فقه الشيعة / تقريرات

- السيد محمد مهدي الخلخالي المزيد...
300 /
3

[الخطبة]

الاجتهاد و التقليد

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ القرآن الكريم‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

كلمة المؤلف‏

حمدا لك اللّهمّ على ما أوليتنا به من تفقّه في الدّين، و هداية إلى الحق. و صلاة زاكية على سيدنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) صاحب الشريعة الخالدة السمحاء. و سلاما على آله الطّيبين الأطهار، حماة الدّين، و حملة الأحكام، و دعاة الحق المبين، و بعد:

إن الفقه الإسلامي من أمثل العلوم، و أكثر المعارف إنارة لحياة الإنسان، و إشراقا لطريقة إلى الحق و الخير. فلم يضع تشريعاته الدقيقة عقل أنساني خاص، ليقف عند جيل معين لا يتعداه، بل وضعته حكمة السماء بأوسع مداركها لصالح الإنسانية في كل جيل، فأدركته العقول البشريّة النيّرة بالإذعان و الاعتناق. و كل ما تتقدم الأجيال في تفكيرها يتسنى للفقه الإسلامي هذا أن يعطي أسرارا اخرى، و أحكاما قيّمة لصالح هذا التطور، و لتنظيم تلك الحياة الجديدة الّتي سترتقي إليها البشريّة في حياتها الدائمة المتطورة إلى الأفضل.

و في الفقه الإسلامي حياة عملية وطّدت دعائمها على أساس نظام اجتماعي دقيق، وضعت للنّاس مقاييس للتعامل العادل، و موازين يرجعون إليها في تنظيم سوقهم، و تصحيح تجارتهم، كما يرجعون إليها في تأدية عباداتهم لخالقهم جلّ و علا، و تنظيم سياستهم فيما بينهم، و في سائر أمور معاشهم و معادهم.

و الفقه الإسلامي مصدر تشريعي من أقوم المصادر الّتي تجعل من المجتمع المتمسك بتعاليم دينه مجتمعا سليما سويا، بعيدا عن المشاكل‏

6

و الملابسات الاجتماعية يسود فيه النظام، و تحكم الطمأنينة و الرضا، و الثقة المتبادلة بين جميع الأفراد. و فقهنا الإسلامي الذي ينبثق من معين الوحي شريعة سمحاء، جاء بها محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و حملها أبناؤه الأئمّة الطّاهارون، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، كيف لا يزداد حرصنا عليه، و لا يقوى إيماننا به، و لا تفنى حياتنا في سبيل الإبقاء عليه؟! فإن كان تشريعه من اللّه، و تبليغه من محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- و حملته أهل البيت- (عليه السّلام)- كيف يستطيع الخطأ و الباطل أن يتطرّق إليه؟!، و كيف يستطيع مسلم أن يتقاعس عن معرفته و تعلمه، و التفقه في أموره لدنياه أو آخرته، و لمعاشه و معاده!؟

و في الكتاب العزيز الذي هو المصدر الأول للتشريع حث على التفقه في الدين، و دعوة شديدة إلى الاجتهاد فيه‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (1) كما ورد في السنة الكريمة الحث على ذلك بما لا يحصى عدده. فأدرك رجال العلم، و حملة الدين الأبرار أهمية الفقه الإسلامي و علو شأنه، فأتعبوا نفوسهم في تنقيح قواعده، و تهذيب مداركه، و صنّفوا فيه كتبا قيمة، و وضعوا أسفارا محكمة، و مشى ذلك في مختلف العصور، حتى أصبح في عصرنا الحاضر كتاب (العروة الوثقى) للفقيه الجليل آية اللّه العظمى السيّد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قده) محطا للأنظار، و محورا لأبحاث العلماء، حيث علّقوا نظرياتهم على الكتاب فيما اختلفوا معه في الرأي و الاجتهاد. و قد أغناهم ذلك الكتاب الجامع عن تأليف كتاب آخر لاعتمادهم عليه.

و ممن عني بهذا الكتاب، و جعله عنوانا لمحاضراته الفقهية في (البحث الخارج) و محطا لنظرياته العلميّة هو الأب الروحي، أستاذ الفقهاء و المجتهدين، حجة عصره، و غرة دهره، مصباح المهتدين، و بغية الطالبين،

____________

(1) التوبة: 122.

7

المحقق البارع، و المؤسس الجامع، آية اللّه العظمى في العالمين سيدنا الأستاذ السيد أبو القاسم الخوئي (دام ظله العالي). و قد وفقت بحمد اللّه تعالى لحضور أبحاثه الشريفة في الفقه، و الأصول، و التفسير، محررا ذلك كله، حريصا على الاحتفاظ به. و من جملة ما حررته: هو ما ألقاه بحثا عن مدارك العروة الوثقى و أدلتها، فجاء بحمد اللّه شرحا وافيا، و مستندا كافيا لكتاب العروة الوثقى.

و قد اشتمل هذا الشرح على ذكر تعليقات سيدنا الأستاذ- (دام ظله)- على الكتاب المذكور مع الإشارة إلى وجه مخالفة نظره مع المصنف (قده)، و نقده على ما يمكن أن يكون دليلا لما ذهب إليه الماتن. و ربما أوضحت المقصود، أو استدركت بعض ما أعرض عنه الأستاذ- (دام ظله)- اختصارا للبحث في بعض التعليقات الّتي سيمر عليها القارئ الكريم.

ثمّ إنه (دام ظله) لم يتعرض للبحث عن مسائل الاجتهاد و التقليد من كتاب العروة الوثقى في هذه الدورة التي حضرتها. و لكن كان من الحري أن أتعرض لهذه المسائل أيضا تكميلا لشرح الكتاب، فحررتها على ضوء إفاداته في الأصول و ملاحظاته (دام ظله). مع إنّي قد لا حظت في الأثناء ما حرره بعض الأفاضل من تلامذته السابقين تقريرا لبحث سيدنا الأستاذ (دام ظله) عن هذه المسائل سابقا، فجاء ما حررته- بحمد اللّه- شرحا منقحا يفي بالمقصود.

و أسأله تعالى أن ينفعني به و إخواني من أهل العلم، و أن ينظر إليه بعين الرضا و القبول، و يجعله ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال و لا بنون، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

ذي قعدة الحرام 1378 محمد مهدي الموسوي الخلخالي‏

8

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على محمّد خير خلقه و آله الطّاهرين. و بعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه محمد كاظم الطباطبائي: هذه جملة مسائل مما تعم به البلوى و عليها الفتوى، جمعت شتاتها، و أحصيت متفرقاتها، عسى أن ينتفع بها إخواننا المؤمنون، و تكون ذخرا ليوم لا ينفع فيه مال و لا بنون، و اللّه ولي التوفيق.

[ (مسألة 1) يجب على كل مكلف في عباداته و معاملاته أن يكون: مجتهدا]

(مسألة 1) يجب على كل مكلف في عباداته و معاملاته أن يكون: مجتهدا، أو مقلدا، أو محتاطا (1).

(1) يقع البحث في هذه المسألة عن جهات:

«الجهة الأولى»:

في لزوم الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط بحكم العقل.

العقل و أحد الأمور الثلاثة:

بيانه: إن كل من التفت إلى أصل التشريع علم- بالضرورة- بثبوت أحكام إلزامية في الدين، و أنّ النّاس غير مهملين في أفعالهم و تروكهم، فيلزم بحكم العقل التعرّض لامتثال هذه الأحكام، ليحصل الأمن من العقاب، فإن في ارتكاب ما تحتمل حرمته و ترك ما يحتمل وجوبه احتمال العقاب.

و قد استقل العقل بلزوم دفع العقاب المحتمل، بمعنى أنه يدرك صحة العقوبة على مخالفة التكليف المنجّز، و إن لم يكن واصلا بخصوصه، كاستقلاله بصحة العقوبة على مخالفة التكليف الواصل. و هذا معنى حكم العقل بلزوم‏

9

..........

الطاعة، و قبح المعصية. و ليس معناه أن للعقل أحكاما مولويّة بعثية أو زجرية.

ثمّ إن التعرّض لامتثال الأحكام المعلومة بالإجمال يكون بأحد أمور ثلاثة:

(الأول): تحصيل العلم بها- وجدانا- بسماع من المعصوم- (عليه السّلام)- و نحو ذلك.

(الثاني): تحصيل الحجة المعتبرة شرعا عليها، سواء أ كانت حجة على الحكم الواقعي و كاشفة عنه، أم كانت حجة في الظاهر، و ناظرة إلى تعيين الوظيفة في ظرف الجهل بالواقع و عدم وصوله.

(الثالث): أن يحتاط في مقام العمل، فيأتي بما يحتمل وجوبه، و يترك ما يحتمل حرمته.

و بما أن باب العلم الوجداني بالأحكام منسد علينا غالبا، ينحصر طريق الامتثال بالأمرين الآخرين.

أما الاحتياط: فلا ريب في جوازه في الجملة، و في جوازه مطلقا كلام سنتعرض [1] له إن شاء اللّه تعالى.

و أما تحصيل الحجة على الحكم الشرعي فلا ريب في أنه يحصل معه الأمن من العقاب على مخالفة الواقع إذا تحققت المخالفة اتفاقا.

ثم إن الحجة على الحكم الشرعي إذا كانت فتوى الغير فالعمل عن استناد إليها هو التقليد، و إن كانت غيرها من الأمارات المعتبرة فتحصيلها هو

____________

[1] في ذيل المسألة الثانية، فإنه لا يمكن الاحتياط في موارد دوران الأمر بين المحذورين، و قد يكون حرجيّا فيما إذا كان كثير الأطراف، و قد يناقش في الاحتياط في العبادات فيما إذا تمكن المكلّف من الامتثال التفصيلي، سواء استلزم التكرار أم لا، فليس الاحتياط طريق عام لامتثال مطلق التكاليف، فلا يسلك إلا في الجملة- كما يأتي توضيحه في تلك المسألة.

10

..........

الاجتهاد. فإذا يلزم على كل مكلف- في غير الضروريات و القطعيات- أن يكون: مجتهدا، أو مقلدا، أو محتاطا.

الشبهات البدويّة و حكم العقل‏ ثم إن ما ذكرناه من لزوم التعرّض لامتثال الأحكام الواقعية- مخيرا بين الأمور الثلاثة- يجري في الشبهات البدويّة، بعد انحلال العلم الإجمالي باجتهاد أو تقليد، لأن مجرد احتمال التكليف يكفي في تنجزه، ما لم يكن هناك مؤمّن شرعي أو عقلي، و ذلك لعدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لا يجري شي‏ء من الأصول الشرعيّة قبل الفحص عن الحكم و اليأس عن الظفر به، فيستقل العقل بلزوم التعرض لامتثال التكليف المحتمل، دفعا للضرر المحتمل.

التخيير العقلي‏ و قد ظهر مما ذكرناه أن التخيير بين الأمور الثلاثة المذكورة عقلي لا شرعي. و عليه فلا يحتاج العامي في ذلك إلى التقليد، فإن عقله مستقل بذلك، و لا معنى للتقليد في مثله.

نعم إن جواز الاحتياط في بعض الموارد لا بد من إحرازه باجتهاد أو تقليد، و ستعرف تفصيل ذلك.

لا تقليد في أصل التقليد و أما جواز التقليد فلا مناص من انتهائه في حق العامي إلى الارتكاز العقلائي، و من الممتنع انتهاؤه إلى التقليد كما هو ظاهر [1]. هذا كله في‏

____________

[1] و إلا لدار أو تسلسل، لأنه لو توقفت حجيّة فتوى المجتهد للعامي على تقليد مجتهد آخر

11

..........

حكم العقل من جهة وجوب التعرض لامتثال الأحكام المعلومة إجمالا، أو في موارد الشبهة قبل الفحص.

الأدلة و جواز التقليد و أما الكلام من جهة الدليل الشرعي، و ما يمكن أن يستند إليه المجتهد في الحكم بجواز التقليد و حجيّة فتوى المجتهد بالنسبة إلى المقلّد فيدل عليه كل من السيرة و الآيات و الأخبار كما يلي.

السيرة يدل على جواز التقليد قيام السيرة العقلائية على الرجوع إلى أهل الخبرة، و العلماء هم أهل الخبرة في معرفة الأحكام. و بما أنّه لم يرد في الشرع ردع عن الرجوع إليهم كانت السيرة حجة على جواز التقليد شرعا، و بالملازمة دلت على حجية الفتوى.

الآيات الكريمة أما الآيات (فمنها) آية النفر، و هي قوله تعالى‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (1).

____________

ننقل السؤال إلى حجيّة فتوى المجتهد الثاني، و هكذا، فلو استمر التقليد من الأفراد متعاقبا لتسلسل، و إن رجع إلى ما قبله كان دورا، فلا محيص من الالتزام بالقول بأن جواز أصل التقليد لا يكون تقليديا، بل هو ثابت بالارتكاز العقلائي المبتني على رجوع الجاهل الى العالم في جميع الأمور، نعم لا محذور في تقليد بعض خصوصياته مما لا سبيل للعقل إليه، كمنع تقليد الميت ابتداء، أو البقاء على تقليده، أو جواز تقليد غير الأعلم مما يستند إلى الأدلة الشرعيّة الخاصة- كما يأتي الكلام فيها في المسائل الآتية.

____________

(1) التوبة: 122.

12

..........

فإنها قد دلّت على وجوب الحذر عند الإنذار بالعقاب، لأن كلمة «لعلّ» ظاهرة في أن ما بعدها علة غائية لما قبلها، سواء أ كان ما «قبلها أمرا خارجيا، أم حكما مولويا، فان كان الثاني، و كان ما بعد «لعل» فعلا اختياريا للمكلّف يدل الكلام على أنه محكوم بالحكم السابق، بداهة أن الغاية الموجبة لا يجاب أمر آخر تكون بنفسها واجبة بطريق أولى.

ثم إن الإنذار بالعقاب يتحقق بالإفتاء بتحريم شي‏ء، أو وجوبه من جهة الدلالة الالتزامية، لأن في مخالفة الحكم الإلزامي استحقاق للعقوبة.

و الحذر الواجب إنّما هو العمل- على طبق قول الفقيه- الذي هو التقليد حقيقة كما يأتي، لا مجرد الخوف النفساني. و لا يكون وجوب الحذر إلا مع حجية الإنذار، إذ لا مقتضى لوجوبه بعد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فوجوب الحذر عند الإنذار يلازم حجية الإنذار، و الأمر به يدل على وجوبه فتدل الآية على وجوب كلى من الحذر و الإنذار (التقليد و الإفتاء).

و أما احتمال تقييد وجوب الحذر- بما إذا حصل العلم بمطابقة الإنذار للواقع- فيندفع بإطلاق الآية المباركة، لأن ظاهرها ترتب وجوب الحذر على مجرد الإنذار، لا على العلم بثبوت المنذر به.

و ربما يقال باختصاص الآية بموارد الإخبار عن الحكم الشرعي كما أفاد بعض مشايخنا المحققين‏ (1)، بدعوى أن التفقه في الصدر الأول إنّما كان بسماع الأحكام من النبي- (صلّى اللّه عليه و آله)- أو الإمام- (عليه السّلام)-، فالإنذار حينئذ إنّما يتحقق ببيان الحكم الذي سمعه، أو بالإخبار عن ترتب العقاب على فعل شي‏ء أو تركه، فلا تدل الآية على حجية الفتوى، و التفقه المتوقف على إعمال النظر، لعدم إمكان الجمع بينهما.

____________

(1) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 13.

13

..........

و يمكن الجواب بأن اختلاف مراتب التفقه لا يوجب اختصاص الحكم ببعض أفراده، فإن التفقه في الصدر الأول كان بمجرد سماع الحديث و تحمّله، لكونهم غالبا من أهل اللسان، فكانوا فقهاء فيما ينقلونه، و لم تكن الفقاهة من الصعوبة بهذه المثابة التي نجدها في عصرنا هذا، فإنّها حصلت من كثرة الروايات و تعارضها، بل كان من الفقهاء في الصدر الأول و في زمان الأئمّة- (عليهم السّلام)- من هو صاحب رأي و اجتهاد. و من هنا كانوا يسألون الإمام- (عليه السّلام)- عن علاج الأخبار المتعارضة، و هذا يدل على أنّهم كانوا أهل نظر و استدلال. فظهر أن الإنذار كما يتحقق بنقل الرواية عن المعصوم- (عليه السّلام)- كذلك يتحقق بالإفتاء، فللفقيه أيضا الإنذار بحكم اللّه تعالى الذي تفقّه فيه، و استنبطه من الروايات أو غيرها، فلا موجب لدعوى اختصاص الآية المباركة بالحكاية و الإخبار، بل لا يبعد دعوى دلالة الآية على اعتبار فهم الراوي معنى الرواية في حجية خبره، و ذلك لعدم صدق التفقه على مجرد نقل ألفاظ المعصوم- (عليه السّلام)- من دون فهم المعنى رأسا، و ظاهر الآية دخل الفقه في وجوب الحذر عند الإنذار، إلا أن يقال بعدم القول بالفصل بين صورتي الفهم و عدمه. فتحصّل أن دلالة الآية الشريفة على حجيّة الفتوى أولى من دلالتها على حجيّة الرّواية.

و (منها): آية السؤال و هي قوله تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (1) فإنّها دلّت على وجوب السؤال، و من الواضح أنه لا يجب السؤال إلا إذا كان الجواب حجة، فإن فائدة السؤال هو العمل على طبق الجواب، و إلا كان‏

____________

(1) الأنبياء: 7.

14

..........

السؤال لغوا، و بما أن الفقيه من أهل الذكر فالآية بإطلاقها تدل على حجية فتواه المسبوقة بالسؤال، و على حجية غير المسبوقة به بعدم القول بالفصل.

و ربما يشكل على الاستدلال بها بأن سياق الآية تقتضي إرادة أهل الكتاب بالخصوص، و بأن تفسيرها بالأئمّة الأطهار يقتضي الاختصاص بهم، فلا تعم غيرهم.

و يندفع: بأن جميع ذلك إنما هو من باب التطبيق لا الاختصاص، فإن الظاهر أن المراد بالذكر هو مطلق ما يوجب ذكر اللّه تعالى، مما يرجع إلى أمر النبوّة، و الولاية. و الأحكام الإلهية، فكل من كان عنده علم بشي‏ء من ذلك فهو من أهل الذكر. و بما أن علماء أهل الكتاب كانوا يعلمون بنبوة نبيّنا- (صلّى اللّه عليه و آله)- و بعلاماتها، أمر تعالى عامّتهم أن يسألوا علماءهم عن شأن نبوة النّبيّ الأكرم- (صلّى اللّه عليه و آله)- فإطلاق أهل الذكر عليهم لا يدل على الاختصاص بهم. و مورد نزول الآية لا يكون موجبا للاقتصار على المورد، كما ورد ذلك في جملة من الروايات (ذكرها في مقدمة تفسير البرهان) و من هذا يظهر الجواب عن تفسير الآية بالأئمّة الأطهار- (عليهم السّلام).

و ربما يورد على ذلك بأن الآية لا تدل على حجيّة الجواب تعبدا، لاحتمال أن يكون وجوب السؤال لغاية أن يترتب عليه العلم بالواقع، بل الظاهر منها ذلك، حيث إنه علّق فيها وجوب السؤال على عدم العلم، فتكون الغاية حصول العلم، لا العمل بالجواب تعبدا.

و يمكن الجواب عنه: بأن الآية الشريفة ظاهرة في حصول العلم بنفس الجواب، لا بضمائم خارجيّة، و لا يكون ذلك إلا من جهة أن الجواب حجة و علم تعبدا، فإن المفروض أنه بنفسه لا يوجب للقطع بالواقع، و إطلاق العلم على الحجة ليس بعزيز. و إن شئت فقل: إن تعليق الأمر بالسؤال على عدم العلم لا يدل على أن الغاية منه حصول العلم بالجواب، بل إنّما يدل على‏

15

..........

حجيّة الجواب في هذه الحالة سواء حصل به العلم أم لا، فالغاية من السؤال القرب إلى الواقع، لا العلم به، كما يقال للمريض: إن كنت لا تعرف العلاج فاسأل الطبيب. و من المعلوم أن جواب الطبيب لا يوجب القطع بالعلاج، بل غايته الأقربية إلى العلاج.

هذا و لكن يقرب دعوى ظهور الآية الشريفة في أن المطلوب هو حصول العلم- كما أفاد سيدنا الأستاذ (دام ظله) العالي- فلا بد من السؤال ثانيا و ثالثا و هكذا إلى أن يحصل العلم، و يؤيد ذلك: أن الآية المباركة وردت في إلزام أهل الكتاب بالرجوع إلى علمائهم فيما يرجع إلى النبي الأكرم، مما هو مدون في الكتب السماوية، كما يظهر من مراجعة الآيات التي قبل هذه الآية و بعدها. بل إن نفس الآية المباركة تدل على أن سبب الأمر بالسؤال كان استبعاد الكفار أن يكون الرسول بشرا، فإنّه قال تعالى‏ وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (1) و من الظاهر أنه لا يعتمد في مثل أمر النبوة التي هي من أصول الدّين على مجرد الإخبار ما لم يحصل العلم بمطابقته للواقع.

الآيات الناهية عن التقليد نعم هناك آيات تدل على ذم التقليد، كقوله تعالى‏ وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ‏. (2) و قوله تعالى‏ وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما

____________

(1) الأنبياء: 7.

(2) المائدة: 107.

16

..........

أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ‏. (1) و لكنها أجنبيّة عن المقام، لأن موردها التقليد في أصول الدّين، و من تقليد الجاهل لجاهل مثله، و لا إشكال في عدم جواز التقليد في أصول الدّين و لو كان المقلّد عالما، بل لا بد فيها من تحصيل اليقين و لو على نحو الإجمال، فإن المطلوب فيها الإيمان و المعرفة و التصديق في القلب، و كل ذلك لا يحصل بالتقليد، و محل الكلام في المقام إنّما هو تقليد العامي في فروع الدّين المجتهد العارف بها، و هذا غير التقليد المذموم عليه في الآيات.

الأخبار و أما الأخبار الدالة على حجيّة الفتوى، و جواز عمل الغير بها فهي على طوائف، يبلغ مجموعها حدّ التواتر، بحيث يوجب القطع بصدور بعضها و إن أمكن الخدشة في سند جملة منها.

(منها) الأخبار الدالة على وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة، دون غيرهم، و تدل بالالتزام على حجيّة الفتوى.

كصحيحة أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن- (عليه السّلام)- قال: سألته و قلت: من أعامل، و عمن آخذ، و قول من أقبل؟ فقال: العمري: ثقتي، فما أدى إليك عني، فعني يؤدي.». (2) فإن إطلاقها يشمل كلا القسمين (الرواية و الفتوى) من الأداء.

و رواية عبد العزيز ابن المهتدي و الحسن بن علي بن يقطين عن الرضا- (عليه السّلام)- قال، قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه‏

____________

(1) البقرة: 170.

(2) الكافي ج 1: 329/ 1، الغيبة للشيخ الطوسي: 215، بتفاوت وسائل الشيعة ج 18: 99 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 4.

17

..........

من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرّحمن ثقة آخذ منه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم». (1) فإن إطلاق الأخذ يعم الأخذ عن طريق الفتوى أيضا.

و مثلها: رواية علي بن المسيب الهمداني. قال، قلت للرضا- (عليه السّلام)-: شقتي بعيدة، و لست أصل إليك في كل وقت، فممن آخذ معالم ديني؟ قال- (عليه السّلام)-: «من زكريا ابن آدم القمي المأمون على الدين و الدنيا» (2). قال علي بن المسيب: فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم، فسألته عما احتجت إليه.

و حسنة عبد العزيز بن المهتدي قال: قلت للرضا- (عليه السّلام)-: إنّ شقتي بعيدة، فلست أصل إليك في كل وقت، فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ قال- (عليه السّلام)-: «نعم». (3) و في التوقيع المبارك، عن صاحب الزمان- (عليه السّلام)-، إلى إسحاق بن يعقوب: «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا». (4) و الإرجاع إليهم بإطلاقه يشمل أخذ الفتوى عنهم.

و رواية الاحتجاج في آخرها: «فأما من كان من الفقهاء، صائنا

____________

(1) رجال الكشي 2: 784/ 935، وسائل الشيعة ج 18: 107 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 33.

(2) رجال الكشي 2: 858/ 1112، الوسائل ج 18: 106 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 27.

(3) رجال الكشي 2: 785/ 938، الوسائل 18: 107 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 35.

(4) إكمال الدّين 2: 483/ 4، الاحتجاج 2: 469، الوسائل 18: 101 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 9.

18

..........

لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه». (1) و (منها): الأخبار الدّالة صريحا على جواز الإفتاء الملازم لجواز عمل الغير به عرفا.

كقول الصادق- (عليه السّلام)- لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة، و أفت النّاس، فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك». (2) و رواية معاذ بن مسلم النحوي، عن أبي عبد اللّه- (عليه السّلام).

قال: «بلغني أنك تقعد في الجامع، فتفتي الناس». قلت: نعم و أردت أن أسألك عن ذلك، قبل أن أخرج إني أقعد في المسجد، فيجيئني الرجل فيسألني عن الشي‏ء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، و يجي‏ء الرجل أعرفه بمودتكم و حبّكم فأخبره بما جاء عنكم، و يجي‏ء الرجل لا أعرفه، و لا أدري من هو فأقول: جاء عن فلان كذا، و جاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك. فقال لي: اصنع كذا، فإني كذا أصنع». (3) و (منها): الأخبار الناهية عن القضاء و الإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين- (عليه السّلام)- الدالة بمفهومها على جواز الإفتاء، مع العلم بوروده عنهم- (عليهم السّلام)- و جوازه يلازم جواز العمل به عرفا كما ذكرنا.

كصحيحة أبي عبيدة، عن أبي عبد اللّه- (عليه السّلام)- «من أفتى النّاس بغير علم، و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة، و ملائكة العذاب، و لحقه‏

____________

(1) الاحتجاج ج 2: 458، الوسائل ج 18: 94 أبواب صفات القاضي ب 10 ح 20.

(2) رجال النّجاشي: ص 7.

(3) رجال الكشي 2: 522/ 470، الوسائل 18: 108 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 36.

19

..........

وزر من عمل بفتياه». (1) و مثلها ما دل على النهي عن الإفتاء، و القضاء بالرأي، و المقاييس، و نحوها من الاستنباطات الظنية التي يعوّل عليها غيرنا و هي كثيرة مذكورة في الباب السادس من كتاب القضاء من أبواب صفات القاضي.

و بالجملة يظهر من الروايات المتضافرة الواردة في صفات القضاة و المفتين، و في شرائط القضاء و الإفتاء- جواز التقليد، و حجية الفتوى بشرائطها.

نعم قد استشكل في دلالتها بعض المشايخ المحققين‏ (2) كما استشكل في دلالة آية النفر من حيث شمولها للتفقه بإعمال النظر، و قد تقدم ذكر الإشكال مع جوابه في ذيل الاستدلال بآية النفر.

و ذكرنا هناك أن اختلاف مراتب التفقه لا يوجب اختصاص الحكم ببعض الأفراد، فيشمل التفقه بإعمال النظر، كما يشمل التفقه بالسماع من المعصوم- (عليه السّلام).

تتميم و توضيح في محتملات الوجوب‏ تقدم أن وجوب الأمور الثلاثة المذكورة في المتن وجوبا تخييريا- إنّما هو وجوب عقلي لا شرعي. و ذلك: لأن الوجوب الشرعي أما نفسي، و إما طريقي، و إما غيري، و لا يصح شي‏ء من ذلك في المقام.

____________

(1) الكافي 7: 409/ 2، المحاسن: 205/ 60، الوسائل 18: 9 أبواب صفات القاضي ب 4 ح 1.

(2) في رسالة الاجتهاد و التقليد ص 13.

20

..........

الوجوب النفسي‏ أما الوجوب النفسي فإنّه إذا كان بلحاظ وجوب تعلم الأحكام نفسيا- كما قيل- فهو مع الغض عن بطلانه في نفسه و ان تم في الاجتهاد، لأنه- كما عرفت- عبارة عن تحصيل الحجة على الحكم الشرعي، فهو- أي الاجتهاد- تعلم للحكم عن طريق الحجة، إلا أنه- أي الوجوب النفسي- لا يتصور في الاحتياط، لأنّه عنوان لنفس العمل، لا أنه طريق لمعرفة الأحكام، بل لا يتصور في التقليد أيضا- على ما هو المختار فيه من أنّه العمل عن استناد الى فتوى المجتهد- لعين الوجه. نعم يتصور فيه بناء. على أنه أخذ الفتوى عن المجتهد، كما عليه المصنف (قده). و إذا كان الوجوب النفسي بلحاظ المصالح الواقعية الباعثة على جعل الأحكام الواقعية، فإنّه و إن أمكن تصوره في التقليد الذي هو عنوان للعمل، فإيجابه إيصال للواقع بعنوان آخر، كما عن بعض المشايخ المحققين (قده) بناء منه على ثبوت وجوب التقليد نفسيا بالآيات و الروايات، بل بكشف العقل، إلا أنه لا يتصور في الاجتهاد، لأنه طريق لمعرفة الأحكام و ليس عنوانا للعمل نفسه، كما أنه لا يتم في الاحتياط، إذ لا دليل على وجوبه شرعا، و لو سلّمت دلالة الأدلة على وجوب التقليد شرعا.

الوجوب الطريقي‏ و أما الوجوب الطريقي- أعني به الإيجاب بداعي التنجيز أو التعذير- فإن أريد به وجوب تعلم الأحكام إما بالاجتهاد. كما هو مقتضى آية النفر، أو بالأعم منه و من السؤال من الفقيه، كما هو مقتضى الروايات الدالة على وجوب طلب العلم، فهو و ان تم في الاجتهاد، بل في التقليد أيضا، بناء على‏

21

..........

أن التقليد هو أخذ الفتوى، إلا أنه لا يتصور في الاحتياط، لأنه عنوان للعمل نفسه، لا أنه طريق لمعرفة الحكم. بل و لا يتم في التقليد أيضا على المختار فيه.

و إن أريد به الوجوب بلحاظ التحفظ على الملاكات الواقعية فلا يصح ذلك في شي‏ء من الأمور الثلاثة، إذ ليس الاجتهاد و التقليد و الاحتياط طريقا إلى الواقع، و إنّما الطريق الّذي يكون موصلا الى الواقع، و منجزا له في صورة الإصابة، و معذرا عنه عند الخطأ هو الأمارات و الأصول بالإضافة إلى المجتهد، و فتوى المجتهد بالإضافة إلى المقلد فليس شي‏ء من الاجتهاد و التقليد و الاحتياط قابلا لتنجز الواقع به، أو لأن يكون معذرا عنه عند الخطأ.

الوجوب الغيري‏ و أما الوجوب الغيري فلا يتصور له معنى محصلا في المقام، لأن شيئا من الأمور الثلاثة لا يكون مقدمة وجودية لواجب نفسي، ليتصف بالوجوب الغيري من قبله. [1] هل الأمور الثلاثة في عرض واحد (الجهة الثانية) في أن الأمور الثلاثة (الاجتهاد و التقليد و الاحتياط) مترتبة أو أنها في عرض واحد- لا بد من البحث في مسائل ثلاث.

تقدم الاجتهاد و التقليد على الاحتياط «الأولى» في تقديم الاجتهاد و التقليد على الاحتياط و عدمه. و يأتي‏

____________

[1] أما الاجتهاد و التقليد فهما من مصاديق قيام الحجة على الواقع و أما الاحتياط فهو عبارة عن إتيان نفس الواجب أو محتمله، أو ترك الحرام أو محتمله، و ليس شي‏ء من هذه مقدمة وجوديّة للواجب، و إن كان بعضها كالاحتياط مقدمة علميّة له، أو لترك الحرام.

22

..........

الكلام فيه في ذيل المسألة الثانية. [1] تقدم الاحتياط على الاجتهاد و التقليد «الثانية» في عكس ذلك بمعنى عدم جواز العمل بالاجتهاد أو التقليد لمن يتمكن من الاحتياط، و محل الكلام في المقام، هو ما إذا لم يكن الاحتياط في نفسه مبغوضا شرعا، أو حرجيا، فإنه إذا كان مبغوضا كما إذا أخل بالنظام لم يجز اختياره في مرحلة الامتثال مع التمكن من الاجتهاد، أو التقليد، أو بدونهما. كما أنه لا يجب اختياره فيما إذا كان حرجيا، لأن ما ينشأ منه الحرج من الأحكام مرفوع في الشريعة.

فإذا لم يكن الاحتياط مخلا بالنظام و لا حرجيا- فقد يقال- بتقدمه على الاجتهاد و التقليد نظرا إلى أن الامتثال القطعي يتقدم على الامتثال الظني و لو كان امتثالا تفصيليا خصوصا في المعاملات.

و الجواب عنه أن إطلاق أدلة اعتبار الأمارات يقتضي حجّيّتها حتى إذا تمكن المكلف من تحصيل العلم بامتثال التكاليف الواقعية بالاحتياط، فالأمارة في حكم الشارع بمنزلة العلم الوجداني، فهو و العلم في عرض واحد، و لا فرق في نظر العقل بين تحصيل العلم الوجداني بالامتثال بإتيان جميع المحتملات، و تحصيل العلم التعبدي بإتيان ما قامت الأمارة المعتبرة على وجوبه.

تقدم الاجتهاد على التقليد «الثالثة» في تقدم تحصيل الاجتهاد على التقليد و عدمه. لا إشكال‏

____________

[1] و نذكر هناك: أن الامتثال الإجمالي يكون في عرض الامتثال التفصيلي و لو كان بالظن المعتبر، فإنّه بمنزلة العلم التفصيلي شرعا.

23

..........

في جواز التقليد و عدم وجوب تحصيل ملكة الاجتهاد إذا كان هناك من يجوز تقليده، لقيام سيرة العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم و إن كان الجاهل متمكنا من تحصيل الملكة. و بما أن الشارع لم يردع عن هذه السيرة كشف ذلك عن رضاه بها، بل يمكن دعوى قيام سيرة المتشرعة خلفا عن سلف على ذلك بحيث يحصل اليقين برضاء الشارع به، مضافا إلى أن إطلاقات أدلة التقليد تفي بذلك، و عليه يكون التقليد و تحصيل الاجتهاد في عرض واحد لمن لم يجد ملكة الاجتهاد فعلا.

و أما إذا كان واجدا لها فيشكل القول بجواز رجوعه إلى فتوى الغير فيما لم يجتهد فيه فعلا. بل في رسالة شيخنا الأنصاري (قده) في الاجتهاد و التقليد «المعروف عندنا العدم بل لم ينقل الجواز عن أحد منا و إنّما حكي عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق و التفصيلات المختلفة» ثم نسب القول بالجواز الى السيد في المناهل.

و كيف كان فالأقوى عدم الجواز لعدم ثبوت السيرة على ذلك، و لانصراف إطلاقات الأدلة السمعيّة من الآيات و الأخبار عمن له ملكة الاجتهاد كما عنه (قده) و هو غير بعيد، بل ذكر بعض المشايخ المحققين (قده) (1) أنه لا معنى لإطلاق تلك الأدلة بالنسبة إلى المتمكن من الاستنباط. و ذلك لأن أدلة الأحكام الشرعيّة شاملة لمثل هذا الشخص، فالأحكام الواقعية منجّزة في حقه من طريق الأمارات المعتبرة، لتمكنه من الاستفادة منها. و معه كيف يسعه الرجوع إلى غيره، و العمل بفتياه. و هذا بخلاف العامي العاجز عن الاستنباط فإن تلك الأدلة لا تشمله لفرض عجزه عن فهم مداليلها- و بعبارة أخرى- إن أدلة

____________

(1) رسالته في الاجتهاد و التقليد ص 14.

24

..........

التقليد خاصة بمن لا حجة عنده فلا تعم من تمت عليه الحجة.

و لكن يمكن المناقشة فيه بان تنجّز الأحكام الواقعية من طريق الأمارات لا ينافي حجية فتوى المجتهد حتى بالإضافة إلى من له ملكة الاستنباط، فيمكن أن يكون الاستناد إليها معذّرا عن مخالفة الواقع إذا تحققت المخالفة. و هذا نظير تنجز الأحكام الواقعية على العامي بعلمه الإجمالي و مع ذلك فان استناده الى فتوى المجتهد يعذره عن مخالفة الواقع. و أما ما ذكره من أن أدلة التقليد خاصة بمن لا حجة عنده فان رجع الى دعوى الانصراف كما عن الشيخ (قده) فهو و إلا فهو بلا بينة و لا برهان.

تعريف الاجتهاد (الجهة الثالثة) في تحقيق معنى الاجتهاد. لم يتعرض المصنف (قده) لتعريف الاجتهاد لعدم ابتلاء العوام به، و أما التقليد فيأتي تعريفه من المصنف (قده) في المسألة الثامنة، و نذكر هناك ما هو التحقيق فيه.

أما الاجتهاد ففي الأصل بمعنى: (صرف الطاقة و بذلها) و هو من الجهد- بالضم أو الفتح- بمعنى الطاقة أو أنه بمعنى (طلب المشقة و تحمّلها) من الجهد بمعنى المشقة. و أما في الاصطلاح فيعرف تارة كما عن الحاجبي بأنه:

«استفراغ الوسع لتحصيل الظن بالحكم الشرعي» و أخرى بأنه: «ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا أو قوة قريبة من الفعل».

و لا يخفى: أن التعريف الأول لا يستقيم على مذهب الإمامية، إذ لا اعتبار للظن في ثبوت الأحكام الشرعيّة، و إنّما العبرة في ذلك بالعلم الوجداني، سواء أ كان متعلقة ثبوت الحكم في الواقع، أم كان متعلقة ثبوت‏

25

..........

الحكم بالتعبد، و إن شئت فقل: لا بد للمجتهد من تحصيل العلم، فقد يعلم بثبوت الحكم المجعول أولا. و قد يعلم بقيام الحجة فيحكم بثبوت الحكم تعبدا، كما في موارد الأمارات و الأصول المعتبرة شرعا، فإنّها و إن لم تكن موجبة للقطع بالحكم الواقعي، لأنّها تكون- لا محالة- ظنّية من جهة الدلالة أو السند أو الجهة، إلا أنّها مقطوعة الحجيّة. و يكفي ذلك في حصول الأمن من العقوبة.

و لعل ما ذكر من تعريف الاجتهاد هو الذي أوجب إنكار الأخباريين أشد الإنكار جواز العمل بالاجتهاد للمجتهد نفسه و للعامي، نظرا إلى عدم قيام الدليل على حجية الظن الاجتهادي، و لزوم العمل بما ثبتت حجيته شرعا، و طرح الظنون الحاصلة من إعمال الرأي و الاجتهاد.

و الإنصاف أن ما ذكروه في محله، إلا أنه في الحقيقة طعن على التعريف لا طعن على المجتهدين بوجه، فإنّهم أيضا لا يقولون بحجية الظن ما لم يرد من الشرع دليل على اعتباره. و الإنكار المذكور نشأ من تعريف الاجتهاد بما ذكر، فلو بدّلنا كلمة الظن بالحجة، و قلنا: إن الاجتهاد «هو استفراغ الوسع لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي» لارتفع الإشكال. فالاجتهاد في الحقيقة هو تحصيل الحجة على الحكم، و عليه فلا يظن بالأخباري ان ينكر جواز العمل بما قطع بحجيّته. و بما هو الوظيفة الفعلية من قبل الشارع، كما أنّه لا ينكر جواز رجوع الجاهل إلى العالم. و على ذلك يصبح النزاع في جواز العمل بالاجتهاد نزاعا لفظيا.

نعم يمكن أن يقع النزاع بين الفريقين في حجيّة بعض الأمارات أو الأصول، و هذا أمر آخر أجنبي عن جواز العمل بالاجتهاد. و قد وقع نظير ذلك بين الأخباريين بأنفسهم، كما وقع بين الأصوليين.

و أما التعريف الثاني فهو و إن كان سالما عن هذا الإشكال إلا أن‏

26

..........

الاجتهاد بهذا المعنى لا يكون موضوعا لحكم من الأحكام الشرعية المترتبة على عنوان «الفقيه» أو «الناظر في الحلال و الحرام» أو «العارف بالأحكام»، أو «الراوي لحديث أهل البيت»- (عليهم السّلام)- و نحو ذلك من العناوين الدّالة على فعلية الاستنباط، كما ستعرف.

قيل: إن ملكة الاستنباط إنّما تحصل من التمرين، و عمل الاستنباط، كجملة من الملكات كالشجاعة. فان الجبان قد يزول جبنه بمزاولة آثار الشجاعة و الاقتحام في الشدائد حتى ينقلب شجاعا، فملكة الاستنباط لا تنفك عن الفعلية لحصولها بالممارسة في العمل، فالتعريف المذكور تعريف باللازم، و غير مناف لترتب الأحكام الشرعية على مرحلة الفعلية، لعدم انفكاكها عن الملكة.

و لكنه يندفع بأن ملكة الاستنباط إنّما تتوقف على مقدمات نظرية حاصلة بدراسة علوم خاصة، كعلوم الأدب، و أصول الفقه فحصولها إنّما يتوقف على إتقان النظر في تلك العلوم، و لو لم يستنبط حكما واحدا في مسألة واحدة، نعم الملكة تقوى بالممارسة، و هذا أمر آخر لا يرتبط بحصول الملكة عن عمل الاستنباط.

أحكام المجتهد بالملكة أو بالفعل‏ إذا تحققت ذلك فلا بد من ملاحظة الأحكام المتعلقة بالمجتهد. فنقول الأحكام المتعلقة بالمجتهد ثلاثة. (أحدها): حرمه أن يقلد غيره (الثاني):

جواز أن يقلده العامي (الثالث): جواز تصديه للقضاء و ما بحكمة من مناصب الفقيه.

1- حرمة التقليد عليه‏ أما الحكم الأول: فإن كان مدركه دعوى الإجماع على حرمة التقليد

27

..........

على القادر على الاستنباط- كما في رسالة الاجتهاد و التقليد لشيخنا الأنصاري (قده) (1) بضميمة دعوى انصراف ما دل على جواز التقليد من الآيات و الأخبار عن مثله، فإن الأمر بسؤال أهل الذكر في قوله تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* لا يشمله، لأن المفروض أنه من أهل الذكر، و الأمر بالسؤال متوجه إلى غيرهم، و كذلك الحال إذا كان مدرك جواز التقليد حكم العقل بالرجوع إلى من له الحجة على الحكم عند العجز عن الوصول الى الواقع، و لو كان من الطريق المعتبر، فان المتمكن من الاستنباط غير عاجز عن ذلك- فلا ينطبق عليه موضوع جواز التقليد. (2) و على هذين الوجهين صح تعريف الاجتهاد بأنه: «ملكة الاستنباط» فان من تمكن منه ليس له أن يقلد غيره.

و أما إذا كان دليل حرمة تقليد المجتهد غيره هو حكم العقل بعدم جواز رجوع العالم إلى الجاهل- لأن العالم يرى خطأ غيره إذا كان مخالفا معه في الاعتقاد فكيف يجوز له تقليده- كان موضوع هذا الحكم العالم بالحكم فعلا، سواء أ كان علمه علما وجدانيا أو علما تعبديا من جهة قيام أمارة، أو أصل عملي على ثبوته.

و عليه فلا بد من تعريف الاجتهاد بأنّه «تحصيل الحجّة على الحكم الشرعي» أو بما يرادف ذلك.

2- جواز تقليده‏ و أما الحكم الثاني: «و هو جواز أن يقلده العامي» فموضوعه- علي ما يظهر من الآيات و الأخبار- هو المستنبط للحكم بالفعل، لا من له ملكة

____________

(1) كما تقدم في ص 23.

(2) كما تقدم في ص 23.

28

..........

الاستنباط، لأن عنوان «الفقيه» المصرح به في رواية الاحتجاج، و التفقه المذكور في آية النفر لا يصدق إلا على من علم بالحكم، و كذلك عنوان «راوي الحديث» و «الناظر في الحلال و الحرام» و «العارف بالأحكام» المذكور في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها من الروايات و المأخوذة شرطا لجواز الرجوع إلى شيعتهم لا تصدق إلا على «العالم بالحلال و الحرام» و لو كان علما تعبديا حاصلا من أمارة شرعية. [1] 3- جواز قضائه و ما بحكمه‏ و أما الحكم الثالث: «و هو جواز تصديه للقضاء و ما بحكمه من مناصب الفقيه» فهو أيضا مترتب على العناوين المذكورة، كما ظهر من مراجعة المقبولة و غيرها من الرّوايات، بل المستفاد منها اعتبار معرفة كثير من الأحكام و إن لم يكن كلها بحيث يصدق عليه «العارف بالأحكام» و «الفقيه» فلا يكفي معرفة القليل منها في جواز القضاء و جواز التقليد، لعدم صدق «العارف بالأحكام» عليه. [2] و أما ما في بعض الروايات من التعبير بأنه: «يعلم شيئا من قضايانا».

كرواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال. قال قال أبو عبد اللّه‏

____________

[1] هذا فيما لم يستنبط شيئا من الأحكام و أما لو استنبط بعضها فهل يجوز تقليده في خصوص ما استنبط أولا، كلام يأتي تفصيله في ذيل (المسألة 22) عند البحث عن التجزي في الاجتهاد، و نتكلم عن مقتضى السيرة هناك أيضا.

[2] هذا مضافا إلى أن مقتضى الأصل عدم نفوذ القضاء إلا ممن ثبت نفوذ قضائه على الآخرين، و القدر المتيقن الخارج من الأصل إنّما هو المجتهد العالم بالفعل و الفقيه العارف بالأحكام، لا مجرد من له ملكة الاستنباط، و لو استنبط مقدارا من الأحكام لا يوجب صدق العالم و الفقيه عليه، و يجرى هذا الأصل في حجيّة فتواه للغير أيضا، و إن كان حجة له.

29

..........

جعفر بن محمّد الصادق: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن أنظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه». [1] فإنّما هو لنكتة بديعة لا تنافي ما ذكرناه من لزوم معرفة أكثر الأحكام و هي: إن إضافة الشي‏ء إلى أمر يختلف سعة و ضيقا بسعة المضاف إليه و ضيقه، فلو أضيفت كلمة شي‏ء إلى البحر، و قال: رأيت شيئا من البحر لا يصدق على القليل، كالقطرة و نحوها. بل لا بد و أن يكون شيئا بالإضافة إلى ماء البحر و إن كان كثيرا في نفسه. و هكذا لو قال: أملك شيئا من أرض العراق- مثلا- لا يصدق على شبر و نحوه، بل لا بد و أن يملك مقدارا معتدا به. نعم لو قال: أملك شيئا من هذه الدّار، أو شيئا من هذا الرغيف يصدق على القليل. و بما أن علوم العترة الطاهرة- (عليهم السّلام)- بحار لا يحيط بها أحد فكل من عرف جملة من الأحكام التي بأيدينا، أو جميعها فهو لا يعرف إلا شيئا من قضاياهم، و إن كان معلومه في نفسه كثيرا. [2]

____________

[1] وسائل الشيعة ج 18 ص 4 في الباب أمن أبواب صفات القاضي ح 5 الفقيه ج 3 ص 2/ 1، الكافي ج 7 ص 412/ 2، التهذيب ج 6 ص 219/ 516 و هي صحيحة، لأن أبا خديجة ثقة على الأظهر كما جاء في مباني تكملة المنهاج ج 1 ص 18 و هي معتبرة على جميع الطرق المحكية في «الفقيه و الكافي و التهذيب» فان «حسن بن على الوشاء» و إن وقع في طريق «الصدوق» الا انه ممدوح، بل موثق، لوقوعه في أسانيد «كامل الزيارات» الذين وثقهم ابن قولويه- كما عليه السيد الأستاذ (دام ظله)- و كذلك الحال في «معلى بن محمّد» الواقع في طريق «الكليني و الشيخ» فإنّه من رجال «كامل الزيارات» أيضا فالرواية معتبرة على جميع طرقها الثلاثة.

[2] هذا بناء على نسخة التهذيب (ج 6 ص 219 ح 8) و هي «قضايانا» الظاهرة في مطلق الأحكام الفقهية، و أما بناء على نسخة «الفقيه ج 3 ص 2 ح 1 و الكافي ج 7 ص 412 ج 4» و هي «قضائنا» الظاهرة في خصوص الأحكام القضائية فيشكل التوجيه المذكور في الشرح، لأن الأحكام القضائية لا سيما التي بأيدينا ليست بكثيرة حتى يكون البعض منها كثيرا موجبا لصدق‏

30

..........

فتحصّل من جميع ما ذكرناه: أن المعتبر في جواز الإفتاء و القضاء هو العلم بالأحكام الشرعيّة، و لا يكفي مجرد الملكة. و عليه كانت كلمة (الاجتهاد) مرادفة لكلمة (الفقه) فيصح أن يقال: الاجتهاد هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية. [1] مدارك الأحكام أو مباني الاجتهاد إن مدارك الأحكام هي الكتاب، و السنة، و الإجماع، و العقل على تفصيل في جميع ذلك ذكرناه في علم الأصول. [2]

____________

عنوان «العالم و الفقيه» على العارف بها، بل معرفة جميع الأحكام القضائية لا توجب صدق تلك العناوين، كما هو ظاهر، لأن القضاء باب من أبواب الفقه لعل نسبته إليها نسبة الواحد الى الخمسين و ان قلنا بتوقف معرفة القضاء على أبواب أخر من الفقه كالحدود و الديات و نحوهما، هذا، و الّذي يسهل الخطب أن السيد الأستاد «(دام ظله)» حمل الرّواية على «قاضى التحكيم» الذي لا يعتبر فيه الاجتهاد لا «القاضي المنصوب» المعتبر فيه ذلك، فراجع «ج 1 مباني تكملة المنهاج ص 8- 9» فهي أجنبيّة عما نحن فيه.

[1] و الاجتهاد بهذا المعنى أعني (الفعلية) هو الذي يكون عدلا للتقليد و الاحتياط في مرحلة امتثال الأحكام المنجّزة بالعلم الإجمالي، أو بالاحتمال قبل الفحص، دون مجرد الملكة. فإن مجرد الملكة لا تفي بالامتثال، كما هو واضح، فان الواجب التخييري إنّما هو امتثال الأحكام المنجّزة بأحد الطرق الثلاثة، إما الاجتهاد الفعلي أو التقليد، أو الاحتياط، فجميع أطرافه لا بد و أن يكون فعليا، سواء الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط.

[2] و قد ذكر (دام ظله) في علم الأصول: أن من مقدمات الاستنباط الرجوع إلى قول اللّغويين، لا بمعنى حجيّة قولهم، لعدم ثبوتها، بل بمعنى حصول العلم، أو الاطمئنان بظهور اللفظ في المعنى من قولهم، و لو كان ظهورا مجازيا، و ذلك لتوقف فهم الكتاب و السنة على معرفة اللغة العربيّة، بل لا بد من معرفة قواعد النحو و الصرف مما يتوقف عليه الاستنباط منهما، لعين الوجه، و لا محيص أيضا عن معرفة القواعد الأصولية التي يتوقف عليها الاستنباط- كما حرر في محله- و كذلك علم الرجال لضرورة معرفة تراجم الرجال الرواة للأحاديث من حيث الوثاقة و عدمها، لأن عمل الأصحاب برواية لا يكون جابرا، و لا إعراضهم عن رواية معتبرة كاسرا لاعتبارها، كما أوضحنا الكلام في‏

31

..........

و أما من حصل له القطع من غير هذه الطرق باختياره أو بغير اختياره، كالرمل و الجفر، و الرؤيا، و نحو ذلك فهو و إن كان قطعه حجة لنفسه سواء أ كان معذورا أم مقصّرا في ذلك، إلا أنه لا ينفذ قضاءه، و لا يجوز أن يقلده العامي، لأن الروايات الدالة على إرجاع الناس في المرافعات و الأحكام إلى الفقيه، و إلى رواة الأحاديث الناظرين في الحلال و الحرام، و إلى العارف بالأحكام بأجمعها، منصرفة عن ذلك، و ظاهرة في جواز الرجوع إلى من علم بالحكم من الطرق المقررة المألوفة. و هذا واضح لا ينبغي إطالة الكلام فيه.

إنّما الإشكال فيما إذا كان المجتهد عاملا بالظن الانسدادي، فقد يقال بجواز الرجوع إليه، و لكن الظاهر عدم الجواز. أما على القول بالحكومة فظاهر، لأن مرجعه الى حكم العقل بالتبعيض في الاحتياط، إذ ليس من وظيفة العقل التشريع كي يجعل الظن حجة بعد عدم كونه حجة في نفسه، و إنّما الجعل بيد المولى. نعم يحكم العقل بلزوم امتثال التكليف الواصل، فإذا تمت مقدمات الانسداد يستقل العقل بلزوم الاحتياط التام أو الناقص. و من الظاهر أن العامل بالاحتياط- لجهله بالحكم الشرعي- لا يصدق عليه «العالم و الفقيه» ليشمله إطلاقات أدلة جواز تقليد «العالم و الفقيه» و لو سلّم الشمول فليس ظنه حجة في حق المقلد، لأن من مقدمات الانسداد انسداد باب العلمي، و مع التمكن من تقليد من يقول بالانفتاح لم ينسد باب العلمي على المقلد. و منه يظهر الحال على القول بالكشف.

____________

ذلك في الأصول، و جاء تفصيل ذلك في معجم رجال الحديث (ج 1 ص 35- 33) في بيان وجه الحاجة إلى علم الرجال.

32

..........

الاجتهاد واجب كفائي‏ (الجهة الرابعة):

في وجوب تحصيل ملكة الاجتهاد. المعروف بين علماء الإمامية أن الاجتهاد واجب نفسي كفائي، و نسب إلى بعضهم القول بوجوبه النفسي العيني، و هو لازم القول بحرمة التقليد، كما عن بعضهم.

و تحقيق الحال في ذلك يقتضي البحث في مقامين (الأول): في تحصيل ملكة الاجتهاد بلحاظ عمل نفس المجتهد (الثاني): في تحصيلها بلحاظ رجوع العوام إليه. و تظهر الثمرة بينهما في أحكام لا يبتلى بها المجتهد كأحكام النساء.

أما المقام الأول: فالحق فيه أنه واجب طريقي [1] عيني تخييريا تارة و تعيينيا أخرى، و ذلك لعدم الدليل على وجوبه الشرعي إلا من باب وجوب تعلم الأحكام، فان كان هناك في الأحياء من يجوز تقليده، فلا يجب تحصيل ملكة الاجتهاد لجواز امتثال الأحكام من طريق التقليد، أو من طريق الاحتياط و لو في الجملة، و إن لم يكن في الأحياء من يجوز تقليده- و قلنا بعدم جواز تقليد الميت ابتداء كما هو الصحيح- يجب حينئذ تحصيل الملكة فيما كان الاحتياط مخلّا بالنظام، أو كان جاهلا بكيفيّته، لعجزه عن الاحتياط حينئذ إما شرعا لمبغوضيته، و إما عقلا للجهل بكيفيته، فينحصر طريق امتثال الحكم في الاجتهاد. و لكن هذا وجوب عقلي من باب حكم العقل بلزوم الطاعة. نعم وجوبه الشرعي يتبع ما نختاره في باب وجوب التعلم، و أنه من‏

____________

[1] هذا مبنى على وجوب تعلم الأحكام شرعا، فإنه محمول على الوجوب الطريقي، كما ذكرنا في الشرح، و إلا فوجوب الاجتهاد لعمل نفس المكلّف لا يكون إلا عقليا، لأنه حينئذ يكون عدلا للتقليد و الاحتياط، كما تقدم.

33

..........

الوجوب النفسي أو الطريقي أو الإرشادي. و المختار هو الوجوب الطريقي، كما يظهر من الأخبار الدالة عليه.

الاجتهاد لعمل الغير و أما المقام الثاني: و هو تحصيل ملكة الاجتهاد بلحاظ رجوع الغير اليه فالصحيح فيه أنه واجب في كل عصر وجوبا كفائيا نفسيا تعيينيا، حفظا للدين عن الاندراس و الاضمحلال، فان في ترك تعلم الأحكام و إهمالها اضمحلال للشريعة المقدسة، و من المعلوم ضرورة وجوب حفظ الدّين من الزّوال، و الاندراس على كل مسلم. و التحفظ على أحكام الدّين من أعلى مراتب حفظ الدّين.

هذا مضافا إلى دلالة آية النفر على وجوب التفقّه في الدّين على طائفة مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ لأجل تبليغ الباقين بالأحكام، و إنذارهم بالعقاب على مخالفتها.

و هذا هو معنى الوجوب الكفائي. و يؤيّد ذلك ما ورد في تفسير الآية الشريفة من الأخبار.

كرواية عبد المؤمن الأنصاري قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السّلام)- إن قوما يروون أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- قال: اختلاف أمتي رحمة؟ فقال: صدقوا فقلت: إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب! قال: ليس حيث تذهب و ذهبوا، إنّما أراد قول اللّه عزّ و جلّ: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» فأمرهم أن ينفروا إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- فيتعلموا ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم، إنما أراد اختلافهم من البلدان‏

34

..........

لا اختلافا في دين اللّه، إنّما الدّين واحد. (1) و رواية فضل بن شاذان عن الرضا- (عليه السّلام)- في حديث قال:

إنما أمروا بالحج، لعلّة الوفادة إلى اللّه عزّ و جلّ، و طلب الزيارة و الخروج من كل ما اقترف العبد، إلى أن قال: مع ما فيه من التفقّه في الدين، و نقل أخبار الأئمّة إلى كل صقع و ناحية، كما قال اللّه عزّ و جلّ: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ.». (2) فالمتحصّل مما ذكرناه أنّه يجب في كل عصر على طائفة من المسلمين، تحصيل ملكة الاجتهاد، و التهيؤ لاستنباط الأحكام عن مداركها التفصيلية وجوبا كفائيا تعيينيا، لعدم جواز تقليد الميت ابتداء، فلا يجوز أن يرجع النّاس إلى فتوى العلماء الأموات- كما هو دأب غيرنا- لسقوط الفتوى عن الحجيّة بالموت كما يأتي تفصيله إن شاء اللّه.

كما لا يجوز إلزامهم بالاحتياط في جميع الأحكام، فإنّه يؤدي إلى العسر و الحرج بالنسبة إلى أغلب النّاس. بل يؤدي إلى الإخلال بالنّظام على أن معرفة طريق الاحتياط في بعض الموارد يتوقف على الاجتهاد لا محالة. هذا مع أن جواز الاحتياط في بعض الموارد محل للبحث و الكلام، فلا بد في إحراز جوازه من الاجتهاد أو التقليد، و لا يكفي الاجتهاد في خصوص هذه المسألة لجواز الرجوع إليه، لعدم كونه من أهل الخبرة في الأحكام فلا تشمله السيرة و لا يصدق عليه عنوان «الفقيه و العالم» فلا تشمله إطلاقات الأدلة السمعيّة.

فظهر أن الاجتهاد بلحاظ رجوع العوام إلى المجتهد واجب كفائي نفسي تعييني بحيث يعاقب على تركه.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18: 101 أبواب صفات القاضي 11 ح 10 معاني الأخبار:

157/ 1، علل الشرائع: 85/ 4.

(2) وسائل الشيعة ج 18: 69، أبواب صفات القاضي ب 8 ح 65.

35

[ (مسألة 2) الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهدا كان أم لا]

(مسألة 2) الأقوى جواز العمل بالاحتياط (1) مجتهدا كان أم لا.

و أما الوجوب التخييري فإنّما هو بلحاظ عمل نفسه كما تقدم هنا و في الجهة الأولى.

و أما القول بوجوبه العيني فيدفعه- مضافا إلى ظهور آية النفر من الوجوب الكفائي كما تقدم و إلى استلزامه الحرج بل الإخلال بالنظام خصوصا في هذا الزمان- قيام السيرة على الرجوع إلى فتوى المفتين من زمن الأئمّة الطاهرين إلى يومنا هذا، و إطلاقات أدلة التقليد الشاملة لم يتمكن من تحصيل ملكة الاجتهاد و من لم يتمكن.

مباحث الاحتياط و أقسامه‏ (1) سواء العبادات و غيرها، و سواء استلزام التكرار في العبادة أم لا على الأقوى. و لم يفرق أحد بين المجتهد و غيره في الحكم بجواز الاحتياط، فالتصريح بعدم الفرق بينهما إنّما يكون للتوضيح فقط.

نعم اختلفوا في جواز الاحتياط لمن لم يتمكن من الامتثال التفصيلي اليقيني بالاجتهاد أو التقليد. و نسب إلى المشهور بطلان عبادة تارك طريقي الاجتهاد و التقليد، ففرّقوا بين العبادة و غيرها، و فصّل بعضهم في العبادات بين ما يستلزم التكرار و ما لا يستلزمه. بل استظهر شيخنا الأنصاري (قده) في رسالة الاجتهاد و التقليد عدم الخلاف في بطلان الاحتياط في العبادة، إذا استلزم تكرار أفراد ماهية واحدة نحو ما إذا صلى مع الجهر بالبسملة تارة و أخرى مع الخفوت فيما إذا تردد أمر القراءة بين الجهر و الخفوت.

و تحقيق الحال في ذلك هو أنّه لا ريب في جواز العمل بالاحتياط في‏

36

..........

العبادات مع عدم التمكن من تحصيل العلم التفصيلي باجتهاد أو تقليد و لو استلزام الاحتياط التكرار، و ذلك لانحصار طريق الامتثال حينئذ في الاحتياط. و أما مع التمكن منه فالصحيح أيضا الجواز في جميع الصور، و لا يخفى أن محل الكلام هنا هو الاحتياط غير المخل بالنظام، فان الاحتياط المخل به غير مشروع في نفسه- كما عرفت- سواء تمكن المكلّف من الاجتهاد أو التقليد أم لم يتمكن منهما.

نعم الاحتياط المستلزم للوقوع في الحرج داخل في محل البحث، لأن نفي الحرج إنّما يدل على نفي الوجوب، و هو لا ينافي جوازه. كما أن محل الكلام هنا خصوص الواجبات العبادية.

الاحتياط في المعاملات‏ لا مانع من الاحتياط في غير العبادات و إن استلزم تكرار العمل، لأن المطلوب في العمل غير العبادي هو صرف وجوده بأي وجه اتفق، فإذا تردد أمر التالف بين كونه قيميّا أو مثليّا، و احتاط بأداء المثل و القيمة معا الى المالك يقطع بفراغ ذمته إما بالمثل و إما بالقيمة.

و ما عن الشيخ (قده) من النقاش في الاحتياط في باب العقود و الإيقاعات بأن الجزم المعتبر فيها ينافيه الترديد.

فمندفع بما ذكرناه في محلّه من أن التردد فيما هو المضي من السبب شرعا غير التردد في الإنشاء و الاعتبار الذي هو أمر نفساني قائم بالمعتبر، و الذي يضر بصحة العقد أو الإيقاع هو الثاني دون الأول.

الاحتياط في العبادات‏ و كيف كان فما هو محل الكلام بينهم هو الاحتياط في العبادات‏

37

..........

و الاحتياط فيها قد لا يتوقف على التكرار و قد يتوقف عليه فهنا بحثان.

الاحتياط بلا تكرار (الأول): فيما لم يستلزم الاحتياط التكرار في العبادة و الظاهرة جوازه، سواء أعلم بأصل المحبوبية أم لا، و سواء أ كان التكرار في الواجب الضمني أم كان في الواجب الاستقلالي.

و قد يتوهم عدم جوازه استنادا إلى أن فيه إخلالا بقصد الوجه أو بالتمييز، أو استنادا إلى حكم العقل بان الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال الجزمي و لا أقل من عدم استقلاله بأنه في عرضه فيرجع إلى قاعدة الاشتغال.

و في الكل نظر. أما حديث إخلاله بقصد الوجه أو التمييز فقد ذكرنا في محلّه أنه لا دليل على اعتباره. و أما حديث استقلال العقل بان الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال الجزمي فيرده أن العقل لا شأن له إلا إدراكه لزوم الإتيان بما تعلق به أمر المولى من دون أن يكون له دخل في الحكم بوجوب شي‏ء أو بعدمه. و بما أن العبادة مقيدة بالإتيان بها مضافة إلى المولى- و أن الإضافة تتحقق بالإتيان بها برجاء الأمر- لا يبقى مجال لاحتمال أن يكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال الجزمي، و على تقدير تسليم صحة هذا الاحتمال فالمرجع معه البراءة لا الاشتغال، لأن مرجعه إلى الشك في اعتبار أمر زائد في عبادية العبادة- و هو لزوم الانبعاث عن بعث المولى مع الإمكان دون احتماله- و في مثله تجري البراءة على المختار. و يترتب على ما ذكرناه أن من تمكن من الاجتهاد أو التقليد جاز له ترك الطريقين و العمل بالاحتياط في العبادات في الشبهات الحكمية قبل الفحص.

38

لكن يجب أن يكون عارفا (1) بكيفية الاحتياط بالاجتهاد، أو التقليد.

الاحتياط مع التكرار (الثاني) فيما إذا استلزم الاحتياط في العبادة تكرارها كما إذا تردد أمر الصلاة الواجبة بين القصر و التمام، أو الجهر و الإخفات، فاتى المكلّف بصلاتين مع تمكنه من تعيين الواجب باجتهاد أو تقليد.

و قد يستشكل في جواز الاحتياط في هذه الصورة بأن التكرار لعب بأمر المولى فلا يتحقق معه الامتثال.

و يندفع بان اللعب لو سلّم تحققه فإنّما هو في كيفية الامتثال لا في الامتثال نفسه.

و يستشكل فيه أيضا بما تقدم من أنّه يخلّ بقصد الوجه و بالتمييز.

و قد ظهر جوابه مما تقدم، على أنه لا إخلال في المقام بقصد الوجه، لأن المكلّف إنّما يأتي بالصلاتين بداعي امتثال الأمر الوجوبي المتعلق بإحداهما، و هي غير متميزة عنده. نعم انه يخل بالتمييز و لا بأس به لأنه لا دليل على اعتباره كما قدّمنا.

و قد يستشكل فيه أيضا بما تقدم من أن الامتثال الجزمي مقدم على الامتثال الاحتمالي في حكم العقل.

و قد عرفت فساده، على أن الانبعاث في المقام إنّما هو عن نفس بعث المولى لا عن حتماله، و ذلك للعلم الإجمالي بثبوته، غايته أنه لا تمييز في الخارج. و هذا أجنبي عما ذكر.

(1) إذ بدون معرفة كيفية الاحتياط لا يحصل الأمن من العقاب، فالوجوب إرشادي عقلي من باب لزوم الطاعة، لا مولوي شرعي.

39

[ (مسألة 3) قد يكون الاحتياط في الفعل‏]

(مسألة 3) قد يكون الاحتياط (1) في الفعل، كما إذا احتمل كون الفعل واجبا و كان قاطعا بعدم حرمته. و قد يكون في الترك، كما إذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعا بعدم وجوبه. و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار، كما إذا لم يعلم ان وظيفته القصر أو التمام.

أقسام الاحتياط (1) لا يخفى: أن حصر المصنف (قده) كيفية الاحتياط في الصور المذكورة لا يكون حاصرا لجميع الأقسام، و ذلك لأن متعلق الشك قد يكون واقعة واحدة، و قد يكون واقعتين، فإذا كانت الواقعة واحدة فقد يحتمل وجوبها مع القطع بعدم حرمتها، لئلا يكون من دوران الأمر بين المحذورين، فالاحتياط حينئذ يكون في الفعل، سواء أ كان الوجوب المحتمل استقلاليا أم ضمنيا، و قد يحتمل حرمته مع القطع بعدم وجوبه، فالاحتياط حينئذ في الترك، و إذا تعددت الواقعة فقد يكون الاحتياط في الجمع بين الفعلين من دون تكرار لأصل الواجب، كما إذا تردد أمر القراءة في صلاة بين الجهر و الإخفات، فالاحتياط حينئذ يتحقق بالقراءة مرتين في صلاة واحدة، إحداهما جهرية، و الأخرى مع الخفوت بأن يقصد بذلك تحقق الواجب بإحداهما و أن تكون الأخرى مستحبة، فإنها من قراءة القرآن في الصلاة، أو مع التكرار في أصل الواجب، كما إذا علم إجمالا بوجوب أحد الفعلين كالقصر و التمام، و قد يكون الاحتياط في ترك الفعلين معا، كما إذا علم بحرمة أحدهما لا بعينه مع العلم بعدم وجوب الآخر. و قد يكون في فعل أحد الفعلين و ترك الآخر، كما إذا علم إجمالا بوجوب الأوّل أو حرمة الثاني.

40

[ (مسألة 4) الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزما للتكرار]

(مسألة 4) الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزما للتكرار (1) و أمكن الاجتهاد أو التقليد.

[ (مسألة 5) في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلدا]

(مسألة 5) في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلدا (2) لأن المسألة خلافيّة.

(1) قدمنا الكلام في ذلك في ذيل المسألة الثانية، و ذكرنا: أنه لا مانع من الاحتياط و لو كان مستلزما للتكرار حتى في العبادة.

و قد منع شيخنا المحقق النائيني (قده) عما إذا استلزم الاحتياط التكرار في العبادة- كما في تعليقته على المتن- و الوجه فيه كما أفاده في بحثه استقلال العقل باعتبار قصد الأمر في حصول القربة مع التمكن منه، و لا أقل من الشك فيرجع إلى قاعدة الاشتغال و قد تقدم فساده فراجع. و قد مر أيضا الجواب عما توهم من أن الاحتياط حينئذ عبث و لعب بأمر المولى.

لزوم الاجتهاد أو التقليد في مشروعية الاحتياط (2) لعدم الأمن من العقاب إلا بالاجتهاد أو التقليد في جواز الاحتياط، لأن الاكتفاء بالاحتياط في مقام الامتثال إنّما هو لحكم العقل بحصول الطاعة بإتيان جميع المحتملات، و مع الشك في جواز الاحتياط لا يستقل بحصول الطاعة، و معه لا يؤمن من تبعة مخالفة الواقع، فالأنسب هو التعليل بما ذكرناه لا بأن المسألة خلافية، لأن ظاهر التعليل بذلك هو عدم لزوم الاجتهاد أو التقليد إذا كانت المسألة إجماعية، مع أن مجرد الإجماع على حكم واقعا لا يكفي في حصول الأمن من العقاب للجاهل بالحكم. بل لا بد و أن يستند إلى الحجة فيه من اجتهاد أو تقليد. و يمكن توجيهه بان المراد أن مسألة جواز الاحتياط ليست من البديهيات بحيث لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد أو التقليد كما يأتي في المسألة الآتية، بل هي من المسائل النظرية فلا بد فيها

41

[ (مسألة 6) في الضروريات لا حاجة إلى التقليد]

(مسألة 6) في الضروريات لا حاجة إلى التقليد (1)، كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما، و كذا في اليقينيّات إذا حصل له اليقين، و في غيرهما يجب التقليد إن لم يكن مجتهدا إذا لم يمكن الاحتياط، و إن أمكن تخيّر بينه و بين التقليد.

من إعمال النظر بالاجتهاد أو الرجوع إلى قول العالم.

مباحث التقليد لا تقليد في الضروريات‏ (1) إذا حصل للمكلّف العلم بالواقع، إما لكونه ضروريا أو لكونه من اليقينيات فلا مجال للتعبد بالأمارة، سواء في ذلك فتوى الغير و غيرها من الأمارات. و ذلك لاختصاص الحجيّة بمن جهل الواقع إذ مع العلم به لا معنى للتعبد لا بالمعلوم و لا بخلافه، ففيما حصل العلم لا مجال للتقليد بل و لا للاجتهاد.

و أما إذا لم يحصل العلم بالواقع فلا بد من تحصيل المؤمّن عن العقاب المحتمل بالاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط. و التخيير بين الثلاثة إنّما هو مع التمكن فلو عجز عن واحد منها تعين بحكم العقل أحد الآخرين، و لو عجز عن اثنين منها كما هو الغالب في أكثر العوام تعين الثالث.

42

[ (مسألة 7) عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل‏]

(مسألة 7) عمل العامي بلا تقليد و لا احتياط باطل (1) [1].

[ (مسألة 8) التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد]

(مسألة 8) التقليد (2) هو الالتزام [2] بالعمل بقول مجتهد

بطلان العمل بلا تقليد و احتياط (1) المراد من البطلان هو البطلان في نظر العقل- بمعنى عدم جواز الاكتفاء بالعمل ما لم ينكشف مطابقته للواقع أو لرأي من يجوز تقليده- لعدم الأمن من العقاب قبل ذلك، لا البطلان رأسا، بحيث إذا انكشف الحال و ظهر مطابقة عمله للواقع يجب عليه الإعادة ثانيا. فاعتراض معظم المحشين (قدس سرهم) على الماتن في إطلاق الحكم بالبطلان و تقييده بما إذا لم يصادق الواقع أو لم يتحقق منه قصد القربة في غير محلة لأنه (قده) لم يقصد به البطلان بحكم الشرع كي يرد عليه ما ذكروه. بل أراد به البطلان في حكم العقل و عدم جواز الاكتفاء به بمقتضي قاعدة الاشتغال ما دام الجهل بالواقع موجودا، و ما ذكره من الوجوب العقلي المتقدم قرينة ظاهرة على إرادة ما استظهرناه. و سيأتي لذلك مزيد توضيح «في المسألة السادسة عشر» إن شاء اللّه تعالى.

حقيقة التقليد (2) نقول: اختلفوا في معنى التقليد. فذهب فريق إلى أنه عنوان لنفس‏

____________

[1] جاء في تعليقة السيد الأستاذ- (دام ظله)- في تفسير البطلان انه «بمعنى انه لا يجوز الاقتصار عليه في مقام الامتثال ما لم تنكشف صحته).

[2] جاء في تعليقته- (دام ظله)- على قول المصنف (قده) «هو الالتزام» (بل هو الاستناد إلى فتوى الغير في العمل، و لكنه مع ذلك يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل، و كونه ذاكرا لها).

و سيأتي توضيح هذه التعليقة من حيث جواز البقاء أو وجوبه في ص 54- 55 و ص 68 و 71

43

معين، و إن لم يعمل بعد، بل و لو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته و التزام بما فيها كفى في تحقق التقليد.

العمل، و ذهب فريق آخر إلى أنه أمر سابق عليه بحيث يكون العمل ناشئا عنه، كما يكون ناشئا عن الاجتهاد. و هم بين من عرّفه بأنه قبول قول الغير من غير حجّة كما عن جامع المقاصد، و من عرّفه بأنه أخذ فتوى الغير للعمل. إما بمعنى التعلم، أو بمعنى الالتزام بالعمل بقول المجتهد و إن لم يتعلّمه كما عليه المصنّف (قده).

و ليس النزاع في المقام لفظيا بإرجاع الجميع إلى العمل- كما قيل- و ذلك لتصريح بعضهم بتحقق التقليد بأخذ الفتوى للعمل عند الحاجة، و إن لم يعمل بعد مضافا إلى أنهم فرّعوا على الخلاف في معنى التقليد بعض أحكامه، و مسألة البقاء على تقليد الميت كما في رسالة التقلد لشيخنا الأنصاري (قده).

فإنّه ربما يتوهم أنه لو قلنا بأن التقليد هو الالتزام، لجاز البقاء على تقليد الميت فيما إذا مات المجتهد بعد الالتزام بالعمل بفتواه، و هكذا في مسألة العدول عن الحي إلى الحي فيما إذا كان الثاني مساويا للأول أو مفضولا، فإنه لا يجوز العدول عن الأول إلى الثاني بعد الالتزام، و هذا بخلاف ما إذا قلنا إن التقليد هو العمل بقول الغير، فإنه لا يجوز البقاء على تقليد الميت و يجوز العدول عن الحي إلى الحي حينئذ، لعدم تحقق التقليد على الفرض.

و هذا التوهم و ان كان فاسدا إلا أن منشأه هو الاختلاف في معنى التقليد. و أما وجه فساده فهو أن جواز إلقاء، و حرمة العدول في الفرض لا يدوران مدار أن التقليد هو الالتزام للعمل، بل المتبع في ذلك هو ما تقتضيه القواعد و إطلاقات أدلة حجية الفتوى من الآيات و الأخبار و السيرة، و سيأتي‏

44

..........

ذكرها في (مسألة 9) إذ ليس عنوان البقاء و العدول بمفهوميهما واردين في لسان الدليل، كي يلحظ تحقق مفهوم البقاء أو العدول في مورد ما، و عدم تحققهما فيه، و بالجملة لا يصح جعل النزاع لفظيا مع الخلاف الصريح بين الفريقين.

استدل الفريق الثاني- و هم القائلون بلزوم سبق التقليد على العمل- بوجهين:

(الأول) ان كل مكلف لا بد و أن يستند في عمله إلى معذر، فالمجتهد يستند في عمله إلى اجتهاده- أي إلى ما وقف عليه من الحجة- و العامي يستند إلى تقليده و يجعله عذرا عن مخالفة الواقع، فالعمل يكون إما عن اجتهاد أو تقليد سابق عليه- بأي معنى كان- فالعمل مسبوق بالتقليد دائما، فقال بعضهم و منهم المصنف إنه الالتزام بالعمل بقول المجتهد، و من أجل هذا الدليل التجأ صاحب الكفاية (قده) (1) إلى تفسير التقليد بأنه «أخذ قول الغير و رأيه للعمل به في الفرعيات، أو للالتزام به في الاعتقاديات تعبدا بلا مطالبة دليل على رأيه». ثم قال: «و لا يخفى انه لا وجه لتفسيره بنفس العمل، ضرورة سبقه عليه و إلا كان بلا تقليد» و حاصل دعواه أنه لا بد و أن يكون التقليد سابقا على العمل، و إلا كان العمل بلا تقليد.

(الثاني) ان التقليد إذا كان عنوانا للعمل و منتزعا منه لزم الدور، لأن مشروعية العمل تتوقف على التقليد، فلو كان التقليد متأخرا عن العمل و منتزعا منه لزم الدور. بيان ذلك: إن العامي إذا لم يقلد لا يتمكن من الإتيان بصلاة الجمعة مثلا بما أنها واجبة و مبرءة للذمة، فإذا توقف تحقق تقليده على الإتيان بتلك الصلاة لزم الدور.

____________

(1) كفاية الأصول ج 2 ص 434 ط م.

45

..........

و الجواب عن الأول: أن اللازم بحكم العقل انما هو سبق تحصيل الحجة على العمل فعلا كان أو تركا تحصيلا للمؤمن، لا سبق التقليد، لأنه بلا موجب فالعمل المستند إلى رأي الغير هو التقليد و لا إشكال فيه.

و منه يظهر (الجواب عن الثاني) وجه الظهور هو أن مشروعية العمل لا تتوقف على التقليد بل تتوقف على الاستناد إلى الحجة الدالة على المشروعية كفتوى المجتهد، فإذا أفتى بوجوب صلاة الجمعة، و علم بها المقلد يمكنه إتيان الصلاة بما أنها واجبة تعبدا، و نفس الصلاة المأتي بها كذلك يصدق عليها عنوان التقليد فلا دور، فإذا لا بد من النظر إلى ما تقتضيه الأدلة في باب التقليد فلا حظ ما يلي:

التقليد و الأدلة ظهر مما ذكرنا أنه لا دليل على وجوب الالتزام للعمل قبل أن يعمل لا شرعا و لا عقلا، فلا بد من الفحص عما دلت عليه الأدلة في باب رجوع العوام الى العلماء في الأحكام الشرعية.

فنقول: ليس في شي‏ء منها أخذ عنوان التقليد موضوعا للحكم، إلا في رواية (1) ضعيفة عن التفسير المنسوب إلى العسكري- (عليه السّلام)- فان فيها بعد توصيف الفقيه الذي يرجع إليه بأنه «صائن لنفسه، حافظ لدينه، مخالف على هواه، مطيع لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه» فالغض عن تفتيش هذا المفهوم أولى، و أما سائر الأدلة في هذا الباب من السيرة و الآيات و بقية الأخبار- التي تقدم ذكرها- فلا يستفاد منها أكثر من حجية فتوى المجتهد في حق‏

____________

(1) تقدمت ص 17.

46

..........

العامي. فهي أمارة كسائر الأمارات المعتبرة شرعا- التي تنجّز الواقع إذا أصابت و تكون عذرا إذا أخطت- فاللازم على العامي بحكم الشرع و العقل الاستناد إلى الفتوى في مقام العمل من أفعاله و تروكه، فتفسير التقليد بالعمل عن استناد إلى قول المجتهد هو الموافق للأدلة، دون تفسيره بالالتزام للعمل، و بعد هذا لا يهمنا موافقة هذا المعنى لمفهوم التقليد لغة و عدم موافقته له، و لكن مع ذلك هو الأنسب لمفهومه اللّغوي و تعرف ذلك فيما يلي:

التقليد و اللغة اعلم ان الأصحاب (قدس سرهم) لما اختلفوا في تفسير مفهوم التقليد في الاصطلاح تصدوا لتوجيه تسمية ما اختاروه من المعنى بالتقليد، فان التقليد لغة هو جعل القلادة في الجيد، و يتعدي إلى مفعولين. و في حديث الخلافة «قلدّها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليا» أي جعلها قلادة له.

فمن ذهب إلى أن التقليد هو نفس العمل فقد وجه التسمية بان العامي كأنه يجعل أعماله قلادة في رقبة المجتهد، لأنّها في عاتقه و عهدته كما أشير إلى ذلك في بعض الرّوايات.

كرواية ابن أبي عمير عن عبد الرّحمن بن الحجاج قال: كان أبو عبد اللّه- (عليه السّلام)- قاعدا في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلما سكت قال له الأعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة و لم يرد عليه شيئا، فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك فقال له الأعرابي: أ هو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد اللّه- (عليه السّلام)-: هو في عنقه قال أو لم يقل و كل مفت ضامن. (1)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18: ص 161 أبواب آداب القاضي ب 7 ح 2، الكافي ج 7:

ص 409/ 1، التهذيب ج 6: ص 223/ 530.

47

..........

و استفاضت الروايات بأن من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل به. [1] و من ذهب إلى أن التقليد هو الالتزام بالعمل، وجه التسمية بان العامي كأنه يجعل أقوال المجتهد و آرائه قلادة لنفسه، و عن شيخنا الأنصاري (قده) ان هذا أوفق بمعناه اللغوي. و فيه أن مقتضى ذلك هو صدق المقلّد (بالفتح) على العامي لا على المجتهد مع أن الحديث يقول «فللعوام أن يقلده» فالأوفق باللّغة هو تفسير التقليد بالعمل هذا.

ثمّ لا يخفى: أن النزاع في معنى التقليد و مفهومه إن كان في المعنى المصطلح عند الفقهاء و ان لم يكن موضوعا لحكم شرعي فلا وجه له، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، و هو لا يليق بهذا الاهتمام، و لا يجوز ترتيب أثر عملي عليه و إن رتبوا كما ذكرنا، و إن كان لأجل ترتب أثر شرعي عليه- و لا بد حينئذ من الفحص عن مفهومه- فقد ذكرنا أنه لم يؤخذ هذا العنوان موضوعا لحكم من الأحكام في شي‏ء من الأدلة المعتبرة، كي يفحص عن مفهومه. بل المستفاد منها حجية رأي المجتهد في حق العامي فعمل العامي المستند إلى رأي المجتهد تقليد له، إلا أنه مع ذلك يكفي في جواز البقاء على تقليد الميت أو وجوبه تعلم الفتوى للعمل و كونه ذاكر لها و يأتي وجهه في (مسألة 9).

التقليد عند اختلاف الفتاوى‏ إذا اتحد المجتهد فلا إشكال في تحقق التقليد بالعمل على طبق فتواه، لانحصار الحجة حينئذ في رأيه، و هكذا إذا تعدد المجتهدون و اتفقوا في الرأي‏

____________

[1] الوسائل ج 18 ص 9 باب 4 من أبواب صفات القاضي. و في الباب المتقدّم ج 18 ص 161 و ج 9 ص 294 باب 13 من أبواب بقية كفارات الإحرام (باب أن المحرم إذا أفتاه مفت بالقلم ففعل و أدمى لزم المفتي شاة).

48

..........

سواء تساووا في الفضيلة أو اختلفوا فيها، لأن الحجة هو رأي المجتهد على نحو صرف الوجود المنطبق على القليل و الكثير، كما في الخبر الواحد إذا تعدد و اتفق في المضمون، و لا حاجة إلى الالتزام بتطبيق العمل على رأي واحد منهم بالخصوص، لعدم المرجّح فلا وجه لتقييد المتن المجتهد بالمعين.

و أما إذا اختلفوا في الفتوى فهل يتوقف التقليد في هذا الحال على الالتزام بالعمل على طبق إحدى الفتويين أو الفتاوى- كما قيل- أو هل ينتزع عنوان التقليد عن نفس الالتزام في هذه الصورة، و يحكم بوجوبه عقلا بمناط لزوم تحصيل الحجة على امتثال الأحكام الشرعيّة- كما توهم- أم لا.

ربما يقال بحجيّة إحدى الفتوائين المتعارضين تخييرا و ذلك من جهة الإجماع أو من جهة لزوم الفراغ من عهدة التكاليف الواقعية المنجزة بالعلم الإجمالي، أو بمجرد الاحتمال من أجل أن الشبهة إنّما هي قبل الفحص. بل قد يقال إن النزاع في أن التقليد هو الالتزام أو العمل انما هو في غير فرض التعارض بين الفتوائين، و مع التعارض لا ينبغي الشك في وجوب الالتزام بإحديهما تحقيقا لموضوع الحجيّة و مقدمة لتطبيق العمل عليه.

و التحقيق أن يقال: إن الحجية التخييرية، إن أريد بها جعل الحجيّة للجامع الانتزاعي بإلغاء الخصوصية عن كل منهما كما التزمنا بنظيره في الواجب التخييري فهو أمر غير معقول، أو أنه لا أثر له، أو أنه لا يفيد القائل.

(الأول): فيما إذا أفتى أحد المجتهدين بالوجوب، و أفتى الآخر بالتحريم، و مرجع التعبد بالجامع بين المتعارضين فيه إلى التعبد بالإلزام بجامع الفعل أو الترك، و هو غير معقول لأن العبد في نفسه لا يخلو من أن يكون تاركا للعمل أو فاعلا له قهرا، فلا يعقل البعث نحوه.

(الثاني): فيما إذا أفتى أحدهما بالإباحة، و الآخر بالوجوب أو الحرمة، و مرجع التعبد بالجامع بين المتعارضين فيه إلى التعبد بالجامع بين‏

49

..........

الإباحة و الوجوب أو الحرمة، و لا أثر لهذا التعبد في نفي احتمال خصوصية الوجوب أو الحرمة، لأن التعبد بالجامع المذكور لا ينافي احتمال الوجوب و الحرمة، فلا بد في رفعه من مؤمن آخر من أصل أو دليل، و إلا كان هذا الاحتمال منجزا للتكليف. نعم أثر التعبد بهذا الجامع إنما هو نفي الثالث و لا يكفي هذا المقدار في مقام العمل.

(الثالث): فيما إذا أفتى أحدهما بوجوب شي‏ء و أفتى الآخر بوجوب شي‏ء آخر مع العلم بأنه لا يجب إلا أحدهما، كما إذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب الجمعة، و الآخر بوجوب الظهر. و التعبد بالجامع فيه معقول إلا أن لازمه الاحتياط بإتيان الصلاتين، لأن التعبد بالجامع بين الوجوبين في حكم العلم الإجمالي بوجوب أحدهما، فلا تتم النتيجة المطلوبة.

و إن أريد بالحجيّة التخييريّة حجية كل من الفتواءين مشروطة بعدم الالتزام بالأخرى، فهو غير معقول مطلقا و ان أفتى أحدهما بالوجوب و الآخر بالإباحة، لأن لازمها التعبد بالمتناقضين فيما إذا لم يلتزم بشي‏ء منهما.

و إن أريد بها لزوم الالتزام بإحدى الفتواءين لتكون حجة تعيينية بعد الالتزام بها، فهو أمر معقول، و قد التزم به غير واحد في الخبرين المتعارضين، إلا أنه لا دليل عليه لا في الخبرين و لا في المقام، أما في الخبرين المتعارضين فلما ذكرناه في محله من النقاش في سند ما دل على لزوم الأخذ بأحد الخبرين، و أما المقام فلأجل أن الإجماع لو تم فغايته أن يقوم على عدم وجوب الاحتياط على العامي، و أنه إذا استند في عمله إلى إحدى الفتواءين كان هذا معذرا له عن مخالفة الواقع إذا تحققت، و أين هذا من لزوم الالتزام بالفتوى قبل العمل لتكون الحجية دائرة مداره.

و بذلك يظهر الجواب عن توهم لزومه قبل العمل من جهة تحصيل الفراغ عن التكاليف الواقعية. وجه الظهور أن التكاليف الواقعيّة إذا فرضنا

50

[ (مسألة 9) الأقوى جواز البقاء على تقليد الميت‏]

(مسألة 9) الأقوى جواز البقاء [1] على تقليد الميت. و لا يجوز تقليد الميت ابتداء (1).

أنها منجّزة على المكلّف في مرتبة سابقة على تقليده وجب عليه الخروج عن عهدتها، و لا يمكن ذلك في حق العامي إلا بالاحتياط أو التقليد، و بما أن أدلة جواز التقليد قاصرة الشمول للمتعارضين يتعين عليه الاحتياط، فلا بد في جواز العمل بإحدى الفتواءين من التماس دليل آخر. و ليس في المقام إلا دعوى الإجماع و قد عرفت حالها.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنه لا دليل على وجوب الالتزام قبل العمل- كما قيل- فضلا عن أنه التقليد في فرض التعارض.

اشتراط الحياة في المقلّد (1) ينبغي تقديم البحث عن تقليد الميت ابتداء، ثمّ التكلّم في البقاء على تقليد الميت، لتخصيص بعضهم الثاني بوجوه لم يذكروها في الأول، و اشتراكهما في باقي الوجوه.

تقليد الميت ابتداء المعروف بين أصحابنا الإمامية (قدس سرهم) عدم جواز تقليد الميت ابتداء، بل أدعي الإجماع عليه في كلمات جملة من الأعاظم. و ذهب المحقق القمي [2] إلى القول بالجواز مبنيا على ما زعمه من انسداد باب العلم‏

____________

[1] جاء في تعليقته (دام ظله) على قول المصنف (قده). «الأقوى جواز البقاء»: (بل الأقوى وجوبه فيما تعيّن تقليد الميت على تقدير حياته).

[2] قال في كتابه (جامع الشتات ج 2 ص 420 س 5 كتاب النكاح) ما حاصله «أن الأقوى عندي جواز تقليد الميت ابتداء فلا مانع من الرجوع إليه، خلافا للمشهور المدّعى عليه الإجماع» و ذكر ذلك في جواب من سأله عن جواز تقليد ابن أبى عقيل حيث أنه كان ميتا في زمانه.

51

..........

و العلمي فينتهي الأمر إلى العمل بالظن، و لا فرق بين الظنون الحاصلة من قول مجتهد حي و الحاصلة من قول مجتهد ميّت. و تحقيق فساد هذا المبنى و البناء عليه موكول إلى بحث الانسداد.

و عن العامة إجماعهم على الجواز، و هو المنسوب إلى الأخباريين، و إن كان في هذه النسبة نظر، لأن تجويزهم ذلك مبني على تخيلهم أن المفتي إنّما ينقل الرواية بالمعنى، و لا يشترط في جواز العمل بالرواية حياة الراوي.

و لا يخفى فساده، للفرق الظاهر بين الفتوى و نقل الحديث بالمعنى، فان الفتوى عبارة عن الإخبار عن الحكم عن مقدمات نظرية، و هذا المعنى مما يمنع الأخباري عن العمل به حتى حال حياة المفتي، فليس خلافهم فيما هو محل الكلام.

و كيف كان فمقتضى الأصل عدم حجية قول المجتهد بعد موته، كما هو الحال في كل أمارة يشك في حجيتها. و لا مخرج عن هذا الأصل سوى ما استدل به على الجواز من وجوه لا يخلو شي‏ء منها عن المناقشة.

أدلة القائلين بالجواز و الجواب عنها 1- إطلاق الأدلة (الوجه الأول): إطلاق الأدلة اللفظية من الآيات و الأخبار الدالة على حجية الفتوى، و ذلك لعدم تقييدها بحياة المفتي، فتدل بإطلاقها على حجية فتواه و لو بعد موته.

52

..........

و الجواب: أن وجوب الحذر في آية النفر مترتب على الإنذار، و لا إنذار من الميّت و المسؤول في آية السؤال هو أهل الذكر، و لا يصدق هذا العنوان على الميت كما لا يعقل سؤاله.

و منه يظهر الجواب عن الروايات، فان عنوان «الفقيه» و «راوي الحديث» و «الناظر في الحلال و الحرام» في الروايات الآمرة بالرجوع إلى هؤلاء لا يصدق على الميّت، و ظاهرها تحقق هذه العناوين حال الأخذ و الرجوع لا قبلهما. كما هو قضية كل عنوان أخذ موضوعا للحكم، مشتقا كان أم غير مشتق، فان ظاهر قول القائل: لا تصل خلف الفاسق، أو لا تشرب الخمر هو عدم جواز الصلاة خلف من هو فاسق فعلا، لا من كان فاسقا، و حرمة شرب ما هو خمر حين الشرب، لا ما كان خمرا سابقا.

و أما الروايات الواردة في إرجاع السائلين إلى آحاد الرواة، كمحمّد بن مسلم، و زرارة و أضرابهما، كقوله- (عليه السّلام)- لما سأله ابن أبي يعفور عمن يرجع إليه إذا احتاج: «ما يمنعك عن محمّد بن مسلم الثقفي؟». [1] فالجواب عن الاستدلال بها ظاهر، إذ كيف يمكن دعوى شمول مثل هذه الرواية للميت! و على الجملة: المستفاد من الروايات و الآيات هو جواز الرجوع الى نفس الفقيه لا إلى فتواه حتى يتوهم حجيّتها فيما بعد الموت أيضا، و هذا

____________

[1] روى الصدوق بإسناده عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السّلام)- أنه ليس كل ساعة ألقاك، و لا يمكن القدوم، و يجي‏ء الرجل من أصحابنا فيسألني، و ليس عندي كل ما يسألني عنه فقال: ما يمنعك عن محمّد بن مسلم الثقفي، فإنه سمع من أبى و كان عنده وجيها».

الوسائل ج 18: ص 105، أبواب صفات القاضي ب 11 ح 23.

رجال الكشي 1: 383/ 273.