قلائد الفرائد - ج1

- الآخوند الشيخ غلام رضا القمي المزيد...
756 /
5

الجزء الأول‏

[مقدمات التحقيق‏]

مقدّمة آية اللّه العظمى الشيخ جعفر السبحاني دام عزّه‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الفرائد و قلائدها

هذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ، تعليقة قيّمة على كتاب الفرائد في علم الاصول الّذي هو محور الدراسة في الجامعات العلميّة.

و قد أمرني من لا تسعني مخالفته‏ (1) أن اترجم حياة المعلّق فامتثلت أمره أداء لبعض حقوقه على العلم و أهله، و قد ارتويت في سالف الزمان أي أيّام شبابي و زمان دراستي لكتاب الفرائد، من نمير علمه- (قدّس اللّه سرّه)-.

أمّا الفرائد فهو للشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري: النجم اللامع، بل الشمس البازغة في سماء العلم و التحقيق في القرن الثالث عشر، و هو من الّذين يضنّ بهم الدهر إلّا في فترات متقطّعة متباعدة، و له جهوده العلميّة في إرساء قواعد الفقه و الاصول في ضوء الكتاب و السنّة و العقل.

ولد الشيخ عام 1212 و توفّي عام 1281 و ترك ثروة علميّة كبيرة و ما زالت كتبه في الفقه و الاصول محور الدراسة. و هذا كتابه الفرائد في المباحث العقليّة من الاصول، لم يزل مشعّا في الجامعات العلميّة الشيعيّة. و التعليقات و الحواشي عليها تربو على خمس و ستّين‏ (2)، و هذا أدلّ دليل على أنّ الكتاب وقع موقع القبول.

الشيخ الأعظم في غنى عن الترجمة و التبيين، و كفى ما كتبه استاذه المولى أحمد النراقي المتوفّى 1245 في حقّه؛ قال:

و ممّن جدّ في الطلب و بذل الجهد في هذا المطلب، و فاز بالحظّ الأوفر الأسنى، و حظى بالنصيب المتكاثر، مع ذهن ثاقب، و فهم صائب، و تدقيق و تحقيق، و درك غائر رشيق، و الورع و التقوى، و التمسّك بتلك العروة الوثقى، العالم النبيل، و المهذّب الأصيل، الفاضل الكامل، و العالم العامل، حاوي المكارم و المناقب، و الفائز بأسنى المواهب، الألمعي المؤيّد، و السالك من طرق الكمال للأسدّ، ذو الفضل و النهى، و العلم و الحجى، الشيخ مرتضى بن الشيخ محمّد أمين الأنصاري التستري أيّده اللّه بتأييده، و زاد اللّه في علمه و تقاه، و حباه بما يرضاه، و قد استجاز بعد ما تردّد إليّ و قرأ عليّ و تبيّنت فضيلته لديّ، و لمّا كان أيّده اللّه سبحانه لذلك أهلا، و انجاح مسئوله فرضا لا نفلا، فأجزت له- أسعد اللّه جدّه و ضاعف كدّه و جدّه- أن يروي عنّي كتاب نهج البلاغة و ... (3).

و الحقّ أنّ الشيخ أرفع شأنا من أن تحوم فكرتي حول شخصيّته و فقاهته؛ فلا محيص عن إيقاف القلم، و عطف عنانه إلى ترجمة شيخنا المحشّي (قدّس سرّه).

____________

(1)- العلّامة الحجّة آية اللّه العظمى الشيخ لطف اللّه الصافي ما زالت مدارس العلم و معالم الفضل بوجوده الشريف عامرة.

(2)- الطهراني، الذريعة، ج 6، مادّة الحاشية. و قد سقط من قلمه الشريف بعض التعليقات مضافا إلى أنّه لم يذكر فيها بعض ما ألّف بعد رحيله.

(3)- الإجازة مذكورة برمّتها في كتاب شخصيّة الشيخ الأنصاري: 120- 130.

6

آية اللّه العظمى الشيخ غلام رضا القميّ (حوالي 1255- 1332 ه ق)

لقد تعرّفت على مكانة كتاب الفرائد و وقوعه محور الدراسة من زمن تأليفه إلى يومنا هذا، و قد علّقت على هذا الكتاب ثلّة جليلة من تلاميذ الشيخ الأعظم و تلاميذ تلاميذه فأوضحوا مقاصده، و ليّنوا معضلاته إلى أن وصلت النوبة إلى شيخنا المترجم، فألّف كتابه المعروف ب «قلائد الفرائد» أو «قلائد العقيان على نحور الخرّد (1) الحسان»

تزهو على قلائد العقيان‏* * * على نحور الخرّد الحسان‏

(2)، و قد فرغ منه المؤلّف عام 1312 و طبع عام 1314. و هذا الكتاب من أشهر تآليفه، و له تآليف اخرى سنذكرها فيما بعد.

و أمّا حياته: فقد ترجمها شيخنا المجيز في «نقباء البشر»؛ فقال:

هو الشيخ غلام رضا بن الحاج رجب علي القميّ المعروف بالحاج آقا آخوند، عالم محقّق، و فقيه متبحّر من الأعاظم، كان اشتغاله في النجف الأشرف، حضر على الشيخ المرتضى الأنصاري سنتين، و بعده على السيّد محمّد حسن المجدّد الشيرازي قليلا، و الميرزا حبيب اللّه الرشتي، و ذهب إلى سامراء فبقى سنتين و رجع إلى قم. و كان فيها أوان تشرّف أستاذه الرشتي في طريق زيارته للمشهد الرضوي فجدّد به عهدا هناك، ثمّ صار مرجعا للامور مقيما للجماعة و قائما بالارشاد و التدريس إلى أن توفّي في 16 ذي الحجّة سنة 1332 (3).

و في «هديّة الرازي إلى المجدّد الشيرازي» ما هذا مثاله:

من أكابر علماء قم، و من تلاميذ الشيخ الأنصاري و الميرزا الشيرازي في النجف الأشرف، ثم غادر إلى قم رئيسا و مدرّسا، و قد كتب حاشية على رسائل العلّامة الأنصاري‏ (4).

كما يذكره ناصر الشريعة في «تاريخ قم» فيقول ما هذا مثاله:

الحاج ملّا غلام رضا بن رجب علي المعروف ب (حاج آخوند) المتوفّى عام 1332. كان في الرعيل الأوّل من علماء قم و أكابرها، ضمّ إلى علمه الجمّ قدسيّة نفسيّة، فصار منارا للعلم و مثالا للتقوى.

غادر بلدته (قم) عام 1279 مع زميله العلّامة السيّد صادق الروحاني- (قدّس اللّه سرّهما)- إلى النجف الأشرف فحضر درس الشيخ الأنصاري قرابة سنتين، ثمّ اختصّ بالعلمين الكبيرين: الميرزا الشيرازي و الميرزا الرشتي- طيّب اللّه ثراهما- فلمّا بلغ المرتبة العالية من الاجتهاد، و نال الشهادة الكبرى من استاذه قفل إلى قم عام 1298، مشتغلا بالتدريس إلى أن لبّى دعوة ربّه عام 1332 و دفن في الصحن الشريف: الإيوان الزجاجيّة للحضرة الفاطميّة (5).

____________

(1)- جمع الخريدة: البكر لم تمسّ قطّ.

(2)- و الاسم الواقعي هو قلائد الفرائد، و أمّا الثاني فهو مقتبس من قول بحر العلوم في منظومته:

تزهو على قلائد العقيان‏* * * على نحور الخرّد الحسان‏

(3)- نقباء البشر 4: 1657، برقم 2221.

(4)- هدية الرازي: 178، بتعريب منّا.

(5)- تاريخ قم، لناصر الشريعة: 278. تجد نظير هذه الكلمات في كتاب «مؤلّفين كتب چاپى» لخان بابا مشار 4: 695؛ و رجال قم للسيّد محمّد مقدّس‏زاده؛ فلا حاجة لنقل كلماتهما لتشابهها مع ما ذكر لفظا و معنى.

7

و لم نقف على تاريخ ولادته غير أنّه يبدو ولد حوالي عام 1255؛ و ذلك لأنّه كان قرينا و زميلا و صديقا من أوان عمره للعلّامة السيّد صادق الروحاني طول حياته، و قد ولد السيّد الروحاني في ذلك العام.

آثاره العلميّة:

و قد ترك شيخنا المؤلّف ثروة علميّة لا يستهان بها، غير أنّها لم تر النور إلّا هذا الأثر.

و إليك فهرس ما ألّف:

1- قلائد الفرائد أو قلائد العقيان: هذا الكتاب الماثل بين يديك، و قد اعيد طبعه بالاوفست و كان اللازم طبعه بالطباعة الحديثة، و قد قرّظه يوم طبع العلّامة السيّد مهدي القميّ بأبيات:

كم ركبوا سفينة البراءة* * * و راموا الاستصحاب بالقراءة

تحيّروا في لجج القواعد* * * ما وصلوا حقيقة المقاصد

عليك في بلوغك الفوائد* * * بهذه القلادة للفرائد

قد نزلت في كتب الاصول‏* * * منزلة الربيع في الفصول‏

شاملة دقائق القوانين‏* * * كاشفة الغطاء من العناوين‏

تملأ من بدائع الدقيقة* * * تميّز المجاز عن حقيقة

قال لنا السادة ورّخوها* * * اجبتهم بديهة «خذوها»

2- كتاب القضاء. 3- كتاب الصلاة. 4- صلاة المسافر (1). 5- قواعد الاصول؛ تشتمل على مسألتي اجتماع الأمر و النهي و مسألة الضدّ (2). 6- كنوز الجواهر (3).

تلاميذه:

كان شيخنا المترجم مشتغلا بالتدريس و الزعامة الدينيّة، ربّى لفيفا من ذوي الفضل منهم العلّامة الحجّة الشيخ محمّد على الأرجستاني الكجوئي مؤلّف «أنوار المشعشعين في شرافة قم و القميّين» (4). و كان (رحمه اللّه) ساعيا في رفع حوائج الناس برحابة صدر إلى أن لبّى دعوة ربّه- كما عرفت- في 16 ذي الحجّة عام 1332؛ فسلام اللّه عليه يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث حيّا.

أولاده:

خلّف أولادا صالحين و علماء كبارا قد عاصرنا بعضهم، نذكر منهم ما يلى:

1- آية اللّه الحاج الشيخ محمّد جواد القميّ (1295- 1375 ه). ولد في النجف الأشرف و صحب أباه عند مغادرته النجف الأشرف إلى قم. درس الآليات و المقدّمات فيها، و لمّا تمّ العقد الثاني من عمره هاجر إلى طهران بايصاء من والده فحضر

____________

(1)- نقباء البشر، للطهراني 4: 1657.

(2)- الذريعة 17: 178؛ و نقباء البشر 4: 1657.

(3)- الذريعة 18: 171.

(4)- كتابشناسى آثار مربوط به قم: 132.

8

بحوث الأمجاد الكبار: الشيخ محمّد حسن الآشتياني، و الشيخ علي النوري، و الميرزا محمود الحكمي، و الشيخ عبد الكريم السبزواري. و لمّا ارتوى من نمير علمهم في المعقول و المنقول رجع إلى قم فأقام بها ثلاث سنوات إلى أن هاجر إلى النجف الأشرف عام 1319 فحضر أبحاث العلمين الجليلين: السيّد محمّد كاظم اليزدي، و المحقّق الخراساني. فلمّا توفّى والده رجع إلى قم في سنة 1333 ه مشتغلا بالتدريس و الزعامة و التأليف و التصنيف. و من آثاره العلميّة:

1- الصراط المستقيم. 2- سعادت بشرى. 3- توحيد حق‏نما. 4- توحيد قميّ. 5- الكيميا في المعاد (1). و غير ذلك من الآثار الكلاميّة و الأخلاقيّة الّتي تتجاوز العشرة.

و كان يقيم الجماعة في مسجد والده، إلى أن توفّي عام 1373. و قد أوصى بكتبه و كتب والده- الّتي تعرّفت عليها- إلى المرجع الأعلى آية اللّه العظمى البروجردي (1292- 1380). و هو- (قدّس اللّه سرّه)- أمره بايداعها في مكتبة مدرسة الفيضيّة.

2- العلّامة الشيخ عبد الهادي القميّ: تتلمذ على الفقيه الكبير الشيخ أبي القاسم القميّ، و آية اللّه الحائري، و آية اللّه العظمى البروجردي. و كانت حياته حياة طيّبة يعلو عليها الزهد و التجافي عن الدنيا، انتقل إلى رحمة ربّه عام 1384 ه.

3- الشيخ محمّد القميّ: تتلمذ على مؤسّس الحوزة آية اللّه الحائري، و السيّد الحجّة الكوه‏كمري، و السيّد الزعيم البروجردي. و من خصائصه الممتازة صدق اللهجة و الصراحة في الكلام، مضافا إلى التجافي عن زخارف الدنيا إلى أن وافاه الأجل عام 1378.

4- العلّامة الحجّة الشيخ حسين القميّ من خريجي مدرسة آية اللّه الحائري، و الحجّة الكوه‏كمري، و السيّد محمّد تقي الخوانساري، و الزعيم البروجردي. و كان يعيش كسائر اخوانه في غاية البساطة إلى أن وافاه الأجل عام 1379.

هؤلاء ممّن يعبأ بهم من أولاده الفضلاء رحم اللّه الوالد و أولاده و حفظ اللّه أحفاده و أسباطه، و لم يزل البيت زاهرا بالتقوى و الزهد و نور الولاية.

و في الختام أتقدّم بالشكر إلى ولدي الأعزّ الشيخ ناصر الدين الأنصاري، و إلى حفيدي المترجم الحاج علي الفقيهي الرضائي و الحاج محسن الفقيهي الرضائي- أبناء الشيخ عبد الهادي- حيث قدّموا المعلومات الكافية عن حياة المترجم و بيته الرفيع. كما بذلا نفقة الطبع، و على استعداد لطبع كتاب القضاء المذكور آنفا.

قم- مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام) 2 شهر محرّم الحرام 1414 جعفر السبحاني عفى عنه‏

____________

(1)- طبع عام 1364؛ كما في نقباء البشر 4: 1657.

9

كلمة المحقّق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه و كفى، و الصلاة على النبيّ المصطفى و آله مصابيح الدجى، و الحجج الواضحة لأهل الحجى المقدّمة (1):

تشتمل هذه المقدّمة على أربع مطالب:

المطلب الأوّل- اصول الفقه و أدواره‏

اجتاز علم الاصول من لدن تأسيسه إلى زماننا هذا مرحلتين، و امتازت المرحلة الثانية بالإبداع و الابتكار و طرح مسائل مستجدّة، لم تكن مذكورة في كتب الفريقين.

المرحلة الأولى: ابتدأت المرحلة الاولى منذ أوائل القرن الثالث إلى عصر العلّامة الحلّي (648- 736)،

و قد اجتازت أدوارا ثلاثة:

الدور الأوّل- دور النشوء:

و قد بدئ بإفراد بعض المسائل الاصوليّة بالتأليف، دون أن يعمّ كافّة المسائل المعونة في هذا العلم يومذاك. و لم نقف في هذا الدور على كتاب عامّ يشمل جميع مسائله؛ فإنّ يونس بن عبد الرحمن صنّف كتاب «اختلاف الحديث و مسائله»، و أبا سهل النوبختي كتاب «الخصوص و العموم» و «إبطال القياس»، و الحسن بن موسى النوبختي كتاب «خبر الواحد و العمل به». و بالرغم من ذلك فقد ازدهرت حركة الاستنباط و الاجتهاد بين أصحابنا في هذا الدور؛ فهذا هو «الحسن بن علي العمّاني» شيخ فقهاء الشيعة، المعاصر للشيخ الكليني (ت 329 ه) ألّف كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول».

قال النجاشي:

أبو محمّد العمّاني فقيه متكلّم ثقة، له كتب في الفقه و الكلام، منها كتاب «المتمسّك بحبل آل الرسول» كتاب مشهور في الطائفة. و قيل: ما ورد الحاجّ من خراسان إلّا طلب و اشترى منه نسخا (2).

كما ألّف الشيخ الكبير أبو علي الكاتب الإسكافي (ت 381 ه) كتاب «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة» في الفقه، و هو كتاب كبير جامع، ذكر فهرس كتبه الشيخ النجاشي في رجاله، و له كتاب «الأحمدي في الفقه المحمّدي».

قال النجاشي:

وجه في أصحابنا ثقة جليل القدر صنّف فأكثر (3).

الدور الثاني- دور النموّ:

إنّ حاجة المستنبط في علم الاصول لم تكن مقصورة على عصر دون عصر، بل كلّما تقدّمت عجلة الحضارة نحو الأمام، ازدادت الحاجة إلى تدوين قواعد الاستنباط؛ للإجابة على الحوادث المستجدّة و ملابستها الّتي كان الفقهاء يواجهونها طيّ‏

____________

(1)- انظر في جميع ذلك مقدّمة كتاب «لمحات الاصول» للإمام الخميني (رحمه اللّه)، و مقدّمة آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني لقلائد الفرائد، و كتاب «ستارگان حرم» المجلّد السادس مقالة الأخ الفاضل الشيخ ناصر الدين الأنصاري.

(2)- رجال النجاشي: رقم 99.

(3)- المصدر السابق: رقم 1048.

10

الزمان، ممّا ترك تأثيرا إيجابيّا على علم الاصول و ساهم في نموّه، فأفردوا جميع المسائل- بدل البعض كما في الدور الأوّل- بالتأليف. و قد تحمّل ذلك العب‏ء ثلّة من أساطين العلم و سنامه؛ منهم:

أ- شيخنا و شيخ الامّة محمّد بن النعمان، المشهور بالمفيد (336- 413). صنّف كتابا باسم «التذكرة باصول الفقه» و طبعت في ضمن مصنّفاته‏ (1)، و نقل خلاصته شيخنا الكراجكي (ت 449) في كتابه «كنز الفوائد».

ب- السيّد الشريف علي بن الحسين، المعروف بالمرتضى (355- 436).

قال النجاشي:

حاز من العلوم ما لم يدانه أحد في زمانه، و سمع من الحديث فأكثر، و كان متكلّما شاعرا أديبا عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا، و عدّ من كتبه «الذريعة»، و قد طبع الكتاب في جزءين طباعة منقّحة، و قد عثرت على نسخة خطّية منها في مدينة «قزوين» جاء في آخرها أنّ المؤلّف فرغ من تأليفها عام 400 ه، و قد نقل عنه جلّ من تأخّر من السنّة و الشيعة.

ج- محمّد بن الحسن، المعروف بالشيخ الطوسي (358- 460).

قال النجاشي:

أبو جعفر، جليل من أصحابنا، ثقة عين، من تلامذة شيخنا أبي عبد اللّه، و عدّ من كتبه كتاب «العدّة في اصول الفقه» (2) و قد طبع غير مرّة، و هو كتاب مفصّل يحتوي على الآراء الاصوليّة المطروحة في عصره.

د- سلّار بن عبد العزيز الديلمي (ت- 463). ألّف «التقريب في اصول الفقه»، ذكره في الذريعة (3).

الدور الثالث- دور الازدهار:

بدأ هذا الدور منذ أواخر القرن السادس إلى أواسط القرن الثامن. و قد صنّف أصحابنا كتبا خاصّة في اصول الفقه تعرب عن الإنجازات الضخمة، و المنزلة الراقية الّتي بلغها علم الاصول من خلال دراسة مسائله بإسهاب و دقّة و إمعان أكثر. و من المصنّفين في هذا الحقل:

أ- الفقيه البارع السيّد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (511- 558) مؤلّف كتاب «غنية النّزوع إلى علمي الاصول و الفروع».

و قد طبع الكتاب محقّقا في مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام) في جزءين. و الناظر في قسم اصول الفقه يرى فيه التفتّح و الازدهار بالنسبة إلى ما سبقه.

ب- الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن حسن الحمّصي الرازي. و قد صنّف كتابه «المنقذ من التقليد و المرشد إلى التوحيد» عام 581 في الحلّة الفيحاء، عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز (4).

و قال منتخب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين علّامة زمانه في الاصولين، ورع ثقة.

و ذكر مصنّفاته الّتي منها: «المصادر في اصول الفقه» و «التبيين و التنقيح في التحسين و التقبيح» (5).

____________

(1)- المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفيّة لوفاة الشيخ المفيد، المصنّفات 9: 5.

(2)- رجال النجاشي: رقم 1069.

(3)- الذريعة 4: 365، و ذكر أنّه توفّي في السفر سنة 448 و هو موضع تأمّل.

(4)- لاحظ المنقذ من التقليد، مقدّمة المؤلّف: 17.

(5)- الفهرست، منتجب الدين: رقم 389.

11

ج- نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريّا الهذلي الحلّي، المكنّى بأبي القاسم، الملقّب بنجم الدين، و المشتهر بالمحقّق (602- 676).

قال ابن داود في رجاله: جعفر بن الحسن، المحقّق المدقّق، الإمام العلّامة، واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، و أقومهم بالحجّة، و أسرعهم استحضارا، قرأت عليه و ربّاني صغيرا؛ و كان له عليّ إحسان عظيم.

و ذكر من تآليفه: «المعارج في اصول الفقه» (1)، و قد طبع غير مرّة، و هو و إن كان صغير الحجم، لكنّه كثير المعنى شأن كلّ ما جادت به قريحته في عالم التأليف؛ فهذا كتابه «شرائع الإسلام» عكف عليه العلماء في جميع الأعصار، و كتبوا عليه شروحا و تعاليق و قد طبع في ايران و لبنان.

و قال في أعيان الشيعة: و من كتبه «نهج الوصول إلى معرفة علم الاصول» (2).

د- الحسن بن يوسف المطهّر، المعروف بالعلّامة الحلّي (648- 726). و هو غنيّ عن التعريف، برع في المعقول و المنقول، و تقدّم على العلماء الفحول و هو في عصر الصبا. أخذ عن فقيه أهل البيت الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن، خاله، و عن أبيه سديد الدين يوسف بن مطهّر الحلّي، و أخذ العلوم العقليّة عن نصير الدين الطوسي و غيره.

و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات النقليّة و العقليّة، كما ألّف في اصول الفقه تصانيف عديدة ذكرها السيّد الأمين في أعيانه، نشير إليها:

1- النكت البديعة في تحرير الذريعة للسيّد المرتضى.

2- غاية الوصول و إيضاح السبل في شرح مختصر منتهى الوصول لابن الحاجب.

3- «مبادئ الوصول إلى علم الاصول» مطبوع في ذيل «المعارج» للمحقّق.

4- «نهاية الوصول إلى علم الاصول» في أربعة أجزاء (3).

5- «تهذيب الوصول في علم الاصول» صنّفه باسم ولده فخر الدين، و هو مطبوع. و قد كتب عليه شروح و تعاليق مذكورة في أعيان الشيعة (4).

ه- عبد المطّلب بن أبي الفوارس بن محمّد بن علي الأعرجي الحسيني، ابن اخت العلّامة الحلّي.

وصفه الشهيد الأوّل بقوله: السيّد الإمام فقيه أهل البيت (عليهم السلام) في زمانه، عميد الحقّ و الدين، أبو عبد اللّه عبد المطّلب بن الأعرج الحسيني.

كما وصفه غيره بقوله: درّة الفخر و فريد الدهر، مولانا الإمام الربّاني، و هو ابن اخت العلّامة الحلّي (رحمه اللّه). و قد ألّف كتبا كثيرة في الفقه و غيره، كما ألّف في اصول الفقه كتابه «منية اللبيب في شرح التهذيب» (5) لخاله العلّامة الحلّي، و قد فرغ منه في‏

____________

(1)- الرجال لابن داود: 83.

(2)- أعيان الشيعة 4: 92؛ لاحظ الذريعة 24: 426.

(3)- نحتفظ بنسخة منها في مكتبة مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام) في قم المقدّسة.

(4)- أعيان الشيعة 5: 404.

(5)- نحتفظ بنسخة من هذا الكتاب في مكتبة مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام) في قم المقدّسة.

12

الخامس عشر من رجب سنة 740 ه (1).

و- السيّد ضياء الدين عبد اللّه بن أبي الفوارس ابن اخت العلّامة الحلّي؛ فقد شرح كتاب تهذيب الاصول لخاله، و قام الشهيد بالجمع بين الشرحين، و سمّاه ب «جامع البين الجامع بين شرحي الأخوين».

ز- فخر المحقّقين محمّد بن الحسن نجل العلّامة الحلّي المتوفي سنة (771 ه)؛ فقد شرح تهذيب والده و سمّاه ب «غاية السئول».

كان الأمل أن يواكب التأليف تقدّم العصر، و لكن الركب توقّف عن متابعة هذا التطوّر و أخلد إلى الركود، فلا نكاد نعثر على تصانيف اصوليّة بعد شيخنا عميد الدين إلّا ما ندر؛ كمقدّمة المعالم للمحقّق الشيخ حسن صاحب المعالم نجل الشهيد الثاني (ت 1011).

نعم انصبّت الجهود على تدوين القواعد الفقهيّة و تنظيمها بشكل بديع‏

نستعرض بعضها:

1- ألّف محمّد بن مكّي، المعروف ب «الشهيد الأوّل» (734- 786) كتاب «القواعد و الفوائد»، و قد استعرض فيه 302 قاعدة. و مع الاعتراف بفضله و تقدّمه في التأليف، لم يفصّل القواعد الفقهيّة عن الاصوليّة أو العربيّة، كما لم يرتّب القواعد الفقهيّة على أبواب الفقه المشهورة؛ ممّا حدا بتلميذه المقداد بن عبد اللّه السيوري إلى ترتيب تلك القواعد كما سيوافيك.

2- الفقيه المتبحّر و الاصوليّ المتكلّم مقداد بن عبد اللّه السيوري (ت 826 ه)، من أكابر رجال العلم و التحقيق، فقد قام بترتيب كتاب القواعد لشيخه الشهيد، و سمّاه ب «نضد القواعد الفقهيّة على مذهب الإماميّة»، و قد طبع محقّقا عام (1404 ه).

3- الشيخ الأجلّ زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد، المعروف ب «الشهيد الثاني» (911- 965)، ولد في عائلة نذرت نفسها للدين و العلم. و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات، و من آثاره كتابه: «تمهيد القواعد»، جمع في هذا الكتاب بين فنّي تخريج الفروع على الاصول و تخريج الفروع على القواعد العربيّة، و هو كتاب قلّ نظيره، عظيم المنزلة، طبع مرّة مع كتاب «الذكرى» للشهيد الأوّل، كما طبع أخيرا محقّقا في مشهد الرضا، استعرض المؤلّف فيه مائتي قاعدة، و فرغ منها في مستهلّ عام 958 ه.

إلى هنا تمّت المرحلة الاولى الّتي طواها علم الاصول، و حان الآن استعراض المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: مرحلة الإبداع و الابتكار:

ظهرت الأخباريّة في أواخر القرن العاشر و بداية القرن الحادي عشر على يد الشيخ محمّد أمين الأسترآبادي (ت 1033)؛

فشنّ حملة شعواء على الاصول و الاصوليّين، و زيّف مسلك الاجتهاد المبني على القواعد الاصوليّة، و زعم أنّ طريقة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و أصحابه تخالف ذلك المسلك، فممّا قاله في ذمّ الاجتهاد:

و أوّل من غفل عن طريقة أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) و اعتمد على فنّ الكلام و على اصول الفقه، المبنيّين على الأفكار العقليّة المتداولة بين العامّة، محمّد بن أحمد بن الجنيد العامل بالقياس، و حسن بن علي بن أبي عقيل العمّاني المتكلّم. و لمّا أظهر الشيخ المفيد حسن الظنّ بتصانيفهما بين أصحابه- و منهم السيّد الأجلّ المرتضى و شيخ الطائفة- شاعت طريقتهما بين متأخّري أصحابنا حتّى وصلت النوبة إلى العلّامة الحلّي، فالتزم في تصانيفه أكثر القواعد الاصوليّة من العامّة، ثمّ تبعه الشهيدان و الفاضل الشيخ علي رحمهم اللّه تعالى‏ (2).

____________

(1)- روضات الجنّات، للسيّد الخوانساري: 261.

(2)- الفوائد المدنيّة: 44، الحجريّة.

13

أقول: الأخباريّة منهج مبتدع؛ و لم يكن بين علماء الشيعة إلى زمان ظهورها منهجان متقابلان متضادّان في مجال الفروع باسم المنهج الاصولي و الأخباري؛ حتّى يكون لكلّ منهج، مبادئ مستقلّة يناقض أحدهما الآخر، بل كان الجميع على خطّ واحد، و كان الاختلاف في لون الخدمة و كيفيّة أداء الوظيفة.

و العجب أنّه استدلّ على انقسام علماء الإماميّة إلى أخباريّين و اصوليّين بأمرين:

1- ما ذكره شارح المواقف؛ حيث قال:

كانت الإماميّة أوّلا على مذهب أئمّتهم حتّى تمادى بهم الزمان فاختلفوا و تشعّب متأخّروهم إلى المعتزلة و إلى الأخباريّين.

و ما ذكره الشهرستاني في أوّل كتاب «الملل و النحل» من أنّ الإماميّة كانوا في الأوّل على مذهب أئمّتهم في الاصول، ثمّ اختلفوا في الروايات عن أئمّتهم حتّى تمادى بهم الزمان، فاختارت كلّ فرقة طريقة، فصارت الإماميّة بعضها معتزلة إمّا وعيديّة و إمّا تفضيليّة، و بعضها أخباريّة إمّا مشبّهة و امّا سلفيّة.

2- ما ذكره العلّامة في «نهايته» عند البحث عن جواز العمل بخبر الواحد؛ فقال:

«أمّا الإماميّة: فالأخباريّون منهم لم يعوّلوا في اصول الدين و فروعه إلّا على أخبار الآحاد، و الاصوليّون منهم- كأبي جعفر الطوسي و غيره- وافقوا على خبر الواحد، و لم ينكره سوى المرتضى و أتباعه».

و لا بدّ هنا من تعليقة مختصرة: إنّ كلا الشاهدين أجنبيّان عمّا يرومه الأمين.

أمّا الشاهد الأوّل‏: فهو نقله بالمعنى، و لو نقل النصّ بلفظه لظهر للقارئ الكريم ما رامه شارح المواقف و إليك نصّه:

... و تشعّب متأخّروهم إلى «المعتزلة» إمّا وعيديّة أو تفضيليّة (1)، و إلى «أخباريّة» يعتقدون طاهر ما وردت به الأخبار المتشابهة. و هؤلاء ينقسمون إلى «مشبّهة» يجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها، و «سلفيّة» يعتقدون أنّ ما أراد اللّه بها حقّ بلا تشبيه كما عليه السلف، و إلى ملتحقة بالفرقة الضالّة.

و بالتأمّل في نصّ كتاب «المواقف» يظهر فساد الاستنتاج؛ و ذلك لأنّ مسلك الأخباريّة الّذي ابتدعه الشيخ الأمين ليس إلّا مسلكا فقهيّا قوامه عدم حجّيّة ظواهر الكتاب أوّلا، و لزوم العمل بالأخبار قاطبة من دون إمعان النظر في الأسناد، و علاج التعارض بالحمل على التقيّة و غيرها ثانيا، و عدم حجّيّة العقل في استنباط الأحكام ثالثا.

و ما ذكره شارح المواقف و الشهرستاني- من تقسيم الشيعة إلى أخباريّة و غيرها- راجع إلى المسائل العقائديّة دون الفقهيّة؛ فعلى ما ذكراه فالشيعة تشعّبت في تفسير الصفات الخبريّة- كاليد و الاستواء و الوجه و غير ذلك ممّا ورد في الأخبار بل الآيات- إلى طوائف ثلاث: مشبّهة، و سلفيّة، و ملتحقة بالفرق الضالّة.

و الحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الّذي ابتدعه الأسترآبادي عجيب جدّا مع اختلافهما في موضوع البحث؛ فأين العمل بظواهر الأخبار في صفاته سبحانه، عن الأخباريّة الّتي ابتدعها الأمين الأسترآبادي في سبيل استخراج الأحكام الشرعيّة من الكتاب و السنّة، مضافا إلى أنّ مسلكه مبنيّ على اسس و قوائم لم تكن معروفة عند غيره.

و أمّا الشاهد الثاني‏- أعني ما ذكره العلّامة-: فهو أيضا لا يمتّ بصلة إلى مسلك الأخباريّة المبتدع، بل هو راجع إلى مسألة خلافيّة بين علماء الإماميّة منذ زمن بعيد؛ و هل أنّ الخبر الواحد حجّة في الاصول كما هو حجّة في الفروع أو لا؟

____________

(1)- في بعض النسخ: تفضّليّة.

14

فالمحدّثون و الّذين سبروا غور الأخبار، ذهبوا إلى القول الأوّل، و الاصوليّون الّذين حكّموا العقل في مجال العقائد قالوا بالثاني.

فالأخباريّ في كلام العلّامة هو من يمارس الخبر و يدوّنه شأن كلّ محدّث، لا من يسلك مسلك الأخباريّين في استنباط الأحكام الشرعيّة.

إنّ هذه الفكرة الخاطئة الشاذّة عن الكتاب و السنّة و إجماع الأصحاب الأوائل، شغلت بال العلماء من أصحابنا ما يقرب من قرنين، و أضحت تلك البرهة فترة ركود الاصول و تألّق نجم الأخباريّة، فترى أنّ أكثر مؤلّفاتهم تعلو عليها صبغة الأخباريّة، و هم بين متطرّف كالأمين الأسترآبادي، و معتدل كالشيخ يوسف البحراني (ت 1186 ه) صاحب الحدائق الناضرة.

و من سوء الحظّ أنّ النزاع بين أصحاب المسلكين لم يقتصر على نطاق المحافل العلميّة، بل تسرّب إلى الأوساط العامّة و المجتمعات، فاريقت دماء طاهرة، و هتكت أعراض من جرّاء ذلك، و قتل فيها الشيخ أبو أحمد الشريف محمّد بن عبد النبي المحدّث النيسابوري، المعروف بميرزا محمّد الأخباري (1178- 1233) لمّا تجاهر بذمّ الاصوليّين قاطبة و النيل منهم، فلقي حتفه عند هجوم العامّة عليه عن عمر يناهز 55 عاما.

بالرغم من الهجوم العنيف الّذي شنّه الأمين الأسترآبادي و اتباعه على الحركة الاصوليّة، نرى أنّ هناك من أخذ بزمام الحركة؛ بتأليف كتب استطاعت حينها أن تصمد بوجه الاخباريّة و تذود عن كيان الحركة الاصوليّة، و قاموا بمحاولات:

1- فقد قام الشيخ عبد اللّه التوني (ت 1071) بتصنيف كتاب «الوافية في علم الاصول» و قد طبع أخيرا محقّقا.

2- كما ألّف المحقّق الجليل السيّد حسين الخوانساري (ت 1098) كتاب «مشارق الشموس في شرح الدروس»، و هو و إن كان كتابا فقهيّا، و لكنّه طرح فيه أفكارا اصوليّة بلون فلسفيّ.

3- صنّف الشيخ المحقّق محمّد حسن الشيرواني (1098) تعليقته على «المعالم»، و هو مطبوع على متن كتاب «المعالم».

4- قام المحقّق جمال الدين محمّد بن الحسين الخوانساري (ت 1121 أو 1125) بتصنيف تعليقة على شرح مختصر الاصول للعضدي، كما هو مذكور في ترجمته.

و هذه الكتب- المؤلّفة في فترة انقضاض الحركة الأخباريّة على المدرسة الاصوليّة- مهّدت لظهور حركة اصوليّة جديدة تبنّاها المحقّق الوحيد البهبهاني (1118- 1206) الّذي فتح بأفكاره آفاقا جديدة في علم الاصول.

دور المحقّق البهبهاني في إنعاش المذهب:

و كان للاستاذ الأكبر الشيخ محمّد باقر الوحيد البهبهاني (1118- 1206) دور فعّال في إخماد نائرة الفتنة؛ بالردّ القاطع على الأخباريّين، و تزييف أفكارهم، و تربية جيل من العلماء و المفكّرين على اسس مستقاة من الكتاب و السنّة و العقل الصريح، و اتّفاق الأصحاب، و استطاع أن يشيّد للاصول أركانا جديدة، و دعامات رصينة، فنهض بالاصول من خموله الّذي دام قرنين، معلنا بانتهاء عصر الركود و ابتداء عصر التطوّر و الابتكار.

و بذر البذرة الاولى الّتي تلقّفها العلماء بعده بالرعاية حتّى أينعت و أثمرت ثمارها على يد أساطين من العلماء في غضون الأدوار الآتية، و بها امتازت هذه المرحلة عمّا سبقها من المرحلة الاولى:

1- الدور الأوّل- دور الانفتاح:

ابتدئ هذا الدور بنخبة من تلامذة الوحيد البهبهاني، و في طليعتهم:

أ- السيّد مهدي الطباطبائي المعروف ببحر العلوم (1155- 1212).

15

ب- الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي (ت 1228 ه) صاحب كتاب «كشف الغطاء».

ج- الاصوليّ المتبحّر الميرزا أبو القاسم الجيلاني القميّ (1150- 1231 ه) صاحب كتاب «القوانين».

د- الفقيه الفحل السيّد علي (1161- 1231) صاحب كتاب «رياض المسائل»، الّذي طبع أخيرا في عشرة أجزاء محقّقا.

2- الدور الثاني- دور النضوج:

ابتدأ هذا الدور بتلاميذ خريجي مدرسة البهبهاني، فقاموا بوضع صياغة جديدة للاسس الاصوليّة من منظار جديد، و على رأسهم:

أ- الشيخ محمّد تقي بن عبد الرحيم الأصفهاني (ت 1248) صاحب «الحاشية على معالم الاصول».

ب- أخوه الجليل الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (ت 1261) صاحب «الفصول».

ج- الشيخ الجليل محمّد شريف الآملي المازندراني، المعروف بشريف العلماء (ت 1245 ه). و كفى به فخرا أنّ الشيخ مرتضى الأنصاري- ذلك النجم اللّامع في سماء الاصول- ممّن استسقى من فيّاض علمه، و قد بقيت من آثاره العلميّة رسالة «جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء الشرط».

3- الدور الثالث- دور التكامل:

بلغ فيه علم الاصول الذروة في التحقيق و التعميق و البحث، و تطرّقت إليه مسائل جديدة لم تكن مألوفة فيما سبق. و يعتبر الشيخ مرتضى الأنصاري (1214- 1281) هو البطل المقدام في هذا الحقل؛ حيث استطاع بعقليّته الفذّة أن يشيّد أركانا جديدة لعلم الاصول، بلغ بها قمّة التطوّر و التكامل.

و أنت إذا قارنت المؤلّفات الاصوليّة في هذه البرهة مع ما الّف في المرحلة الاولى و حتّى مستهلّ المرحلة الثانية، تجد بينهما بونا شاسعا يتراءى في بادئ النظر كأنّهما علمان، و ما هذا إلّا بفضل التطوّر و التكامل الّذي طرأ على بنية الاصول على يد هذا العبقري الفذّ، و لم يزل ينبوعه فيّاضا إلى يومنا هذا.

و خرج من مدرسته العديد من الفطاحل و العباقرة، و أخصّ بالذكر منهم:

أ- السيّد الإمام المجدّد الشيرازي (1224- 1312).

ب- المحقّق الكبير الشيخ محمّد كاظم الخراساني (1255- 13129) مؤلّف كتاب «كفاية الاصول». و يعدّ كتابه هذا محور البحوث الاصوليّة في الحوزات العلميّة إلى يومنا هذا.

و قد تخرّج على يدهما- خاصّة الأخير- نخبة من رجال الفكر العلماء البارعين في علم الاصول:

و منهم‏: المحقّق البارع الميرزا حسين النائيني (1247- 1355). و قد دوّن آراءه تلميذه البارع الشيخ محمّد علي الكاظمي (1309- 1365) و قد نشر كتابه باسم «فوائد الاصول». كما دوّن تلك الآراء أيضا تلميذه الآخر المرجع الديني السيّد أبو القاسم الخوئي (1317- 1413).

و منهم‏: الشيخ المحقّق ضياء الدين العراقي (1278- 1361) صاحب كتاب «المقالات في علم الاصول». و قد دوّن أفكاره العالم البارع الشيخ هاشم الآملي (1322- 1412) في كتاب «بدائع الأفكار».

و منهم‏: المحقّق الكبير الشيخ محمّد حسين الأصفهاني (1269- 1361). و قد تخرّج من مدرسته طليعة من العلماء، منهم سيّدنا المحقّق العلّامة الطباطبائي (1321- 1401)، و السيّد المحقّق محمّد هادي الميلاني (1313- 1395).

16

و أخيرهم لا آخرهم سيّد مشايخنا السيّد المحقّق حسين البروجردي (1292- 1380)؛ فقد قضى عشرة أعوام من عمره الشريف في درس المحقّق الخراساني، و دوّن شيئا من أفكار استاذه، و ناقشها في موارد خاصّة تتجلّى في تعليقته الثمينة على «كفاية الاصول» في جزءين.

المطلب الثاني- حول حياة المؤلّف؛ أعني الشيخ الأنصاري‏

ولد الشيخ المرتضى الأنصاري في سنة 1214 ه في دزفول، و أخذ الدروس الأوّليّة ثمّ في الفقه و الاصول عن عمّه الشيخ حسين حتّى نال مرتبة سامية. و سافر مع والده إلى كربلاء و حضر عند السيّد المجاهد و شريف العلماء أربعة أعوام، ثمّ رجع إلى بلده و بقى هناك سنتين و عاد إلى كربلاء و استفاد من الشريف، و عزم على درس الشيخ موسى كاشف الغطاء في النجف، ثمّ إلى وطنه، و جال في البلدان بروجرد و اصفهان و تعلّم في كاشان عند النراقي سنوات و أجازه، ثمّ زار مشهد الرضا (عليه السلام) و عاد إلى مسقط رأسه و اجتمع عنده أهل الفضل و استفادوا من علمه. و بعد مدّة غادر وطنه لمجاورة الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) و استفاض من مجلس بحث الشيخ علي كاشف الغطاء و حضر درس صاحب الجواهر تبرّكا و احتراما، ثمّ استقلّ بالتدريس. و بعد وفاة صاحب الجواهر صار الزعيم الدينيّ للطائفة، و المدرّس الأوحد في الحوزة العلميّة، و تخرج عليه من العلماء و الطلّاب من يبلغ عددهم المآت؛ منهم: الميرزا محمّد حسن الشيرازي، و الميرزا محمّد حسن الآشتياني، و أبو القاسم كلانتر، و حسن النجم‏آبادي، و الميرزا حبيب اللّه الرشتي، و الآخوند الملّا حسنقلي الهمداني، و الشيخ عبد الحسين التستري، و الميرزا محمّد حسين النوري، و الشيخ محمّد حسن المامقاني، و الفاضل الشربياني، و الآخوند الملّا كاظم الخراساني (قدّس اللّه أسرارهم).

جمل الثناء عليه‏:

أثنى على الشيخ الأنصاري و أطراه الكثير من معاصريه و الّذين جاءوا بعده. و هاك نماذج ممّا قالوا فيه:

قال الملّا احمد النراقي (رحمه اللّه):

ممّن جدّ في الطلب و بذل الجهد في هذا المطلب ... (1).

و قال الميرزا حبيب اللّه الرشتي:

كأنّه من جودة النظر يأتي بما يقرب من شقّ القمر ... فضلا عمّن هو تالي العصمة علما و عملا.

قال الميرزا محمّد حسن الآشتياني:

فإنّ ما ذكرنا من التحقيق رشحة من رشحات تحقيقاته، و ذرّة من ذرّات فيوضاته، أدام اللّه أفضاله و أظلاله؛ فلا تحسبنّه غير خبير بهذه المطالب الواضحة، كيف و هو مبتكر في الفنّ بما لا يسبقه فيه سابق.

و أيضا قال:

و هذا لا يظنّ صدوره عن جاهل فضلا عن مثله (قدّس سرّه)، الّذي صرف عمره في علم الشريعة، مع ما هو عليه من التفرّد في دقّة النظر و استقامة الرأي و الاطّلاع على فتاوى الفقهاء (رضوان اللّه عليهم)، في عصره؛ فجزاه اللّه عن الإسلام خيرا، و حشره في حظيرة قدسه مع نبيّه و آله الطيّبين الطاهرين، (سلام اللّه عليهم أجمعين).

____________

(1)- مرّ في ص 5 من هذا الكتاب.

17

و قال السيّد محسن أمين العاملي:

الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي الأنصاري النجفي: ينتهي نسبه إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري. ولد في دزفول سنة 1214، و توفّى في جمادي الآخرة سنة 1281، و دفن في المشهد الغروي على يمين الخارج من الباب. الاستاذ الإمام المؤسّس، شيخ مشايخ الإماميّة.

و قال المحدّث النوري في مستدرك الوسائل‏ (1):

اعلم أنّ لنا طرقا متعدّدة إلى أصحابنا الأخيار، نروي بها ما ألّفوا في الأحاديث و الفقه و التفسير و سائر العلوم الدينيّة؛ فمنها ما أخبرني به إجازة خاتم الفقهاء و المجتهدين و أكمل الربّانيّين من العلماء الراسخين المتحلّى من أنوار دور أفكاره مدلهمّات غياهب الظلم من ليالي الجهالة و المستضي‏ء من ضياء شموس أنظاره خفايا زوايا طرق الرشد و الدلالة المنتهى إليه رئاسة الإماميّة في العلم و الورع و التقى الشيخ مرتضى بن المرحوم السعيد المولى محمّد أمين الأنصاري لانتهاء نسبه الشريف إلى جابر بن عبد اللّه بن حرام الأنصاري من خواصّ أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمّد بن عليّ الباقر (عليهم السلام) ...

ذكر تمام نسبه مفصّلا و مشروحا إلى جابر بن عبد اللّه الصحابي الأنصاري، و منه إلى قيذار بن اسماعيل بن ابراهيم الخليل، الشيخ أسد اللّه الدزفولى الأنصاري الواعظ المعاصر بطهران، في كتابه «حدائق الأدب». و ترجمه الفاضل في «المآثر»، و سيّدنا في «التكملة»، و كتب تلميذه الشيخ احمد آل طعان البحراني رسالة مستقلّة في ترجمته. و ترجمه شيخنا النوري في «خاتمة المستدرك»، و ذكر طرقه و مشايخه و تصانيفه في اصول الفقه‏ (2).

و في أحسن الوديعة (3):

الرابع: آية اللّه في العالمين، خاتمة المحقّقين الاصوليّين، و استاذ الخلائق في جميع الفضائل باليقين، مرتضى المصطفى و مصطفى المرتضى، غريق رحمة اللّه الباري، شيخ مشايخنا الأعظم، و استاذ أساتيذنا المسلّم، الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي الأنصاري، (قدّس اللّه روحه الزكيّة) و أسكنه بحابيح جنانه العليّة. و قد ولد هذا الشيخ السنة 1214 ه، و كان أزهد أهل زمانه و أورعهم و أتقاهم و أعلمهم و أفضلهم. و قد عكف مصنّفاته و تحقيقاته كلّ من نشأ بعده من العلماء العظام و الفقهاء الكرام، و صرفوا هممهم و بذلوا مجهودهم و حبسوا أفكارهم و أنظارهم فيها و عليها، و هم بعد ذلك معترفون بالعجز عن بلوغ مرامه فضلا عن الوصول إلى مقامه ....

المطلب الثالث- حول حياة المعلّق‏

نسبه:

هو آية اللّه الحاج غلام رضا ابن الحاج رجب علي القميّ، و من مفاخر علماء القرن الرابع عشر، و عرف ب «الحاج آقا آخوند»، تلميذ الشيخ الأعظم الأنصاري، و صاحب كتاب قلائد الفرائد تعليقة على الفرائد. و هو مع جلالة شأنه و عظم خطره و آثاره القيّمة، ذكره مهجور و أثره مستور.

____________

(1)- مستدرك الوسائل 3: 382.

(2)- انظر مصفّى المقال: 455.

(3)- أحسن الوديعة: 47.

18

الولادة:

لم نقف على تاريخ ولادته من مصدر موثوق إلّا أنّه من الممكن أن تكون ولادته حوالي عام 1255 ه ق؛ و ذلك لأنّه كان قرينا و زميلا و صديقا من أوان عمره للعلّامة السيّد صادق الروحاني، و قد لازمه طوال حياته، و قد ولد السيّد الروحاني في ذلك العام‏ (1).

دراسته:

بعد دراسة مقدّمات العلوم الدينيّة في قم و طهران و اصفهان درس الفلسفة عند العلّامة الشيخ علي النوري‏ (2). و في سنة 1279 ه ق نفر مع صديقه و زميله آية اللّه الحاج سيّد صادق الروحاني إلى مدينة باب مدينة العلم النجف الأشرف، و حضرا درس الشيخ الأنصاري- فقها و اصولا- سنتين من أواخر عمر الشيخ، و في هذين السنتين أحكم مبانيه و حفظ كلام الشيخ و معانيه، و جمع ما يلزمه في سبيل سلوك الرقى. و بعد وفاة الشيخ الأنصاري في سنة 1281 ه ق حضر المترجم درس اثنين من أكابر تلاميذ الشيخ؛ أعني الميرزا محمّد حسن الشيرازي (رحمه اللّه) و الميرزا حبيب اللّه الرشتي (رحمه اللّه) صاحب بدائع الأفكار، و خلال هذه المدّة راح شيخنا المترجم يواصل استكمال معارفه، و ينتهل من العلوم الحوزويّة ما جعله يرقى سلّم الوصول الى كبار العلماء و الفضلاء. ثمّ بعد هجرة الميرزا الشيرازيّ الى سامرّاء، تخيّر الشيخ غلام رضا و صديقه السيّد صادق ملازمة الميرزا حبيب اللّه الرشتيّ إلى سنة 1296 ه ق و آثراه للاقتباس من نور علمه فقهه و اصوله في مدّة ستّة عشر عاما (3).

العودة إلى «قم»:

بعد النفر و التفقّه في الدين، رجع سماحة الحاج آقا آخوند و الحاج السيّد صادق إلى وطنهما قم‏ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (4)، و قاما بالتدريس و الإفتاء و الوعظ و الإرشاد و إمامة الجماعة، و التفّ حولهم القميّون و استفادوا منهما حقّ الاستفادة. فاعتمد مترجمنا آية اللّه غلام رضا على كرسيّ تدريس علوم أهل البيت في مسجد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) بقم سنوات متمادية، أمّا صديقه الحاج السيّد صادق فقام بالقضاء و فصل الخصومات و إصلاح ذات البين في أكثر أوقاته‏ (5).

تلاميذه:

كان شيخنا المترجم مشتغلا بالتدريس و الزعامة الدينيّة، و ربّى لفيفا من ذوي الفضل؛ منهم:

1- آية اللّه الحاج السيّد محمود القميّ (رحمه اللّه) (1307- 1385) ابن الحاج السيّد صادق القميّ‏ (6).

2- آية اللّه الحاج الشيخ محمّد جواد القميّ ابن الحاج آخوند (1295- 1375 ه ق).

3- آية اللّه الحاج الشيخ عبد الهادي ابن الحاج آخوند (ت 1385 ه ق).

4- العلّامة الحجّة الشيخ محمّد علي الأرجستانيّ الكجوئيّ (ت 1330 ه ق) صاحب «أنوار المشعشعين في شرافة قم و القمّيين» (7).

5- آية اللّه الحاج السيّد عبّاس الرضويّ المبرقعيّ (ت 1335 ه ق).

____________

(1)- مقدّمة سرّ السعادة: 5.

(2)- نقباء البشر 4: 1657؛ و تاريخ قم: 278؛ و هدية الرازي: الرقم 167، أحوال الحاج السيّد صادق الروحانيّ.

(3)- نقباء البشر 1: 438.

(4)- التوبة: 122.

(5)- رجال قم: 99.

(6)- آثار الحجّة 2: 72.

(7)- كتاب‏شناسى آثار مربوط به قم: 132.

19

آثاره العلميّة:

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كتاب الرجل عنوان عقله و برهان فضله» (1)، و قال (عليه السلام) أيضا: «عقول الفضلاء في أطراف أقلامها» (2). على الرغم من اشتغال شيخنا آية اللّه غلام رضا في تربية الطلّاب و صرف جلّ وقته بتدريس الفقه و الاصول، فقد ألّف كتبا قيّمة، و منها يعلم أنّه جامع بين البيان و البنان؛ و إليك بعضها:

1- «قلائد الفرائد» أو «قلائد العقيان على نحور الخرّد (3) الحسان»

تزهو على قلائد العقيان‏* * * على نحور الخرّد الحسان‏

(4). هذا الكتاب من أشهر تآليفه، و قد فرغ منه المؤلّف عام 1312، و طبع عام 1314. و سنتعرّض لذكر خصائص هذا الأثر الشريف في ختام هذه المقدّمة.

2- قواعد الاصول، و تشتمل على مسألتي «اجتماع الأمر و النهي» و «الضدّ».

3- صلاة المسافر. 4- كتاب الصلاة. 5- كتاب القضاء. 6- كتاب الديات. 7- كنوز الجواهر (5).

أولاده:

قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): «الولد الصالح أجمل الذكرين» (6)، و سماحة آية اللّه غلام رضا القميّ مضافا الى آثاره العلميّة و تلاميذه الزكيّة، خلّف أولادا صالحين ذوي ذكر حسن في البريّة؛ منهم ما يلي:

1- آية اللّه الحاج الشيخ محمّد جواد المجتهد القميّ (1295- 1373 ه ق). هو أكبر أولاد الحاج آخوند سنّا و أعظمهم شأنا الّذي بعد التولّد في النجف الأشرف صحب أباه في مغادرته إلى قم في حال كونه سبع سنين، و درس الآليّات و المقدّمات من والده و آية اللّه الحاج آقا حسين القميّ. و لمّا تمّ العقد الثاني من عمره هاجر إلى طهران بإيصاء من والده فحضر بحوث الأمجاد الكبار:

الميرزا محمّد حسن الآشتيانيّ في الفقه و الاصول، و الحاج الشيخ علي النوري و الميرزا محمود الحكمي و الشيخ عبد الكريم السبزواريّ في الحكمة و الكلام. و لمّا ارتوى من نمير علمهم في المعقول و المنقول بعد ثلاث سنوات رجع إلى قم و استفاد من محضر أبيه سنة اخرى، إلى أن هاجر إلى النجف الأشرف عام 1319 فحضر أبحاث الآيات العظام: السيّد محمّد كاظم اليزديّ صاحب العروة، و الآخوند الخراسانيّ صاحب كفاية الاصول. فلمّا توفّى والده رجع إلى قم في سنة 1333 ه ق استجابة لطلب القميّين و اشتغل بالتدريس و الزعامة و التأليف و الوعظ الإرشاد، و أقام مقام أبيه إمامة الجماعة في مسجد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام).

و من آثاره العلميّة: الف) تقريرات الفقه من دروس آية اللّه السيّد محمّد كاظم اليزديّ.

ب) تقريرات الاصول من دروس آية اللّه الآخوند الخراسانيّ.

ج) صراط المستقيم؛ طبع في أربع مجلّدات؛ المجلّد الأوّل في إثبات الصانع و التوحيد، و المجلّد الثاني في فروع الدين، و المجلّد الثالث في المعاملات، و المجلّد الرابع في عدم جواز تقليد الميّت.

____________

(1)- غرر الحكم 2: 575، ح 41.

(2)- المصدر السابق: 502، ح 55.

(3)- جمع الخريدة: البكر لم تمسّ قطّ.

(4)- الاسم الواقعيّ هو «قلائد الفرائد»، و أمّا الثاني فهو مقتبس من قول بحر العلوم في منظومته:

تزهو على قلائد العقيان‏* * * على نحور الخرّد الحسان‏

(5)- الذريعة 17: 178؛ و نقباء البشر 4: 1657.

(6)- غرر الحكم 1: 65، ح 1704.

20

د) سعادت بشر: في إثبات نبوّة العامّة و الخاصّة.

ه) آيينه حق‏نما: في إثبات ولاية العامّة و الخاصّة.

و) توحيد قميّ؛ طبع في مجلّدين.

ز) كتاب الكيميا: في إثبات المعاد الجسمانيّ، طبع عام 1364 (1).

ح) ياقوت: ردّ على المادّيّين و الدهريّين‏ (2).

و بقي يواصل الكتابة و التأليف- و كان قد اشتغل بكتابة كتاب «الحادي عشر» التأليف الحادي عشر من تأليفاته- حتّى أدركه هادم اللذّات في سنة 1375 ه ق (1333 ه ش). و بعد تشييع عظيم، صلّى على جثمانه الطاهر آية اللّه العظمى البروجرديّ و دفن في حرم فاطمة المعصومة (سلام اللّه عليها) في مسجد «بالاسر» (3). و قد أوصى بكتبه و كتب والده إلى المرجع الديني الأعلى آية اللّه العظمى البروجرديّ (1292- 1380)، و هو (قدّس سرّه) أمر بإيداعها في مكتبة مدرسة الفيضيّة.

2- حجّة الإسلام الشيخ عبد الهادي القميّ.

و من أولاده الحاج على الفقيهي (رحمه اللّه). له علقة و رابطة خاصّة و خالصة بالأئمّة الطاهرين (عليهم السلام)، و كان عاشقا لأبي عبد اللّه (عليه السلام)، و لم يتوان في جهد في سبيل اعتلاء اسم الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) و إقامة مآتم الحسينيّة. و صرف عمره في إعانة الفقراء و المستضعفين و رفع حوائجهم، و أحيا ليله بالتهجّد و العبادة. و قضى العشرات من سنين عمره في قراءة زيارة العاشوراء كاملة.

و هو أهل الدعاء و الذكر و إتيان المستحبّات و من المحبّين لأهل العلم و العلماء. و بعد انتشار كتاب «قلائد الفرائد» بهمّته و همّة أخيه الحاج محسن الفقيهي الرضائي، قال: «و كنت في حالة خاصّة بين اليقظة و النوم، و كأنّه القي في روعي رضى آية اللّه العظمى الحاج آخوند غلام رضا و ارتياحه بطبع و نشر كتاب قلائد الفرائد مرّة ثانية».

و في الاسبوع الأخير من عمره و حيث كان في سلامة و صحّة تامّة، رأى في عالم الرؤيا أنّ موته قريب، فجمع أهله و أقربائه و ودّعهم و أوصاهم بوصاياه. و في الليلة السابقة من موته رأى موضعه في الجنّة و قال لابنه: رأيت موضعي و قصري في الجنّة ثمّ وصفه تفصيلا. و عند موته- و قبل انتشار خبره- رأى عدّة من أقربائه في المنام أنّ أحدا من محبّي أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) قد رحل من الدنيا. نرجوا من اللّه تعالى أن يشمله و جميع محبّي أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) في الآخرة شفاعته و عنايته. آمين ربّ العالمين.

3- حجّة الإسلام الشيخ محمّد القميّ.

4- حجّة الإسلام الحاج آقا حسين القميّ‏ (4).

هذه الثلاثة من تلامذة الآيات العظام: الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري، و الحجّة، و السيّد محمّد تقي الخوانساري، و السيّد البروجرديّ.

الوفاة و المدفن:

بعد عمر قضاه في العلم و الخدمات الاجتماعيّة الكثيرة، في عام 1332 ه ق لبّى نداء ربّه، و عرجت روحه الطاهرة إلى بارئها

____________

(1)- نقباء البشر 4: 1657.

(2)- رجال قم: 150؛ و كتاب كيمياء: 239.

(3)- آثار الحجّة 2: 66- 67.

(4)- آثار الحجّة 2: 100 و 108 و 91؛ و رجال قم: 130 و 150.

21

راضية مرضيّة عن عمر ناهز الخامسة و السبعين، و شيّعه القميّون تشييعا عظيما، و دفن في حرم السيّدة المعصومة الإيوان الزجاجيّ فسلام اللّه عليه يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث حيّا.

خصائصه الروحيّة و الأخلاقيّة:

عرف شيخنا الحاج الآقا آخوند بأنّه عالم متواضع بعيد عن مظاهر الاستعلاء و الشخوص و التمنّن و الانانيّة، و كان (رحمه اللّه) متجافيا عن زخارف الدنيا الدنيّة، و لم يزل مشغولا بإصلاح ذات البين و فصل الخصومات و حلّ الدعاوي بين الناس و التدريس و التأليف و إقامة الجماعة و السعي في رفع حوائج الناس برحابة صدر؛ و بذلك صار له شأن كبير و خطب نبيل عند القميّين حتّى إنّهم عمدوا إلى تقطيع قميصه، و حرصوا على الاحتفاظ بقطع صغيرة منه لجعلها في أكفانهم تبرّكا بها.

و من مظاهر تواضعه: إنّه في بعض الأيّام وصلت إليه رسالة لقّب فيها ب «حجّة الإسلام» فتألّم من هذا الوصف كثيرا؛ لأنّه لم ير نفسه مستحقّا لهذا اللقب و قال: «إنّما الشيخ كان حجّة الإسلام لا غيره».

و كان قد أوصى أيضا أن يكون تجهيزه و تشييعه كسائر الناس و بدون تشريفات‏ (1).

شخصيّته في كلمات الأعلام:

1- في «هدية الرازي الى المجدّد الشيرازيّ» ما هذا مثاله:

من أكابر علماء قم، و من تلاميذ الشيخ الأنصاري و الميرزا الشيرازي في النجف الأشرف، ثمّ غادر إلى قم رئيسا مدرّسا، و قد كتب حاشية على رسائل العلّامة الأنصاري‏ (2).

2- يذكره ناصر الشريعة في «تاريخ قم»، و قال ما هذا مثاله:

الحاج ملّا غلام رضا بن رجب علي المعروف ب «حاج آخوند» المتوفّى عام 1332. كان من رعيل الأوّل من علماء قم و أكابرها، ضمّ إلى علمه الجمّ قدسيّة نفسيّة فصار منارا للعلم و مثالا للتقوى‏ (3).

3- قال الحاج الشيخ مرتضى الأنصاري الدزفولي في توصيفه:

فقيه اصوليّ، زاهد متّقي، محقّق مدقّق، جامع المعقول و المنقول، و من أجلّة تلامذة الشيخ الأعظم‏ (4).

و تجد نظير هذه الكلمات في كتاب «مؤلّفين كتب چاپى» لخان بابا مشار: 695، و «رجال قم» للسيّد محمّد مقدّس‏زاده.

المطلب الرابع- خصائص كتاب قلائد الفرائد

هذا الكتاب الماثل بيت يديك كان من أشهر تأليفات الحاج ملّا غلام رضا، و هو من أنفع التعليقات على فرائد شيخنا الأعظم الأنصاري. فبالإضافة إلى كونه موجزا مختصرا، أوضح المراد و أتقن الشرح، و مع ذلك بقي الكتاب مهجورا بين الأساتذة فضلا عن التلامذة. و لعلّ منشأ ذلك طباعته بالأوفست، بحيث لا تجد النفس رغبة في مطالعته و لا شوقا إلى مدارسته، و النظر فيه يؤدّي إلى ملل المطالع في متابعته، و الاستمرار في قراءته، مع أنّ فيه فوائد شتّى من علم الاصول، و حاويا لأقوال أهل الخبر و الاصول، من فقهاء أهل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)؛ نشير إلى نبذة منها:

الف- حيث إنّ شيخنا المحشّي كان تلميذ الشيخ الأنصاري في أواخر عمره الشريف و قد درّس الشيخ الأنصاري حينئذ

____________

(1)- ستارگان حرم 6: 163- 164.

(2)- هدية الرازي: 178.

(3)- تاريخ قم: 278.

(4)- زندگى و شخصيّت شيخ أنصاري: 298.

22

رسائله الشريفة، فكان هذا التأليف مشحونا بمطالب كثيرة، نقلها عن الشيخ بلا واسطة، نذكر هذا منها رجاء أن لا تكون مخلّة و لا مملّة:

1- «توضيح المقام حسب ما استفدته من المصنّف في مجلس درسه الشريف ...». قلائد الفرائد 1: 48

2- قال فيما اشتهر: «أنّ للمصيب أجرين و للمخطئ أجرا واحدا»: «إنّما نسبه إلى الاشتهار دون الرواية؛ لعدم اطّلاعه- على ما أفاده في الدرس- على كونه رواية». 59

3- «و قد أجاب (رحمه اللّه) عمّا ذكره المفصّل بوجوه ثالثها غير مذكور في المتن بل أفاده (رحمه اللّه) في الدرس ...». 66

4- «وجه الفرق بينهما على ما أفاده في الدرس ...». 69

ب- ذكر أمثلة جيّدة لتفهيم عبارات المتن؛ مثل ما ذكره في تعريف القطع الطريقيّ و الموضوعيّ و الفرق بينهما؛ حيث قال:

«و إن شئت توضيح ذلك فاجر مثل القطع كمثل السراج؛ فإنّ كشف قيام زيد مثلا بالسراج حين اشتعاله لا يصير واسطة لثبوت المحمول للموضوع؛ لأنّ ثبوته له واقع في الخارج و إن لم يشتعل السراج، فكذلك القطع». 39

ج- جامعيّته؛ من حيث بيان مطالب كثيرة، من النحو و الرجال و الدراية، و الفقه و الاصول و الرواية؛ ذكره بمناسبة ما قاله الشيخ في متن الرسائل العلميّة الّتي اقتبس من نورها من ألّف بعده الرسائل العمليّة. و هذه الإفادات يفيد المفيد و المستفيد فوائد جزيلة، و نفسي الحقير استفدت منها جدّا في حين دراستي للرسائل في الحوزة العلميّة، و رأيت فيها من المطالب المفيدة ما لا رأيته في غيرها على الرسائل من التعليقة؛ و إليك بعضها:

1- «أمّا الأوّل: أعني كلمة فاعلم، فاعلم أنّ الفاء فيه جواب لأمّا المقدّرة». 26

2- «هذا بيان للموصول في قوله: «ما يستفاد من الأخبار»». 88

3- «إنّ هذا عطف على قوله: «على التصدّقات»». 89

4- «إنّ المبادي للعلّامة (رحمه اللّه)، و غاية البادي في شرح المبادي ...». 151

5- قال حول كتاب قرب الإسناد: «الهمزة فيه مكسورة، و قرب الإسناد اسم كتاب للشيخ الجليل ...». 180

6- قال حول الحديث المعروف: «من حفظ على امّتي أربعين حديثا ...»: «إنّ «حفظ» من باب «علم»، و مصدره الحفظ بالكسر؛ و المراد به ما يعمّ الحفظ من ظهر القلب و النقل بين الناس ... و على بمعنى اللام؛ أي حفظ لأجل امّتي أي لانتفاعهم». 184

7- قال حول «الوشّاء» أحد من الرواة: «إنّه بالشين المعجمة المشدّدة، اسمه الحسن بن عليّ بن زياد الوشّاء. قال في الخلاصة: «و كان من وجوه هذه الطائفة»». 186

8- قال حول كتاب عوالي اللئالي: «لم أر من أتى بمقام ضبط كلمة «غوالي» و أنّه بالغين المعجمة أو المهملة، و كلّ منهما محتمل ...». 191

د- الاختصار و الايجاز، و التحاشي و الاحتراز عن التطويل بلا طائل.

ه- النقد و الإشكال، و النقض و الإبرام بالنسبة إلى بعض ما قاله الشيخ؛ نحو:

1- «يمكن المناقشة في الاستصحاب المزبور ...». 48

2- «ربما يناقش في الإجماع المزبور ...». 97

23

3- «في العبارة مسامحة ...». 160

4- «إنّ هذا ينافي ما سبق من إباء أخبار العرض، عن التخصيص». 162

5- «ربما يقع في بعض الأوهام إشكال شكيل في المقام ... و يمكن دفعه ...». 89

و- تعيين من ذكرهم الشيخ تحت عناوين: بعض المعاصرين، بعض الأعلام و نحو ذلك؛ و إليك نموذج منها:

1- قال في ذيل قول الشيخ: «و قد يظهر من بعض المعاصرين ...»: «إنّ المعاصر المزبور هو صاحب الفصول». 65

2- «إنّ المراد بهذا القائل هو المعاصر المفصّل السابق». 69

3- «ببالي أنّه ذكر في الدرس أنّ المراد به هو استاده؛ أعني العالم الربّانيّ و المحقّق الصمدانيّ شريف بن الملّا حسنعلي، المازندرانيّ أصلا و الحائريّ مسكنا و مدفنا، المعروف ب «شريف العلماء»». 186

4- «أوّل من تمسّك بها من المجتهدين- على ما قيل- صاحب الوافية و شارحه، و شيخنا البهائي أيضا في الجملة». 190

ز- نقل المحشّي بعض حواشي الرسائل المنسوبة إلى الشيخ تحت عنوان حاشية «منه»؛ نحو:

1- «قال المصنّف (رحمه اللّه) في الحاشية على قوله هذا، ما لفظه ...». 70

2- «قال (رحمه اللّه) في الحاشية: وجه التأمّل أنّ ظاهر العلماء ...». 151

ح- استعمال الكلمات المسجّع الّذي ينبئ عن ذوقه الأدبيّ؛ إليك بعضها:

1- «مع أنّ فيهم من هو في دقّة النظر في قصوى مرتبة الكمال، و في متانة الفكر في أعلى مرتبة الجمال». 488

2- «فله بلا كلام، دخل في المقام». 485

3- «توضيح ما للمحقّق القميّ من المراد، بحيث يسقط به ما ذكره المصنّف من الإيراد». 490

4- «فإنّه بالعيان، بمحلّ التكذيب من الوجدان». 500

5- «إنّ الدعوى المزبورة في المقام، نفخة بلا ضرام». 505

6- «شرح هذا الجواب، بحيث يقع منه فرح في قلب الأصحاب». 521

7- «أيّها المنادي لمن تنادي لقد فرحت فؤادي، و ها أنا حاضر في مقام الجواب و رفع ما بدا لك من الارتياب». 574

ط- تراجم العلماء و الفقهاء.

ى- بيان وجوه التأمّل في قوله (رحمه اللّه): «فتأمّل» أو «فافهم»، في جميع الكتاب.

ك- نقل تصحيحات الشيخ بالنسبة إلى بعض عبارات الرسائل.

و قد قرّظه يوم طبع، العلّامة السّيد مهدى القميّ بأبيات:

كم ركبوا سفينة البراءة* * * و راموا الاستصحاب بالقراءة

تحيّروا في لجج القواعد* * * ما وصلوا حقيقة المقاصد

عليك في بلوغك الفوائد* * * بهذه القلادة للفرائد

قد نزلت في كتب الاصول‏* * * منزلة الربيع في الفصول‏

شاملة دقائق القوانين‏* * * كاشفة الغطاء من العناوين‏

24

تملأ من بدائع الدقيقة* * * تميّز المجاز عن حقيقة

قال لنا السادة ورّخوها* * * أجبتهم بديهة «خذوها» (1)

و نذكر في الختام ما لبعض الأعلام من الكلام في تقريظ هذه القلادة:

قال سماحة آية اللّه العظمى الحاج سيّد موسى الشبيري الزنجاني دام ظلّه: «أنفع الشروح للمبتدي قلائد العقيان، و هذا التأليف يكون موجزا سهل التناول، و مؤلّفه فهم كلمات الشيخ كما هو حقّه».

و قال آية اللّه الحاج سيّد مهدي الروحاني (رحمه اللّه): «لمّا رأى جدّنا الحاج سيّد صادق هذه التعليقة قال: علم المولى غلام رضا أزيد من هذا الكتاب، و هذا ليس تمام علمه».

مراحل تحقيق الكتاب‏

تمّ تحقيق الكتاب ضمن مراحل:

1- مقابلة الطبعة الجديدة (الصّف الكمبيوتري الجديد) مع النسخة المطبوعة المتداولة أربع مرّات.

2- حاولنا جهدنا استخراج الكلمات الّتي طمست في الطبع القديم، و العثور على القسط الحاصل فيه من خلال سياق العبارة أو بالرجوع إلى مصادر الّتي نقلت منها العبارة.

3- استخرجنا مصادر جميع النصوص و الشواهد و الأقوال إلّا ما لم نعثر عليه بعد الفحص و اليأس من وجوده.

4- شرح المفردات اللغويّة الّتي رأينا أنّ الحاجة تستدعي إلى شرحها و توضيحها.

5- راعينا إلى أقصى حدود الإمكان الإملاء الحديث في رسم خطّ الكلمات.

6- عمدنا إلى تشكيل بعض الكلمات بالحركات الإعرابيّة و التشديد في حالة اللزوم و الحاجة.

7- راعينا القواعد الحديث في تقويم النصّ و التقطيع و وضع علائم الترقيم و تصحيح النصوص.

8- تنضيد الحروف و العناوين بنحو روعيت فيه الجوانب الفنّيّة و الجماليّة.

9- عمدنا إلى إبراز العناوين و رءوس المطالب بتضبيبها، كما راعينا إبراز و تمييز بعض الكلمات و الأعلام بخطّ يختلف عن خطّ المتن كي تتوضّح للقارئ، و تسهل ملاحظتها.

10- تنظيم الفهارس بنحو دقيق لمتن الكتاب و التحقيقات الّتي زدناها عليه؛ لتتحقّق الاستفادة الكاملة من جميع مطالب الكتاب متنا و تحقيقا.

و في الختام نسأل اللّه الإخلاص فإنّه الأصل و الأساس، و اللّه الموفّق للسداد و الصواب، و إليه المرجع و المآب.

قم المقدّسة- مؤسّسة ميراث النبوّة محمّد حسن الشفيعي الشاهروديّ عفى عنه‏ 7/ 6/ 1386 ه ش 15/ شعبان/ 1428 ه ق‏

____________

(1)- هذا مادّة تاريخ فراغ المؤلّف من التأليف؛ أعني 1312 ه ق: 1312- (1) أ+ (5) ه+ (6) و+ (700) ذ+ (600) خ.

25

[وجه تسمية هذه التعليقة ب «قلائد الفرائد»]

بسم اللّه الرحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

أمّا بعد فيقول الفقير إلى اللّه تعالى الغنيّ، غلام رضا ابن الحاج رجبعليّ القميّ عفى عنهما: إنّ هذه قلادة ذات شذر (1) قد قلّدتها على الكتاب المتلقّى بالقبول عند من هو في طبقة متأخّري المتأخّرين من الفحول، المسمّى في ألسنة أهل العلم «بفرائد الاصول»، و لعمري إنّه كتاب كريم لمن هو حبر عليم. و ما أنسب بالمقام المثل السائر في لسان الأنام: «ما أحسن الجمل لو لا القلادة» (2).

____________

(1)- قطع من الذهب يلقط من المعدن من غير إذابة الحجارة؛ انظر لسان العرب، مادّة «شذر».

(2)- قال في زهر الربيع: 80: «ضلّ أعرابيّ بعيرا، فحلف إن وجده أن يبيعه بدرهم واحد، فلم يحتمل قلبه أن يبيعه بذلك الثمن، فعمد إلى سنّور و علّقه في عنقه و أخذ ينادي: الجمل بدرهم و السنّور بخمس مائة، و لا أبيعهما إلّا معا، فمرّ بعض الأعراب به و قال: ما أرخص الجمل لو لا القلادة»، انتهى. إنّما عدلت من قوله: «ما أرخص» إلى كلمة «ما أحسن»؛ لأنّ الغرض إنّما هو مذمّة هذه التعليقة و هي لا تحصل إلّا بالعدول المزبور كما لا يخفى؛ منه عفى عنه.

26

[حول عبارة «فاعلم»:]

1- قوله طاب ثراه: «فاعلم: أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي فإمّا أن يحصل له الشّك فيه، أو القطع، أو الظنّ ...»

(فرائد الاصول 1: 25) (1)

أقول: تبيان أركان هذا العنوان لكي يخرج منه اللؤلؤ و المرجان، إنّما هو بإطلاق ما للقلم من العنان في البحث عن كلّ من الألفاظ المأخوذة في هذا الكلام العالي الشّأن؛ فنقول:

أمّا الأوّل: أعني كلمة فاعلم، فاعلم أنّ الفاء فيه جواب لأمّا المقدّرة.

و أمّا الثاني: أعني المكلّف، فيقع الكلام فيه في جهات:

الاولى: أنّ المراد به هو المكلّف الشأني أي البالغ العاقل القابل لتوجّه التكليف إليه، لا من تنجّز في حقّه التكليف فعلا.

و بما ذكر يندفع ما ربما يتوهّم في المقام: من أنّ مفاد مفهوم القضيّة، أنّ المكلّف إذا لم يلتفت فهو أيضا مكلّف إلّا أنّه لا يحصل له الأوصاف الثلاثة من القطع و الظنّ و الشكّ، مع أنّه إذا لم يلتفت فليس بمكلّف.

و وجه الاندفاع ظاهر؛ فتأمّل. و يمكن دفعه أيضا بأنّ القضيّة سيقت لبيان حال الموضوع أعني المكلّف، فليس لها مفهوم.

الثانية: أنّ المراد به هو المجتهد لا المقلّد؛ لأنّ المقصود بالذات في هذا الكتاب بل سائر كتب الاصول، إنّما هو البحث عن الأدلّة التفصيليّة لكي يستنبط منها الأحكام الكلّيّة، و هي لا تجري في حقّ المقلّد. و الكلام في الاصول العمليّة و البحث عن حجّيّة الظنون الاجتهاديّة أيضا كذلك؛ فإنّ الاستصحاب الّذي يكون ذكره في الاصول مقصودا بالذات هو ما يثبت الحكم الكلّيّ؛ كما إذا شككنا في نجاسة الماء المتغيّر بالنجس بعد زوال تغيّره بنفسه فنستصحب النجاسة، و إجراء

____________

(1)- فرائد الاصول/ لمرتضى الأنصاري (رحمه اللّه)؛ إعداد و تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم.

27

مثله لا يكون إلّا للمجتهد.

فإن قلت: أ ليس المصنّف (رحمه اللّه) قد تعرّض في باب الاستصحاب للبحث عن الاستصحاب الجاري في الموضوعات، و في باب البراءة للبحث عن أصالة البراءة الجارية في الشبهات الموضوعيّة، و هما جاريان في حقّ المقلّد أيضا؟!

قلت: نعم، هو كذلك، لكنّه من باب الاستطراد، لا أنّه المقصود بالذّكر في علم الاصول.

فتلخّص: أنّ المراد بالمكلّف المذكور في المتن، هو المجتهد؛ لأنّ من يثمر قطعه أو ظنّه أو شكّه في إثبات الأحكام الكلّيّة هو هذا الشخص الشريف دون المقلّد، فلم يكن المقصود في هذا الكتاب بيان حكم قطعه أو ظنّه أو شكّه.

الثالثة: أنّه قد يتوهّم عدم اختصاص حصول العلم أو الظنّ أو الشكّ بالمكلّف؛ لأنّ الصبي- سيّما إذا كان عالما بمدارك الأحكام- لو التفت إلى حكم شرعيّ، يحصل له أيضا إحدى الحالات الثلاث، فلا وجه للاختصاص.

و يندفع: بأنّ قطع غير المكلّف و ظنّه و شكّه لا يترتّب عليه ثمرة من ثبوت التكليف و عدمه، و إنّما المثمر من الأوصاف الثلاثة ما حصل منها لمن شأنه أن يخاطب و يكلّف دون غير المكلّف؛ و لذا حكي الإجماع على اشتراط البلوغ في المفتي و القاضي؛ معلّلا بأنّ الصبي لا ينفذ قوله في حقّ نفسه، فأولى بأن لا ينفذ على غيره.

و أمّا الثالث: أعني قوله: «إذا التفت»، فنقول: إنّ تقييد المكلّف، به إنّما هو لإخراج الغافل و غير الملتفت؛ لعدم حصول الحالات المقصودة بالبحث عنها، له‏ (1) و غفلته لا تخلو: إمّا أن تكون ممّا هو من الاصول أو الفروع. و على الأخير:

____________

(1)- متعلّق بقوله: «حصول»، و الضمير راجع إلى الغافل و غير الملتفت.

28

إمّا أن تكون من العبادات أو المعاملات. و على كلّ منها: إمّا أن يكون قاصرا أو مقصّرا. و على التقادير فله حكم مذكور في باب الاجتهاد و التقليد. و ليس البحث عنه مقصودا بالذات في هذا الكتاب.

و أمّا الرابع: أعني قوله: «حكم شرعيّ»، فنقول: إنّ المراد به ما هو أعمّ من التكليفيّ و الوضعيّ، سواء، قلنا بأنّ مرجع الثاني إلى الأوّل كما هو مذهب المصنّف (رحمه اللّه)، أم لا بل هو مجعول بجعل مستقلّ.

2- قوله (رحمه اللّه): «فإمّا أن يحصل له الشكّ فيه أو القطع أو الظنّ»

(1: 25)

أقول: إنّ الحصر المزبور عقليّ؛ لأنّ المكلّف إذا التفت إلى وجوب صلاة الجمعة مثلا فلا يخلو: إمّا أن يكون قاطعا به فهو الثاني، أو يكون مردّدا. و على الثاني: إمّا أن يكون طرفا ترديده متساويين فهو الأوّل، أو يكون أحد طرفيه راجحا و الآخر مرجوحا و هو الثالث؛ و على هذا فالوهم يكون لازم الحصول للظنّ، و حكمه حكم الشكّ إن كان في قبال الظنّ الغير المعتبر، و إلّا فلا اعتناء به؛ و هذا هو النكتة في عدم تعرّض المصنّف (رحمه اللّه) لحال الوهم مع أنّه أيضا من الحالات العارضة للمكلّف.

و دعوى: أنّ الوهم لم يتعلّق بالحكم بل بنفيه و هو خلاف ظاهر العنوان.

مدفوعة: بأنّ المراد هو تعلّق أحد الأوصاف الثلاثة بالحكم الشرعيّ سواء تعلق بوجوده أو بعدمه؛ هذا.

3- قوله (رحمه اللّه): «فإن حصل له الشكّ فالمرجع فيه هي القواعد الشرعيّة الثابتة للشاكّ في مقام العمل، و تسمّى بالاصول العمليّة ...»

(1: 25)

أقول: إنّ المراد بالشكّ هنا ما هو أعمّ من الظنّ المشكوك الاعتبار؛ فالظنّ المشكوك الاعتبار مندرج تحت الشكّ حقيقة، لا أنّه ظنّ و حكمه حكم الشكّ.

29

و وجهه: أنّ من ظنّ بالحكم الشرعيّ الواقعيّ من أمارة مشكوك الاعتبار، يكون لكونه شاكّا في حجّيّة ظنّه، شاكّا في كون مظنونه حكما فعليّا في حقّه؛ فالمرجع له هو الاصول العمليّة.

و دعوى: أنّ الظنّ بالواقع صفة راجحة و الشكّ في اعتباره لا يوجب انقلابه إلى الشكّ؛ كيف، و الشارع ليس له التصرّف في الاعتقاد؟!

مدفوعة: بأنّ الظنّ بالنسبة إلى الواقع، و الشكّ إنّما هو في الحكم الفعليّ، فهو في الحكم الفعليّ شاك حقيقة.

و كيف كان: فإن أراد المصنّف (رحمه اللّه) من الشكّ في كلامه ما هو أعمّ فهو، و إلّا فيرد عليه: أنّ الظنّ المشكوك الاعتبار حينئذ داخل في الظنّ مع أنّ المرجع فيه هو الاصول العمليّة.

اعلم: أنّ وجه تسميتها بالاصول العمليّة إنّما هو من جهة أنّها ممّا يحتاج إليها المجتهد في مقام العمل بعد العجز عن الاجتهاد و تحصيل الحكم الواقعيّ بالقطع أو الظنّ المعتبر.

4- قوله (رحمه اللّه): «و هي منحصرة في أربعة»

(1: 25)

أقول: إنّ الحصر المزبور- لكونه دائرا بين النفي و الإثبات- أيضا عقليّ.

فإن قلت: كيف يكون المرجع للشاك منحصرا في الاصول الأربعة مع أنّا نرى الفقهاء متمسّكين في الكتب الفقهيّة باصول شتّى غير هذه الأربعة و كلّها للشاكّ؛ كقاعدة الطهارة للشاكّ فيها، (1) و القرعة حيث إنّها لكلّ أمر مشتبه، (2) و أصالة الصحّة

____________

(1)- انظر القواعد الفقهيّة للمكارم 2: 417.

(2)- راجع القواعد الفقهيّة للبجنورديّ 1: 46؛ و وسائل الشيعة 18: 189 و 191، الباب 13 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى؛ و من لا يحضره الفقيه 3: 92، لكن فيهما: «كلّ مجهول ففيه القرعة»؛ و أنوار الاصول للمكارم 3: 492.

30

للشاكّ فيها (1)، و قاعدة الفراغ‏ (2)، و أصل العدم‏ (3)، إلى غير ذلك من الاصول.

قلت: ما ذكرته من الاصول بين صنفين: صنف منها لا دخل له بالمقام؛ لما عرفت من أنّ كلامنا في الشكّ في الحكم الشرعيّ، و المرجع للشاك في الحكم الشرعيّ الكلّى منحصر في الأربعة المرقومة في المتن، و أمّا أكثر ما ذكرته فإنّما هو لإثبات الموضوع المشكوك دون الحكم الشرعيّ، كالقرعة و أصالة الصحّة و قاعدة الفراغ؛ فإنّها جارية في الشبهات الموضوعيّة دون الحكميّة.

و صنف منها داخل في المقام و مرجعه إلى أحد الأربعة المذكورة كأصالة الطهارة و أصالة العدم؛ أمّا الاولى، فلأنّها راجعة إلى أصالة البراءة عن وجوب الاجتناب كما عن الوحيد البهبهانيّ (رحمه اللّه). و أمّا الثانية، فلانّها راجعة إلى الاستصحاب كما يأتي في بابه، و إلّا فلا اعتبار به أصلا. و تحقيق الكلام فيه يطلب من ذلك الباب.

5- قوله (رحمه اللّه): «لأنّ الشكّ أمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة أم لا»

(1: 25)

أقول: إنّما اعتبر ملاحظة الحالة السابقة دون وجودها؛ لأنّ مجرّد وجودها لا ينفع؛ كيف، و وجود الحالة السابقة قد يتحقّق في مجرى البراءة و الاحتياط أيضا؟! و لهذا قيل إنّ موارد الاصول قد تتداخل؛ بمعنى أنّه قد يوجد مورد واحد مجرى لاثنين منها، و مدار الفرق بين الاستصحاب و سائر الاصول على ملاحظة الحالة السابقة و عدمها.

و كيف كان: فالمعتبر في مجرى الاستصحاب أمران:

أحدهما: اليقين السابق.

و الثاني: لحاظ حاله.

____________

(1)- القواعد الفقهيّة للبجنورديّ 1: 239.

(2)- المصدر السابق: 264.

(3)- قد تمسّك الشهيد في الروضة و غيره بأصالة عدم الحادث كثيرا؛ فراجع.

31

و هما مقتضيان لجريان الاستصحاب لو لا وجود المانع و إلّا فلا مجرى له.

و شكوك الصلاة من هذا القبيل؛ حيث ورد البناء فيها على الأكثر مع أنّ الاستصحاب يقتضي البناء على الأقلّ‏ (1).

و كيف كان: يتوجّه في مجارى الاصول حسب ما أفاده (رحمه اللّه) في المتن إشكالان:

أحدهما: أنّ لنا موارد لا يمكن الاحتياط فيها مع كونها مجاري للبراءة؛ كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة، و دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و الاستحباب، و دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و الكراهة؛ حيث إنّ الاحتياط فيها لا يمكن مع أنّ المرجع فيها من الاصول محقّقا هو البراءة.

و لا يخفى: أنّ هذا الإشكال لا يرد على مجاري الاصول حسب ما أفاده في الحاشية (2)؛ و ذلك لأنّ مفاد عبارة الحاشية إنّما هو جريان البراءة فيما إذا كان الشكّ في التكليف مطلقا، سواء كان ممّا أمكن الاحتياط فيه أم لا، و الصور المزبورة و إن لم يمكن الاحتياط فيها لكنّ الشكّ فيها في التكليف، فلا بدّ فيها من الرجوع إلى البراءة.

____________

(1)- قال المحقّق النائينيّ: «إنّما قيّدنا مجرى الاستصحاب بلحاظ الحالة السابقة و لم نكتف بمجرّد وجودها؛ فإنّ مجرّد وجودها بلا لحاظها لا يكفي في كونها مجرى الاستصحاب؛ إذ هناك من ينكر اعتبار الاستصحاب كلّيّة، أو في خصوص الأحكام الكلّيّة، أو في خصوص الشك في المقتضي- على اختلاف الأقوال فيه- فالمنكر يدّعي أنّ وجود الحالة السابقة كعدمها لا تكون مجرى الاستصحاب. و هذا بخلاف ما إذا لوحظت فيه الحالة السابقة؛ فإنّ لحاظها إنّما يكون لأجل جريان الاستصحاب، و يكون الشك الملحوظ فيه الحالة السابقة مجرى الاستصحاب على جميع الأقوال فيه»؛ انظر فوائد الاصول 3: 5.

(2)- مراده من الحاشية ما زاده الشيخ (رحمه اللّه) بقلمه الشريف في حاشية الرسائل بقوله: «و بعبارة اخرى»، و هذا من جملة الإصلاحات الّتي أثبتها حين تدريس الرسائل، على ما نقل.

32

و هذا بخلاف عبارة المتن؛ فإنّ مفادها جريان البراءة فيما إذا كان الشكّ في التكليف و كان ممّا يمكن الاحتياط فيها، و الصور المزبورة و إن كان الشكّ فيها في التكليف لكن لا يمكن الاحتياط فيها، فلا وجه فيها لجريان البراءة.

و يمكن التفصّي عن الإشكال المزبور بأن يقال: إنّ للشكّ طرفين، و ما ذكر من الأمثلة إن جعل أحد طرفي الشكّ فيه، الإلزاميّ- أعمّ من الوجوب و الحرمة- و الطرف الآخر غير الإلزاميّ- كالإباحة في الأوّل و الاستحباب في الثاني و الكراهة في الثالث- فحينئذ يمكن الاحتياط فيها؛ لأنّ الأخذ بأيّ واحد من الإلزاميّين، احتياط بالنظر إلى الطرف الغير الإلزاميّ، و لا مانع من جريان البراءة فيها على هذا التقدير.

و إن جعل أحد الطرفين أحد الإلزاميّين و الطرف الآخر، الآخر، سلّمنا عدم إمكان الاحتياط فيها حينئذ، و لكن لا نقول بكون الجاري فيها هو البراءة بل الجاري هو التخيير. هذا كلّه في الإشكال الأوّل.

و ثانيهما: ما يرد على المتن و الحاشية: و هو أنّه إذا دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة آخر، فمختاره (رحمه اللّه) فيه- كما يأتي في فروع العلم الإجماليّ- هو الاحتياط، و مقتضى ما ذكره فيهما هو البراءة؛ لأنّ الشكّ فيه في التكليف.

و لا يخفى: أنّه بالنسبة إلى الحاشية قابل للدفع؛ بأن يقال: إنّ المراد بالتكليف المسطور فيها هو خصوص جنس التكليف، و الشكّ في المثال المزبور شكّ في نوع التكليف، فلا منافاة.

و هذا بخلاف المتن؛ فأنّه لا يمكن أن يراد بالتكليف فيه خصوص جنس التكليف؛ لأنّ ما في قباله هو المكلّف به، و نوع التكليف لا يندرج تحته، و هذا بخلاف كلمة «أو لا» المرسوم في الحاشية؛ فإنّه صالح لأن يراد به ما هو أعمّ من نوع التكليف و المكلّف به.

33

بقي في المقام نكتتان:

الاولى: أنّ الكلام- على ما مرّ في صدر العنوان- إنّما هو في المتلف إلى الحكم الشرعيّ، و هو ينافي الشكّ إلى الشكّ في التكليف و المكلّف به؛ ضرورة أنّ الأخير ليس من الحكم في شي‏ء.

و دفع المنافاة: بأنّه لا معنى للالتفات إلى الحكم الشرعيّ مع قطع النظر عن الموضوع، فالشاك في الحكم الشرعيّ تارة يكون شكّه فيه بسبب الشكّ في المحمول، و اخرى بسبب الشكّ في الموضوع.

الثانية: أنّه ما الفرق بين البراءة و التخيير و كلّ براءة مستلزمة للتخيير في مقام العمل لا محالة؟

و يمكن الفرق بينهما: بأنّ البراءة تقتضي رفع التكليف و الإلزام، بخلاف التخيير؛ فإنّه التزام بلزوم الفعل أو الترك. و أيضا أنّ المدرك في الأوّل قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» و المدرك في الثاني إنّما هو عدم إمكان الجمع بين الطرفين و عدم جواز الخلوّ عنهما مع عدم الترجيح.

6- قوله (رحمه اللّه): «و ما ذكرنا هو المختار في مجارى الاصول الأربعة»

(1: 26)

أقول: سيأتي الخلاف من الأخباريّين في الشكّ في التكليف إذا كانت الشبهة حكميّة؛ حيث ذهبوا فيه إلى الاحتياط. و أيضا يأتي الخلاف من المحقّقين الخوانساريّ (رحمه اللّه) و القميّ (رحمه اللّه) في الشكّ في المكلّف به؛ حيث ذهبا فيه إلى البراءة.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

المقصد الأوّل في القطع‏

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

[لنا في المقام دعويان‏]

7- قوله (رحمه اللّه): «أمّا المقصد الأوّل: فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ...»

(1: 29)

أقول: من الواضحات الغنيّة عن البيان، ما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) في هذا العنوان؛ أعني عدم قابلية القطع للتصرّف فيه من حيث الحجّيّة و عدمها، من الشارع أو العقل، و استحالة إناطة طريقيّته إثباتا و نفيا بجعل جاعل، بل هو دليل بنفسه و اعتباره معلّل بذاته.

فلنا في المقام إذا دعويان:

الاولى: عدم قابليّة القطع للتصرّف فيه إثباتا.

الثانية: عدم قابليّته للتصرّف فيه نفيا.

لنا على الاولى: أنّه لو كانت حجيّة القطع متوقّفة على ثبوتها من الشارع أو العقل، و لم تكن من مقتضيات ذاته، لزم التسلسل و هو معلوم البطلان.

بيان الملازمة: أنّ كلّ ما يقوم من البرهان على حجّيّة القطع، فغاية ما يحصل منه، القطع بحجّيّة القطع، فينقل الكلام بالنسبة إلى القطع الحاصل منه، و هكذا هلم جرّا، فيلزم ما ذكرنا من التسلسل.

و على الثانية: أنّه لو حكم الشارع بعدم حجّيّة القطع و عدم جواز العمل عليه بالنسبة إلى الأحكام المترتّبة على متعلّقه، لزم منه التناقض بين قوليه.

بيان الملازمة: أنّه لا إشكال في أنّه بعد حصول القطع بما هو الموضوع للحكم الشرعيّ في الأدلّة الشرعيّة، يحصل للقاطع صغرى بمقتضى قطعه و كبرى بمقتضى الدليل الشرعيّ، و يحصل منهما القطع بالنتيجة و هو القطع بعروض المحمول في الكبرى للموضوع في الصغرى. كما أنّه لا إشكال في أنّ لازم حكم الشارع بعدم جواز العمل بالقطع المتعلّق بفرد من أفراد موضوعه، هو عدم ثبوت المحمول في‏

38

الكبرى، له‏ (1). و هو ما ذكرنا من التناقض.

و هذا من جهة عدم احتمال الخلاف في نظر القاطع و إن كان في الواقع خاطئا؛ فالقاطع في الحكم بطريقيّة قطعه، مقهور لا ينصرف عنه ما دام قطعه موجودا.

فتلخّص: أنّ القطع غير قابل للجعل أصلا. و هذا بخلاف الظنّ؛ فإنّه طريق بجعل الشارع.

و ملخّص الفرق بينهما: أنّ القاطع إذا حصل له صفة القطع فهو لا يحتمل خلافه و يرى نفسه واقعا في الواقع، و منكشفا له اللوح المحفوظ؛ لأنّ المفروض حصول صفة القطع له، و إذا لم يحتمل الخلاف فهو في عالم الأمن و الأمان في مقام العمل بقطعه، و لا يحتاج السير و السلوك فيه إلى جعل جاعل من الشارع و العقل؛ لما مضى من البرهانين في طرفي النفي و الإثبات.

و هذا بخلاف الظنّ، فإنّ الظانّ إذا حصل له وصف الظنّ فهو محتمل للخلاف لا محالة، و إذا احتمل الخلاف فلا يكون مأمونا في مقام العمل به؛ كيف، و هو محتمل لوقوعه في وادي الضلالة و عدم وصوله إلى مرتبة السعادة؟! فلا بدّ في مقام سلوكه إلى جعل جاعل يجعل جعله، إيّاه في الأمن و الأمان، و يصيّره في زمرة المنقادين يوم يقوم فيه البرهان. اللّهمّ احفظنا فيه بحقّ الصامت و الناطق من القرآن‏ (2).

____________

(1)- متعلّق بقوله: «عدم ثبوت»، و الضمير راجع إلى «فرد».

(2)- عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «هذا كتاب اللّه الصامت و أنا كتاب اللّه الناطق»؛ انظر وسائل الشيعة 18: 20.

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «أنا علم اللّه و أنا قلب اللّه الواعي و لسان اللّه الناطق و عين اللّه الناظر و أنا جنب اللّه و أنا يد اللّه»؛ انظر بصائر الدرجات لمحمّد بن الحسن الصفّار 1: 84.

عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: قول اللّه عزّ و جلّ: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ‏

39

8- قوله (رحمه اللّه): «أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كإطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعا ...»

(1: 29)

أقول: إنّ الحجّة عبارة عمّا يحصل به الانكشاف، فلا يطلق على نفس الانكشاف. توضيح المقام: أنّ مفروض الكلام فيما لو كان الآثار مترتّبة على نفس متعلّق القطع- أي ما هو مدخول الباء في قولنا: «العلم بكذا»- و إطلاق الحجّة لا يصحّ على مثله؛ و ذلك لأنّ الحجّة في نظر أهل العرف عبارة عمّا يحصل به القطع، فلا يطلق على نفس القطع. و في اصطلاح أهل الميزان هو مجموع الصغرى و الكبرى، و القطع أمر حاصل منهما لا عينهما. و في اصطلاح أهل الاصول هو الوسط الّذي يكون علّة لثبوت المحمول في الكبرى، للموضوع في الصغرى و القطع ليس كذلك؛ لأنّ العلم بالموضوع إنّما هو انكشاف لحاله لا أنّه مثبت له.

و إن شئت توضيح ذلك فاجر مثل القطع كمثل السراج؛ فإنّ كشف قيام زيد مثلا بالسراج حين اشتعاله، لا يصير واسطة لثبوت المحمول للموضوع؛ لأنّ ثبوته له واقع في الخارج و إن لم يشتعل السراج، فكذلك القطع بعينه.

لا يقال: سلّمنا عدم كون القطع واسطة في الثبوت، لكنّه واسطة في الإثبات.

لانّا نقول: إنّ الّذي يكون واسطة في الإثبات إنّما هو سبب القطع لا نفسه، مثلا إذا قطعت بكون مائع خمرا بسبب لونه و رائحته فالواسطة في الإثبات إنّما هو

____________

بِالْحَقِ‏ [الجاثية: 29]. قال: فقال: «إنّ الكتاب لم ينطق و لن ينطق و لكن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو الناطق بالكتاب؛ قال اللّه عزّ و جلّ: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ‏»؛ راجع الكافي 8:

50، ح 11.

عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في قوله تعالى: بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ [الحجّ: 45] قال: «البئر المعطّلة الإمام الصامت، و القصر المشيد الإمام الناطق»؛ انظر الكافي 1: 427، ح 75؛ و مسائل عليّ بن جعفر بن الإمام جعفر الصادق: 317.

40

اللون و الرائحة لا نفس القطع.

و الحاصل: أنّ العلم لا يعقل أن يكون علّة لترتّب أثر متعلّقه عليه؛ و المراد بالمتعلّق ما هو مدخول الباء سواء كان موضوعا من الموضوعات أو حكما من الأحكام.

و المصنّف (رحمه اللّه) حيث اقتصر في زمان تصنيفه بالمثال للقسم الأوّل، مع أنّ التمثيل للقسم الثاني أنسب بالمقام- لأنّ المقصود الأصلي إنّما هو تعلّق الظنّ و الشكّ بنفس الحكم، كما ينبئ عنه قوله: «إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعيّ»- فزاد (رحمه اللّه) في الدورة الأخيرة مثالا لتعلّق العلم بالحكم بقوله: «إذا قطع بوجوب شي‏ء فيقال: هذا واجب و كلّ واجب يحرم ضدّه ...».

و كيف كان: فلنا على ما ذكرنا- أعني عدم كون العلم وسطا و حجّة بل لا يمكن كونه كذلك- أنّه لو قلنا: «هذا معلوم الخمريّة و كلّ معلوم الخمريّة يجب الاجتناب عنه» فالكبرى قضيّة كاذبة؛ لأنّ الشارع إنّما رتّب الحكم بالحرمة على نفس الخمر لا على معلوم الخمريّة؛ لأنّا فرضنا كون الأثر أثر متعلّقه من حيث هو لا بوصف العلم؛ لأنّه لو كان بوصف العلم يصير العلم جزءا للموضوع و كلامنا الآن في كون العلم طريقا إلى الواقع، و إذا كان الأثر أثر الموضوع الواقعيّ فإذا حصل هذا الموضوع واقعا ترتّب عليه هذا الأثر، و من المعلوم أنّ تعلّق العلم بهذا الموضوع الواقعيّ فرع ثبوته و وجوده، و إذا وجد ترتّب عليه أثره، فالأثر مقارن للوجود، و كيف يعقل كون العلم المتأخّر عن الوجود، علّة لترتّب الأثر المقارن للوجود؟!

هذا إذا كان العلم متعلّقا بالموضوع. و أمّا إذا تعلّق بالحكم- كما هو مقتضى وضع هذا الكتاب، كما إذا علمنا بوجوب شي‏ء- فالأثر للوجوب هو حرمة ضدّ الواجب و وجوب مقدّمته، و لا شكّ أنّ حرمة الضدّ أثر لوجوب الشي‏ء واقعا،

41

و إذا صار الشي‏ء واجبا واقعا، يكون معه هذا الأثر، و العلم بوجوب الشي‏ء متأخر عنه، و لا يعقل أن يكون المتأخّر عن الشي‏ء علّة للشي‏ء.

و هذا كلّه بخلاف الأمارات الشرعيّة كالظنّ و الفتوى و البيّنة: مثلا إذا ظنّ بكون مائع خمرا و فرضنا حجّيّة هذا الظنّ من الشارع، يترتّب القياس هكذا: «هذا مظنون الخمريّة و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه»، و لا يصحّ أن يقال: «هذا خمر»؛ لعدم كونه خمرا في الواقع بل راجح الخمريّة، بخلاف العلم؛ فأنّه بعد حصوله جاز أن يقال: «هذا خمر».

لا يقال: إنّ جعل الظنّ جزءا للموضوع ينافي ما ذكرنا من كون الكلام في المقام فيما إذا اعتبر العلم و الظنّ طريقا إلى الواقع.

لأنّا نقول: إنّ المراد من كونهما مرآتا و اعتبارهما كاشفا، إنّما هو بالنظر إلى الحكم الواقعيّ، لا بالنسبة إلى الحكم الظاهريّ، و إلّا ففي الحكم الظاهريّ لا محالة يكون المأخوذ في موضوعه إمّا الظنّ أو الشكّ؛ لأنّه معنى الحكم الظاهريّ؛ ففي القضيّة السالفة يكون الظنّ طريقا إلى الواقع و جزءا للموضوع بالنسبة إلى الحكم الظاهريّ، و لا منافاة.

و كذا الحال في الفتوى و البيّنة؛ فإنّه بعد قيام البيّنة على خمريّة مائع لا يصحّ أن يقال: «هذا خمر»؛ لكذبه، بل يقال: «هذا ما قامت البيّنة على كونه خمرا و كلّ ما قامت البيّنة على كونه خمرا فهو حرام»؛ فتدبّر.

9- قوله (رحمه اللّه): «و إن لم يطلق عليه الحجّة إذ المراد بالحجّة في باب الأدلّة ما كان وسطا ...»

(1: 30)

أقول: إنّما قيّد (رحمه اللّه) بباب الأدلّة احترازا عن الحجّة في باب المبادي؛ فإنّ الحجّة عندهم في ذلك الباب، عبارة عن كلّ ما له مدخليّة في ثبوت الحكم و تحقّقه؛ فإذا

42

قيل في باب الأدلّة: «إنّ الاستصحاب حجّة» معناه أنّ الاستصحاب واسطة لإثبات ما هو ثابت في الواقع من الأحكام، للمستصحب؛ مثلا إذا استصحب خمريّة شي‏ء، يترتّب بواسطة الاستصحاب، على الخمر، أحكامه الواقعيّة من الحرمة و النجاسة و غيرهما، و كذلك قولهم: «خبر الواحد حجّة و الظنّ حجّة» إلى غير ذلك.

و العلم الّذي اخذ جزءا للموضوع ليس بهذه المثابة؛ فلا يطلق عليه الحجّة في باب الأدلّة و إن اطلق عليه الحجّة في باب المبادي؛ لأنّ له مدخليّة في ثبوت الحكم و تحقّقه.

10- قوله (رحمه اللّه): «و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره مطلقا أو على وجه خاصّ دليل ذلك الحكم ...»

(1: 31)

أقول: إنّ العلم المأخوذ جزءا للموضوع تارة: يكون آخذه هو العقل، و اخرى:

الشرع؛ أمّا الأوّل: فهو مثل ما كان العلم فيه طريقا، في عدم الفرق فيه بين خصوصيّاته من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه.

و أمّا الثاني: فهو يتّبع دليل ذلك الحكم الّذي اخذ العلم في موضوعه، إنّ عامّا فعامّ و إن خاصّا فخاصّ.

توضيح المقال بإتيان المثال، فيقال: إذا قطع بخمريّة مائع فكما يصحّ أن يقال بالنسبة إليه: «هذا خمر»، كذلك يصحّ أن يقال: «هذا معلوم الخمريّة»، و على التقديرين يكون العلم طريقا إلى متعلّقه، غاية الأمر أنّه على الثاني جعل مع متعلّقه موضوعا لحكم آخر.

و بعد حصول الصغريين المزبورتين، إن كانت الكبرى الواردة قوله: «كلّ خمر يجب الاجتناب عنه» فترتيب القياس هكذا: «هذا خمر و كلّ خمر يجب‏

43

الاجتناب عنه». و إن كانت قوله: «كلّ معلوم الخمريّة يجب الاجتناب عنه» فترتيب القياس هكذا: «هذا معلوم الخمريّة و كلّ معلوم الخمريّة يجب الاجتناب عنه». و على الثاني أعني ما إذا جعل العلم جزءا للموضوع، فليلاحظ الكبرى؛ فإن كان اعتبار العلم فيه جزءا للموضوع على وجه الإطلاق- سواء كان الآخذ هو العقل أو الشرع- فبعد ربط الكبرى المزبورة على الصغرى الحاصلة، يحصل النتيجة.

و إن كان اعتباره على الوجه الخاصّ، فهذا مختصّ بما إذا كان الحاكم هو الشرع دون العقل؛ لأنّ العقل، أخذه لا يكون إلّا من حيث الكشف، و جهة الكشف لا يفرق فيه بين خصوصيّاته.

و كيف كان: فإن كان القطع الحاصل في الصغرى، موافقا لما هو المعتبر في الكبرى فيحصل النتيجة، و إن كان مخالفا فلا؛ كأن يكون القطع المأخوذ في الكبرى ما هو حاصل من الأدلّة الشرعيّة، و القطع الثابت في الصغرى حاصلا من الرمل و الجفر، و حينئذ لا يحصل بينهما ربط حتّى يأتي القياس بمقام النتيجة.

11- قوله (رحمه اللّه): «كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع ...»

(1: 33)

أقول: لمّا كان كلّ من الأمثلة المزبورة مثالا لاعتبار العلم المستند إلى سبب خاصّ أو شخص خاصّ في حقّ غير القاطع، و الأنسب بالمقام إنّما هو إتيان المثال بالنسبة إلى نفس القاطع- لأنّ الكلام إنّما هو في اعتبار القطع المأخوذ على الوجه الخاصّ أو الإطلاق، في حقّ القاطع نفسه- فزاد (قدّس سرّه) في الدورة الأخيرة مثالا للقطع المأخوذ بالنسبة إلى نفس القاطع، بقوله: «مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من عدم جواز العمل في الشرعيّات ...».

44

12- قوله (رحمه اللّه): «ثمّ من خواصّ القطع الّذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعيّة و بعض الاصول العمليّة مقامه في العمل ...»

(1: 33)

أقول: توضيح المقام يحصل باستيفاء ما للقطع من الأقسام، فنقول مستعينا بالملك العلّام: إنّ العلم بالنسبة إلى متعلّقه، يكون دائما طريقا و لا يعقل كونه وسطا و حجّة و لا يعقل الفرق أيضا بين خصوصيّاته، و أمّا بالنظر إلى حكم آخر فلأخذ العلم جزءا للموضوع مجال.

و بعبارة اخرى: إنّ الحكم في الواقع تارة متوجّه من الشارع بل مطلق الحاكم، إلى الموضوع معرّى عن التقييد بالعلم، و اخرى إليه مقيّدا به.

أمّا الاوّل: فلا ريب في أنّ القطع فيه يكون طريقا.

و أمّا الثاني: فتارة: يكون أخذه قيدا للموضوع، على وجه الكشفيّة؛ بمعنى أن يكون الملحوظ في نظره في مقام الأخذ صفة كاشفيّة العلم. و اخرى: يكون أخذه قيدا له، على وجه الوصفيّة الخاصّة؛ بمعنى أنّ أخذه، من حيث كونه من الصفات النفسانيّة؛ نظير أخذ الإسكار بالنسبة إلى الخمر، و الخوف بالنسبة إلى السفر.

و بالجملة: فلم يكن منظور نظر الجاعل في هذا القسم، جهة كاشفيّة العلم و إلّا فجهة الكشفيّة لا يعقل انفكاكها عن العلم، و إلّا لا نقلب إلى الجهل.

إذا عرفت الأقسام فالكلام يقع في مقامين:

[المقام‏] الأوّل: في بيان قيام الأمارات الشرعيّة مقام العلم،

فنقول: لا شبهة في جواز قيام الأمارات الشرعيّة مقام القطع الطريقيّ؛ ضرورة أنّ المناط في هذا القسم إنّما هو حصول الانكشاف و الطريقيّة، و هذا المناط موجود في الأمارة بعد جعلها الشارع طريقا.

و بهذه المثابة القطع المأخوذ جزءا للموضوع، لكن بملاحظة الكشفيّة؛ لأنّ‏

45

المفروض كون أخذه على وجه الطريقيّة و الكشفيّة، و دليل الأمارة أيضا يقتضي عدم الاعتناء بخلافها، و ترتيب أثر الكاشف عليها؛ فكان الأمارة بمقتضى ذلك الدليل الدالّ على اعتبارها، قائمة مقام مثل هذا العلم.

توضيح المطلب: أنّ العلم المأخوذ جزءا للموضوع في هذا الفرض لا يشمل الأمارة؛ لأنّ الكشف حقيقة منحصر في العلم و لا يوجد في غيره من الظنّ و الأمارة؛ إذ الطريق إلى الشي‏ء ما يكون موصلا إليه البتّة، و هو إنّما يكون فيما لا يحتمل الخلاف؛ فالظنّ بنفسه لا يكون طريقا، لكن بعد حكم الشارع بعدم الاعتناء بخلافه، يكون طريقا مجعولا؛ بمعنى أنّه يعامل معه معاملة الكاشف الواقعيّ، فكما أنّه معتبر في الموضوع، فكذلك ما هو بمنزلته؛ هذا.

و الثمرة بين هذا القسم و القسم الأوّل: إنّما تظهر في ثبوت الحكم الشأنيّ في حقّ الجاهل؛ فإنّه لا تحقّق له في هذا القسم، بخلاف القسم الأوّل؛ فإنّه إذا قال: «معلوم البوليّة يجب الاجتناب عنه» و جهل المكلّف بها، فهو لكونه فاقد الموضوع، لا يتحقّق في حقّه الحكم مطلقا لا فعلا و لا شأنا، بخلاف ما إذا قال: «البول يجب الاجتناب عنه» و حصل الجهل به؛ فإنّه حينئذ فاقد للحكم الفعليّ لا الشأنيّ. هذا كلّه في القسمين الأوّلين.

و أمّا الثالث: فلا مجال لقيام الأمارة مقامه؛ لأنّه في هذا القسم ما اخذ بعنوان الكشف، حتّى يقوم مقامه ما عامل الشارع معه معاملة الكاشف؛ نعم، يجوز القيام فيما ورد دليل خاصّ يقتضي تنزيل الأمارة منزلة مثل هذا العلم؛ نظير جعل التراب منزلة الماء في حصول الطهارة بهما.

و بالجملة: فإذا أخذ الشارع في موضوع الشهادة، الحسّ من حيث إنّه وصف خاصّ- كما ورد أنّه (عليه السلام) أشار بيده إلى الشمس و قال: «على مثل هذا فاشهد أو

46

دع» (1)- فلا يقوم مقامه الحدس؛ لكمال التنافي بينهما. نعم يجوز إقامته مقامه من باب التنزيل؛ كما ورد في رواية الحفص جواز الاستناد إلى اليد في الشهادة (2).

المقام الثاني: في بيان قيام بعض الاصول مقام القطع:

و عنى المصنّف (رحمه اللّه) به ما له جهة نظر إلى الواقع؛ كالاستصحاب، و البراءة على مذاق من جعلهما (3) من باب الظنّ كالمحقّق القميّ (رحمه اللّه) لا قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ إذ ما ليس له جهة كشف عن الواقع كيف يقوم مقام الكاشف الواقعيّ؟!

فنقول: لا إشكال في قيام الاستصحاب و ما هو بنسقه مقام القطع الطريقيّ، و يترتّب عليه ما كان يترتّب على العلم، و إنّما الإشكال في قيام الاستصحاب مقام العلم المأخوذ جزءا للموضوع على وجه الكشفيّة؛ فإنّه مستلزم للدور.

و تقريره: أنّ استصحاب الوجوب مثلا موقوف على ثبوت أثر للواجب، و ثبوت الأثر له يتوقّف على العلم بوجوبه، فإذا لم يكن في مورد الشكّ علم فلا بدّ من قيام الاستصحاب مقامه ليصير الواجب بالاستصحاب معلوما بالعلم الشرعيّ لكي يترتّب عليه أثره و هو الإطاعة، فيتوقّف جريان الاستصحاب على ثبوت أثر للمستصحب؛ كيف، و مفاد «لا تنقض اليقين بالشكّ» ترتيب آثار المتيقّن على المشكوك؟! و كون المستصحب ذا أثر يتوقّف في المقام على الاستصحاب.

و يمكن تقرير الإشكال بوجه آخر: و هو أنّا إذا فرضنا أنّ الموضوع كالخمر مثلا في نفسه لا حكم له، بل الحكم له بوصف كونه مكشوفا بالعلم، و شكّ في خمريّة ما كان‏

____________

(1)- الوسائل 18: 251، كتاب الشهادات، الباب 20، باب أنّه لا تجوز الشهادة إلّا بعلم، لكن فيه:

عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قد سئل عن الشهادة، قال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».

(2)- الوسائل 18: 215، كتاب القضاء، الباب 25 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 2.

(3)- هكذا في النسخة الموجودة، و الصحيح «جعلها»؛ بقرينة قوله: «لا قاعدة قبح العقاب بلا بيان».

47

مسبوقا بالعلم بالخمريّة، فالمحكوم بالبقاء إمّا الخمر مطلقا أو الخمر بوصف كونه معلوما، و كلاهما فاسدان.

أمّا الأوّل: فلأنّ الخمر بنفسه ليس محكوما عليه بالحرمة لكي يترتّب على ذلك المشكوك من أجل استصحابه.أمّا الثاني: فلارتفاع الموضوع؛ فإنّ الخمر المعلوم، ارتفع بفرض الشكّ.

و كيف كان: فالإشكال المزبور لا يرد على قيام الأمارات مقام هذا القسم من العلم كما لا يخفى على البصير الخبير.

و يمكن التفصّي عن الإشكال المزبور: بمنع توقّف جريان الاستصحاب على ثبوت الأثر للمستصحب سابقا، بل يكفي في جريانه مجرّد ترتّب الأثر سواء كان ذلك الأثر ثابتا سابقا أم تحقّق ترتّبه بنفس جريان الاستصحاب؛ فهو نظير قوله تعالى:

أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1)؛ فكما أنّ فعليّة التكليف فيه و تنجّزه، يحصل مقارنا للعلم به، بمعنى أنّهما في مرتبة واحدة في مقام الحصول، فكذلك الاستصحاب بالنسبة إلى الأثر المترتّب عليه.

و يمكن تقرير دفع الإشكال بوجه آخر؛ بأن يقال: إنّ مفاد الاستصحاب الحكم بجعل المشكوك منزلة المتيقّن؛ بمعنى أنّه يعامل معه معاملة اليقين.

لا يقال: لو كان مفاد الاستصحاب ذلك، لزم جواز قيامه مقام القسم الثالث، و عدم جوازه بمثابة البداهة.

لأنّا نقول: ظاهر إطلاق العلم و اليقين، هو الطريقيّ منه لا الوصفيّ؛ فقوله:

«يجب جعل المشكوك منزلة المتيقّن» كما هو مفاد دليل الاستصحاب، ظاهر في اليقين الطريقيّ بكلا قسميه دون القسم الثالث.

____________

(1)- المزّمّل: 20.

48

13- قوله (رحمه اللّه): «اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات ...»

(1: 34)

أقول: هذا ممّا وقع فيه الخلاف؛ لما ورد من «أنك إذا حفظت الاوليين فالأمر في الباقي في سهل» (1)؛ فمن قال بأنّ المستفاد من الحفظ المأخوذ في موضوع الصحّة، خصوص وصف الحفظ، فلا يكفي في الصحّة حصول الظنّ. و من قال بأنّ المراد مجرّد الكشف، فيقوم مقامه الظنّ بالركعتين.

14- قوله (رحمه اللّه): «بخلاف ما لو علّق بنفس الحياة؛ فإنّه يكفي في الوجوب الاستصحاب»

(1: 34)

أقول: يمكن المناقشة في الاستصحاب المزبور بأنّه من الاصول المثبتة.

بيان ذلك: أنّ الحياة ليست من الامور المجعولة شرعا بل هي من الامور الواقعيّة؛ فلا بدّ في جريان الاستصحاب فيها، من أثر شرعيّ مترتّب عليها. و ليس للحياة في المقام حكم مجعول من جانب الشارع حتّى يترتّب عليها؛ لأنّ الحكم- أعني وجوب الوفاء- مترتّب على ما التزم به الناذر.

و بالجملة: إنّ الحياة بنفسها ليس لها أثر شرعيّ و إنّما يترتّب عليها الأثر بعد اندراجها تحت ما التزم؛ فالأصل المزبور مثبت لموضوع الحكم لا الحكم الشرعيّ، و هو معنى الأصل المثبت.

15- قوله (رحمه اللّه): «ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا- من كون القطع مأخوذا تارة على وجه الطريقيّة و اخرى على وجه الموضوعيّة- جار في الظنّ أيضا»

(1: 35)

أقول: توضيح المقام حسب ما ما استفدته من المصنّف (رحمه اللّه) في مجلس درسه‏

____________

(1)- الوسائل 5: 299، كتاب الصلاة، الباب 1 و 2 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، لكن فيه:

«... من شكّ في الأوّلتين أعاد حتّى يحفظ و يكون على يقين، و من شكّ في الأخيرتين عمل بالوهم».

49

الشريف: أنّ الحالات الحاصلة للمكلّف كما مضى في صدر العنوان بين ثلاث:

إحداها: ما هو ممحّض للكشفيّة، و هو مرتبة العلم.

و الثانية: ما لا يمكن فيه ملاحظة الكشفيّة و الطريقيّة أصلا، و هي مرتبة الشكّ.

و الثالثة: ما يكون فيه جهة الكشفيّة لكن لا الكشفيّة التامّة؛ بمعنى أنّه يترجّح مطابقته للواقع، و احتمال العدم مرجوح، و هو مرتبة الظنّ.

أمّا الاولى و الثانية: فمشتركتان في عدم قبولهما للجعل أصلا، لكنّ الاولى من جهة كونها طريقا بنفسها، و الثانية لعدم تعقّل الطريقيّة فيها.

و أمّا الأخيرة: فهي قابلة للجعل.

و حينئذ نقول: إنّ الأقسام المتصوّرة في الظنّ إنّما هي أربعة:

الأوّل: ملاحظته بالنسبة إلى حكم المتعلّق و كونه طريقا إليه.

و الثاني: ملاحظته بالنسبة إلى حكم المتعلّق و كونه جزءا للموضوع.

و الثالث: ملاحظته جزءا للموضوع على وجه الكشفيّة.

و الرابع: جزءا للموضوع على وجه الوصفيّة.

و توضيح المقال إنّما هو بإتيان المثال، فنقول مستعينا بالملك المتعال: إنّ الحكم في متن الواقع تارة: توجّه إلى الضرر بنفسه، و اخرى: إلى الظنّ بالضرر؛ بأن قال الشارع في الأوّل: «الضرر بنفسه يجب الاجتناب عنه»، و في الثاني: «إنّ الضرر المظنون يجب الاجتناب عنه».

و على الثاني: تارة: يكون أخذه من باب الكشفيّة، و اخرى: من باب الوصفيّة، نظير القطع. و إلى هذين أشار المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه أو لحكم آخر».

و على الأوّل: تارة يقول الشارع: «إنّ الضرر بنفسه واجب الاجتناب»؛ فالظنّ‏

50

طريق إليه كالقطع، غاية الفرق أنّ الأوّل مجعول و الثاني منجعل.

و اخرى يقول: «إنّ الضرر واجب الاجتناب، و إذا ظننت بالضرر فرتّب على الظنّ بالضرر حكم الضرر»؛ ففي الأوّل: لا يكون الظنّ جزءا للموضوع، لا في مقام جعل الحكم الواقعي و لا في مقام جعل الأمارة.

و في الثاني: يكون جزءا للموضوع في مقام جعل الأمارة دون جعل الحكم الواقعيّ. و إلى هذين أشار المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «و قد يؤخذ طريقا مجعولا إلى متعلّقه سواء كان مجعولا على وجه الطريقيّة لحكم متعلّقه ...».

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الفرق بين العلم و الظنّ من وجهين: أحدهما: كون العلم منجعلا و الظنّ مجعولا.

و ثانيهما: إمكان أن يكون الظنّ بالنظر إلى حكم متعلّقه جزءا للموضوع، بخلاف العلم؛ فإنّه بالنظر إلى المتعلّق غير قابل للجعل حتّى يكون جعله من باب الموضوعيّة، بل هو بالنسبة إلى متعلّقه طريق دائما.

ثمّ إنّ الظنّ إن اخذ مع متعلّقه موضوعا، لا يطلق عليه الحجّة، كالعلم؛ لما مرّ من أنّ الموضوع لا يكون وسطا لترتّب حكم نفسه عليه. و إن اخذ من حيث الطريقيّة، فحينئذ يطلق عليه الحجّة؛ لكونه وسطا لترتّب الحكم الواقعيّ على متعلّقه. و الحجّة في باب الأدلّة- كما مرّ- ما كان وسطا لترتّب الحكم الواقعيّ على متعلّقه. و الظنّ المزبور أيضا كذلك.

ثمّ إنّ الظنّ كالعلم إن اخذ على وجه الطريقيّة بكلا قسمي الظنّ الطريقيّ أو الموضوعيّة من باب الكشف، يقوم الأمارات و بعض الاصول مقامه. و إن اخذ على وجه الوصفيّة الخاصّة، فلا.

و القول: بأنّه كيف يمنع من قيام الأمارات مقام هذا القسم من الظنّ مع إفادتها الظنّ أيضا؟!

51

مدفوع: بأنّ إفادة الأمارة الظنّ إنّما هو بحسب نوعها، فكيف تقوم مقام الظنّ الشخصيّ المأخوذ باعتبار كونه صفة راجحة؟!

[التنبيه على امور:]

[التنبيه الأوّل: التجرّي‏]

16- قوله (رحمه اللّه): «و ينبغي التنبيه على امور»

(1: 37)

أقول: لمّا كان الكلام في هذا المقام، في تحقيق حال القطع و وقع الاختلاف في أنّه هل هو حجّة من جانب الشارع بل مطلق المولى على العبد و إن كان مخالفا للواقع، أو أنّه حجّة عليه إذا صادف الواقع؟ تعرّض (رحمه اللّه) لحاله في التنبيه الأوّل.

و أيضا لمّا وقع الاختلاف في أنّ القطع هل هو حجّة من أىّ سبب حصل، أم لا بل ما حصل من سبب خاصّ؟ فأتى لبيان حاله بالتنبيه الثاني.

و أيضا لمّا وقع الاختلاف في أنّ القطع هل هو حجّة لأيّ قاطع حصل و لو كان قطّاعا أو الأشخاص المخصوصة؟ تعرّض لتحقيقه في التنبيه الثالث.

و أيضا لمّا اختلفوا في أنّ العلم الإجماليّ كالتفصيليّ بحسب الاعتبار أم لا؟

أتى المصنّف (رحمه اللّه) لبيانه بالتنبيه الرابع.

17- قوله (رحمه اللّه): «الأوّل: أنّه قد عرفت أنّ القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه ...»

(1: 37)

أقول: قبل تحرير الكلام في هذا المقام لا بدّ من بيان أمرين:

الأوّل: إنّ كلامنا في هذه المسألة إنّما هو بالنسبة إلى القطع الطريقيّ و الموضوعيّ الكشفيّ، دون الموضوعيّ الوصفيّ؛ و ذلك لأنّ الكلام في المقام فيما إذا كان لقطعه واقع، و كان قطعه مخالفا له، و هذا لا يتصوّر فيما إذا اعتبر العلم في الموضوع على وجه الوصفيّة؛ لأنّ واقعه هو هذا اليقين الحاصل للقاطع، و لم ينكشف الخلاف بالنسبة إليه. مثلا إذا فرضنا أنّ الشارع حكم بوجوب التصدّق بدرهم على أحد ما دام متيقّنا بحياة ولده، و حصل له اليقين بحياة الولد و خالف، فهو عاص؛ لأنّه خالف الواقع و إن انكشف أنّه لم يكن حيّا؛ و وجهه: أنّ موضوع‏

52

وجوب التصدّق هو التيقّن بحياة الولد لا حياة الولد، و المفروض أنّ وصف التيقّن حاصل له، فإذا خالف فهو عاص.

و الثاني: أنّ الكلام في هذا المقام، إنّما هو في اعتبار القطع بالنسبة إلى الأحكام المحمولة على متعلّقه بعنوان أنّه مقطوع، لا بالنسبة إلى نفس المتعلّق؛ فإنّه بالنسبة إليه غير قابل للجعل، حتّى ينازع في أنّه هو حجّة من قبل الشارع بل مطلق المولى، أم لا؟ فاندفع التنافي بين كلامي المصنّف (رحمه اللّه)؛ أعني ما ذكره في صدر الباب: من أنّ القطع غير قابل للجعل و لا يطلق عليه الحجّة، و بين ما ذكره في تحرير النزاع في هذا المقام.

إذا عرفت هذا، فنقول: لا إشكال في أنّ القاطع لو كان بانيا على الإطاعة لا يحتاج بعد حصول القطع بخمريّة مائع مثلا أو وجوب شي‏ء، إلى أزيد من الدليل المثبت للكبرى.

إنّما الكلام في أنّ قطعه هذا هل هو حجّة عليه من جانب الشارع، بمعنى أنّه كان للّه تعالى أن يحتجّ به عليه و يعاقبه عند مخالفته لقطعه و إن كان جهلا مركّبا أم لا؟

و بتقرير آخر: إنّ وصف القطع هل يغطى في متعلّقه جهة تكليف من جانب المولى بحيث لو ارتفع التكليف المنبعث من نفس المتعلّق- بأن لم يطابق الواقع- كان التكليف الناشي من طرف القطع باقية فيحصل العقاب بمخالفته، أم لا؟

و بتقرير ثالث: إنّ القطع بقبح الشي‏ء مثلا، هو يوجد في هذا الشي‏ء صفة قبح زائدا على ما هو كامن فيه، بحيث لو ارتفع القبح الأوّليّ- بأن خالف الواقع- يورث القبح الثانويّ الناشي من طرف القطع، مذمّة في الارتكاب بحكم العقلاء، أم لا؟ و الفرق بين التقريرين الأخيرين إنّما هو بلحاظ مقام المولويّة و عدمه.

53

و على التقديرين‏ (1) فالمسألة عقليّة؛ لأنّ الكلام فيها في أنّ المقطوع بوصف أنّه مقطوع، هل له موضوعيّة في مقام الامتثال، أم لا؟ و معلوم أنّ بيان استحقاق العقاب و طرق الامتثال ممّا ينتهي إلى العقل لا الشرع.

18- قوله (رحمه اللّه): «و يؤيّده بناء العقلاء على الاستحقاق و حكم العقل بقبح التجرّي»

(1: 38)

أقول: إنّ الفرق بينهما (2) ليس إلّا بالإجمال و التفصيل كما لا يخفى.

19- قوله (رحمه اللّه): «و قد يقرّر دلالة العقل على ذلك بأنّا إذا فرضنا شخصين قاطعين ...»

(1: 38)

أقول: تقرير الدليل العقليّ بالوجه المزبور، ممّا استخرجه المصنّف (رحمه اللّه)- على ما صرّح به في أثناء الدرس- من بعض كلمات المحقّق السبزواريّ (رحمه اللّه) في مسألة الجاهل بالعبادة (3).

ملخّصه: أنّ الشخصين المزبورين الّذين قد اشتركا في أصل الشرب اختيارا إمّا أن يستحقّا العقاب، فهو المطلوب.

أو لا يستحقّان أصلا فيلزم عدم استحقاق العاصي للعقاب. أو يستحقّ من صادف قطعه الواقع دون الآخر، فيلزم إناطة استحقاق العقاب بأمر غير اختياريّ، و هو اتّفاق المصادفة، و هذا خلاف مذهب العدليّة.

و فساد عكس هذه الصورة أوضح من أن يبيّن.

20- قوله (رحمه اللّه): «أو لا يستحقّه أحدهما»

(1: 39)

أقول: في العبارة مسامحة لا تخفى‏ (4).

____________

(1)- أثبتنا كما في النسخة الموجودة، و الظاهر أنّ الصحيح: «و على التقريرين».

(2)- أي: بين بناء العقلاء و حكم العقل.

(3)- ذخيرة المعاد: 209- 210.

(4)- و الصحيح: «لا يستحقّه أحد منهما»، أو «لا يستحقّانه»؛ لأنّ «أحدهما» معرفة فلا يفيد العموم.

54

21- قوله (رحمه اللّه): «و يمكن الخدشة في الكلّ: أمّا الإجماع ...»

(1: 39)

أقول: ظاهر كلامه (رحمه اللّه) أنّه ردّ الإجماع المحصّل أوّلا: بمنع حصوله؛ و سند المنع مخالفة غير واحد. و ثانيا: بكون المسألة عقليّة.

لكن لا يخلو العبارة حينئذ من الحزازة؛ لأنّ قوله: «خصوصا» و إن كان يمكن استفادة التعليل منه، لكنّ الحيلولة بين العلّة و المعلول بكلام أجنبى- و هو قوله:

«و المسألة عقليّة»- توجب الحزازة في العبارة. هذا حسب ما فهمناه من العبارة قبل الحضور في مجلس درسه الشريف.

و قد أفاد (رحمه اللّه) في مجلس الدرس، أنّ الغرض ردّ الإجماع المزبور بوجوه ثلاثة:

أحدها: أنّ الإجماع المحصّل عبارة عن اتّفاق أهل الحلّ و العقد على أمر دينيّ بحيث يكشف عن رضا المعصوم (عليه السلام)، و لم يثبت لنا مثل هذا الاتّفاق الكاشف في هذه المسألة.

و ثانيها: أنّ المسألة عقليّة فلا ينفع الإجماع فيها؛ لأنّ الإجماع في مصطلحهم- كما عرفت آنفا- هو الاتّفاق على أمر دينيّ، و المسألة العقليّة ليس لها جهة شرعيّة و دينيّة حتّى يدخل فيها الإجماع المصطلح.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى: أنّ إطباق العقلاء على ذلك يكشف عن رضا رئيسهم بذلك.

و هذا ليس من الإجماع المصطلح بل هو عين بناء العقلاء، الآتي ما فيه.

و ثالثها: أنّ الاتّفاق غير حاصل؛ لما عرفت من مخالفة غير واحد.

و الفرق بين الأوّل و الثالث: أنّ مبنى الأوّل عدم ثبوت الاتّفاق الكاشف، و مبنى الثالث وجود المخالف.

22- قوله (رحمه اللّه): «و المنقول منه ليس حجّة في المقام»

(1: 39)

أقول: لا يقال: إنّ مفاده عدم حجّيّة الإجماع المنقول في المسألة العقليّة، مع‏