فرائد الأصول(حواشي أوثق الوسائل) - ج6

- الميرزا موسى التبريزي المزيد...
472 /
5

-

6

المجلد السادس‏

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة المقام الثاني‏]

[تتمة تعارض الاستصحاب مع سائر الأمارات و الأصول‏]

[تتمة المقام الأول‏]

[المسألة الثانية] في قاعدة الفراغ و التجاوز

7

المسألة الثانية: في أنّ أصالة الصحّة في العمل (2608)

____________

2608. اعلم أنّا إن قلنا باختصاص مورد قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة بفعل غير الحامل، فالنسبة بينها و بين قاعدة الشكّ بعد الفراغ هو التباين.

و إن قلنا بكونه أعمّ منه و من فعل الحامل، بناء على ما يظهر من بعضهم من شمول الاولى لفعله كما سيجي‏ء في محلّه، فالنسبة بينهما بحسب المورد بالنسبة إلى فعل الحامل عموم من وجه، لاختصاص الاولى بما كان الشكّ فيه في وجه الفعل و صفته، أعني: صحّته بعد إحراز وقوعه، و عمومها لما كان الشكّ فيه قبل تجاوز المحلّ و بعده، و اختصاص الثانية بما كان الشكّ فيه بعد تجاوز المحلّ و عمومها لما كان الشكّ فيه في الصفة أو الموصوف، ففي مادّة الاجتماع يحكم بالصحّة من وجهين. و تظهر الثمرة في مورد الاجتماع في المعاملات، بناء على اختصاص الثانية بالعبادات مطلقا أو في الجملة على الخلاف كما سيجي‏ء، فيحكم بالصحّة حينئذ لأجل القاعدة الاولى دون الثانية.

و قيل: لا بدّ حينئذ من تخصيصها بصورة تجاوز المحلّ، تخصيصا لها بمفهوم عمومات قاعدة الفراغ، مثل قوله (عليه السّلام): «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء» فإنّ عموم القاعدة الاولى يعمّ صورة تجاوز المحلّ و عدمه، فيخصّص بمفهوم «إذا خرجت». و فيه إشكال بل منع، لما تقرّر في محلّه من عدم جواز العمل بمفهوم الدليل مع عدم العمل بمنطوقه، و المقام من قبيل ذلك، لفرض عدم العمل بقاعدة الفراغ في المعاملات.

8

بعد الفراغ عنه لا يعارض بها الاستصحاب إمّا لكونها من الأمارات، كما يشعر به (2609) قوله (صلّى اللّه عليه و آله)- في بعض روايات ذلك الأصل-:" هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ"

1

، و إمّا لأنّها و إن كانت من الاصول إلّا أنّ الأمر بالأخذ بها في مورد الاستصحاب (2610) يدلّ على تقديمها عليه، فهي خاصّة بالنسبة إليه، يخصّص بأدلّتها أدلّته، و لا إشكال في شي‏ء من ذلك.

إنّما الإشكال في تعيين مورد ذلك الأصل من وجهين: أحدهما من جهة تعيين معنى" الفراغ" و" التجاوز" المعتبر في الحكم بالصحّة، و أنّه هل يكتفى به أو يعتبر الدخول في غيره؟ و أنّ المراد بالغير ما هو؟ الثاني: من جهة أنّ الشك في وصف الصحّة للشي‏ء ملحق بالشكّ في أصل الشي‏ء أم لا؟

و توضيح الإشكال من الوجهين موقوف على ذكر الأخبار (2611) الواردة في هذه القاعدة، ليزول ببركة تلك الأخبار كلّ شبهة حدثت أو تحدث في هذا المضمار،

____________

2609. لأنّه بمنزلة العلّة. و حاصلها: أنّ الغالب في مورد القاعدة هو التفات الفاعل إلى فعله و صفته من الصحّة و الفساد، و العاقل الملتفت لا يتعمّد إلى ترك الفعل أو إلى إيقاعه على وجه الفساد، مع كونه مطلوبا منه على وجه الصحّة.

2610. لأنّ الشكّ في مورد القاعدة إمّا في صفة الفعل أو وقوعه، و الأصل عدم كلّ منهما، فلو لم تكن القاعدة مقدّمة على الاستصحاب للغي اعتبارها و لعري عن الفائدة. و يرشد إليه تقديمها عليه في مورد الأخبار الواردة في المقام.

2611. استدلّ عليه أيضا- مضافا إلى الأخبار- بوجوه أخر، منها: الإجماع في الجملة. و منها: بناء العقلاء على الصحّة بعد تجاوز المحلّ. و منها: ظهور حال العاقل المريد لإيقاع الفعل على وجه الصحّة، كما أشار إليه فخر الدين في الإيضاح في مسألة من شكّ في بعض أفعال الغسل، قال: «إنّ الأصل في فعل العاقل المكلّف، الذي يقصد براءة ذمّته بفعل صحيح، و هو يعلم الكيفيّة و الكميّة، الصحّة» انتهى.

و منها: الغلبة، لأنّ الغالب في الأفعال الصحّة، فتأمّل جيّدا.

9

فنقول مستعينا باللّه: روى زرارة في الصحيح (2612) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال:" إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء"

2

. و روي إسماعيل (2613) بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:" إنّ شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض، كلّ شي‏ء شكّ فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه"

3

. و هاتان الروايتان ظاهرتان في اعتبار الدخول في غير المشكوك. و في الموثّقة (2614):" كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو"

4

. و هذه الموثّقة ظاهرة في عدم اعتبار الدخول في الغير. و في موثّقة ابن أبي يعفور:" إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء، إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه". و ظاهر صدر هذه الموثقة كالاوليين و ظاهر عجزها كالثالثة. هذه تمام ما وصل إلينا من الأخبار العامّة.

و ربّما يستفاد العموم (2615) من بعض ما ورد في الموارد الخاصّة، مثل:

____________

2612. قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الإقامة؟ قال: يمضي. قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ؟ قال: يمضي. قلت: شكّ في القراءة و قد ركع؟ قال: يمضي. قلت: شكّ في الركوع و قد سجد؟ قال: يمضي على صلاته. ثمّ قال: يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء».

و مثلها ما رواه الحلبي عن الصادق (عليه السّلام) و هي مرويّة في الفقيه، إلّا أنّ فيها: «و كلّ شي‏ء شكّ فيه و قد دخل في حالة اخرى فليمض، و لا يلتفت إلى الشكّ» الحديث.

2613. رواه عنه الشيخ في الحسن بمحمّد بن عيسى الأشعري.

2614. قيل رواه الشيخ في الصحيح عن ابن بكير الثقة الذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام).

2615. أمّا من الأوليين فبتنقيح المناط و إلغاء خصوصيّة المحلّ، و استفادة ورودهما لبيان إعطاء القاعدة. و فيه نظر. و أمّا من الثالثة فبتضمّنها لما هو بمنزلة العلّة المنصوصة.

10

قوله (عليه السّلام) في الشكّ في فعل الصلاة بعد خروج الوقت من قوله (عليه السّلام):" و إن كان بعد ما خرج وقتها فقد دخل حائل فلا إعادة"، و قوله (عليه السّلام):" كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فأمضه كما هو". و قوله (عليه السّلام) فيمن شكّ في الوضوء بعد ما فرغ:

" هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ". و لعلّ المتتبّع يعثر (2616) على أزيد من ذلك.

و حيث إنّ مضمونها لا يختصّ بالطهارة و الصلاة، بل يجري في غيرهما كالحجّ، فالمناسب الاهتمام في تنقيح مضامينها و دفع ما يتراءى من التعارض بينها، فنقول مستعينا باللّه، فإنّه وليّ التوفيق.

[الكلام يقع في مواضع‏]

[الموضع الأوّل: أنّ الشكّ في الشي‏ء ظاهر لغة و عرفا في الشكّ في وجوده‏]

إنّ الكلام يقع في مواضع: الموضع الأوّل: أنّ الشكّ في الشي‏ء ظاهر لغة و عرفا في الشكّ في وجوده، إلّا أنّ تقييد ذلك في الروايات بالخروج عنه و مضيّه و التجاوز عنه، ربّما يصير قرينة على إرادة كون وجود أصل الشي‏ء مفروغا عنه، و كون الشكّ فيه باعتبار الشكّ في بعض ما يعتبر فيه شرطا أو شطرا.

____________

2616. منها ما رواه في الفقيه عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: «إن شكّ الرجل بعد ما صلّى فلم يدر ثلاثا صلّى أم أربعا، و كان يقينه حين انصرف أنّه كان قد أتمّ، لم يعد الصلاة، و كان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك». و هي و إن كانت أخصّ من المدّعى، لأجل اختصاص موردها بصورة اليقين بالإتمام حين العمل، إلّا أنّه يمكن إتمامها بعدم القول بالفصل. و فيه نظر، لأنّها بظاهرها إنّما تدلّ على اعتبار الشكّ الساري لا قاعدة الفراغ، و قد تقدّم الفرق بينهما في كلام المصنّف (رحمه اللّه).

و منها: ما في ذيل صحيحة زرارة: «فإذا قمت عن الوضوء و فرغت عنه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو غيرها، فشككت في بعض ما سمّى اللّه ممّا أوجب اللّه، لا شي‏ء عليك». و منها: ما رواه محمّد بن مسلم في الصحيح عن الصادق (عليه السّلام): «رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة؟ قال: يمضي على صلاته و لا يعيد».

11

نعم لو اريد الخروج و التجاوز عن محلّه، أمكن إرادة المعنى الظاهر (2617) من الشكّ في الشي‏ء. و هذا هو المتعيّن، لأنّ إرادة الأعمّ (2618) من الشكّ في وجود الشي‏ء و الشكّ الواقع في الشي‏ء الموجود، في استعمال واحد، غير صحيح. و كذا إرادة خصوص الثاني، لأنّ مورد غير واحد من تلك الأخبار هو الأوّل، و لكن‏

____________

2617. لأنّه إذا اريد بالتجاوز في قوله (عليه السّلام): «كلّ شي‏ء شكّ فيه و قد جاوزه» هو التجاوز عن محلّ الشي‏ء المشكوك فيه، فهو لا ينافي كون المراد بالشكّ فيه الشكّ في وجوده دون صفته.

2618. توضيحه: أنّ الشكّ في الشي‏ء تارة يطلق و يراد به كون الشي‏ء مشكوكا فيه، فيكون لفظ «في» حينئذ صلة لا ظرفا و يكون مؤدّاه الشكّ في وجوده. و اخرى يراد به الشكّ الواقع في الشي‏ء الموجود، بأن كان لفظ «في الشي‏ء» ظرفا مستقرّا متعلقا بأفعال العموم، و المراد بوقوع الشكّ في الشي‏ء الموجود و كونه ظرفا له تعلّق الشكّ بما يعتبر فيه شطرا أو شرطا، لأنّه مع الشكّ في بعض ما يعتبر في الشي‏ء الموجود ينزّل منزلة وقوعه فيه، فيعبّر عنه بالشكّ في الشي‏ء، على أن يكون الظرف صفة للشكّ من باب المسامحة. و هذان المعنيان لا تصحّ إرادتهما من كلام واحد إلّا على القول بجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، و هو ضعيف كما قرّر في محلّه.

و قد أورد عليه بعض مشايخنا بأنّ حمله على إرادة المعنى الأوّل لا ينافي شمول الأخبار لصورتي الشكّ في وجود شي‏ء و الشكّ في صفته، أعني: الصحّة فيما نحن فيه، بناء على كون الشكّ في وجوده أعمّ من الشكّ في وجوده الواقعي و الشرعيّ، لأنّ ما ليس بصحيح شرعا ليس بموجود كذلك، فعلى التقديرين يصدق كون الشكّ في وجوده.

و يمكن دفعه بأنّ المنساق من الشكّ في الشي‏ء هو الشكّ في وجوده الواقعي، و حمله على المعنى الأعمّ يحتاج إلى قرينة، فتأمّل.

12

يبعد ذلك في ظاهر موثّقة محمّد بن مسلم من جهة قوله:" فأمضه (2619) كما هو"، بل لا يصحّ ذلك (2620) في موثّقة ابن أبي يعفور، كما لا يخفى.

لكنّ الإنصاف: إمكان تطبيق (2621) موثّقة محمد بن مسلم على ما في الروايات، و أمّا هذه الموثّقة فسيأتي توجيهها على وجه لا تعارض الروايات إن شاء اللّه تعالى.

[الموضع الثاني أنّ المراد بمحلّ الفعل المشكوك في وجوده هو الموضع الذي لو اتي به فيه لم يلزم منه اختلال في الترتيب‏]

الموضع الثاني: أنّ المراد بمحلّ الفعل (2622) المشكوك في وجوده هو الموضع‏

(*)

____________

2619. لأنّ وجوب البناء على وقوع الفعل على ما هو عليه في الواقع من الاشتمال على أجزائه و شرائطه، ظاهر في اختصاص الحكم بصورة الشكّ في صحّة الفعل بعد إحراز وقوعه لا في نفس الوقوع.

2620. لصراحتها في اعتبار كون الشكّ في بعض ما يعتبر في الوضوء شطرا أو شرطا، فتكون صريحة في الشكّ في الصحّة. و لكن قد يقال بأنّ ظاهرها فرض الشكّ في وجود ما يعتبر في الوضوء، لا في صحّة الوضوء باعتبار بعض ما يعتبر فيه. و الفرق بينهما واضح، و إن كان الأوّل مستلزما للثاني، و حينئذ يتعيّن حملها على إرادة المعنى الأوّل. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ المراد بقوله: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء» هو الشكّ في صحّة الوضوء. و التصريح بكون الشكّ في وجود بعض ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا، إنّما هو من جهة أنّ الشكّ لا بدّ أن يكون ناشئا من الشكّ في وجود بعض ما يعتبر فيه و يؤيّده رجوع الضمير في «غيره» إلى الوضوء دون المشكوك فيه كما سيجي‏ء، فإنّ اعتبار الدخول في غير الوضوء يؤيّد كون المقصود بالشكّ المقصود بيان حكمه هو الشكّ في صحّة الوضوء، لا الشكّ في خصوص ما يعتبر فيه.

2621. بأن يراد بقوله «امضه كما هو» هو البناء على وقوعه على نحو ما ينبغي أن يقع عليه، لا البناء على كون الواقع واقعا على ما ينبغي أن يقع عليه.

2622. هذا مبنيّ على كفاية مجرّد التجاوز عن محلّ الفعل المشكوك في وجوده أو صحّته في عدم الاعتداد بالشكّ. و أمّا على القول باعتبار الدخول في‏

____________

(*) في بعض النسخ: بدل «الموضع»، الموضوع.

13

الغير، فلا بدّ أن يكون هذا الغير مترتّبا على المشكوك فيه، بأن كانت مرتبته بعد مرتبته، لأنّه مقتضى اعتبار التجاوز عنه و الدخول في غيره. و الترتّب بالمعنى المذكور إمّا أن يكون شرعيّا، كأفعال الصلاة و الطهارات و الحجّ و نحوها. و إمّا أن يكون عاديّا، كاعتياد الاستبراء قبل الاستنجاء. و إمّا أن يكون عقليّا، كترتّب الحرف الساكن على المتحرّك، بأن شكّ حين التكلّم بالساكن في أنّه انتقل إليه من الحرف المتحرّك قبله أو من متحرّك آخر بدله، فإذا شكّ في حال التكلّم بكاف كلمة «أكبر» في أنّه انتقل إليه من الهمزة المتحرّكة أو من متحرّك آخر، بنى على الأوّل هذا و المتيقّن من كلمات الأصحاب في جريان القاعدة هو ما كان الترتّب فيه شرعيّا أو عقليّا، و لكن إطلاق الأخبار يشمل الجميع.

ثمّ إنّ الترتّب إمّا أن يكون وضعيّا، بمعنى توقّف صحّة الفعل الثاني على الإتيان بالأوّل كما في أفعال الطهارات و الصلاة. و إمّا أن يكون تكليفيّا، بأن يجب الإتيان بأحدهما قبل الآخر، و إن صحّ مع التأخّر أيضا. فثمرة التأخير مجرّد حصول العصيان به في الإلزاميّات، كأفعال منى في الحجّ، لأنّ رمي الجمرة مثلا واجب قبل الحلق، إلّا أنّ العمل مع التأخير يقع صحيحا أيضا. و كذا سجدتا السهو بالنسبة إلى الفراغ من الصلاة إذا وقع فيها ما يوجبهما، و مثلهما الأذان و الإقامة من المندوبات، فإنّ مرتبتها متأخّرة عن مرتبته في التكليف الندبي. و قد تضمّن حكم الشكّ في الأذان بعد الدخول في الإقامة صحيحتا زرارة و الحلبي المتقدّمتان سابقا. و إمّا أن يكون في الكمال، بأن يتوقّف كمال أحدهما على تقدّم الآخر عليه، كتوقّف كمال قراءة القرآن على تقدّم الطهارة و الاستقبال، و توقّف كمال الصلاة على تقدّم الإقامة عليها. و قد تضمّنت الصحيحتان حكم الشكّ في الإقامة، فمع الشكّ في وقوع ما ينبغي تقدّمه يبنى على وقوعه. و المتيقّن من كلمات الأصحاب في جريان القاعدة هو الأوّل، و إن كانت الأخبار تعمّ الجميع، و هو أيضا ظاهر جماعة من المتأخّرين ممّن التزم بعموم الأخبار.

14

الذي لو اتي به فيه لم يلزم منه اختلال في الترتيب المقرّر. و بعبارة اخرى: محلّ الشي‏ء هي المرتبة المقرّرة له بحكم العقل (2623) أو بوضع الشارع أو غيره و لو كان نفس المكلّف من جهة اعتياده بإتيان ذلك المشكوك في ذلك المحلّ. فمحلّ تكبيرة الإحرام قبل الشروع في الاستعاذة لأجل القراءة بحكم الشارع، و محلّ كلمة" أكبر" قبل تخلّل الفصل الطويل بينه و بين لفظ الجلالة بحكم الطريقة المألوفة في نظم الكلام، و محلّ الراء من" أكبر" قبل أدنى فصل يوجب الابتداء بالساكن بحكم العقل، و محلّ غسل الجانب الأيسر أو بعضه في غسل الجنابة لمن اعتاد الموالاة فيه قبل تخلّل فصل يخلّ بما اعتاده من الموالاة.

____________

ثمّ إنّ اعتبار الترتّب فيما حصل الترتّب فيه بين الفعلين بحسب الوضع أو العادة أو الكمال واضح. و أمّا في غيره، مثل ما لو شكّ في بعض حالاته في الإتيان بالصلاة أو إحدى الطهارات أو غيرهما، أو في إيقاعها على الوجه المأمور به، فلا بدّ حينئذ من اعتبار الدخول في الفعل الذي اعتبر الشارع عدمه في المشكوك فيه، كالأكل و الشرب و المشي و النوم و نحوها بالنسبة إلى الصلاة، فإنّ مرتبة هذه الامور متأخّرة عنها، لأنّ المراد بالترتّب- كما عرفت- مجرّد كون الفعل الذي حصل الشكّ بعد الدخول فيه ممّا من شأنه أن يوقع بعد المشكوك فيه على بعض الوجوه، فإذا اعتاد الإتيان بالصلاة في أوّل وقتها، فإذا شكّ في الإتيان بها بعد مضيّ الوقت المعتاد مع الاشتغال بما ينافيها، لا يعتدّ بهذا الشكّ و يحكم بوقوعها.

2623. يعني: أنّ الابتداء بالساكن لمّا كان محالا عقلا (*)، فلازم هذا الحكم العقلي أن يكون محلّ الراء من كلمة «أكبر» قبل الفصل اليسير. و أنت خبير بأنّ‏

____________

(*) في هامش الطبعة الحجريّة: «قوله: محالا عقلا ...، عند الجمهور، خلافا لبعضهم حيث جعل الابتداء بالساكن في غير الألف متعسّرا لا متعذّرا. قيل: الظاهر أنّ مناط هذا الخلاف على أنّ الحركة هل هي انفصال ما للحرف عن المخرج بعد اتّصاله به، و السكون اتّصاله به من غير انفصال مطلقا، أو هي انفصال تامّ، و هو اتّصال بلا انفصال تامّ؟ فعلى الأوّل الابتداء بالساكن متعذّر مطلقا. و على الثاني متعسّر، كما في صورة ألزمه و الاختلال، و لكن في غير الألف، لتعذّره فيه مطلقا. و هو ظاهر. و أمّا-

15

هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه إلّا الأخير (2624)، فإنّه ربّما يتخيّل انصراف (2625) إطلاق الأخبار إلى غيره، مع أنّ فتح هذا الباب بالنسبة إلى العادة يوجب مخالفة إطلاقات (2626) كثيرة، فمن اعتاد الصلاة في أوّل وقتها أو مع الجماعة، فشكّ في فعلها بعد ذلك، فلا يجب عليه الفعل. و كذا من اعتاد فعل شي‏ء بعد الفراغ من الصلاة فرأى نفسه فيه و شكّ في فعل الصلاة. و كذا من اعتاد الوضوء بعد الحدث بلا فصل يعتدّ به أو قبل دخول الوقت للتهيّؤ، فشكّ بعد ذلك في الوضوء، إلى غير ذلك من الفروع التي يبعد التزام الفقيه بها.

نعم ذكر جماعة من الأصحاب مسألة معتاد الموالاة في غسل الجنابة إذا شكّ في الجزء الأخير، كالعلّامة

5

و ولده و الشهيدين و المحقّق الثاني و غيرهم (قدّس اللّه أسرارهم).

____________

الراء في كلمة «أكبر» ليس بساكن، لكونه متحرّكا بالضمّ، إلّا أن يريد به حال الوقف. و كيف كان، فالأولى التمثيل بكاف كلمة «أكبر».

2624. أي: المحلّ العادي.

2625. يمكن منع الانصراف، لعدم المنشأ له، لأنّ منشأه إمّا كثرة الاستعمال أو كثرة الوجود أو كمال بعض الأفراد، و شي‏ء منها غير متحقّق في المقام، لأنّ صدق التجاوز و الخروج و المضيّ بالتجاوز عن المحلّ الشرعيّ و العقلي و العادّي على حدّ سواء. مضافا إلى منع كون الأخيرين منشأ للانصراف، كما قرّر في محلّه.

2626. فيه نظر، لأنّه إن أراد بالإطلاقات إطلاق الأمر بالصلاة و نحوه، فلا ريب في عدم تحقّق الإطلاق مع الشكّ في الامتثال. و كذلك إن أراد بها إطلاقات الإطاعة، لعدم صحّة التمسّك بها مع الشبهة في المصداق الخارجي.

فالمتعيّن حينئذ في الموارد المذكورة هو التمسّك بقاعدة الاشتغال.

____________

كون الحركة بالمعنى الثاني، و السكون بالمعنى الأوّل، فمستلزم لوجود الواسطة بينهما، كما أنّ كونهما بعكس هذا مستلزم لردّ التقابل بينهما، فافهم. ثمّ الحقّ منهما هو المعنى الأوّل و الحكم بالتعذّر، كما هو المشهور، انتهى. منه دام ظلّه».

16

و استدلّ فخر الدين على مختاره في المسألة بعد صحيحة زرارة المتقدّمة: بأنّ خرق العادة على خلاف الأصل، و لكن لا يحضرني كلام منهم في غير هذا المقام، فلا بدّ من التتبع و التأمّل.

و الذي يقرب في نفسي عاجلا هو الالتفات إلى الشكّ، و إن كان الظاهر من قوله (عليه السّلام) فيما تقدّم:" هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ": أنّ هذه القاعدة من باب تقديم الظاهر على الأصل، فهو دائر مدار الظهور النوعي و لو كان من العادة، لكنّ العمل بعموم ما يستفاد من الرواية أيضا مشكل (2627)، فتأمّل. و الأحوط ما ذكرنا.

[الموضع الثالث الدخول في غير المشكوك إن كان محقّقا للتجاوز عن المحلّ، فلا إشكال في اعتباره‏]

الموضع الثالث: الدخول في غير المشكوك إن كان محقّقا للتجاوز (2628) عن المحلّ، فلا إشكال في اعتباره، و إلّا فظاهر الصحيحتين الاوليتين اعتباره، و ظاهر إطلاق موثّقة ابن مسلم عدم اعتباره. و يمكن حمل التقييد (2629) في الصحيحين‏

____________

2627. وجه الإشكال: ما أشار إليه من أنّ العمل بعموم ما يستفاد من الرواية يستلزم الالتزام بفروع يبعد التزام الفقيه به. و الأمر بالتأمّل إشارة إلى الإشكال في مخالفة الرواية، و طرحها بمجرّد الاستبعاد المزبور.

2628. توضيحه: أنّ تحقّق التجاوز عن المحلّ تارة يستند إلى الدخول في الغير، كما إذا شكّ في تكبيرة الإحرام بعد الدخول في الاستعاذة للقراءة من دون فصل طويل، بحيث لو لم يشرع فيها كان محلّ التكبير باقيا. و اخرى لا يستند إليه، بأن يتحقّق التجاوز قبل الدخول في الغير و لو لأجل الفصل المعتدّ به بينهما. و على الأوّل لا إشكال في عدم الاعتناء بالشكّ، لكونه متيقّنا من الأخبار الواردة في المقام. و على الثاني فيه إشكال. و ظاهر الصحيحين اعتبار الدخول في الغير، و ظاهر الموثّق عدم اعتباره. و ممّا ذكرناه يندفع ما يتوهّم من العبارة، من كون ظاهرها كون الدخول في الغير أعمّ من التجاوز عن المحلّ، و ليس كذلك، لكون الأمر بالعكس. و وجه الاندفاع واضح ممّا ذكرناه.

2629. لا يخفى أنّه يمكن ترجيح الأخبار المطلقة بحمل الغير في الأخبار المقيّدة على مطلقة، بأن يدّعى أنّ تقييدها به إنّما هو من جهة كون التجاوز عن‏

17

على الغالب خصوصا في أفعال الصلاة، فإنّ الخروج من أفعالها يتحقّق غالبا بالدخول في الغير، و حينئذ فيلغو القيد. و يحتمل ورود المطلق على الغالب، فلا يحكم بالإطلاق.

و يؤيّد الأوّل ظاهر التعليل (2630) المستفاد من قوله (عليه السّلام):" هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ" و قوله (عليه السّلام):" إنّما الشكّ إذا كنت في شى‏ء لم تجزه" بناء على ما

____________

المحلّ ملازما للدخول في الغير، لعدم خلوّ الشخص من جميع الأفعال بناء على تجدّد الأكوان. و التنافي بين الأخبار إنّما يتمّ إن كان المراد بالغير في الأخبار المقيّدة خاصّا لا مطلقا.

و لكن يدفعه: أنّ ظاهر اعتبار الدخول في الغير في الأخبار المقيّدة في الحكم بعدم الاعتناء بالشكّ كون المناط في الحكم هو الدخول في الغير لا مطلق التجاوز عن الشي‏ء. و إناطة الحكم بالأوّل يرشد إلى كون المراد بالغير خاصّا لا مطلقا.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ ذلك من النكات البيانية التي تلاحظ في البلاغة، لا في استنباط الأحكام الشرعيّة من خطاباتها، كيف و لو اعتبرت هذه النكات لزم القول باعتبار مفهوم الوصف أيضا، لعدم قصوره في الإشعار بالعليّة عمّا ذكر، بل اعتبار هذه النكات في كلام البلغاء أيضا ليس على وجه يكون مستندا للأحكام الشرعيّة، و لذا لا يعتبر مفهوم الوصف و إن كان واردا في الكلام المجيد أيضا، فلا غرو حينئذ فيما عرفت من دعوى احتمال كون التقييد بالدخول في الغير لأجل كون التجاوز عن المشكوك فيه ملازما له، لا لأجل كونه مناطا في الحكم، سيّما في الكلام الذي لم يرد لإظهار البلاغة.

و ممّا ذكرناه قد ظهر أنّ التنافي بين الأخبار المطلقة و المقيّدة إنّما هو على تقدير كون المراد بالغير خاصّا لا مطلقا، بأن لم يكن التجاوز عن المحلّ ملازما للدخول في الغير. و على تقديره لا بدّ من الجمع بينهما بأحد الوجهين اللذين ذكرهما المصنّف (قدّس سرّه).

2630. لا يخفى أنّ مؤيّد كلّ منهما مبعّد للآخر، و بالعكس. و وجه التأييد

18

سيجي‏ء (2631) من التقريب، و قوله (عليه السّلام):" كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك ...".

لكنّ الذي يبعّده أنّ الظاهر من" الغير" في صحيحة إسماعيل بن جابر:" إن شكّ في الركوع بعد ما سجد و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض" بملاحظة مقام التحديد (2632) و مقام التوطئة للقاعدة المقرّرة بقوله (عليه السّلام) بعد ذلك:" كلّ شي‏ء شكّ فيه ..." كون السجود و القيام حدّا للغير الذي يعتبر الدخول فيه، و أنّه لا غير أقرب من الأوّل بالنسبة إلى الركوع، و من الثاني بالنسبة إلى السجود، إذ لو كان الهويّ للسجود كافيا عند الشكّ في الركوع، و النهوض للقيام كافيا عند الشكّ في السجود، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية التحديد بالسجود و القيام، و لم يكن وجه لجزم المشهور

6

بوجوب الالتفات إذا شكّ قبل الاستواء قائما.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ ما ارتكبه بعض من تأخّر من التزام عموم" الغير" و إخراج الشكّ في السجود قبل تمام القيام بمفهوم الرواية (2633)، ضعيف جدّا، لأنّ‏

____________

بظاهر العلّة هو وجود العلّة مع التجاوز عن المحلّ مطلقا، سواء دخل في الغير أم لا.

مضافا إلى أنّ الخبر المعلّل أقوى دلالة، فيرجّح على الخالي من التعليل في مقام التعارض. و لذا عمل بما دلّ على عدم تنجّس البئر بالملاقاة مطلقا و إن كان مائها قليلا معلّلا بأنّ لها مادّة، و إن كان الغالب فيها الكريّة. و إلى إمكان أن يكون قوله: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» واردا في مقام إمضاء طريقة العقلاء لا تأسيسا لحكم شرعيّ، بأن كان المراد الإشارة إلى أنّ العاقل المريد للفعل لا يخرج من محلّه غالبا إلّا بعد الإتيان به على وجهه، كما أشار إليه فخر الدين في الإيضاح، كما تقدّم عند بيان الأدلّة على تأسيس القاعدة.

2631. في الموضع الرابع.

2632. يعني: من الإمام (عليه السّلام)، لفرض عدم سبق سؤال في صحيحة إسماعيل، بخلاف صحيحة زرارة، و لذا ترك الاستدلال بالثانية.

2633. أي: بمفهوم القيد المذكور في الرواية المذكورة من قوله: «بعد ما

19

الظاهر أنّ القيد وارد في مقام التحديد.

و الظاهر أنّ التحديد بذلك توطئة للقاعدة، و هي بمنزلة ضابطة كليّة، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام، فكيف يجعل فردا خارجا بمفهوم القيد عن عموم القاعدة؟! فالأولى أن يجعل هذا كاشفا (2634) عن خروج مقدّمات أفعال الصلاة عن عموم" الغير"، فلا يكفي في الصلاة مجرّد الدخول و لو في فعل غير أصلي، فضلا عن كفاية مجرّد الفراغ.

____________

قام» بعد قوله: «إن شكّ في السجود» فإنّ الغير الذي يعتبر الدخول فيه يشمل بعمومه النهوض من السجود إلى القيام. و مفهوم القيد مخرج له من العموم. هذا توضيح ما توهّمه بعض المتأخّرين.

2634. اعلم أنّ ما يناسب المقام هو الكلام في مقامين:

أحدهما: تعيين المراد بالغير الذي اعتبر الدخول فيه في الأخبار في عدم الاعتناء بالشكّ، و كذا بمحلّ المشكوك فيه الذي ينبئ عنه التعبير بالخروج و المضيّ و التجاوز فيها.

و ثانيهما: بيان حكم مقدّمات الأفعال من حيث اندراجها تحت عموم القاعدة و عدمه.

أمّا المقام الأوّل، فاعلم أنّه نسب إلى العلّامة في بعض أقواله و الشيخ في النهاية أنّ المراد بالغير الذي يعتبر الدخول فيه هو الجزء الركني، فمحلّ الشكّ في تكبيرة الإحرام باق إلى حدّ الركوع، و فيه إلى السجود، و فيه إلى حدّ الركوع في الركعة الثانية. فإذا شكّ في التكبير في حال القراءة، أو فيها قبل الركوع، أو فيه قبل السجود، أو فيه قبل الركوع في الركعة الثانية، يبني على عدم وقوع المشكوك فيه أو صحّته، فيأتي به على وجه الصحّة، بخلاف ما إذا شكّ في الأوّل في حال الركوع، و في الثاني في حال السجود، و في الثالث في حال الركوع في الثانية، فيبني حينئذ على الوقوع إن كان الشكّ فيه، و على الصحّة إن كان الشكّ فيها. و

20

حينئذ يتّحد محلّ الشكّ مع محلّ السهو، حيث يجب على الساهي أيضا الإتيان بما سها عنه قبل الدخول في الأركان لا بعده. و المشهور أنّ المراد بالغير هو الأفعال المستقلّة في مقابل المشكوك فيه المعنونة في الفقه، كالقراءة و الركوع و السجود و التشهّد و القيام، دون مقدّماتها كرفع الرأس من السجود و النهوض للقيام و الانحناء للركوع و نحوها. فإذا شكّ في التكبير بعد الدخول في القراءة يبني على وقوعه لا قبلها.

و المحقّق الأردبيلي بعد أن نقل عن الشهيد الثاني عدم الالتفات إلى الشكّ بعد الدخول في الأفعال المذكورة، إلّا فيما إذا شكّ في الحمد بعد الدخول في السورة، فيعيد وفاقا للشيخ، استنادا إلى اتّحاد محلّ القراءتين، و طرحا للرواية المعارضة بالضعف، قال ما حاصله: إنّ مقتضى عموم الأخبار مثل قوله (عليه السّلام): «إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء» هو عدم الالتفات إلى الشكّ بعد الدخول في الغير مطلقا، حتّى إذا شكّ في الحمد بعد الدخول في السورة، بل في الآية بعد الدخول في الاخرى، بل في كلمة بعد الشروع في الاخرى، فلا يجب العود، لتحقّق مطلق الانتقال إلى الغير.

و قال في جملة كلام له في المقام: «و بالجملة، كلامهم أيضا لا يخلو عن اضطراب، فإنّه يفهم تارة اعتبار جزء عمدة مثل الركن، و تارة الاكتفاء بجزء في الجملة. فكأنّهم نظروا إلى عرف الفقهاء و ما يعدّونه جزءا، فالقراءة مثلا شي‏ء واحد، فتأمّل، فإنّه أيضا مجمل، و أنّه لا يتمّ في كلّ الروايات و المسائل، و لا عرف في ذلك. و يمكن الصدق بأنّ هذا محلّ السورة و الفاتحة، بل محلّ الآية و غير ذلك و يدلّ على اعتبار ذلك صحيحة معاوية المتقدّمة، فتأمّل، فإنّ العمل به غير بعيد، للأخبار السابقة الظاهرة» انتهى.

و قد ظهر ممّا ذكرناه أنّ المسألة ثلاثيّة الأقوال، و أوّل من أخذ في الاعتراض على المشهور هو المحقّق المذكور، و للّه درّه إذ كم من مزايا في الزوايا

21

مستورة عن المحقّقين محجوبة عن المضطلعين، نبّههم عليها بكشف حجابها، و أرشدهم إليها برفع نقابها، فطلعت عن أفق الخمول في زيّ القبول، فشكّر اللّه سعيه.

ثمّ إنّه لا إشكال في مساعدة عموم الأخبار لما ذكره المحقّق المذكور. فالعمدة في المقام بيان ما يصلح أن يكون مستندا للمشهور، لما عرفت من عدم مساعدة عموم الأخبار لما ذكروه، و هو يتوقّف على بيان المراد بالشكّ في الشي‏ء و التجاوز و المضيّ و الخروج منه على ما تضمّنه الأخبار.

و قد أعطى المصنّف (قدّس سرّه) تحقيق الكلام في ذلك في الموضع الأوّل و الثاني حقّه بما لا مزيد عليه، فلا جدوى لإطالة الكلام فيه. و قد ذكر في الموضع الثاني أنّ محلّ المشكوك في وجوده مرتبته المقرّرة له شرعا أو عقلا أو عادة، و موضعه الذي لو أتي به فيه لم يلزم منه اختلال في النظم و الترتيب المقرّر.

و هذا المحلّ و الموضع عند الشيخ و العلّامة في بعض أقواله ما بين الأركان في الصلاة، و هو محلّ النسيان، لأنّه إذا نسي بعض الأجزاء و تذكّره بعد الدخول في ركن آخر، فإذا بنى على تدارك المنسيّ فلا يخلو: إمّا أن يتداركه مع تدارك الركن الذي تذكّره فيه بعده، و إمّا أن يتداركه من دون تدارك الركن بعده. فعلى الأوّل تلزم زيادة الركن، و على الثاني يلزم الإخلال بالنظم المعتبر شرعا. فلا بدّ حينئذ إمّا أن لا يلتفت إلى المنسيّ، كما إذا كان المنسيّ غير ركن، و إمّا أن يبني على بطلان الصلاة كما إذا كان المنسيّ ركنا. و على قياسه الكلام فيما نحن فيه، فمحلّ المشكوك فيه أيضا ما بين الأركان، فإن شكّ في جزء قبل الدخول في ركن يلتفت إلى شكّه، و إن شكّ فيه بعده لا يلتفت إليه، و يبني على وقوعه إن كان الشكّ فيه، و على صحّته إن كان الشكّ فيها.

و لكنّك خبير بأنّ هذا الوجه مخالف لصريح الأخبار، لأنّ مقتضاه كما عرفت وجوب الالتفات إلى الشكّ، و العمل بمقتضى أصالة العدم فيما حصل‏

22

الشكّ قبل الدخول في ركن آخر. و قد صرّحت الأخبار بعدم الالتفات إلى الشكّ في الأذان بعد الدخول في الإقامة، و إلى الشكّ في السجود بعد القيام و إن لم يركع. و هو أيضا مخالف لما رواه الشيخ في الإستبصار عن عبد الرحمن قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: قد ركع».

و بعد بطلان هذا القول، فلا بدّ أن يكون المراد بمحلّ المشكوك فيه المرتبة المقرّرة للأجزاء، و الموضع الذي يجب الإتيان بها فيه مع الالتفات، و بالغير- الذي يعتبر الدخول فيه- هو الجزء الذي يجب الإتيان به بعد محلّ المشكوك فيه. و هذه الأجزاء ملحوظة على وجه الإطلاق عند المحقّق الأردبيلي، و بعناوينها المخصوصة المعنونة في الفقه، على نحو ما تقدّم عند المشهور.

و احتجّ لمذهب المشهور بوجوه:

أحدها: الأصل، لأنّ مقتضاه البناء على عدم الإتيان بالمشكوك فيه، و وجوب الإتيان به مطلقا، و قد خرجنا من مقتضاه بأخبار الباب، و لكنّ المتيقّن منها هو عدم الاعتناء بالشكّ فيما حصل الشكّ بعد الدخول في الأفعال التي لها عنوان خاصّ على نحو ما تقدّم.

و فيه: ما عرفت من عموم الأخبار لكلّ جزء و فعل و إن كان بعض آية بل كلمة واحدة، فهو إنّما يوافق مذهب الأردبيلي (قدّس سرّه) لا مذهبهم.

و ثانيها: أخبار الباب، و دلالتها من وجوه:

أحدها: سؤال الراوي و تقرير الإمام (عليه السّلام)، كما في صحيحتي زرارة و الحلبي، حيث سألا عن الشكّ في الأذان بعد الدخول في الإقامة، و في التكبير بعد الدخول في القراءة، و في القراءة بعد الدخول في الركوع، و فيه بعد الدخول في السجود، و فيه بعد القيام، و هذه الأفعال كلّها ممّا له عنوان خاصّ في كلمات الأصحاب، و حكم الإمام (عليه السّلام) بالمضيّ بعد السؤال عن كلّ واحد منها يدلّ على كون المراد

23

بالعموم- الذي أسّسه الإمام (عليه السّلام) بعد هذه الأسئلة- هو العموم بالنسبة إلى مثل هذه الأفعال لا مطلقا.

و ثانيها: تخصيص الإمام (عليه السّلام) هذه الأفعال بالذكر من دون سبق سؤال من الراوي في حسنة إسماعيل بن جابر، فإنّه توطئة لبيان ضابط موارد القاعدة على نحو ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه).

و ثالثها: التقييد بالخروج و الدخول و العطف يتمّ على بعض النسخ في صحيحتي زرارة و الحلبي، إذ لو كان المراد بالدخول في الغير هو الدخول في مطلقه- كما هو مقتضى مذهب الأردبيلي (رحمه اللّه)- لزم إلغاء أكثر هذه القيود، لفرض كون الخروج من محلّ فعل ملازما للدخول في غيره، لعدم خلوّ المكلّف من فعل في حال من حالاته بناء على تجدّد الأكوان، فيلغو قيد الدخول و العطف ب «ثمّ» المفيد للتراخي.

و الجواب، أمّا عن الأوّل فبعدم الاعتداد بالتحديد الوارد في كلام الراوي، و لذا قد ذكروا أنّ خصوصيّة السؤال لا تخصّص عموم الجواب. نعم، يتمّ ذلك لو كان واردا في كلام الإمام (عليه السّلام)، و الفرض خلافه.

و أمّا عن الثاني، فبأنّ غايته الدلالة على خروج مقدّمات الأفعال من العموم على نحو ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه)، و هو أخصّ من المدّعى، لأنّ المفروض على مذهب المشهور عدم جريان القاعدة فيما لو شكّ في بعض آية بعد الدخول في بعض آخر، و هو لا يثبته.

نعم، يبقى الإشكال في عدم تعرّض الإمام في حسنة إسماعيل لصورة الشكّ في الركوع بعد أن قام عنه، فإنّ القيام من أفعال الصلاة أيضا، بل قيل بكونه ركنا، فإنّه يوهن كون المراد منها بيان خروج المقدّمات من العموم، كما أنّه يوهن كون المراد تحديد مورد القاعدة على ما يوافق المشهور، و إلّا كان عليه التعرّض للصورة المفروضة، لما عرفت من كون القيام من الأفعال أيضا. و انتظر لتمام الكلام في‏

24

ذلك في المقام الثاني.

و أمّا عن الثالث، فبأنّه إنّما يتّجه لو كان المراد بالغير مطلقة، و ليس كذلك، بل المراد به ما يترتّب على المشكوك فيه بالمعنى الذي قدّمناه عند شرح قوله: «إنّ المراد بمحلّ الفعل المشكوك في وجوده ...»، لصحّة التقييد بالدخول و العطف ب «ثمّ» على هذا التقدير.

و توضيحه: أنّ المراد بالغير يحتمل أن يكون مطلقه، و يحتمل أن يكون ما كان مرتّبا على المشكوك فيه بالمعنى الذي أوضحناه هناك، و يحتمل أن يكون ما كان من الأفعال المستقلّة المعنونة في كلمات الأصحاب كما ذكره المشهور. و لغويّة قيدي الدخول و العطف ب «ثمّ» إنّما يتم على الأوّل، لكون كلّ واحد من الخروج و المضيّ و التجاوز ملازما حينئذ للدخول في الغير، كما أوضحناه عند شرح قوله: «و يمكن حمل التقييد في الصحيحين ...»، و لكن لا يتعيّن به الثالث، لصحّة التقييد و العطف على الثاني أيضا، لحصول التراخي غالبا- حقيقة أو رتبة- بين المشكوك فيه و ما يترتّب عليه على هذا التقدير أيضا. نعم، قد اتّفق في باب الصلاة كون الخروج من محلّ المشكوك فيه ملازما بحسب العادة للدخول في غيره، و مجرّد ذلك لا يوجب لغويّة أكثر القيود المذكورة بعد تعميم مورد القاعدة لغيرها.

نعم، يتمّ ذلك لو اختصّت بها، و ليس فليس.

و ثالثها: حصول التعارض بين مناطق أخبار الباب و مفاهيمها لو قلنا بعموم الغير الذي يعتبر الدخول فيه- لكلّ فعل، لأنّ مقتضى منطوق قوله (عليه السّلام): «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» هو عدم الاعتناء بالشكّ فيما لو حصل الشكّ بعد الدخول في الغير، و مفهومه الاعتناء به لو حصل قبله. فإذا حصل الشكّ في آية من الفاتحة بعد الدخول في اخرى، أو في كلمة منها بعد الشروع في اخرى، فكما يتحقّق الشكّ في وقوع الآية أو الكلمة السابقة بعد الدخول في غيرهما، كذلك يحصل الشكّ في الفاتحة من حيث المجموع قبل الخروج‏

25

منها، لكون الشكّ في وقوع الجزء مستلزما للشكّ في صحّة الكلّ. فمقتضى المنطوق هو البناء على وقوع الآية أو الكلمة المشكوك فيها، و مقتضى المفهوم هو الالتفات إلى الشكّ الثاني و الإتيان بالمشكوك فيه، لفرض عدم الانتقال عن الفاتحة، و مع التعارض تعود الأخبار مجملة، فيجب الرجوع إلى مقتضى الأصل في غير مورد اليقين بجريان القاعدة. و مقتضى الاستصحاب هو البناء على عدم الوقوع، إلّا فيما وقع الشكّ بعد الدخول في الأفعال المستقلّة المعنونة في كلمات الأصحاب، لأنّ هذا هو المتيقّن ممّا خرج من مقتضى الأصل.

و الجواب أمّا أوّلا: فبأنّ المنطوق أقوى دلالة، فيقدّم على المفهوم في مورد التعارض.

و أمّا ثانيا: فبأنّ الشكّ في صحّة مجموع الفاتحة مسبّب عن الشكّ في وقوع الآية أو الكلمة المشكوك فيها، فبعد البناء على وقوعها يرتفع الشكّ في صحّة الفاتحة، فيقدّم جريانها في الجزء على جريانها في الكلّ، لتقدّم الأصل في الشكّ السببي عليه في الشكّ المسبّب.

و أمّا ثالثا: فبلزوم التعارض على مذهب المشهور أيضا فيما لو شكّ في الركوع بعد الدخول في السجود مثلا، لكون ذلك أيضا سببا للشكّ في صحّة الصلاة من حيث المجموع.

و رابعها: موثّقة ابن أبي يعفور، فإنّ ضمير «في غيره» فيها كما قرّره المصنّف (رحمه اللّه) في الموضع الرابع راجع إلى الوضوء، دون المشكوك فيه من أجزاء الوضوء لئلّا يلزم مخالفة الإجماع. و محصّل قوله (عليه السّلام): «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» أنّ الشكّ في شي‏ء من أجزاء الوضوء إنّما لا يعتنى به إذا حصل الشكّ بعد الدخول في فعل آخر غير الوضوء، و مقتضى مفهومه الالتفات إليه إذا حصل الشكّ قبله، سواء كان حصوله في أثناء الوضوء أو بعده قبل الدخول في غير الوضوء. و إذا لوحظ كون ذكر الوضوء من‏

26

باب التوطئة و تحديد موارد القاعدة التي أشار إليها بعده بقوله: «إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» يستفاد منه أنّ كلّ مركّب ذي أجزاء إذا حصل الشكّ في بعض ما يعتبر فيه من أجزائه أو شرائطه، إنّما لا يعتنى بهذا الشكّ إذا حصل بعد الدخول في غيره، و هو منطبق على مذهب المشهور في الأفعال المستقلّة المعنونة في كلمات الأصحاب، لكون كلّ واحد منها مركّبا ذا أجزاء.

و الجواب: أنّ مقتضى الموثّقة على التقرير المذكور لا ينطبق على شي‏ء من مذهب المشهور و غيره، بل ينطبق تارة على مذهب الأردبيلي، و اخرى على مذهب المشهور، و ثالثة لا ينطبق على شي‏ء منهما، لأنّ الصلاة بتمام أجزائها شي‏ء واحد مركّب، فإذا شكّ في بعض أجزائها قبل الفراغ منها، فمقتضى التقريب المذكور في دلالة الموثّقة هو الالتفات إلى هذا الشكّ، حتّى لو شكّ في تكبيرة الإحرام في حال التسليم، لفرض حصوله قبل الفراغ من الصلاة التي هي مركّب واحد، و هو لا ينطبق على شي‏ء من المذاهب حتّى على مذهب الشيخ و العلّامة. و إذا شكّ في آية بعد الدخول في اخرى لا يجب الالتفات إلى هذا الشكّ، لأنّ كلّ آية مركّب ذو أجزاء. و كذا الكلام في الكلمة الواحدة، لأنّها أيضا مركّبة من أحرف، و هو ينطبق على مذهب الأردبيلي (رحمه اللّه) دون المشهور. و إذا شكّ في الركوع بعد الدخول في السجود فهو ينطبق على المذاهب.

و بالجملة، إنّه لا يمكن العمل بالموثّقة على إطلاقها، و لا تنزيلها على مذهب المشهور، لعدم الدليل عليه، فتعود مجملة. نعم، يمكن توجيهها بما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) في الموضع الرابع، فلا تغفل. و من التأمّل في جميع ما قدّمناه تظهر قوّة قول المولى المقدّس الأردبيلي (قدّس سرّه) فتدبّر.

و أمّا المقام الثاني، فاعلم أنّ ظاهر المصنّف (رحمه اللّه)- بل صريحه- الميل إلى خروج مقدّمات أفعال الصلاة من عموم القاعدة، بمعنى عدم شمول القاعدة لها، فيكون خروجها منها من باب التخصّص دون التخصيص. و ربّما يظهر من بعض مشايخنا

27

عموم القاعدة لها، لأنّه إذا شكّ في السجود في حال النّهوض صدق عليه أنّه شكّ في السجود بعد الخروج منه و الدخول في غيره، فبنى فيه على خروج ما أخرجه الدليل.

و ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) لا يخلو من إشكال، لأنّ حاصل ما ذكره أنّ حكم الإمام (عليه السّلام) بالمضيّ عند الشكّ في الركوع بعد الدخول في السجود و في السجود بعد القيام، إنّما هو للتحديد و بيان ضابط ما يعتبر فيه الدخول في الغير، في مورد القاعدة التي أشار إليه بقوله: «كلّ شي‏ء شكّ فيه و قد جاوزه و دخل في غيره، فليمض عليه». و مقتضاه اختصاص القاعدة بغير مقدّمات أفعال الصلاة. و أنت خبير بأنّ العمدة في ذلك حسنة إسماعيل بن جابر، لأنّ التحديد المستفاد من صحيحة زرارة إنّما هو مستفاد من كلام الراوي، و لا اعتداد به كما أشرنا إليه.

و أمّا الحسنة فربّما يشكل الأمر فيها بأنّها لو وردت لبيان ضابط موارد القاعدة بمعنى خروج مقدّمات أفعال الصلاة منها أشكل الأمر حينئذ في قوله: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض» لأنّ الشكّ في الركوع تارة يحصل في حال القيام، بأن يشكّ في حاله في أنّه ركع أم لا. و اخرى في حال القيام بعد الركوع، بأن يشكّ في حاله في صحّة ركوعه، لأجل الشكّ في بعض ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا، بأن يشكّ في حصول الانحناء إلى الحدّ الشرعيّ و عدمه، أو نحو ذلك. و ثالثة في حال الهويّ إلى السجود، إمّا بأن يشكّ في انحنائه من القيام من دون ركوع و قيام بعده أصلا، أو في صحّة ركوعه مع العلم بحصول القيام بعده. و رابعة في حال السجود. و الصورة الأخيرة مورد لمنطوق الرواية، و ما عداها داخلة في مفهومها فلو كانت واردة لتحديد موارد القاعدة من حيث إخراج مقدّمات أفعال الصلاة منها، أشكل الأمر بالصورة الثانية، و كذا الثالثة في الجملة، لكون القيام بعد الركوع من أفعال الصلاة، بل قيل بكونه ركنا.

28

فإن قلت: إنّ الشكّ في الشي‏ء ظاهر في الشكّ في وجوده لا في صحّته، كما قرّره المصنّف (رحمه اللّه) في الموضع الأوّل، فلا تشمل الرواية بحسب مفهومها للصورة الثانية و لا للشقّ الثاني من الصورة الثالثة.

قلت: مع التسليم إنّ الشكّ في صحّة شي‏ء لا بدّ أن ينشأ من الشكّ في وجود ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا، فالرواية شاملة للشكّ في الصحّة بهذا الاعتبار، كما هو صريح المصنّف (رحمه اللّه) في الموضع الخامس.

ثمّ إنّ هذا الإشكال لا يختصّ بما اختاره المصنّف (رحمه اللّه) من خروج مقدّمات أفعال الصلاة من مورد القاعدة، بل هو وارد على دعوى كون قوله (عليه السّلام): «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شكّ في السجود بعد ما قام فليمض» واردا في مقام تحديد موارد القاعدة و ضابطها، سواء قلنا بأنّ الخارج هو مقدّمات أفعال الصلاة أم قلنا بغير ذلك، لكون الشكّ في صحّة الركوع في حال القيام بعده داخلا في مفهوم الرواية، و مقتضاه الالتفات إلى الشكّ حينئذ، و هو مخالف للقاعدة، سواء قلنا بخروج المقدّمات منها أم لا، و سواء قلنا بمذهب الأردبيلي أم بمذهب المشهور.

ثمّ إنّ ثمرة القول بخروج مقدّمات أفعال الصلاة من عموم القاعدة من باب التخصّص أو التخصيص، إنّما تظهر في الحكم بخروج الجميع على الأوّل، و الاقتصار على ما أخرجه الدليل على الثاني.

و تفصيل الكلام على القول بكون مقدّمات أفعال الصلاة من باب التخصيص- الذي مقتضاه عدم الالتفات إلى الشكّ فيما لو حصل الشكّ في بعض أفعالها بعد الدخول في بعض مقدّمات أفعالها، إلّا ما دل الدليل على وجوب الالتفات فيه- أنّ الظاهر انعقاد الإجماع على وجوب العود و العمل باستصحاب العدم إذا حصل الشكّ في السجود في حال رفع الرأس عنه أو النهوض للقيام.

مضافا إلى حسنة إسماعيل المتقدّمة الدالّة على ذلك بمفهوم القيد في قوله (عليه السّلام): «و إن‏

29

شكّ في السجود بعد ما قام فليمض» فإنّا و إن لم نقل بمفهوم اللقب من حيث هو، إلّا أنّه لا إشكال فيه فيما ورد منه في مقام التحديد، بالتقريب الذي ذكره المصنّف (رحمه اللّه).

لا يقال: تمكن استفادة الحكم من مفهوم الشرط أيضا. لأنّا نقول: لا مفهوم للشرط هنا، لأنّه من قبيل قولك: إن رزقت ولدا فاختنه، و إن درست فاحفظه، و إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أو نحو ذلك ممّا ورد الشرط فيه لبيان حال الموضوع، لا لبيان انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه كما قرّر في محلّه.

و إلى ما رواه الشيخ في الاستبصار عن عبد الرحمن قال: «قلت لأبي- عبد اللّه (عليه السّلام): رجل رفع رأسه عن السجود فشكّ قبل أن يستوي جالسا، فلم يدر سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد. قلت: فرجل نهض من سجوده فشكّ قبل أن يستوي قائما، فلم يدر سجد أم لم يسجد؟ قال: يسجد». و هي صريحة في وجوب العود في حالتي رفع الرأس و النهوض.

و لكن هذا مع عدم تخلّل التشهّد بين السجود المشكوك فيه و النهوض، كما في الركعة الاولى و الثالثة. و أمّا إن شكّ في السجود في حال النهوض عن التشهّد، فالظاهر بقائه تحت عموم القاعدة، و عدم شمول الروايتين لهذه الصورة، لأنّ المنساق منهما ورودهما لبيان حكم مجرّد الشكّ المتعلّق بالسجود في حال الشروع في النهوض أو الدخول في القيام من دون التفات إلى تخلّل التشهّد بينهما، و المتيقّن منهما صورة عدم التخلّل. و هذا المعنى في الرواية الثانية أظهر من الاولى، من جهة سبق السؤال فيها، فإذا سألك العامي عن حكم من شكّ في السجود في حال النهوض قبل أن يستوي قائما، هل يخطر ببالك صورة تخلّل التشهّد بينهما، أم تجيب ببيان حكم صورة عدم التخلّل؟

لا يقال: إطلاق الجواب كاف في المقام. لأنّا نقول: لا إطلاق لقوله «يسجد» بحسب المفهوم، و إنّما هو بحسب الأحوال، و الإطلاق بحسب الأحوال إنّما ينفع‏

30

بالنسبة إلى الحالات الملازمة لذيها دائمة أو غالبة، و لا شكّ أنّ الشكّ في السجود في حال النهوض غير ملازم لتخلّل التشهّد دائما و لا غالبا كما لا يخفى.

هذا كلّه مضافا إلى أنّه لو شكّ في السجود بعد الشروع في التشهّد لا يلتفت إليه، لعموم القاعدة، فإذا فرغ من التشهّد و شرع في النهوض فبطريق أولى. بل لو شكّ فيه بعد الدخول في جلسة الاستراحة لم يلتفت إليه، و إن كانت الجلسة مستحبّة، و ذلك بأن يجلس بعد السجود معتقدا بكون جلوسه للاستراحة، ثمّ شكّ في الإتيان بالسجدة الثانية. فلا يرد حينئذ أنّ هذه الجلسة لا تتعيّن كونها للاستراحة إلّا بعد العلم بالإتيان بالسجدة الثانية. و إلّا يحتمل كونها الطمأنينة الواجبة بين السجدتين، فتأمّل.

هذا، و أمّا لو شكّ في التشهّد في حال النهوض فالظاهر بقائه أيضا تحت عموم القاعدة، لعدم المخصّص له هنا أيضا. و أمّا إذا شكّ في الركوع، في حال الهويّ للسجود، فالمشهور بين أساطين العلماء وجوب العود و الإتيان بالركوع، نظير الشكّ في السجود في حال النهوض للقيام، استنادا أوّلا إلى حسنة إسماعيل المتقدّمة، و ثانيا إلى أنّ الحكم إذا ثبت في صورة الشكّ في السجود في حال النهوض للقيام بالروايتين المتقدّمتين، يثبت فيما نحن فيه أيضا بالإجماع، لعدم الفاصل بينهما.

و فصّل بعضهم بين الصورتين، فحكم بعدم الالتفات إلى الشكّ هنا، لعموم أخبار القاعدة. و أجاب عن حسنة إسماعيل بمنع ورودها في مقام التحديد، لعدم ظهورها فيه، فتأمّل. و عدم المفهوم للشرط أيضا كما تقدّم. و عن رواية الإستبصار بمعارضتها بما رواه الشيخ فيه أيضا عن عبد الرحمن قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):

رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال: قد ركع» و الروايتان رواهما الشيخ عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام). و بعد

31

تعارضهما فإمّا ترجّح هذه، لموافقتها للقاعدة إن قلنا بكون الأصل مرجّحا، أو يحكم بتساقطهما، فيرجع إلى القاعدة إن قلنا بكونه مرجعا.

أقول: و تحقيق المقام أن يقال: إنّه إن ثبت الإجماع المذكور- كما هو ظاهر صاحب الرياض- يتعيّن الحكم بوجوب العود و الالتفات إلى الشكّ، لأنّ تعارض الروايتين من قبيل تعارض الأظهر و الظاهر، لأنّ رواية النهوض للقيام أظهر بل نصّ في حصول الشكّ قبل القيام، لقوله (عليه السّلام): «فشكّ قبل أن يستوي قائما» بخلاف رواية الهويّ للسجود، فإنّ قوله: «رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع» محتملة لإرادة حصول الشكّ بعد الدخول في السجود، و إن كانت ظاهرة في القبليّة التي منعها صاحب الرياض مدّعيا ظهورها في الأوّل، نظرا إلى اعتبار معنى الغاية في الرواية المستفادة من كلمة «إلى» و كون «أهوى» بمعنى سقط. لكنّه فاسد، إذ الظاهر أنّ كلمة «إلى» فيها بمعنى الجانب، و «أهوى» بمعنى: أمال، و يتعدّى بالباء، و يقال: أهوى بيده إلى الشي‏ء، أي: مدّها ليتناوله كما في المصباح.

و معنى الرواية: أهوى بنفسه- أي: أمالها- إلى جانب السجود، فلم يدر أركع أم لم يركع، فالظاهر حينئذ وقوع الشكّ قبل السجود، سيّما بملاحظة العطف بالفاء المعقّبة.

و أمّا كون «أهوى» بمعنى سقط فهو غير صحيح، إذ هو بمعنى أمال، و ما هو بمعنى سقط هو «هوى» من دون ألف زائدة، و الموجود في الرواية هو المزيد دون المجرّد.

و بالجملة، فالظاهر أنّ الرواية ظاهرة في حصول الشكّ قبل السجود، و مع تعارض الأظهر و الظاهر لا بدّ أن يرتكب التأويل في الظاهر دون الأظهر، فتحمل رواية الهويّ إلى السجود على صورة حصول الشكّ بعد الدخول في السجود، حتّى يندفع التعارض المتراءى بينهما بواسطة الإجماع على عدم الفصل.

و من هنا يظهر ضعف استدلال البعض بترجيح أحد المتعارضين أو الرجوع إلى القاعدة بعد تساقطهما على ما تقدّم. و إن لم يثبت الإجماع المذكور يتعيّن‏

32

الحكم بالمضيّ و عدم العود إلى الركوع، لعدم تعارض الروايتين بأنفسهما، لاختلاف موردهما بالفرض، فيجب العمل بكلّ منهما في مورده، لكون تعارضهما مسبّبا عن الإجماع المذكور، و قد فرضنا عدمه، فيكون الشكّ في الركوع في حال الهويّ باقيا تحت عموم القاعدة، سيّما إذا كان الهويّ عن قيام، يعني: القيام الذي بعد الركوع، لأنّه لو شكّ في الركوع بعد الدخول في هذا القيام يجب البناء على وقوعه حتّى على مذهب المشهور، لكون هذا القيام من الأفعال الواجبة المعنونة في كلمات الأصحاب، بل قيل بركنيّته، فمع التجاوز عنه فأولى بعدم الالتفات إلى الشكّ في الركوع.

و يدلّ على عدم وجوب العود بعد الدخول في القيام- مضافا إلى عموم القاعدة- خصوص ما رواه الشيخ عن الفضيل قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أستتمّ قائما فلا أدري أ ركعت أم لا؟ قال: بلى ركعت فامض في صلاتك، فإنّما ذلك من الشيطان». و لا ينافيه ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «عن رجل شكّ و هو قائم فلا يدري أركع أم لم يركع؟ قال: يركع و يسجد».

و في معناها غيرها، لإجمال القيام في هذا الروايات، لتردّده بين القيام المتصل بالركوع و القيام الذي بعده، فلا يتحقّق حينئذ الدخول في غيره، فتنطبق هذه الأخبار على مفهوم عمومات القاعدة، من قوله (عليه السّلام) «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» و هكذا، بخلاف رواية «أستتمّ قائما» لظهورها في حصول الشكّ بعد رفع الرأس عن الركوع.

فإن قلت: كيف يتصوّر الشكّ في الركوع بعد القيام عنه، لأنّ العلم بكونه قياما عن ركوع فرع العلم بتحقّق الركوع، فالقيام الذي يشكّ في حاله مردّد بين القيام الذي قبل الركوع و بعده. و من هنا يظهر ضعف فرض حصول الشكّ في الركوع في حال الهويّ عن قيام، مع فرض حصول العلم بكون هذا القيام هو الذي بعد الركوع، إذ الشكّ في الركوع يوجب الشكّ في كونه القيام الذي قبل الركوع‏

33

أو بعده فلا وجه للتأييد بهذه الصورة لصورة الشكّ في حال الهويّ على ما ادّعيت، فلا بدّ حينئذ أن تحمل رواية «أستتمّ قائما»- كما ارتكبه بعضهم- على صورة اختلاف محلّ الركوع المشكوك فيه و القيام الذي حصل الشكّ بعد الدخول فيه، بأن حصل الشكّ في ركوع الركعة الاولى بعد أن يستتمّ قائما في الركعة الثانية، و هكذا.

لأنّا نقول: يمكن فرضه بحصول الشكّ في صحّة الركوع بسبب الشكّ في بعض ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا مع العلم بوقوع أصله، بأن شكّ في حال القيام أو الهويّ في بلوغ انحنائه إلى الحدّ الذي يعتبر في الركوع شرعا، أعني: بلوغ كفيه إلى ركبتيه، أو نحو ذلك، أو وجد نفسه قائما معتقدا بكونه عن ركوع، ثمّ شكّ في هذه الحالة أو في حال الهويّ عنها في الركوع، فلا وجه لتأويل الرواية من دون صارف عن ظاهرها، فتأمّل.

ثمّ إنّ ما ذكرناه من وجوب العود إلى الركوع إذا شكّ في حال الهويّ إلى السجود- على تقدير ثبوت الإجماع المذكور- إنّما هو في صورة حصول الشكّ في الركوع في حال الهويّ إلى السجود، مع عدم العلم بحصول القيام الذي بعد الركوع، لأنّ هذا هو المتيقّن من الإجماع المذكور على تقدير ثبوته، لعدم تعرّضهم للتفصيل في الشكّ في الركوع في حال الهويّ بين العلم بكونه عن القيام الذي بعد الركوع و بين عدم العلم به، و لا لاتّحاد حكمهما. و مع العلم بكونه عن القيام الذي بعده فالمتّجه عدم وجوب العود، للعمومات، مضافا إلى شمول رواية عبد الرحمن المتقدّمة له: «في رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع» و لا معارض لها هنا، لعدم تحقّق عدم القول بالفصل هنا، مضافا إلى الأولويّة المتقدّمة.

فتلخّص من جميع ما قدّمناه: أنّ الخارج من عموم القاعدة هي صورة حصول الشكّ في السجود في حال النهوض للقيام من دون تخلّل التشهّد بينهما. و

34

ظهر أيضا ضعف قول المشهور بخروج مقدّمات أفعال الصلاة مطلقا من العموم، إلّا أن يكون نظرهم إلى الوجه الذي ذكره المصنّف (رحمه اللّه).

و بقي هنا شي‏ء لا بدّ من التنبه عليه، و هو أنّ القول بخروج مقدّمات الصلاة من العموم ممّا يوهن القول بعموم القاعدة حتّى بالنسبة إلى المعاملات كما تقدّم، لأنّه مع خروج مقدّماتها منه مع ارتباطها بها و تخلّلها بينها، و ورود أغلب أخبار الباب في الصلاة و بعضها في الطهارات كيف يتعدّى إلى الحجّ و الزكاة و الخمس فضلا عن أبواب المعاملات و السياسات؟ لأنّ هذه المقدّمات- لأجل ما ذكرناه- أقرب اعتبارا إلى الاندراج تحت العموم من سائر الأفعال الأجنبيّة عن موارد العمومات.

و إن شئت قلت: إنّ خروجها مستلزم لخروج غيرها بالأولويّة. مع أنّ الأمر في خروج هذه المقدّمات من العموم- على مذهب المشهور من اختصاصه بأفعال الصلاة، و على القول المختار وفاقا لبعض محقّقي المتأخّرين من عموم القاعدة لكلّ باب- دائر بين التخصيص و التخصّص، و الثاني أولى، لبقاء العموم حينئذ على حاله، لأنّه على تقدير اختصاص مورد القاعدة بأفعال الصلاة يكون المراد بالشي‏ء أو الغير في أخبار القاعدة الأفعال المعهودة للصلاة، فيكون خروج المقدّمات بحسب الموضوع، و على التعميم بحسب الحكم. و مقتضى أولويّة التخصّص على التخصيص عدم شمول القاعدة لما عدا باب الصلاة أو هو مع أبواب الطهارات، على ما سيجي‏ء في كلام المصنّف (رحمه اللّه).

و لكنّ الجواب عن الأوّل- مع ما عرفت من الإشكال في إخراج المقدّمات مطلقا، أو عدم الدليل عليه- بمنع الأولويّة المذكورة. و ما ذكر من الأولويّة الاعتباريّة غير مفيد في الأحكام المبتنية على التعبّد. و عن الثاني بأنّ أولويّة التخصّص على التخصيص فرع ارتكاب التخصيص في لفظ الشي‏ء و الغير في الأخبار، لأنّ حملهما على إرادة الأفعال المخصوصة- أعني: أفعال الصلاة لا يتمّ إلّا

35

و الأقوى: اعتبار الدخول في الغير (2635) و عدم كفاية مجرّد الفراغ، إلّا أنّه قد يكون الفراغ عن الشي‏ء ملازما للدخول في غيره، كما لو فرغ عن الصلاة و الوضوء، فإنّ حالة عدم الاشتغال بهما يعدّ مغايرة لحالهما و إن لم يشتغل بفعل وجوديّ، فهو دخول في الغير بالنسبة إليهما.

و أمّا التفصيل بين الصلاة و الوضوء، بالتزام كفاية مجرّد الفراغ من الوضوء و

____________

بذلك، و لا أولويّة للتخصّص على هذا الوجه على التخصيص.

و إن شئت قلت: إنّ الشكّ في كون خروج المقدّمات من باب التخصّص أو التخصيص مسبّب عن الشكّ في كون المراد بالشي‏ء و الغير في الأخبار أفعالا مخصوصة أو مطلقها، فمع زوال الشكّ السببى بعموم اللفظ أو إطلاقه يرتفع الشكّ المسبّب، كما قرّر في مسألة المزيل و المزال، و إلّا أشكل الأمر في جميع العمومات المخصّصة، إذ مع حمل العموم على إرادة الأفراد المعهودة- أعني: ما عدا المخرج- يلزم كونه من باب التخصّص، و مع حمله على العموم يلزم كونه من باب التخصيص، و طريق الإشكال في الجميع متّحدة، و لا إشكال بحمد اللّه تعالى.

2635. ترجيحا للجمع الثاني من حمل الأخبار المطلقة على الغالب. و يدلّ عليه وجوه:

أحدها: أنّ الأمر هنا دائر بين حمل المطلق على المقيّد، و بين حمل التقييد على الغالب، و لا ريب أنّ التصرّف في المطلق أولى. نعم، ربّما ينافره تعليل بعض الأخبار المطلقة بقوله: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ».

و ثانيها: أنّ الأخبار المطلقة و إن قويت دلالتها لأجل تضمّن بعضها التعليل المذكور، إلّا أنّ الأخبار المقيّدة لأجل ورود القيود المأخوذة فيها في مقام التحديد و التوطئة لبيان القاعدة أقوى منها دلالة، كما هو واضح عند المتأمّل.

و ثالثها: قوّة الأخبار المقيّدة من حيث السّند، لصحّة جملة منها، بخلاف مقابلتها.

36

لو مع الشكّ في الجزء الأخير منه، فيردّه اتحاد الدليل في البابين؛ لأنّ ما ورد من قوله (عليه السّلام) فيمن شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الوضوء:" هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ" عامّ بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا، و لذا استفيد منه حكم الغسل و الصلاة أيضا. و كذلك موثّقة ابن أبي يعفور المتقدّمة، صدرها دال على اعتبار الدخول في الغير في الوضوء، و ذيلها يدلّ على عدم العبرة بالشكّ بمجرّد التجاوز مطلقا من غير تقييد بالوضوء، بل ظاهرها يأبى عن التقييد. و كذلك روايتا زرارة و أبي بصير المتقدّمتان آبيتان عن التقييد. و أصرح من جميع ذلك في الإباء عن التفصيل بين الوضوء و الصلاة قوله (عليه السّلام) في الرواية المتقدّمة:" كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فأمضه".

[الموضع الرابع قد خرج من الكليّة المذكورة أفعال الطهارات الثلاث‏]

الموضع الرابع: قد خرج من الكليّة المذكورة أفعال الطهارات الثلاث، فإنّهم أجمعوا على أنّ الشاكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل إتمام الوضوء يأتي به و إن دخل في فعل آخر، و أمّا الغسل و التيمّم فقد صرّح بذلك فيهما بعضهم على وجه يظهر منه كونه من المسلّمات، و قد نصّ على الحكم في الغسل جمع ممّن تأخّر عن المحقّق، كالعلّامة و الشهيدين و المحقّق الثاني، و نصّ غير واحد من هؤلاء على كون التيمّم كذلك.

و كيف كان، فمستند الخروج قبل الإجماع الأخبار الكثيرة المخصّصة للقاعدة المتقدّمة، إلّا أنّه يظهر من رواية ابن أبي يعفور (2636) المتقدّمة و هي قوله (عليه السّلام):" إذا شككت في شى‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكّك ليس بشى‏ء، إنّما الشكّ إذا كنت في شى‏ء لم تجزه": أنّ حكم الوضوء من باب القاعدة، لا خارج عنها، بناء على عود ضمير" غيره" إلى الوضوء، لئلّا يخالف الإجماع على وجوب الالتفات إذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء، و حينئذ فقوله (عليه السّلام):" إنّما الشكّ" مسوق لبيان قاعدة الشكّ المتعلّق بجزء من أجزاء العمل، و أنّه إنّما يعتبر إذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه.

____________

2636. لأنّ تعليل حكم الشكّ في بعض أجزاء الوضوء بقوله: «إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» يدلّ على كون حكمه منطبقا على قاعدة الفراغ، و أنّ‏

37

هذا، و لكنّ الاعتماد على ظاهر ذيل الرواية مشكل من جهة أنّه يقتضي بظاهر الحصر أنّ الشكّ الواقع في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به إذا جاوز غسل اليد، مضافا إلى أنّه معارض للأخبار السابقة فيما إذا شكّ في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه، لأنّه باعتبار أنّه شكّ في وجود شى‏ء بعد تجاوز محلّه يدخل في الأخبار السابقة، و من حيث إنّه شكّ في أجزاء عمل قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر.

و يمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الإشكال: إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسبّبه و هي الطهارة، فلا يلاحظ كلّ فعل منه بحياله حتّى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة، و لا يلاحظ بعض أجزائه كغسل اليد مثلا، شيئا مستقلا يشكّ في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده ليوجب ذلك الإشكال في الحصر المستفاد من الذيل.

و بالجملة: فإذا فرض الوضوء فعلا واحدا لم يلاحظ الشارع أجزائه أفعالا مستقلّة يجري فيها حكم الشكّ بعد تجاوز المحلّ، لم يتوجّه شي‏ء من الإشكالين في الاعتماد على الخبر، و لم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة، إذ الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلّا شكّا واقعا في الشي‏ء قبل التجاوز عنه. و القرينة على هذا الاعتبار (2637) جعل القاعدة ضابطة لحكم الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه أو بعده.

____________

الشكّ في بعض أجزاء العمل- كالوضوء و نحوه- إنّما يلتفت إليه مع التشاغل به و عدم الفراغ منه، إذ لو كان حكم الوضوء خارجا من القاعدة لزم تعليل حكم فرد خارج من العامّ، بنفس هذا العامّ، و لا محصّل له أصلا.

2637. يعني: أنّ القرينة على اعتبار الشارع للوضوء شيئا واحدا فيما صدر عنه من الأخبار الكثيرة و قام على طبقها الإجماع، هو جعل قاعدة الفراغ ضابطة لحكم الشكّ في بعض أجزائه قبل الفراغ منه و بعده، لأنّه إذا كان حكم الشكّ‏

38

ثمّ إنّ فرض الوضوء فعلا واحدا لا يلاحظ حكم الشكّ بالنسبة إلى أجزائه ليس أمرا غريبا، فقد ارتكب المشهور مثله في الأخبار السابقة بالنسبة إلى أفعال الصلاة حيث لم يجروا حكم الشكّ بعد التجاوز في كلّ جزء من أجزاء القراءة حتّى الكلمات و الحروف، بل الأظهر عندهم كون الفاتحة فعلا واحدا، بل جعل بعضهم القراءة فعلا واحدا، و قد عرفت النصّ في الروايات على عدم اعتبار الهوي للسجود و النهوض للقيام.

و ممّا يشهد لهذا التوجيه إلحاق المشهور الغسل و التيمّم بالوضوء في هذا الحكم، إذ لا وجه له ظاهرا إلّا ملاحظة كون الوضوء أمرا واحدا يطلب منه أمر واحد غير قابل للتبعيض، أعني" الطهارة".

[الموضع الخامس حكم الشكّ في الشروط حكم الأجزاء في عدم الالتفات‏]

الموضع الخامس: ذكر بعض الأساطين‏

7

: أنّ حكم الشكّ (2638) في الشروط

____________

في بعض أجزاء الوضوء هو الالتفات إلى الشكّ إذا حصل قبل الفراغ منه، لا يتمّ جعل ضابطه مع ذلك قاعدة الفراغ، إلّا مع فرض الوضوء بتمام أجزائه شيئا واحدا.

2638. توضيح المقام يحتاج إلى بسط في الكلام، ليتضح به ما أجمله المصنّف من النقض و الإبرام، فنقول: لا إشكال في شمول عمومات القاعدة للأفعال. و في شمولها للشروط مطلقا- سواء كانت من شرائط الصلاة أم غيرها- أقوال، أشار إليها المصنّف (رحمه اللّه) في طيّ كلماته.

أحدها: نعم، إن حصل الشكّ بعد الفراغ من العمل، فيستأنفه مع إحراز الشرط المشكوك فيه إن حصل في أثنائه. و الظاهر- كما هو المصرّح به في كلام بعضهم- أنّه المشهور بين الأصحاب.

و ثانيها: المنع مطلقا، سواء حصل الشكّ في أثناء العمل أو بعد الفراغ منه.

و هذا يظهر من صاحب المدارك و الفاضل الهندي. و في كشف اللثام بعد أن نقل عن العلّامة في التحرير و التذكرة و المنتهى أنّه إن شكّ في أثناء الطواف استأنفه مع الطهارة، لأنّه شكّ في العبادة قبل تمامها، لأنّ الشكّ في شرطها شكّ فيها، و إن‏

39

شكّ بعد الفراغ لا يلتفت إليه، قال: «و الوجه أنّه إن شكّ في الطهارة بعد يقين الحدث فهو محدث يبطل طوافه، شكّ قبله أو بعده أو فيه. و إن شكّ في نقضها بعد يقينها فهو متطهّر يصحّ طوافه مطلقا. و إن تيقّن الحدث و الطهارة و شكّ في المتأخّر ففيه ما مرّ في كتاب الطهارة. و لا يفرّق الحال في شي‏ء من الفروض بين الكون في الأثناء و بعده، و ليس ذلك من الشكّ في شي‏ء من الأفعال» انتهى. و مثله في المدارك، إلّا أنّه لم يذكر صورة اليقين بالطهارة و الحدث و الشكّ في المتأخّر منهما. و مراده بما مرّ في كتاب الطهارة هو الحكم بكونه محدثا في الصورة المفروضة. و كيف كان، فكلاهما صريحان في اعتبار الاستصحاب، و إلغاء قاعدة الفراغ.

و ثالثها: القول بالموجب مطلقا، حتّى إنّه لو شكّ في بعض الشروط بعد أن تهيّأ للدخول في العمل لا يلتفت إليه، فضلا عن الدخول فيه أو الفراغ منه. و هو محكيّ عن صاحب كشف الغطاء، قال: «إنّ الشكّ في الشروط بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط- بل الدخول فيه، بل الكون على هيئة الداخل- حكم الأجزاء في عدم الالتفات، فلا اعتبار بالشكّ في الوقت و القبلة و اللباس و الطهارة بأقسامها و الاستقرار و نحوها بعد الدخول في الغاية. و لا فرق بين الوضوء و غيره» انتهى.

و رابعها: التفصيل بين الشروط، بأنّ الشرط المشكوك فيه إن أمكن إحرازه و تحصيله حين الشكّ في أثناء العمل- كالستر و الاستقبال و النيّة بالنسبة إلى الصلاة- لا يلتفت إليه، و يبني على وقوعه بالنسبة إلى الأجزاء السابقة، و يجب إحرازه بالنسبة إلى اللاحقة إن لم يكن حاصلا حين الشكّ. و إن لم يمكن إحرازه حين الشكّ في الأثناء كالوضوء، فإنّ محلّ إحرازه قبل الدخول في الغاية من الصلاة و نحوها، يبني على وقوعه مطلقا حتّى بالنسبة إلى الأجزاء اللاحقة أيضا، فيمضي على ما شكّ فيه، و لا يجب إحرازه في الأثناء. اختاره صاحب الجواهر.

40

و يمكن التفصيل بوجه آخر، بأن لا يعتبر الشكّ في الشرط بالنسبة إلى مشروطه الذي تهيّأ للدخول فيه أو شكّ في أثنائه، بخلاف غيره من الغايات الأخر التي يريد الإتيان بها بعده، فيجب الالتفات إليه، و البناء على عدم وقوعه بالنسبة إليها. فإذا شكّ في الطهارة في حال تهيّئه للظهر أو في أثنائها بنى على وقوعه، فيمضي في الظهر، و يتطهّر للعصر أو غيرها من الغايات الأخر. و صاحب كشف الغطاء مع اكتفائه بالتهيّؤ كما عرفت اكتفي بهذا الشرط الثابت بالقاعدة بالنسبة إلى الغايات الأخر، كما نقله عنه المصنّف (رحمه اللّه)، فيكون ما احتملناه تفصيلا بالنسبة إلى هذا التعميم.

و التحقيق ما اختاره المصنّف من التفصيل بين الفراغ من المشروط فيلغو الشكّ بالنسبة إلى شرطه، و بين مشروط آخر بعده فيعتبر بالنسبة إليه. و تحقيقه يتوقّف على بيان محلّ الشروط و مرتبتها حتّى يتفرّع عليه معرفة تجاوز محلّها و عدمه، لابتناء صدق الروايات على صدق تجاوز المحلّ للمشكوك فيه و عدمه.

فنقول: إنّ جميع الأفعال لا تخلو: إمّا أن يكون بعضها مقدّما على بعض آخر مع الاتّصال أو الانفصال، و إمّا أن يكون أحدهما مقارنا للآخر، بمعنى وجودهما في زمان واحد، كالأكل ماشيا و الشرب قاعدا. و الشروط بالنسبة إلى مشروطها من قبيل الثاني، لأنّ ما هو شرط- من الطهارة و الاستقبال و الستر و الساتر و إباحة المكان و نحوها- بالنسبة إلى الصلاة إنّما هو الحاصل منها في زمان العمل لا قبله.

و أمّا الوضوء فلا ريب في عدم كونه شرطا للصلاة، بل هو سبب لما هو شرط لها، و هي الطهارة. و أمّا الطهارة و كذا الاستقبال و نحوه الحاصل قبلها فليست شرطا لها، لأنّ ما هو شرط منها ما هو حاصل حين الاشتغال بالصلاة، لأنّ الشرط هو الخارج الذي له مدخل في وجود المشروط، و لا مدخل لما تقدّم منها على الصلاة في وجودها، و لذا لو فرض حصول الاستقبال أو الستر أو إباحة الساتر أو المكان برضا مالكهما مقارنا لابتداء تكبيرة الإحرام صحّت صلاته بلا إشكال. و وجوب‏

41

إحراز ما ذكر قبل التلبّس بالصلاة إنّما هو من باب المقدّمة، لعدم حصولها غالبا حينه. فما اشتهر في الكتب من أنّ الشرط ما تقدّم على المشروط وجودا ليس بجيّد. اللّهمّ إلّا أن يحمل على المسامحة، و إرادة تحصيله من باب المقدّمة، و إن كان اتّصافه بوصف الشرطيّة حين التلبّس.

فظهر ممّا ذكرنا أنّ محلّ الشرط و مرتبته هو حين التلبّس بالمشروط، فإذا فرغ المكلّف من المشروط فقد خرج من محلّه و تجاوزه. و لا ريب أنّ ما ذكرناه من الشروط شرائط لجميع أجزاء الصلاة، لاعتبار وجودها عند التلبّس بكلّ جزء جزء منها. فإذا شكّ بعد الشروع في السورة في وقوع الفاتحة في حال الطهارة و الاستقبال و نحوهما، يصدق عليه التجاوز عن محلّ الشرط و الدخول في غيره بالنسبة إلى الفاتحة، فيجب تحصيل الشرط المشكوك فيه بالنسبة إلى الأجزاء الباقية إن أمكن. و كذا الكلام في الآية، بل الكلمة، فإذا شكّ في استجماع آية أو كلمة للشرائط بعد الدخول في اخرى صدق التجاوز عن محلّ شرائطهما.

و من هنا يمكن التفرقة بين محلّ أفعال الصلاة و محلّ شرائطها على مذهب المشهور، من كون محلّ كلّ فعل هو ما قبل الدخول في آخر من الأفعال التي لها عنوان مستقلّ في كلماتهم، كالتكبير و القراءة و الركوع و السجود و القيام و التشهد و نحوها كما تقدّم سابقا. فإذا شكّ في الإتيان بآية بعد الدخول في اخرى يجب الالتفات إلى شكّه، لعدم تجاوز محلّ المشكوك فيه. و إذا شكّ في الاستقبال في آية بعد الدخول في اخرى لا يلتفت إلى شكّه، لما عرفت من تجاوز محلّ الشرط حينئذ. و هذا لازم مذهبهم و إن لم يلتزموا به.

ثمّ إنّ المراد بالشروط التي هي مجرى القاعدة هي الشروط الواقعيّة دون العلميّة، لأنّه إذا قلنا بكون الطهارة عن الخبث شرطا علميّا للصلاة، فمع الشكّ في طهارة بدنه أو ثوبه يحكم بصحّة صلاته في الواقع، فلا يصلح مثل هذا الشرط أن يكون موردا للقاعدة، و هو واضح.

42

و إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يدلّ على الشقّ الأوّل من المدّعى- و هو عدم الالتفات إلى الشكّ في الشرط بعد الفراغ من مشروطه بالنسبة إلى أجزاء الصلاة و غيرها- ما أشار المصنّف (رحمه اللّه) من العمومات الواردة في الباب، و لكن ليعلم أنّ العمدة منها موثّقة ابن أبي يعفور «إنّما الشكّ في شي‏ء لم تجزه» و تقريب الاستدلال بها على وجهين:

أحدهما: أن يفرض الشكّ و الفراغ بالنسبة إلى نفس المشكوك فيه، بأن يقال فيما حصل الشكّ في بعض الشروط عند قراءة آية بعد الدخول في اخرى: إنّ محلّ الشرط المشكوك فيه كان حين قراءة الآية السابقة، و قد تجاوزه و دخل في غيره.

و ثانيهما: أن يفرض الشكّ و الفراغ بالنسبة إلى الجزء المشكوك في شرطه، بأن يقال: إنّ الشكّ قد وقع في الآية السابقة بحسب وجودها الشرعيّ بعد تجاوز محلّها و الدخول في غيرها فلا يلتفت إليه، لأنّ ما هو فاسد كالعدم في نظر الشارع.

هذا بناء على شمول أخبار الباب لكلّ من الشكّ في الوجود و الصحّة. و من هنا يظهر وجه الاستدلال بصحيحة زرارة: «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء».

و إنّما قلنا إنّ العمدة في المقام هي الموثّقة، لأنّ الظاهر إطباق القائلين بجريان القاعدة في الشروط على عدم اعتبار الدخول في فعل آخر عند الشكّ في بعض شروط فعل سابق عليه، و كفاية مجرّد الفراغ من الفعل المشكوك في شرطه في الحكم بعدم الالتفات إليه. و حينئذ يشكل الاستدلال بالصحيحة المعتبرة للدخول في الغير، على الوجهين في تقريب الاستدلال بها، بخلاف الموثّقة، لأنّ ظاهرها بحسب مفهوم العلّة كفاية مجرّد الفراغ، و تجاوز محلّ المشكوك فيه في عدم الالتفات إلى الشكّ. و لا ينافيه صدرها المعتبرة للدخول في الغير- يعني: غير الوضوء- عند الشكّ في شي‏ء من الوضوء، إذ يكفي في الدخول في غير الوضوء مجرّد الفراغ منه،

43

كما نبّه عليه المصنّف (رحمه اللّه) في الموضع الثالث. مضافا إلى الأخبار الخاصّة الدالّة على كفاية مجرّد الانصراف عن الوضوء في عدم الالتفات إلى الشكّ الواقع فيه.

و بالجملة، إنّ الصحيحة لأجل مخالفتها لما هو ظاهرهم الإطباق عليه يشكل التمسّك بها في المقام. اللّهمّ إلّا أن يوجّه بأنّ الشروط و إن قارنت مشروطها وجودا، إلّا أنّها مقدّمة عليه طبعا، فيكتفي في صدق الدخول في غيره الشروع في مشروطه، لتأخّره عن شرطه طبعا و إن قارنه وجودا. نعم، لمّا كان الشرط مستمرّا مع مشروطه وجودا، فما لم يحصل الفراغ من مشروطه لم يصدق التجاوز عن محلّه، فيعتبر الفراغ عن المشروط أيضا ليصدق كلّ من التجاوز و الدخول في الغير المتأخّر عن المشكوك فيه و لو طبعا.

هذا كلّه [مضافا] (*) إلى إمكان منع شمول الصحيحة للشكّ في الشروط، إمّا لأنّ خصوصيّة المورد- أعني: الشكّ في الأذان و التكبير و القراءة و الركوع- قرينة على كون المراد في قوله (عليه السّلام): «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» هو الشكّ في وجود الشي‏ء، لا في صحّته بعد إحراز وجوده. و لكن يدفعه ما تقرّر في محلّه من أنّ خصوصيّة السبب لا تخصّص عموم الجواب. و إمّا لأنّ الظاهر من الشكّ في الشي‏ء لغة و عرفا- كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في الموضع الأوّل و السادس- هو الشكّ في وجود الشي‏ء لا في صحّته، و مرجع الشكّ في وجود الشرط إلى الشكّ في صحّة المشروط.

و من هنا يظهر إمكان المناقشة في سائر أخبار الباب أيضا. فينحصر الدليل في موثّقة ابن أبي يعفور، مع إمكان المناقشة فيها بأنّ غايتها الإطلاق من حيث اعتبار الدخول في الغير و عدمه، و هو مقيّد بما دلّ على اعتبار الدخول في الغير في عدم الالتفات إلى الشكّ، كما أوضحناه عند شرح ما يتعلّق بكلامه في الموضع الثالث، فراجع. فلا بدّ حينئذ إمّا من التزام اعتبار الدخول في الغير في الشروط أيضا، و إمّا

____________

(*) سقط ما بين المعقوفتين من الطبعة الحجريّة، و إنّما أثبتناه ليستقيم المعنى.

44

من التزام قاعدتين في المقام، إحداهما جارية في الشكّ في الوجود، و الاخرى في الشكّ في الصحّة، مع اعتبار الدخول في الغير في الاولى دون الثانية.

و الحاصل: أنّ الجمع بين مطلقات الأخبار و مقيّداتها كما يمكن بتقييد مطلقاتها كذلك يمكن بحمل مقيّداتها على صورة الشكّ في الوجود، و مطلقاتها على صورة الشكّ في الصحّة. و لكن يدفع الأوّل مخالفته لما عرفته من إطباقهم على عدم اعتبار الدخول في الغير في الشروط. و الثاني أنّه مخالف لظاهر الأخبار، لأنّ ظاهرها إعطاء قاعدة واحدة مطّردة في مواردها. مضافا إلى ظهور ما عدا موثّقة ابن أبي- يعفور- سواء كانت مطلقة أم مقيّدة- في الشكّ في الوجود كما تقدّم.

و الأولى أن يقال: إنّ قوله (عليه السّلام): «إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» في الموثّقة المذكورة أعمّ من الشكّ في الوجود و الصحّة، و غاية ما ثبت من تقييدها- من حيث ظهور المقيّد من الأخبار في الشكّ في الوجود كما تقدّم- هو تقييدها بالدخول في الغير بالنسبة إلى الشكّ في الوجود دون الصحّة، إذ لا بدّ في التقييد من الاقتصار على ما اقتضاه دليله. و من هنا يظهر عدم المنافاة بين اعتبار الدخول في الغير عند الشكّ في الوجود، و عدم اعتباره و الاكتفاء بمجرّد الفراغ عند الشكّ في الصحّة.

و يدلّ على الشقّ الثاني من المدّعى- و هو أنّ عدم الالتفات إلى الشكّ في الشرط بالنسبة إلى مشروطه لا يستلزم عدم الالتفات إلى مشروط آخر يريد الإتيان به بعده- ما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) أيضا من عدم تحقّق التجاوز عن محلّ الشرط المشكوك فيه بالنسبة إلى المشروط الآخر، فلا بدّ من إحرازه بالنسبة إليه و ذلك لأنّ هذه القاعدة ليست من الأدلّة الاجتهاديّة حتّى يثبت بها لوازمها مطلقا، شرعيّة كانت أو عقليّة أو عاديّة، لأنّ عدم الالتفات إلى الشكّ بعد تجاوز محلّ المشكوك فيه إنّما ثبت تعبّدا من باب الأخبار، و ثبوت التعبّد بعدم الالتفات إلى الشكّ في تحقّق بعض شرائط المأتيّ به لأجل تجاوز محلّه، لا يستلزم التعبّد بذلك بالنسبة إلى‏

45

مشروط آخر يريد الإتيان به بعده، و هو واضح.

نعم، لو ثبت اعتبار القاعدة من باب الظنّ النوعي، بأن استند فيه إلى ظهور حال المكلّف المريد للفعل الصحيح أو الغلبة أو بناء العقلاء، لاتّجه ما ذكر، لكونها حينئذ من الأمارات الاجتهاديّة، إلّا أنّه خلاف التحقيق، إذ العمدة في المقام هي الأخبار العامّة. فلا بدّ حينئذ من التفصيل بين الشروط، فإن كان الشرط المشكوك فيه ممّا أمكن تحصيله في أثناء العمل بنى على وقوعه بالنسبة إلى الأجزاء السابقة، و أحرزه بتحصيله في الأثناء بالنسبة إلى اللاحقة، إن لم يكن حاصلا حين الشكّ. و إن لم يمكن تحصيله في الأثناء، لاستلزامه للفعل الكثير في أثناء الصلاة، أو الانصراف عن القبلة، أو للإجماع على اعتبار استمرار الشرط من ابتداء العمل إلى انتهائه، كالطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة، لإجماعهم على اعتبار وقوعها بطهارة واحدة في صحّتها أو نحو ذلك، استأنف العمل فلا بدّ من مراعاة هذا التفصيل في الشروط.

و أمّا أدلّة باقي الأقوال، فإنّهم و إن لم يذكروا على جملة منها دليلا، إلّا أنّه يمكن أن يحتج للأوّل- و هو الذي اختاره العلّامة في كتبه الثلاثة، على ما تقدّم عند نقل القول الثاني- بوجهين.

و ليعلم أوّلا أنّه لم تظهر مخالفته لما اخترناه على سبيل الجزم، لأنّ تفصيله بين الشكّ في الشرط في أثناء العمل و الشكّ فيه بعد الفراغ منه، بالقول بالالتفات إلى الشكّ في الأوّل دون الثاني، إنّما استفدناه من تفصيله في كتبه الثلاثة بين الشكّ في الطهارة عن الحدث في أثناء الطواف، و بين الشكّ فيها بعد الفراغ منه. فإن كان هذا التفصيل بالنسبة إلى خصوص الطهارة من حيث عدم إمكان تداركها في الأثناء انطبق على ما اخترناه. و إن كان ذكر الطهارة من باب المثال، و المقصود هو التفصيل بين وقوع الشكّ في الأثناء و بعد الفراغ بالنسبة إلى مطلق الشروط، غاير ما اخترناه.

46

أحدهما: أن يحمل الشي‏ء في الصحيحة «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» على إرادة العناوين الكلّية، كالصلاة و الصوم و الإحرام و الطواف و السعي و نحوها، و الخروج منها إنّما يتحقّق بالفراغ منها، فإذا شكّ في الأثناء في بعض شرائطها التفت إليه، بخلاف ما لو حصل بعد الفراغ منه فلا يلتفت إليه.

و ثانيهما: أنّ القاعدة لو عمّت الشكّ في الشرائط في أثناء العمل لزم التعارض بين منطوق الروايات و مفهومها، لأنّه إذا شكّ بعد الفراغ من الفاتحة في حصولها حال الاستقبال أو الطهارة أو نحوهما، فكما يحصل الشكّ في صحّة الفاتحة كذلك يحصل الشكّ في صحّة الصلاة، و كما أنّ الصحيحة تدلّ منطوقا على عدم الاعتناء بالشكّ الأوّل، كذلك تدلّ مفهوما على الاعتناء بالشكّ الثاني.

و الجواب عن الأوّل: بأنّ الشي‏ء عامّ، فلا دليل على تخصيصه بما ذكر، فهو يشمل الخروج من القراءة، بل الفاتحة، بل الآية منها، بل الكلمة منها.

و عن الثاني: بأنّ الشكّ في المجموع مسبّب عن الشكّ في الجزء، فإذا زال الشكّ عن الجزء بحكم القاعدة زال عن الكلّ أيضا، كما قرّر في مسألة المزيل و المزال بل ليس هنا إلّا شكّ واحد، لأنّ الشكّ في الكلّ عين الشكّ في الجزء، و ليس مغايرا له، بل هما متّحدان بالذات متغايران بالإضافة و الاعتبار، نظير حركة جالس السفينة بحركتها التي تنسب إليها بالأصالة و إليه بالاعتبار، فيكون الشكّ في الجزء هو مورد القاعدة خاصّة، و لا يكون من مسألة المزيل و المزال في شي‏ء.

و للقول الثاني بدعوى ظهور أخبار الباب- ما عدا موثّقة ابن أبي يعفور- في الشكّ في وجود الشي‏ء لا في صحّته، كما أوضحه المصنّف (رحمه اللّه) في الموضع الأوّل و السادس.

و أمّا الموثّقة فلا يقول صاحب المدارك باعتبارها. و لعلّ الفاضل الهندي أيضا يوافقه في ذلك. مع أنّ دلالتها لا يخلو من إجمال، لأنّ ظاهرها- و هو عدم‏

47

الالتفات إلى الشكّ فيما لو شكّ في بعض أجزاء الوضوء بعد الدخول في جزء آخر منه- غير مراد بالإجماع، فلا بدّ أن يرجع ضمير «غيره» في قوله: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» إلى الوضوء دون الشي‏ء. و حينئذ يقع الإشكال فيما علّله بقوله: «إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» لأنّ مقتضاه أنّ الشكّ الذي يجب الالتفات إليه هو ما وقع في أثناء العمل، و هو غير معقول. اللّهمّ إلّا أن يفرض المشكوك في أثنائه مركّبا ذي أجزاء وقع الشكّ في أثنائه باعتبار الشكّ في بعض ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا.

فيكون محصّل العلّة بضميمة موردها: أنّ الشكّ الذي يجب الالتفات إليه هو الشكّ الذي وقع في أثناء المركّب باعتبار الشكّ في بعض ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا، و أنّ الشكّ الذي لا يلتفت إليه هو الشكّ الذي وقع في بعض ما يعتبر في المركّب بعد الفراغ منه. و هذا و إن صحّ في الوضوء، إلّا أنّه لا ينطبق على شي‏ء من المذاهب في مثل الصلاة، إذ لا ريب في عدم الاعتداد بالشكّ في القراءة إذا حصل عند التسليم، سواء قلنا بمذهب الشيخ و العلّامة أو المشهور أو الأردبيلي (قدّس اللّه أسرارهم). و الالتزام بظاهر العلّة و البناء على خروج ما أخرجه الدليل، بأن يقال: إنّ كلّ مركّب وقع الإجماع على عدم الالتفات فيه إلى الشكّ في بعض ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا قبل الفراغ منه فهو، و إلّا فمقتضاها الالتفات إلى مثل هذا الشكّ، يحتاج إلى جرأة عظيمة على مخالفة العلماء إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.

و الجواب: أمّا عن عدم حجّية الأخبار الموثّقة، فبأنّه خلاف التحقيق كما قرّر في محلّه. و أمّا عن إجمال صدرها، فبأنّ الإجماع المذكور قرينة على إرجاع ضمير «غيره» إلى الوضوء. و أمّا عن إجمال العلّة و عدم وجود القول بمقتضاها، فبمنع إجمالها، لأنّ المتبادر من الشكّ في الشي‏ء حين الكون فيه هو الشكّ فيه قبل تجاوز محلّه، و هو منطبق على الشكّ في الجزء و الشرط و نفس المركّب و المشروط،

48

على الوجه الذي تقدّم تحقيقه في بيان ما اخترناه. و يؤيّده سائر أخبار الباب، لأنّ قوله (عليه السّلام) في صحيحتي زرارة و الحلبي: «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره، فشكّك ليس بشي‏ء» ظاهر في الخروج من محلّ الشّي‏ء، لأنّ الخروج من الشي‏ء ظاهر في القطع بوجوده و الشكّ في بعض أوصافه، و هو محمول على إرادة الخروج من محلّه، لينطبق على موردهما من الشكّ في أصل وجود الشي‏ء.

و للقول الثالث بحمل العمومات على إمضاء طريقة العقلاء، و ما هو الظاهر من حال العاقل المريد للفعل المكلّف به من إبراء ذمّته عمّا تعلّق بها، لأنّ العاقل لا يقدم على الفعل فيما يريد إبراء ذمّته به إلّا بعد إحراز جميع ما يعتبر فيه. و كذلك طريقة العقلاء مستقرّة على عدم الالتفات إلى الشكّ بعد التّهيؤ، فضلا عن الدخول في المشروط و الفراغ منه.

و الجواب: منع ظهور ذلك من الأخبار، لبعده عن مساقها. و بنائهم أيضا لم يثبت بحيث ينهض دليلا بنفسه.

و أمّا ما احتملناه في تضاعيف الأقوال من التفصيل، فيمكن الاحتجاج له بأنّ المتيقّن من بناء العقلاء هو البناء على المضيّ في المشروط الذي شكّ في شرطه في حال التّهيؤ له أو بعد الدخول فيه، دون سائر الغايات الأخر التي يريد الإتيان بها بعده. و الجواب عنه يظهر بعد ضعف القول السابق الذي هو مبناه.

و للقول الرابع بأنّ محلّ الشروط التي لا يمكن تحصيلها في أثناء مشروطها هو ما قبل المشروط، لعدم قابليّة أثنائه لذلك، فبمجرّد الدخول في المشروط يتحقّق التجاوز عن محلّ هذه الشروط، فلا يلتفت إلى الشكّ فيها بعد الدخول فيه بمقتضى العمومات، بخلاف الشروط التي يمكن تحصيلها في الأثناء، لأنّها حيث كانت شروطا لجميع أجزاء الصلاة مثلا، فمحلّها بالنسبة إلى كلّ جزء هو محلّ الإتيان بهذا الجزء. فإذا شكّ في تحقّق شرط الجزء السابق بعد الدخول في آخر، فقد تحقّق التجاوز عن محلّ الشرط بالنسبة إلى الجزء السابق، و لم يتحقّق التجاوز عن محلّه‏

49

بالنسبة إلى الفراغ عن المشروط- بل الدخول فيه، بل الكون على هيئة الداخل- حكم الأجزاء في عدم الالتفات، فلا اعتبار بالشكّ في الوقت و القبلة و اللباس و الطهارة بأقسامها و الاستقرار و نحوها بعد الدخول في الغاية. و لا فرق بين الوضوء و غيره، انتهى. و تبعه بعض من تأخّر عنه. و استقرب (2639) في مقام آخر إلغاء الشكّ في الشرط بالنسبة إلى غير ما دخل فيه من الغايات. و ما أبعد ما بينه و بين ما ذكره بعض الأصحاب من اعتبار الشكّ في الشرط حتّى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجب إعادة المشروط.

____________

بالنسبة إلى الجزء الذي دخل فيه، و كذا غيره من الأجزاء اللاحقة، فيجب إحرازه بالنسبة إليها إن لم يستلزم فساد الصلاة من جهة اخرى، كإزالة النجاسة المستلزمة للفعل الكثير في أثنائها في بعض الصور، بخلاف الطهارة عن الحدث، فإنّ عدم جواز تجديدها في أثنائها ليس لذلك، بل للإجماع على عدم صحّة الصلاة إلّا بطهارة واحدة، و إن فرض عدم استلزام تجديدها في الأثناء للفعل الكثير.

و الجواب: أنّ ما ذكره فيما يمكن تحصيله في أثناء العمل من الشروط موافق للتحقيق و أمّا بالنسبة إلى ما لا يمكن تحصيله في الأثناء، فيرد عليه ما قدّمناه عند بيان ما اخترناه من كون محلّ الشروط مطلقا مقارنا لمحلّ مشروطها، لمقارنتها له في الوجود، فراجع. فإذا شكّ في وقوع الفاتحة مع الطهارة بعد الدخول في السورة، فالتجاوز عن محلّ الطهارة و إن تحقّق بالنسبة إلى الفاتحة، إلّا أنّه باق بالنسبة إلى الأجزاء اللاحقة. و عدم جواز تجديدها بالنسبة إليها- و إن فرض عدم استلزامه للفعل الكثير- إنّما هو للإجماع على وقوع جميع أجزاء الصلاة بطهارة واحدة، و إلّا كان مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة مع تجديدها في الأثناء إن لم يلزم البطلان من جهة اخرى، كسائر الشروط التي لم يمنع الإجماع من تجديدها في الأثناء على ما أسلفناه، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

2639. يعني: بعض الأساطين.

50

و الأقوى: التفصيل بين الفراغ عن المشروط فيلغو الشكّ في الشرط بالنسبة إليه، لعموم لغويّة الشكّ في الشي‏ء بعد التجاوز عنه، و أمّا بالنسبة إلى مشروط آخر لم يدخل فيه فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الشكّ فيه، لأنّ الشرط المذكور من حيث كونه شرطا لهذا المشروط لم يتجاوز عنه، بل محلّه باق، فالشكّ في تحقّق شرط هذا المشروط شكّ في الشي‏ء قبل تجاوز محلّه.

و ربّما بنى بعضهم ذلك (2640) على أنّ معنى عدم العبرة بالشكّ في الشي‏ء بعد تجاوز المحلّ، هو البناء على الحصول مطلقا (2641) و لو لمشروط آخر، أو يختصّ بالمدخول. أقول: لا إشكال في أنّ معناه البناء على حصول المشكوك فيه، لكن بعنوانه الذي يتحقّق معه تجاوز المحلّ، لا مطلقا. فلو شكّ في أثناء العصر في فعل الظهر بنى على تحقّق الظهر بعنوان أنّه شرط للعصر (2642) و لعدم وجوب العدول إليه، لا على تحقّقه مطلقا حتى لا يحتاج إلى إعادتها بعد فعل العصر. فالوضوء المشكوك فيما نحن فيه إنّما فات محلّه من حيث كونه شرطا للمشروط المتحقّق، لا من حيث كونه شرطا للمشروط المستقبل.

و من هنا يظهر أنّ الدخول في المشروط أيضا لا يكفي في إلغاء الشكّ في الشرط، بل لا بدّ من الفراغ عنه، لأنّ نسبة الشرط إلى جميع أجزاء المشروط نسبة واحدة، و تجاوز محلّه (2643) باعتبار كونه شرطا للأجزاء الماضية، فلا بدّ من إحرازه للأجزاء المستقبلة. نعم، ربّما يدّعى في مثل الوضوء أنّ محلّ إحرازه لجميع أجزاء الصلاة قبل الصلاة (2644) لا عند كلّ جزء.

____________

2640. أي: الشكّ في الشرط بالنسبة إلى الغايات الأخر.

2641. فيعمّ جميع الغايات المدخول فيها و غيره.

2642. فإنّ محلّ الظهر باعتبار أنّها شرط للعصر إنّما هو قبلها، و أمّا باعتبار أنّها واجب في نفسها فمحلّها باق ما لم يخرج الوقت، و لذا يجب الإتيان بها بعد العصر لو نسيها قبلها.

2643. مبتدأ و خبره قوله «باعتبار».

2644. فبالدخول فيها يتحقّق التجاوز عن محلّه.

51

و من هنا قد يفصّل بين ما كان من قبيل الوضوء ممّا يكون محلّ إحرازه قبل الدخول في العبادة، و بين غيره ممّا ليس كذلك، كالاستقبال و الستر، فإنّ إحرازهما ممكن في كلّ جزء، و ليس المحلّ الموظّف لإحرازهما قبل الصلاة بالخصوص، بخلاف الوضوء. و حينئذ فلو شكّ في أثناء الصلاة في الستر أو الساتر وجب عليه إحرازه في أثناء الصلاة للأجزاء المستقبلة.

و المسألة لا تخلو عن إشكال، إلّا أنّه ربّما يشهد لما ذكرنا- من التفصيل بين الشكّ في الوضوء في أثناء الصلاة، و فيه بعده- صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه (عليهما السّلام)، قال:

" سألته عن الرجل يكون على وضوء ثمّ يشكّ، على وضوء هو أم لا؟ قال: إذا ذكرها (2645) و هو في صلاته انصرف و أعادها، و إن ذكر و قد فرغ من صلاته أجزأه ذلك"

8

، بناء على أنّ مورد السؤال (2646) الكون على الوضوء باعتقاده ثمّ شكّ في ذلك.

[الموضع السادس أنّ الشكّ في صحّة الشي‏ء المأتي به حكمه حكم الشكّ في الإتيان‏]

الموضع السادس: أنّ الشكّ في صحّة الشي‏ء المأتي به حكمه حكم الشكّ في الإتيان، بل هو هو، لأنّ مرجعه إلى الشكّ في وجود الشي‏ء الصحيح. و محلّ الكلام ما لا يرجع (2647) فيه الشكّ إلى الشكّ في ترك بعض ما يعتبر في الصحّة، كما لو شكّ في تحقّق الموالاة المعتبرة في حروف الكلمة أو كلمات الآية. لكنّ الإنصاف أنّ الإلحاق لا يخلو عن إشكال، لأنّ الظاهر من أخبار الشكّ في الشي‏ء اختصاصها بغير هذه الصورة، إلّا أن يدّعى تنقيح المناط أو يستند فيه إلى بعض ما يستفاد منه‏

____________

2645. يعني: حالة شكّه.

2646. بأن كان مورد السؤال من قبيل الشكّ الساري لا الشكّ المعتبر في مورد الاستصحاب، أعني: الشكّ في البقاء، إذ لو كان من قبيل الثاني لم يكن له دخل فيما نحن فيه، مضافا إلى مخالفته للإجماع في الجملة.

2647. حاصله: أنّ محلّ الكلام في الموضع الخامس‏ (*) هو الشكّ في الشروط

____________

(*) كذا في الطبعة الحجريّة. و هو سهو من قلمه الشريف (قدّس سرّه)، لأنّ الكلام في الموضع السادس كما تراه في المتن.

52

العموم مثل موثّقة ابن أبي يعفور، أو يجعل أصالة الصحّة في فعل الفاعل المريد للصحيح أصلا برأسه، و مدركه ظهور حال المسلم.

قال فخر الدين في الإيضاح في مسألة الشكّ في بعض أفعال الطهارة: إنّ الأصل في فعل العاقل المكلّف الذي يقصد براءة ذمّته بفعل صحيح، و هو يعلم الكيفية و الكميّة، الصحّة

9

، انتهى. و يمكن استفادة اعتباره من عموم التعليل المتقدّم في قوله:

" هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ"، فإنّه بمنزلة صغرى لقوله:" فإذا كان أذكر

____________

التي لها وجود مستقلّ مع قطع النظر عن وجود مشروطها، كالطهارة و الاستقبال و الستر و نحوها، حتّى تكون بنفسها موردا للشكّ في الوجود، لتجري فيها القاعدة بنفسها، و إن قلنا بعدم شمولها للشكّ في الصحّة، و في هذا الموضع [ما] (*) لم يكن كذلك، بل يعدّ المشكوك فيه من كيفيّات المشروط و موجودا بوجوده، كأداء الحروف من المخارج، و على الإعراب المقرّر في النحو، و على الترتيب المقرّر في اللغة، و كالموالاة بين حروف الكلمة أو كلمات الآية أو نحو ذلك.

و لكنّك خبير بأنّ لكلّ ممّا ذكر أيضا وجودا مغايرا للمشروط. اللّهمّ إلّا أن يقال ذلك بحسب الدقّة، و إلّا فما ذكر لا يعدّ مغايرا للمشروط بحسب الوجود في نظر أهل العرف، و هو المعتبر في صدق الأدلّة اللفظيّة.

ثمّ إنّه على تقدير جريان القاعدة في الشكّ في الصحّة، فالكلام في اعتبار الدخول في الغير و عدمه في عدم الالتفات إلى الشكّ و الالتفات إليه، نظير ما تقدّم في سائر الشروط عند بيان ما اخترناه، فراجع إلى ما ذكرناه عند شرح كلامه في الموضع السادس‏ (**). و كذا الكلام في محلّ هذه الشروط نظير ما تقدّم هناك.

____________

(*) كلمة «ما» مثبتة في الطبعة الحجريّة، و الظاهر أنّها من زيادة النسّاخ و مخلّة بالمعنى.

(**) هذا أيضا سهو من قلمه الشريف (قدّس سرّه)، و الصحيح: الخامس، لأنّ الكلام في سائر الشروط مضى مشروحا في الموضع الخامس.

53

فلا يترك ما يعتبر في صحّة عمله الذي يريد به إبراء ذمّته"، لأنّ الترك سهوا خلاف فرض الذكر، و عمدا خلاف إرادة الإبراء.

[الموضع السابع الظاهر أنّ المراد بالشكّ في موضوع هذا الأصل، هو الشكّ الطارئ بسبب الغفلة عن صورة العمل‏]

الموضع السابع: الظاهر أنّ المراد بالشكّ في موضوع هذا الأصل، هو الشكّ الطارئ بسبب الغفلة عن صورة العمل. فلو علم كيفيّة غسل اليد و أنّه كان بارتماسها في الماء، لكن شكّ في أنّ ما تحت خاتمه ينغسل بالارتماس أم لا، ففي الحكم بعدم الالتفات، وجهان: من إطلاق بعض الأخبار، و من التعليل بقوله:" هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ"، فإنّ التعليل يدلّ على تخصيص الحكم بمورده (2648) مع عموم السؤال، فيدلّ على نفيه عن غير مورد العلّة.

نعم، لا فرق بين أن يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا أو تركه تعمّدا، و التعليل المذكور بضميمة (2649) الكبرى المتقدّمة يدلّ على نفي الاحتمالين.

و لو كان الشكّ من جهة احتمال وجود الحائل على البدن، ففي شمول الأخبار له، الوجهان. نعم، قد يجري هنا أصالة عدم الحائل فيحكم بعدمه حتّى لو لم يفرغ عن الوضوء، بل لم يشرع في غسل موضع احتمال الحائل، لكنّه من الاصول المثبتة. و قد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في بعض الامور المتقدّمة.

____________

2648. يعني: بمورد التعليل، و هو ما يتحقّق فيه الأذكريّة. و السؤال في الرواية و إن كان عامّا، إلّا أنّ خصوصيّة العلّة من حيث أظهريّتها مقدّمة على عموم السؤال، كما أنّ السؤال لو كان خاصّا و العلّة عامّة يؤخذ بعموم العلّة. و قد أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) عند الاستدلال بآية النبأ على حجّية خبر الواحد، فراجع.

2649. توضيحه: أنّ قوله: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» وارد في مقام بيان ظاهر حال المسلم المريد لإبراء ذمّته عمّا اشتغلت به، و ظاهر حاله عدم تركه ما يوجب فساد عمله عمدا، كذا عدم تركه ما يوجب ذلك سهوا، لأنّ الأوّل خلاف إرادة الإبراء، و الثاني خلاف الذكر. و تخصيص الأذكريّة في العلّة بالذكر إنّما هو لأجل وضوح عدم إقدام المريد للإبراء إلى الترك العمدي. و احتمال النسيان أيضا مندفع بأكثريّة الذكر و غلبته حين العمل و حاصل التعليل‏

54

حينئذ أنّ المريد للفعل لا يقدم إلى تركه عمدا، لأنّه خلاف الإرادة، و لا سهوا، لأنّه أكثر تذكّرا للفعل حين العمل من غير هذه الحالة، لندرة النسيان حين العمل.

و من هنا يظهر الوجه في ضمّ المصنّف (رحمه اللّه) للكبرى إلى التعليل في نفي الاحتمالين، و عدم استناده في ذلك إلى مجرّد العلّة. و حاصله: أنّ العلّة بملاحظة موردها تنفي الاحتمالين.

ثمّ اعلم أنّ للقاعدة فروعا مهمّة أخر قد أهملها المصنّف (رحمه اللّه) في المقام، و لا بأس بالإشارة إليها على ما تقتضيه الحال و يسعه المجال.

الأوّل: أنّ المراد بالشكّ في مورد أخبار الباب هو المعنى المراد به في باب الاستصحاب، أعني: الأعمّ من متساوي الطرفين و من الظنّ غير المعتبر، لكون الشكّ لغة أعمّ منهما. بل يظهر من الفيّومي اتّفاق أهل اللغة عليه، قال: «قال أئمّة اللغة: الشكّ خلاف اليقين، فقولهم: خلاف اليقين هو التردّد بين شيئين، سواء استوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر» انتهى. فلو شكّ في وقوع الفعل أو صحّته بنى عليهما و إن كان عدمهما مظنونا.

نعم، قد استثنيت من ذلك الشكوك الواقعة في أثناء الصلاة، فلو شكّ في القراءة أو الركوع أو غيرهما بعد الفراغ منها، أو بعد الدخول في غيرها مع الظنّ بعدم الإتيان بها، بنى على عدم وقوعها، و إن اقتضت القاعدة خلافه. و الدليل عليه هو النصّ، لأنّه و إن ورد في عدد الركعات إلّا أنّه يثبت حكم الأفعال به أيضا بالأولويّة، كما تمسّك به في المدارك، لأنّ الركعة عبارة عن الأفعال المجتمعة، فإذا اعتبر الظنّ في المجموع ففي الأجزاء بطريق أولى. و وجه تقدّم الظنّ على القاعدة حكومة أدلّته على أدلّتها.

الثاني: أنّ أخبار الباب قد وردت في الصلاة و الطهارات، و ظاهر المعتنين بالفقه- كالشيخ و الفاضلين و الشهيد و غيرهم- عدم تعدّيهم عن مواردها، و لعلّهم فهموا منها اختصاص القاعدة بها، و لذا لم يتمسّكوا بها في غيرها من أبواب‏