عيد الغدير في عهد الفاطميين

- د. محمد هادي الأميني المزيد...
254 /
5

المدخل‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ... (المائدة: 67)

اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً...

(المائدة: 3)

سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ*`لِلْكََافِرينَ لَيْسَ لَهُ دََافِعٌ*`مِنَ اَللََّهِ ذِي اَلْمَعََارِجِ...

(المعارج: 1-3)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقدّمة لسيادة العلاّمة الدكتور عبد العزيز الدّوري، رئيس قسم التأريخ الأسلامي في «جامعة بغداد»

8

قامت الدولة الفاطميّة، بعد دعوة سرّية بذلت جهودا واسعة لفترة تجاوزت ثلاثة أرباع القرن؛ و كانت دعوة شاملة تناولت الشؤون السياسية و الاقتصادية، و الاجتماعية و الفكرية، في نسيج محبوك؛ و حاولت أن تجمع إلى صفوفها كافّة القوى المعارضة للأوضاع القائمة أو المتذمّرة منها.

و قد نشطت هذه الدعوة في المناطق الممتدّة بين إيران شرقا، و المغرب غربا، و بين سورية شمالا، و اليمن جنوبا. فشملت شعوبا و جماعات مختلفة منادية بالمساواة بين الشعوب، و داعية إلى العدالة الاجتماعية، و متّخذة من حقّ آل البيت صيحتها السياسية؛ و كان من مظاهر نشاطها أنها اتخذت في البلاد المختلفة أساليب مختلفة، كما تباينت في وجهتها بين الميل للغلوّ، و الميل للاعتدال. و يكفي أن نشير إلى القرامطة في العراق و بادية الشام و إلى قرامطة البحرين، و إلى الإسماعيلية في إيران و اليمن و أجزاء أخرى، و إلى الفاطميّين، لترى تباين الصورة الفعلية لإنجازات هذه الدعوة.

ففي الوقت الذي اتّبع قرامطة البحرين سياسة إشراف الدولة على النواحي الاقتصادية، و اتّخذوا تدابير اشتراكية معتدلة، ذهب قرامطة العراق إلى‏

9

تدابير ممعنة في هذا الاتّجاه؛ بينما اكتفى الفاطميّون بوجهة إصلاحية معتدلة.

و مع أن الدعوة كانت واسعة و نشيطة، إلاّ أنها قاست من الانقسامات؛ و أقوى مثل على ذلك الحرب الضروس التي وقعت بين قرامطة البحرين و بين الفاطميّين في فترة توسّعهم إلى مصر.

**** و مما يسترعي الانتباه أنّ الدعوة الإسماعيلية لم تثر الاّ في البلاد العربية، و ذلك باستثناء بسيط، و هو قيام إمارة حسن الصباح في ألموت. فكان نجاح الدعوة في البحرين و اليمن و إفريقية و مصر؛ و كان لها كيان موقت في جنوب العراق و في بادية الشام؛ و هي بلاد كانت تشكو من أوضاع اقتصادية و سياسية قلقلة. كما أنّ الدّول التي أقامتها الدعوة تمثل على العموم الوجهة المعتدلة لها، و خاصة إذا قورنت بالركائز التي تكوّنت في ايران، و هذه ناحية لها دلالتها في فهم الدعوة، و في فهم بعض جوانب التاريخ العربي.

و كان قيام الدولة الفاطمية أهمّ نتائج الدعوة الاسماعيلية و أبعدها أثرا في التاريخ العربي، و لم يكن تغلّبها على مصر نتيجة التغلّب العسكري وحده، بل سبق ذلك نشاط قوي للدّعاة الفاطميين و ساعد عليه الوضع الاقتصادي المرتبك في مصر. و كان طبيعيا بعد ذلك أن تعني الدولة الفاطمية بهذه الناحية على وجه الخصوص.

و قد نقلت الدولة الفاطمية مقرّها الى مصر لأهميّة موقعها في العالم الإسلامي، و لإمكانيّاتها الضخمة. و أنشأت لها عاصمة جديدة تعبّر عن كيانها و عن اتّجاهاتها؛ و من هناك نظمت دعوة فاطمية كانت آمالها و محاولاتها التوسّعية تتّجه إلى الشرق دائما، و كان هدفها الأول أراضي الخلافة العباسية.

و نحن نعرف أنّ العبّاسيّين جاءوا إلى الحكم، إثر دعوة سرّية محكمة استمرّت ثلاث قرون؛ و إنّ هذه الدعوة لم تنقطع بقيام الدولة العباسية، إلا أنها

10

لم تستطع متابعة الأسس الفكرية و الاجتماعية التي نادت بها، كما و أصيبت بأزمّة حادّة بعد تسلّط الأتراك على الخلافة و بصورة أشدّ بعد الغزو البويهيّ. أمّا الدولة الفاطمية فإنها رأت في دعوتها مصدر استمرارها و توسّعها بل و سبب بقائها، فبذلت كلّ جهد في تنظيمها و توسيعها و أنشأت لها الحلقات، و أسّست لها مدرسة قوية هي «الأزهر» ، لتكون محل تهيئة و إشعاع؛ كما أنها حاولت أن تطبع حياتها العامة و مراسيمها بطابع الدعوة، و يتمثّل هذا بصورة جليّة في مراسيمها و أعيادها خاصة.

و قد أراد الفاطميّون أن يكثروا من الأعياد، و أن يجعلوها تنطوي على مفاهيم تتّصل بصميم الدعوة ليتخذوا منها سبيلا للتأثير على تفكير الناس، و ليظهروا منها عظمة دولتهم. و يبدو أن الأعياد فسّرت تفسيرا تأويليّا في الدعوة لتأخذ محلّها في نطاق الفكر الإسماعيلي.

**** و قد كان لعيد الغدير المنزلة الأولى بين هذه الأعياد، و وضعوا له معنى تأويليّا يختلف عن المعنى المعروف لدى الإمامية، و هو معنى يتّصل بأساس مفهوم الإمامة لدى الإسماعيلية.

و يظهر أنّه كان لدى الإسماعيلية دعاء خاصّ بيوم «عيد الغدير» و خطبة خاصة تلقى في ذلك اليوم، كما وضع بعض الشعراء قصائد توضح المعنى التأويليّ؛ وصلنا منها مثلا القصيدة الغديرية لأبي عبد اللّه الخصيبي‏ (1) و قد أسهب أبو سعيد

____________

(1) . أبو عبد اللّه الحسين بن حمدان بن الخصيب الخصيبي المتوفى 358 هـ. فقيه أديب شاعر مؤلف، كان يسكن الكوفة، له: الإخوان. المسائل. تاريخ الأئمة. الرسالة. أسماء النبي (ص) . الهداية في الفضائل. أحوال أصحاب الأئمة و أخبارهم. الروضة.

في بعض المراجع: الخضيبى الجنبلائي. -

11

ميمون بن القاسم الطبراني النصيري‏ (1) في كتابه «مجموع الأعياد» (2) في توضيح معنى الغدير و أهميته، و اعتبره العيد الأول بين الأعياد، و واضح أن الكتاب المذكور من نتاج الفكر الإسماعيلي خارج مصر في القرن الرابع الهجري و يتسم بطابع السّرية.

«باعتناء شتروطمان همبورغ 1943-6/51-84» .

و هذا يبرر تركيز الأخ الفاضل الشيخ محمد الهادي الأميني على عيد الغدير لدى الفاطميين. و لا أراني بحاجة لتحليل ما بذله من جهد، و ما توصّل اليه في دراسته، فهذا واضح في ثنايا الكتاب و نحن نرحّب بدراسة تاريخ الفاطميين، و خاصة الجانب الحضاري منه، لأنه لازال ينتظر الدراسات الواسعة و الجهد الكبير.

عبد العزيز الدوري رئيس دائرة التأريخ-جامعة بغداد

____________

ق-أعيان الشيعة 25/144 رقم 5116. تنقيح المقال 1/326. جامع الرواة 1/237. خلاصة العلامة الحلي/217. رجال ابن داود/240. رجال الشيخ الطوسى/467. رجال النجاشي/49. رياض العلماء 2/50. فهرست الشيخ الطوسي/57. لسان الميزان 2/279. معجم رجال الحديث 5/224. معجم المؤلفين 4/5. نوابغ الرواة/112.

(1) . أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني، كان حيا في 398 هـ. من رجال الدعوة النصيرية، عالم فاضل كان يسكن طرابلس، و النصيرية، طائفة من الباطنية لاتزال بسورية، سميت بهذا الاسم نسبة الى نصير النمري الذي يقال أنه جاء من جهات فارس. و هي تسكن في شمال سوريا بالجبال المعروفة بجبال النصيرية الواقعة شرقي لواء اللاذقية، و الممتدة من حدود صافينا إلى حدود أنطاكية.

دائرة معارف وجدي 10/249. معجم المؤلفين 13/65.

(2) اسم الكتاب: مجموع الأعياد و الدلالات و الأخبار المبهرات. حدث به سنة 398 هـ.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

التمهيد

14

بقيت مصر زهاء قرنين و نصف بعد فتح جيش الأسلام لها ولاية خلافية، و مهبطا للثورات السياسية، و النزعات الدينية و الطائفية، تتوارثها الخلافة أينما حلّت و كيفما أصابت و استقرّت؛ غير أن مصر مع هذا كلّه منذ الفتح الاسلامي كانت تتبوّأ مركزا ممتازا و مكانة مرموقة لموقعها الجغرافيّ و أهميتها العمرانية و لتربتها الخصبة في حقل الحضارة من بين الولايات الخلافية الأخرى؛ كالشّام و سوريا و العراق، و لهذا نجدها منذ التأسيس كانت مطمع الزعماء المتغلّبين. ذلك بأنّهم كانوا يرون فيها ضالّتهم المنشودة تتحقّق على صعيدها أهدافهم و أغراضهم السياسية و الاجتماعية و غيرها، حتى أصبحت ملاذا منيعا لحركاتهم الاستقلالية. فمن أجل هذا كنت تراها دائما مهبط احتدام و ميدان صراع ورحى خلافات بين الولايات و الطامعين، سيّما بعد أن ضعف أمر العبّاسيين فيها حيث غدت منذ الساعة، طعمة سائغة لنفر من الحكام الأقوياء و الأمراء الأشدّاء، يحكمونها باسم الخلافة الإسلامية، و يتناول‏

15

بعضهم بعضا بعنوان الغلبة و الحكم و القهر، و ينشؤون بها دولة مستقلة لا تكاد تربطها بالخلافة و الإمارة رابطة من روابط سياسيّة أو إداريّة.

و مع ذلك كلّه فقد كانوا يحرصون على أن يستظلّوا تحت لواء الخلافة و الإمامة و سلطانها الديني، المهيمن على الشعب المصري مع وجود تلك النزعات و الخلافات الداخلية القائمة على قدم و ساق فيها. و لم تكن مصر لتمتّعها بمركزها المرموق بين ولايات الخلافة و موقها الجغرافي السبب لأن تكون قبلة مختارة و ميدانا ممهّدا لذوي الطموح و المتغلّبين من الحكومات، و لا أن القضاة كانوا يسعون إلى إخماد بركان الثورات دائما و المطالبة باستقلالها، و لكن كل ذلك كان طارئا عرضيا عليها، ساقته إليها الحوادث و المؤثرات الخارجية الوقتية وحدها، فقسمت شعبها إلى قبائل يحكمها رئيس مستقل. و لقد أثار هؤلاء الرؤساء حروبا مستمرّة على المصريّين، و في الواقع أن مصر في ذلك العهد رأت من المظالم و الويلات، و ذاقت مرارتها ما لم ترها في أى عصر من عصورها التاريخية السالفة أبدا؛ سيما فيما يختص بالاضطهادات الملازمة لطموح هؤلاء الولاة و قسوتهم، و الحكومات الخارجية النازحة عليها و مطامعهم، و بسط سلطانهم على ربوعها. و هكذا كانت سنّة الأقوياء منذ القدم ليومنا هذا؛ حيث أنّ التغلّب أحد مقوّمات الحياة الحكومية، و حالة ملازمة لمزاج الحكومات مطلقا، و لا يمكن لقوي أن يتخلّف عن الإنجراف في تيّارها.

لم تخف هاتيك المميّزات الخاصة لمصر على الفاطميّين، و لم تلتبس هذه الحقيقة عليهم منذ قيام عبيد اللّه المهدي‏ (1) مؤسس دولة العبيد و باني مجدها

____________

(1) . ابو محمّد عبيد اللّه (المهدي) بن محمّد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمّد المكتوم بن إسماعيل بن الإمام الصادق بن الإمام أبي جعفر محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام أبي عبد اللّه الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السلام؛ الفاطمي العلوي الكوفي 259-322 هـ. و قيل: أبو محمّد عبيد اللّه بن محمّد-

16

بتنفيذ دعوته في افريقية عام 296 هـ. بل كان هو و شيعته أمل بأن يشيّدوا بمصر دولتهم الأولى، و أن ينقضوا منها ملوك الأغالبة؛ لذالك رأوا من الضروريّ أن يوالوا جهودهم السامية و الحربية لتحقيق أمنيتّهم الكبرى هذه، بل أمنيّة الفاطميّين جميعا في الاتّجاه نحو المشرق، و من ثمّ توجيه ضرباتهم القاضية للدولة العبّاسيّة، و تكوين دولة شيعيّة فاطميّة ترأس العالم الاسلاميّ. (1) هذا هو الحلم الجميل و الأمنية الكبرى التي كانت تستهوي قلوب قاطبة الخلفاء الفاطميين في المغرب؛ و لأجله فقد وجّهوا أنظارهم لغزوها و امتلاكها منذ قيامهم بالدعوة، و كثيرا ما حاول المهديّ عبيد اللّه تحقيقها و تنفيذها و لكنه عجز و لم يستطع ذلك؛ بيد أنهم في الغزوات المتكررة استولوا على بعض ثغورها و نواحيها، و إن كانوا غالبا يرجعون بالخيبة. فقد أرسل المهدي حملة بقيادة حباسة بن يوسف الكنامي التي نجحت في دخول الاسكندرية، و لكن

____________

ق-ابن عبد اللّه بن ميمون بن محمّد بن اسماعيل بن جعفر بن محمّد بن علّي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام؛ ولد بالكوفة و سكن سلمية (بسورية) و كان يناهض العباسيين، و يدعو لنفسة فاستجابت اليه قبائل عربية، فبلغ خبر المكتفي بالله العباسي، فطلبه ففرّ من سلمية إلى العراق، ثم لحق بمصر فالاسكندرية، و منها إلى المغرب؛ بعد أن كان أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد الملقب بالعلم قد مهّد له بيعة المغرب، و استفحل أمره حتى بويع في القيروان بيعة عامة سنة 297 هـ. و حاول امتلاك مصر، فقصدها مرتين و لم يظفر، و قيل: دخل الإسكندرية و عاد إلى المغرب، فاختطّ مدينة «المهدية» سنة 303 هـ. و اتخذها قاعدة لملكه، و مات بها بعد أن حكم أربعا و عشرين سنة.

و ملك بعده ابنه القائم أبو القاسم محمّد، ثمّ ابنه المنصور أبو ظاهر اسماعيل، ثم ابنه المعز أبو تميم المعز معد بن إسماعيل و هو أول من ملك مصر و انتقل إليها سنة اثنتين و ستّين و ثلاثمائة (362) .

و للدكتور حسن إبراهيم حسن، و طه شرف كتاب «عبيد اللّه المهدي إمام الشيعة الاسماعيلية» ط و كان يتولّى اموره بنفسه ليس له وزير و لا حاجب. الأعلام 4/353. عمدة الطالب/235.

(1) . المعز لدين اللّه/68.

17

تكاثرت عليه جيوش العباسيّين، فانهزم حباسة ثم بعثوا باخرى، قادها القائم بأمر اللّه عام 307 هـ. و تتابعت غزوات الفاطميين لمصر فكانت تردّ مهزومة مدحورة، و مع ذلك لم تثن عزائمهم تلك الاندحارات عن فتحها قطّ.

كيف و قد أدرك الفاطميّون، بثاقب رأيهم، أنّ الدعوة لهم كانت تنجح في بلاد المشرق أكثر مما أخفقت في بلاد المغرب، و أنّ تحقيق آمالهم كانت مستحيلة لو بقوا في المغرب، و أنّ من السهل عليهم أن يسيروا من مصر إلى غزو بقية البلاد العربية، و كذلك سائر بلاد المشرق. هذا من ناحية، و من ناحية اخرى رأوا ضرورة فتح مصر لتأديب القرامطة، و إنقاض حكم العباسيّين منها.

و إنّ مصر بذلك كانت فريسة هيّنة للفاتح و لكن باسم الخلافة الإسلامية، و كما قلنا كان يشرف عليها جماعة من الجند و الزعماء الأقوياء، و هم ينظّمون مواردها و قواها الدفاعيّة، حين الخطر الدّاهم لتمرّدهم على الحروب.

قال أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغري بردي الأتابكي (813- 874 هـ. ) : و في سنة 297 هـ. خرج على تكين بن عبد اللّه (والي الخليفة العباسي المقتدر باللّه) جماعة من الأعراب و الأحواش، فجهّز تكين لحربهم جيشا إلى برقة (1) ، و جعل على الجيش المذكور أبا اليمني و خرج الجيش إلى برقة -و كان هؤلاء الأعراب من جملة عساكر المهديّ عبيد اللّه الفاطميّ الذي استولى على بلاد المغرب-فلمّا قارب الجيش برقة خرج إليهم حباسة بن

____________

(1) . برقة: اسم صقع كبير يشتمل على مدن و قرى بين الإسكندرية و إفريقية، و اسم مدينتها انطابلس. و قد نسب اليها جماعة من أهل العلم. معجم البلدان 1/388.

18

يوسف‏ (1) بعساكر المهدي عبيد اللّه الفاطمي، و قاتل أبا اليمني حتى هزمه و استولى على برقة؛ ثم سار إلى الإسكندرية في زيادة على مائة ألف مقاتل، و لما عاد جيش تكين منهزما إلى مصر، أرسل تكين إلى الخليفة يطلب منه المدد، فأمدّه الخليفة بالعساكر، و في العسكر حسين بن أحمد الماذرائي، و أحمد بن كيغلغ في جمع من القوّاد، و سار الجميع نحو مصر.

و كان دخول عسكر المهدي إلى الإسكندرية في أول المحرم سنة اثنتين و ثلاثمائة (302 هـ) و وصلت عساكر الخليفة من العراق إلى مصر في صفر و نزلت عبا، فتلقّاهم تكين و أكرم نزلهم ثم تهيّا تكين بعساكره إلى القتال. و خرج هو بعساكر مصر و معه عساكر العراق، و سار الجميع نحو الإسكندرية، و نزلوا بالجيزة (2) في جمادى الاولى؛ ثم سار الجميع حتى و افوا حباسة بعساكره و قاتلوه، فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها آلاف من الناس من الطائفتين، و ثبت كلّ من العسكرين حتى استظهر عسكر الخليفة على جيش حباسة العبيدي الفاطمي و كسره و أجلاه عن الإسكندرية و برقة. و عاد حباسة بمن بقي معه من عساكره إلى المغرب في أسوء حال. و هذا أول عسكر ورد إلى الإسكندريّة من جهة عبيد اللّه المهدي الفاطميّ‏ (3) .

و في سنة اثنتين و ثلاثمائة (302 هـ. ) عاد المهديّ عبيد اللّه الفاطمي من المغرب إلى الاسكندرية، و معه صاحبه حباسة-المقدم ذكره-فجرت بينه و بين جيش الخليفة حروب قتل فيها حباسة، و عاد مولاه عبيد اللّه إلى

____________

(1) . و قيل: حباشة بالحاء المهملة و الشين المعجمة، و جاء: بضم الحاء. و ورد خباسة، و هو قائد من قوّاد العبيديين. القاموس المحيط 2/209. المشتبه في أسماء الرجال 1/208.

(2) . الجيزة: بليدة في غربي فسطاط مصر قبالتها، و لها كورة كبيرة واسعة، و هي من أفضل كور مصر.

معجم البلدان 2/200.

(3) . النجوم الزاهرة 3/172. الكامل في التاريخ 8/89.

غ

19

القيروان‏ (1) .

و في أول المحرم سنة أربع و ثلاثمائة (304 هـ. ) و في ولاية ذكاء الرّوميّ الأعور على مصر، بلغه أن جماعة من المصريين يكاتبون المهدي فتتبّع كلّ من اتّهم بذلك، فقبض على جماعة منهم و سجنهم و قطع أيدي أناس و أرجلهم فعظمت هيبته في قلوب الناس؛ ثم أجلى أهل لوبية و مراقية (2) من مصر إلى الإسكندرية، ثم فسد بعد ذلك ما بينه و بين جند مصر و الرعية، و بينما الناس في ذلك قدمت عساكر المهدي عبيد اللّه الفاطمي من إفريقية إلى لوبية و مراقية، و على العساكر أبو القاسم؛ فدخل الإسكندرية في ثامن صفر سنة سبع و ثلاثمائة (307 هـ. ) و فرّ الناس من مصر إلى الشام في البرّ و البحر فهلك أكثرهم. فلما رأى ذكا ذلك تجهّز لقتالهم، و جمع العساكر و خرج بهم و هم مخالفون عليه، فعسكر بالجيزة و جدّد العطاء للجند و أرضاهم و تهيّأ ذكا للحرب و جدّ في ذلك و حفر خندقا على عسكره بالجيزة، فتقاتلا قتالا شديدا انتصر فيه، و توجّهت عساكر المهدي إلى نحو الصعيد.

و في سنة ثمان و ثلاثمائة (308 هـ. ) بلغ تكين أنّ ابن المديني القاضي و جماعة بمصر يدعون إلى المهدي، فأخذهم و ضرب أعناقهم و حبس أصحابه؛ و ملك أصحاب المهدي الفيّوم و جزيرة الاشمونين و عدة بلاد، و ضعف أمرتكين عنهم؛ فقدم عليه نجدة ثانية من العراق، عليها جني الخادم في ذي الحجة من السنة، خرج جني الخادم بمن معه إلى الجزيرة، و توجه الجميع لقتال عساكر المهدي. فكانت بينهم حروب و خطوب بالفيوم و الإسكندرية، و طال

____________

(1) . النجوم الزهرة 3/184. الكامل في التاريخ 8/113.

(2) . لوبية: بالضم، مدينة بين الإسكندرية و برقة و مراقية، بالفتح و القاف المكسورة، إذا قصد القاصد من الإسكندرية إلى إفريقية فأول بلد يلقاه مراقية ثم لوبية.

20

ذلك بينهم أياما كثيرة إلى أن رجع أبو القاسم القائم محمّد بن المهدي عبيد اللّه بعساكره إلى برقة (1) .

و في سنة إحدى و ثلاثمائة (301 هـ. ) جهّز المهديّ العساكر من إفريقية مع ولده أبي القاسم إلى فتح مصر فساروا إلى برقة، و استولوا عليها في ذي الحجة و ساروا إلى الإسكندرية و الفيوم و ضيق على أهلها؛ فبعث إليه المقتدر باللّه العباسيّ مونسا الخادم-و كان قائدا من كبار قادة العباسيين-في جيش كثيف، فحاربهم و أجلاهم عن مصر فغادروا إلى المغرب منهزمين‏ (2) .

و لكن جاء في بعض النصوص التاريخية أن عساكر المهديّ استولوا في هذه المرّة على برقة و الإسكندرية، و حكموها ثم شعر والي مصر أنّ بين المصريين من يكاتب الفاطميين لغزو البلاد، فتتبّعهم الوالي و سجن منهم عددا كبيرا و عذّب آخرين بقطع أيديهم و أرجلهم. لذلك فقد اضطرّ الفاطميّون إلى اتخاذ التقيّة و إلى الدعوة السّرّيّة، و قد جاء: أنّ المهدي نفسه دخل مصر مستترا في زيّ التجار و كوّن له هناك دعاة و أنصارا كما كانوا يكاتبون المصريين بالنثر تارة، و بالشعر أخرى؛ و كان مونس الخادم يصادر هذه المكاتبات و يرسلها إلى الخليفة العباسي المقتدر. و قد حفظ لنا التاريخ صورة مقطوعة من الشعر قيل أن القائم بأمر اللّه‏ (3) أرسلها إلى شيعته من المصريين

____________

(1) . النجوم الزاهرة 3/196.

(2) . اتّعاظ الحنفا للمقريزي/58. دائرة المعارف لفريد وجدي 8/316. الكامل في التّاريخ 8/84.

(3) . القائم بأمر اللّه أبو القاسم محمّد بن عبيد اللّه المهدي الفاطمي العبيدي، و يسمى نزارا (278-334 هـ. ) ولي القائم بعد موت أبيه حكومة المغرب بعهد منه إليه، و ملك إفريقية، و كان شجاعا شهما مقداما أديبا شاعرا فاضلا، ولد و نشأ في سلمية (بسورية) و دخل المغرب مع أبيه، و لما استقر أبوه في ملك المغرب جهزّه إلى مصر مرتين سنة 301 و سنة 307 هـ. ، فملك في الاولى الاسكندرية و الفيوم، و في الثانية وصل إلى الجيزة و قاتله-

21

يستنهض فيها هممهم، و ارسلت من قبل مونس إلى بغداد. و المقطوعة إن دلّت على شي‏ء فإنها تدل على اهتمام الفاطميّين و عنايتهم بانتقاض الحكم من العباسيين، و الطعن فيهم سيفا و قلما. و إليك المقطوعة:

أيا أهل شرق اللّه زالت حلومكم # أم اختدعت من قلّة الفهم و الأدب؟

صلاتكم مع من، و حجّكم بمن؟ # و غزوكم في من؟أجيبوا بلا كذب!

صلاتكم و الحجّ و الغزو، ويلكم # بشرّاب خمر عاكفين على الرّيب

ألم ترني بعت الرفاهة بالسّرى # و قمت بأمر اللّه حقا كما وجب؟

صبرت و في الصبر النجاح و ربّما # تعجّل ذو رأي فأخطا و لم يصب

إلى أن أراد اللّه إعزاز دينه # فقمت بأمر اللّه قومة محتسب

و ناديت أهل الغرب دعوة واثق # بربّ كريم من تولاّه لم يخب

فجاءوا سراعا نحو أصيد ماجد # يبادونه بالطّوع من جملة العرب

و سرت بخيل اللّه تلقاء أرضكم # و قد لاح وجه الموت من خلل الحجب

و أردفتها خيلا عناقا يقودها # رجال كأمثال الليوث لها جنب

شعارهم جدّي، و دعوتهم أبي # و قولهم قولي على النأي و القرب

فكان بحمد اللّه ما قد عرفتهم # و فزت بسهم الفلح و النصر و الغلب

و ذلك دأبي ما بقيت و دأبكم # فدونكم حرب تضرّم كاللهب‏ (1)

***

____________

ق-جيش المقتدر العباسي فعاد إلى المغرب، و بويع بعد موت أبيه عام 322 هـ. و هو ثاني ملوك الدولة الفاطمية، مات في المهدية سنة 334 هـ. له شعر في بعض المراجع. و ملك بعده ابنه المنصور باللّه أبو طاهر إسماعيل.

الأعلام 7/140. البداية و النهاية 11/213. شذرات الذهب 2/337. العبر في خبر من غبر 2/49. عمدة الطالب/236. الكامل في التاريخ 8/455. النجوم الزاهرة 3/287. تاريخ أبي الفداء 2/95.

(1) . في أدب مصر الفاطمية/16.

22

و لم يطمئنّ الفاطميون من فتح المغرب بل كانوا في اضطراب و قلق و لم يقنعوا بأن سلطانهم أصبح الحاكم المطلق على كافة أرجاء افريقية. و أنّ عدم تقويضهم لدعائم الأمويين في الأندلس ربما يطيح بعرشهم إلى الأبد. و لو لا رجوع المعز أو القائم، لا نهارت دولتهم في مهدها تحت ضربات القبائل البربرية الخصيمة لها و المعادية لمذهبها و أنظمتها. و الدولة الفاطمية عند ذاك كانت فتية تسير مسرعة إلى النماء و التوطيد؛ ثم لم تكن الدولة البربرية في المغرب وحدها بأول خصيمة لها، بل كانت هناك قبائل معادية كثيرة كادت تسحقها في المهد و لكنها خرجت ظافرة قوية؛ و أدركت في نفس الوقت فداحة الخطر الذي يحيق بها و يهدّدها. و الفاطميّون مع أنهم قد استطاعوا في فترة قليلة من الزمن، أن يدوخوا قبائل المغرب كلّها و أن ينفذوا بفتوحاتهم في المغرب الأقصى حتّى المحيط، فأنهم مع ذلك لم يطمئنّوا بالسلام و البقاء و الدوام في إفريقية، و لم يعتبروا أنهم وصلوا باقامة ملكهم في المغرب إلى ذروة الأماني و الغايات السامية؛ و لكنهم أيضا لم تثن عزائمهم من إرسال الدعاة و الجيوش لمصر حتّى وجدوا في تربة مصر الخصبة أثر دعايتهم الفعّالة في زعزعة الافكار السنيّة في المشرق، و ضعف أمر العباسيين في الداخل و الخارج.

فكانت هذه و أمثالها من العوامل التي شجعت المعزّ على المضي في مصر، و أعانه على ذلك ضعف مصر نفسها من النواحي الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، فتفألّوا في تحقيق حلمهم في الاستقراء في بلاد مصر.

و يمكننا القول أنّ الدعوة الفاطمية راجت بمصر رواجا لم يعهده الفاطميون من قبل؛ و لم يحلموا به. و كانت دعوتهم أسبق إليها من جيوشهم، و أن الدعاة استطاعوا أن يبذروا في نفوس بعض المصريين-إن لم نقل جلّهم- معتقدات الفاطميين؛ فاستجاب لهم من استجاب، و كانوا عونا لجيش جوهر

23

القائد (1) في دخول مصر سنة 358. و يحدّثنا التاريخ الذي تسالمت الأمّة على حجّيته عن كيفيّة قيام الفاطميّين في ترويج مذهبهم بمصر، فيقول: لما أخفق السّيف عند الفاطميّين عولوا على الدعاية لتحقيق آمالهم و أمانيهم، فكانوا يدمّجون في صفوف جندهم دعاة عهد إليهم أن يختلطوا بالناس و يعلّموهم عقايد المذهب الإسماعيليّ، فلم يلبث أن صار في مصر قبل فتح هذه البلاد بزمن طويل عدد غير قليل يعتقد المذهب الشيعي و يرجو نجاحه‏ (2) .

ثم كثرت الثورات على العباسيين لهذا و ذاك، و تلقّفتهم سيوف الثّوّار من كلّ صوب و حدب، حتّى حدثت بين حكّامها مناوآت عارمة و منافسات

____________

(1) . أبو الحسن جوهر بن عبد اللّه الرومي المتوفّى 381 هـ. كان من موالي المعزّ لدين اللّه العبيدي، شجاعا قائدا بطلا كثير الإحسان، باني مدينة القاهرة، و الجامع الأزهر، سيّرة الخليفة المعز من القيروان إلى مصر، بعد موت كافور الاخشيدي، فدخلها سنة 358 هـ. و أرسل الجيوش لفتح بلاد الشام و ضمّها إليها، و مكث بها حاكما مطلقا إلى أن قدم مولاه المعزّ لدين اللّه سنة 362 هـ. فحلّ المعزّ محلّه، و صار هو من عظماء القوّاد في دولته و ما بعدها إلى أن مات بالقاهرة و لم يبق بمصر شاعر إلاّ رثاه لكثرة إحسانه إليهم.

و كان بناؤه القاهرة سنة 358 هـ. و سمّاها «المنصورية» حتى قدم المعزّ فسمّاها «القاهرة» و فرغ من بناء «الجامع الأزهر» في رمضان سنة 361 هـ. و أخباره كثيرة. و للاستاذ علي إبراهيم حسن كتاب باسم «تاريخ جوهر الصقلّي قائد المعز لدين اللّه الفاطمي» ط.

و قد أزال الشعار الأسود، و ألبس الخطباء الثياب البيض، و جعل يجلس بنفسه في كل يوم سبت للمظالم يحضره الوزير و القاضي و جماعة من أكابر الفقهاء، و في يوم الجمعة ثامن ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب الخطبة: «اللّهم صلّ على محمد المصطفى و عليّ المرتضى و فاطمة البتول و الحسن و الحسين سبطي الرسول الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» كما أمر القائد بقول: «حيّ على خير العمل» في الأذان و هو أول ما أذن به بمصر ثم أذن به في سائر المساجد.

الأعلام 2/146. البداية و النهاية 11/310. تاريخ أبي الفداء 2/128. دائرة المعارف للبستاني 6/607.

شذرات الذهب 3/98. العبر في خبر من غبر 2/158. الكامل في التاريخ 9/90. معجم البلدان 4/301.

النجوم الزاهرة 4/28. وفيات الأعيان 1/375-380. الخطط المقريزية 1/377.

(2) . المعزّ لدين اللّه/69. الفاطميون في مصر/89.

24

عدائية؛ و من جهة اخرى كانت عاملة و حريصة في ردّ أطماع الزعماء الطامعين بالدفاع عن مصر و حمايتها من غارات المعتدين عليها و المتطلّعين إلى امتلاكها.

أجل إنّ ثورات الجند المتكرّرة و اضطراب الشؤون العامة الاجتماعية و فقدان الأمن و الطمأنينة و الراحة غلبت الفوضى، و زادت في ضعفها، فكان هذا مما دفعها إلى التطلّع إلى مصير أفضل من هذا المصير المظلم. فلبثت مصر تنعى أهلها و تنتابها المصائب، و أصبحت مسرحا للفوضي و القلق و الاضطراب؛ و عجز الحكّام عن دفع رواتب الجند و الموظّفين و لمّ شعثها فتفاقمت الثورات و تفشّى الفقر و البؤس و المرض في الشعب و مهّدت السبل.

و على إثر هذه العوامل لنجاح الفاطميين و تحقيق رغاباتهم و اعتقاد الخليفة الفاطمي (المعزّ) أنّ أهالي هذه البلاد لن يقاوموه بسبب الحالة السيّئة التي أصبحوا فيها؛ و أنّ العباسيين و اضطرابهم المادّيّ و إفلاسهم السياسي لم يمكنهم من إنقاذ مصر، و إمدادها بالرجال و العتاد و المال. فغمر الفاطميون البلاد المصرية بخيرات و أموال؛ و سيّرت من بلاد المغرب عند ذلك حملة قادها جوهر الصقلي، بأمر الخليفة الفاطمي المعز سنة 357، و كانت منتظمة تنظيما دقيقا؛ و زوّدها بالأموال الضخمة و الرجال و المؤون حتى لا يتطرّق إليها ضعف و تدهور و لا ينتابها فتور. و كان قد أنفق الخليفة الفاطمي على إعداد هذه الجيوش أربعة ملايين دينارا عدا ما حمله ألف جمل من الذهب الذي رصد للإنفاق على هذه الحملة (1) . و قد كانت قوّة زاخرة تستطيع أن تقطع هذا الفقر الشاسع بين إفريقية و مصر، بعدّتها و عددها.

و في رواية: و كان المعزّ لماندب جوهرا هذا إلى التوجه إلى الديار

____________

(1) المعز لدين اللّه/84. النجوم الزاهرة 4/28.

25

المصرية أصحبه من الأموال و الخزائن ما لا يحصى؛ و أطلق يده في جميع ذلك، و أفرغ الذهب في صور الأرحاء و حملها على الجمال لعظم ذلك في قلوب الناس.

هذا و قد وصف الحافظ تقيّ الدين المقريزي المتوفّى 845 هـ. هذه الطليعة العسكرية الظافرة بقوله: و عزم المعزّ على تسيير الجيوش لأخذ مصر و تهيّأ أمرها فقدّم عليها القائد جوهرا، و برز إلى رمادة و معه ما ينيف على مائة فارس و بين يديه أكثر من ألف صندوق من المال؛ و كان المعزّ في كل يوم يخرج إليه و يخلو به؛ و أطلق يده في بيوت أمواله فأخذ منها ما يريد زيادة على ما حمله معه. و خرج إليه يوما، فقام جوهر بين يديه و قد اجتمع الجيش فالتفت المعزّ إلى المشايخ الذين وجّههم مع جوهر و قال: و اللّه لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر!و لتدخلنّ إلى مصر بالأردية من غير حرب، و لتنزلنّ في خرابات ابن طولون و تبنى مدينة تسمّى القاهرة تقهر الدنيا!

و أمر المعزّ بإفراغ الذهب في هيأة الأرحية، و حملها مع جوهر على الجمال ظاهرة؛ و أمر أولاده و إخوته الأمراء و وليّ العهد و سائر أهل الدولة أن يمشوا في خدمته و هو راكب. و كتب إلى سائر عمّاله يأمرهم إذا قدم عليهم جوهر أن يترجّلوا مشاة في خدمته؛ فلما قدم برقة افتدى صاحبها من ترجّله و مشيه في ركابه بخمسين ألف دينار ذهبا، فأبى جوهر إلاّ أن يمشي في ركابه و ردّ المال فمشى. (1)

و لقد أزكى منظر تلك القوى الجرّارة و هيأتها الهائلة وقت خروجها من القيروان إلى مصر في يوم من أيّام الربيع، خيال شاعر معاصر هو ابن هاني

____________

(1) . الخطط المقريزية 1/378.

26

الأندلسي‏ (1) فأنشد قصيدة يمدح فيها القائد جوهرا، و يذكر توديعه عند خروجه من القيروان إلى مصر و يصف الجيش الفاطميّ العرمرم، و يذكر خروجه للتشييع و أولها:

رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع # و قد راعني يوم من الحشر أروع

غداة كأن الافق سدّ بمثله # فعاد غروب الشمس من حيث تطلع‏ (2)

فلم أدر إذ ودّعت كيف أودّع # و لم أدر إذ شيّعت كيف اشيّع

ألا إنّ هذا حشد من لم يذق له # غرار الكرى جفن و لا بات يهجع

إذا حلّ في أرض بناها مدائنا # و إن سار عن أرض غدت و هي بلقع

تحلّ بيوت المال حيث محلّه # و جمّ العطايا و الرّواق المرفّع

و كبّرت الفرسان للّه إذ بدا # و ظلّ السلاح المنتضى يتقمقع

و عبّ عباب الموكب الفخم حوله # ورقّ كمارقّ الصباح الملمّع

رحلت إلى الفسطاط أوّل رحلة # بأيمن فال في الذى أنت تجمع

فإن يك في مصر ظماء لمورد # فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع

و يمنهم‏[؟]من لا يغار بنعمة # فيسلبهم لكن يزيد فيوسع‏

و القصيدة 105 بيتا و آخرها:

سموت من العليا إلى الذّروة التي # ترى الشمس فيها تحت قدرك تضرع‏

____________

(1) . محمد بن هاني بن محمد بن سعدون الأندلسي، أشعر شعراء المغرب على الاطلاق من المتقدمين و المتأخرين، و لأجل ذلك يقال له حسب ما ذكره ابن خلّكان: متنبئ المغرب. ولد بقرية سكون من قرى مدينة اشبيلية سنة 320 و قيل 326، و انتقل إلى القاهرة، و اعتقد بإمامة الخلفاء الفاطميين منذ وجودهم في المغرب، و مدحهم بقصائد عدّة و شاركهم في الاحتفالات و المناسبات، و قتل أو مات سنة 362 و عمره 36 سنة و قيل 42 و له ديوان شعر كبير مطبوع.

(2) . إشارة إلى كثرة الجند بحيث أظلمت الدنيا بسبب تحرّكهم نحو الشرق.

27

إلى غاية ما بعدها لك غاية # و هل خلف أفلاك السّماوات مطلع؟

الى أين تبغي؟ليس خلفك مذهب # و لا لجواد في لحاقك مطمع‏ (1)

و لما استولى على مصر، أرسل جوهر هذا يهنّئ مولاه المعزّ بذلك، فقال ابن هاني المذكور أيضا في ذلك:

يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ # فقل لبني العباس: قد قضي الأمر

و مذ جاوز الإسكندريّة جوهر # تطالعه البشرى و يقدمه النصر (2)

و لم تمض أسابيع قلائل حتى سرت الأنباء في مصر بمقدم العساكر الفاطمية، و لم يكن مشروع الفاطميين في فتح مصر مجهولا، بل كان للمعزّ دعاة يبثّون دعوته خفية، و يبشرون بالفتح الفاطمي أيضا؛ و لم يك ثمّة ما تخشاه الأمة المصرية من هذا الفتح خصوصا بعد الذي شهدته من عسف جنود العباسيين، و انهيارهم و طغيان الولاة المستعمرين؛ و ما انتهت إليه شؤونها في أواخر عهد الدولة الإخشيدية من الإضطراب و الفؤضى و ما توالى عليها من محن الغلاء و الوباء.

و قد كان من سخريّة الأقدار أن يتولّى حكم مصر أسود خصيّ هو كافور (3) و كان لهذا الحادث الفذّ في تاريخ مصر الإسلامية بلا ريب وقع عميق في

____________

(1) . ديوان ابن هاني الاندلسي/397-412.

(2) . الخطط المقريزية 1/378. النجوم الزاهرة 4/30.

(3) . أبو المسك كافور بن عبد اللّه الإخشيدي 292-357 هـ.

الأمير المشهور، الخادم الأسود الخصيّ، صاحب مصر و الشام و الثغور، اشتراه سيّده أبو بكر محمّد الإخشيد بثمانية عشر دينارا من الزيّاتين، و ربّاه و أعتقه، ثم رقّاه حتى جعله من كبار القوّاد لما رأى منه الحزم و العقل و حسن التدبير، و لما مات الأخشيد سنة 335 هـ. أقام كافور هذا أبناءه واحدا بعد واحد، و كافور كان مدبرا للملك؛ و أخباره كثيرة ذكرها مؤلف كتاب «النجوم الزاهرة» و قال: إن مدّة إمارته على مصر اثنتان و-

غ

28

جرح الشعور القومي.

و لقد كانت الدولة الفاطمية تجذب إليها الأنظار بقوّتها و غناها، و كان سواد الشعب المفكّر يؤثر الإنضواء تحت لواء دولة قوية فتية تستظل بلواء الإمامة الإسلامية كالدولة الفاطمية على الاستمرار في معاناة هذه الفوضى السياسية و الاجتماعية. و هكذا لقي الفاطميون حين مقدمهم إلى مصر جوّا ممهّدا يبشر بتحقيق الفتح المنشود على خير الوجوه‏ (1) . و فوق ذلك كلّه كانت

____________

ق-عشرون سنة، قام في أكثرها بتدبير المملكة في ولاية أبي القاسم، ثم أبي الحسين ابني الإخشيد، و تولاها مستقلا سنتين و أربعة أشهر، و كان يدعى له على المنابر بمكة و مصر و الشام و الثغور؛ مثل طرسوس و المصيصة و غيرهما إلى أن مات سنة 357، و حمل تابوته إلى القدس فدفن بها. و ذلك قبل دخول القائد جوهر الصقلي إلى مصر.

و كافور هذا هو الذي هجاه أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي المتنبّي 303-354 هـ.

بقصيدته الداليّة و فيها يقول:

من علّم الأسود المخصيّ مكرمة؟ # أقومه البيض أم آباؤه الصّيد؟

أم أذنه في يد النخّاس دامية # أم قدره و هو بالفلسين مردود؟

صار الخصيّ إمام الآبقين بها # فالحرّ مستعبد و العبد معبود

و منها:

و ذاك أن الفحول البيض عاجزة # عن الجميل فكيف الخصية السّود؟

و للمتنبي في كافور أهاج كثيرة تضمنها ديوان شعره، و بعد هذه الداليّة خرج المتنبي من مصر و توجه إلى عضد الدولة بن بويه.

الأعلام 6/68. أعيان الشيعة 8/42-199. البداية و النهاية 11/266. الخطط المقريزية 1/330. دول الاسلام 1/173. شذرات الذهب 3/21. العبر في خبر من غبر 2/98 (في وفيات سنة 356) . الكامل في التاريخ 8/581. مجالس المؤمنين 2/527. النجوم الزاهرة 4/1-10. نسمة السحر 1/79. (مخطوط بمكتبتي الخاصة) . وفيات الأعيان 1/431.

(1) . الحاكم بأمر اللّه و أسرار الدعوة الفاطمية/27.

29

مصر ترحّب دائما بالحكم الأجنبي متى ما كان معتنقا للديانة الإسلامية. و من أجل ذلك لم تجد مصر أيّة غضاضة على نفسها في قبول الطولونيين و الفاطميين حتى أنّ الشعب ألف كياستهم و حسن تدبيرهم للشؤون السياسية، فأقام الفاطميون بها على تلو الأيام دولة سياسية و إمامة دينية على أسس قويمة و دعائم و طيدة، لما وجدوا مصر أصلح مركز لتحقيق غاياتهم و مناجزة الدولة العباسية خصيمتها السياسية و الدينية.

و قبل هذا كلّه فالأساس القويّ الذي قامت عليه الدولة الفاطمية، هو انتسابها إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و لهذا كان السلاح القوي الذي استعمله أعداؤها و معارضوها هو الطعن في هذا النسب ليتوصّلوا منه إلى الطعن في شرعيّتها و شرعيّة حكمها (1) .

فتح الفاطميّون مصر و لم يكن فتحها غنما سياسيا لبني عبيد اللّه فقط؛ بل كان غنما للدعوة الشيعية التي لبث بنو العباس يطاردونها زهاء قرنين، و الّتي رفع لواءها عبيد اللّه المهدي (جدّ المعزّ الأكبر) و الّتي بدأت ظفرها السياسي بافتتاح المغرب، فكانت مسألة الإمامة ما تزال سند الفاطميّين و كان ملكهم الجديد بمصر يصطنع بنفس الصبغة الدينيّة العميقة التي حملت لواءهم إلى المغرب، و أيّدها الشعب المصريّ و انضمّوا تحت رايتها الخفاقة و كانت فورة القرامطة التي امتدّت يومئذ نحو الشام تهدّد دعوتهم و ملكهم في مصر؛ فكان عليهم أن يؤيّدوا هذه الدعوة و أن يثبتوا قدسيّتها و نقاءها فيثبتوا بذلك في وجه المنكرين لنسبتهم و شرعية دعوتهم أنهم كما يدّعون من سلالة فاطمة ابنة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ولد عليّ عليه السّلام. و لهذا نرى المعز لدين اللّه حين مقدمه الإسكندرية، يقول لوفد المصريين الذي ذهب للقائة: إنه لم يسر

____________

(1) . مجموعة الوثائق الفاطمية 1/18.

30

لازدياد في ملك و لا رجال و لا سار إلاّ رغبة في الجهاد و نصرة للمسلمين. (1)

هذه الجملة إن دلّت على شي‏ء فإنما تدلّ على حرص الفاطميّين على مظاهر الإمامة و اتّساع نفوذها؛ فقد كانت الصبغة الدينية العميقة تطبع سياسة الدولة الفاطمية منذ القدم؛ و بفضل هذا قامت حكومتهم و تركّزت.

و إن الصراع الذي قام بين الفاطميين و العباسيين، او المعزّ و القرامطة و الأمويين بعبارة اخرى لا مشاحة كان في الواقع صراعا على زعامة المسلمين الروحية و السياسية؛ و لهذا أخذ المعزّ منذ دخوله مصر يحوط بنفسه هالة من التقديس حتى يتميّز بذلك عن خلفاء الأمويّين و العباسيين كما قلنا؛ و يجذب نحوه قلوب الرعايا و الاشياع للاحتفاظ بهذه الزعامة. و كيف و الشعب المصري بمجموعة يتطلب من الحاكم و السلطان منذ القدم ذلك. و إن المعزّ لدين اللّه منذ غزوه مصر أخذ يقرر في أذهان أتباعه أنّه لسموّ مكانته الدينية و غيره من الأئمّة الإسماعيلية الخلفاء، يستطيعون أن يكونوا واسطة بين اللّه و بين أشياعهم. و كان هؤلاء الذين يلقّنون هذه التعاليم من خلفائهم يجهدون في طاعتهم و طاعة من يمتّ إليهم بصلة و علقة. و هذا ما جعل جماعة الإسماعيلية متّحدين متساندين، يشدّ بعضهم أزر بعض؛ و قد بزّ المعزّ العباسيين و الأمويين، من هذه الناحية لأنّ هؤلاء كانوا يحملون الرعاية على طاعتهم طوعا أوكرها و بقوة السيف.

و لذلك لبست شخصية المعزّ لدين اللّه ثوبا قشيبا من التقديس و الإجلال؛ و لم يكن الخليفة الفاطمى كمنافسه الأمويّ و العباسيّ، مستبدا بأمور الدولة أو مسرفا في العبث و اللهو و المجون، بعد أن أصبح رعاياه و

____________

(1) . اتّعاظ الحنفا/88. مصر الإسلامية/81.

31

أنصاره ينظرون إليه كشخص واجب الطاعة باعتباره من سلالة الرسول صلّى اللّه عليه و آله‏ (1) .

و في ذلك قال ابن إياس‏ (2) ، ضمن حديثه عن الخلفاء الفاطميين: و كان المعزّ يحبّ العدل و الإنصاف بين الرعية غير أنه كان رافضيّا سبّابا للصحابة في يوم الجمعه على المنابر. و كان للمعزّ اخت تسمّى الست سيدة الملك قيل: إنّها توفيت في خلافة أخيها المعزّ فوجد لها من الذهب العين ثلاثمائة صندوق من الفصوص: الياقوت الملوّنة و اللؤلؤ خمس و يبات؛ و وجد لها مدهنا من الياقوت الأحمر وزنه سبعة و عشرون مثقالا لم يحص له ثمن؛ و وجد لها من الشقق الحرير الأحمر، ثلاثين ألف شقة. قال بعض المؤرخين: و كانت اخت المعزّ مع وجود هذه السعة أزهد الناس في الدنيا و كانت لا تأكل إلاّ من ثمن غزلها دائما حتى ماتت‏ (3) .

و لقد امتدحه شاعره محمّد بن هاني الأندلسي بقصيدة أوّلها:

تقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ # فقل لبني العباس: قد قضي الأمر (4) .

____________

(1) . المعز لدين اللّه/137-139.

(2) . أبو البركات محمد بن أحمد بن إياس المصري الحنفي 852-930 هـ. عالم أديب مؤرخ مؤلف، أحد تلامذة جلال الدين السيوطي، ولد بالقاهرة و قرأ على شيوخها و اختصّ بالسيوطي، و مات سنة 930 هـ.

له من التآليف: بدائع الزهور في دقائق الدهور. عقود الجمان في وقائع الزمان. جواهر السلوك في الخلفاء و الملوك. تاريخ مصر. نشق الأزهار في عجائب الأقطار. نزهة الامم في العجائب و الحكم.

الأعلام 6/232. إيضاح المكنون 2/112. تاريخ آداب اللغة العربية 3/283. كشف الظنون/229، 305، 1941، 1953. الكنى و الألقاب 1/220. معجم المطبوعات العربية/42، 43. معجم المؤلفين 8/236. هديّة العارفين 2/231.

(3) . تاريخ مصر 1/47.

(4) . حسن المحاضرة للسيوطي 2/13.

32

قالها عندما أرسل جوهر القائد الرومي‏ (1) إلى المعزّ يبشّره بفتح الديار المصرية و إقامة الدعوة له بها و طلبه إليها؛ ففرح المعزّ بذلك.

ما أشبه اللّيلة بالبارحة!

و يشبه القصة هذه بمعناها، عند ما اقيمت الخطبة لبني العبّاس بمصر سنة 557 هـ. و أرسل نور الدين إلى الخليفة يعلمه بذلك زيّنت بغداد و غلّقت الأسواق و عملت القباب و فرح المسلمون فرحا شديدا؛ و كتب العماد الكاتب عن السلطان صلاح الدين إلى الملك نور الدين يبشره بذلك:

قد خطبنا للمستضي‏ء بمصر # نائب المصطفى إمام العصر

و خذلنا لنصره العضد العا # ضد و القاصر الذي بالقصر

و تركنا الدعيّ يدعو ثبورا # و هو بالذّلّ تحت حجر و حصر (2)

____________

(1) . أسلفنا الحديث عنه، راجع ص 24 من هذا الكتاب.

(2) . تاريخ الخلفاء للسيوطى/446. تاريخ الدولة الاسلامية لابن طباطبا/319.

و في النجوم الزاهرة 5/356 هكذا:

قد خطبنا للمستضي‏ء بمصر # نائب المصطفى إمام العصر

و لدينا تضاعفت نعم اللّ # ه و جلّت عن كل عدّ و حصر

و استنارت عزائم الملك العا # دل نور الدين الهمام الأغرّ

هو فتح بكر و دون البرايا # خصّنا اللّه بافتراع البكر

و هو من شعر عماد الدين ابي عبد اللّه محمد بن صفيّ الدين محمد بن حامد المعروف بالكاتب الاصبهاني الشافعي 519-597 هـ.

مؤرخ اديب عالم بالأدب و الشعر، و من أكابر الكتّاب. ولد في اصبهان، و قدم بغداد حدثا، فتأدب و تفقّه، و اتّصل بالوزير عون الدين «ابن هبيرة» فولاّه نظر البصرة و الواسط.

و بعد موت الوزير ضعف أمره فرحل إلى دمشق فاستخدم عند السلطان نور الدين في ديوان الانشاء، و بعثه نور الدين رسولا إلى بغداد أيام المستنجد، ثم لحق بصلاح الدين الأيوبي بعد موت نور الدين، فكان معه في-

33

و مهما يكن من أمر فقد حكم المعزّ لدين اللّه مصر و تتابعت على يديه الانتصارات الرائعة؛ و بظنّي أنّ الفاطميين لم يحرزوا أمثال تلك الفتوحات على يد خليفة من خلفائهم مثلما أحرزوها في عهد المعزّ في المغرب و المشرق و البر و البحر. و قد أحدث منذ انتقال الخلافة إليه-و هو أول فاتح-تطورا كبيرا في نظام الحكم، و لكنه أبقى مع ذلك نظم الحكم التي كانت عليه مصر قبل الفتح الفاطميّ، و أسند شؤون الدولة و البلاد الجديدة إلى المصريين أنفسهم؛ و اشترك معهم في الحكم المغاربة الذين مرنوا إدارة البلاد. و لقد دلت هذه الفكرة على نجاح المعزّ نجاحا مزدوجا فإنّه بعمله و تفكيره هذا استطاع أن يدير دولاب الأعمال الحكومية على وفق مرامه و نهجه، و أن يدرّب المغاربة على الأعمال الإدارية في البلاد، و أن يفهم المصريين أنّه لم يأت لمصر إلا لاستنقاذهم من ظلم العباسيين و عبث الحكّام و استبدادهم بأمور الدولة. و بهذا و أمثاله وطدت علاقة المعزّ مع رعيته و استغلّ هذا الموقف لمصلحة تقدّم دولته و دعوته، و كرس جهوده و بذل النفيس دون راحة الشعب، حتّى جعلهم يشعرون أن الدولة الفاطميّة هي التي سمت بهم إلى الرفعة، و لولاها للبثوا يئنّون تحت كابوس العباسيين المظلم و قيودهم التعسّفية.

____________

ق-مكانه «وكيل وزارة» إذا انقطع الفاضل بمصر لمصالح صلاح الدين قام عماد الدين مقامه، و لمّا توفّي صلاح الدين استوطن العماد دمشق و لزم مدرسته المعروفة بالعمادية، و مات بها.

له: خريدة القصر. الفتح القدسي. في الفتح القدسي. البرق الشامي. أخبار صلاح الدين و فتوحه. ديوان الرسائل.

ديوان شعر السيل على الذيل. نصرة الفترة و عصر الفطرة.

آداب اللغة العربية 3/61. الأعلام 7/253. إيضاح المكنون 2/92، 629. البداية و النهاية 13/30. شذرات الذهب 4/332. طبقات السبكى 4/1097 الكامل في التاريخ 12/171. الكنى و الألقاب 2/484. معجم المؤلفين 11/204. النجوم الزاهرة 6/178. وفيات الأعيان 2/74.

34

و لقد اهتمّ الفاطميون في سبيل تقدم بلادهم و شعبهم من شتّى نواحيها، و سهروا على راحة الشعب و حمايتهم من أعدائهم و مناوئيهم سهرا مستمرا.

و هذا التاريخ شاهد عدل على عنايتهم بنظام القضاء و الحكم، و لا غرو فإنّهم منذ قيامهم بالدعوة كانوا يشعرون بأنّ بقاءهم في البلاد يتوقّف إلى حدّ كبير من نشر العدالة و الرحمة و السلام بين الرعايا؛ و لذا ألزموا على أنفسهم ذلك إلى أن سقطت عام 567 هـ. على يد صلاح الدين الأيّوبيّ‏ (1) الذي كان قد أتى مصر ليردّ فيها الأمر إلى نصابه، فيقض على الخلافة المصرية الجديدة

____________

(1) . ابو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي الكردي التّكريتي الأيوبي 532-589 هـ.

من قوّاد العباسيين و عبيدهم و أذنابهم، كان أبوه و أهله من قرية دوين (في شرقي آذربيجان) و هم بطن من الروادية من الأكراد، نزلوا بتكريت، و ولدبها صلاح الدين، و مات فيها جده شاذي، ثم ولي أبوه «ايّوب» أعمالا في بغداد و الموصل و دمشق، و نشأ هو في دمشق، فدخل مع أبيه و عمه «شير كوه» في خدمة نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، و اشترك مع عمه شير كوه في حملة وجّهها نور الدين للاستيلاء على مصر سنة 559 هـ. فاستولى على زمام الأمور بمصر، و قطع خطبة الفاطميين، و خطب للعباسيين، و انتهى بذلك أمر الفاطميين، بعد أن فتك بهم صلاح الدين التكريتي فتكا ذريعا و قتل الرجال و النساء و الأطفال و الأمراء، و عبث بمقدرات الشعب الاجتماعية و الدينية، و أبدل جمع كوادر الدولة، بشر ذمة من أذناب العباسيين، فاضطربت البلاد الشامية و الجزيرة، و هو مقدام في فتكه و قتله و سلبه و نفيه و تشريده.

إنّ الرجل، على ما هو فيه من البطولة و الشجاعة، من الدخلاء و من أعداء العروبة و الإسلام و خصمائهم و مناوئيهم؛ و حروبه للصلبيين و الفاطميين و بقية الطوائف الاسلامية و العربية، منبعثة عن حقده و عداوته لهم، و تحت صيانة الخلافة العباسية. لأنه لم يكن في الواقع مواليا و محبّا لهم و لكنّه اتخذهم ذريعة للحطّ من الاسلام و العرب. و يطول بنا الحديث في هذا المجال لذلك نضرب عنه صفحا و إلى اللقاء إن شاء اللّه تعالى. مات بدمشق سنة 589 هـ. و دفن بها، و كانت مدة حكمه بمصر 24 سنة، و بسورية 19 سنة، و خلف من الأولاد 17 ذكرا و انثى واحدة. و لبعض المؤلّفين كتابات و دراسات مستقلة عن حياته‏[راجع صلاح الدين الأيوبى بين العباسيين و الفاطميين و الصليبيّين للمورّخ الاستاذ السيد حسن الأمين طبع دار جديد في بيروت عام 1995 م. -النّاشر].

35

(الفاطمية) و يعيد الخطبة فيها للمستضي‏ء العبّاسي. (1) فغزا الاسكندرية، و لمّ شعث سورها، و كثر القول من صلاح الدين و أصحابه في ذمّ العاضد (آخر خلفاء الفاطميين) و تحدّثوا بخلعه و إقامة الدعوة العباسية بالقاهرة و مصر مرّة ثانية، بعد أن ضعفت شوكة الفاطميين؛ و أخذ الفتور و الضعف طريقه إليهم، ذلك أنّ أكثر خلفائهم لم يكن لهم من الخلافة إلاّ اسمها فلم يأت النصف الأول من القرن السادس الهجري إلاّ كان الأمر و النهي في أيدي وزرائهم، و استطاع أحدهم أن يخلع الخليفة و أن يقضي على بقية الفاطميين‏ (2) و انتهت الدولة الفاطمية بعد أن حكمت مصر زهاء قرنين، و خلفت ورائها ثروة فنيّة و فكريّة و علمية ضخمة.

ثم قبض على ساير من بقي من امراء الدولة، و أنزل أصحابه في دورهم في ليلة واحدة؛ فأصبح في البلد من العويل و البكاء ما يذهل؛ و تحكم أصحابه في البلد بأيديهم و قبض على بلاد العاضد و منع عنه ساير موارده؛ و قبض على القصور و سلّمها إلى الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي و جعله زمامها فضيّق على أهل القصر، و صار العاضد معتقلا تحت يده، و أبطل من الأذان «حيّ على خير العمل» و أزال شعار الدولة، و خرج بالعزم على قطع خطبة العاضد؛ فمرض العاضد و مات و عمره إحدى و عشرون سنة إلا عشرة

____________

(1) . المستضي‏ء بأمر اللّه الحسن أبي محمد بن المستنجد باللّه العباسي 536-575 هـ.

الخليفة العباسى الذي بويع له بالخلافة بعد موت أبيه، و هو الخليفة الثالث و الثلاثون، قال الذهبي: في أيامه ضعف الرفض ببغداد و هى؛ و أراد جماعة من شيعة العبيديين و محبيهم إقامة الدعوة وردها إلى آل العاضد، و وافقهم جماعة من امراء صلاح الدين، فاطلع صلاح الدين على ذلك فصلبهم بين القصرين.

البداية و النهاية 12/305. تاريخ الخلفاء للسيوطي/444. تاريخ الخميس 2/366. حياة الحيوان 1/97.

شذرات الذهب 4/250. العبر فى خبر من غبر 3/68. الكامل في التاريخ 11/459.

(2) . تاريخ المساجد الأثرية 1/17. دائرة المعارف البستاني 3/310.

غ

36

أيّام‏ (1) . و كانت مدة خلافته بمصر اثنتي عشرة سنة و ستة أشهر و أياما (2) . فلمّا كانت الجمعة الأولى من المحرم عام 567 هـ. صعد المنبر الأمير العالم الخبوشاني‏ (3) و قد قدم مصر أيضا بقطع الخطبة للفاطميين و جعلها باسم

____________

(1) . اتّعاظ الحنفا/290.

(2) . تاريخ مصر لابن اياس 1/86.

(3) . ابو البركات نجم الدين محمد بن الموفق بن سعيد بن علي بن حسن بن عبد اللّه الخبوشاني النيسابوري 510-587 هـ.

فقيه صوفي محدث، ولد بخبوشان و تعلم بها و انتقل إلى مصر و حظي عند صلاح الدين الأيوبي، و دعا له و هو أول من خطب للعباسيين.

قال ابن الأثير: و اتفق أن العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار امراءه، فمنهم من أشار به، و لم يفكّر في المصريين؛ و منهم من خافهم إلاّ أنه ما يمكنه إلاّ امتثال أمر نور الدين.

و كان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم؛ رأيته أنا بالموصل، فلمّا رأى ما هم فيه من الإحجام، و أن أحدا لا يتجاسر أن يخطب للعباسيين، قال: أنا أبتدئ بالخطبة لهم، فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب و دعا للمستضي‏ء بأمر اللّه فلم ينكر أحد ذلك، فلمّا كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر و القاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد، و يخطبوا للمستضي‏ء، ففعلوا ذلك فلم ينتطح فيها عنزان؛ و كتب بذلك إلى سائر بلاد مصر، ففعل. و كان العاضد قد اشتدّ مرضه فلم يعلمه أحد من أصحابه و أهله بقطع الخطبة.

قال صاحب «مرآة الزمان» : و في سنة 587 توفّي الشيخ نجم الدين الخبوشاني، قدم إلى الديار المصرية و أظهر الناموس و تزهّد، و كان يركب الحمار فيقف على السلطان صلاح الدين و أهله. و أعطاه السلطان مالا فبنى به المدرسة التي بجانب الشافعي، و كان كثير الفتن، منذ دخل مصر إلى أن مات ما زالت الفتنة قائمة بينه و بين الحنابلة و ابن الصابوني و زين الدين بن نجية، يكفّرونه و يكفّرهم. و كان طائشا متهورا نبش على ابن الكيزاني، و أخرج عظامه من عند الشافعي؛ و كان يصوم و يفطر على خبز الشعير فلمّا مات وجدله الوف الدنانير، و بلغ صلاح الدين، فقال: يا خيبة المسعى!

الأعلام 7/342. البداية و النهاية 12/347. حسن المحاضرة 1/229. شذرات الذهب 4/288. الطبقات-

37

العبّاسيين، فدعا على المنبر للخليفة المستضي‏ء فلم ينكر عليه أحد؛ فأمر صلاح الدين في الجمعة الثّانية جميع الخطباء أن يخطبوا باسم الخليفة العبّاسي ففعلوا. و هنا رواية ذهبت إلى أنّ الخليفة الفاطمي (العاضد) كان مريضا فلم يعلمه أحد بما حصل و بقي جاهلا عن الأمر إلى أن توفّي 567 هـ.

و رواية أخرى تفرّد بها ابن إياس، في سبب موت آخر خليفة فاطمي فقال: و كان سبب موت العاضد أنّ نور الدين الشهيد لما أرسل إلى صلاح الدين يقول له: اقطع الخطبة عن اسم العاضد باللّه!أرسل صلاح الدين يقول لنور الدين الشهيد: إنّ أهل مصر لا يطاوعوني على ذلك و أخشى أن يثبوا عليّ بسبب ذلك. فأرسل نور الدين الشهيد، يقول لصلاح الدين ثانيا: لا بدّ من ذلك. فلمّا رأى صلاح الدين أنّ نور الدين الشهيد مصمّم على ذلك جمع أعيان أهل مصر، و ذكر لهم ما قاله نور الدين الشهيد؛ فقالوا له: و كيف يكون ذلك؟ فقال شخص من أبناء العجم يسمى الأمين-و كان من أهل العلم-: أنا أفتح لكم باب هذا الأمر. فلما كان يوم الجمعة ثاني محرم سنة 567 هـ. صعد ذلك الشخص الأعجمي إلى المنبر، قبل صلاة الجمعة و دعا إلى الخليفة المستضي‏ء باللّه العباسي-خليفة بغداد-فلما صعد المنبر و دعا إلى المستضي‏ء لم يتكلّم أحد من الناس و لا أنكروا. فلمّا كان ثاني جمعة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر و القاهرة أن يقطعوا اسم الخليفة العاضد من الخطبة، و أن يدعوا باسم الخليفة المستضي‏ء باللّه العباسي؛ ففعلوا ذلك فلمّا بلغ العاضد ذلك انقهر و عمد إلى فصّ من الألماس فابتلعه فمات من يومه و دفن‏ (1) .

____________

ق-السبكي 4/190. طبقات القاضي ابن شبهة 2/44. العبر في خبر من غبر 3/95. الكامل في التاريخ 11/ 369. مرآة الجنان 3/433. معجم المؤلفين 12/68. النجوم الزاهرة 6/115.

(1) . تاريخ مصر 1/69.

38

و بعد هذه المرحلة الخطيرة من حياة العاضد قطع صلاح الدين الأذان بـ «حيّ على خير العمل» من ديار مصر كلّها و عزل قضاة مصر لأنّهم كانوا شيعة و ولّى أقضى القضاة بها صدر الدين بن درباس الشافعي، و استناب في سائر الأعمال شافعيّة (1) . و أرسل الخليفة إلى الملك صلاح الدين خلعة سنيّة و معها أعلام سود و لواء معقود؛ ففرقت على الجوامع بالشام و الديار المصرية، و كتب له تقليدا (ذكر صورته السيوطي في حسن المحاضرة 1 ص 22-27) و هو دستور سياسي يلزم صلاح الدين بالسير وفق اصوله و فروعه.

فالدولة الفاطميّة في الواقع-كما ذكر بعضهم‏ (2) -كانت من الدّول الإسلامية الّتي نجحت كلّ النجاح في تنفيذ خططها، و الّتي استقرّت بمصر فكانت أوفرها بين الدول بهاء و أبقاها أثرا؛ و ما زال الجامع الأزهر (3) غرس الدولة الفاطمية اليانع يقوم منذ ألف عام أثرا خالدا و رمزا باهرا لهذا العصر الزاهر و هذه الدولة المستنيرة العادلة. و ربّما كان العصر الفاطمي بين عصور مصر الإسلامية الغابرة أجودها من هذه الناحية بالدرس و التمحيص، و أحفلها بالمواقف الشائقة و أكثرها سحرا و فتنة و أبعثها إلى التأمّل و العطف؛ لأن الخلافة الفاطميّة بالرغم مما كان يحيق بأصولها و إمامها من الرّيب فقد

____________

(1) . حسن المحاضرة للسيوطى 2/21.

(2) . الحاكم بأمر اللّه و أسرار الدعوة الفاطمية/9.

(3) . أول جامع اسّس بالقاهرة له زعامته و رسالته العلمية، بناه القائد جوهر بأمر المعتز لدين اللّه، فابتدأ به يوم السبت لستّ بقين من جمادى الاولى سنة 359، و انتهى العمل و اقيمت أول جمعة به في 7 رمضان سنة 361. تاريخ المساجد الأثرية/47-63. مساجد مصر/17-21 و في الكتابين دراسات مسهبة و تصاوير فتوغرافية جميلة عن الأزهر و العمارات الطارثة عليه في العصور التي تلت العهد الفاطمي. و كتاب مساجد و معاهد 1/24-93 و هو بحث عن الجامع الأزهر بقلم: عبد الرحيم فوده. طبع ضمن سلسلة كتاب الشعب عدد 75.

39

كانت بنظمها الطريفة و رسومها الفخمة و خلالها الباهرة تنثر من حولها فيض من العظمة و البهاء، و تطبع العصر بطابع عميق من روحها الباذخ كما يحدّثنا التاريخ.

و لا غرو في ذلك فقد نجح الفاطميون منذ دخولهم مصر و استيلائهم على عرشها في تأسيس إمبراطورية شاسعة الأرجاء، و حضارة باهرة لم يعرفها الشرق من قبل إلاّ نادرا؛ تلك الحضارة التي اشتهرت بقوانينها الصحيحة و نظمها الإدارية و فنونها الجمة و تسامحها الديني و عدالة محاكمها؛ و أهمّ من هذا كلّه تشجيعهم للحركتين الفكرية و العلمية في كلّ حاضرة و زمان.

و الخلاصة أنّ مصر-و إن كانت غنما يسيرا للدولة الفاطمية-و لكنّها كانت أسطع جوهرة في تاجها، و أعظم قطر في تلك الإمبراطورية الشاسعة التي تسيطر عليها.

و في أيّام هذه الدولة أخذت أنوار الحضارة الاسلامية تنبثق من هذه المدينة الزاهية على أرجاء الأرض، و أخذ الفنّ المصريّ الإسلامي يتألق في جميع نواحيه.

و في رعاية هذه الدولة، و ثبت العمارة الإسلامية و ثبة قوية حتى قاربت الكمال؛ لأن خلفاءها تباروا في إنشاء و تأسيس المساجد الكبرى و الحصون و القصور و المناظر و الحدائق و البساتين، كما تبارت نساؤهم في هذا المضمار الخيريّ العظيم؛ و في هذا العصر الزاهي انتشر الزخرف في وجهات المساجد و عني بتصميمها فأدخلت عليها أساليب جديدة، كما أدخلت إلى مصر بعض أساليب العمارة من بلاد المغرب؛ و انتعش التصوير و نبغ المصوّرون، و ترقّت و دقّت صناعة الجصّ و الأخشاب؛ و أنشأت في عهدها مشاهد على القبور المنسوبة إلى أهل البيت، لها تصميم خاص كما امتازت دون غيرها باستعمال‏

40

المحاريب الخشبية المنتقلة؛ و انتشر البناء بالحجر بجانب الطوب، و تهذّبت المنارة و ارتقت القبّة و نقش داخلها، و تطوّرت من بساطتها إلى تضليع ظاهرها، و انتقال مقرنصها من حطّة إلى حطّتين مع تعدّد طاقاته.

و كانت أيامهم كلّها أعيادا بما ابتكروه من حفلات جمعت بين جلالة الملك و طرب الشعب و بهجته، و كثير من الحفلات و التقاليد الباقية حتى الآن مدين بظهوره إلى هذه الدّولة.

و هذه الدّولة و إن كان الزمن قد اعتدى على أكثر منشآتها العمارية كما أباد التعنّت الدينيّ و السياسيّ منشآتها المدنية التي أهمّها القصران و المناظر، إلاّ أنّهما أبقيا على بعض منشآتها الدينية و الكثير من طرفها الأثرية.

و جولة بين الآثار الدينية و الحصون الباقية من عصر هم في مصر و زيارة لدار الآثار العربية لمشاهدة طرف هذا العصر في شتّى الفنون تجعلنا نوقن بما كتبه المؤرّخون و شادوا به من ثراء هذه الدولة التي كانت أيام حكمها لمصر مواسم لها و أعيادا (1) .

لذلك أرى من الضروريّ البحث و التحقيق في الأسس التي تركّزت عليها الدولة الفاطميّة، و وضع دراسات عن الآثار الإسلامية التي شيّدت في عهدهم، شرط أن تكون على منهاج علمي مجرد عن شوائب الانحياز و المغالات و الطعن و القدح. و أنا على يقين من أنّ نواحي هامّة كثيرة من تاريخ الفاطميين لا زالت مجهولة و سيّما الجانب الحضاري؛ و قد قامت في مصر و سوريا، خلال السنين الأخيرة السالفة فئة من روّاد الحركة الفكرية و التحقيق، بالبحث عن الفاطميين؛ و أصدرت عدّة بحوث، و تناولوا فيها بعض نواحي الفاطميين، و اتّجهوا المنهاج العلمي في البحث و الدراسة؛ غير أنهم غيّروا مجرى

____________

(1) . تاريخ المساجد الأثرية/17.

41

بحوثهم و انصرفوا عن مواصلة نشر موسوعاتهم الفاطمية لعوامل مجهولة.

و في ضمن الكتب الموضوعة عن الدولة الفاطمية، كتاب وضعه السيد مصطفى غالب عن تاريخ الدّعوة الإسماعيلية منذ أقدم العصور حتى عصرنا الحاضر (1) ضمّ بين دفّتية من الأباطيل و الأساطير الخيالية التي لا يقرّبها فاطميّ أو إسماعيلي؛ و إنّ الفاطميين براء من الكتاب و عمّا جاء في طيّاته من الخرافات المنسوبة إليهم كبرائة الذئب من دم يوسف الصّدّيق... و إن ادّعى مؤلفه في مقدمة كتابه: أنّه من المعتقدين بولايتهم و الممتثلين لأوامرهم و نواهيهم بعد أن نفخ سيّده الوالد فيه العقيدة الإسماعيلية... !

هذا و الذي يستلزم الدراسة و الإلمام هو تاريخ الشعب المصري في العهد الفاطمي الذي يعدّ بحقّ من أزهى العصور الإسلامية، و لا زالت آثارهم الإسلامية في مصر تدل على ما خلّفوه من الثروة الفكريّة.

لهذا و ذاك منذ مدّة بعيدة انصرفت لدراسة الفاطميين، و البحث عمّا وضع فيهم من المؤلّفات الخاصة، أو ما ورد في طيّات المعاجم و السّير من البحوث و التعاليق، و تتبّع الأحداث السياسية و الوقائع و القضايا الاجتماعية المتعلّقة بذلك العهد الزاهر.

و كان من منن اللّه و توفيقه بعد الدرس و الاستقصاء و التحليل أن وضعت عدّة دراسات عامة عن بعض نواحي حياة الفاطميين، الذي لم ينل الدرس و التحقيق و العناية و الاهتمام، و من بين تلكم النواحي «عيد الغدير» إذ يعدّ من أهمّ بواعث التطوّر الفكري و العلمي عندهم؛ و لم تنل الناحية هذه الفكريّة مع صلتها بتراثنا الفكري الإسلاميّ، و أدبنا العربي أيّة عناية، لذلك آثرت تقديمها و نشرها كفاتحة لبقية الدراسات الفاطمية التي ستتلوها

____________

(1) . طبع في دار اليقظة العربية للتأليف و الترجمة و النشر بسورية، و يقع في 336 صحيفة.

42

إن شاء اللّه تعالى...

و الكتاب دراسة لواقعة «عيد الغدير» و بيان لمختلف مظاهرها عند الفاطميّين و بحث عن القوى و العوامل الدافعة إلى حدوثها و أحداثها و الآثار الشّعرية التي تدور حولها بإسهاب و تفصيل؛ معتمدا في دراستي لها على أهمّ المراجع و الوثائق و السّجلاّت الفاطميّة التي يطمئنّ إليها التاريخ الإسلاميّ الصحيح؛ و أخيرا ذكر الشعراء الذين نظموا هذه الإثارة (عيد الغدير) في قصائدهم على عهد الفاطميين و ما جاء في شعرهم من العقائد الفاطمية؛ و من ثمّ الخطبة الغديرية التي كانت تلقى في «عيد الغدير» من قبل الخليفة الفاطمي بصورة رسميّة. و ما توفيقي إلاّ باللّه و عليه توكّلت....

محمّد هادي الأميني‏

43

العيد و الفاطميّون‏

44

العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام، و اليوم المقرّر على وجه معتاد عائد، إمّا أن تعود السّنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك. فالعيد عنوان يجمع امورا كثيرة منها يوم عائد كيوم الفطر و يوم الجمعة، و منها أعمال تتبع ذلك من العبادات و العادات و التقاليد. و قد يختص العيد بمكان بعينه و قد يكون مطلقا، و كلّ من هذه الأمور تسمّى عيدا و ربّما كان لفظ العيد اسما لمجموع اليوم و العمل فيه؛ و هو الغالب.

و حيث كان الناس شيعا متفرقين منذ القدم، و فرقا مختلفين منذ بدء الخلقة، لم يكن البشر متفقين بالأعياد لأنّهم لم يكونوا متّحدي المسلك و المشرب؛ كما لم يكونوا متفقين في الدين و الاعتقاد؛ لذلك كان لكل امّة أعياد خاصة، و لكلّ قطر و قبيلة عيد مخصوص، فيتجمّلون فيه و يخرجون من بلادهم بزينتهم. و هذه عادة كانت لا تنفكّ عنها طائفة من طوائف العرب و

45

العجم و لا غيرهما من الامم و الشّعوب.

و لقد سنّوا لأوقات الفرح و ساعات السرور تقاليد و مناهج لا تطاق بدونها حياة، و لا يحتمل مع عدمها عيش، و قد خلقوها خلقا ليعيدوا لطباعهم المكدودة راحة، و لنفوسهم المحزونة مسرة؛ كيف و إنّ الأديان و الحكومات ساعدت هذه الأعياد و المناسبات السعيدة ليخلص الناس فيها بعض الوقت إلى جوّ هادئ ملي‏ء من الرحمة الإلهيّة و الفرحة التي لا يألفونها على مدار العالم كلّه.

و لقد اتّخذت الأعياد و المناسبات في أنحاء العالم المعمورة، لونا خاصا و طبعت بطابع يميّزها عن غيرها. و التأريخ كثيرا ما يصف أعياد المسلمين و الجوانب البهيجة من تلك الأعياد. ثم تطوّرت تلك الجوانب و المراسم بتطوّر الأزمنة و تعاقب الملوك، فاحتفل الناس بها و أتوا من الرسوم بقدر ما يلائم أحوالهم و ظروفهم الوقتيّة و تقاليدهم القومية أو الدينية؛ و لكن هذه المراسم غالت بها بعض المجتمعات الإسلامية في بعض الظروف بتوالي الأحقاب و الأيام كالعصر الفاطمي الذي استحلّ من الأمور و القضايا في الأعياد مالا عهد للمسلمين الأوّلين بها، و لم يعمل المتأخرون به؛ ذلك لأن الدولة الفاطميّة كانت مبتكرة مجدّدة في كثير من قواعد الحكم و الإدارة، و في كثير من الرسوم و النّظم الاجتماعية، و كانت هذه الرسوم و النظم في الوقت نفسه فوق طرافتها الدستورية، تصبغها بنفس الصّبغة الباذخة التي كانت تطبع الدولة الفاطمية ساير مظاهرها عليها؛ لأنّ الخلافة الفاطمية في الواقع كانت بلا ريب خلافة مذهبية و إمامة دينية، و لهذه الصبغة أو الخلافة كان الأثر الكثير في صوغ كثير من الرّسوم و النظم الّتي اختصّت بها و لم تنم و لم تنشأ و تترعرع منذ البداية إلاّ بفضل ذلك الطابع الديني و ظلّه العميم؛ فإنها اكتفت بهذه الصبغة أكثر من اكتفائها بالخطط العسكرية و الدينية و المدنية المعروفة. و كان هذا كلّه

46

من حرص خلفائها الشديد على أن تطبع الشعب و المجتمع بطابعها الخاص، و أن تصوغ روح الشعب و عقليّته و تفكيره و حياتة العامة و الخاصة وفقا لمنهاهجها و دساتيرها و قوانينها. و نحن نرى أنّ الحياة الاجتماعية في العصر الفاطمي اتخذت صورا و مظاهر خاصة تفرّدت بذلك العصر خاصة دون مشاركة و مقارنة أيّ عصر آخر له.

و مهما يكن من شي‏ء فقد افتتن الفاطميّون في إقامة الحفلات و المواسيم حتى يخيّل إلى من يقرأ تأريخهم أنّ حياة مصر في ذلك العصر الزاهر، كانت كلّها أعياد و مواسم و كلّها لهو و مرح؛ و إنّ كتب التاريخ قد أطنبت في ذكر بذخهم و إسرافهم في اقامة هذه الأعياد و إسرافهم في العطايا و النفقات، حتى قيل: أن الفاطميين قد ورثوا مال قارون الذي لا ينفد (1) .

و هنا حاول المؤرخون أن يعرفوا مصدر هذه الأموال و الكنوز التي كانت تتدفّق و تسيل على الخزائن العديدة التي أنشأها الفاطميون لهذا الغرض و هو إقامة الحفلات، و مواسم الأعياد؛ و كاد يجمع المؤرّخون على أنّها أموال النجوى التي كان يأخذها الدعاة من المستجبين في كل مرتبة من مراتب الدعوة. و لكنّ القاضي النعمان بن محمد المغربي‏ (2) مؤلف كتاب «الهمّة في آداب

____________

(1) . الهمة في آداب أتباع الأئمة/29.

(2) . القاضي الأجل أبي حنيفة النعمان بن محمّد بن منصور بن احمد بن حيّون التميمي المغربي المتوفى 363 هـ.

فقيه فاطمي، و عالم و مؤلف كبير عاش في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، و يعرف في تاريخ أدب الدعوة الإسماعيلية المستعلية بسيدنا قاضي القضاة، و داعي الدعاة النعمان بن محمّد، و قد يختصر المؤرّخون فيقولون: القاضي النعمان، و بعضهم يسمّونه: أبا حنيفة الشيعيّ خدم عبيد اللّه المهدي مؤسس الدولة الفاطمية، التسع سنوات الأخيرة من حكمة، ثم ولي قضاء طرابلس في عهد القائم بأمر اللّه الخليفة-

47

أتباع الأئمة» لم يذكر لنا شيئا عن هذه النّجوى، و إنّما ذكر لونا آخر من أنواع جباية الأموال و هو ما عرف بأموال الغنيمة. و الغنيمة ليست في الأصل من ابتداع الفاطميين و مستحدثاتهم فقد وردت في القرآن الكريم‏ وَ اِعْلَمُوا أَنَّمََا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلََّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ (1) و ذهب جمهرة من المفسّرين و الفقهاء على أنّ الغنائم هي ما يصيب المسلمين من عساكر أهل الشرك في الجهاد في سبيل اللّه. و أفردت الدولة الاسلامية «ديوان جيش» لجمع الغنائم و تقسيمها على المجاهدين و

____________

ق-الثاني للفاطميين، و في عهد المنصور باللّه عيّن قاضيا للمنصورية، و وصل إلى أعلى المراتب في عهد المعزّ لدين اللّه الخليفة الفاطمي الرابع، إذ رفعه إلى مرتبة قاضي القضاة و داعي الدعاة.

كان القاضي النعمان رجلا ذا مواهب عديدة، و غزير العلم، واسع المعرفة، مجتهدا باحثا محققا، مكثرا مؤلفا، عادلا في أحكامه؛ و لمّا تمتع بثقة إمامه المعز لدين الله جعله الامام مستشارا قضائيا له، و ساعد إمامه في المسائل الخاصة بالدعوة، فقد وضع أسس القانون الفاطمي، و ينظر اليه بحق على أنّه المشرّع الأكبر للفاطميين.

قال ابن خلّكان: إنّ النعمان كان في غاية الفضل من أهل القرآن و العلم بمعانيه، و عالما بوجوه الفقه، و علم اختلاف الفقهاء و اللغة و الشعراء الفحل و المعرفة بأيام الناس مع عقل و أنصاف.

و يقول عنه الدكتور محمّد كامل حسين: انه من أكبر العلماء الذين عرفتهم مصر في القرن الرابع الهجري؛ توفّي بالقاهرة 29 جمادي الثانية سنة 363 هـ. و صلّى عليه الإمام المعز لدين اللّه.

و قد بلغت مؤلفاته نحوا من سبعة و أربعين كتابا جمعت ألوانا شتى من العلوم: من فقه و تأويل و تفسير و أخبار. و قال ابن خلكان، نقلا عن ابن زولاق: إنه ألف لأهل البيت من الكتب آلاف اوراق بأحسن تأليف... و منها: دعائم الاسلام. الهمة في آداب أتباع الأئمة. المجالس و المسامرات. أساس التأويل. القصيدة المنتخبة.

الرد على ابن قتيبة. اختلاف اصول المذاهب. التوحيد و الامامة.

الأعلام 9/8. أعيان الشيعة 50/13. أمل الآمل 2/335. تنقيح المقال 3/273.

روضات الجنات 8/147. الفوائد الرضوية/693. الكنى و ألالقاب 1/57. مستدرك الوسائل 3/313.

نوابغ الرواة/324. وفيات الأعيان 2/219. و مصادر كثيرة ضربنا عن ذكرها صفحا لطولها.

(1) . سورة الأنفال: 41.

48

غيرهم مما ورد ذكرهم في الآية القرآنية، و إن كان الفقهاء و المؤرخون قد اختلفوا فيما بينهم فيما كان الأمر بعد وفاة الرسول في نصيبه، و اختلفوا في المقصود بذي القربى؛ فذهب بعضهم: إلى أنّ ذي القربى هم بنو هاشم و بنو عبد المطّلب، و قال آخرون: ذو القربى الإمام خليفة الرسول؛ أما الشيعة الاماميّة فذهبوا أنّ هذه أسهم أهل البيت دون غيرهم. بيد أن مؤلّف «الهمّة» يذهب في الغنيمة تفسيرا لغويا و أنّ المغنم هو المكسب، فكلّ ما يكتسبه الإنسان فهو غنيمة، و عليه ان يخرّج خمس ما يكتسبه للإمام. و هو رأي غريب لا أكاد أجد له مثيلا بين آراء الفقهاء و المفسرين. و مهما يكن من شي‏ء فإن هذا الفعل يطلعنا على سرّ من أسرار الفاطميين في ناحية من النواحي المالية (1) .

و لا مشاحة أنّ ثروة الفاطميين لم تكن مستمدّة منابعها من على طريق الغنيمة فحسب، و إنما أوجد الفاطميون في مصر نظاما ماليا دقيقا؛ فهناك الدواوين الخاصة بالخراج، و هناك الضرائب المتنوعة قد نظمت منذ الفتح العربي تنظيما دقيقا و لم يدخلوا عليه شيئا من التحسين بل كانوا يرون سعادة الدولة تقوم على رضا الرعايا، و أنّ الدولة التي تعمل على ابتزاز أموال الرعية و افقارها يكون مآلها الإفلاس. و لكنّها في الوقت نفسه أبطلت نظام جباية الضرائب القديم، و أنشأت نظاما جديدا في تقدير الأملاك و تعيين ما يحضر كلا منها من الضرائب؛ و جمعت كل دوائره في مركز واحد و فحصت مصادر الضرائب على اختلافها، و تشددت الحكومة الجديدة في تحصيل ما تأخّر منها؛ كما اهتمت بالنظر في كل ما تقدم إليها من الالتماسات و الشكاوي. و سلكت الحكومة في تنفيذ نظام الضرائب الجديد سبيل الحزم و الشدة و حمت دافعي

____________

(1) الهمة في آداب أتباع الأئمة/30.

49

الضرائب من دفع الأموال كرها و عسفا. فكانت نتيجة هذه السياسة الرشيدة أن زادت موارد الدولة زيادة كبيرة ملموسة (1) .

و لكن ممّا لا مشاحة فيه أنّ المعزّ في مصر قد اشتدّ نوعا ما في سبيل الحصول على المال لأنّ سياسته كانت ترمي إلى مواصلة الفتح في بلاد الشام، و طرد القرامطة منها، ثم المسير إلى العراق؛ فقد وضع نظاما ماليا جديدا يتفق و سياستهم المذهبية، فعملوا على التقليل من قيمة النقد الذي كان يتداول في مصر، و عملوا على رفع قيمة النقود التي تحمل أسماء الخلفاء الفاطميين. و ليس هذا وحده هو السبب بل أنّ الحكومة الفاطمية قد لجأت-خشية أن تصاب خزانة الدولة بالإفلاس و الفقر المالي-إلى احتكار بعض المعادن مثل: الشّبّ، و النطرون و بعض موادّ الصّباغة مثل: ثمار أشجار السّنط. و لأهمية هذا النوع من الاستغلال أنشأ الفاطميّون ديوانا أطلقوا عليه اسم «ديوان المستغلاّت» (2) .

قال تقيّ الدين المقريزي: و أما الشّبّ، فإنّ معادنه بالصعيد و كانت عادة الديوان الإنفاق في تحصيل القنطار منه بالليثي يبلغ ثلاثين درهما، و كانت العربان تحضره من معادنه إلى ساحل إخميم و سيوط و البهنسا، ليحمل إلى الإسكندرية أيام النيل في الخليج، و يشترى بالقنطار الليثي، و يباع بالقنطار الجرويّ؛ فيباع منه على تجار الروم قدر اثني عشر ألف قنطار بالجرويّ بسعر أربعة دنانير، كل قنطار إلى ستّة دنانير. و يباع منه بمصر على اللبوديين، و الصبّاغين نحو الثمانين قنطارا بالجرويّ، سعر ستة دنانير و نصف قنطار. و لا يقدر أحد على ابتياعه من العربان و لا غيرهم، فإن عثر على أحد أنّه اشترى منه شيئا أوباعه سوى الديوان، نكل به و استهلك ما وجد معه منه و قد بطل

____________

(1) . الفاطميون في مصر/18.

(2) . الخطط المقريزية/110.

50

هذا.

و أما النطرون، فيوجد في البرّ الغربي من أرض مصر بناحية الطرانة و هو أحمر و أخضر؛ يوجد منه بالفاقوسية شي‏ء دون ما يوجد في الطرانة، و هو أيضا مما حظر عليه ابن مدبر من الأشياء التي كانت مباحة و جعله في ديوان السلطان، و كان من بعده على ذلك إلى اليوم.

و قد كان الرسم فيه بالديوان أن يحمل منه في كلّ سنة عشرة آلاف قنطار و يعطى الضمان منه في كلّ سنة قدر ثلاثين قنطارا يتسلمونها من الطرانة؛ فتباع في مصر بالقنطار المصري و في بحر الشرق و الصعيد بالجروي، و في دمياط بالليثي. قال القاضي الفاضل: و باب النطرون كان مضمونا إلى آخر سنة خمس و ثمانين و خمسمائة (585 هـ) بمبلغ خمسة عشر ألفا و خمسمائة دينار، و حصل منه في سنة ست و ثمانين مبلغ سبعة آلاف و ثمانمائة دينار، و أدركنا النطرون أقطاعا لعدة أجناد (1) .

و ثمر شجر السنط، كان لا يتصرّف فيه إلاّ الديوان. و متى وجد منه مع أحد شي‏ء اشتراه من غير الديوان نكل به و استهلك ما وجد معه منه. فإذا اجتمع أشجار النسط، اقيم منه مراكب تباع و يؤخذ من ثمنها الرّبع عند ما تصل إلى ساحل مصر، بعد ما تقوّم أو ينادى عليها، و كان فيها حيف كبير و قد بطل ذلك‏ (2) .

و كذلك اهتمّ الفاطميون في سبك النقود الّتي عدّها جوهر الصقلّيّ و المعزّ مصدر ثراء دائم للدولة؛ و كانت عناية المعزّ بالدينار الذي يحمل اسمه و اسم غيره من الفاطميين فائقة حقا؛ حتى أنّه كما ذكرنا نقّص من قيم الدنانير

____________

(1) . المصدر السابق/109-110.

(2) . المصدر السابق/111.

51

الأخرى التي لا تحمل اسمه؛ و أنشأوا في مدن مصر المختلفة دورا لضرب النقود.

لقد كان هذا من أهمّ مصادر الثروة الفاطمية.

و استحدث الفاطميون في عهد الحاكم بأمر اللّه ديوانا للإشراف على الأموال المصادرة، أطلق عليه اسم «الديوان المفرد» و كذلك اهتمّوا بالأوقاف فأنشأوا «ديوان الأحباس» و هو أشبه بوزارة الأوقاف عندنا اليوم‏ (1) .

إلى غير هذا من العوامل التي هيّأت للفاطميين تلك الثروة التي ظن الكثيرون أنها ثروة قارون التي لا تنفد؛ و بذلوها في سبيل رغبات الدولة و مراسيمها كالأعياد الدينية الرسمية. و على سبيل المثال لأهم مظاهر الثروة و الترف التي امتلأت خزائن الفاطميين في عهد المعزّ بالأموال، يرجع ذلك إلى النظام الماليّ الدقيق الذي سنّه الفاطميون لاستغلال موارد الدولة و بذل تلك الأموال الضخمة التى أنفقها هذا الخليفة (المعز) في عام 351 هـ. حين عزم على ختان أبنائه: عبد اللّه و نزار و عقيل. فقد رأى أن يشرك رعيته في أفراحه، و حتم أن يقدّم الأهلون أبناءهم الصغار ليختتنوا و يأخذوا من الدولة كفاء ذلك مالا معلوما. و قد سار المعزّ على هذه السياسة في سائر بلاده و تدفّقت الأموال من مدينة المنصوريّة-حاضرة الفاطميين-إلى الولايات المختلفة ليقوم الولاة بدفع الهبات و الهدايا لآباء الصغار المختتنين.

و إذا دققنا النظر حول مقدار الكسوة التي كان يعطيها المعزّ كلاّ من هؤلاء الأطفال و كانت تتراوح بين مائة و خمسين درهما و مائتي درهم، و قد اختتن في مدينة المنصورية وحدها نحو ربع مليون من الصبيان، و بذالك ظهرت لنا ضخامة الأموال التي أنفقها المعزّ في حاضرة خلافته و غيرها.

و قد وصف لنا تقيّ الدين المقريزي وصفا رائعا لهذا الاختتان و قال: إنّه

____________

(1) . المعز لدين اللّه/175.

52

كان يختتن بحضرة المعزّ يوميا-و لمدّة شهر-عدد لا يقلّ عن اثني عشر ألف صبيّ و فوقها و دونها؛ و ختن من أهل صقلّية وحدها خمسة عشر ألف صبيّ.

و كان وزن خرق الأكياس المفرغة مما أنفق في هذا الأعذار مائة و سبعين قنطارا بالبغداديّ، و كان من جملة المنفق في ذلك مما حمل إلى جزيرة صقلّيّة وحدها من المال-سوى الخلع و الثياب-خمسون حملا من الدنانير كلّ حمل عشرة آلاف دينار، و مثل ذلك إلى كل عامل من عمّال مملكته ليفرقه على أهل عمله‏ (1) .

و مما يدلّ على ضخامة هذه الأموال و الثروة الفاطمية تلك النقود التي أنفقت دون إقامة الاحتفالات بالأعياد الرّسميّة و الشعبية، و قد كانت في عهد هذه الدولة كثيرة جدا؛ حتّى أنّ الباحث ليعجب من نظام هذه الأعياد و كثرتها. و قد ذكر المقريزي و ابن ميسر و القضاعي و المسبّحي، و من تبعهم من المؤرخين المعاصرين لهم و المتأخرين، ثمانية و عشرين عيدا في كل عام؛ منها: عيد رأس السّنة، و مولد النّبيّ الأعظم-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-و مولد الإمام علي بن أبي طالب، و مولد الإمام الحسن، و مولد الإمام الحسين بن علي، و مولد فاطمة الزهراء، و مولد الخليفة الفاطميّ الحاضر، و ليلة أول رجب، و ليلة النصف منه، و ليلة أول شعبان، و ليلة نصفه، و غرة رمضان، و الجمعة الأخيرة منه، و موسم عيد الفطر، و موسم عيد النحر، و عيد الغدير، و كسوة الشتاء، و كسوة الصيف، و موسم فتح الخليج، و يوم النيروز، و يوم الميلاد، و يوم خميس العهد، و موسم وفاء النيل‏ (2) .

فهذه الأعياد مما أجمع المؤرّخون على أنّ الخلافة الفاطميّة كانت تحتفل

____________

(1) . اتّعاظ الحنفا بأخبار الائمة الفاطميين الخلفا/136.

(2) . الخطط المقريزية 1/490.

53

بها احتفالا رائعا و في فيض من الروعة و البهاء و البذخ. و مهما تكن الأعياد و الاحتفالات بها من شي‏ء فإنّما تدلّ هذه الفكرة على سياسة دينية دقيقة، و هي كما ذكره بعضهم من أنّ الفاطميين عملوا بها لأجل كسب احترام رعاياهم و توجيه أنظارهم نحو الدولة؛ كما ساروا على هذه السياسة في بلاد المغرب، و غالى خلفاؤهم في مصر في إقامة الحفلات و نظمها التي طبعوها بطابع خاص، و أقاموا المناظر و بخاصّة في أنحاء القاهرة. فكان المعزّ و من أتى بعده من الخلفاء يحتفلون بصلاة الجمعة-على ما رأينا-و صلاة العيدين، و توديع الحملات الحربية؛ و كما كانوا يحتفلون بيوم عاشورا، و مولد بعض أئمّتهم مثل:

عليّ بن أبي طالب، و فاطمة الزهراء ابنة الرسول و زوجة عليّ، و مولد الحسن و الحسين عليه السّلام؛ كما كانوا يحتفلون أيضا ببعض الأعياد الأخرى الّتي تميّزهم عن السّنّييّن مثل: عيد الغدير و مولد الخليفة القائم بالأمر. و كانوا يحتفلون كذلك بأعياد أخرى من ليلة أوّل رجب، و ليلة نصف رجب، و ليلة أول شعبان، و ليلة نصف شعبان، و بعيد غرّة رمضان. و كانوا يشاركون الأهليين في بعض الاحتفال ببعض أعيادهم «الشّعبية» مثل: عيد فتح الخليج، و عيد النيروز. و شاركوا القبط في الاحتفال بيوم الغطاس، و خميس العهد و غيرها (1) .

____________

(1) . و في رواية: موسم فتح الخليج، فكانت لهم فيه وجوه من البرّ، منها الركوب لتخليق المقياس، و مبيت القرّاء بجامع المقياس، و تشريف ابن أبي الردّاد بالخلع و غيرها، و ركوب الخليفة إلى فتح الخليج، و تفرقة الرسوم على أرباب الدولة من الكسوة و العين و المآكل و التّحف.

و عيد النوروز، هو أول السنة الشمسية الفارسية (شهر فروردين) و فيه كانت تخرج الناس بكافّة الوزراء و الشيوخ و الحواشي و المستخدمين و رؤساء العشاريات و بحارتها، فتتعطل فيه الأسواق ثلاثة أيام و ينصرف الجميع إلى المنتزهات، و تفرق فيه الكسوة لرجال أهل الدولة و أولادهم و نسائهم و الرسوم من المال و حوائج النوروز. -

غ

54

و نلاحظ على هذه الأعياد أمورا منها:

أنّ المعزّ، كان أول من مهّد لهذه الأعياد في مصر و عمل على ترويجها و الدعوة إليها بإقامة الولائم الفخمة. فكان يقيم الأسمطة في قصور الخلافة و في المساجد، ثم حذا خلفاؤه حذوه فكانوا يقيمون الأسمطة في قاعة الذهب بالقصر الكبير طوال شهر رمضان و أيام العيدين؛ و كانت هذه الأسمطة آية في الروعة و الجلال، و كان يدعى إليها قاضي القضاة و كبار القوّاد الموظّفين و يمثّل الخليفة فيها الوزير غالبا كما كانت الدولة تنفق عليها أموالا طائلة مما يدل على وفرة ثروة مصر في عهد الفاطميين‏ (1) .

و كان الفاطميون يتّخذون هذه الأعياد وسيلة لجذب الرعايا إليهم لذلك شارك المعزّ حتى القبط في الاحتفال بعيد «خميس العهد» و عيد «يوم الغطاس»

____________

ق-و يوم الغطاس، من مواسم النّصارى بمصر في اليوم الحادي عشر من طوية. قال المسعودي في مروج الذهب: و لليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام الناس فيها؛ و لقد حضرت سنة ثلاثين و ثلاثمائة ليلة الغطاس بمصر، و قد أسرج من جانب الجزيرة و جانب الفسطاط ألف مشعل، غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل و الشمع؛ و قد حضر النيل في تلك الليلة مئو ألوف من الناس من المسلمين و النّصارى منهم في الزواريق و منهم في الدور الدانية من النيل و منهم على الشطوط، لا يتناكرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل و المشارب و آلات الذهب و الفضّة و الجواهر و الملاهي و العزف و القصف؛ و هي أحسن ليلة تكون بمصر و أشملها سرورا، و يحضر الرهبان و القسوس بالصلبان و النيران فيقسسوا هناك طويلا إلى أن يغطسوا.

و خميس العهد، و يسميه أهل مصر من العامة خميس العدس، و يعمله نصارى مصر قبل الفصح بثلاثة أيام و يتهادون فيه. و كان من جملة رسوم الدولة الفاطمية في خميس العدس، ضرب خمسمائة دينار ذهبا عشرة آلاف خرّوبة و تفرقتها على جميع أرباب الرسوم.

الخطط المقريزية 1/493-495. مروج الذهب 1/343.

(1) . ذهب المؤرخون أن نفقة سماطي عيد الفطر و النحر كانت 4000 دينارا، و بلغ ما أنفق في عيد النحر عام 545 هـ. ، 4370 دينارا غير ما ذبح في أيام العيد؛ كما كانت سماط شهر رمضان فقط تقدر 3000 دينارا. و قس على هذا نفقات الحفلات و المواسم الأخرى.