المهدوية عند أهل البيت

- ابو الفضل الاسلامي المزيد...
114 /
5

كلمة المجمع‏

إن من طبيعة الناس أن يختلفوا؛ و لكن اللّه يحب أن تبقى هذه الاختلافات المطلوبة داخل إطار التصور الإيماني الصحيح. و من ثم لم يكن بدّ أن يكون هناك ميزان ثابت يفي‏ء إليه المختلفون. و قد أنزل اللّه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه‏ (1) .

و بغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد؛ لا يستقيم أمر هذه الحياة.

و هذا الذي يقرره القرآن يقوم على قاعدة التوحيد المطلق. ثم يقع الانحراف، و تتراكم الخرافات و الأساطير، حتى يبعد الناس نهائيا عن ذلك الأصل الكبير.

و من هنا يتبيّن أنّ الناس ليسوا هم الحكم في الحق و الباطل ما داموا عرضة للهوى و البغي و الضلال.

و لقد جاء الكتاب.. و مع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هنا و هناك؛ و كانت المطامع و الرغائب و المخاوف و الضلالات تبعد الناس عن قبول حكم الكتاب، و الرجوع الى الحق الذي يردّهم إليه.

فالبغي-حسب النصّ القرآني‏ (2) -هو الذي قاد الناس الى المضيّ في الاختلاف و في اللجاج و العناد.

و الجهل عامل آخر للاختلاف و الفرقة، غير أن الجاهل ينبغي أن يسأل

____________

(1و2) راجع الآية 213 من سورة البقرة.

6

العلماء ما جهل، كما قال تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ* (1) .

و من هنا كان تجاوز الجاهل لهذا الأصل الذي يرتضيه العقل و يستسيغه العقلاء بغيا و تعدّيا لأوضح القواعد و الطرق التي من شأنها أن تسدّ طريق الفرقة و الاختلاف.

و الإسلام دين اللّه الخالد الذي تمثّلت حقائقه في نصوص كتاب اللّه و سنّة رسوله الذي لا ينطق عن الهوى و إنّما هي وحي يوحى.

و قد علم اللّه و رسوله أن امّته ستختلف من بعده، كما اختلفت في حياته.

من هنا جعل القرآن للامة نبراسا من بعد الرسول يحذو حذوه صلى اللّه عليه و آله و يقدّم للامة ما تقصر عن فهمه و تفسيره، و هو أهل البيت عليهم السّلام، و هم المطهّرون من كل رجس و دنس و الذين نزل القرآن على جدّهم المصطفى و تلقّوه منه فعقلوه عقل و عاية و رعاية، فآتاهم اللّه ما لم يؤت أحدا سواهم.. كما نصّ الرسول صلى اللّه عليه و آله على مرجعيتهم الشاملة في حديث الثقلين المشهور، فحرصوا على صيانة الشريعة الإسلامية و القرآن الكريم من الفهم الخاطئ و التفسير الباطل و دأبوا على تبيان مفاهيمه الرفيعة، فكانوا مرجعا للامة و ملاذا للمسلمين، يدفعون الشبهات و يستقبلون الاسئلة و الإثارات بحلم و أناة. و يشهد تراثهم المعطاء على حسن تعاملهم مع أصحاب السؤال و الحوار، و يدلّ على طول باعهم و عمق إجابتهم التي تشهد لم بمرجعيتهم العلمية في هذا المضمار.

إن تراث أهل البيت عليهم السّلام الذي حفظته مدرستهم و حرص على حفظه

____________

(1) الانبياء: 7 و النحل: 43.

7

من الضياع أتباعهم يعبّر عن مدرسة جامعة لشتى فروع المعرفة الإسلامية.

و قد استطاعت هذه المدرسة أن تربّي النفوس المستعدة للاغتراف من هذا المعين و تقدّم للامة الإسلامية كبار العلماء المحتذين لخطى أهل البيت عليهم السّلام الرسالية، مستوعبين إثارات و أسئلة شتى المذاهب و الاتجاهات الفكرية من داخل الحاضرة الإسلامية و خارجها، مقدّمين لها أمتن الأجوبة و الحلول على مدى القرون المتتالية.

و قد بادر المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السّلام-منطلقا من مسؤولياته التي أخذها على عاتقه-للدفاع عن حريم الرسالة و حقائقها التي ضبّب عليها أرباب الفرق و المذاهب و أصحاب الاتجاهات المناوئة للإسلام، مقتفيا خطى أهل البيت عليهم السّلام و أتباع مدرستهم الرشيدة التي حرصت في الرد على التحديات المستمرة و حاولت أن تبقى على الدوام في خط المواجهة و بالمستوى المطلوب في كل عصر.

إن التجارب التي تختزنها كتب علماء مدرسة أهل البيت عليهم السّلام في هذا المضمار فريدة في نوعها؛ لأنها ذات رصيد علمي يحتكم الى العقل و البرهان و يتجنّب الهوى و التعصب المذموم، و يخاطب العلماء و المفكرين من ذوي الاختصاص خطابا يستسيغه العقل و تتقبله الفطرة السليمة.

و قد جاءت محاولة المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السّلام لتقدم لطلاّب الحقيقة مرحلة جديدة من هذه التجارب الغنيّة في باب الحوار و السؤال و الرد على الشبهات-التي اثيرت في عصور سابقة أو تثار اليوم و لا سيّما بدعم من بعض الدوائر الحاقدة على الإسلام و المسلمين من خلال شبكات الانترنيت و غيرها-متجنّبة الإثارات المذمومة و حريصة على‏

8

استثارة العقول المفكرة و النفوس الطالبة للحق لتنفتح على الحقائق التي تقدّمها مدرسة أهل البيت الرسالية للعالم أجمع في عصر يتم فيه تكامل العقول و تواصل النفوس و الأرواح بشكل سريع و فريد.

و لا بدّ أن نشير الى أن هذه المجموعة من البحوث قد اعدت في لجنة خاصة يرأسها فضيلة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ أبو الفضل الإسلامي (علي) برفقة مجموعة من الأفاضل و هم السيد منذر الحكيم و الشيخ عبد الكريم البهبهاني و السيد عبد الرحيم الموسوي و الشيخ عبد الأمير السلطاني و الشيخ محمد الأميني و الشيخ محمد هاشم العاملي و السيد محمد رضا آل ايوب و الشيخ علي بهرامي و حسين الصالحي و عزيز العقابي.

و نتقدم بالشكر الجزيل لكل هؤلاء و لأصحاب الفضل و التحقيق:

الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي و الشيخ جعفر الهادي و الاستاذ صائب عبد الحميد لمراجعة كلّ منهم جملة من هذه البحوث و ابداء ملاحظاتهم القيّمة عنها.

و كلنا أمل و رجاء بأن نكون قد قدّمنا ما استطعنا من جهد أداء لبعض ما علينا تجاه رسالة ربنا العظيم الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و كفى باللّه شهيدا.

المجمع العالمي لأهل البيت عليهم السّلام قم المقدسة

9

المهدويّة عند أهل البيت عليهم السّلام‏

الإمامة الإثنا عشرية جوهر مفهوم المهدويّة

إن أصل الاعتقاد بفكرة ظهور المنقذ الذي يمثل جوهر الفكرة المهدوية في الإسلام يعتبر ظاهرة إنسانية عامة و ليس خاصا بدين معين أو مذهب معين، و هذه الحقيقة من شأنها أن تساعد على اسقاط أربع شبهات في المسألة المهدوية في آن واحد.

فهي توضح أولا: بطلان الشبهة القائلة باختصاص الشيعة بالقول بالمهدوية، خاصة مع ثبوت اجماع المسلمين عليه.

و توضح ثانيا: بطلان شبهة الاسطورة القائلة بأن المهدوية فكرة اسطورية منتزعة من الخيال، فإن الاسطورة خيال ساذج منتزع من واقع قبلي أو قومي أو فئوي محدود، و ليست هناك اسطورة تحضى بإجماع الأديان السماوية و غير السماوية، و تعبّر عن ضمير إنساني عام، و يتبناها العلماء و المفكرون و الفلاسفة.

و توضح ثالثا: بطلان الشبهة القائلة بدور اليهود في إيجاد الفكرة المهدوية، فإذا كان مضمون الفكرة المهدوية موجودا في كل دين حتى الأديان غير السماوية، فلماذا نستكثر على الإسلام وجوده فيه؟فإن مقتضى العقل و المنطق أن يكون الإسلام مشتملا

10

على هذه الفكرة بمفهوم أوضح و أكمل، كما هو المتجسد في مدرسة أهل البيت عليهم السّلام.

و حينئذ، فمن مؤشرات الكمال في هذا الدين، و هذه المدرسة بالذات، احتواؤهما على الفكرة المهدوية، أليست الأديان تشترك في محاور عقائدية و تشريعية كثيرة كالحج، و الصوم، و الصلاة...

إلخ، فهل أن تصريح اليهودية-و غيرها-بمثل هذه المحاور يقتضي ابتعاد الإسلام عنها؟أم يقتضي تأكيد الإسلام عليها، و طرحها بمفهوم أكمل و أرقى؟فهذه الشبهة تعود على أصحابها بالنقص و على الإسلام و التشيع بالكمال.

كما توضح رابعا: بطلان الشبهة القائلة بأن الفكرة المهدوية وليدة ظروف الضغط السياسي التي عاشها أتباع الائمة عليهم السّلام، فإن الخوارج واجهوا ضغطا لا يقل عما واجهه أتباع الأئمة عليهم السّلام و لو كانت هناك قاعدة مطردة فما أكثر المظلومين و المضطهدين الذين لم يعرف عنهم اعتقاد بمضمون الفكرة المهدوية، و ما أكثر الأفراد و الجماعات التي آمنت بهذا المضمون بدون معاناة لظلم و اضطهاد، و لو كان هذا الاعتقاد ناشئا من الظلم و الاضطهاد فما باله يظهر في الأجيال التالية غير المضطهدة؟

نعم، الشي‏ء الذي يمكن الاعتقاد به هو أن عوامل الضغط و الاضطهاد من شأنها أن تدفع باتجاه التمسك بالفكرة المهدوية

11

أكثر، لا أنها تنشئ هذه الفكرة و توجدها من حيث الأساس.

إن الدين هو التعبير الأكمل عن الحقائق الإنسانية، و الإسلام هو التعبير الأكمل عن الحقائق الدينية، و مدرسة أهل البيت عليهم السّلام هي التعبير الأكمل عن الحقائق الإسلامية.

و حينما تصرح الأديان بفكرة المنقذ العالمي فإنما تكشف- فضلا عن الحقيقة الغيبية-عن ضمير إنساني أكيد و بنحو أكمل، و حينما يصرح الإسلام بهذه الفكرة، إنما يصرح بحقيقة دينية أكيدة و بنحو أكمل مما طرحته الأديان السابقة، و حينما يصرح أهل البيت عليهم السّلام بهذه الفكرة فإنما يقدمون البيان الأكمل عن الحقيقة الإسلامية في هذا المضمار.

و حينئذ، فالفرق بين المسألة المهدوية في مفهوم مدرسة الخلفاء و مدرسة أهل البيت عليهم السّلام هو الفرق بين مدرسة تبيّن الحد الأدنى من الحقيقة و مدرسة تتصدى لبيان الحقيقة الإسلامية بحدها الأعلى، فتتصور الاولى أن الثانية قد سلكت سبيل الغلو و التطرف، و لعل السرّ في اشتهار التشيع بالمهدوية حتى كأنها من خصائصه و ليست من العقائد المجمع عليها بين المسلمين يعود الى اختصاصه بحد الكمال، و تمتع المفهوم المهدوي لديه بخصائص فريدة بها يتحقق المعنى المطلوب من المهدوية.

و هذه الخصائص تتشعب من محور واحد هو أن المهدوية في‏

12

مفهوم أهل البيت عليهم السّلام ليست نظرة مستقبلية صرفة، و ليست مجرد إخبار عن مستقبل سعيد للبشرية سيكون في نهاية المطاف، كما ترى ذلك مدرسة الخلفاء، و إنما هي قبل ذلك جزء لا يتجزء من عقيدة الإمامة الاثني عشرية التي قدّر لها سماويا أن تستوعب التاريخ من لحظة وفاة الرسول صلى اللّه عليه و آله الى اللحظة الأخيرة من حياة البشرية، أو بتعبير آخر، هي مسألة الإمام الثاني عشر الذي بدأت إمامته منذ عام (260 هـ) و تواصلت حتى الآن، و ستتواصل حتى ظهوره في خاتمة التاريخ.

و نحن حينما نبحث في المسألة المهدوية في مفهوم أهل البيت عليهم السّلام لا بد و أن نركّز على هذا المحور العقائدي و ننظر إليه تارة من زاوية الدليل و البرهان بقصد الإثبات، و اخرى من زاوية الخصائص المترتبة عليه، و ثالثة من زاوية القيمة العقائدية التي ينطوي عليها، فهنا ثلاث مراحل من البحث نجعل كل مرحلة في فصل.

13

الفصل الأوّل الإثبات العقائدي لمفهوم المهدويّة عند أهل البيت عليهم السّلام‏

الدليل العقائدي على هذا المفهوم يتمثل في مئات الروايات الواردة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله‏ (1) التي تدل على تعيين المهدي و كونه من أهل البيت‏ (2) ... و من ولد فاطمة (3) .. و من ذرية

____________

(1) راجع معجم أحاديث الإمام المهدي: ج 1 أحاديث النبي صلى اللّه عليه و آله.

(2) مسند الإمام أحمد: 1/84 ح 646 و ابن أبي شيبة: 8/678، كتاب 40 باب 2 ح 190، و ابن ماجة و نعيم بن حماد في الفتن عن علي عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «المهدي منّا أهل البيت يصلحه اللّه في ليلة» .

راجع: سنن ابن ماجة: 2/1367 ح 4085، و الحاوي للفتاوي، السيوطي: 2/213 و 215 و فيه، أيضا: أخرج أحمد و ابن أبي شيبة و أبو داود، عن علي، عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال: «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا» ، و راجع:

صحيح سنن المصطفى: 2/207.

و راجع: معجم أحاديث المهدي: 1/147 و ما بعدها، إذ ينقل أحاديث كثيرة عن الصحاح و المسانيد في هذا المعنى. و راجع موسوعة الإمام المهدي/ترتيب مهدي فقيه إيماني، الجزء الأول، و فيها نقول مصوّرة عن عشرات الكتب لعلماء السنّة و محدّثيهم في المهدي و صفاته و ما يتعلق به، و فيها نسخة مصورة عن محاضرة الشيخ العباد حول ما جاء من الأحاديث و الآثار في المهدي عليه السّلام.

(3) الحاوي للفتاوي، السيوطي جلال الدين: 2/214، قال: و أخرج أبو داود و ابن ماجة-

14

الحسين‏ (1) ... و أنه التاسع من ولد الحسين‏ (2) ... و أنّ الخلفاء اثنا عشر (3) .

فهذه خمس طوائف من الروايات تتظافر فيما بينها على تبيين مفهوم المهدوية و تشخيص الإمام المهدي، و الذي ينظر فيها

____________

ق-و الطبراني و الحاكم عن امّ سلمة قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» . و راجع صحيح سنن المصطفى لأبي داود: 2/208، و سنن ابن ماجة:

2/1368، ح 4086.

(1) حديث المهدي من ذرية الحسين عليه السّلام كما في المصادر الآتية على ما نقل في معجم أحاديث المهدي و هي: الأربعون حديثا لأبي نعيم الأصفهاني كما في عقد الدرر للمقدسي الشافعي، و أخرجه الطبراني في الأوسط على ما في المنار المنيف لابن القيم، و في السيرة الحلبية: 1/193، و في القول المختصر لابن حجر الهيثمي. راجع منتخب الأثر للشيخ لطف اللّه الصافي في ما نقله من كتب الشيعة. و راجع دلائل ضعف الرواية التي تقول بأنّه من ولد الإمام الحسن عليه السّلام كتاب السيد العميدي دفاع عن الكافي: 1/296.

(2) راجع الرواية التي تنص على أنّه التاسع من ولد الحسين عليه السّلام في: ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي: 492، و في مقتل الإمام الحسين للخوارزمي: 1/196، و في فرائد السمطين للجويني الشافعي: 2/310-315 الأحاديث من 561-569، و راجع منتخب الأثر للعلاّمة الشيخ الصافي إذ خرّجها من طرق الفريقين.

(3) حديث «الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش» أو «لا يزال هذا الدين قائما ما وليه اثنا عشر كلهم من قريش» .

هذا الحديث متواتر، روته الصحاح و المسانيد بطرق متعددة و إن اختلف في متنه قليلا، نعم، اختلفوا في تأويله و اضطربوا. راجع: صحيح البخاري: 9/101 كتاب الأحكام-باب الاستخلاف، صحيح مسلم: 6/4 كتاب الإمارة باب الاستخلاف، مسند أحمد: 5/90، 93، 97.

15

يلاحظ ما فيها من التدرج من العنوان الكبير الى العنوان الأصغر حتى تصل الى التحديد الشخصي.

و قد لاحظ السيد الشهيد محمد باقر الصدر رضى اللّه عنه أن هذه الروايات: «بلغت درجة كبيرة من الكثرة و الانتشار على الرغم من تحفّظ الأئمة عليهم السّلام و احتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام، وقاية للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته‏ (1) .

و ليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها، بل هناك-إضافة الى ذلك-مزايا و قرائن تبرهن على صحتها، فالحديث النبوي الشريف عن الأئمة أو الخلفاء أو الامراء بعده و أنهم اثنا عشر إماما أو خليفة أو أميرا-على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة-قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مائتين و سبعين رواية (2) مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشيعة و السنّة بما في ذلك البخاري‏ (3) و مسلم‏ (4) و الترمذي‏ (5) و أبي داود (6)

____________

(1) راجع الغيبة الكبرى للسيد محمد الصدر: 272 و ما بعدها.

(2) راجع التاج الجامع للاصول: 3/40 قال: رواه الشيخان و الترمذي، و راجع في تحقيق الحديث و طرقه و أسانيده كتاب الإمام المهدي عليه السّلام-علي محمد علي دخيل.

(3) صحيح البخاري/المجلد الثالث: 9/101، كتاب الأحكام-باب الاستخلاف، طبعة دار إحياء التراث العربي-بيروت.

(4 و 5 و 6) راجع: التاج الجامع للاصول: 3/40، قال تعقيبا على الحديث: رواه الشيخان-

غ

16

و مسند أحمد (1) و مستدرك الحاكم على الصحيحين‏ (2) ، و يلاحظ هنا أن البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصرا للإمام الجواد و الإمامين الهادي و العسكري، و في ذلك مغزى كبيرا؛ لأنه يبرهن على أن هذا الحديث قد سجّل عن النبي صلى اللّه عليه و آله قبل أن يتحقق مضمونه و تكتمل فكرة الأئمة الاثني عشر فعلا، و هذا يعني أنه لا يوجد أي مجال للشك في أن يكون نقل الحديث متأثرا بالواقع الإمامي الاثني عشري و انعكاسا له؛ لأن الأحاديث المزيفة التي تنسب الى النبي صلى اللّه عليه و آله هي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخر زمنيا لا تسبق في ظهورها و تسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكل انعكاسا له، فما دمنا قد ملكنا الدليل المادي على أن الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخي للأئمة الاثني عشر، و ضبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري، أمكننا أن نتأكد من أنّ هذا الحديث ليس انعكاسا لواقع، و إنما هو تعبير عن حقيقة ربّانية نطق بها من لا ينطق عن هوى‏ (3) ، فقال:

____________

ق-و الترمذي، و في الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهدي بلفظ: «لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة... » ، و راجع سنن أبي داود: 2/207.

(1) مسند الإمام أحمد: 6/99، ح 20359.

(2) المستدرك على الصحيحين: 3/618.

(3) إشارة الى قوله تعالى: وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ*`إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ .. النجم: 3-4.

17

«إنّ الخلفاء بعدي اثنا عشر» (1) . و جاء الواقع الإمامي الاثني عشري ابتداء من الإمام علي و انتهاء بالمهدي عليهما السّلام؛ ليكون التطبيق الوحيد المعقول‏ (2) لذلك الحديث النبوي الشريف» (3) .

لقد أخرج مسلم في صحيحه من طريق قتيبة بن سعيد، عن جابر ابن سمرة، قال: «دخلت مع أبي على النبي صلى اللّه عليه و آله، فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» .

قال: ثمّ تكلم بكلام خفي عليّ، فقلت لأبي: ما قال؟قال: «كلّهم من قريش» (4) .

ثمّ أخرجه عن ابن أبي عمر، عنه، و عن هداب بن خالد، عنه، و عن نصر بن عليّ الجهضمي، عنه، و عن محمد بن رافع، عنه، كلّ من طريق.

و أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عنه، من طريقين. و عن قتيبة بن سعيد، عنه، من طريقين آخرين.

____________

(1) تقدم تخريج الحديث.

(2) اضطرب العلماء في تأويله بعد اطباقهم على صحته، و ما أوردوه من مصاديق لا يمكن قبولها، بل إن بعضها غير معقول تماما كإدخالهم يزيد بن معاوية المجاهر بالفسق، المحكوم بالمروق و الكفر أو من هو على شاكلته.

(3) بحث حول المهدي للسيد الشهيد الصدر قدّس سرّه: 105-107 بتحقيق الدكتور عبد الجبار شرارة.

(4) صحيح مسلم: 6/3 كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش.

18

فهذه تسعة طرق للحديث في صحيح مسلم فقط، ناهيك عن كثرة طرقه الاخرى في كتب الحديث لدى السنّة و الشيعة (1) .

____________

(1) راجع صحيح البخاري 4: 164-كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، مسند أحمد: 6/94، الأحاديث 325، 20366، 20367، 20416، 20443، 20503، 20534، سنن أبي داود 4:

106/4279-4280، المعجم الكبير، الطبراني: 2/238/1996، سنن الترمذي: 4/501، مستدرك الحاكم: 3/618، حلية الأولياء، أبو نعيم: 4/333، فتح الباري: 13/211، صحيح مسلم بشرح النووي: 12/201، البداية و النهاية، ابن كثير: 1/153، تفسير ابن كثير: 2/24 -في تفسير الآية 12 من سورة المائدة، كتاب السلوك في دول الملوك، المقريزي: 1/13- 15 من القسم الأول، شرح الحافظ ابن قيم الجوزية على سنن أبي داود: 11/363، شرح الحديث 4259، شرح العقيدة الطحاوية: 2/736، الحاوي للفتاوى، السيوطي: 2/85، عون المعبود شرح سنن أبي داود، العظيم آبادي: 11/362، شرح الحديث 4259، مشكاة المصابيح، التبريزي: 3/327، 5983، السلسلة الصحيحة، الألباني حديث رقم: 376، كنز العمال: 12/32، 33848 و 12/33/33858 و 12/34/33861.

كما أخرج هذا الحديث محدّثو الشيعة أيضا نذكر منهم الصدوق في كمال الدين 1:

272. و الخصال 2: 469 و 475، و قد تابع طرق الحديث و رواته من الصحابة في إحقاق الحق: 13/1-50.

19

اضطراب مدرسة الخلفاء في تفسير الحديث‏

و السؤال هنا، من هم هؤلاء الخلفاء؟

قبل أن نختار اجابة محدّدة على هذا السؤال لابد من طرح الاحتمالات المتصورة في معنى هذا الحديث، و مقصود النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله منه، و هنا احتمالان لا ثالث لهما، و هما:

1-أن يكون مقصود النبي صلى اللّه عليه و آله هو بيان ما سيجري عليه الواقع السياسي للامة من بعده، بنحو من التنبؤ و الكشف عن المستقبل، على غرار تنبؤات كثيرة صدرت منه صلى اللّه عليه و آله في شؤون مختلفة.

فيكون مفاد الحديث هو الإخبار عن الواقع المستقبلي للامة.

و لنطلق على هذا الاحتمال اسم «التفسير المستقبلي» .

2-أن يكون مقصوده صلى اللّه عليه و آله اصدار قرار بتعيين اثني عشر إماما و خليفة من بعده، فيكون مفاده الإنشاء و التنصيب بلحاظ مقتضيات الشريعة، لا الاخبار بلحاظ الواقع المستقبلي. و لنطلق على هذا الاحتمال اسم «التفسير العقائدي» .

و مقتضى البحث العلمي أن ننظر في هذين الاحتمالين و نختار ما تؤيده الشواهد و الأدلّة و البراهين العقلية و النقلية، إلاّ أن مدرسة الخلفاء لما آمنت منذ البدء بشرعية نظام الخلافة و رفضت نظرية التعيين، و أقامت تراثها الكلامي و الفقهي على هذا الأساس، وجدت نفسها أمام احتمال واحد لا مفرّ لها عنه، و هو الاحتمال‏

20

الأول، و اضطرت الى تأويل كل ما يعارضه، و الأخذ بهذه التأويلات مهما كانت تعسفية و بعيدة عن القواعد العقلية و العرفية، باعتبارها أمرا لا بديل عندها عنه.

و كان عليها أن تنظر الى الحديث نظرة علمية متحررة من أي فكرة مسبقة لتتأكد بنفسها من سقم التفسير المستقبلي للحديث، فإن كان النبي ينظر الى ما سيجري عليه الواقع فما الداعي الى التحديد باثني عشر خليفة مع امتداد المستقبل أكثر من هذا؟و إن كان النبي ينظر الى الخلافة الصحيحة المطابقة للموازين الشرعية فإن مدرسة الخلفاء لم تقطع و لم تجمع على شرعية غير الخلفاء الأربعة، و من هنا اضطربت آراؤها في تحديد اشخاص الخلفاء الاثني عشر.

فالخلفاء الاثنا عشر عند ابن كثير: الخلفاء الأربعة، و عمر بن عبد العزيز، و بعض بني العباس، و استظهر أنّ المهديّ منهم‏ (1) .

و عند القاضي الدمشقي: الخلفاء الأربعة، و معاوية، و يزيد بن معاوية، و عبد الملك بن مروان و أولاده الأربعة (الوليد، و سليمان، و يزيد، و هشام) ، و أخيرا عمر بن عبد العزيز (2) .

و عند ولي اللّه المحدّث في قرة العينين-كما جاء في عون

____________

(1) تفسير القرآن الكريم، ابن كثير: 2/34-في تفسير الآية 12 من سورة المائدة.

(2) شرح العقيدة الطحاوية، القاضي الدمشقي: 2/736.

21

المعبود: -الخلفاء الأربعة، و معاوية، و عبد الملك بن مروان، و أولاده الأربعة، و عمر بن عبد العزيز، و وليد بن يزيد بن عبد الملك، ثمّ نقل عن مالك بن أنس أنّه أدخل عبد اللّه بن الزبير فيهم. و لكنه رفض قول مالك، مستدلا بما روي عن عمر و عثمان؛ عن النبي صلى اللّه عليه و آله ما يدل على أنّ تسلط ابن الزبير كان مصيبة من مصائب هذه الامة، ثم ردّ من أدخل يزيد بينهم، مصرحا بأنّه كان سيّئ السيرة (1) .

و قال ابن قيم الجوزية: «و أمّا الخلفاء: اثنا عشر، فقد قال جماعة منهم أبو حاتم و ابن حبّان و غيره: انّ آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة، ثم معاوية، ثمّ يزيد ابنه، ثمّ معاوية بن يزيد، ثمّ مروان بن الحكم، ثم عبد الملك ابنه، ثمّ الوليد ابن عبد الملك. ثمّ سليمان بن عبد الملك. ثم عمر بن عبد العزيز، و كانت وفاته على رأس المائة، و هو القرن المفضل الذي هو خير القرون، و كان الدين في هذا القرن في غاية العزّة، ثم وقع ما وقع» (2) .

و قال النور بشتي: «السبيل في هذا الحديث و ما يتعقبه في هذا المعنى أنه يحمل على المقسطين منهم، فإنّهم هم المستحقون لاسم

____________

(1) عون المعبود في شرح سنن أبي داود: 11/246 شرح الحديث 427، كتاب المهدي ط دار الكتب العلمية.

(2) عون المعبود في شرح سنن أبي داود: 11/245.

22

الخليفة على الحقيقة، و لا يلزم أن يكونوا على الولاء، و إن قدّر أنهم على الولاء فإنّ المراد منه المسمون بها على المجاز، كذا في المرقاة» (1) .

و عند المقريزي: الخلفاء الأربعة، ثمّ الإمام الحسن عليه السّلام قال: «و به تمّت أيام الخلفاء الراشدين» ، و لم يدخل أحدا من بني امية حيث صرّح بأنّ الخلافة صارت بعد الإمام الحسن عليه السّلام ملكا عضوضا، قال:

«أيّ فيه عسف و عنف!!» ، كما لم يدخل أحدا من بني العباس، مصرّحا أنّ في خلافتهم «افترقت كلمة الإسلام و سقط اسم العرب من الديوان، و ادخل الأتراك في الديوان، و استولت الديلم، ثمّ الأتراك، و صارت لهم دول عظيمة جدا، و انقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، و صار بكلّ قطر قائم يأخذ الناس بالعسف، و يملكهم بالقهر» (2) .

و هكذا يلاحظ بوضوح اضطراب مدرسة الخلفاء في تفسيرها لهذا الحديث، و وقوعها في مطبّات يتعذّر عليها الخروج منها ما دامت تصر على التفسير المستقبلي له.

و قد قال السيوطي في الحاوي: «لم يقع الى الآن وجود اثني

____________

(1) عون المعبود في شرح سنن أبي داود: 11/244.

(2) السلوك لمعرفة دول الملوك: 1/13-15 القسم الأول.

23

عشر اجتمعت الامة على كلّ منهم» (1) .

و لو كان التفسير المستقبلي في نفسه صحيحا و مقبولا لآمن به صحابة النبي صلى اللّه عليه و آله قبل غيرهم، و لظهر آثار ذلك على لسان الخلفاء أنفسهم، و لقال أولهم: أنا أول الخلفاء الاثني عشر، و لقال الثاني و الثالث الى الثاني عشر مثل ذلك، و لكان مثل هذا الادّعاء افتخارا و شاهدا يساعد على إثبات شرعية كل منهم، بينما لم يسجّل التاريخ ادعاء لأي من الأسماء المذكورة في سلسلة الخلفاء الاثني عشر الافتراضية بمثل ذلك.

ثم إن الحديث يدل على أن فترة إمامة الأئمة الاثني عشر تستوعب التاريخ الإسلامي الى نهايته بحيث تموج الأرض بأهلها من بعدهم. فقد روى أهل السنّة عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنّه قال: «لا يزال هذا الدين قائما الى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها» (2) .

و لم تمج الأرض بعد موت عمر بن عبد العزيز بأهلها، بل كان انتشار علوم الدين كالفقه و الحديث و التفسير في القرنين الثالث و الرابع الهجريين، حتى بلغت علوم الدين قمتها في الاتساع و الشمول بعد موت هؤلاء الخلفاء الاثني عشر عند أهل السنّة، و المفروض أن تموج الأرض بأهلها!

____________

(1) الحاوي للفتاوي: 2/85.

(2) كنز العمال: 12/34 ح 33861، اخرجه ابن النجار، عن أنس.

24

و رووا أيضا، عن جابر بن سمرة: «لا تزال هذه الامة مستقيما أمرها، ظاهرة على عدوّها، حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، ثم يكون المرج» (1) .

و إذا كان المراد بالمرج هو القلق، و الاضطراب، و الالتباس، فيقتضي أن لا يكون شي‏ء منه الى عهد عمر بن عبد العزيز، و لكن التاريخ لا يعرف فتنة عظم بها القلق، و اشتد بها الاضطراب، و كثر فيها التباس الحق بالباطل من فتنة معاوية و خروجه على خليفة المسلمين، و هذا يدل على أن المراد بالمرج هو أعظم من القلق و الاضطراب و الالتباس، و لعل المراد ترك الدين بالكلّية، و هذا ما لم يحصل إلاّ عند اقتراب الساعة، التي يسبقها ظهور الإمام المهدي عليه السّلام، و ما يعقب انتقاله الى الرفيق الأعلى من أحداث.

ثم ما معنى ادخال الملوك في عداد الخلفاء، فقد روى أهل السنّة، عن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، و من رجال الشورى الذين عينهم عمر، أنه دخل على معاوية و قد تخلف عن بيعته، فقال: «السلام عليك أيها الملك، فقال له: فهلا غير ذلك؟أنتم المؤمنون و أنا أميركم. قال: نعم، إن كنّا أمّرناك، و في لفظ: نحن المؤمنون و لم نؤمّرك» و قد أنكرت عائشة على معاوية دعواه الخلافة، كما أنكرها ابن عباس، و الإمام الحسن عليه السّلام حتى بعد

____________

(1) كنز العمال: 12/32، حديث 33848.

25

الصلح‏ (1) ، فهو من البغاة بالاتفاق؛ لحديث: «يا عمار تقتلك الفئة الباغية» . و لست أدري كيف يصحّ أن يكون الباغي على الخليفة الشرعي خليفة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله على المؤمنين!!

و ما معنى ادخال يزيد الفاجر، المعلن فجوره و انتهاكه لحرمات اللّه تعالى-و هذا من أعجب العجب حقا!إذ كيف يصحّ للمسلم أن يجعل من يسفك دماء أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و يغزو جنده المدينة المنورة و يقتلوا عشرة آلاف من أهلها حتى أنه لم يبق بدريا بعد موقعة الحرّة، -خليفة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و كذلك الحال مع ملوك الشجرة الملعونة بنصّ القرآن الكريم، و لقد رآهم النبيّ في منامه -و رؤيا الأنبياء صادقة كفلق الصبح-بأنّهم ينزون على منبره نزو القرود، باتفاق معظم المفسرين من أهل السنّة، و ذلك عند تفسيرهم الآية الستين من سورة الإسراء، بما لا حاجة الى تتبع كلماتهم.

و هكذا يظهر بوضوح ثلاث نتائج حاسمة هي:

1-فشل التفسير الاخباري المستقبلي لحديث الخلافة الاثني عشرية.

2-دور العامل السياسي في إلجاء مدرسة الخلفاء إلى ذلك التفسير.

____________

(1) راجع الغدير للعلاّمة الأميني: 1/26-27، فقد ذكر ذلك مخرجا عن كتب أهل السنّة.

26

3-انحصار الحقيقة الشرعية بالتفسير العقائدي الإنشائي القائل بدلالة الحديث المذكور على نصب اثني عشر إماما للمسلمين، و هو التفسير الذي قامت عليه أدلة عقلية و قرآنية و نبوية كثيرة جدا نجدها مبسوطة في التراث الإمامي القديم و الحديث، في مجالات التفسير و الحديث و علم الكلام و التاريخ.

و يبدو أن التاريخ قد أبى إلاّ أن يبقى الأئمة الاثنا عشر من أهل البيت عليهم السّلام مصداقا وحيدا للحديث المذكور لا ينازعون في ذلك حتى على مستوى الادّعاء، أولهم أمير المؤمنين عليه السّلام و آخرهم الإمام المهدي بن الحسن العسكري عليه السّلام و في ذلك ما لا يحصى كثرة من الأحاديث الشريفة الدالة عليه، و نشير هنا الى أحدها، و هو ما أخرجه الجويني الشافعي في فرائد السمطين، عن ابن عباس، عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنّه قال: «أنا سيد النبيين، و علي بن أبي طالب سيد الوصيين، و إنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم عليّ بن أبي طالب، و آخرهم المهديّ» (1) .

و من هنا احتمل بعض المحققين‏ (2) أن ما ذكرته كتب الحديث من أن جابر بن سمرة حينما خفي عليه بعض كلام النبي صلى اللّه عليه و آله فسأل أباه عما خفي عليه من كلامه صلى اللّه عليه و آله أجابه أبوه بأنه صلى اللّه عليه و آله قال: «كلهم من قريش» ، احتمل أن جواب الأب فيه تحريف، ذلك أن الروايات

____________

(1) فرائد السمطين: 2/313، ح 564.

(2) الغدير و المعارضون، السيد جعفر مرتضى العاملي: 70-72.

27

علّلت خفاء الجواب بـ «ثم لغط القوم و تكلموا» و «ضجّ الناس» «فقال كلمة أصمّنيها الناس» «فصرخ الناس فلم أسمع ما قال» «فكبّر الناس و ضجّوا» «فجعل الناس يقومون و يقعدون» . فكل هذه التعليلات لا تتناسب مع العبارة التي لم يسمعها الراوي، لأن جعل الخلافة في قريش أمر يسرّهم و لا يوجب اللغط و الضجيج، و المتناسب مع هذه الحالات الموصوفة في الروايات أن تكون الإمامة في جماعة خاصة دون قريش، و هذا ما ذكره القندوزي في ينابيع المودّة حيث ذكر أن العبارة التي قالها النبي صلى اللّه عليه و آله هي: «كلهم من بني هاشم» (1) .

و حينما يتّضح فشل التفسير الاخباري المستقبلي لحديث الإمامة الاثني عشرية من جهة و حقانية التفسير العقائدي له من جهة ثانية، و ثبوت اسم الإمام المهدي عليه السّلام في سلسلة أئمة أهل البيت عليهم السّلام و كونه هو الإمام الثاني عشر الذي يصلح اللّه به الأرض بعدما تمتلئ بالفساد من جهة ثالثة، لا يبقى بعد ذلك مجال للشك في ثبوت المفهوم العقائدي للمهدوية الذي تصرّ عليه مدرسة أهل البيت عليهم السّلام.

ذلك أن الترابط الصميمي بين مسألة الإمامة الاثني عشرية و المسألة المهدوية، من شأنه أن ينقل الى المسألة المهدوية النتائج

____________

(1) ينابيع المودّة: 3/104 باب 77.

غ

28

الثلاثة الحاسمة التي ظهرت على بساط البحث. فإن فشل التفسير المستقبلي للإمامة الاثني عشرية يعني بالنتيجة فشل هذا التفسير بالنسبة الى المهدوية أيضا، كما أن ثبوت المنشأ السياسي لهذا التفسير على صعيد الإمامة الاثني عشرية يعني بالنتيجة ثبوته بحق المهدوية أيضا، حيث إن مدرسة الخلفاء كما جعلت حديث الخلافة الاثني عشرية اخباريا مستقبليا كتفريع منها على القول بصحة نظرية السقيفة و الخلافة و شرعيتها، كذلك رأت ضرورة الجنوح بالمسألة المهدوية صوب الرؤية المستقبلية، فرارا من القول بإمامة أهل البيت عليهم السّلام و عدم شرعية نظام الخلافة، كما أن ثبوت حقّانية التفسير العقائدي لحديث الإمامة الاثني عشرية يعني بالنتيجة ثبوت حقّانية المفهوم العقائدي للمسألة المهدوية.

29

الفصل الثاني خصائص مفهوم المهدوية عند أهل البيت عليهم السّلام‏

و بعدما تم الاثبات العقائدي لمفهوم المهدوية عند أهل البيت عليهم السّلام ندخل في مرحلة جديدة من البحث، و هي مرحلة البحث في الخصائص المترتبة على هذا المفهوم، و اثبات أنها خصائص واقعية لها تحقق تأريخي و شرعي، و أن الاعتقاد بها لا يلزم منه خدشة عقائدية و لا مفارقة تأريخية، و هي:

الخصوصية الاولى:

تحقق ولادة الإمام المهدي في أجواء سرّية مقصودة لا بد منها

و مع ثبوت المفهوم المهدوي عند أهل البيت عليهم السّلام يصبح واضحا أن من أبرز مقتضيات هذا المفهوم أن تكون ولادة الإمام الثاني عشر مقرونة بالسرّية و الكتمان حتى تتسنى له الغيبة بعد ذلك، و الاختفاء عن الأنظار الى مكان آمن يختاره اللّه له الى حين يأذن له بالظهور، باعتباره الكوكب الأخير في سماء الإمامة، و الإمام الذي لا إمام للمسلمين بعده، و هذا المعنى يستلزم حياة خفية و عمرا مديدا و ولادة سرّية، حتى يبقى موقع الإمامة مشغولا على مدى الدهر بإمام من الأئمة الاثني عشر عليهم السّلام حي أو غائب.

30

و حينئذ، فمن غير المناسب أن يقال: لماذا لم تكن ولادة الإمام، و وجوده بعد أبيه أمرا مشهودا، ملموسا لكل من أراد حتى نصدق به؟فإنه لو كان كذلك لما تيسرت له الغيبة و الاختفاء عن الأنظار، و لما كان هو الإمام الثاني عشر، و لكان الأئمة أكثر من هذا العدد، و هذا ما يخالف الأدلّة النبوية المذكورة آنفا، فالولادة السرّية من المستلزمات و المقتضيات الطبيعية لتلك الأدلة.

و هذا ما يوضح أن الاثبات الخارجي لقضية، من نوع قضية ولادة الإمام المهدي و وجوده و حياته، لا يمكن الاكتفاء فيه بالبحث التاريخي، ما دمنا نؤمن منذ البداية أنها مقرونة بدرجة شديدة من السرّية و الكتمان، بل هو إثبات عقائدي تاريخي تقوم فيه العقيدة بلعب دور أساسي، فيما يلعب البحث التاريخي فيها دورا تكميليا، لأننا نذعن منذ البدء بوجود المنكرين لها و المشككين فيها، ما دامت القضية سرية مكتومة، و المطّلعون عليها عدد محدود من الناس، بنحو يسمح للآخرين حتّى و إن كانوا من الحلقات القريبة من الإمام، و من خلصاء الشيعة بالانكار و التشكيك ماداموا محجوبين عن الحقيقة السرية المكتومة، بحيث لو سألهم سائل عن ولادة الإمام المهدي و وجوده و حياته، لأنكروا ذلك، و لنقلوا عن سائر الناس أنهم أيضا لم يروه و لم يسمعوا بخبر ولادته و وجوده. فنحن لا نتحدث عن قضية مادية

31

محسوسة بكل أبعادها و جهاتها و تخضع لتسجيل تاريخي كامل حتى نعتمد في إثباتها و إنكارها على المؤرخين و الرواة، و إنما نتحدث من حيث الأساس عن قضية غيبية، سوى أنها ليست غيبية بنحو مطلق و إنما لها شعاع محسوس يطلع عليه أفراد منتخبون، يطلعون على ولادته فيشهدون عليها، و على غيبته الصغرى فيشهدون عليها، و على غيبته الكبرى فيشهدون عليها، و لهذا قلنا إن مفهوم أهل البيت عليهم السّلام عن المهدوية مفهوم عقائدي.

بمعنى أن إنكار المنكرين لا يكون في مثل قضية الإمام المهدي عليه السّلام حجة تاريخية منطقية لإثبات عدم وجوده، ما دمنا قد أذعنا منذ البداية أن القضية سرية مكتومة، و من الضروري الاكتفاء من ناحية البحث التأريخي باثبات وجود من رآه و اطلع عليه و سمع بوجوده و أذعن له، دون الالتفات الى إنكار المنكرين الذي يعتبر ظاهرة طبيعية بالنسبة الى قضية سرية مكتومة.

و هنا سنطوي بحثين: بحث في الشواهد الدالة على ولادة الإمام و استمرار وجوده، و بحث آخر نناقش فيه أدلة المنكرين له عليه السّلام.

32

الشواهد التاريخية الدالة على وجود الإمام المهدي عليه السّلام‏

و هذه ناحية واسعة تظافرت عليها أرقام تاريخية كثيرة جدا نصنفها في عدّة نقاط:

1-شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام بولادة ابنه الإمام المهدي عليه السّلام‏
و في ذلك أحاديث كثيرة نقلها أثبات الشيعة و رواتهم، ننقل منها:

الحديث المروي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن اسحاق، عن أبي هاشم الجعفري، قال: «قلت لأبي محمد عليه السّلام:

جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟فقال: سل. قلت:

يا سيدي هل لك ولد؟فقال: نعم» (1) .

و في هذا الحديث الكفاية سندا و دلالة، فهذه كتب الرجال تشهد بجلالة محمد بن يحيى أبي جعفر العطار القمّي الذي لا زال قبره الى الآن معروفا و مشهورا يزار، و تشهد لعلو مكانة أحمد بن اسحاق بن عبد اللّه بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري أبي علي القمّي، عند الإمام الحسن العسكري عليه السّلام، و تشهد أيضا لمنزلة داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب أبي هاشم الجعفري.. ثمّ انظر قلّة الوسائط في إسناد هذا الحديث، الذي يعبر عن أمثاله بقرب الإسناد الذي يعتبر من الشواهد المؤيدة للحديث.

____________

(1) اصول الكافي: 1/328، كتاب الحجّة باب الإشارة و النص الى صاحب الدار.

33

2-شهادة القابلة
و هي اخت إمام، و عمة إمام، و بنت إمام، العلوية الطاهرة حكيمة بنت محمد الجواد، و اخت الإمام الهادي، و عمة الإمام العسكري، حيث صرّحت بمشاهدة ولادة الإمام الحجة عليه السّلام ليلة مولده‏ (1) ، و هي التي تولّت أمر نرجس والدة الإمام الحجة عليه السّلام، و بإذن من أبيه الحسن العسكري عليهما السّلام‏ (2) .

3-عشرات الشهادات برؤية الإمام عليه السّلام‏
و هنا قائمة طويلة من الأسماء، ممن رأى الإمام المهدي و اتّصل به و شهد برؤيته إياه، سجلتها المصادر التاريخية، و جمعها بعض المصنفين في مصنفات خاصة، مثل: (كتاب تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي) للسيد هاشم البحراني ذكر فيه (79) شخصا شهد برؤية الإمام عليه السّلام في طفولته أو في غيبته الصغرى، و ذكر أسماء المصادر التي اعتمد عليها في ذلك، و أحصى الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي زهاء (304) أشخاص ممن رأى الإمام عليه السّلام، و شهد به‏ (3) . و أحصى الشيخ الصدوق-المتوفى سنة (381 هـ)

____________

(1) اصول الكافي: 1/330، كتاب الحجة، باب تسمية من رآه عليه السّلام.

(2) كمال الدين: 2/424، باب 42.

(3) من هو المهدي، أبو طالب تجليل التبريزي: 460-506.

34

بغيبة الإمام المهدي عليه السّلام قريب جدا- (64) شخصا شهد برؤية الإمام عليه السّلام و كان كثير منهم وكلاء له‏ (1) ، و هم من مدن شتى.

فمن وكلاءه: من أهل أذربيجان: القاسم بن العلاء. و من الأهواز:

محمد بن إبراهيم بن مهزيار. و من بغداد: حاجز البلالي، و عثمان ابن سعيد العمري، و محمد بن عثمان بن سعيد العمري، و العطار.

و من الكوفة: العاصمي. و من قم: أحمد بن إسحاق. و من نيسابور:

محمد بن شاذان. و من همدان: البسامي، و محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي الأسدي، و محمد بن صالح.

أمّا من رآه عليه السّلام من غير الوكلاء، منهم: من أهل اصفهان: ابن باشاذاله. و من الأهواز: الحصيني. و من بغداد: أحمد بن الحسن، و إسحاق الكاتب من بني نوبخت، و أبو عبد اللّه الخيبري، و أبو عبد اللّه بن فروخ، و أبو عبد اللّه الكندي، و أبو القاسم بن أبي حليس، و أبو القاسم بن دبيس، و مسرور الطباخ مولى أبي الحسن عليه السّلام، و النيلي، و هارون الفزاري. و من الدينور: أحمد ابن أخي الحسن بن هارون، و عمه الحسن بن هارون. و من الري: أبو جعفر الرفّاء، و عليّ بن محمد، و القاسم بن موسى، و ابن القاسم بن موسى، و أبو محمد بن هارون، و محمد بن محمد الكليني. و من قزوين: عليّ بن

____________

(1) كمال الدين: 2/442 باب 43، و بحار الأنوار: 52/30 باب 26.

35

أحمد، و مرداس. و من قم: الحسن بن النضر، و الحسين بن يعقوب، و عليّ بن محمد بن إسحاق، و محمد بن إسحاق، و محمد بن محمد.

و من مصر: أبو رجاء. و من نصيبين: أبو محمد بن الوجناء النصيبي.

و من همدان: جعفر بن حمدان، و محمد بن كشمرد، و محمد بن هارون. و من اليمن: ابن الأعجمي، و الجعفري، و الحسن بن الفضل ابن يزيد، و أبوه الفضل بن يزيد، و الشمشاطي. كما ذكر أيضا من رآه من أهل شهرزور، و الصيمرة، و فارس، و قابس و مرو.

فهل يعقل اتفاق هؤلاء جميعا و تواطؤهم على الكذب؟و فيهم اثبات ثقات صرحت كتب الرجال بتوثيقهم؟

4-تعامل السلطة العباسية مع الحدث‏
لقد تعاملت السلطة العباسية بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام مع عائلته تعاملا يدل على خيفتها من مولود خطير خفي عنها، فراحت تبحث عنه بكل ما اوتيت من وسيلة و قدرة، حيث أمر المعتمد العباسي المتوفى سنة (279 هـ) شرطته بتفتيش دار الإمام الحسن العسكري تفتيشا دقيقا و البحث عن الإمام المهدي عليه السّلام، و أمر بحبس جواري أبي محمد عليه السّلام، و اعتقال حلائله يساعدهم على ذلك جعفر الكذّاب، و أجرى على مخلّفي أبي محمد عليه السّلام بسبب ذلك كلّ عظيمة، من اعتقال، و حبس و تهديد، و تصغير،

36

و استخفاف و ذلّ‏ (1) .

كلّ هذا و الإمام المهدي عليه السّلام في الخامسة من عمره، و لا يهم المعتمد العمر بعد أن عرف أنّ هذا الصبي هو الإمام الذي سيهد عرش الطاغوت لما شاع و انتشر من الخبر، بأنّ ثاني عشر أهل البيت عليهم السّلام سيملأ الدنيا قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا، فكان موقفه من المهديّ، كموقف فرعون من موسى عليه السّلام الذي ألقته امّه-خوفا عليه-في اليمّ صبيا.

و لم يكن المعتمد العباسي وحده قد عرف هذه الحقيقة، و إنّما عرفها من كان قبله كالمعتز، و المهتدي، و لهذا كان الإمام الحسن العسكري عليه السّلام حريصا على أن لا ينتشر خبر ولادة الإمام المهدي إلاّ بين أفراد منتخبين من شيعته و مواليه.

لقد كان تصرّف السلطة كاشفا عن أنّها و سائر الناس قد أدركوا تماما أنّ حديث جابر بن سمرة لا ينطبق عليهم و لا على من سبقهم من الامويين، و إنّما مصداقه الوحيد هم أهل بيت النبوّة، و مهبط الوحي و التنزيل.

و إلاّ فأيّ خطر يهدد كيانهم في طفل لم يتجاوز عمره خمس سنين، لو لم يعتقدوا أنّه هو المهدي المنتظر الذي تحدثت عنه الأحاديث

____________

(1) الإرشاد، الشيخ المفيد: 2/336.

37

المتواترة؟!يقول أحد الباحثين: و لو لم يكن مولودا حقا فما معنى حبس الجواري و بث القابلات لتفتيش من بهنّ حمل، و مراقبتهنّ مدة لا تصدّق، إذ بقيت إحداهنّ تحت المراقبة لمدة سنتين!كلّ هذا مع مطاردة أصحاب الإمام العسكري عليه السّلام و التشنيع عليهم، مع بث العيون للتجسّس عن خبر المهدي عليه السّلام، و كبس داره بين حين و آخر؟

ثم ما بال السلطة لم تقتنع بما زعمه جعفر من أنّ أخاه عليه السّلام مات و لم يخلّف؟

أما كان بوسعها أن تعطيه حقّه من الميراث و ينتهي كلّ شي‏ء من غير هذا التصرّف الأحمق الذي يدلّ على ذعرها و خوفها من ابن الحسن عجل اللّه تعالى فرجه الشريف؟!

نعم، قد يقال بأنّ حرص السلطة على إعطاء كل ذي حقّ حقه هو الذي دفعها الى التحري عن وجود الولد لكي لا يستقل جعفر بالميراث وحده بمجرد شهادته!

فنقول: ليس من شأن السلطة الحاكمة آنذاك أن تتحرّى عن هذا الأمر بمثل هذا التصرّف المريب، بل كان على الخليفة العباسي أن يحيل دعوى جعفر الكذاب الى أحد القضاة، لا سيّما و أنّ القضية من قضايا الميراث التي يحصل مثلها كلّ يوم مرات، و عندها سيكون بوسع القاضي أن يفتح محضرا تحقيقيا، فيستدعي مثلا

38

عمة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام، و امه، و جواري الإمام، و المقربين الى الإمام الحسن العسكري من بني هاشم، ثمّ يستمع الى أقوالهم، و يثبت شهاداتهم، ثمّ ينهي كل شي‏ء، و لكن وصول هذه القضية الى أعلى رجل في السلطة، و بهذه السرعة و لمّا يدفن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام، و خروج القضية عن دائرة القضاء مع أنّها من اختصاصاته، و من ثم تصرف السلطة الغاشمة على نحو ما مرّ، كل ذلك يقطع بأنّ السلطة كانت على يقين بأن المهدي الموعود هو الحلقة الأخيرة من حلقات السلسلة المطهّرة التي لا يمكن أن تنقطع بموت الإمام الحادي عشر عليه السّلام، خصوصا بعد أن تواتر لدى الجميع قوله صلى اللّه عليه و آله: «و إنّهما-أي: الكتاب، و العترة-لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» و معنى عدم ولادة المهدي عليه السّلام، أو عدم استمرار وجوده، انقراض العترة، و هذا ما لا يقوله أحد ممّن تسمى (بإمرة المؤمنين) من العباسيين؛ لأنّه تكذيب لنبيّنا الأعظم صلى اللّه عليه و آله، بل لا يقوله أحد من المسلمين إلاّ من هان عليه أمر هذا التكذيب، أو من خدع نفسه بتأويل حديث الثقلين و صرف دلالته الى ما لم يأت به سلطان مبين» (1) .

____________

(1) دفاع عن الكليني: 1/567-568 لحسن هاشم ثامر العميدي.

39

5-اعترافات علماء السنّة بولادة الإمام المهدي عليه السّلام‏
قال السيد ثامر العميدي في هذا الصدد:

«بلغت اعترافات الفقهاء، و المحدثين، و المفسرين، و المؤرخين، و المحققين، و الادباء، و الكتّاب من أهل السنّة أكثر من مائة اعتراف صريح بولادة الإمام المهدي عليه السّلام، و قد صرح ما يزيد على نصفهم بأنّ الإمام محمد بن الحسن المهديّ عجل اللّه تعالى فرجه الشريف، هو الإمام الموعود بظهوره في آخر الزمان.

و قد رتّبت هذه الاعترافات بحسب وفيات أصحابها، فوجدتها متصلة الأزمان، بحيث لا تتعذر معاصرة صاحب التصريح اللاحق، لصاحب التصريح السابق، و ذلك ابتداء من عصر الغيبة الصغرى الى وقتنا الحاضر، و سوف نذكر أقوال بعضهم التي وقفت عليها في مصادرهم ريثما يأتي دورهم، مع الاكتفاء بذكر اسماء الآخرين فقط دون التعرض لأقوالهم؛ لتعذر تسجيلها في هذا الفصل، حيث بلغت أقوال تسعة و عشرين واحدا منهم في كتاب إلزام الناصب ما يزيد على مائة صحيفة (1) ، فكيف الحال مع تسجيل أقوالهم كلّهم؟ على أنّ ما سنذكره في المتن دون الإشارة الى مصدره في الهامش، هو دليل أخذنا ذلك من كتب الشيعة الإمامية التي سبقت الى هذا

____________

(1) إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عجّل فرجه) الشيخ علي اليزدي الحائري:

1/321-440.

40

المجال مع اعتنائها بتسجيل رقم الجزء، و رقم الصحيفة مع مكان و سنة الطبع؛ و لعلّ من أوسعها في هذا الباب كتاب «المهديّ المنتظر في نهج البلاغة» للشيخ مهديّ فقيه إيماني، حيث ذكر فيه مائة و رجلين من رجالات أهل السنّة الذين اعترفوا بذلك‏ (1) ، مكتفيا بذكر أسمائهم و مصادرهم بأجزائها و صحائفها دون التعرّض لأقوالهم، و ربما اضطرّ الى تعيين واسطته اليهم بدقة، و قد فاته ما يقرب من ثلاثين اسما، و كان جلّ اعتمادنا عليه، و لم نستدرك عليه شيئا؛ لأنّ ما فاته سبقني اليه غيري‏ (2) ، حتى عاد دوري في هذا الدليل مقتصرا على الجمع و الترتيب بحسب القرون» (3) .

ثم ذكر أسماء (128) مصنفا من مصنفات أهل السنّة ذكر الإمام المهدي في كتاب من كتبه بعنوان: الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السّلام.

منهم من عاصر الميلاد و الغيبة الصغرى، و لشهادات هؤلاء قيمتها

____________

(1) المهديّ المنتظر في نهج البلاغة/الشيخ مهدي فقيه إيماني: 16-30.

(2) الإمام الثاني عشر، السيد محمد سعيد الموسوي: 27-70 و قد استدرك عليه محقق الكتاب ثلاثين رجلا من أهل السنّة كما في هامش المصدر: 72-89، المهديّ الموعود المنتظر عند أهل السنّة و الإمامية، الشيخ نجم الدين العسكري: 1/220-226.

(3) دفاع عن الكافي: 1/568.

غ

41

التاريخية المعروفة، و من بينهم:

1-أبو بكر الروياني، محمد بن هارون (المتوفّى سنة 307 هـ) في كتابه (المسند) .

2-أحمد بن إبراهيم بن علي الكندي، من تلامذة ابن جرير الطبري المتوفى سنة (310 هـ) .

3-محمّد بن أحمد بن أبي الثلج، أبو بكر البغدادي (المتوفّى سنة 322 هـ) في (مواليد الأئمة) و هو مطبوع ضمن كتاب (الفصول العشرة في الغيبة) للشيخ المفيد، و مع كتاب (نوادر الراوندي) ط النجف الأشرف سنة (1370 هـ) و ممّن هو قريب العهد به من الأعلام الكبار: الخوارزمي (المتوفّى سنة 387 هـ) في (مفاتيح العلوم: 32، 33) طبعة ليدن-1895 م.

42

وقفة مع المنكرين‏
اتّضح مما سبق أن المسألة المهدوية مسألة عقائدية قبل أن تكون تاريخية، و أن الدليل عليها عقائدي قبل أن يكون تاريخيا، و اتّضح أيضا عدد من الأدلّة التاريخية الدالة عليه، و اتّضح أيضا أن قضية سرية غيبية، كقضية الإمام المهدي عليه السّلام تستلزم بطبعها وجود المنكرين لها، فإن الذي يختفي عن أنظار الناس لغرض من الأغراض، يقصد من ذلك أن لا يراه أحد من الناس، بحيث إذا سئل الناس عنه قالوا: لم نره، حتى لو كانوا من أقرب المقربين إليه، و ذكرنا أن انكار مثل هؤلاء في قضية مخفية لا يصح دليلا على عدم الوجود، و هذه هي المفارقة الأساسية التي وقع فيها منكروا ولادة و وجود الإمام المهدي عليه السّلام، فانّهم ذهبوا يفتشون في التاريخ عن شواهد من هذا القبيل، فلما عثروا على شي‏ء منها اعتبروه دليلا على عدم ولادة و وجود الإمام المهدي عليه السّلام، مثل اختلاف الشيعة في زمن الولادة و في اسم الإمام، و شهادة جعفر الكذاب عم الإمام المهدي بأن أخاه مات و لم يعقّب.

و مناقشتنا الأساسية مع هؤلاء أن المنهج التاريخي صالح للتحكيم في مسائل محسوسة تقع بكاملها تحت نظر الرواة و المؤرخين، مثل واقعة صفين، و واقعة كربلاء... الخ، و ليس صالحا للتحكيم في مسائل غيبية عقائدية في جوهرها، و لها شعاع محسوس عند أفراد منتخبين بحيث لو سئل عامة الناس عنها

43

لأنكروها. فكيف تجعلون إنكار عامة الناس دليلا على انعدام قضية يؤمن أصحابها سلفا بأنها ليست قابلة للمشاهدة الحسيّة، إلاّ من قبل أفراد منتخبين؟

إن على من يريد مناقشة المسألة المهدوية أن يبدأ معها من بدايتها العقائدية، و لا يبدأ معها من ذيولها التاريخية، لأن القضية السرية المكتومة بنحو مقصود، عن أعين أقرب المقرّبين لا يمتنع عليها ظهور اختلافات فيها، من قبيل اختلاف زمن ولادة الإمام، و اختلاف اسم ام الإمام، و لا يضرها شهادة كشهادة جعفر الكذاب، لأن الجواب الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يقال: إن الاختلاف في سنة الولادة، و اسم ام الإمام، كان ظاهرة طبيعية ناشئة من إصرار الإمام الحسن العسكري على اخفاء تفاصيل القضية إخفاء تاما عن أعين أقرب المقربين، تحرزا من وصول النبأ الى السلطة العباسية، كما أن شهادة جعفر الكذاب بأن أخاه مات و لم يعقّب كانت من هذا القبيل، حيث أراد الإمام الحسن العسكري عليه السّلام أن يخفي مولوده على أخيه و يظهر الأمر أمامه كما لو لم يكن للإمام عليه السّلام تجاه أخيه منطقيا حتى لو لم يكن أخوه كذّابا مشهودا عليه بالفسق، كيف و جعفر الكذّاب مشهود عليه بذلك‏ (1) .

____________

(1) انظر اصول الكافي: 1/421، كتاب الحجّة، باب مولد أبي محمد الحسن بن-علي عليه السّلام،

44

الخصوصية الثانية: الإمامة المبكرة

و من مقتضيات المفهوم المهدوي عند أئمة أهل البيت عليهم السّلام الاعتقاد بالإمامة المبكرة للإمام المهدي عليه السّلام، و هذه الخصوصية تارة ننظر إليها من الزاوية الإسلامية بقصد البرهنة و الإثبات و دفع ما يمكن أن يرد عليها من اشكال ديني، و اخرى من زاوية الواقع لبيان أن هذه الإمامة؛ إمامة واقعية تحمل المؤهلات الكافية، و ليست إمامة مفترضة أو مدّعاة.

و إذا نظرنا إليها من الزاوية الإسلامية وجدنا ضرورة تمييز مسألة الإمامة أوّلا، هل هي مسألة عقائدية؟أم أنها مسألة تشريعية؟ فإن كانت مسألة عقائدية-كما هو معتقد الشيعة-فإننا نجد القرآن يصرّح بثبوت النبوّة-و هي مسألة عقائدية-للصبي، قال تعالى:

يََا يَحْيى‏ََ خُذِ اَلْكِتََابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا (1) ، و إن كانت مسألة تشريعية، فإن من واضحات الشريعة الاسلامية ثبوت الحجر على الصغير، و من كان محجورا عليه، فاقدا للولاية على نفسه كيف تتاح له الولاية على غيره؟فلا تكون إمامة الصبي مشروعة حينئذ.

و قد اختلف المسلمون في هذه المسألة، فمدرسة المذاهب

____________

ق-كمال الدين: 1/40، مقدمة المصنف، ، الإرشاد: 2/321، إعلام الورى بأعلام الهدى، الفضل بن الحسن الطبري: 357، انظر كذلك كمال الدين: 2/475، باب 43 من شاهد القائم عليه السّلام.

(1) مريم: 12.

45

الأربعة جعلت الخلافة و الإمامة و الولاية من شؤون الشريعة، و أعمال المكلفين، بينما آمنت مدرسة أهل البيت عليهم السّلام بأنها مسألة عقائدية و من جملة اصول الدين التي هي من شؤون رب العالمين، و ليست من خصائص المكلّفين و أعمال العباد. و حينئذ فمدرسة أهل البيت عليهم السّلام حينما تعتقد بالإمامة المبكرة لعدد من الأئمة عليهم السّلام و من جملتهم الإمام المهدي عليه السّلام فهي منسجمة مع نفسها في هذا المضمار، لا يرد عليها اشكال من جهة عقائدية، مادام القرآن يصرّح بالنبوة المبكرة ليحيى عليه السّلام، و لا من جهة تشريعية مادامت المسألة من وجهة نظر أهل البيت عليهم السّلام خارجة عن نطاق التشريع و داخلة في نطاق العقيدة. و أحكام الشريعة في باب الحجر على الصغير تنطبق على المكلّفين و لا تنطبق على اللّه سبحانه و تعالى، لأن الشريعة خطابات إلهية موجهة إلى المكلّفين.

و هكذا يتّضح أن غرضنا من الاستشهاد بنبوة يحيى عليه السّلام هو لبيان أن الإمامة كالنبوة مسألة عقائدية، و أن المسألة العقائدية لا تخضع لمقاييس الناس، بل لا تخضع حتى لمقاييس الشريعة التي جاءت لتنظيم سلوك المكلفين فلا يصح تطبيقها على رب العالمين، فهي- أي نبوة يحيى-تفيدنا أن المسألة العقائدية تتقوم بالدليل و البرهان، فإذا قام البرهان العقائدي على إمامة الصغير فلا بد من الإذعان بها كما أذعنا بنبوة الصغير حينما قام البرهان العقائدي عليها، و حينئذ

46

فلا معنى لما قد يقال من أن الاستشهاد بنبوة يحيى عليه السّلام لا محلّ له، لأنها مذكورة صراحة في القرآن بخلاف المسألة المهدوية.

و من هنا فإن اعتراض ابن حجر الهيثمي و أمثاله على إمامة الإمام المهدي ساقط لا أساس له، حيث كتب و باسلوب غير مناسب يقول: «ثم المقرر في الشريعة المطهرة أن الصغير لا تصح ولايته، فكيف ساغ لهؤلاء الحمقى المغفلين أن يزعموا إمامة من عمره خمس سنين... » (1) .

فقد اتّضح أن هذا ليس من مقررات الشريعة و انما من مقررات فقههم الذي لا يصح لهم الزامنا به.

و إذا نظرنا إليها من زاوية الواقع التاريخي وجدنا أن المهدي عليه السّلام خلف أباه في إمامة المسلمين و هو ابن خمس سنين، و هذا يعني أنه كان إماما بكلّ ما في الإمامة من محتوى فكري و روحي في وقت مبكر جدا من حياته الشريفة.

يقول السيد الشهيد الصدر رضى اللّه عنه في هذا المضمار:

«و الإمامة المبكرة ظاهرة سبقه إليها عدد من آبائه عليهم السّلام، فالإمام محمد بن علي الجواد عليه السّلام تولّى الإمامة و هو في الثامنة من عمره‏ (2) ،

____________

(1) الصواعق المحرقة: 256، دار الكتب العلمية.

(2) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: 253، و الإرشاد للشيخ المفيد: 2/274 و ما بعدها.

47

و الإمام علي بن محمد الهادي تولّى الإمامة و هو في التاسعة (1) من عمره، و الإمام أبو محمد الحسن العسكري‏ (2) والد القائد المنتظر تولّى الإمامة و هو في الثانية و العشرين من عمره، و يلاحظ أن ظاهرة الإمامة المبكرة بلغت ذروتها في الإمام المهدي و الإمام الجواد، و نحن نسميها ظاهرة لأنها كانت بالنسبة إلى عدد من آباء المهدي عليه السّلام تشكل مدلولا حسيّا عمليّا عاشه المسلمون، و وعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل و آخر، و لا يمكن أن نطالب بإثبات لظاهرة من الظواهر أوضح و أقوى من تجربة امّة (3) ، و نوضح ذلك ضمن النقاط التالية:

أ-لم تكن إمامة الإمام من أهل البيت مركزا من مراكز السلطان، و النفوذ التي تنتقل بالوراثة من الأب إلى الابن، و يدعمها النظام الحاكم كإمامة الخلفاء الفاطميين، و خلافة الخلفاء العباسيين، و إنما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحي، و الإقناع الفكري لتلك القواعد بجدارة هذه الإمامة لزعامة

____________

(1 و 2) التتمة في تواريخ الأئمة، السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسسة البعثة-قم، و راجع: الصواعق المحرقه لابن حجر: 312-313، إذ ذكر طرفا من سيرة الإمام و كراماته.

(3) الأرشاد/الشيخ المفيد: 2/281 و ما بعدها، الصواعق المحرقة: 312-313. فقد أوردا قصة المحاورة التي دارت بين الإمام الجواد عليه السّلام و بين يحيى بن أكثم زمن المأمون، و كيف استطاع الإمام عليه السّلام أن يثبت أعلميته و قدرته على إفحامه و هو في تلك السن المبكرة.

48

الإسلام، و قيادته على اسس روحية و فكرية.

ب-إنّ هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الإسلام، و ازدهرت و اتسعت على عهد الإمامين الباقر و الصادق عليهما السّلام، و أصبحت المدرسة التي رعاها هذان الإمامان في داخل هذه القواعد تشكل تيارا فكريا واسعا في العالم الإسلامي، يضم المئات من الفقهاء و المتكلمين و المفسرين و العلماء في مختلف ضروب المعرفة الإسلامية و البشرية المعروفة و قتئذ، حتى قال الحسن بن علي الوشا: إني دخلت مسجد الكوفة فرأيت فيه تسعمائة شيخ‏ (1) كلهم يقولون حدثنا جعفر بن محمد.

ج-إن الشروط التي كانت هذه المدرسة و ما تمثله من قواعد شعبية في المجتمع الإسلامي، تؤمن بها و تتقيد بموجبها في تعيين الإمام و التعرف على كفائته للإمامة، شروط شديدة؛ لأنها تؤمن بأنّ الإمام لا يكون إماما إلاّ إذا كان أعلم علماء عصره‏ (2) .

____________

(1) راجع: المجالس السنيّة، السيد الأمين العاملي: 2/468، و هذه قضية مشهورة تناقلها الخاص و العام. و راجع: صحاح الأخبار، محمد سراج الدين الرفاعي: 44، نقلا عن الإمام الصادق و المذاهب الأربعة، أسد حيدر 1: 55، و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة: 305 «جعفر الصادق، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر صيته في جميع البلدان، و روى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد و ابن جريج و مالك و السفيانين و أبي حنيفة و شعبة و أيوب السختياني... » .

(2) كون الإمام أعلم أهل زمانه أمر متسالم عليه عند الإمامية، راجع: الباب الحادي عشر، -

49

د-إنّ المدرسة و قواعدها الشعبية كانت تقدم تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة؛ لأنها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكل خطا عدائيا، و لو من الناحية الفكرية على الأقل، الأمر الذي أدّى إلى قيام السلطات و قتئذ و باستمرار تقريبا حملات من التصفية و التعذيب، فقتل من قتل، و سجن من سجن، و مات في ظلمات المعتقلات المئات، و هذا يعني أنّ الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت كان يكلّفهم غاليا (1) ، و لم يكن له من الاغراءات سوى ما يحسّ به المعتقد أو يفترضه من التقرب إلى اللّه تعالى و الزلفى عنده.

هـ-إنّ الأئمة الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة لم يكونوا معزولين عنها، و لا متقوقعين في بروج عالية شأن السلاطين مع شعوبهم، و لم يكونوا يحتجبون عنهم إلاّ أن تحجبهم السلطة الحاكمة بسجن أو نفي، و هذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة و المحدثين عن كلّ واحد من الأئمة الأحد عشر، و من خلال

____________

ق-العلاّمة الحلي: 44 هذا و قد عرّضوا لأكثر من إختبار صلوات اللّه و سلامه عليهم لإثبات هذا المدّعى، و نجحوا فيه.

راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: 312، فقد نقل تفصيلا في هذه المسألة عن مسائل يحيى بن أكثم للإمام الجواد عليه السّلام.

(1) إن الإعتقاد بإمامة الأئمة كلّف أتباعهم غاليا، و هذا ثابت تاريخيا، و ليس إلى إنكاره من سبيل، و الشاهد يدل على الغائب أيضا. راجع: مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني.

50

ما نقل من المكاتبات التي كانت تحصل بين الإمام و معاصريه، و ما كان الإمام يقوم به من أسفار من ناحية، و ما كان يبثّه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من ناحيه اخرى، و ما كان قد اعتاده الشيعة من تفقّد أئمتهم و زيارتهم في المدينة المنورة عند ما يؤمون الديار المقدسة من كلّ مكان لأداء فريضة الحج‏ (1) ، كلّ ذلك يفرض تفاعلا مستمرا بدرجة واضحة بين الإمام و قواعده الممتدة في أرجاء العالم الإسلامي بمختلف طبقاتها من العلماء و غيرهم.

و-إن الخلافة المعاصرة للأئمة عليهم السّلام كانت تنظر إليهم و إلى زعامتهم الروحية و الإمامية بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها و مقدّراتها، و على هذا الأساس بذلت كل جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، و تحملت في سبيل ذلك كثيرا من السلبيات، و ظهرت أحيانا بمظاهر القسوة و الطغيان حينما اضطرها تأمين مواقعها إلى ذلك، و كانت حملات الاعتقال و المطاردة مستمرة للأئمة (2)

____________

(1) و قد أوصى الأئمة بذلك أتباعهم كما هو لسان الروايات الكثيرة.

راجع: اصول الكافي: 1/392، كتاب الحجة-باب «إن الواجب على النّاس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسألونه عن معالم دينهم، و يعلمونه ولايتهم و مودتهم له» .

(2) راجع في تاريخ الأئمة عليهم السّلام، و تعرّضهم للاضطهاد و المطاردة و السجن و القتل أحيانا.

أ-الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي.

ب-مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني.

ج-الإرشاد للشيخ المفيد.

51

أنفسهم على الرغم مما يخلّفه ذلك من شعور بالألم أو الاشمئزاز عند المسلمين و للناس الموالين على اختلاف درجاتهم.

إذا أخذنا هذه النقاط الست بعين الاعتبار، و هي حقائق تاريخية لا تقبل الشك، أمكن أن تخرج بنتيجة و هي: أنّ ظاهرة الإمامة المبكرة كانت ظاهرة واقعية و لم تكن و هما من الأوهام؛ لأنّ الإمام الذي يبرز على المسرح و هو صغير فيعلن عن نفسه إماما روحيا و فكريا للمسلمين، و يدين له بالولاء و الإمامة كلّ ذلك التيار الواسع، لا بدّ أن يكون على قدر واضح و ملحوظ بل و كبير من العلم و المعرفة وسعة الافق و التمكن من الفقه و التفسير و العقائد؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته، مع ما تقدم من أنّ الأئمة كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم و للأضواء المختلفة أن تسلّط على حياتهم و موازين شخصيتهم.

فهل ترى أنّ صبيّا يدعو إلى إمامة نفسه و ينصب منها علما للإسلام و هو على مرأى و مسمع جماهير قواعده الشعبية، فتؤمن به و تبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها و حياتها بدون أن تكلّف نفسها اكتشاف حاله، و بدون أن تهزّها ظاهرة هذه الإمامة المبكرة لاستطلاع حقيقة الموقف و تقييم هذا الصبي الإمام؟ (1) و هب إن

____________

(1) إشارة إلى الإمام المهدي عليه السّلام و من قبل إلى الإمام الجواد عليه السّلام مثلا.

52

الناس لم يتحركوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن أن تمرّ المسألة أياما و شهورا بل أعواما دون أن تتكشف الحقيقة على الرغم من التفاعل الطبيعي المستمر بين الصبي الإمام و سائر الناس؟و هل من المعقول أن يكون صبيّا في فكره و علمه حقّا ثمّ لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟

و إذا افترضنا أنّ القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يتح لها أن تكتشف واقع الأمر، فلماذا سكتت الخلافة القائمة و لم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها؟و ما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبي صبيا في فكره و ثقافته كما هو المعهود في الصبيان، و ما كان أنجحه من اسلوب أن تقدم هذا الصبي إلى شيعته و غير شيعته على حقيقته، و تبرهن على عدم كفاءته للإمامة و الزعامة الروحية و الفكرية، فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقدر كبير من ثقافة عصره لتسلّم الإمامة، فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبي اعتيادي مهما كان ذكيا و فطنا للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميون‏ (1) ، و كان هذا أسهل و أيسر من الطرق

____________

(1) أي على أنه يجب أن يكون أفضل الناس، و أعلم الناس كما هو معتقد الإمامية الاثني عشرية.

راجع: حق اليقين في معرفة اصول الدين للسيد عبد اللّه شبر المتوفّى سنة (1242 هـ) :

1/141، المقصد الثالث.

غ

53

المعقدة و أساليب القمع و المجازفة التي انتهجتها السلطات و قتئذ.

إنّ التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة (1) ، هو أنها أدركت أن الإمامة المبكرة ظاهرة حقيقية و ليست شيئا مصطنعا.

و الحقيقة أنها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع، و التاريخ يحدثنا عن محاولات من هذا القبيل و فشلها (2) ، بينما لم يحدثنا إطلاقا عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكرة أو واجه فيه الصبيّ الإمام إحراجا يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه.

و هذا معنى ما قلناه من أن الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت عليهم السّلام و ليست مجرد افتراض، كما أنّ هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها و حالاتها المماثلة في تراث السماء، الذي امتد عبر الرسالات و الزعامات الربّانية.

و يكفي مثالا لظاهرة الإمامة المبكرة في التراث الرباني لأهل البيت عليهم السّلام: يحيى عليه السّلام، إذ قال اللّه سبحانه و تعالى: يََا يَحْيى‏ََ خُذِ

____________

(1) يقصد تقديم الإمام الصبي للاختبار أمام الملأ لإظهار حقيقة الأمر.

(2) قد فعل المأمون ذلك، و انكشف لدى الخاص من العلماء مدى ما يمتلكه الإمام الجواد عليه السّلام من الفقه و العلم. راجع الصواعق المحرقة لابن حجر: 312.

54

اَلْكِتََابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا (1) .

و متى ثبت أنّ الإمامة المبكرة ظاهرة واقعية و متواجدة فعلا في حياة أهل البيت، لم يعد هناك اعتراض فيما يخصّ إمامة المهدي عليه السّلام و خلافته لأبيه و هو صغير (2) » (3) .

____________

(1) مريم: 12.

(2) و قد شاهد خاصة الشيعة الإمام المهدي و اتصلوا به، و أخذوا عنه، كما حصل عن طريق السفراء الأربعة، راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي، البحراني، الإرشاد، الشيخ المفيد: 345، و راجع تفصيلا وافيا في الدفاع عن الكافي، السيد ثامر العميدي: 1/535 و ما بعدها.

(3) بحث حول المهدي، للسيد الشهيد قدّس سرّه: 93-99 بتحقيق الدكتور عبد الجبارة شرارة.