قاعدة الفراغ والتجاوز

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
256 /
9

[مقدمة الكتاب:]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏، و الصلاة و السلام على رسوله الأعظم و على آله الطاهرين، حماة الشريعة الخاتمة، و قادة البشرية الصالحة.

و بعد فانّ هذا الكتاب يعبر في بحوثه عن ممارسة علمية قمت بها خلال عطلة شهر رمضان المبارك سنة 1407 هجرية، تناولت فيها قاعدة الفراغ و التجاوز بالبحث و الاستدلال المستقل، بعد أن كانت تبحث بشكل استطرادي خلال بعض البحوث الاصولية بالمناسبة.

و قد رأيت انّ البحث عن هذه القاعدة و كذلك غيرها من القواعد الفقهية مما يجدر الاهتمام به بشكل أساسي، لما في هذه القواعد من جوانب كلية و ثمرات عملية و تطبيقات متنوعة، تستحق العرض المستقل و المتكامل، لكي تبرز اهميتها و دورها في عمق حركة الاستنباط و الاستدلال الفقهي.

و الواقع انّ ما تركه لنا فقهاؤنا الاعلام (قدس اللّه اسرارهم) من الثروة الفقهية و العلمية الضخمة رغم ما يتمتع به من عمق و أصالة و مرونة، فهي لا تزال بحاجة الى جهد كثير و متواصل لاخراجها و عرضها بالمنهجية المناسبة و بالطريقة الفنية، و من أهم الجوانب الفنية في كيفية عرض البحوث الفقهية الاستدلالية و منهجتها، هو الفصل و التمييز بين الكليات و القواعد العامة في كل باب فقهي عن التفريعات و التفاصيل الخاصة بكل مسألة أو تطبيق من تطبيقات الفروع الفقهية.

ذلك أنّ عملية الاستدلال الفقهي تتألف عادة من عناصر مختلفة، بالامكان تصنيفها من الناحية المنهجية الى قسمين رئيسيين:

10

القسم الاول- القواعد العامة التي تكون بمثابة كبريات كلية يستعين بها الفقيه في استنباطه للمسألة الفرعية و حكمها الفقهي.

القسم الثاني- المفردات الخاصة بتلك المسألة الفرعية، كالنص الخاص الوارد فيها أو النكتة العقلية أو العقلائية أو العرفية المرتبطة بها، أو الاجماعات و فتاوى الاصحاب فيها.

و القسم الأول من القسمين بدوره ينقسم أيضا الى صنفين من القواعد العامة:

صنف هو القواعد التي يستعان بها لاستنباط حكم شرعي لأكثر من باب فقهي، أي تكون أوسع من باب فقهي واحد بطبيعته، و يكون اثبات الحكم الفرعي بها بنحو التوسيط لا التطبيق- أي تثبت حكما آخرا و لو تنجيزا أو تعذيرا- من قبل قاعدة دلالة الأمر على الوجوب، أو استحالة اجتماع الأمر و النهي، أو حجية خبر الثقة، أو أنّ الأصل في الشبهات الاباحة و البراءة الى غير ذلك، و هذا الصنف من القواعد هي التي خصص من أجلها علم الأصول، حيث يتكفل البحث عن العناصر المشتركة في الاستنباط الفقهي بنحو التوسيط.

و صنف اخر من القواعد لا تكون كذلك، امّا لا يمكن ان يستنبط منها حكم شرعي فرعي أصلا، بل هي بنفسها حكم شرعي واقعي أو ظاهري عام يعطى بيد المكلفين مباشرة، كما في القواعد الجارية في الشبهات الموضوعية التي تكون نسبتها الى المقلد و المجتهد على حد واحد، كقاعدة الطهارة في الشبهة الموضوعية، و قاعدة الفراغ و التجاوز، و قاعدة اليد، و قاعدة لا تعاد، و قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

أو تكون تلك القاعدة رغم دخولها في الاستنباط و توسيطها في الاستدلال الفقهي مخصوصة بباب فقهي خاص، و لا تكون سيالة في أكثر من باب، فانّ كل باب فقهي ربما تكون له نكات و حيثيات و قواعد تخصه و لا تجري في غيره من الأبواب بالرغم من عموميتها و ابتناء الاستنباط عليها، نظير قاعدة دلالة الامر بالغسل على الارشاد الى النجاسة أو دلالة الامر بالغسل على الارشاد الى نجاسة المغسول في كتاب الطهارة، أو دلالة الأمر و النهي في اجزاء المركبات على الارشاد الى الشرطية و المانعية في العبادات، أو قاعدة الحدود تدرأ بالشبهات في الحدود، أو قاعدة العقود تابعة للقصود في المعاملات، و هكذا.

فهذا الصنف من القواعد لا يمكن درجها ضمن مسائل الاصول حسب الضابطة التي اشرنا إليها لهذا العلم، و لكنها رغم ذلك تتميز عن القسم الثاني من عناصر الاستدلال الفقهي لكل مسألة فرعية بكليتها و عموميتها، فينبغي فصلها عن تلك المفردات التفصيلية

11

في مجال البحث العلمي لا ثباتها أو رفضها باعتبار ما لها من أهمية خاصة و كلية، و باعتبار انّ هذا الفصل في مجال البحث و لو ضمن دائرة كل باب فقهي بتقسيم فيه الى كليات و من ثم التفاصيل، ستوفر للبحث خصائص عديدة منهجية و هامة:

منها- انه يساعد على تقديم صورة شاملة عن طبيعة ذلك الباب الفقهي، و حركة الاستدلال فيه و معالمه و ادواته الرئيسية.

و منها- انه يجنّب الممارس لعملية الاستنباط الوقوع في الخطأ أو الغافلة في مجال التطبيق أو التفريع أو الاستنتاج من تلك القاعدة، نتيجة توضيحها بصورة كاملة و دقيقة في مبحث مستقل متكامل منذ البدء.

و منها- انه يجعل سير البحث منظما و منطقيا و متجها من الكبريات الى التطبيق، و من النكات العامة الى التفريعات و الاستنتاجات دون تشويش و اضطراب في صورة العرض أو محتواه.

و لعل ما تصدى له جملة من الاعلام في هذه الازمنة حينما بحثوا جملة من القواعد تحت عنوان القواعد الفقهية، كان ناجما عن الشعور بانّ مثل هذه البحوث تختلف عن البحوث الفقهية التفريعية، فكأنّها كانت تشكل عندهم حالة برزخية بين القواعد الاصولية المشتركة و المسائل الفرعية الفقهية.

الّا انك قد عرفت انّ هذه القواعد لا ينطبق عليها ميزان المسألة الاصولية و خصيصتها، لانه يشترط في المسألة الاصولية ان تكون مشتملة على أمرين دائما، الاشتراك و عدم الاختصاص بباب فقهي واحد و أن يكون دخلها في استنباط الحكم الشرعي على نحو التوسيط لا التطبيق المحض للكبرى على مصاديقها، و القواعد الفقهية تفتقد احدى هاتين الخصوصيتين أو كلتيهما، كما يظهر بالتأمل.

كما انّ هذه النكات و القواعد الكلية قلّما يشذ عنها باب فقهي خاص، ففي كل باب فقهي يمكن تقعيد نكاته الكلية ضمن قواعد عامة لذلك الباب الفقهي بالخصوص، الأمر الذي ينبغي التحرك باتجاهه تدريجا من قبل الباحثين و المحققين، كما فعل السلف الصالح من علمائنا الاعلام (قدس اللّه اسرارهم) حينما فصّلوا لنا القواعد الفقهية المعروفة التي بأيدينا اليوم في ثنايا البحوث الفقهية الفرعية نتيجة شعورهم باهميتها و كليتها، و من هنا لا ينبغي افتراض امكان حصر هذه القواعد و النكات الفقهية العامة ضمن تقسيمات مسبقة حاصرة لها، كما رامه بعض الباحثين.

12

نسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يوفقنا لمراضيه، و ان يجعل اعمالنا خالصة لوجهه الكريم، و اخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏.

محمود الهاشمي قم المقدسة 1408 هجرية

13

تمهيد

تعتبر قاعدة الفراغ و التجاوز من القواعد الفقهية المهمة ذات النفع الكثير في مختلف الابواب الفقهية، و قد استند الفقهاء إليها في كثير من الفروع و الابواب الفقهية سيّما العبادات، كما لا يخفى على الخبير، فكان من الجدير الاهتمام ببحثها ضمن رسالة مستقلة و ان دأب المحققون المتأخرون على التعرض لها ضمن مباحث الاستصحاب من علم الاصول، الّا انّ ذلك لمجرد المناسبة و الحديث عن تقدمها على الاستصحاب، و الّا فهي قاعدة فقهية اجنبية عن مسائل علم الاصول كما سوف يظهر.

و الحديث عن هذه القاعدة نورده ضمن مقدمة و أربعة فصول على النحو التالي:

1- المقدمة- و تشتمل على ثلاثة امور.

أ- التعريف بالقاعدة.

ب- كونها من القواعد الفقهية لا المسائل الأصولية.

ج- كونها اصلا عمليا لا أمارة.

2- الفصل الاول- ادلة القاعدة.

3- الفصل الثاني- وحدة قاعدة الفراغ و التجاوز و تعددها.

4- الفصل الثالث- عمومها لغير باب الصلاة.

5- الفصل الرابع- تطبيقات للقاعدة وقع الاختلاف بشأنها.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المقدّمة

1- التعريف‏

2- الفراغ و التجاوز قاعدة فقهية لا اصولية

3- الفراغ و التجاوز اصل عملي لا أمارة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

المقدمة

1- التعريف:

لم يتعرض الفقهاء لا عطاء تعريف محدد لقاعدة الفراغ أو التجاوز رغم تعرضهم لبيان موضوع كل منهما و حدوده، و لعلهم اكتفوا بذلك عن رسم تعريف لها، سيما اذا لاحظنا انه لا يترتب اثر مهم على التعريف، و ان كان مقتضى المنهجية في البحث البدء في كل قاعدة اصولية أو فقهية باعطاء تعريف لها.

و يمكن تعريف قاعدة الفراغ بانها: عبارة عن حكم ظاهري بصحة العمل الذي يحتمل الغافلة عن ايقاعه صحيحا بعد الفراغ عنه، و تعريف قاعدة التجاوز بانها: عبارة عن حكم ظاهري باتيان ما يحتمل الغافلة عن الاتيان به في محله من المركب الارتباطي بعد تجاوزه. هذا بناء على كونهما قاعدتين مستقلتين.

و اما بناء على كونهما قاعدة واحدة فان أرجعنا احداهما الى الاخرى فلا كلام زائد، و ان ارجعناهما الى امر جامع بينهما كما صنعه الشيخ (قدّس سرّه) و هو الصحيح- فينبغي تعريفها بذلك الأمر الجامع و هو الحكم الظاهري‏

18

بتصحيح العمل المشكوك في وجود جزئه أو قيده- لا أصله- بعد تجاوز موضع الشك منه اذا كان الشك من ناحية احتمال الغافلة.

و قد اتضح انّ هذه القاعدة حكم ظاهري و ليس واقعيا بحيث لو انكشف خطأها و كان الاخلال بالمشكوك مما يوجب الاعادة وجبت الاعادة، و بهذا تختلف عن مثل قاعدة (لا تعاد) التي تقيد الحكم الواقعي، كما أنها مختصة بالافعال التي تتصف بالصحة و البطلان و في خصوص ما يكون احتمال البطلان من جهة احتمال الغافلة عن الايقاع صحيحا، و سوف يأتي مزيد شرح لهذه الخصوصية.

هذا كلّه اذا فرض انّ قاعدتي التجاوز و الفراغ من القواعد الشرعية التأسيسية لا الامضائية، و امّا بناء على كون الأدلة الشرعية المتكفلة لهما هي امضاء بحسب الحقيقة لما هو مركوز في الذهنية العقلائية من المضي في العمل بعد الفراغ عنه أو تجاوز محله عند الشك فيه و افتراض وقوعه صحيحا و عدم الغافلة عنه- كما احتمله بعض الاعلام- فسوف ترجع القاعدة الى شعبة من شعب اصالة عدم الغافلة العقلائية، و تكون تطبيقا من تطبيقاتها، و لا يكون لها عندئذ تعريف مستقل عن اصالة عدم الغافلة العامة.

2- الفراغ و التجاوز قاعدة فقهية لا اصولية:

و لا اشكال في ذلك، الّا انه قد استدل على ذلك في كلمات جملة من اعلام المتأخرين‏ (1) بوجود الفرق بين القواعد الفقهية و الاصولية من وجهين كلاهما يقتضيان ان تكون القاعدة فقهية:

[الفرق بين القواعد الفقهية و الاصولية من وجهين:]

احدهما- انّ القاعدة الاصولية ميزانها ان تنتج الحكم الكلي، بينما القاعدة الفقهية لا تنتج الّا الحكم الجزئي‏

كقولك (هذا ماء)، و (كل ماء

____________

(1)- مصباح الاصول، ج 3، ص 266- 267.

19

طاهر) فينتج (انّ هذا طاهر) و هو حكم جزئي، و منه قاعدة الفراغ و التجاوز فانها تنتج صحة العمل الجزئي المأتي به.

الثاني- انّ تطبيق القواعد الاصولية على المصاديق انما هو بيد المجتهد و ليس للمقلد حظ فيه‏

، فانّ تطبيق حلّية ما لا نص فيه على شرب التتن مثلا بيد المجتهد، فانّه بعد الفحص و عدم وجدان نص فيه يحكم بانه مما لا نص فيه فهو حلال، و هذا بخلاف المسائل الفقهية، فانّ تطبيقها بيد المقلد، كحرمة الخمر مثلا، فانّ المجتهد يفتي بها و امّا تطبيق الخمر على مائع في الخارج فهو بيد المقلد و ليس للمقلد الرجوع الى المجتهد في التطبيق الّا من باب الرجوع الى المخبر العادل، و قاعدة الفراغ و التجاوز يكون تطبيقهما على مواردهما بيد المقلد و انما يأخذ المقلد كبراهما من المجتهد.

و يلاحظ على الوجه الاول:

أولا- ما ذكر فيه من انّ القاعدة الفقهية لا تنتج الّا الحكم الجزئي غير صحيح، فانّ القاعدة الفقهية ربما تثبت حكما كليا كما في اثبات الضمان مثلا في المقبوض بالبيع الفاسد بقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، أو اثبات طهارة الارنب مثلا بقاعدة الطهارة.

و ثانيا- ما ذكر من انّ الميزان في القاعدة الاصولية ان تثبت الحكم الكلي لا الجزئي أيضا غير دقيق، بل الميزان فيها أن تثبت الحكم في الشبهة الحكمية سواء كان حكما كليا أم جزئيا، كما اذا فرض ثبوت حكم بقاعدة اصولية، على مكلف خاص كالرسول (ص) مثلا أو المعصومين (ع) أو غيرهم بنحو القضية الخارجية فانّ هذا لا يخرج القاعدة عن كونها اصولية، نعم لم يتفق خارجا ذلك لكون الاحكام الفقهية مجعولة على نهج القضايا الكلية الحقيقية، الّا انّ هذا من باب الاتفاق و الملازمة، فلا ينبغي اخذه في المسألة الاصولية، و انما المأخوذ فيها ان تكون منتجة للحكم في الشبهة

20

الحكمية لا الموضوعية، أي مثبتة لاصل الحكم الفرعي لا لموضوعه.

و امّا خروج قاعدة (ما لا يضمن) مع كونها تثبت حكما كليا، فلكونها لا تثبت حكما اخر في شبهة اخرى بل هي تطبق على العقد الفاسد فلا توجد شبهة حكمية اخرى غير نفس قاعدة ما لا يضمن، و قد عبرنا عن ذلك في علم الاصول، بأن الميزان في اصولية القاعدة ان يكون الا ثبات فيها بنحو التوسيط لا التطبيق.

و اما خروج قاعدة الطهارة مع انها تثبت الحكم في الشبهة الحكمية بنجاسة الارنب مثلا بنحو التوسيط، فلعدم كونها مشتركة و سيالة بلحاظ الابواب الفقهية المتنوعة بل هي مشروطة بباب الطهارة بالخصوص، و قد ذكرنا في محله من علم الاصول أيضا انّ المسألة الاصولية لا بد و ان تكون عنصرا مشتركا في اكثر من باب فقهي واحد، و الّا اختصت به و كانت اصلا له لا للفقه كله.

و يلاحظ على الوجه الثاني:

أولا- ما اتضح آنفا من انّ تطبيق القاعدة الفقهية ليس دائما بيد المقلد كما في قاعدة الطهارة في الشبهات الحكمية.

و ثانيا- إن أريد بهذا الوجه نفس ما تقدم في الوجه الاول من انّ القاعدة الاصولية لا بد و ان تثبت الحكم في الشبهة الحكمية بخلاف القاعدة الفقهية، فهذا لا يكون وجها ثانيا للفرق، و إن أريد به بيان فرق اخر حاصله: اختصاص المسألة الاصولية بالمجتهدين بخلاف المسألة الفقهية حيث تعم كل المكلفين من المجتهد و المقلد معا، فهذا الكلام غير تام، فانّ القواعد الاصولية أيضا مجعولة على نهج القضية الحقيقية و لم يؤخذ في موضوعها المجتهد دون المقلد، نعم قد يؤخذ في موضوعها قيد الفحص عن الحاكم أو المخصص أو المعارض للقاعدة الاصولية، الّا انّ هذا القيد

21

لا يجعلها خاصة بالمجتهد، بل المقلد أيضا قد يطبق القاعدة الاصولية اما لعدم تقيدها بذلك كما في قاعدة منجزية العلم الاجمالي بالتكاليف قبل الفحص، أو لقيام فحص المجتهد مقام فحصه كما في البراءة العقلية بل مطلق الاصول و الامارات على تفصيل و تنقيح بيناه في بحوث علم الاصول.

و قد اتضح من مجموع ما تقدم انّ خروج القاعدتين عن المسائل الاصولية باعتبار عدم انتاجهما للحكم في الشبهة الحكمية، بل هما قاعدتان لا تثبتان الّا الموضوع- أعني المتعلق- الخارجي للتكليف المعلوم كبرويا عند الشك في تحققه خارجا، فحالهما حال الاصول العملية الاخرى المختصة بالشبهات الموضوعية، فلا يمكن ان يستفاد منهما حكم شرعي في الشبهة الحكمية.

3- الفراغ و التجاوز اصل عملي لا أمارة:

اختلف الفقهاء في كون القاعدة أمارة أو اصلا عمليا، و ذهب بعض الاعلام الى انه لا اثر عملي لهذا البحث على كل حال لانه لا اشكال في تقدمهما على مثل الاستصحاب فضلا عن غيره من الاصول العملية سواء كانتا إمارتين أو اصلين عمليين، و لو لكونهما واردتين في مورد الاستصحاب النافي للصحة غالبا بحيث يكون دليلهما كالأخص من دليله. كما انه لا اشكال في تقدم البينة و نحوها من الامارات في الشبهات الموضوعية عليهما- و لو من جهة قصور مقتضي القاعدتين عن شمول مواردها- و امّا مسألة اللوازم و حجيتها بناء على الامارية فهي غير صحيحة، فانّ حجية اللوازم تتسع بسعة دليل جعل الحجية اثباتا، سواء كان المجعول فيه الاصلية أو الامارية، فلا ثمرة لمثل هذا البحث‏ (1).

____________

(1)- مصباح الاصول ج 3 ص 267.

22

و هذا الكلام غير تام، و ذلك:

أولا- لما ذكرناه مفصلا في علم الاصول من انّ حجية اللوازم من لوازم الامارية ثبوتا و ليست حيثية اثباتية في دليل الحجية، فالثمرة العملية تامة.

و ثانيا- امكان تصوير الثمرة بين القولين من غير هذه الناحية أيضا، و ذلك باعتبار ترتب آثار اخرى على الامارية خصوصا على بعض المسالك كامكان قيامها مقام القطع الموضوعي بناء على قيام خصوص الامارات مقام القطع الموضوعي و عدم امكان التعبد بهما في طرفي العلم الاجمالي عند الميرزا- (قدّس سرّه)- و ان لم يلزم منه المخالفة القطعية بخلاف الاصل العملي بناء على انّ القاعدة اصل غير محرز، و حكومتها على الاصل الترخيصي الجاري في موردها فيكون اصلا طوليا لا يدخل في المعارضة بعد سقوطها في موارد العلم الاجمالي بناء على بعض المسالك، الى غير ذلك من الثمرات و النكات التي تختلف فيها الامارات عن الاصول، فليست الثمرة منحصرة في حجية اللوازم فقط ليقال بعدم الجدوى في هذا البحث بناء على عدم استفادة حجية اللوازم من ادلتها اثباتا.

[التمييز بين الامارات و الاصول العملية.]

و هكذا يتجه البحث عن كون القاعدتين من الامارات أو الاصول العملية، و هناك منهجان للتمييز بين الامارات و الاصول العملية.

[المنهج المشهور في التمييز بين الأمارات و الأصول العملية]

المنهج الاول- ما سلكته مدرسة الميرزا (قدّس سرّه) (1) بل و تبعه مشهور المحققين من انّ الفرق بين الامارة و الاصل يرجع الى الفرق في المجعول في مورد الحكم الظاهري فان كان المجعول الطريقية و الكاشفية فهو أمارة، و اذا كان المجعول مجرد الجري العملي بلا ملاحظة للكاشفية و الطريقية فهو اصل،

____________

(1)- فوائد الأصول ج 3 ص 7 الطبعة الحجرية.

23

و على الثاني إن كان المجعول هو التعبد بثبوت الواقع فالاصل تنزيلي محرز، و الّا فالاصل غير تنزيلي. و هذا منهج اثباتي على ما سوف يظهر.

و بناء على هذا المنهج قد تقرّب امارية القاعدتين كما صنعته مدرسة الميرزا بدعوى انّ ما ورد في ذيل بعض روايات قاعدة الفراغ من التعليل بالاذكرية حين العمل يناسب مع تتميم كاشفيتها عن الواقع أو باعتبار انها ترجع الى اصالة عدم الغافلة العقلائية المركوزة، و الاصول العقلائية كلها أمارات و طرق بملاك الكشف و ليست قواعد تعبدية صرفة (1).

و قد تقرّب الاصلية- كما عن المحقق العراقي- (2) بدعوى انّ المستظهر من ادلتها اخذ الشك في موضوعها كما في قوله (ع): (اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء، انما الشك في شي‏ء لم تجزه) و قوله (ع): (كل شي‏ء شك فيه و قد جاوزه فليمض عليه)، و قوله (ع): (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو)، و هذا يناسب ان تكون القاعدة اصلا لا أمارة، فانّ الامارة لا يؤخذ في موضوعها الشك بل يلغى الشك فيها، و يفترض انها علم، و قد ادعى المحقق العراقي (قدّس سرّه) انّ هذا الظهور حاكم أو مقدم على ظهور ما ورد من التعليل بالاذكرية في بعض النصوص، فتكون محمولة على بيان حكمة الجعل و التشريع، و لا اقل من تصادم الظهورين و اجمالهما فيجري حكم الاصلية عليها، نعم هي من الاصول التنزيلية لما في ادلتها من التعبد بوقوع ما شك في وقوعه أو صحته كما في قوله (ع): (بلى قد ركعت) أو (امضه كما هو) أو (انه حين العمل اذكر منه حين شك).

____________

(1)- راجع أجود التقريرات، ج 2، ص 463.

(2)- راجع نهاية الأفكار القسم الثاني من الجزء الرابع ص 36.

24

و لنا في المقام تعليقان:

الاول‏

- عدم تمامية اصل المنهجة المذكورة كما شرحنا ذلك مفصلا في علم الاصول، فانّ ما ذكر في هذه المنهجة لا يعدو ان يكون مجرد صياغات اعتبارية لكيفية إنشاء المجعول و الحكم الظاهري، و الاعتبار و الانشاء سهل المئونة و لا يمكن ان يميز جوهر الفرق بين الحكم الظاهري الامارة و الحكم الظاهري الاصل، كما انه لا يمكن ان ترتب اللوازم و الآثار التي تختلف فيها الامارة عن الاصل على ما فصلناه في بحوث علم الاصول.

الثاني‏

- على فرض قبول هذه المنهجة فالحق مع المحقق النائيني (قدّس سرّه) من تحكيم ظهور التعليل في الذيل في الامارية، لأنّ اخذ الشك في لسان الاخبار لا ينافي مع جعل الامارية، أ لا ترى عدم الاشكال في امارية خبر الواحد أو فتوى المجتهد حتى اذا كان مدركها مثل آية الذكر (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) مع اخذ الشك و عدم العلم في الموضوع، نعم فرض الشك قد لا يناسب اعتباره بنفسه علما، فلا بدّ و ان تكون الامارية مجعولة لحيثية اخرى في مورد الشك كخبر اهل الذكر، و هذا محفوظ في المقام أيضا، فانّ الامارية و الاذكرية مجعولة لحالته و ارادته حين العمل لا لنفس شكه بعد العمل، الّا انّ هذه أيضا حيثية اثباتية لا ثبوتية، اذ لا اشكال في اخذ الشك ثبوتا في موضوع الامارة لاستحالة الاطلاق و الإهمال فيتعين التقييد.

بل يمكن ان يقال كنقاش ثان مع المحقق العراقي بانه كما لا تهافت في مثل (شكك ليس بشك) كذلك لا تهافت فيما اذا قال: (شكك علم و تذكر) فلا تهافت على كل حال، نعم قد يكون مجرد مناسبة في مثل هذه التعابير مع الاصلية دون الامارية، و قد عرفت تحكيم ظهور الذيل عليها، فمع‏

25

قبول منهجة المشهور يكون الحق مع الميرزا (قدّس سرّه).

[المنهج المختار في التمييز بين الامارات و الاصول العملية.]

المنهج الثاني- ما نحن سلكناه في علم الاصول من الفرق الثبوتي بين الامارة و الاصل و حاصله: انّ الحكم الظاهري حقيقته و روحه ترجيح الاحكام الواقعية الترخيصية و الالزامية المتزاحمة تزاحما حفظيا بحسب ما هو الاهم منها في مقام الحفظ التشريعي، فاذا كانت الاحكام الالزامية اهم حفظت بجعل الزام ظاهري، و ان كانت الاحكام الترخيصية اهم حفظت بجعل الترخيص الظاهري بأيّ لسان كانت صيغة الجعل و المجعول.

و هذه الاهمية الموجبة للترجيح في مقام الحفظ التشريعي تارة تكون بملاك عامل كمّي أعني اكثرية الاصابة للواقع و اقوائية الاحتمال، و اخرى تكون على أساس عامل كيفي أي نوعية المحتمل و اهميته بنفسه أو بلحاظ نكتة موضوعية عارضة من قبيل كون المكلف قد فرغ عن العمل أو له ميل نفساني في الجري على الحالة السابقة أو غير ذلك من الحيثيات و النكات الموضوعية، فكلما كان الترجيح متمحّضا في الاساس الاول أي لم يكن له ملاك الّا قوة الاحتمال و كثرة الاصابة كان ذاك الحكم الظاهري أمارة و كانت لوازمه حجة على القاعدة، لأنّ نسبة هذا العامل و هو قوة الاحتمال الى كل من اللازم و الملزوم على حد واحد من دون فرق بين ان تكون صياغة الحكم في مرحلة الاثبات بعنوان جعل الطريقية و العلمية أو الجري العملي، و اذا لم يكن الترجيح متمحّضا في هذا الاساس بل لوحظ في الترجيح حيثية موضوعية سواء كانت درجة الاصابة و قوة الاحتمال ملحوظة ضمنا أيضا أم لا كان ذاك الحكم الظاهري اصلا عمليا، و لم تكن لوازمه حجة على القاعدة، لأنّ تلك الحيثية الموضوعية كالفراغ مثلا أو اليقين السابق تختص بحسب الفرض بالملزوم و لا تتم في اللوازم.

و على ضوء هذه المنهجة يتضح انّ قاعدة الفراغ و التجاوز تكون من الاصول العملية لا محالة لوضوح اخذ حيثية الفراغ أو التجاوز عن محل‏

26

العمل في موضوعها، و هي حيثية موضوعية يحتمل بل يستطهر دخالتها في الترجيح و جعل هذا الحكم الظاهري من اجله، فليس جعله على اساس ملاحظة مجرد الاذكرية و قوة الاحتمال و ان كان ذلك مأخوذا في جعله أيضا، و بهذا تختلف عن مثل اصالة الحل و البراءة التي لا دليل على انه قد لوحظ في ترجيح الملاكات الترخيصية فيها قوة الاحتمال و درجة الكشف اصلا.

هذا تمام الكلام في المقدمة.

27

ادلة قاعدة الفراغ و التجاوز

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الفصل الأول ادلة قاعدة الفراغ و التجاوز

يمكن ان يستدل على قاعدة الفراغ و التجاوز بوجوه:

الاول- التسالم أو الاجماع على العمل بهذه القاعدة

من قبل الفقهاء في الابواب الفقهية المختلفة.

و فيه- مضافا الى عدم وضوح ذلك في غير باب الصلاة و الطهارات، قوة احتمال استناد الفقهاء في ذلك الى الروايات الكثيرة الدالة عليها، فلا يكون هناك اجماع تعبدي.

الثاني- حجيتها على اساس افادتها للظن‏

، حيث يكون الغالب أنّ الانسان حين العمل يكون ملتفتا و مؤديا للعمل بالنحو الصحيح.

و فيه: اذا أريد من الظن الظن الشخصي فهو ممنوع صغرى غالبا كما انه لا دليل على حجيته كبرى، و ان أريد به الظن النوعي بملاك اصالة عدم الغافلة فهو و إن كان مسلما في الجملة، الا انه لا دليل على حجيته كبرويا الّا بالرجوع الى السيرة العقلائية على اصالة عدم الغافلة، و هو وجه قادم تأتي مناقشته.

الثالث- اثبات حجيتها بملاك اصالة الصحة في العمل‏

الذي مضى بناء على ثبوت اصالة الصحة في الافعال المتصفة بالصحة و الفساد.

30

و فيه- مضافا الى كون الدليل على اصالة الصحة لبيّا لا اطلاق فيه ليرجع إليه في كل مورد، انّ موضوع اصالة الصحة عمل الغير لا عمل الانسان نفسه بخلاف القاعدة، بل هما قاعدتان متباينتان موضوعا و ملاكا و موردا، فانّ اصالة الصحة موضوعها عمل الغير، و نكتتها حمل الغير على الصحة سواء كان بعد الفراغ من العمل أم قبله، و امّا قاعدة الفراغ فموضوعها عمل الانسان نفسه بعد الفراغ عنه، و نكتتها الاذكرية حين العمل و التسهيل بلحاظ حيثية الفراغ. و بهذا يظهر وجه الاشكال فيما افاده المحقق الهمداني‏ (1)، حيث جعل المدرك على هذه القاعدة اصالة الصحة في اعمال المكلف نفسه أو اعمال غيره.

الرابع- اثبات حجيتها بالسيرة.

و السيرة العقلائية تارة يدعى قيامها على قاعدة الفراغ و التجاوز بعنوانها فيكون المنع عنها واضحا، فانه لو أريد منها سيرة العقلاء فمن الواضح انه لا توجد قاعدة عقلائية بعنوان قاعدة الفراغ أو التجاوز في قبال سائر الطرق و القواعد العقلائية، و ان أريد سيرة المتشرعة فهي و ان كانت مسلمة في الجملة الّا انه من المظنون قويا كون المدرك و المبنى لها الاخبار القادمة، فلا يمكن اعتبارها دليلا لبيّا اخر في قبالها.

و اخرى يدعى بناء العقلاء على صحة العمل عند الشك فيه بعد ان فرغ عنه أو تجاوز محله من باب اصالة عدم الغافلة العقلائية.

فيلاحظ عليه:

أو لا- انّ اصالة عدم الغافلة العقلائية موردها الإخبار و الشهادة، و ملاكها انّ الاصل في الانسان العاقل انه ملتفت و لا يغافل عن القرائن و الخصوصيات المغيّرة للمعنى سواء في مقام السماع و التلقي أم النقل و الحكاية، و لهذا يجري هذا الاصل حتى حين النقل و الشهادة و لا يرتبط بمسألة الفراغ عن العمل و لا توجد اصالة عدم‏

____________

(1)- مصباح الفقيه، كتاب الطهارة، ص 210.

31

الغافلة في كل فعل يرتكبه الانسان سواء ما يرجع الى نفسه أم الى غيره، بل لا توجد اصالة عدم الغافلة في سماع الانسان نفسه للقرينة أو رؤيته لها في باب تحمل الشهادة اذا احتمل انّ هناك قرينة غفل عن سماعها أو رؤيتها، و انما النافي لذلك التفاته التكويني المورث للاطمئنان أو اليقين بالعدم.

و الحاصل: اصالة عدم الغافلة أولا موضوعها فعل الغير، و ثانيا موردها تحمل الشهادة و النقل لا كل فعل، أي الغافلة بمعنى الخطأ في العلم الحسي و هو يجري حتى حين العمل أي غير مشروط بالفراغ عن العمل.

ثانيا- انّ اصالة عدم الغافلة بهذا المعنى اصل عقلائي لفظي، أي تكون لوازمه حجة في باب الدلالات، فاذا كانت هي مدرك هذه القاعدة لزم حجية لوازمها أيضا عند العقلاء، و لزم حمل اطلاق الاخبار الواردة بشأنها على ذلك، و هذا ما لم يلتزم به احد من الفقهاء.

و هكذا يتضح عدم صحة الاستدلال على القاعدة بالسيرة، و مجرد ارتكازية ما ورد في ذيل بعض الروايات من الاذكرية و عدم الغافلة لا يعني حجية هذه الكاشفية و قوة الاحتمال المعبر عنه بالاذكرية لدى العقلاء.

الخامس- [التمسك بادلة نفي العسر و الحرج‏]

ما قد يظهر من عبائر الفقيه الهمداني في طهارته‏ (1) من الاستدلال على هذه القاعدة بادلة نفي العسر و الحرج و عموم التعليل الوارد في قاعدة اليد و السوق من انه لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق، و انه لو فرض لزوم اعتناء المكلف بكل ما يشك فيه من اعماله الماضية من عباداته أو معاملاته و عدم البناء على صحتها لضاق العيش عليه و لا ختل نظام المعاش و المعاد، لانه ما من مكلف الّا و يشك في اعماله الماضية بعد مرور زمن عليها.

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

32

و يلاحظ عليه:

أولا- منع الصغرى، باعتبار عدم كثرة شك المكلف في افعاله الماضية بالنسبة إليه، نعم هذا يتم في اعمال الآخرين، فانّ كل مكلف يشك في صحتها و بطلانها، و لهذا حاول المحقق المذكور ان يسوق البابين مساقا واحدا بملاحظة مجموع افعال المكلف نفسه و افعال الآخرين و لزوم الحكم بصحتها. و قد تقدم انه خلط بين اصالة الصحة و القاعدة، و هما متباينتان موضوعا و نكتة و موردا، بل المكلف بالنسبة لافعاله يطمئن كثيرا بادائها طبق شرائط الصحة فلا يلزم من الاعتناء في موارد الشك اختلال النظام أو العسر و الحرج.

و ثانيا- منع الكبرى، فانّ هذا الاستدلال يشبه الاستدلال بدليل الانسداد و اثبات حجية الظن به بدعوى انه لو كان يجب الاحتياط في كل الشبهات لزم اختلال النظام أو العسر و الحرج، و هو غير سديد، اذ توجد مجموعة من القواعد و الاصول المؤمنة الاخرى التي جعلها الشارع في موارد الشك و التي بها يرتفع الحرج و المشقة، فانّا اذا لاحظنا العبادات السابقة فما لا يكون لها اعادة و لا قضاء لا يترتب اثر على الشك في صحتها بعد العمل، و ما يكون لها اعادة في الوقت و قضاء خارجه فحيث انّ القضاء يكون بأمر جديد كان الشك في صحتها بعد الوقت محكوما بقاعدة الحيلولة أو البراءة عن التكليف، هذا مضافا الى الاستصحاب المحرز الذي قد يحرز به الشرط المشكوك في وجوده أو ينفي به المانع المشكوك انتفاؤه، و كذلك الحال في المعاملات اذا شك في صحتها بعد العمل و كان يترتب على فسادها اثر عملي بالفعل. على أنّ افتراض الشك في صحة اداء المعاملة اقل بكثير من الشك في صحة العبادة لعرفيتها و وضوح امرها و بساطة شرائطها، فلا يبقى الّا موارد الشك في صحة العبادة التي لها اعادة بعد الفراغ عنها في الوقت، و واضح انّ هذا المقدار لا يلزم من الاحتياط فيه الحرج و العسر فضلا عن اختلال النظام.

و ثالثا- لو تم هذا الدليل فغايته اثبات الترخيص بمقدار يرتفع به العسر و الحرج‏

33

أي التبعيض في الاحتياط بالمقدار الذي يرتفع به الحرج فلا يمكن اثبات القاعدة بمثل هذا الاستدلال، بل المكلف يجب عليه الاعتناء كلما شك في عمل قد مضى عنه من اوّل عمره الى ان يصل الى حد بحيث يلزم من الاعتناء المشقة و الحرج فيرفع اليد عن الاحتياط بمقداره و بلحاظ ما ليس بمهم من التكاليف، أو يكون احتمال الخلل فيه موهونا نظير ما يقال في نتيجة دليل الانسداد، و امّا الاستدلال بما في ذيل روايات حجية اليد و السوق فأجنبي عن محل الكلام بالمرة كما هو واضح.

السادس- الاخبار الخاصة

و هي العمدة في مستند القاعدة، و هي روايات عديدة مستفيضة أكثرها معتبرة، بعضها وارد في الشك في الوضوء، و بعضها الآخر في الشك في الصلاة، و بعضها في البابين معا، و هي كما يلي:

1- صحيح محمد بن مسلم (عن أبي عبد اللّه (ع) في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: فقال لا يعيد و لا شي‏ء عليه) (1).

2- صحيحه الآخر (عن أبي جعفر (ع) قال: كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض و لا تعد) (2).

3- و موثقه الآخر (عن أبي جعفر (ع) قال: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) (3)، و هذه الموثقة قد يقال بامتيازها باعتبار عمومها لكل شي‏ء، و سوف يأتي البحث عن ذلك في الفصل الثالث.

4- صحيح زرارة قلت لأبي عبد اللّه (ع) (رجل شك في الاذان و قد دخل في الاقامة قال يمضي .... ثم قال: يا زرارة اذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء) (4)، و هي أيضا قد يدعى استفادة العموم و القاعدة العامة من ذيلها الظاهر في التعليل و اعطاء الضابطة الكلية، كما انها واردة في الشك داخل‏

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 5، ص 342. باب 27 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1، ح 2.

(2)- وسائل الشيعة، ج 5، ص 342. باب 27 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1، ح 2.

(3)- وسائل الشيعة، ج 5، ص 336. باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 3، ح 1.

(4)- وسائل الشيعة، ج 5، ص 336. باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 3، ح 1.

34

العمل، و من هنا قيل انها من ادلة قاعدة اخرى هي قاعدة التجاوز، و سوف يأتي البحث عن ذلك في الفصل القادم.

5- صحيح محمد بن مسلم المنقول بسند الشيخ الصدوق عن أبي جعفر (ع) (في رجل شك بعد ما سجد انه لم يركع، فقال: يمضي في صلاته حتى يستيقن انه لم يركع)، (1) و هي أيضا واردة في الشك داخل الصلاة. و رواها الشيخ و ابن ادريس أيضا مع شي‏ء من التغيير.

6- صحيح حماد بن عثمان (قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): اشك و انا ساجد فلا ادري ركعت أم لا قال: امض) (2) و بسند اخر إليه قال: (قد ركعت، امضه) (3)، و هي كسابقتها.

7- موثقة اسماعيل بن جابر (قال: قال ابو جعفر (ع): ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه) (4). و هي كسابقتها باضافة التعليل الكلي في ذيلها.

8- صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، قال: قد ركع)، (5) و هي أيضا في الشك داخل العمل، و قد يستفاد منها عدم اشتراط الدخول في الغير في جريان قاعدة التجاوز، و سوف يأتي الحديث عن ذلك في فصل قادم.

9- رواية علي بن جعفر في قرب الاسناد- و في السند عبد اللّه بن الحسن- الذي لم يذكر بتوثيق عن أخيه موسى (ع): (قال: سألته عن رجل ركع و سجد و لم يدر هل كبّر أو قال شيئا في ركوعه و سجوده هل يعتد بتلك الركعة و السجدة؟ قال:

اذا شك فليمض في صلاته) (6)، فانّ فرض السائل بصيغة الماضي و تعبير

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 4، ص 936- 937. الباب 13 من ابواب الركوع، ح 7، ح 1، ح 2، ح 4، ح 6.

(2)- وسائل الشيعة، ج 4، ص 936- 937. الباب 13 من ابواب الركوع، ح 7، ح 1، ح 2، ح 4، ح 6.

(3)- وسائل الشيعة، ج 4، ص 936- 937. الباب 13 من ابواب الركوع، ح 7، ح 1، ح 2، ح 4، ح 6.

(4)- وسائل الشيعة، ج 4، ص 936- 937. الباب 13 من ابواب الركوع، ح 7، ح 1، ح 2، ح 4، ح 6.

(5)- وسائل الشيعة، ج 4، ص 936- 937. الباب 13 من ابواب الركوع، ح 7، ح 1، ح 2، ح 4، ح 6.

(6)- وسائل الشيعة ج 5، ص 337. الباب 23 من ابواب الخلل في الصلاة، ح 9.

35

الامام (ع) بالمضي في الجواب ظاهر في ان النظر الى الشك بعد المضي و التجاوز فتكون من ادلة القاعدة.

و امّا معتبرة الفضيل بن يسار (قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): استتمّ قائما فلا ادري ركعت أم لا؟ قال: بلى قد ركعت، فامض في صلاتك فانما ذلك من الشيطان) (1) فهي ناظرة الى قاعدة اخرى هي قاعدة لا شك لكثير الشك أو الوسواسي، لانّ السؤال فيها عن الشك في المحل الذي يجب فيه الركوع على القاعدة. كما صرحت بذلك روايات كثيرة. و يشهد على ذلك التعبير في ذيل الجواب (فانما ذلك من الشيطان)، بل التعبير ب (استتم) أيضا ظاهر في انه قام بعد الركوع، فيكون شكه من الوسواس.

10- رواية محمد بن مسلم و قد نقلها الشيخ الصدوق باسناده إليه، الا انّ في اوّل سنده احمد بن عبد اللّه البرقي و ابوه، و كلاهما لم يذكرا في كتب الرجال، و ان كان المظنون وثاقتهما، و رواها صاحب الوسائل نقلا عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن مسلم، و هذا الطريق- أعني طريق ابن ادريس- الى كتاب محمد بن علي بن محبوب نفس طريق الشيخ، و فيه احمد بن محمد بن يحيى العطار الذي لم يذكر بتوثيق أيضا، و ان كان المظنون وثاقته، عن أبي عبد اللّه (ع) انه قال: (اذا شك الرجل بعد ما صلى فلم يدر اثلاثا صلى أم أربعا و كان يقينه حين انصرف انه كان قد اتم لم يعد الصلاة، و كان حين انصرف اقرب الى الحق منه بعد ذلك) (2).

و قد استدل جملة من الاعلام بها في المقام و استفيد من التعليل في ذيلها العموم و الضابطة الكلية على وزان ما سيأتي في روايات الوضوء انه حين العمل اذكر منه حين الشك، الّا انّ في النفس منه شي‏ء، لانّ المذكور فيها انه كان على يقين‏

____________

(1)- وسائل الشيعة ج 4، ص 936.

(2)- وسائل الشيعة، ج 5، ص 343. الباب 27 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 3.

36

حين انصرف من الاتيان بالاربع و انما شك بعد ذلك فيكون من الشك الساري، فظاهرها جعل قاعدة اليقين لا الفراغ، اللهم الّا ان يحمل كلمة اليقين حين انصرف على عدم التردد العملي و عدم الغافلة حين العمل، فتكون الرواية بذلك دليلا على اشتراط احتمال الا ذكرية حين العمل على ما سوف يأتي في محله.

11- صحيح محمد بن مسلم بسند الشيخ الى الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن ابي أيوب، عن ابن مسلم (رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة، قال: يمضي على صلاته و لا يعيد) (1).

و ظاهره الشك في أصل الوضوء للصلاة لا الشك في صحة الوضوء و هو واضح.

12- صحيح محمد بن مسلم قال: (سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك فيه) (2)، و قد يقال بانّ هذه الصحيحة من ادلة نفي الاعادة من الخلل المعلوم حصوله، حيث لم يفرض الشك فيه و انما فرض تذكره تذكرا المناسب مع نسيانه حين العمل.

الا انّ الانصاف إرادة الشك من قوله (فذكرته تذكرا) لا النسيان، لانّ هذا هو ظاهر عنوان التذكر، كما انه المناسب مع قوله: (فامضه) الذي يعني احتمال وجوده بناء على رجوع الضمير الى الشي‏ء المشكوك الذي تذكره لا الى الصلاة و الطهور، كما ان ذكر الطهور قرينه على ذلك، اذ لا اشكال في وجوب الاعادة مع نسيان الطهور كما صرحت بذلك روايات اخرى كثيرة.

13- موثقة بكير بن اعين قال: (قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ، قال:

هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) (3) و لا يضر الاضمار فيها كما لا يخفى.

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 1، ص 331، الباب 42 من ابواب الوضوء، ح 5.

(2)- نفس المصدر، ح 6.

(3)- المصدر السابق، ص 331، ح 7.

37

14- موثق ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (ع) قال: (اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء، انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) (1).

15- صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) و فيها: (فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرحت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‏ء عليك فيه) (2).

و في ذيلها الوارد في غسل الجنابة أيضا: (فان دخله الشك و قد دخل في صلاته (في حال اخرى في نسخة الكافي) فليمض في صلاته و لا شي‏ء عليه) (3).

16- صحيحة محمد بن مسلم (في الذي يذكر انه لم يكبر في اوّل صلاته، فقال: اذا استيقن انه لم يكبّر فليعد و لكن كيف يستيقن؟!) (4) و هي صريحة في انّ الميزان هو حصول اليقين بالخلل، فلا يكفي الشك اذا كان قد دخل في صلاته.

17- صحيحة زرارة و بكير بن أعين: (اذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها و استقبل صلاته استقبالا اذا كان قد استيقن يقينا) (5)، و مثلها رواية محمد بن مسلم‏ (6) و هما أيضا واضحتان في الدلالة على انّ الميزان هو حصول اليقين بالخلل و عدم الاعتناء بالشك فيه بعد الفراغ عن الصلاة بناء على عدم جريان استصحاب عدم الزيادة لا ثبات صحة الصلاة.

18- ما في الجعفريات باسناده عن جعفر بن محمد (ع)، عن ابيه (ع) قال:

(من شك في وضوئه بعد فراغه فلا شي‏ء عليه) (7).

____________

(1)- المصدر السابق، ص 330، ح 2.

(2)- المصدر السابق، ص 330، ح 1.

(3)- المصدر السابق، ص 524، ح 2.

(4)- وسائل الشيعة، ج 4، الباب 2 من ابواب تكبيرة الاحرام، ح 2، ص 716.

(5)- وسائل الشيعة، ج 5، الباب 19 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 1، ص 332.

(6)- المصدر السابق، ح 5.

(7)- جامع احاديث الشيعة، ج 2، ص 342.

38

19- ما في الدعائم عن جعفر بن محمد (ع): (من شك في شي‏ء من صلاته بعد ان خرج منه مضى في صلاته، و ان شك في شي‏ء من الصلاة بعد ان يسلم منها لم تكن عليه اعادة) (1).

20- مرسلة الصدوق: (انك ان شككت ان لم تؤذن و قد أقمت فامض ...

و كل شي‏ء شككت فيه و قد دخلت في حالة اخرى فامض و لا تلتفت الى الشك إلّا ان تستيقن) (2) الا انّ المظنون أنها رواية اسماعيل المتقدمة و قد نقلها بالمعنى.

21- رواية قرب الاسناد التي قد يتوهم دلالتها على التفصيل في جريان القاعدة في خصوص باب الوضوء بين الشك بعد الفراغ عن الصلاة و الشك قبله لانها تقول: (سألته عن رجل يكون على وضوء و يشك على وضوء هو أم لا؟ قال:

اذا ذكر و هو في صلاته انصرف فتوضأ و أعادها، و ان ذكر و قد فرغ عن صلاته اجزأه ذلك) (3).

الا أنها ضعيفة السند بعبد اللّه بن الحسن.

كما انه قد يقال- بأن ظاهرها الغاء الاستصحاب أيضا، لانه افترض انّ حالته السابقة كانت هي الوضوء، فلا بدّ و ان تحمل على الاستحباب، لانّ هذا هو المتيقن من ادلة الاستصحاب الواردة في الوضوء او تحمل على الشك الساري.

و المهم انّ مورد هذه الرواية هو الشك في اصل الطهور للصلاة لا الشك في صحة الوضوء الذي قد فرغ عنه المكلف، و في مورد الشك في اصل الطهور سوف يأتي انه لا تجري قاعدة الفراغ و لا التجاوز في اثناء الصلاة، اذ لو اريد اجرائها عن الوضوء فالمفروض عدم احراز وضوء يشك في صحته، و ان اريد اجرائها عن الصلاة فالمفروض عدم الفراغ عنها و عدم تجاوز محل الشرط و هو الطهور في كل الصلاة و التي منها هذا الكون الصلاتي الذي هو فيه فلا تجري القاعدة بلحاظ

____________

(1)- المصدر السابق، ج 5، ص 580.

(2)- الهداية للصدوق، ص 32 (ط، ج).

(3)- وسائل الشيعة، ج 1، ص 333، باب 44 من ابواب الوضوء، ح 2.

39

الشك في اصل الطهور الّا اذا فرغ من اصل الصلاة، فمضمون هذه الرواية ثابت على مقتضى القاعدة، فتكون دليلا على قاعدة الفراغ لو لا ضعف سندها.

22- رواية ابن ادريس نقلا عن كتاب حريز في مستطرفات السرائر و فيها:

(و ان دخله الشك بعد ان يصلّي العصر فقد مضت إلا أن يستيقن، لأن العصر حائل فيما بينه و بين الظهر فلا يدع الحائل لما كان من الشك الّا بيقين) (1).

و فيه: أولا- ضعف السند لعدم العلم بطريق ابن ادريس الى كتاب حريز.

و ثانيا- انها تدل على قاعدة اخرى هي الحيلولة، و هي مباينة موضوعا و ملاكا مع قاعدة الفراغ خصوصا بملاحظة التعليل الوارد في ذيلها و هذا واضح.

23- بعض روايات المضي عند الشك في عدد الاشواط في الطواف‏ (2).

و فيه: ان ظاهر الرواية ان موردها هو الشك الحاصل في العدد حين الطواف و الذي قد يحصل للمكلف حتى مع الالتفات حين الطواف باعتبار صعوبة الحفظ و سرعة حصول الشك في العدد غاية الأمر المكلف في مورد السؤال لم يعتن بشكّه و خرج من مكة فيكون نفي البأس عنه بملاك اخر غير ملاك القاعدة من جهتين:

1- ان مورد القاعدة عدم الاعتناء بالشك الحاصل بعد العمل بينما مورد هذه الرواية الشك الحاصل حين العمل و الباقي الى ما بعد الخروج عن مكة.

2- ان الشك في العدد يحصل من ناحية صعوبة الحفظ لا من ناحية الغافلة المنفيّة بالأذكريّة حين العمل، و هكذا يكون المستفاد من هذه الرواية عدم الاعتناء بالشك بعد الخروج من مكة بنكتة تسهيلية اخرى لا ربط لها بقاعدة الفراغ أو التجاوز.

هذه أهم روايات الباب، و لا اشكال في دلالتها على امرين:

الاول- عدم الاعتناء بالشك الحاصل بعد اكمال العمل في صحة العمل في‏

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 3، ص 205، باب 60 من ابواب المواقيت، ح 2.

(2)- وسائل الشيعة، ج 9، ص 433، الباب 33 من ابواب الطواف.

40

الوضوء و الصلاة معا، و هذا هو المعبر عنه عندهم بقاعدة الفراغ.

الثاني- عدم الاعتناء بالشك الحاصل داخل الصلاة بالنسبة الى الجزء الذي تجاوز عن محله، و هو المعبر عنه عندهم بقاعدة التجاوز، و انما البحث و النقاش في كون المطلبين امرا واحدا أو أمرين و قاعدتين، و في كونها قاعدة عامة تجري في غير باب الصلاة أيضا أم خاصة بها و في حدودها؟ و هذه جهات من البحث تأتي في الفصول القادمة تباعا.

41

وحدة القاعدة و تعددها

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

الفصل الثاني وحدة القاعدة و تعددها

اختلفت كلمات المحققين حول قاعدة الفراغ و التجاوز، و انهما هل ترجعان الى قاعدة واحدة أو قاعدتين؟ و قد ذهب مشهور المتأخرين الى التعدد و انّ قاعدة الفراغ تعبد بصحة المركب المفروغ عن وجوده، بينما قاعدة التجاوز تعبد بوجود الجزء المشكوك في وجوده بعد تجاوز محله مستندين في ذلك الى نكات بعضها ثبوتية و بعضها الآخر اثباتية.

[المحاولات المذكورة للتوحيد بين القاعدتين‏]

و في قبال ذلك توجد محاولات ثلاث للتوحيد بين القاعدتين:

احداها- ما صنعه الشيخ الاعظم (قدّس سرّه) من ارجاعهما الى قاعدة واحدة جامعة بين القاعدتين مفادها التعبد بوجود المركب الصحيح خارجا سواء كان الشك في صحة المركب الموجود أم في وجود جزئه.

الثانية- ما صنعه الميرزا (قدّس سرّه) من انّ المجعول انما هو قاعدة الفراغ فقط، و امّا التجاوز فهو توسعة موضوعية بحسب الحقيقة لقاعدة الفراغ في خصوص باب الصلاة بافتراض كل جزء من اجزائها كالمركب التام.

الثالثة- ما ذهب إليه جملة من الاعلام من رجوع قاعدة الفراغ الى قاعدة التجاوز.

44

و لنشرع في توضيح كل واحدة من هذه المحاولات و ما يمكن ان يثار بوجهها، فنقول:

اما المحاولة الأولى- [ما ذهب إليه الشيخ الاعظم (قدّس سرّه) من ارجاعهما الى قاعدة واحدة جامعة بين القاعدتين.]

فقد استظهر الشيخ (قدّس سرّه) من وحدة سياق روايات الباب و ألسنتها انّ المجعول فيها امر واحد هو التعبد بوجود المركب الصحيح سواء كان الشك في صحته أم في وجود جزئه، و هذا جامع بين القاعدتين معا.

و قد ناقش الميرزا (قدّس سرّه) و جملة من المحققين من علماء الاصول في هذه المحاولة بمناقشات عديدة يمكن تلخيصها ضمن خمس مناقشات، بعضها يرجع الى نكات ثبوتية، و بعضها الى نكات اثباتية:

المناقشة الاولى‏

- انّ هذا خلاف ظاهر ادلة قاعدة الفراغ اثباتا، فمثل قوله (ع): (كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك) ظاهر عرفا في التعبد بصحة الموجود لا وجود الصحيح، و قد وافق جملة من المحققين على هذا الاستظهار و لم يناقشوا فيه، و نحن نؤجّل الحديث عنه الى المحاولة الثالثة القادمة.

المناقشة الثانية

- عدم وجود جامع بين مفاد القاعدتين، لانّ المجعول في احداهما التعبد بوجود المشكوك بنحو مفاد كان التامة، و في الاخرى التعبد بصحة الموجود بنحو مفاد كان الناقصة، و لا جامع بين مفاد كان التامة و مفاد كان الناقصة.

و ما ذكر في هذه المحاولة من التعبد بوجود الصحيح ليس الّا مفاد كان التامة أيضا الّا انه اضيف الى المركب لا الجزء فلا ينتج صحة الموجود الّا بنحو الاصل المثبت، فاذا اريد ترتيب الاثر على مفاد كان الناقصة- أعني صحة المركب الموجود- كما في المعاملات بالمعنى الاعم عند الميرزا (قدّس سرّه)، حيث انه في باب التكاليف يكفي في مقام الامتثال التعبد باتيان المركب العبادي الصحيح، و كما في العبادات أيضا في بعض الموارد عند المحقق العراقي (قدّس سرّه) حيث أفاد بانّ مثل سجود السهو و قضاء الاجزاء المنسية اثر مرتب على صحة الموجود لا وجود الصحيح فلا يمكن ترتيبه بالتعبد بوجود الصحيح.

45

و قد اجيب عن هذه المناقشة في كلمات بعض الاعلام‏ (1) بما يمكن ارجاعه الى احد جوابين:

الأول- و هو ما يظهر من صدر كلامه، انّ الاطلاق ليس جمعا بين القيود و انما هو رفض لها فيمكن ان يكون موضوع القاعدة الجامعة هو الشي‏ء، أي المركب المشكوك فيه بعد تجاوزه و مضيه سواء كان الشك في وجوده بنحو مفاد كان التامة أم في صحته بنحو مفاد كان الناقصة، فانّ الاطلاق لا يعني ملاحظة خصوصية الفردين من حيث كون الشك فيه بنحو مفاد كان التامة أو الناقصة، و انما يعني الغاء كل منهما و اخذ جامع الشك في الشي‏ء الاعم من كونه في الصحة أو في الوجود، ألا ترى انّ دليل حجية البينة يجعلها حجة مطلقا، أي سواء قامت على صحة الموجود المشكوك فيه أو وجود الجزء المشكوك في وجوده.

و هذا الكلام غير تام، لانّ الشك لا بدّ من اضافته الى شي‏ء، فاذا أضيف الى الشي‏ء أو العمل كان مفاده الشك في وجوده الذي هو مفاد كان التامة، و اذا اضيف الى نسبة شي‏ء الى شي‏ء كنسبة الصحة الى العمل كان مفاده الشك في صحة الموجود بنحو مفاد كان الناقصة، و لا يوجد جامع بين الاضافتين ليضاف إليه الشك ليكون مطلقا شاملا لهما معا. و منه يظهر انّ ما ذكر في الجواب من انّ الاطلاق ليس جمعا بين القيود لا ربط له بالاشكال، فانه لم يكن الاشكال في الجمع بين الاضافتين بل في الجامع بينهما، و لا اشكال في انّ الاطلاق بحاجة الى الجامع بين الافراد سواء كان الاطلاق جمعا للقيود أو رفضا لها. كما ظهر عدم صحة قياس ذلك بجعل الحجية للبينة، فإنّ المجعول فيه حجية البينة مع قطع النظر عن مفادها بينما المطلوب في المقام التعبد بمتعلق الشك في المركب، و الشك اذا اضيف الى نفس المركب كان مفاده الشك في الوجود الذي هو مفاد كان التامة، و اذا اضيف الى صفة المركب و هي صحته كان مفاده الشك في النسبة

____________

(1)- راجع مصباح الاصول، ج 3، ص 271.

46

الذي هو مفاد كان الناقصة، و لا جامع بين النسبتين، و الجامع الذي ذكره الشيخ بنفسه هو مفاد كان التامة أيضا، غاية الأمر اضيف الى المركب بما هو مركب لا الجزء فاذا فرض ترتب الأثر على صفة الصحة للمركب لم يمكن اثباته بذلك.

نعم لو كان المجعول في ادلة القاعدة حجية الإرادة و تذكر المكلف حين العمل سواء كان تذكره للصحة أو لوجود الجزء فيكون كالبينة، الا انّ هذا خلاف المستفاد من ظاهر الادلة من التعبد بالمشكوك. و امّا اضافة الشك الى عنوان مبهم كعنوان الشي‏ء المنطبق على النسبة التامة و الناقصة معا بدعوى انّ كلّا منهما شي‏ء على كل حال فيكون جامعا بين مفاد كان التامة و الناقصة، و بعبارة اخرى مفاد كان الناقصة فرقها عن مفاد كان التامة من حيث دخالة النسبة و الاتصاف و هذا شي‏ء أيضا فيشمله عنوان الشك في شي‏ء من المركب سواء كان جزءا أم وصفا أم نسبة فيكون التعبد بها جميعا عند الشك في شي‏ء منها، فهذا مضافا الى ما سوف يأتي من انه خلاف الظاهر إثباتا اذ المفروض اضافة الشك في الروايات الى العناوين التفصيلية و ان عبر في بعضها بالشك في شي‏ء من طهورك و صلاتك، الا انّ ظاهر ذلك إما الشك في وجود الاجزاء و الشرائط من المركب- اذا كانت من للتبعيض- أو الشك في وصف الصحة للمركب- اذا كانت من بيانية- غير تام ثبوتا، لانّ اثبات الوصف أو الاتصاف بنحو مفاد كان التامة لا يثبت اتصاف الموضوع بالوصف الّا بنحو الاصل المثبت، فاذا اريد تطبيق عنوان الشي‏ء الانتزاعي على كل من الوصف و النسبة كان اصلا مثبتا، و اذا اريد تطبيقه على نفس ثبوت شي‏ء لشي‏ء بدعوى انه شي‏ء أيضا ففيه: انّ مفهوم الشي‏ء مفهوم اسمي فلا يمكن ان ينطبق على النسبة لتباين المعاني الاسمية و الحرفية، على انّ اضافة الشك الى الشي‏ء يعني الشك في وجوده فكان المقدر الوجود و الكون التام فلا يصدق في موارد تعلق الشك بنفس النسبة و الكون الناقص الّا بعنايات و اشارات فائقة ترجع الى التصريح بالمفادين معا بنحو الجمع مع العطف ب (أو) لا بنحو الجامع، نعم يمكن تصوير الجامع بان يكون المجعول‏

47

صحة العمل الذي تجاوز المكلف محل منشأ الشك في صحته، الّا انّ هذا عنوان انتزاعي لا ينسجم مع مباني القوم في حقيقة الحكم الظاهري و انما يصح على مبانينا، و سوف يأتي مزيد شرح لذلك.

و لعل هذا هو مقصود المحقق العراقي (قدّس سرّه) حينما قال بانه لا يوجد جامع قريب بين مفاد كان الناقصة و مفاد كان التامة (1).

الثاني- ما يظهر من ذيل كلامه من أنّ الشك في الصحة بالدقة يرجع الى الشك في الوجود، لانّ وصف الصحّة منتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به، فالشك في الصحة دائما مسبب عن الشك في وجود جزء أو شرط، فلا مانع من جعل قاعدة شاملة لموارد الشك في الوجود و الشك في الصحة معا.

و هذا الكلام لو أريد به انّ الشك في صحة ذات المركب المبهم من حيث تحقق اجزائه و شرائطه حيث انه مسبب عن الشك في وجود جزئه أو شرطه فقاعدة الفراغ تعبدنا بحسب الحقيقة بوجود ذلك الجزء أو الشرط المشكوك فينتفي الشك في الصحة لكونه مسببيا، فهذا جوابه انّ الصحة ليست حكما شرعيا بل حكم عقلي على ما سوف يأتي، فلا يكون الترتب شرعيا، فيكون من الاصل المثبت.

و ان اريد به كفاية التعبد بوجود الجزء عن التعبد صحة الموجود، فهذا يعني إلغاء قاعدة الفراغ و ان تكون هناك قاعدة واحدة فقط هي قاعدة التجاوز، و هذا يرجع الى المحاولة الثالثة التي لا يمكن أن تتم الّا باثبات رجوع قاعدة الفراغ الى ذلك ثبوتا و بلحاظ الاثر العملي، مع وضوح أنّ مثل حرمة قطع الصلاة مثلا موضوعها صحة الصلاة الخارجية لا وقوع صلاة صحيحة في الخارج فانه لا يثبت حرمة قطع هذه الصلاة التي بيد المكلف الّا بنحو مثبت، و سوف يأتي مزيد توضيح لذلك.

____________

(1)- راجع نهاية الافكار، القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 38.

48

و هكذا يتضح انه بناء على ما يفترضه المشهور من لزوم تعبدين ظاهريين، التعبد بوجود المشكوك في وجوده، و التعبد بصحة الموجود و ترتب اثر على كل منهما لا يمكن تصوير جامع حقيقي قريب بين التعبدين ليمكن استفادته من الروايات، فالمناقشة الثانية تامة على هذه المنهجة للبحث.

المناقشة الثالثة-

انّ قاعدة الفراغ حيث انّ موضوعها الشك في صحة المركب من ناحية الشك في توفر جزئه أو شرطه يكون الشك مضافا فيه الى المركب، فلا محالة لا بد من ملاحظة المركب بنحو الاستقلال و ملاحظة اجزائه و شروطه بالتبع و ضمنا، بينما قاعدة التجاوز موضوعها الشك في تحقق الجزء من المركب، فلا بدّ من ملاحظته مستقلا و ملاحظة المركب الكل الذي يضاف إليه ذلك الجزء بالتبع، و لا يمكن الجمع بين هذين اللحاظين في جعل واحد و لحاظ واحد للتهافت بينهما. و هذه استحالة اخرى غير ما تقدم من المناقشة السابقة فانها كانت تثبت عدم الجامع بين المحمولين و المجعولين في القاعدتين و هذه تثبت عدم الجامع بين موضوعيهما أيضا مع قطع النظر عن المحمولين.

و قد اجيب عن هذه المناقشة في كلمات بعض الاعلام‏ (1) بوجوه ثلاثة:

الاول- النقض بانّ قاعدة الفراغ لا اختصاص لها بالشك في صحة الكل حتى على القول بالتعدد، بل تجري عند الشك في صحة الجزء أيضا، فيلزم المحذور على كل حال، و ما به الجواب على تقدير التعدد يكون به الجواب على تقدير الوحدة.

و هذا الجواب غريب، فانّ جريان قاعدة الفراغ عن الجزء لا يعني انّ موضوعها هو الشك في وجود الجزء، بل الشك في صحة ذلك الجزء المشكوك في شرطه أو جزئه الذي هو جزء الجزء للمركب، و هذا يعنى انّ ذلك الجزء بحسب الحقيقة مركب قد احرز اصل وجوده و يشك في صحته بلحاظ الشك في تحقق شرطه أو جزئه، و يكون تطبيق القاعدة عليه بمعنى التعبد بصحته لا التعبد بوجود ذلك‏

____________

(1)- راجع مصباح الاصول، ج 3، ص 273.

49

الجزء أو الشرط المشكوك فيه الّا اذا لوحظ ذلك الجزء استقلالا و هو خلف اضافة الشك الى صحة الموجود.

فالحاصل: لا ربط لمسألة جريان قاعدة الفراغ عن الاجزاء المشكوك في صحتها بعد الفراغ عن اصل وجودها بهذه المناقشة اصلا، لانه لا يعني جريان قاعدة الفراغ عن الجزء المشكوك و التعبد بوجوده كما هو المطلوب، و المحذور المذكور انما يلزم لو اريد استفادة التعبدين معا، و قاعدة الفراغ حتى لو جرت عن الجزء المشكوك في صحته داخل العمل لا تجزي عن جريان قاعدة التجاوز بلحاظ الجزء المشكوك في وجوده، و سوف يأتي مزيد توضيح لهذه النكتة مفصلا.

الثاني- ما تقدم من امكان تصوير الجامع بين الشك في المركب و الشك في الجزء بعنوان انتزاعي هو الشي‏ء المنطبق على المركب و الجزء معا.

و فيه: انّ الشك في الشي‏ء اذا قيد بان يكون اصل ذلك الشي‏ء متحققا في الخارج- كما هو موضوع قاعدة الفراغ- لم يشمل موارد قاعدة التجاوز، اذ الشك فيها في اصل ذلك الجزء كالركوع من دون تحقق شي‏ء منه، و ان لم يكن مقيدا بهذا القيد لزم صدق قاعدة الفراغ في مورد الشك في تحقق اصل المركب و لو بعد الحائل، و لا اظن انه يلتزم بذلك.

الثالث- ما تقدم من انّ الشك في الصحة أيضا في مورده شك في وجود الجزء المشكوك بنحو مفاد كان التامة فليكن موضوع القاعدتين معا الشك في جزء المركب أو قيده.

و فيه: ما تقدم من انّ هذا الغاء لقاعدة الفراغ رأسا- بناء على مسالك القوم في حقيقة الحكم الظاهري- لا تصوير للجامع و ترتيب آثار القاعدتين معا نعم يتم هذا الجواب بناء على المسلك الحق على ما سوف يأتي شرحه.

المناقشة الرابعة-

و قد نسبها الشيخ الاعظم (قدّس سرّه) الى الشيخ الكبير كاشف الغطاء (قدّس سرّه) و حاصلها: انّ موضوع قاعدة الفراغ يسند فيه المضي الى نفس العمل المشكوك في صحته لأنه متحقق في الخارج حقيقة بينما موضوع قاعدة

50

التجاوز يسند فيه المضي الى محل الجزء المشكوك في وجوده لا نفسه، اذ لا يحرز وجوده لكي يؤخذ مضيه في الموضوع بل لا بد امّا من إضافة المضي فيه الى محله أو اسناده إليه مجازا، و الاضافتان الحقيقية و المجازية بأحد النحوين المذكورين لا يمكن جمعهما في اسناد واحد و استعمال واحد، فانه اشبه بالاستعمال في اكثر من معنى المحال أو غير الواقع في المحاورات العرفية على الأقل.

و قد اجيب عن هذه المناقشة بجوابين متغايرين، فادعى جملة من الاعلام‏ (1) بانّ التجاوز يضاف الى المحل في كل من قاعدة التجاوز و الفراغ، لانّ في مورد قاعدة الفراغ أيضا يكون محل العمل المشكوك ماضيا.

و اجاب المحقق العراقي (قدّس سرّه) (2) بانّ التجاوز أو المضي مضاف الى العمل لا المحل، غاية الامر في مورد قاعدة التجاوز يكون اسناد التجاوز الى الجزء المشكوك في وجوده في طول ادعاء انّ تجاوز محله كأنّه تجاوزا له و يكون استفادة ذلك بدال اخر في مرحلة التطبيق و الادعاء نظير المجاز السكاكي مع ابقاء الاستعمال على ظاهره من اسناد التجاوز الى العمل نفسه.

و كلا الجوابين مما لا يمكن المساعدة عليه.

اما الاول: فلأنّه مضافا الى كونه خلاف الظاهر و سوف يأتي، انّ اسناد المضي الى نفس الجزء المشكوك لا المحل، يلزم منه عدم جريان قاعدة الفراغ الّا اذا كان للعمل المفروغ عنه محل شرعي، لأنه يرى انّ التجاوز عن المحل لا يصدق الّا بذلك- على ما سوف يأتي- و هذا بحكم إلغاء قاعدة الفراغ عنده، اذ لا يوجد محل ترتبي بين المركب الكل المفروغ عنه و بين سائر الاعمال كما هو واضح.

هذا لو أريد اضافة المحل الى المركب، و اما اذا أريد اضافته الى الجزء أو القيد المشكوك فيه فهذا معناه إلغاء قاعدة الفراغ و كون المتعبّد به وجود ما شك في‏

____________

(1)- مصباح الاصول، ج 3، ص 274.

(2)- نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 41.

51

وجوده دائما لا صحة الموجود، و هذا مضافا الى كونه خلاف محاولة شيخ (قدّس سرّه) كما ذكرنا فانه يريد تصوير جامع بين التعبدين لا إلغاء احدهما، يلزم منه عدم جريان التصحيح في موارد الشك في تحقق الجزء الأخير حتى بعد فعل المنافي أو قوات الموالاة لعدم وجود محل شرعي للجزء الأخير بلحاظ المنافي و نحوه و هذا ما لا يلتزم به.

و اما الثاني- فمضافا الى انّ المجاز الادعائي المذكور ليس خلاف الظاهر فحسب بل بعيد عن المحاورات العرفية جدا كما لا يخفى على ذوى الذوق العرفي، المفروض انّ اضافة الشك الى نفس العمل الماضي يجعل مفهوم الشك فيه بمعنى الشك في صفته و هي الصحة فلا يشمل فرض الشك في الوجود ليكون جامعا بين القاعدتين و بعبارة اخرى هذا يجعل انطباق القاعدة على موارد الشك في وجود الجزء باعتبار فرض و ادعاء وجوده فيكون التعبد به كالتعبد بالمركب المفروغ عن وجوده تعبدا بصحته لا بوجوده و ما لم تثبت التعبد بوجود المشكوك لا فائدة في التعبد بصحته، و اثبات التعبد بالوجود من التعبد بالصحة يكون من الاصل المثبت.

و الصحيح في الجواب على هذه المناقشة ما سوف يأتي أيضا من امكان تصوير موضوع جامع للقاعدتين و هو مضي موضع الشك من العمل مع فرض تحقق سائر الاجزاء و هذا يصدق حتى على الجزء الأخير بعد فعل المنافي أو فوات الموالاة، لانّ التجاوز أو المضي مسند الى نفس المشكوك لا محله بعناية تصدق في تمام الموارد المذكورة.

المناقشة الخامسة-

انّ الالتزام بوحدة القاعدتين يستلزم وقوع التدافع و التهافت في الدليل الواحد، لانّ الوارد في ادلة قاعدة الفراغ الحصر كما في معتبرة ابن ابى يعفور: (اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) و هذا يدل على الغاء الشك اذا كان حاصلا داخل العمل بينما قاعدة التجاوز تدل على المضي و عدم الاعتناء بالشك‏

52

داخل العمل أيضا اذا تجاوز محله فلو وحّدنا بين القاعدتين و جمعناهما في امر واحد فهذا الامر الواحد بحكم قاعدة التجاوز ثابت داخل العمل و بحكم قاعدة الفراغ غير ثابت داخل العمل، و هذا تدافع و تهافت في دليل واحد، بخلاف ما اذا كانتا قاعدتين فانّ الحصر في قاعدة الفراغ غاية ما يدل عليه انحصار جريان قاعدة الفراغ بالشك خارج العمل و هو لا ينافي جريان قاعدة التجاوز التي هي قاعدة اخرى و لها دليل اخر داخل العمل. و هذه المناقشة من مناقشات الميرزا يمكن تفسيرها بعدة انحاء:

النحو الاول- ان يكون مقصوده من التدافع التعارض بين دليل جعل قاعدة التجاوز داخل العمل عند تجاوز محل الجزء المشكوك مع مفهوم الحصر في بعض ادلة قاعدة الفراغ الدال على لزوم الاعتناء بالشك قبل الفراغ عن العمل.

و هذا التفسير بعيد جدا، لوضوح انه لا يرتبط بوحدة القاعدتين و تعددهما، بل هو ثابت على كل حال، و يمكن ان يجاب عليه بوجوه:

الاول- انّ مفهوم الحصر في ادلة الفراغ لو سلّم، فغاية ما يدل عليه تقييد الموضوع فيها بما اذا كان الشك بعد الفراغ عن العمل، و هذا يعني انّ الشك في صحة المركب من ناحية الشك في وجود جزئه حين العمل لا يكون موضوعا للقاعدة المصححة المفادة بروايات الفراغ، فهي لا تعبد بصحة الموجود فيجب الاحتياط بحكم العقل و لكن لا ينافي ذلك وجود تعبد اخر بوجود الجزء المشكوك و ترتيب آثاره عليه اذا كان الشك بعد مضي محلّه فيرتفع موضوع الاشتغال العقلي.

الثاني- لو فرض انّ مفهوم الحصر في ادلة الفراغ كان دالا على نفي جعل أيّ مؤمن اخر في موارد الشك داخل المركب مع ذلك يمكن تقديم دليل قاعدة التجاوز على اطلاق المفهوم باعتباره اخص منه مطلقا، فيختص بما اذا كان الشك في صحة المركب قبل مضي محل المشكوك.

الثالث- ما افاده بعض الاعلام من انّ قاعدة التجاوز ترفع موضوع الشك في‏

53

صحة الصلاة، فلا يكون موردا لمفهوم قاعدة الفراغ، و هذا الجواب لا بدّ و ان يرجع بحسب روحه الى احد الجوابين السابقين، و الّا فهو بحسب ظاهره لا معنى له، لانّ التعبد بوجود الركوع لا يرفع الشك في صحة المركب لا وجدانا- و هو واضح- و لا تعبدا لعدم كون الصحة حكما شرعيا مترتبا على وجود الركوع بل انتزاع عقلي.

لا يقال- المقصود بالصحة واقعها و منشأ انتزاعها و هو تحقق تمام ما هو متعلق الأمر، و يكون الأثر و هو براءة الذمة و ارتفاع الاشتغال العقلي منوطا به لا بعنوان الصحة الانتزاعي.

فأنه يقال- هذا يؤدي الى أن يكون موضوع قاعدة الفراغ كموضوع قاعدة التجاوز هو الشك في وجود القيد المشكوك فيه و عدمه، و يكون التعبد بوجوده دائما بنحو مفاد كان التامة، و عندئذ يكون موضوع القاعدتين معا الشك السببي، فلا معنى لافتراض ارتفاع موضوع مفهوم الحصر لقاعدة الفراغ بمنطوق قاعدة التجاوز، بل هناك شك واحد و هو موضوع لقاعدة التجاوز المصححة للعمل، و لمفهوم قاعدة الفراغ المقتضي لبطلان العمل فيتعارضان، و لهذا قلنا انّ روح هذا الجواب لا بدّ و ان يرجع الى احد الوجهين السابقين.

النحو الثاني- انّ المجعول في مجموع هذه الروايات لو كان قاعدة واحدة جامعة بين التجاوز و الفراغ كان لا بدّ لها من موضوع واحد جامع، و هذا الموضوع ثبوتا امّا ان يكون مقيدا بكون الشك بعد الفراغ عن العمل أو لا، اذ يستحيل اجتماع النقيضين و ارتفاعهما، فيقع التهافت و التدافع بين ألسنة الروايات، لانّ صريح روايات الفراغ تقيد موضوع هذا التعبد بما اذا كان الشك بعد الفراغ عن العمل و عدم جريانه قبل الفراغ، كما انّ صريح روايات التجاوز جريانها داخل العمل و قبل الفراغ عنها.

و هذا التفسير و إن كان اقرب الى عبائر الميرزا (قدّس سرّه)، كما انه يشكل اشكالا ضدّ من يدّعي وحدة القاعدتين و لا يرد بناء على تعددهما، و لكنه غير تام أيضا لو أريد به مناقشة ثبوتية، اذ يمكن افتراض أنّ موضوع القاعدة الواحدة هو الجامع‏

54

بين الشك في الصحة بعد الفراغ عن المركب و الشك في الوجود و لو داخل المركب بعد تجاوز محل المشكوك، فيكون قيد الفراغ عن المركب مأخوذا في احد شقي الجامع المأخوذ في موضوع القاعدة الواحدة.

نعم قد يفترض انّ هذا خلاف الظاهر اثباتا، و انّ روايات الفراغ ظاهر بعضها تقييد القاعدة المصححة بمضي العمل المركب و الدخول في غيره، أي حصر التصحيح بما اذا كان الشك بعد العمل، و هذا رجوع الى التفسير السابق بحسب الحقيقة.

النحو الثالث- ان يكون نظر الميرزا (قدّس سرّه) الى خصوص موثقة ابن أبي يعفور و هي قوله (ع): (اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء، انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) بناء على استظهار رجوع الضمير في الصدر الى الوضوء و اجراء قاعدة الفراغ فيه، فيكون حمل الذيل على مطلق التجاوز عن الشي‏ء الاعم من الشي‏ء المشكوك في وجوده مع تجاوز محله- و هو مورد قاعدة التجاوز- أو تجاوز المركب و الشك في صحته- و هو مورد قاعدة الفراغ- مستلزما للتهافت و التدافع مع الصدر، فيتعين حمل الذيل على التجاوز عن المركب و يكون المجعول القاعدة التصحيحية في موارد الشك في الصحة بعد الفراغ عن المركب، غاية الأمر ادلة التجاوز في خصوص الصلاة جعلت الجزء من الصلاة بمثابة المركب التام من حيث كون الشك فيه بعد تجاوز محله موضوعا للتصحيح بنحو من الحكومة و التوسعة التعبدية.

و هذا التفسير و ان كان محتملا في كلام الميرزا الّا انه ليس بتام في نفسه- على ما سوف يتضح عند التعرض لجريان القاعدة في باب الوضوء- كما انه لا يرجع الى نكتة و مناقشة ثبوته بل اثباتية سوف يظهر حالها ضمن البحوث القامة.

و هكذا ننتهي من المحاولة الاولى التي عرضها الشيخ (قدّس سرّه) للتوحيد بين القاعدتين ضمن قاعدة واحدة جامعة، و قد ظهر انه بناء على التصورات المشهورة في حقيقة الحكم الظاهري يتّجه بعض مناقشات الميرزا (قدّس سرّه) على هذه المحاولة.

55

نعم بناء على المسلك الحق في حقيقة الحكم الظاهري سوف يأتي صحة روح ما حاوله الشيخ (قدّس سرّه) من استفادة قاعدة واحدة جامعة موضوعا و محمولا و ملاكا لموارد القاعدتين معا، و انّ تصور التعدد لدى المحققين نشأ إما من اختلاف في التعبيرات الواردة في ألسنة الروايات من التعبير تارة بالتجاوز عند الشك الوجود و بالفراغ اخرى عند الشك في صحة الموجود- و هذه نكتة اثباتية- أو من تصور عدم امكان الجمع بين مفاد التعبدين و الحكمين الظاهريين في جعل واحد بناء على التصورات المشهورة عن الحكم الظاهري و حقيقته و سوف يأتي علاج كلتا المشكلتين الثبوتية و الإثباتية في نهاية المطاف.

المحاولة الثانية- ما افاده الميرزا (قدّس سرّه) من انّ المجعول قاعدة واحدة و هي قاعدة الفراغ‏

التي مفادها التعبد بصحة العمل و عدم الاعتناء بالشك به بعد الفراغ عن المركب، ثم في خصوص الصلاة قد اعمل الشارع مولويته و اعتبر الجزء بمنزلة الكل، و جعل التجاوز عن محله بمنزلة التجاوز عن المركب، فبالتعبد اوجد صغرى تعبدية لقاعدة الفراغ، فمن مثل موثقة ابن ابي يعفور المتقدمة نستفيد انّ المجعول قاعدة الفراغ عند الشك في صحة عمل بعد الفراغ عن اصله و الخروج عنه، و لو كنا نحن و هذه المعتبرة وحدها لم نكن نستفيد اكثر من جعل القاعدة اذا حصل الشك خارج العمل سواء في الوضوء أو في الصلاة و كان يجب الاعتناء بالشك الحاصل داخل العمل، الّا انّ مثل صحيح زرارة و موثقة اسماعيل بن جابر المتقدمتين حيث طبقا هذا العنوان على الشك في اجزاء الصلاة داخل الصلاة كمن شك في الركوع و قد سجد، أو شك في السجود بعد ما قام، و علّلا ذلك بأنّ (كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه) فانه يستفاد لا محالة انّ حال اجزاء الصلاة حال المركبات المستقلة في عدم الاعتناء بالشك فيها أيضا اذا كان الشك بعد تجاوز محلها.

و هذا الكلام ينحل الى مطلبين.

1- انّ المستفاد من روايات قاعدة الفراغ- خصوصا موثقة ابن ابي يعفور- انّ‏

56

موضوعها الشك الحاصل بعد تمامية المركب الكل، و ذلك باعتبار ما ورد فيها من قوله (ع): (انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) بعد ظهور رجوع الضمير الى الوضوء الذي هو المركب الكل، فتدل على لزوم الاعتناء بالشك قبل تمام المركب.

2- انّ المستفاد من روايات التجاوز تنزيل الاجزاء في خصوص باب الصلاة منزلة المركب الكل، فتكون حاكمة على دليل القاعدة و موسعة لموضوعها، و لعله يستظهر ذلك من قوله في صحيح زرارة و موثق اسماعيل (اذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره) الذي يفترض وجود شي‏ء، فكأنّ الركوع شي‏ء قد وقع اصله و خرج منه المكلف و دخل في غيره و الّا فالمشكوك لا يصدق عليه المضي و التجاوز حقيقة.

و كلا الامرين غير تام.

امّا الاول- فلما سوف يأتي مفصلا من انّ موثقة ابن ابي يعفور لا تدل على ما ذكر.

و أما الثاني: فيلاحظ عليه أو لا- انّ حمل روايات التجاوز على التعبد بتوسعة الموضوع بنحو الحكومة و إلحاق الجزء في باب الصلاة بالكل خلاف الظاهر جدا، لانّ هذا النحو من الحكومة بحاجة الى نظر الدليل الحاكم الى المحكوم، و لا نظر فيها كذلك اصلا، و مما يؤكد عدم صحة هذا الاستظهار عموم بعض ادلة قاعدة التجاوز مما يعني أنّ النظر فيها الى قاعدة مستقلة عامة لا التوسعة في خصوص اجزاء الصلاة على ما سوف يأتي البحث عنه في جملة مما يأتي.

و ما ذكر في وجه التعبد و التنزيل المذكور من ظهور الدخول و الخروج من شي‏ء في تحقق اصل ذلك الشي‏ء، الذي يعني كون الشك في قيده لا أصله فيختص بالتجاوز عن الكل المساوق مع الفراغ عنه غير صحيح، لانّ اسناد

57

التجاوز الى الجزء المشكوك في وجوده صحيح عرفا و واقع و لو كان عنائيا خصوصا و انّ هذا التعبير ورد في ذيل ما فرض من الشك في وجود اجزاء من الصلاة بعد الدخول في غيرها في الاثناء.

و ثانيا- انّ التوسعة الموضوعية لقاعدة الفراغ بنحو الحكومة و الحاق الشك في الجزء في خصوص باب الصلاة بالشك في المركب الكل من حيث جريان قاعدة الفراغ فيه يمكن تقريبه باحد نحوين حسب اختلاف التعبيرات المنسوبة للمحقق النائيني (قدّس سرّه):

التقريب الاول- انّ موضوع قاعدة الفراغ هو الشك في صحة المركب الموجود بعد الفراغ عنه و محمولها التعبد بصحته- و لو بمعنى واقع الصحة و منشئها الموضوع للاثر- و قاعدة التجاوز تعبدنا في خصوص الشك في اجزاء الصلاة بإلحاق الشك في الجزء بعد تجاوز محله بالشك في المركب بعد الفراغ عنه، فيكون من الالحاق و التوسعة الموضوعية باعتبار انّ الجزء لخصوص الصلاة كانّه المركب، و هذا التقريب هو ظاهر ما ينسبه في مصباح الاصول الى الميرزا (قدّس سرّه)

و يلاحظ على هذا التقريب:

انّ هذا التنزيل لا يجدي في تصحيح العمل في موارد الشك في تحقيق الجزء داخل العمل، لانّ قاعدة الفراغ محمولها التعبد بصحة الموجود بعد تجاوزه لا وجود الجزء المشكوك في وجوده بعد تجاوزه، و حينئذ اذا اريد تطبيق قاعدة الفراغ بعد فرض الحكومة و التوسعة على الجزء المشكوك في وجوده فالمفروض انه لا شك في صحته بل في وجوده، و القاعدة لا تعبدنا به ليكون هذا من الالحاق الموضوعى، و ان اريد تطبيقها على الاجزاء الاخرى اللاحقة أي على المركب كلّه فالشك لم يحصل بعد تجاوزه بل قبل تحققه. و منه يعرف انّ توسعة قاعدة الفراغ للشك في الاجزاء حقيقة أو تعبدا و بنحو الحكومة لا تجدي في تصحيح العمل الذي شك في تحق احد اجزائه داخل المركب، لانّ قاعدة الفراغ لا تعبدنا بوجود الجزء المشكوك‏

58

بعد تجاوزه بل تعبدنا بصحة ما يشك في صحته بعد تجاوزه و إن كان الشك من ناحية الشك في وجود جزئه أو شرطه، و الشك في وجود الجزء و ان استلزم الشك في صحة المركب الّا انّ الشك الاخير لا يكون بعد التجاوز، فالشك السببي الذي يكون بعد تجاوز المشكوك فيه لا يكون شكا في الصحة، و الشك المسببي و ان كان شكا في الصحة الا انه ليس بعد مضي المشكوك بل قبله.

نعم فائدة هذه التوسعة انه اذا شك في وقوع جزء مركب صحيحا أي بقيوده و شروطه- و ذلك فيما اذا كان القيد للجزء لا للمركب- مع الفراغ عن اصل وجوده جرت قاعدة الفراغ داخل العمل لا ثبات صحته، الا انّ هذه التوسعة لا تحتاج الى الحكومة و التعبد بل تستفاد من اطلاق ادلة الفراغ.

التقريب الثاني- ان يفترض انّ موضوع قاعدة الفراغ الشك في وجود المركب الصحيح بنحو مفاد كان التامة و الذي يكون بعد الفراغ عن العمل لا محالة و لو كان مسببا عن الشك في وجود جزء أو شرط للمركب داخل العمل. و ادلة قاعدة التجاوز في خصوص باب الصلاة تجعل الشك في وجود الجزء الذي ليس بمركب كالشك في وجود المركب بعد الفراغ عنه و تجاوز محله تعبدا بوجود المشكوك. و هذا ظاهر عبارة احد تقريرى الميرزا (قدّس سرّه)، و فرقه عن التقريب السابق في انّ المحمول على هذا التقريب في كلتا القاعدتين واحد و هو التعبد بوجود المشكوك، غاية الامر حيث انّ موضوع قاعدة الفراغ الشك في وجود المركب الصحيح فلا بدّ من الفراغ عن مركب ليشك في وجوده الصحيح فلا تجرى قاعدة الفراغ داخل العمل الّا في خصوص اجزاء الصلاة، حيث اعتبرت كالمركبات من حيث كون الشك في وجودها بعد تجاوز محلها موضوعا للتعبد بوجودها، فيكون من الالحاق الموضوعي مع وحدة المحمول المجعول في القاعدتين.

و يلاحظ على هذا التقريب:

أو لا- انّ هذا لازمه عدم امكان اثبات آثار صحة الفعل الموجود بقاعدة الفراغ‏