامّا فإنه قيل في تصحيحه إن الواضع بعد الوضع منع عن الاستعمال و لهذا لا يستعمل فيه فردّ بأنّه لا يجوز له أن يمنع عن الاستعمال بعد الوضع فإن معنى الوضع جعله علامة له فأي فائدة فيه إذا لم يجز استعماله فيه بخلاف المجاز فإنّ المدار فيه على العلائق و المناسبات الذّوقية فيجوز أن يكون المناسبة الحاصلة بين المعنى المجازي و الحقيقي الّتي هي منشأ صحّة استعماله منشئا في خصوص بعض الموارد دون بعض كما نشاهد في الرّقبة حيث يصحّ استعمالها في الإنسان في مورد تعلّق العتق الّذي هو مثل فكّ القيد المناسب للرقبة و لا يصحّ في مثل جلس الرّقبة أو نامت و نحوهما نعم لو كان محض المناسبة بين المعنى الحقيقي و المجازي معتبرا مع قطع النّظر عن مورد دون مورد الاطراد استعماله في جميع الموارد كالأسد في الشّجاع حيث لم يلاحظ فيه غير المناسبة في الشّجاعة فيصحّ استعماله فيه في جميع الموارد و بهذا صار الاطراد أعم من الحقيقة لوجوده في هذا القسم من المجاز و الحاصل أنا إذا رأينا استعمال اللّفظ في معنى و شككنا في وضعه له فنلاحظ سائر الموارد فإن رأينا صحّة استعماله في ذلك في الجميع لم نعرف وضعه لاحتمال كونه مجازا على القسم الثّاني و إن رأينا اختصاص‏

45

الصّحّة بذلك المورد دون سائر الموارد علمنا أنّه مجاز في المورد المستعمل فيه فإذا رأينا اختصاص استعمال الرّقبة بالإنسان بمورد العتق علمنا أنّه مجاز فيه في ذلك المورد لا في سائر الموارد الغير المستعملة فلا يرد ما ذكره بعضهم أن المجاز لا يمكن أن يكون غير مطرد فإنّه فيما يصحّ استعماله فيه مطرد و فيما لا يصحّ استعماله فيه غلط إلاّ أنّه مجاز و غير مطرد و ذلك لأنا لا نقول المجاز بعنوان أنّه مجاز غير مطرد بل نقول إن استعمال اللّفظ في المعنى إذا لم يطرد في جميع الموارد فعدم صحة استعماله في بعض الموارد كاشف عن كونه مجازا في الموارد التي يصحّ الاستعمال فيها و بما ذكرنا ظهر فساد ما قيل إن نكتة عدم الاطراد في المجاز هو أن المعتبر فيه هو نوع العلاقة و العلاقة ليست بعلة تامة بخلاف الوضع و ذلك لما علمت أنّ النّكتة أن العلاقة قد تلاحظ بخصوصية المقام لا أن نوع العلاقة كافية و قد توجد و لا يصحّ الاستعمال لأن النّوع ليس كافيا كما أن الشّخص ليس بلازم بل المدار هو المناسبة الذّوقيّة و عدم الاستعمال عرفا فعلم أن الاطراد أعمّ من الحقيقة و عدم الاطراد خاصة المجاز و الجواب عن عدم اطراد بعض الحقائق كالقارورة و السّخيّ و الفاضل واضح نعم ربما أمكن الاستدلال بالاطراد على الحقيقة بضميمة ندرة الاطراد في المجاز و لزومه في الحقيقة إلحاقا للمشكوك بالأعمّ الأغلب فإن قلت هلا جعلت الاطراد بلا قرينة علامة للحقيقة حتّى لا يكون أعمّ كما جعلت التّبادر و عدم صحّة السّلب كذلك قلت لأن الاطراد حينئذ معناه عموم الاستعمال بلا قرينة و نفس الاستعمال بلا قرينة علامة للوضع فلا نحتاج إلى عمومه فيكون الاطراد لغوا بل المراد من الاطراد عموم الاستعمال من حيث هو مطلقا

تذنيب‏

قد عرفت أن إجراء الاطراد في نفس المعنى ليس علامة للحقيقة لوجوده في المجاز فاعلم أنه يمكن إجراؤه في القيود اللاّحقة و يستكشف به عن الوضع و ذلك ما قيل إن صحة الاستثناء من اللّفظ دليل على وضعه للعموم فإن معنى الاعتناء حقيقة هو إخراج ما لولاه لدخل إذ هو مجاز في المنقطع و حينئذ فذكر الاستثناء دليل على شمول المستثنى منه للمستثنى و إلاّ لم يتحقق الإخراج و اعترض عليه بأن غاية ما يدل عليه الاستثناء دخوله في الإرادة لولاه أمّا دخوله في الوضع فلا و أجيب بأن محض صحة الاستثناء و إن احتمل ذلك لكن اطراد الصّحّة بالنسبة إلى جميع الاستعمالات حتى فيما لم يكن قرينة دليل على العموم لوجهين (أحدهما) أنه حينئذ كاشف عن استعمال اللّفظ في العموم بلا قرينة و هو معنى الوضع لا يقال فحينئذ محض الاستعمال بلا قرينة كاف و لا يحتاج إلى الاطراد قلنا الاطراد كاشف عن استعماله بلا قرينة لا أنا نعلم الاستعمال بلا قرينة جزما و يعلم الاطراد بالرّجوع إلى العرف فيمكن تحصيل العلم به إجمالا باطراد الاستعمال و يعلم منه استعماله فيه بلا قرينة أيضا في بعض الموارد لأنه معنى الاطراد و هو كاشف عن الوضع (و الثّاني) أن الاطراد

46

كاشف عن استعماله في العموم في جميع الموارد فيدلّ على وحدة المستعمل فيه و الأصل في الاستعمال الواحد الحقيقة و إلاّ لزم ثبوت المجاز بلا حقيقة و اعترض على الثّاني بأنه حينئذ مثبت لموضوع علامة أخرى و ليس علامة مستقلة و على الأول بأنّه لم لا يجوز أن لا يكون المستثنى منه موضوعا للعموم و استعمل فيه مجازا بقرينة الاستثناء و الجواب عن الثّاني أمّا أوّلا فبأن الاستثناء الفعلي لو سلم إمكان كونه قرينة فلا يضرّ بما نحن فيه لأنا نقول قابلية اللّفظ للاستثناء مطردا و عدم تنافره مع الاستثناء كلية دليل على أنّه موضوع لمعنى يقبله و هو العموم الاستثناء الفعلي و بهذا علم أنّه لا نحتاج إلى الدّليل الثّاني حتى يرد عليه الاعتراض بأنّه مثبت لموضوع علامة أخرى و أمّا ثانيا فبأنّ كون الاستثناء الفعلي قرينة على إرادة المجاز في العام من المستثنى منه أول الكلام لأنه مبنيّ على إجراء أصالة الحقيقة في الاستثناء و أنّه موضوع لإخراج ما لولاه لدخل و لا يمكن ذلك إلاّ بإرادة العموم من المستثنى منه فنقول لو كان المستثنى منه موضوعا للخصوص لكان مقتضى أصالة الحقيقة إرادة الخصوص فيعارض إجراء أصالة الحقيقة في الاستثناء لاستلزامه صيرورته منقطعا و ترجيح الثّاني على الأوّل محل كلام كما ذكروا فيما لو أقرّ بأنّ له علي دراهم إلاّ ثوبا فالأمر دائر بين إضمار المقدار حتى يكون الاستثناء متصلا و بين إرادة الانقطاع و ترجيح الأول محلّ نظر نعم يمكن ذلك أعني إجراء أصالة الحقيقة فيه و صيرورته قرينة فيما إذا لم يعارضه معارض و ذلك في موضعين أحدهما ما إذا حذف مميز المستثنى منه أو نفسه كقولنا له عشرة إلاّ درهما أو ما جاءني إلاّ زيد فهو قرينة على كون المستثنى منه شاملا للمستثنى و على كونه من جنسه و الثّاني فيما لو كان المستثنى منه مشتركا بين الخاص و العام فذكر الاستثناء قرينة على إرادة العموم بضميمة أصالة الحقيقة فإمكان كون الاستثناء قرينة لمجازية المستثنى منه مطلقا محل كلام فعلم بذلك أن اطراد صحّة الاستثناء و قابلية اللّفظ له كلية دليل على وضعه للعموم و المناقشة في ذلك باطلة

و منها صحة التّقسيم‏

و هو إمّا بالأداة كالتقسيم بكلمة إمّا و أو و إمّا بالمادة كقولنا ينقسم الكلمة إلى الاسم و الفعل و الحرف و على أيّ تقدير فهو كاشف عن استعمال اللّفظ في القدر الجامع بين الأقسام و أنّه الموضوع له فهنا مقامان الأول في دلالته على الاستعمال في القدر المشترك الذي هو كلي و الثّاني في إثبات أنّه موضوع له أمّا المقام الأوّل فنقول استدلّ على ذلك بالدليل العقلي و هو أن المقسم لا يخلو إمّا أن يكون أحد الأقسام أو مباينا لها أو قدرا مشتركا بينها و الأوّلان باطلان فتعيّن الثّالث و استدلّ بعضهم على ذلك في خصوص المادة مضافا إلى ما ذكر بأن لفظ القسمة موضوع للدّلالة على كون المقسم قدرا مشتركا بين الأقسام و يشكل ذلك بأنّ معنى القسمة التّبعيض و التّجزئة

47

فهي تصدق بكون المقسم مركّبا و الأقسام أجزاؤه لا قدرا مشتركا بينهما بل القسمة موضوعة لذلك فإن قلت إنها تستعمل في تقسيم الكلي إلى الأفراد أيضا مع أنّه ليس مركّبا ذا أجزاء قلت استعمال القسمة في ذلك إنّما هو بالنّظر إلى أن الكلي بحسب تعدّد وجوده بالنسبة إلى الأفراد معروض للكثرة التي تنقسم إلى أفراد الكليّ فالأفراد بهذا الاعتبار أجزاء فيصحّ استعمال القسمة فيه بهذه الجهة و لذا قيل إن الأمر البسيط من جميع الجهات ليس قابلا للقسمة و ذلك لاشتراط الكثرة في المقسم و لا تعلق لما ذكر بالبحث إذ لا كلام لنا في خصوص المادّة إنما الكلام في القسمة مطلقا و قد عرفت دلالته على كون المقسم أمرا عاما بالدّليل العقلي أو غيره و هو ظاهر و أمّا المقام الثّاني و هو إثبات أنّ القدر المشترك هو الموضوع له فقد استدلّ له بوجوه ثلاثة (أحدها) أن معنى تقسيم شي‏ء إلى أمور كونه موضوعا للعام الشّامل لتلك الأمور فإن معنى القسمة ضم القيود إلى الكليّ لتحصيل الأقسام و (الثّاني) أن مقتضى القسمة حمل المقسم على الأقسام فإنّ قولنا الكلمة اسم أو فعل يستلزم حمل الكلمة على الاسم و الفعل بطريق العكس المستوي و هو قولنا الاسم كلمة و ظاهر الحمل كون الموضوع من الأفراد الحقيقية للمحمول و بعبارة أخرى التّقسيم يستلزم صدق عنوان المقسم على مصداق الأفراد حقيقة لأن المقسم محمول في العكس و الأفراد موضوع و المحمول يراد به العنوان كما أن المراد بالموضوع المصداق و مقتضاه صدق الكلمة عنوانا على مصاديق الاسم و الفعل و الحرف حقيقة و الثّالث أن الغالب في التّقاسيم تقسيم المعنى الحقيقي و تقسيم المجازات نادرا و اعترض على الأوّل بأن التّقسيم إنما يدلّ على الاستعمال في العام لا على كونه موضوعا له و القول بأصالة الحقيقة في الاستعمال باطل لما سيجي‏ء و على الثّاني بأنّ قوله إن الظّاهر من الحمل كون الموضوع من الأفراد الحقيقيّة للمحمول إن أراد من الحقيقيّة فيه الواقعي مقابل الادّعائي فلا يستلزم المطلوب و هو الوضع و إن أراد به مقابل المجازي فغير مسلم لوجود الحمل بالنّسبة إلى المعنى المجازي أيضا و يشهد لذلك أنّهم أعرضوا عن صحّة الحمل إلى عدم صحة السّلب في علامة الحقيقة و أيضا لو كان صحّة الحمل علامة الحقيقة لكان مقتضاه أن الأصل في الاستعمال الحقيقة كما يقوله السّيّد المرتضى لوجود الحمل في المجازات أيضا فإن قولنا رأيت أسدا يرمي معناه رأيت من هو من أفراد الرّجل الشّجاع الّذي هو الحيوان المفترس على ما بيّن في محله فهو أيضا متضمّن لحمل الأسد على زيد مثلا و لو ضمنا و مقتضى ما ذكر أن يكون حقيقة و إن قيل أنّ الكلام في الحمل المجرّد عن القرينة و الحمل في المجازات مستند إلى القرينة قلنا القرينة الخارجيّة يمكن تجرّد الحمل عنها لكن لم لا يجوز أن يكون علم السّامع و المتكلّم بالتغاير قرينة على المجازية كما يقال البليد حمار بدون نصب قرينة و ذلك‏

48

لأن علمهم بالتغاير قرينة المجازية و الحاصل أن الحمل بلا قرينة أيضا موجود في المجازات فلو قيل بأنه دليل الحقيقة لزم القول بأن الأصل في الاستعمال الحقيقة مع أنّه باطل و على الثّالث بمعنى الغلبة المفيدة للظّنّ و عدم كفاية مجرّد الغلبة بدون إفادتها الظّنّ هذا حاصل ما قيل في الاعتراض و أقول أمّا الاعتراض الأوّل فصحيح و أمّا الثّاني و الثّالث فباطلان أمّا الثّاني فلأنّ مبناه أنّ العلم بالتغاير يمكن أن يكون قرينة على مجازيّة المحمول و هو باطل لأنّ الكلام إنما هو في أن حمل المعنى الحقيقي على شي‏ء دليل فرديّة له و هذا مما لا يرد عليه شي‏ء لا أن القضيّة الحملية دليل عليه مع أنّ لنا أن نقول بالثاني أيضا لأن احتمال كون العلم بالتغاير قرينة المجازيّة غير معتبر في العرف لما عرفت سابقا من أنّه يستلزم أن لا يجوز لغير المخاطب حمل كلام المتكلّم على ظاهره مضافا إلى أن العلم بالتغاير لا يعين مجازيّة المحمول بل إنما يقتضي صرف الكلام عن ظاهره إمّا بمجازية المحمول أو ادعائية الحمل فيصير مجملا فقول المتكلّم الفقّاع خمر يحتمل أنّه لما كان عالما بتباينهما فعلمه بذلك قرينة على إرادة خلاف الظّاهر إمّا بمجازية الخمر بعلاقة الشّباهة في الإسكار فيثبت بالحمل أن الفقّاع أيضا مسكر أو بادعائية الحمل بأن يكون المراد حقيقة الخمر و يكون حمله على الفقّاع ادعائية لوجود جميع أحكامه فيه فعلى الأوّل لا يثبت حكم الخمر للفقّاع بخلاف الثّاني فيصير مجملا و كذا لو قال زيد ابني يحتمل أنّه عالم بالتغاير و هو قرينة على مجازية الابن في الابن التّعليمي مثلا و ادّعائية الحمل فلا يكون إقرارا مع أنا نراهم يجعلون ذلك إقرارا و لا يعتبرون هذه الاحتمالات مع أنّ الاحتمال المذكور ثابت في عدم صحّة السّلب و كذا في صحّة السّلب على ما سبق و ليس وجه إعراضهم عن صحّة الحمل إلى عدم صحّة السّلب ما ذكر بل الوجه جعله مقابلا لصحّة السّلب مع أن بعضهم ذكر صحّة الحمل دون عدم صحة السّلب فافهم و أمّا الثّالث فلأنّ الإنصاف أنّ الغالب في التّقاسيم تقسيم المعنى الحقيقي و تقسيم المجازي لا يمكن إلاّ بإرادة مفهوم المسمّى و هو نادر جدّا فلو قيل العين على أقسام ذهب و فضة و غيرهما لكان قبيحا من القول كما إذا قيل زيد على أقسام زيد بن عمرو و زيد بن بكر و غيرهما

تنبيهان‏

الأوّل‏

المقسم قد يكون ذاتيّا للأقسام كقولهم الحيوان إمّا إنسان أو بقر و قد يكون عرضيّا كقولهم الحيوان إمّا أبيض أو أسود لعدم مأخوذية مفهوم المقسم في الأقسام في هذا القسم و لا ينافي ذلك ما سبق أن المقسم معتبر في الأقسام لأن المراد بالأبيض في التّقسيم الحيوان الأبيض لكن ليس الحيوان معتبرا في مفهوم الأبيض من حيث هو و إذا شك في أن المقسم ذاتيّ أو عرضيّ فهل الأصل الأوّل أو الثّاني محل نظر مبني على أن الغالب أيّهما و تعيّنه مشكل و يظهر الثّمرة في تعيين معنى القسم أيضا بصحّة التّقسيم على الأوّل دون الثّاني فلو قيل الغراب على قسمين أبيض و أسود و شكّ في أنّ الأبيض أي شي‏ء فعلى الأوّل‏

49

يختصّ الأبيض بنوع الغراب لأنّ الغراب حينئذ ذاتي له فلو ورد حكم على عنوان الأبيض اختصّ بالغراب الأبيض بخلاف الثّاني لاحتمال وجود الأبيض في غير الغراب أيضا لكن الأبيض من الغراب هو القدر المتيقّن فيتعلّق به الحكم قطعا و أما تعديه إلى الغير أيضا فهو موقوف على دليل خارجي يعيّن وجوده في شي‏ء آخر أو انحصاره في الغراب مثلا و مع الشّكّ يرجع إلى الأصول العملية

الثّاني‏

هل الظّاهر من التّقسيم انحصار المقسم في الأقسام المذكورة الظّاهر نعم لو كان في كلام جماعة من أهل اللّغة المتصفحين المتتبّعين لأن عدم ذكرهم له دليل على عدم وجدانهم و يحصل منه الظّنّ بعدم الوجود أما لو وقع في كلام غيرهم فلا يظهر الثّمرة في موضعين أحدهما في التّعارض فإنه لو أفاد الحصر تعارض مع كلام من أثبت قسما آخر و الثّاني فيما إذا ورد الحكم على المقسم فلو أفاد الحصر لم يحصل الامتثال إلا بالأقسام المذكورة دون المشكوكة و إلاّ فما أمكن الامتثال بالمعلومة تعيّن و إلاّ وجب الإتيان بالمشكوكة لقاعدة الاشتغال نظير ما قيل إنه إذا أمر بعتق الرّقبة و شكّ في إرادة المؤمنة أو الأعم فما أمكن عتق المؤمنة تعيّن و إلا وجب عتق الكافرة للقاعدة المذكورة

و منها الاستقراء

و عرفه المحقق بأنّه الحكم على جملة بحكم وجد فيما اعتبر من جزئيات تلك الجملة و هو تعريف بالغاية إذ الاستقراء هو تصفح الجزئيات لإثبات حكم كلي و هو باصطلاح الأصوليّين يطلق على قاعدة الغلبة أيضا و هي عبارة عن إثبات الحكم للكلي بوجوده في أغلب الأفراد و إن كان هناك فرد لم يثبت الحكم فيه قطعا لكن يستثنى الأفراد المنتفية الحكم عن الكلي كما يقال كل حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ إلاّ التّمساح و يلحق الأفراد المشكوكة بالغالب فيدخل تحت الكلي و الحاصل أنه أعمّ مما إذا ثبت الحكم في جميع الجزئيات فيحكم على الكلّي بالحكم المذكور كما إذا وجد جميع جزئيات هيئة فاعل موضوعا لمن تلبس بالمبدإ فيحكم بأن الهيئة موضوعة لذلك و كذا إن الرّفع علامة الفاعلية إذ الاستقراء كما يثبت وضع اللّفظ كذا يثبت وضع صفاته من الإعراب و البناء و نحوهما و هذا هو الاستقراء المنطقي و مما إذا ثبت الحكم في الغالب و انتفى في النّادر فتلحق المشكوكة بالغالب فيحكم على جملة المشكوكة و المعلومة بحكم الجزئيات المعلومة و هذا هو القاعدة الغلبة و الغالب في الاستقراء المذكور في الأصول هو هذا القسم و يمكن دخوله في التّعريف المذكور بأن يراد من الجملة أعمّ من الكليّ الشّامل لجميع الأفراد و من جملة الجزئيّات المعلومة و المشكوكة ثم إن بعضهم منع عن العمل بالقسم الثّاني أعني قاعدة الغلبة نظر إلى أنه قياس و هو منهيّ عنه و للاتفاق على عدم حجيّته في اللّغات و ذلك لأن القياس هو مشاركة جزئي لجزئي في علّة الحكم ليثبت فيه و هنا أيضا كذلك‏

50

حيث الحق الأفراد المشكوكة بالمعلومة في الحكم الجامع دخولها تحت الكليّ و أجاب بعضهم بأنّ الإلحاق في القياس إنّما هو الجامع بخلاف الاستقراء فإنه عبارة عن تساوي الشّيئين في الحكم لا الجامع و فيه أنّه لا معنى لذلك فإن إلحاق شي‏ء بشي‏ء بدون أن يكون بينهما مناسبة لا معنى له و يؤيد الاحتياج إلى الجامع تقسيم الاستقراء إلى الجنسي و النّوعي و الصّنفي و إن الصّنفي مقدّم على النّوعي و هو على الجنسي فالواحد من أفراد الجنسي يحكم بسواده إلحاقا له بصنفه لا ببياضه إلحاقا له بنوعه و ليس ذلك إلاّ للاحتياج إلى الجامع و إن كان من محض الاتفاق لم يكن لتقديم الصّنفي على النّوعي وجه و كذا تقديم النّوعي على الجنسي و الأولى في الجواب أن يقال إنّ الجامع في الاستقراء يعلم بنفس الغلبة و لا يحتاج إلى استنباط و اجتهاد فهو كالقضايا التي قياساتها معها نظير التّجربيّات و الحاصل أن الغلبة لازم الوضع للكلي وجدانا لبعد اتحاد الوضع بالنسبة إلى الجزئيات المتباينة و حينئذ فإثبات الوضع به من باب طريق الإنّ استدلالا باللاّزم على وجود الملزوم و إثبات الملازمة من الوجدان كالتّجربيّات بخلاف القياس فإن ثبوت ملازمة الحرمة مع الإسكار ليس وجدانيّا بل يحتاج إلى الاستنباط و الاجتهاد في تعيين العلّة فهو الدّليل اللّمي الغير المعتبر في اللّغات بخلاف الاستقراء و لعل مراد من قال بعدم احتياج الاستقراء إلى جامع أنه لا يحتاج إلى الاستنباط و الاجتهاد في تعيينه بل هو واضح بنفس الغلبة فهو كالقياس المنصوص العلة مضافا إلى أنّ تعيين الجامع بالغلبة لا يسمى قياسا في الاصطلاح و النّهي و بالاتفاق إنما تعلّقا بعنوان القياس فافهم ثم إن الغالب في الاستقراء أنّه يثبت الوضع الشّخصي كما ذكروا في إثبات الحقيقة الشّرعيّة من استقراء أرباب الحرف و الصّنائع فإن كلّ لفظ كان لهم فيه اصطلاح جديد فهو مستعمل في ذلك بطريق الحقيقة لا المجاز فكذا الألفاظ المستعملة في المعاني الشّرعيّة فهذا الاستقراء و إن أثبت القاعدة الكلية و هي أن كل لفظ استعمل في معنى جديد في اصطلاح الشّارع فهو موضوع له لكن الغرض منه وضع مثل الصّلاة و الزكاة و نحوهما و الوضع فيها شخصي لا نوعي و الفرق ظاهر بين الوضع النّوعي و بين القضيّة الكليّة المذكورة و هي أن كل لفظ إلى آخره فإنّ الوضع النّوعي عبارة عن كون الموضوع نوعا و القضية المذكورة ليس معناها أن النّوع موضوع بل هي آلة لملاحظة الأوضاع الثّابتة في الألفاظ نوعيّا كان أو شخصيا كما يقال إنّ جميع الألفاظ موضوع لمعنى فهذا غير الوضع النّوعي المتداول في الألسنة و الكتب و الحاصل أن الثّابت بالاستقراء هو القاعدة الكليّة سواء كان في الوضع النّوعي أو الشّخصي أو في طريقة استعمال اللّفظ في المعنى كعدم جواز استعمال المشترك في المعنيين و اللّفظ في المعنى الحقيقي و المجازي أو في طريقة التّجوز و أن المدار فيه على الذّوق‏