غيبه الامام المهدي عند الامام الصادق عليه السلام

- د. السيد ثامر العميدي المزيد...
326 /
5

مقدّمة المركز

الحمد للّه الواحد الأحد، و صلواته و سلامه على نبينا محمّد، و آله حجج اللّه على العباد إلى الأبد..

أما بعد..

فإن من المسلمات التي تركت بصماتها واضحة في تاريخ الفكر الإسلامي، و بناء حاضره و أثّرت فيه برسم معالم مستقبله؛ هو الاعتقاد الراسخ بإخبار أهل البيت عليهم السّلام جميعا عن الإمام المهدي عليه السّلام قبل ولادته و غيبته، و على هذا فليس البحث في غيبة الإمام المهدي قبل ولادته عليه السّلام تسجيلا حرفيا لقضية من قضايا الماضي، بقدر ما هو وصل بين جزء من تاريخ هذه العقيدة في عصر الإمام الصادق عليه السّلام و التعرف على جذورها في تلك الفترة، و إدراك عمقها و امتدادها في عصور الإسلام؛ و بين تاريخ تحقّقها على صعيد الواقع؛ لما بينهما من ارتباط وثيق.

و لا شكّ أن من يكون حليف القرآن و قرينه-و القرآن فيه تبيان لكل شي‏ء-قادر على أن يوقفنا على ما في ظاهره و باطنه، و يحدّثنا عن غيبة الإمام المهدي قبل ولادته عليه السّلام، كما لو كان معه. «و من غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، و من تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط» ؛ و لهذا قال القاضي ابن أبي ليلى لمّا سأله نوح بن دراج: «أكنت تاركا قولا قلته أو قضاء قضيته لقول أحد؟قال: لا، إلاّ رجل واحد!قلت: من هو؟قال: جعفر بن محمّد» ، ذلك هو إمامنا الصادق عليه السّلام، الحارس الأمين لمنظومة القيم و المفاهيم الإسلامية بنظر الكل، حيث لم يدع مجالا لأحد أن يشوهها أو يحرفها. و من عاش في كبد الحقيقة، لا تكون الاستضاءة بأقواله استضاءة بجزء من الماضي؛ لأن الحقيقة في الحياة ليس لها عمر محدّد، بل تحمل عناصر الخلود و البقاء معها، و كلما دار عليها الزمان تتجدّد؛ و لهذا كانت حركته عليه السّلام و فعله و قوله و تقريره تجسيدا حيّا لحركة الرسالة في خطواتها الفكرية و الروحية و العملية، في مساحات الزمن الماضي و الحاضر و المستقبل؛ إذ امتاز عليه السّلام بواقعية مع الحياة على ضوء الإسلام، فكان غنيا بمفاهيم الرسالة، متمسّكا بمنهجها، دقيقا في فكرها، واضحا في تجسيدها حريصا على لونها، مقتديا بها في ضرورة العلم و العمل و التفكير و التخطيط. و على هذا فلس ما جاء عنه عليه السّلام بحاجة في عرضه إلى أكثر من تجريده عن أيّة أفكار دخيلة عليه أو أقوال مزيفة مكذوبة منسوبة إليه، و لم يعرفها أحد من أصحابه و لم يروها شيعته. و مما علم عنه عليه السّلام و بنحو اليقين، أنّه لم يغادر الحياة شهيدا إلاّ و قد جعل العقيدة بالمهدي عليه السّلام، عميقة الفكر، ثابتة الأساس، متينة الحجّة، واضحة مشخّصة، مع تطويقه سائر الدعايات المضادّة التي عملت و لا زالت تعمل على تشويه تلك العقيدة، حتى أحالها إلى رماد. و من أقواله الثابتة ثبوت الحقيقة، و الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهار؛ تصريحه بهوية الإمام المهدي عليه السّلام، و إمامته، و غيبته، و ظهوره في آخر الزمان؛ بما يمكن معه القول الجازم بأنه‏

6

أراد عليه السّلام تحريك هذه العقيدة في وجدان الأمّة على الدوام؛ لما تمتلكه من فلسفة قادرة على خلق العمل الصالح و تهذيب النفوس بالورع و محاسن الأخلاق، مع التطلّع الجادّ إلى بناء المستقبل، بما يناسب حجم اللقاء بالمهدي عليه السّلام في يومه الموعود. و لكي تدرك-مع هذا-أنها ليست بانتظار فكرة طموحة قابلة للزوال، و إنّما هي بانتظار حقيقة من حقائق الإسلام الكبرى التي لا بدّ و أن تقع في مستقبل تاريخه. و بهذا تستطيع أن تفهم أنّ العقيدة بمهدي مجهول يخلقه اللّه في آخر الزمان!عقيدة لا تثير اليقظة في العقول، و لا تحرّك الوعي في الإحساس و لا تفتح القلوب، شأنها شأن الأفكار الميتة التي قد تأخذ فراغا في الفكر، و لكنها لا تهب الحياة شيئا.

و إذا كانت أساليب الكذب و الافتراء أعجز من أن تقتل فكرة أو تخنق مبدأ، و طرق الغشّ و التضليل أضعف من أن تحجب نور الحقيقة و تهمش دور العقيدة، فإن من الغباء إذن جعل العقيدة بالإمام المهدي عليه السّلام انهزاما عن الواقع و انعزالا عن الحياة، أو هروبا و انسحابا عن مشاكل الأمّة!!هذا في الوقت الذي يسمع فيه نداء أهل البيت عليهم السّلام من عمق التاريخ الإسلامي بضرورة أن يكون انتظار الإمام المهدي عليه السّلام في غيبته محفّزا إيجابيا و دافعا قويا لتحقيق ما أراده اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله في أن يكون بناء الحياة بشكل أفضل.

و هكذا عاشت عقيدتنا بالإمام المهدي عليه السّلام و لا زالت في قلب المعركة معركة الحق و الباطل، و لن يكون غريبا إذن أن يرى المتتبع لهذه العقيدة اتجاهات دخيلة عليها نمت ضمن نطاق إسلامي من طراز خاص يحتضن تلك الاتجاهات تارة، و يغذّيها بتشجيع الزيف و الخداع لأجل أن يتبوّأ أنصاره مكانا واسعا خدمة لفكرة محرّفة و غاية مسمومة، و بدعاية كذوب على أنها نتاج إسلامي موضوعي خالص تارة أخرى؛ تبريرا لما يعتقد من خرافات و أوهام، و من هنا صار دعمها طريقا منتجا لإشاعتها و نشرها في الوسط الإسلامي حيث اتصالها بالحسّ الديني العميق؛ و هكذا فقدت العقيدة بمهدي مجهول-كواحدة من تلك الخرافات-مبررات وجودها؛ إذ لا انسجام لها مع الواقع، و لا مع الحياة، و لا مع المبادي الإسلامية في تلك العقيدة التي أفاض بها هذا الكتاب و حصرها بواحد من أهل البيت عليهم السّلام و هو ملاذ الفقهاء و أستاذ العلماء في عصره، و إمام الأمة في زمانه الصادق عليه السّلام.

و أخيرا فإن هذا الكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارئ إنما هو صفعة قوية بوجه أولئك الذين أنكروا ولادة الإمام المهدي عليه السّلام و كذبوا بغيبته، و لبنة جديدة تضاف إلى صرح الثقافة المهدوية الحقّة، و دليل على الطريق.

و اللّه الهادي إلى سواء السبيل‏

مركز الرسالة

7

المقدّمة

الحمد للّه ربّ العالمين، و صلّى اللّه على نبيّنا محمّد و آله الطيّبين الطاهرين، صلاة زاكية نامية متّصلة متواترة لا غاية لأمدها و لا نهاية لآخرها، و سلّم تسليما كثيرا. و بعد..

فإنّ الحديث عن الإمام المهدي الحجّة ابن الحسن عليهما السّلام خصب الميادين، متعدّد الجوانب، واسع الأطراف، و لا حصر للمؤلفات التي كتبت-شرقا و غربا- حوله، حتى يخال للباحث و هو يرى كثرة المؤلفات و البحوث المعدّة حول هذا الموضوع أنه قد أغلق تماما، و أنّ طرقه من جديد لن يأتي بشي‏ء جديد.

و مع كل هذا قد نبغ في الآونة الأخيرة من يتّهم متكلمي الإمامية في أواخر القرن الثالث و بداية الرابع الهجريين، بأنهم-و لأجل أن يستمر المذهب الاثني عشري بعد وفاة الإمام العسكري بلا عقب-حاولوا ببراعتهم الكلامية اقناع عامة المذهب بولادة الحجّة ابن الحسن الغائب الذي لم يولد بعد!!.

و قد كنت آمل في كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي) -الذي صدر سنة 1417/هـ، و طبع ثلاث مرّات، و ترجم إلى خمس لغات-أن ينبّه على مدارك ذلك الاتهام و يخفّف من غلواء مروّجيه عبر الأقمار الصناعية كلّما اتيحت لهم الفرصة، و لكنهم بقواكما بدأوا!و من هنا وجدت نفسي أمام اختيار صعب، فعدت إليهم مرّة أخرى لأرسم الصورة الواضحة لعمق العقيدة المهدوية في الفكر الشيعي قبل ولادة متكلمي الشيعة-الذين اتهموا باختلاق مفهوم‏

8

الغيبة و الغائب-بأكثر من مائة عام؛ و لهذا جاء البحث محصورا بالغيبة و الغائب عند الإمام الصادق عليه السّلام وحده، فنقول:

عاش الإمام الصادق عليه السّلام في عصرين مختلفين: عصر ضعف الدولة الأموية حتى آلت إلى السقوط سنة 132 هـ على أيدي العباسيين، و عصر انشغال بني العباس في تثبيت أقدامهم بالسلطة. و معنى هذا، أنّ الدولة الأموية في عهد الإمام الصادق عليه السّلام-الذي تولّى الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام الباقر عليهما السّلام سنة (114 هـ) -لم تكن قادرة على ممارسة نفس دورها الإرهابي في الحدّ من نشاط أهل البيت عليهم السّلام كما كانت تمارسه في عهود آبائه عليهم السّلام.

كما أنّ الدولة العباسية لم تعلن إرهابها على الإمام عليه السّلام في بداية حكمها كما أعلنته عليه بعد حين و على الأئمّة المعصومين من أولاده عليهم السّلام فيما بعد، وصولا إلى دورهم البغيض في غيبة آخر الأئمّة الإمام المهدي عليه السّلام.

و من هنا وجد الإمام عليه السّلام الفرصة النسبية سانحة للإنطلاق في أرحب الميادين، و لهذا نجد اسمه الشريف يتردّد على ألسنة المؤرّخين و المحدّثين و المفسّرين و الفلاسفة و المتكلّمين أكثر من سائر الأئمّة الآخرين عليهم السّلام، و لعلّ خير ما يعبّر لنا عن هذه الحقيقة هو الإمام الصادق عليه السّلام نفسه فيما رواه عنه أوثق تلامذته.

فعن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: «كان أبي عليه السّلام يفتي في زمن بني أميّة أنّ ما قتل البازي و الصقر فهو حلال، و كان يتّقيهم، و أنا لا أتّقيهم، و هو حرام ما قتل» (1) .

____________

(1) فروع الكافي/الكليني 6: 208/8 كتاب الصيد، باب صيد البزاة و الصقور، -

9

و نحو هذا ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام أيضا (1) ، و نظيره ما رواه زرارة و أبو عمر الأعجمي عن الإمام الصادق عليه السّلام من المنع عن مسح الخفّين في الوضوء تقيّة و كذلك في النبيذ و متعة الحج‏ (2) .

فهذه النصوص و أمثالها تصوّر لنا بوضوح حالة الانفراج السياسي النسبي الذي عاشه الإمام الصادق عليه السّلام في ظلّ الدولتين.

و قد كانت وظيفة الإمام الصادق عليه السّلام صعبة للغاية، إذ شاهد خطورة الموقف الإسلامي، و عاصر تلوّث المجتمع المسلم بالمفاهيم الدخيلة الوافدة إليه عن طريق الفلسفات الأجنبية التي تسلّلت رويدا إلى ساحته عبر القنوات الكثيرة التي شقّتها حروب العصر الأموي (40-132 هـ) ، و بدايات العصر العباسي الأوّل (132-234 هـ) ، و ما نتج عن هذا و ذاك من نشوء التيّارات الفكرية الخطيرة، و انقسام المسلمين إلى مذاهب و فرق عديدة، مع بروز حركة الزندقة و الإلحاد بفعل تلك الرواسب الثقافية المسمومة، فضلا عن استشراء حالة الفساد الإداري و الخلقي في عاصمة الخلافة-دمشق أوّلا، و بغداد ثانيا- و من ثمّ تصدير الإنحراف إلى شرائح المجتمع من قصور الخلفاء أنفسهم، و يشهد على كلّ هذا ما وصل إلينا من أدب البلاطين في ذينك العصرين، و في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أمثلة لا حصر لها تصوّر لنا حالة البذخ

____________

قو الفقيه/الصدوق 3: 204/932، و التهذيب/الشيخ الطوسي 9: 32/129، و الاستبصار/الشيخ الطوسي 4: 72/265.

(1) فروع الكافي 6: 207/1، من الباب السابق، و التهذيب 9: 32/130، و الاستبصار 4: 72/266.

(2) فروع الكافي 3: 32/2 باب مسح الخفّين من كتاب الطهارة، و 2: 217/2 باب التقية، و المحاسن/البرقي: 259/309، و الخصال/الصدوق 32: 79.

10

الاقتصادي، و الترف الفكري، و التحلّل الخلقي الذي أصاب الأمّة على أيدي حكّامهم و أمرائهم في الدولتين الأموية و العباسيّة.

فليس أمام الإمام الصادق عليه السّلام إذن إلاّ إعادة تشكيل وعي الأمّة من جديد، و تعبئة أكبر ما يمكن من طاقات أفرادها للنهوض بمهمّة التغيير الكبرى، و هو ما استطاع عليه السّلام أن يحقّقه في تلك الفترة القصيرة؛ إذ استطاع و بكلّ جدارة أن يعيد للإسلام قوّته و نظارته، بعد أن أرسى قواعد الفكر الصحيح على أسسه. فوقف كالطود الأشمّ بوجه تلك العواصف الكثيرة التي أوشكت أن تعصف بكلّ شي‏ء من بقايا الحقّ و أهله، و جاهد جهادا علميا عظيما، حتى تمكّن بحكمته و عطائه و علمه و إخلاصه للّه عزّ شأنه و تفانيه في دين جدّه صلّى اللّه عليه و آله أن يصبغ الساحة الفكرية و الثقافية في عصره-بعد أن تدنت بها القيم و الأخلاق-بمعارف الإسلام العظيم، و مفاهيمه الراقية، و استطاع تحويل تلك المفاهيم إلى غذاء روحي يومي، فنقلها من الواقع النظري إلى حيّز التطبيق الفعلي مبتدأ ذلك بروّاد مدرسته العظيمة التي كانت تضمّ ما يزيد على أربعة آلاف رجل، و كلّهم من تلامذته، حتى صاروا مشاعل نور أضاءت لكلّ ذي عينين من أفراد الأمّة ما أظلمّ عليه.

و هكذا استمرّت مدرسة الإمام الصادق عليه السّلام في أداء رسالتها يغذّيها-من بعده-الأئمّة من ولده عليهم السّلام بفيض من علم النبوّة و نور الولاية، و لم يخب ضوؤها بتعاقب الزمان و تجدّد الملوان، و يشهد لخلودها و اتّساعها أنّك واجد في كلّ عصر قطبا من أقطابها يشار له بالبنان، و تشدّ إليه الرحال من كلّ فجّ عميق.

و ما كان هذا ليتمّ بسهولة لو لا الجهاد العلمي الحثيث المتواصل الذي بذله الإمام الصادق عليه السّلام حتى اكتسب الواقع الثقافي الإسلامي بفضل مدرسته‏

11

المباركة مناعة قويّة ضدّ وباء الانحراف، ذلك الوباء الذي كان ضاربا أطنابه على مرافق عديدة من الفكر الإسلامي، فضلا عمّا تركه من تشويش و تضادّ في جزئيّات العقيدة، ناهيك عمّا أصاب (الإمامة) من تداعيات خطيرة في المجتمع المسلم، حتى أبيحت وضح النهار لكلّ جبّار عنيد، و صار كلّ من غلب بحدّ السيف إماما مفروض الطاعة!هذا في الوقت الذي صحّ فيه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله برواية الفريقين أنّه قال: «الخلفاء إثنا عشر كلّهم من قريش» (1) ، و صحّ أيضا قوله صلّى اللّه عليه و آله: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة» (2) ، كما تواتر عنه صلّى اللّه عليه و آله حديث الثقلين الذي جعل الكتاب و عترته أهل بيته صنوين متلازمين ما بقيت الدنيا، و عاصمين من الضلالة لكلّ من تمسّك بهما، و إنهما لن يفترقا

____________

(1) صحيح البخاري 4: 164 باب الاستخلاف من كتاب الأحكام، و صحيح مسلم 2: 119 باب الناس تبع لقريش من كتاب الإمارة أخرجه من تسعة طرق، و مسند أحمد 5: 90 و 93 و 97 و 100 و 106 و 107. و إكمال الدين/الشيخ الصدوق 1: 270/16 و 1: 272/19، و الخصال/الشيخ الصدوق 2: 469 و 475.

(2) أصول الكافي 1: 303/5، و 1: 308/1، 2، 3 و 1: 378/2، و روضة الكافي 8: 29/123، و الإمامة و التبصرة من الحيرة/الصدوق الأوّل 219/69 و 70 و 71، و قرب الإسناد/الحميري: 351/1260، و بصائر الدرجات/الصفار:

259 و 509 و 510، و إكمال الدين 2: 412-413/10 و 11 و 12 و 15 باب 39، و رجال الكشي في ترجمة سالم بن أبي حفصة: 235/رقم الترجمة (428) .

و نحوه في صحيح البخاري 5: 13 باب الفتن، و صحيح مسلم 6: 21-22/ 1849، و مسند أحمد 2: 83 و 3: 446 و 4: 96، و المعجم الكبير/الطبراني 10:

350/10687، و مسند الطيالسي: 259، و مستدرك الحاكم 1: 77، و سنن البيهقي 8: 156 و 157.

غ

12

حتى يردا على النبي صلّى اللّه عليه و آله الحوض‏ (1) .

و هكذا تعيّن المقصود بالاثني عشر، و اتضح المعنى بإمام زمان كلّ جيل من أجيال الأمّة بما لا يحتاج معه إلى مزيد تأمّل أو تفكير.

و في الصحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: «سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي) من العترة؟فقال عليه السّلام: أنا، و الحسن، و الحسين، و الأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم، لا يفارقون كتاب اللّه عزّ و جلّ و لا يفارقهم حتى يردوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حوضه» (2) .

و لو لم يكن الأمر كما قلناه لجعل صلّى اللّه عليه و آله مناط الاعتصام من الضلالة بطاعة من و صل إلى السلطة و قاد المسلمين طوعا أو كرها. و أمّا أن تكون النجاة بالتمسّك بالثقلين دون غيرهما بمنطوق الحديث و مفهومه، فالعقل يأبى أن يكون الإمام القدوة غير المنجي من الضلالة.

و في هذا البحث مقطع قصير من مقاطع الإمامة، بل مفصل خطير من مفاصلها و هو «غيبة الإمام المهدي عند الإمام الصادق عليهما السّلام» ، و نظرا لاتّصال

____________

(1) سيأتي تخريج حديث الثقلين الشريف في الفصل الثاني من الباب الأول في هذا البحث.

(2) رواه الفضل بن شاذان في إثبات الرجعة كما في مختصره: 208/6، عن ابن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الإمام الصادق عليه السّلام. و أخرجه الصدوق بسند صحيح، عن ابن أبي عمير، عن غياث، عنه عليه السّلام. إكمال الدين 1: 240-241/ 64 باب 22، و عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1: 60/55، و معاني الأخبار: 90/4 باب معنى الثقلين و العترة.

13

هذا الموضوع الحسّاس اتّصالا وثيقا بحياتنا المعاصرة فكرا و سلوكا و عقيدة، ارتأيت أن أبحث هذا الموضوع عند الإمام الصادق عليه السّلام لنرى كيف طرح الإمام الصادق عليه السّلام موضوع غيبة الإمام عليه السّلام؟و إذا كان هناك ما يوضّح لنا هويّة الإمام الغائب المنتظر بلا لبس أو إبهام، فهل وجد مثله في فكر الإمام الصادق عليه السّلام؟أو أنّه طرح موضوع الغيبة مجرّدا عن هويّة الغائب و ترك علامات استفهام حول اسمه و نسبه الشريف؟

لقد حرص الإمام الصادق عليه السّلام على إشاعة مفهوم غيبة الإمام المهدي المنتظر عليه السّلام، و بثّ الفكر المهدوي الأصيل في وجدان الأمة التي اختلط عليها الحابل بالنابل، و امتزج عندها الحقّ بأضغاث الباطل نتيجة لما لحق هذا الفكر من تضادّ و تشويش أدّيا إلى ظهور دعاوى المهدوية الباطلة التي حاولت الالتفاف على الحقيقة المهدوية الناصعة.

و من هنا قام الإمام الصادق عليه السّلام بتهيئة الأجواء العلميّة لفهم الغيبة و معرفة من هو المهدي الذي سيغيب، و ذلك من خلال اتخاذ الخطوات الآتية:

تتمثّل الخطوة الأولى بدعم العقيدة المهدوية و إرجاعها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الذي أكّدها بأقوى ما يمكن حتى تواترت عنه صلّى اللّه عليه و آله، ثمّ بيان الإمام عليه السّلام حكم من أنكرها.

و تتمثّل الخطوة الثانية بترسيخ القواعد الكاشفة عن هوية الإمام المهدي عليه السّلام من دون الخوض في تفاصيل الهوية الشريفة.

و انحصرت الخطوة الثالثة في مجال تشخيص هوية الإمام الغائب عليه السّلام و كيفية الانتفاع به في غيبته.

14

و هكذا يسّر الإمام الصادق عليه السّلام السبل الكفيلة لمعرفة الإمام الغائب قبل ولادته بعشرات السنين، و هو ما تكفّل به الباب الأول من البحث، و ذلك في ثلاثة فصول عالجت الخطوات الثلاث المذكورة على الترتيب.

و أما عن مفهوم الغيبة فقد احتضنه الإمام الصادق عليه السّلام و أولاه أهمية خاصة، و هو ما تكفّل به الباب الثاني في فصول أربعة.

تناولت: العناية بالغيبة و بيان معطياتها، و تأكيد الإمام الصادق عليه السّلام على وقوعها و طولها، و بيان ما مطلوب في زمانها، و أخيرا الكشف عن عللها.

و عقدنا الباب الثالث لنرى من خلاله موقف الإمام الصادق عليه السّلام من دعاوى المهدوية التي أدركها، و عاصر بعضها، أو التي نشأت باطلا بعده و ذلك في خمسة فصول، ردّ فيها الإمام الصادق عليه السّلام على دعاوى الكيسانية و الأموية و الحسنية و العباسية و الناووسية و الواقفية، مع إعطاء القواعد اللازمة و الضوابط العامة المتقنة لمعرفة قيمة أيّة دعوى من هذا القبيل ثم جاء الفصل السادس و الأخير ليكشف عن أجوبة الإمام الصادق عليه السّلام على الشبهات المثارة حول الموضوع؛ الأمر الذي أدّى إلى تعرية جميع المزاعم التاريخية التي حاولت الالتفاف على مفهوم الغيبة، أو هوية الإمام الغائب عليه السّلام سواء تلك التي ظهرت في زمان الإمام الصادق عليه السّلام، أو قبله، أو التي نشأت بعد حين و تلاشت فجأة حيث اتضح الصبح لذي عينين.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين‏

و صلّى اللّه على نبينا و سيّدنا محمّد و آله الهداة الأطهار الميامين.

15

الباب الأول في معرفة الإمام الغائب عليه السّلام قبل ولادته‏

الفصل الأول:

دعم الإمام الصادق عليه السّلام للعقيدة المهدوية و بيان حكم من أنكرها

الفصل الثاني:

ترسيخ الإمام الصادق عليه السّلام للقواعد الكاشفة عن هوية الإمام الغائب‏

الفصل الثالث:

تشخيص الإمام الصادق عليه السّلام لهوية الغائب و كيفية الانتفاع به في غيبته‏

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الفصل الأول دعم الإمام الصادق عليه السّلام للعقيدة المهدوية و بيان حكم من أنكرها

اتّخذ الإمام الصادق عليه السّلام جملة من الأمور اللازمة في مجال التثقيف العقائدي و الفكري الموصل تلقائيا إلى معرفة مفهوم الغيبة و صاحبها، و إدراك هويته من قبل أن يولد بعشرات السنين، و ذلك من خلال تأكيده المباشر على أمرين، و هما:

الأمر الأول-ثبوت أصل العقيدة المهدوية، و دعمها:

من الواضح أنّ الحديث عن الغيبة و الغائب ابتداء، و بيان ما يجب فعله أو تركه في زمان الغيبة، و نحو هذا من الأمور ذات الصلة المباشرة بهذا المفهوم، لا يجدي نفعا ما لا يعلم بأصل العقيدة المهدوية؛ و لهذا أراد الإمام الصادق عليه السّلام تنبيه الأمة على أصل هذه العقيدة، و ذلك من خلال دعمها بما تواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بشأنها، حتى لا يكون هنالك شكّ في الأصل الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هو ما اتّفقت الأمة على نقله.

18

فعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:

«لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا» (1) .

و عن أبي سعيد الخدري قال: «سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول على المنبر:

إنّ المهدي من عترتي من أهل بيتي، يخرج في آخر الزمان، ينزّل اللّه له من السماء قطرها، و يخرج له من الأرض بذرها، فيملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملأها القوم ظلما و جورا» (2) .

و عن أبي سعيد الخدري أيضا، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: «المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا» (3) .

و عن ام سلمة قالت: «سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة» (4) .

و عن حذيفة بن اليمان، قال: «خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فذكّرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بما هو كائن، ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه عزّ و جلّ

____________

(1) كتاب الغيبة/الشيخ الطوسي: 111.

(2) سنن أبي داود 4: 107/4283، و مسند أحمد 1: 99، و مصنف ابن أبي شيبة 15: 198/19494.

(3) سنن أبي داود 4: 107/4385، و مصنف عبد الرزاق 11: 372/20773.

(4) سنن ابن ماجة 2: 1386/4086 باب 34، و سنن أبي داود 4: 107/ 4284، و مستدرك الحاكم 4: 557، و المعجم الكبير/الطبراني 23: 267/ 566.

19

ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان الفارسي رضى اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه من أي ولدك؟قال: من ولدي هذا، و ضرب بيده على الحسين» (1) . و غيرها من الأحاديث الكثيرة الاخرى.

و ممّا يؤيّد عمق الاعتقاد بالمهدي عليه السّلام في الوجود الإسلامي، هو أنّه لا يكاد يخلو كتاب حديثي من كتب المسلمين إلاّ و قد صرّح بهذه الحقيقة الثابتة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثبوتا قطعيا، و يكفي في ذلك أن من أخرج أحاديث المهدي عليه السّلام من محدثي العامة فقط بلغوا زهاء تسعين محدثا، و قد أسندوها إلى أكثر من خمسين صحابيا (2) ، و أما من قال بصحتها أو تواترها فقد بلغوا ثمانية و خمسين عالما من علمائهم فيما تتبّعناه‏ (3) ، و إذا ما علمنا موقف أهل البيت عليهم السّلام، و عرفنا عقيدة شيعتهم بالإمام المهدي عليه السّلام، تيقّنا من حصول إجماع الأمة بكل مذاهبها على ضرورة الاعتقاد بالمهدي عليه السّلام.

و في هذا الصدد توجد أحاديث كثيرة عن الإمام الصادق عليه السّلام في تثبيت أصل القضية المهدوية، و هو ما اتفقت عليه كلمة المسلمين من ظهور رجل في آخر الزمان من ذرية النبي صلّى اللّه عليه و آله يلقب بالمهدي ليملأ الأرض

____________

(1) عقد الدرر: 56 باب 1، و فرائد السمطين 2: 325-326/575 باب 61، و المنار المنيف/ابن القيم 148/339 فصل 50، و كشف الغمة/الإربلي 3:

259.

(2) راجع كتابنا: المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: 26-32.

(3) راجع كتابنا: دفاع عن الكافي 1: 434-405 تحت عنوان: (من قال بصحة أحاديث المهدي عليه السّلام أو تواترها من أهل السنة) .

20

قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، و انه يقتل الدجال و ينزل عيسى بن مريم عليه السّلام لنصرته، و يأتم بصلاته. و يدل عليه:

1-عن معمر بن راشد، عن الإمام الصادق عليه السّلام في حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جاء فيه: «... و من ذرّيتي المهدي، إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته، فقدّمه و صلى خلفه» (1) .

و في هذا الحديث تثبيت واضح لأصل القضية المهدوية، و إشارة مجملة إلى هوية الإمام المهدي بأنه من ذرّية الرسول صلّى اللّه عليه و آله، مع التنبيه على مقامه، بأن عيسى عليه السّلام سيكون-بأمر اللّه-وزيرا للمهدي و ناصرا له في آخر الزمان و أنه يأتم بصلاته.

و حديث نزول عيسى لنصرة الإمام المهدي عليه السّلام أخرجه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة (2) ، و أخرجه مسلم في صحيحه من طرق شتّى عن أبي هريرة أيضا (3) و جابر الأنصاري‏ (4) ، و الترمذي عن أنس‏ (5) ، و أبو نعيم عن عبد اللّه بن عمرو (6) و حذيفة (7) ، و ابن المنذر، عن شهر

____________

(1) أمالي الشيخ الصدوق: 287/320/4 مجلس/39.

(2) صحيح البخاري 4: 204 باب نزول عيسى عليه السّلام.

(3) صحيح مسلم 1: 135/242 و 244 و 245 و 246 باب نزول عيسى عليه السّلام حاكما بشريعة نبينا محمّد صلّى اللّه عليه و آله.

(4) صحيح مسلم 1: 135/247 من الباب السابق.

(5) سنن الترمذي 5: 152/2896.

(6) الحاوي للفتاوى/السيوطي 2: 78.

(7) الحاوي للفتاوى 2: 81.

21

ابن حوشب، عن ام سلمة (1) ، و ابن أبي شيبة، عن ابن سيرين مرسلا (2) .

و لا يقال هنا إنّ تحديد هوية الإمام المهدي عليه السّلام من بين الذرية الطاهرة غير معلوم في حديث الإمام الصادق عليه السّلام، لأنّا لا زلنا في صدد تثبيت أصل القضية المهدوية على لسان الإمام الصادق عليه السّلام، و إثبات هذا الأصل لا يمكن اغفاله، خصوصا و أن في المسلمين من شكّك فيه و أنكره جملة و تفصيلا، و مع هذا فإن في مثبتات الأصل المذكور تشخيصا أعلى لموضوع الهوية كما سيأتي.

جدير ذكره أن كون المهدي من ذرية الرسول صلّى اللّه عليه و آله يعني كونه من ذرية أمير المؤمنين عليه السّلام من فاطمة عليها السّلام، بمعنى أنه لا بدّ و أن يكون إما من ذرية الإمام الحسن السبط، أو من ذرية الإمام الحسين السبط عليهما السّلام لانحصار ذرية الرسول صلّى اللّه عليه و آله بهما و بأولادهما. و من هنا جاءت الأحاديث الأخرى المثبتة لأصل القضية مصرّحة بهذا المعنى.

2-عن أبان بن عثمان، عن الإمام الصادق عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حديث قاله لعلي عليه السّلام: «... كان جبريل عليه السّلام عندي آنفا، و أخبرني أن القائم الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا، من ذريتك، من ولد الحسين» (3) .

3-و عن معاوية بن عمار، عن الإمام الصادق عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

____________

(1) تفسير القمي 1: 158، و انظر: الدر المنثور/السيوطي 2: 734.

(2) المصنّف/ابن أبي شيبة 15: 198/1949.

(3) كتاب الغيبة/النعماني: 247-248/1 باب 14.

22

في حديث آخر: «... إن جبريل عليه السّلام أتاني فأقرأني من ربي السلام، و قال يا محمد... و منكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه، إذا أهبطه اللّه إلى الأرض، من ذرية علي و فاطمة، من ولد الحسين عليه السّلام» (1) .

هذا، و أما ما قد يقال أنّ في بعض الأحاديث ما يثبت كون المهدي حسنيا لا حسينيا، فالجواب باختصار أنه لا يوجد حديث صحيح البتة يثبت هذا المعنى من طرق العامة، و إنما وجد ذلك في حديثين فقط، أرسل الطبري أحدهما (2) و لا حجّة في المرسل، و الآخر رواه أبو داود في سننه، قال: «حدّثت عن هارون بن المغيرة، قال: حدّثنا عمر بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق، قال: قال علي رضي اللّه عنه-و نظر إلى ابنه الحسن-: (إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه النبي صلّى اللّه عليه‏[و آله‏] و سلّم، و سيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّكم، يشبهه في الخلق و لا يشبهه في الخلق) ثمّ ذكر قصّة: يملأ الأرض عدلا» (3) ، انتهى.

و سند الحديث مجهول و منقطع؛ لأنّه قال: «حدّثت» و لم يذكر اسم من حدّثه، فهو مجهول إذن، و هو منقطع أيضا؛ لأنّ أبا إسحاق-و المراد به:

السبيعي-لم تثبت له رواية واحدة سماعا عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام كما صرّح بهذا المنذري في شرح حديث أبي داود (4) ، و قد كان عمره يوم

____________

(1) روضة الكافي/الكليني 8: 42/10.

(2) تهذيب الآثار/الطبري-كما في الحاوي للفتاوى/السيوطي 2: 66.

(3) سنن أبي داود 4: 108/4290.

(4) مختصر سنن أبي داود/المنذري 6: 162/4121.

غ

23

شهادة أمير المؤمنين علي عليه السّلام نحو سبع سنين؛ لأنّه ولد لسنتين بقيتا من زمان عثمان‏ (1) ، هذا فضلا عن اختلاف النقل عن أبي داود، فمنهم من نقله من كتاب السنن و فيه لفظ (الحسين) بدلا من لفظ (الحسن) ، و كذلك وجود أحاديث كثيرة اخرى من طرق العامة تثبت أنه من ولد الحسين عليه السّلام‏ (2) .

و أما الشيعة الإمامية فليس في تراثها المهدوي الزاخر بهوية المهدي عليه السّلام ما يشير-بأدنى عبارة من حديث أو أثر-إلى كون المهدي من ولد الإمام الحسن السبط عليه السّلام.

الأمر الثاني-بيان حكم من أنكر أصل العقيدة المهدوية:

من خلال ما تبيّن في الأمر الأول يتضح جدّا أن إنكار أصل العقيدة المهدوية جملة و تفصيلا هو من قبيل الردّ على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله، و من قبيل الازدراء باجماع هذه الأمة بكلّ فصائلها و تياراتها على قبول أصل العقيدة المهدوية و إن اختلفوا في تفاصيلها.

و قد ورد في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما يبين حكم من أنكر الإمام المهدي عليه السّلام.

فعن جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضى اللّه عنه قال: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من كذّب بالدجّال فقد كفر، و من كذّب بالمهدي فقد كفر» (3) .

____________

(1) تهذيب التهذيب/ابن حجر العسقلاني 8: 56/100.

(2) انظر كتابنا: المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: 62 ففيه بطلان حديث أبي داود من سبعة وجوه.

(3) الروض الانف/السهيلي 2: 431، و عقد الدرر/المقدسي الشافعي: 209، -

24

و هذا ما أكّده علماء المذاهب الأربعة فيما حكاه لنا علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الشهير بالمتقي الهندي الحنفي (ت/975 هـ) ، إذ قال تحت عنوان: «فتاوى علماء العرب من أهل مكة المشرفة في شأن المهدي الموعود في آخر الزمان» إذ ورد عليهم سؤال بهذا الموضوع، قال المتقي:

«و هذه صورة السؤال: اللهم أرنا الحقّ حقّا و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه.

ما يقول السادة العلماء أئمة الدين و هداة المسلمين-أيّدهم اللّه بروح القدس-في طائفة اعتقدوا شخصا من بلاد الهند مات سنة عشر و تسعمائة (1) ببلد من بلاد العجم، يسمى: (فره) أنّه المهديّ الموعود به في آخر الزمان، و أنّ من أنكر هذا المهديّ فقد كفر؟ثمّ حكم من أنكر المهديّ الموعود؟افتونا-رضي اللّه تعالى عنكم» .

قال: «و كان هذا الاستفتاء في سنة اثنتين و خمسين و تسعمائة» (2) .

و قد نقل المتّقي الهندي رحمه اللّه ما أفتى به فقهاء مكّة بشأن السؤال المذكور، مبينا اسم كلّ فقيه منهم، و اسم مذهبه،

____________

قو الحاوي للفتاوى/السيوطي 2: 244، قال: «و أخرج أبو بكر الاسكاف في فوائد الأخبار، عن جابر بن عبد اللّه... ثم ساق الخبر» .

(1) ذكره في أوّل كتاب البرهان فقال في ص 67 منه: «و طائفة من بلاد الهند يعتقدون شخصا شريفا ولد في الهند اسمه: السيد محمد بن سيد خان الجونفوري-رحمه اللّه و له نحو أربعين سنة-أنّه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان» و كتاب البرهان ألّفه كردّ على ضلالة هذه الطائفة.

(2) البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان/المتّقي الهندي: 177.

25

كالآتي:

1-فتوى ابن حجر الهيتمي الشافعي.

2-فتوى الشيخ أحمد أبي السرور بن الصبا الحنفي.

3-فتوى الشيخ محمد بن محمد الخطابي المالكي.

4-فتوى الشيخ يحيى بن محمد الحنبلي.

و سنذكر خلاصة ما ذكر كلّ واحد منهم.

أمّا الفقيه الشافعي:

فقد نصّ على تواتر أحاديث المهديّ ذاكرا علامات خروجه المتواترة و محيلا في ذلك إلى كتابه (القول المختصر في علامات المهديّ المنتظر) .

و قد وضّح أنّ إنكار هذه الطائفة ظهور المهديّ عليه السّلام، إن كان إنكارا للسّنّة رأسا فهم كفار، و يجب قتلهم، و إن كان محض عناد لأئمة الإسلام لا للسّنّة. قال: «فهو يقتضي تعزيرهم البليغ، و إهانتهم بما يراه الحاكم لائقا بعظيم جريمتهم و قبح طريقتهم، و فساد عقيدتهم من حبس، و ضرب، و صفع و غيرها، مما يزجرهم عن هذه القبائح، و يكفّهم عن تلك الفضايح، و يرجعهم إلى الحق رغما على أنوفهم، و يردّهم إلى اعتقاد ما ورد به الشرع ردعا عن كفرهم و إكفارهم.. » (1) .

____________

(1) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: 178-179.

26

و أمّا الفقيه الحنفي:

فقد أفتى ببطلان هذه الدعوى، و قال بحق أصحابها: «و يجب قمعهم أشدّ القمع، وردعهم أشدّ الردع؛ لمخالفة اعتقادهم ما وردت به النصوص الصحيحة و السّنن الصريحة التي تواترت الأخبار بها، و استفاضت بكثرة رواتها من أنّ المهديّ رضى اللّه عنه الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيدنا عيسى على نبينا و عليه السلام» (1) ، ثمّ حكم عليهم بالكفر أيضا.

و أمّا الفقيه المالكي:

فقد أفتى ببطلان دعوى هذه الطائفة أيضا، فقال: «اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميت أنّه المهديّ الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل، للأحاديث الصحيحة الدالّة على صحّة صفة المهدي، و صفة خروجه، و ما يتقدّم بين يدي ذلك من الفتن.. » (2) ثمّ بيّن أنّ اعتقادهم بهذا الرجل بأنّه هو المهديّ و تكفير من خافهم، هو الكفر بعينه، و أفتى بوجوب استتابتهم و رجوعهم إلى الاعتقاد الحق، و إلاّ قتلوا.

و أمّا الفقيه الحنبلي:

فقد قال: «لا ريب في فساد هذا الاعتقاد، لما اشتمل عليه من مخالفة الأحاديث الصحيحة بالعناد. فقد صحّ عنه عليه الصلاة و السلام كما

____________

(1) البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان: 180.

(2) البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان: 181.

27

رواه الثقات، عن الرواة الأثبات، أنّه أخبر بخروج المهديّ في آخر الزمان، و ذكر مقدمات لظهوره، و صفات في ذاته، و أمور تقع في زمانه... » (1) .

و أخيرا طالب حاكم المسلمين «أن يخرج عليهم أحكام المرتدين باستتابتهم ثلاثا، فإن تابوا و إلاّ يضرب أعناقهم بالسيف كي يرتدع أمثالهم من المبتدعين‏[و]يريح اللّه المسلمين منهم أجمعين» (2) .

و مما يؤيد صحة تلك الفتاوى على لسان إمامنا الصادق عليه السّلام الأحاديث الآتية:

1-عن صفوان بن مهران الجمال، عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: «من أقر بجميع الأئمة و جحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء و جحد محمدا صلّى اللّه عليه و آله نبوته... » (3) .

و قد مرّ عن الإمام الصادق عليه السّلام في الإشارة إلى حديث الثقلين ما يوضّح المراد بالأئمة عليهم السّلام، و سيأتي ذلك أيضا.

2-و عن غياث بن إبراهيم، عن الإمام الصادق عليه السّلام، عن آبائه عليهم السّلام، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، قال: «من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني» (4) .

____________

(1) البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان: 182.

(2) البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان: 183.

(3) اكمال الدين/الصدوق 2: 333/1 باب 33.

(4) إكمال الدين 2: 412/8 باب 39.

28

جدير بالذكر أنّ لفظ «القائم» و إن كان وصفا لجميع الأئمة عليهم السّلام، إلاّ أنه ينصرف عند الاطلاق إلى الإمام المهدي عليه السّلام كما هو صريح جميع الروايات.

و مما يؤيّد ذلك و على لسان الإمام الصادق عليه السّلام:

-حديث عبد اللّه بن سنان، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ (1) ؟قال: إمامهم الذي بين أظهرهم، و هو قائم أهل زمانه» (2) .

-و حديث أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و قد سئل عن القائم عليه السّلام، فقال: «كلّنا قائم بأمر اللّه، واحد بعد واحد حتى يجي‏ء صاحب السيف، فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان» (3) .

-و حديث محمّد بن عجلان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: «إذا قام القائم عليه السّلام دعا الناس إلى الإسلام جديدا، و هداهم إلى أمر قد دثر، فضلّ عنه الجمهور، و إنّما سمّي القائم مهديا؛ لأنه يهدي إلى أمر قد ضلّوا عنه، و سمّي بالقائم؛ لقيامه بالحق» (4) .

____________

(1) سورة الإسراء: 17/71.

(2) أصول الكافي 1: 536-537/3 باب إن الائمة عليهم السّلام كلهم قائمون بأمر اللّه تعالى هادون إليه.

(3) أصول الكافي 1: 536/2، و الإرشاد 2: 384

(4) الإرشاد 2: 383، و كشف الغمة 3: 254-255.

29

-هذا، و في حديث الحكم بن أبي نعيم، عن الإمام الباقر عليه السّلام ما يشير بكل وضوح إلى اشتهار وصف الإمام المهدي عليه السّلام بالقائم بين صفوف أصحاب الأئمة عليهم السّلام‏ (1) .

3-و في الصحيح عن علي بن رئاب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، في قول اللّه عزّ و جلّ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ (2) ، قال عليه السّلام: «الآيات: هم الأئمة، و الآية المنتظرة: هو القائم عليه السّلام، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف، و إن آمنت بمن تقدمه من آبائه عليهم السّلام‏ (3) .

و هذا الحديث الصحيح صريح بهلاك منكري الإمام المهدي عليه السّلام في غيبته، ما لم يتداركوا أنفسهم و يتوبوا إلى اللّه عزّ و جلّ قبل انسداد باب التوبة بظهور الإمام المنتظر عليه السّلام. و منه يعلم و هن اعتذار بعض من اتبعوا أهواءهم بأنهم لو أدركوا ظهور الإمام المهدي عليه السّلام لآمنوا به و أسرعوا إلى مبايعته و تصديقه. الأمر الذي يشير إلى ضرورة التصدي إلى تلك الأعذار الواهية و الذرائع الخاوية، و اجتثاث جذورها من الأعماق‏ وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ

____________

(1) أنظر الحديث في أصول الكافي 1: 536/1 من الباب السابق.

(2) سورة الأنعام: 6/158.

(3) إكمال الدين: 18، من المقدمة. و أخرجه الشيخ الصدوق من طريق صحيح آخر، عن علي بن رئاب، عن الإمام الصادق عليه السّلام في إكمال الدين: 30، من المقدمة أيضا.

30

اَلظََّالِمِينَ (1) .

4-و عن غياث أيضا، عن الإمام الصادق عليه السّلام، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال: «من أنكر القائم من ولدي في زمان غيبته مات ميتة جاهلية» (2) .

و يلحظ هنا ذكر الغيبة في تثبيت أصل القضية و في حكم من أنكرها معا، و منه يكتشف عمق مفهوم الغيبة المواكب لأصل القضية.

و من هنا كان الخطر الذي يكمن وراء إنكار الإمام المهدي عليه السّلام عظيما، و النتيجة التي تضمّنتها الأحاديث الثلاثة تتماشى مع روح القرآن الكريم تماما، قال تعالى: أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتََابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (3) فما دام الكلّ من اللّه عزّ و جلّ فلا معنى للتبعيض فيه أصلا، و لهذا فمن آمن بالقرآن الكريم و أنكر سورة واحدة من سوره القصار فقد كفر و خرج عن ملّة الإسلام، فكذلك الحال هنا.

و قد يقال: بأن هذا قياس مع الفارق؛ إذ ليس في القرآن الكريم صحيح و ضعيف، بل هو كلّه من كلام اللّه عزّ و جلّ المنقول إلينا بالتواتر، و الحديث ليس كذلك إذ فيه الصحيح و الضعيف و الموضوع الذي لا أصل له، و من ثمّ فإن الوعيد الشديد المذكور واقع على من أنكر أصل القضية

____________

(1) سورة البقرة: 2/145.

(2) إكمال الدين 2: 412-413/12 باب 39.

(3) سورة البقرة: 2/85.

31

المهدوية، كمن يقول مثلا: (لا مهدي في آخر الزمان) !و حينئذ لا يضرّ الوعيد المذكور بمن آمن بمهدي مجهول يخلقه اللّه في آخر الزمان؛ لأنه إيمان بالأصل المتّفق عليه بين جميع فئات المسلمين و طوائفهم و مذاهبهم.

و الجواب: إن معرفة مقام أهل البيت عليهم السّلام بأنهم الامتداد الطبيعي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أنهم خلفاؤه، و أوصياؤه، و طاعتهم طاعته، و معصيتهم معصيته، و حديثهم حديثه، و قول أيّ منهم حجّة، و أنّ من مات و لم يعرف إمام زمانه منهم مات ميتة جاهلية، كميتة أبي سفيان على الكفر و النفاق، كلّ ذلك يدلّ على أنهم عليهم السّلام كالقرآن الكريم لا يجوز تبعيض الإيمان بهم مطلقا، و يؤيد هذا، أنّ نجاة المسلمين من الضلالة مرهونة باتباع القرآن و العترة معا؛ لأنهما صنوان لا يفترقان عمر الدنيا كما في حديث الثقلين الشريف، و هو حديث متواتر بلا أدنى شبهة، هذا فضلا عن الأحاديث الكثيرة المتواترة في وجوب التمسّك بهم و الردّ إليهم، و الكون معهم، فإنّ ظاهرها إنّ من لم يأخذ منهم أو عمن أخذ منهم، لا يعدّ في العرف طائعا لهم، و لا رادا إليهم، و لا متمسكا بهم، و لا كائنا معهم، و إذا لم يصدق عليه ذلك، لم تصدق عليه صفة الإيمان و إن نطق بالشهادتين و صام و صلّى و أدّى فرائض اللّه كلّها، بل في إسلامه خدش عظيم.

و أمّا عن دعوى التحقيق في تلك الأحاديث لاحتمال أن تكون موضوعة أو ضعيفة، و بالتالي فلا يلزم منها الوعيد المذكور. فهي دعوى غير صحيحة أصلا؛ إذ لا تحتاج المسألة إلى تحقيق ما ورد فيها من أحاديث، بل لو لم يوجد أيّ حديث عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و أهل بيته عليهم السّلام في مثل‏

32

هذا الموضوع أصلا، لكان الاعتقاد بهلاك منكر الإمام المهدي عليه السّلام هو المتعين، لثبوت كونه خاتم الأئمة الاثني عشر عليهم السّلام ثبوتا متواترا.

علما أنّ في هذا الكتاب وحده من الأحاديث المروية عن الإمام الصادق عليه السّلام وحده، ما يكفي لإثبات هذه الحقيقة، فكيف الحال إذن لو أضيف لها ما روي عن أهل البيت عليهم السّلام كافة، لا شكّ أنها ستفوق الحدّ المطلوب في تحقّق التواتر بدرجات.

و من شاء فليرجع إلى أمّهات الكتب المعتمدة المعدّة في هذا الغرض كإكمال الدين للشيخ الصدوق، و كتاب الغيبة للشيخ النعماني، و كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، و غيرها من الكتب المعتبرة الأخرى، التي اشتملت على مئات الأحاديث الواردة في هذا الموضوع.

***غ

33

الفصل الثاني ترسيخ الإمام الصادق عليه السّلام للقواعد الكاشفة عن هوية الإمام الغائب‏

هناك جملة وافرة من الأحاديث النبويّة الشريفة، التي يمكن عدها -و بكل اطمئنان-من القواعد الأساسية التي أصّلتها الشريعة الإسلامية في مقام بيان منزلة و معرفة الأئمة الاثني عشر عليهم السّلام، ابتداء من أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، و انتهاء بالإمام الحجة ابن الحسن العسكري عليهم السّلام، بحيث لو ضمّ بعضها إلى بعض لتكشّفت من خلالها هوية الإمام الغائب، و بصورة لا تحتاج معها إلى أي دليل آخر في مسألة ولادته، و إمامته و غيبته و طول عمره و ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلا و قسطا بعد ما ملئت ظلما و جورا، و هو ما اتّضح لطلائع التشيّع، و آمنوا به قبل ولادة الإمام المهدي عليه السّلام بعشرات السنين، نتيجة لتلك الأخبار التي أفصحت عن كلّ هذا قبل زمان تحقّقه.

و من الطبيعي أن لا يتّفق هذا المنهج القائم على الإيمان بالغيب مع معطيات الفلسفة المادية التي لا تؤمن بالغيب أصلا، و من هنا أصبح الدليل‏

34

المادي في تلك الفلسفة هو الحاكم في مجال العقيدة عند من تأثر بتلك الفلسفة و روّج لها من المستشرقين و غيرهم.

و أمّا في المنظور الإسلامي فيكفي الاعتقاد بالغيب ثبوت الإخبار عنه بالطريق الشرعي، كوجوده في القرآن الكريم، أو في الصحيح من الحديث النبوي الشريف، أو من حديث أهل البيت عليهم السّلام الذين زكّاهم اللّه تعالى، و أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.

و الحديث عن دور الإمام الصادق عليه السّلام في موضوع الثقافة المهدوية بوجه عام، و الغيبة و الغائب بوجه خاص، ينبغي أن لا تغيب عنه المقدمات التي اعتمدها الإمام الصادق عليه السّلام في بناء تلك الثقافة بناء محكما، و ذلك من خلال القيام بترسيخ القواعد اللازمة في ذهنية الأمة، و العمل الدؤوب على نشرها، حتى استطاع عليه السّلام من خلال التأكيد عليها، و بيان مصداقها الخارجي أن يجعل العقيدة بالإمام المهدي و غيبته عليه السّلام-قبل أن يولد بأكثر من مائة عام-من القلاع الشامخة الحصينة التي لا يمكن لأحد تسلّق أسوارها، فضلا عن السطو عليها بهدف النيل منها أو تشويهها، و من تلك القواعد:

القاعدة الاولى:

قاعدة العصمة و المرجعية العلمية و السياسية لأهل البيت عليهم السّلام.

و هذه القاعدة كغيرها من القواعد الأخرى الآتية كانت معروفة من قبل، بفضل ما ورد بشأنها في القرآن الكريم و أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و أهل البيت من آباء الإمام الصادق عليهم السّلام، و لكنها لم تصل مداها الأرحب‏

35

كما ينبغي، بسبب الظرف السياسي الخانق الذي حال دون وصول أهل البيت عليهم السّلام إلى الخلافة بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله مباشرة، و بالتالي حال دون أن تأخذ مفعولها في الوسط الإسلامي.

و من هنا يبرز دور الإمام الصادق عليه السّلام في ترسيخ تلك القواعد بناء على ما ذكرناه سلفا من توفر الانفراج السياسي النسبي الذي حصل له عليه السّلام بعد انهيار دولة البغاة و نشأة امبراطورية الطغاة.

و لسعة ما اعتمده الإمام في التأكيد على هذه القاعدة، فسوف نكتفي بحدود اهتمامه عليه السّلام بحديث الثقلين الشريف، الذي اعتنى به الإمام للغرض المذكور، بعد أن رأى محاولات الالتفاف على هذا الحديث الشريف من قبل السلطات الحاكمة حيث سخّرت له من يصرفه عن مؤدّاه من فقهاء و رواة السلطة و قضاتهم و ولاتهم. الأمر الذي يكشف عن ادراكهم خطورة هذا الحديث على المستويين الثقافي و السياسي معا. و سوف نتحدث عنه تحت عنوان:

حديث الثقلين و أثره في بلورة القاعدة:

أولا-صحة الحديث و بيان تواتره:

جرى الاستدلال على صحّة هذه القاعدة ببيان اصولها من القرآن الكريم و السنة النبوية الثابتة و السيرة الذاتية لأهل البيت عليهم السّلام مع الدليل العقلي، و سنقتصر-كما ذكرنا-على دليل واحد من السنة النبوية و هو حديث الثقلين الشريف، فنقول:

36

إنّ النيل من صحّة حديث الثقلين الشريف لا يجدي نفعا بعد وروده عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من طرق كثيرة جدا و بألفاظ واحدة و متقاربة، توجب تواتره بأبهى صورة.

فقد أخرج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قوله الشريف: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما» (1) .

و أخرجه عن أبي سعيد-من العامّة-: أحمد بن حنبل، و ابن أبي عاصم، و أبو يعلى الموصلي، و ابن الجعد، و ابن سعد، و ابن أبي شيبة، و الطبراني في معاجمه الثلاثة، و الحمويني‏ (2) .

كما أخرجه عن أبي سعيد-من الإمامية-: محمّد بن

____________

(1) سنن الترمذي 5: 662/3786.

(2) مسند أحمد 3: 17 و 26 و 59، و فضائل الصحابة له أيضا 2: 585/990 و 2:

779/1382، و السنّة لابن أبي عاصم 2: 1023-1024/1597 و 1598، و مسند أبي يعلى الموصلي 2: 6/1017، و 2: 8-9/1023، و مسند ابن الجعد 1: 397/2711، و الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 194، و المصنف لابن أبي شيبة 7: 176/27، و معاجم الطبراني الثلاثة: الكبير 3: 65-66/2678 و 2679 و 2679، و الصغير 1: 131 و 135، و الأوسط 4: 262-263/3463 و 4: 328/3566، و فرائد السمطين 2: 144-146/438 و 439 و 440 باب 33.

37

العباس المفسّر، و الشيخ الصدوق، و الشيخ المفيد، و الشيخ الطوسي‏ (1) .

و لم تقتصر رواية حديث الثقلين على أبي سعيد الخدري فحسب، بل رواه آباء الإمام الصادق عليهم السّلام، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و هم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام‏ (2) ، و الإمام الحسن السبط عليه السّلام‏ (3) ، و الإمام الباقر عليه السّلام‏ (4) . كما ورد-فيما بعد-عن الإمامين:

____________

(1) تأويل الآيات الظاهرة للإسترابادي: 616، و إكمال الدين 1: 235/46، و 1:

237-238/54 و 57، و 1: 240/61 باب 22، و معاني الأخبار: 90/1 و 2 باب معنى الثقلين، و الخصال: 65/97، و أمالي الشيخ المفيد: 134/3 مجلس/136، و أمالي الشيخ الطوسي: 255/460 (529) مجلس/9.

(2) أخرجه ابن أبي عاصم فى كتاب السنة 2: 1026، و البزار في مسنده 3: 89/ 864، و الطحاوي في مشكل الآثار 2: 211-212/1900، و الحمويني الشافعي في فرائد السمطين 2: 144/437 باب 33.

و رواه من الإماميّة: الكليني فى اصول الكافي 2: 414/1، و الصدوق في إكمال الدين 1: 235/19 و 1: 237/54 و 1: 239/58 و 1: 240/24 باب 22، و كذلك في عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1: 57/25 باب 6 و 2: 34/40 باب 31، و 2: 68/259، و معاني الأخبار: 9-91/4 و 5، و الشيخ النعماني في كتاب الغيبة: 42.

(3) أخرجه الشيخ المفيد في أماليه: 348/4 مجلس/41، و الشيخ الطوسي في أماليه: 121/188 مجلس/5، و: 691/469 مجلس/39، و الخزاز في كفاية الأثر: 162، و الطبري في بشارة المصطفى: 106.

(4) أخرجه الصفّار في بصائر الدرجات: 413-414/3 و 6 باب 17، وثقة-

38

الكاظم‏ (1) ، و الرضا عليهما السّلام‏ (2) .

و أما حديث الإمام الصادق عليه السّلام فسيأتي في ترسيخ هذه القاعدة.

كما روى حديث الثقلين الشريف عدد من الصحابة، و هم: جابر بن عبد اللّه الأنصاري‏ (3) ، و حذيفة ابن أسيد (4) ، و زيد بن أرقم‏ (5) ،

____________

قالإسلام الكليني في فروع الكافي 3: 422/6 باب تهيئة الإمام للجمعة، و الكشي في رجاله 1: 219/218 في ترجمة ثوير بن أبي فاختة، و الشيخ الصدوق في معاني الأخبار: 58/59، و عماد الدين الطبري في بشارة المصطفى: 12.

(1) أخرجه الشريف الرضي في خصائص الأئمّة: 72.

(2) أخرجه الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1: 228/1 باب 23، و الأمالي: 522/1 مجلس/79.

(3) أخرجه الترمذي في سننه 5: 662-663/3786، و الطبراني في المعجم الكبير 3: 66/2680 و 5: 380/4754، و ابن أبي شيبة في المصنف 7: 175/ 27، و اللالكائي في اعتقاد أهل السنة 1: 81/95.

و أخرجه من الإماميّة: الصفار في بصائر الدرجات: 414/5 باب 17، و الصدوق فى إكمال الدين 1: 236/53 باب 22، و الشيخ الطوسي في أماليه: 516/1131 (38) مجلس/18.

(4) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3: 180-181/3052، و الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 8: 442/4551 في ترجمة زيد بن الحسن الأنماطي، و أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء 1: 355/57 في ترجمة حذيفة بن أسيد.

و أخرجه من الإماميّة: الخزاز في كفاية الأثر: 127، و الصدوق في الخصال:

65/98 من أربعة طرق.

(5) أخرجه مسلم في صحيحه 4: 1492-1493/2408 (36) و (37) ، و ابن‏

39

و زيد بن ثابت الأنصاري‏ (1) ، و جندب بن جنادة أبو ذرّ الغفاري‏ (2) ،

____________

قخزيمة في صحيحه 4: 62-63/2357، و النسائي فى خصائص الإمام علي عليه السّلام:

117-120/79، و أحمد بن حنبل في مسنده 4: 366 و 371، و في فضائل الصحابة أيضا 2: 572/968، و الدارمي في سننه 2: 524/3316، و ابن أبي عاصم في السنة 2: 1022-1023/1595 و 1596، و 2: 1025-1026/ 1599، و ابن أبي شيبة في المصنف 7: 176/27، و الطبراني في المعجم الكبير 5:

166-167/4969 و 4971، و 5: 169-170/4980 و 4981، و 5: 182 -184/5025 و 5027 و 5028، 5: 186/5040، و الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3: 118/4576، و 3: 160-161/4711، و الطحاوي في مشكل الآثار 4: 250-254/3796 و 3797 باب 548، و البيهقي في كتاب الاعتقاد 1: 325، و السنن الكبرى أيضا 10: 113-114، و الخوارزمي الحنفي في المناقب: 154 و 182، و الرافعي في التدوين في أخبار قزوين 3: 465/52.

و أخرجه من الإماميّة: الصدوق فى إكمال الدين 1: 234/44 و 45، و 1: 237- 240/54 و 55 و 56 و 62 باب 22 من ستة طرق.

(1) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 5: 190، و في فضائل الصحابة له أيضا 2:

786، و ابن أبي عاصم في السنة 1: 509/772، و 2: 1021/1593، و ابن أبي شيبة في المصنف 7: 418/41، و الطبراني في المعجم الكبير 5: 153-154/ 4921 و 4922 و 4923، و الحمويني في فرائد السمطين 2: 144/437 باب 33.

و أخرجه من الإماميّة: ابن شاذان فى مائة منقبة: 161/86، و الصدوق فى إكمال الدين 1: 236/52 باب 22، و 1: 239/60 باب 22، و الأمالي: 500/686 (15) مجلس/64.

(2) أخرجه علي بن إبراهيم في تفسيره 1: 109 في تفسير سورة آل عمران، -

40

و أبو هريرة (1) ، و أم سلمة (2) ، و البراء بن عازب‏ (3) ، و حذيفة بن اليمان‏ (4) ، و عبد اللّه ابن عباس‏ (5) ، و عمر بن الخطاب‏ (6) .

ثانيا-من صحّح الحديث من العلماء:

من الواضح أنّ اتفاق الصحابة-الذين سبق ذكرهم-على رواية حديث الثقلين الشريف بلفظ: «كتاب اللّه و عترتي... » ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوجب تواتره، و إذا ما أضيف إلى ذلك موقف أهل البيت من هذا الحديث علم تواتره بأبهى صورة. على أنّهم صرّحوا بحسن الكثير من طرقه تارة، و صحّتها اخرى. و لو جمعت طرق الحديث تلك لكانت وحدها دليلا كافيا على تواتر الحديث. و إليك جملة يسيرة بأسماء من قال بحسن الحديث أو صحّته، و هم:

محمد بن إسحاق (ت/150 هـ) (7) ، و محمّد بن عيسى الترمذي

____________

قو الشيخ الصدوق في إكمال الدين 1: 236-239/52 و 59 و 60 باب 22، و الخصال 2: 457/2، و الأمالي: 500/686 (15) مجلس/64.

(1) أخرجه الخزاز القمّي في كفاية الأثر: 87.

(2) أخرجه الشيخ الطوسي في أماليه: 478/1045 (14) مجلس/17.

(3) أخرجه عماد الدين الطبري في بشارة المصطفى: 136.

(4) أخرجه الخزاز في كفاية الأثر: 136، و السيد ابن طاوس في إقبال الأعمال: 454.

(5) أخرجه الشيخ الصدوق في أماليه: 64/11 مجلس/15، و الشيخ المفيد في أماليه: 45-47/6 مجلس/6، و ابن شاذان القمّي في مائة منقبة: 143/75.

(6) أخرجه الخزاز في كفاية الأثر: 91.

(7) لسان العرب/ابن منظور 4: 538 (عتر) .

41

(ت/297 هـ) (1) ، و يحيى بن زكريا الحافظ النيسابوري (ت/307 هـ) (2) ، و محمّد بن جرير بن رستم الطبري المفسّر العامي (ت/310 هـ) (3) ، و أبو بكر محمد بن إسحاق السلمي المعروف بابن خزيمة (ت/311 هـ) (4) ، و أحمد بن محمّد بن عقدة الزيدي الجارودي الحافظ (ت/333 هـ) و هو من المعتقدين بتواتر الحديث؛ إذ أخرجه عن أكثر من مائة من الصحابة و بطرق شتّى في كتاب الولاية كما صرّح بهذا السيد ابن طاوس‏ (5) .

و الأزهري اللغوي المشهور (ت/370 هـ) (6) ، و الحاكم النيسابوري (ت/405 هـ) (7) ، و أبو سعيد السجزي (ت/477 هـ) و هو من المعتقدين بتواتر الحديث؛ إذ أخرجه من طرق شتّى‏ (8) ، و البغوي (ت/510 هـ) (9) ،

____________

(1) سنن الترمذي 5: 662-663/3786 باب مناقب أهل البيت عليهم السّلام.

(2) الفوائد المنتقاة و الغرائب الحسان عن الشيوخ الكوفيين/محمد بن علي الصوري: 73.

(3) كنز العمّال 1: 379/1650.

(4) راجع: صحيح ابن خزيمة 1: 3 من المقدمة.

(5) انظر: الاقبال/السيد ابن طاوس 2: 239-240.

(6) تهذيب اللغة/الأزهري 2: 157 (عتر) .

(7) مستدرك الحاكم 3: 118/4567 كتاب معرفة الصحابة-ذكر مقتل عثمان، و 3: 160-161/4711، و 3: 613/6272.

(8) الاقبال/السيد ابن طاوس 2: 239 الفصل 2.

(9) مصابيح السنّة/البغوي 4: 185/4800، و 4: 189/4816 باب مناقب أهل البيت عليهم السّلام، و شرح السنّة/البغوي 14: 117/3913 و 14: 118/ 3914.

42

و سبط ابن الجوزي (ت/694 هـ) (1) ، و ابن منظور (ت/711 هـ) (2) ، و المزي (ت/742 هـ) (3) ، و الذهبي (ت/748 هـ) (4) ، و ابن كثير الدمشقي (ت/774 هـ) (5) ، و المحاملي في أماليه على ما سيأتي عن السيوطي، و نور الدين الهيثمي (ت/807 هـ) (6) ، و البوصيري (ت/840 هـ) (7) ، و ابن حجر العسقلاني (ت/852 هـ) (8) ، و السخاوي (ت/902 هـ) و هو من المعتقدين بتواتر الحديث إذ أخرجه من طرق كثيرة صحّح الكثير منها (9) ، و السيوطي (ت/911 هـ) و هو من المعتقدين بتواتره أيضا كما يظهر من كثرة طرقه، و قد صحّح بعضها، و أشار إلى تصحيح من سبقه لها كالمحاملي و غيره‏ (10) ، و السمهودي (ت/911 هـ) و هو من المعتقدين بتواتره أيضا كما

____________

(1) تذكرة الخواص/سبط بن الجوزي: 290.

(2) لسان العرب/ابن منظور 4: 538 (عتر) .

(3) تحفة الأشراف/المزي 3: 193/3659.

(4) تلخيص المستدرك/الذهبي 3: 533 (مطبوع بهامش مستدرك الحاكم) .

(5) السيرة النبوية/ابن كثير 4: 168، و تفسير القرآن العظيم/ابن كثير 7: 185 في تفسير الآية (23) من سورة الشورى المباركة، و البداية و النهاية/ابن كثير أيضا 5: 228-229، و 5: 231.

(6) مجمع الزوائد/الهيثمي 1: 170، و 9: 162-163.

(7) مختصر اتحاف السادة المهرة/البوصيري 8: 461، و 9: 194.

(8) المطالب العالية/ابن حجر العسقلاني 4: 65/3972.

(9) استجلاب ارتقاء الغرف/السخاوي: 88-122 بعنوان: «حديث الثقلين» .

(10) مسند الإمام علي عليه السّلام/السيوطي: 192/605، و جامع الأحاديث/-

43

يظهر بوضوح من طرقه لديه مع تصحيحه لكثير من تلك الطرق‏ (1) ، و محمد بن يوسف الشامي (ت/942 هـ) (2) ، و ابن حجر الهيتمي (ت/974 هـ) و هو من المعتقدين بتواتر الحديث، و له كلام طويل في تصحيح جملة وافرة من طرقه‏ (3) ، و عبد الرؤوف محمد بن علي المناوي (ت/1031 هـ) (4) ، و علي بن برهان الدين الحلبي (ت/1044 هـ) (5) ، و محمد بن معتمد خان الحارثي المعروف بالبدخشاني (ت/1126 هـ) (6) ، و محمد بن محمد بن معين المعروف بالسندي (ت/1161 هـ) (7) ، و الزبيدي الحنفي (ت/1205 هـ) (8) ، و الحسين بن أحمد الصنعناني (ت/1221 هـ) (9) ، و القندوزي الحنفي (ت/1270 هـ) و هو من المعتقدين بتواتر الحديث؛ إذ

____________

قالسيوطي 16: 255/7863، و الخصائص الكبرى/السيوطي 2: 466، و الدر المنثور/السيوطي أيضا 5: 702 في تفسير الآية (23) من سورة الشورى المباركة.

(1) جواهر العقدين/السمهودي: 231 و 232 و 234 و 236 و 238 و 246 و قال في هذا المورد الأخير: «و هو كثير الطرق جدا و قد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، و كثير من أسانيدها صحاح و حسان» .

(2) سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد/محمد بن يوسف الشامي 11: 6.

(3) الصواعق المحرقة/ابن حجر الهيتمي: 42 و 43 و 44 و 145 و 149 و 150 و 228.

(4) فيض القدير شرح الجامع الصغير/المناوي 2: 174/1608.

(5) السيرة الحلبية/الحلبي 3: 384.

(6) نزل الأبرار بما صحّ من مناقب أهل البيت الأطهار/البدخشاني: 33.

(7) دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب/السندي: 233.

(8) اتحاف السادة المتقين/الزبيدي 14: 534.

(9) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير/الصنعاني 1: 39.

44

أخرجه من طرق كثيرة جدا صحح معظمها (1) ، و الآلوسي المفسّر الوهابي (ت/1270 هـ) فقد صحح الحديث و قال معقّبا بعد التصحيح، إنّه: «يقتضي أن النساء المطهّرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثقلين» (2) .

و صحّحه جمال الدين القاسمي (ت/1332 هـ) (3) .

و صحّحه محمود شكري الآلوسي (ت/1342 هـ) مصرّحا بأنّ من خالف الثقلين فهو ضالّ، و مذهبه باطل و فاسد لا يعبأ به، و من جحد بهما فقد غوى، و وقع في مهاوى الردى‏ (4) ، و للّه درّ القائل: و الحقّ ينطق منصفا و عنيدا.

و صحّحه-كذلك-المولوي حسن زمان (من أعلام القرن الرابع عشر الهجري) (5) ، و الألباني الوهّابي (ت/1413 هـ) (6) .

و إذا ما لوحظ بأن مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت/261 هـ) قد أخرج الحديث في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري كما تقدّم، و إنّ علماء

____________

(1) ينابيع المودة 1: 120/44 و 45، و 1: 121/48، 2: 432/191، و غيرها.

(2) روح المعاني/الآلوسي الوهّابي 11: 197 في تفسير الآية (33) من سورة الأحزاب المباركة.

____________

(3) محاسن التأويل/القاسمي 14: 307.

(4) مختصر التحفة الإثني عشرية/محمود شكري الآلوسي: 52.

(5) القول المستحسن في فخر الحسن/المولوي حسن زمان: 594.

(6) صحيح الجامع الصغير/الألباني الوهّابي 1: 286/1351، و 1: 482/ 2457 و 2458، و سلسلة الأحاديث الصحيحة/الألباني الوهّابي أيضا، رقم الحديث (1761) .

45

العامّة مطبقون على صحة هذا الكتاب، فلا معنى إذن للاكثار من أسماء علمائهم الذين صحّحوا الحديث.

و يدلّ على ذلك أقوالهم الآتية:
1-قال العيني في عمدة القاري: «اتفق علماء الغرب و الشرق على أنه ليس بعد كتاب اللّه تعالى أصح من صحيحي البخاري و مسلم» (1) .

2-و قال الكشميري الديوبندي في فيض الساري: «و اعلم أنه انعقد الإجماع على صحة البخاري و مسلم» (2) .

3-و قال حاج خليفة في كشف الظنون: «إنّ السلف و الخلف قد أطبقوا على أن أصحّ الكتب بعد كتاب اللّه سبحانه و تعالى، صحيح البخاري ثم صحيح مسلم» (3) .

4-و كان أبو علي النيسابوري يرى: «أنّه ما من شي‏ء تحت أديم السماء إلاّ و صحيح مسلم أصحّ منه» (4) .

5-و ذهب الذهبي، و السرخسي، و ابن تيمية، و عمر بن الصلاح الشهرزوري، و الحميدي، و ابن طاهر، و أبو إسحاق الشيرازي، و القاضي عبد الوهّاب المالكي، إلى القول بأنّ ما وجد في الصحيحين يفيد القطع!! و احتجّوا بالإجماع على قبوله، و جزم السيوطي بأن القطع هو

____________

(1) عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري/العيني 1: 5.

(2) فيض الساري على صحيح البخاري/الكشميري الديوبندي 1: 57.

(3) كشف الظنون/حاج خليفة 1: 641.

(4) وفيات الأعيان/ابن خلكان 4: 208.

46

الصواب!! (1) .

هذه هي رتبة حديث الثقلين الشريف بلفظ: «كتاب اللّه و عترتي... » عند علماء العامّة، و بهذا تعلم قيمة إعراض البخاري في صحيحه عن رواية هذا الحديث، و قيمة الشبهات التي أثارها و يثيرها بعض الجهلة من هنا و هناك بشأن صحة هذا الحديث تارة أو دلالته تارة أخرى‏ (2) .

ثالثا-علم الصحابة بالمعنيين بحديث الثقلين:

إنّ العودة السريعة إلى أزمان صدور الحديث‏ (3) تؤكد لنا أهمية حديث الثقلين (القرآن و العترة) ، و قيمة إرجاع الأمّة فيه إلى العترة لأخذ الدين الحقّ عنهم، و تزداد أهميته كثيرا بالوقوف على أسباب التأكيد عليه في مناسبات مختلفة ونوب متفرّقة؛ منها في يوم الغدير، و آخرها في

____________

(1) شرح الزرقاني على المنظومة البيقونية لأبي الفتوح البيقوني: 57-59، القسم الأول (الحديث الصحيح) ، و فيض الساري 1: 57.

(2) راجع: حديث الثقلين/السيد علي الحسيني الميلاني. (كتبه ردّا على بعض من تخرّص باطلا بشأن حديث الثقلين الشريف) .

(3) الثابت هو أن حديث الثقلين الشريف قد أكّده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على امّته في أكثر من مكان و زمان؛ فمرّة في حجة الوداع كما في حديث جابر، و اخرى عند منصرفه من الطائف كما في حديث عبد الرحمن بن عوف، و ثالثة في الجحفة قرب غدير خم كما في حديث زيد بن أرقم و غيره، و رابعة في مرض موته صلّى اللّه عليه و آله كما في حديث ام سلمة و قد امتلأت الحجرة من أصحابه، و خامسة في المسجد النبوي الشريف قبل وفاته صلّى اللّه عليه و آله بيومين أو ثلاثة، و غيرها كما يتضح من مراجعة مصادر الحديث السابقة.

47

مرضه صلّى اللّه عليه و آله الأخير.

هذا فضلا عن تأكيده صلّى اللّه عليه و آله المستمر على الاقتداء بعترته أهل بيته، و الاهتداء بهديهم، و التحذير من مخالفتهم، و ذلك بجعلهم: تارة كسفن للنجاة، و أخرى أمانا للأمّة، و ثالثة كباب حطّة.

و في الواقع لم يكن الصحابة بحاجة إلى سؤال و استفسار من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لتشخيص المراد بأهل البيت، و هم يرونه و قد خرج للمباهلة و ليس معه غير أصحاب الكساء و هو يقول: «اللّهم هؤلاء أهلي» و هم من أكبر الناس معرفة بخصائص هذا الكلام، و إدراكا لما ينطوي عليه من قصر و اختصاص.

خصوصا و قد علموا كيف جذب صلّى اللّه عليه و آله طرف الكساء من يد ام سلمة و منعها من الدخول مع أهل بيته قائلا لها «إنك إلى خير» (1) .

و شاهدوه أيضا و هو يقف صلّى اللّه عليه و آله على باب فاطمة عليها السّلام صباح كل يوم و لمدة تسعة أشهر و هو يقرأ: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2) (3) .

____________

(1) تفسير الطبري 22: 5-7، و الجامع لأحكام القرآن/القرطبي المالكي 14:

182، و تفسير ابن كثير 3: 492، و الدر المنثور/السيوطي 3: 603-604، و فتح الغدير/الشوكاني 4: 279 كلهم في تفسير آية التطهير، و انظر: سنن الترمذي 5: 699/3871 و مستدرك الحاكم 2: 426.

(2) سورة الأحزاب: 33/33.

(3) راجع: الأحاديث الواردة في وقوف النبي صلّى اللّه عليه و آله على باب فاطمة عليها السّلام و هو يقرأ آية التطهير في تفسير الطبري 22: 6.

48

و كلّ هذا يكفي لمن شاهد ذلك أو سمع به من الصحابة لأن يعرف من هم أهل البيت عليهم السّلام، و أما ما يقال بأن معرفة الصحابة بأهل البيت كانت مقتصرة على أصحاب الكساء عليهم السّلام، في حين أشار الحديث إلى استمرار وجودهم مع القرآن ليكونا لمن تمسّك بهما عاصمين من الضلالة إلى يوم القيامة، و هذا يبرر لهم السؤال عمّن سيأتي بعد أصحاب الكساء عليهم السّلام من أهل البيت لكي تعرف الأمة أسماءهم و لا يشتبه أحد بهم.

و الجواب: إن حاجة الصحابة و الأجيال اللاحقة فيما بعد ليس أكثر من تشخيص أوّلهم ليكون المرجع للقيام بمهمّته بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى يأخذ دوره في عصمة الأمّة من الضلالة، و هو بدوره مسؤول عن تعيين من يليه في هذه المهمّة، و هكذا حتى يرد آخر عاصم من الضلالة مع القرآن على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الحوض.

و إذا علمت أنّ عليّا عليه السّلام قد تعيّن بنصوص لا تحصى، و منها: في حديث الثقلين نفسه، فليس من الضروري إذن أن يتولّى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بنفسه تعيين من يلي أمر الأمّة باسمه في كلّ عصر و جيل، إن لم نقل إنّه غير طبيعي لو لا أن تقتضيه بعض الاعتبارات‏ (1) .

فالمقياس إذن في معرفة إمام كلّ عصر و جيل: إمّا أن يكون بتعيينهم دفعة واحدة، أو بنصّ السابق على إمامة اللاحق و هو المقياس الطبيعي المألوف الذي دأبت عليه الأنبياء و الأوصياء عليهم السّلام، و عرفته البشرية في سياساتها منذ أقدم العصور و إلى يوم الناس هذا.

____________

(1) راجع: الأصول العامة للفقه المقارن/السيّد محمّد تقي الحكيم: 175.

49

و مع هذا فإن الصحابة لم يكونوا على جهل تام بهوية من سيأتي بعد أصحاب الكساء عليهم السّلام، إذ علموا مسبقا بعدد الأئمة بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و هم اثنا عشر على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما سيأتي في القاعدة الرابعة، و فيهم من علم أسماءهم عليهم السّلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مباشرة كجابر بن عبد اللّه الأنصاري‏ (1) ، و ابن عباس‏ (2) و سلمان الفارسي رضى اللّه عنه‏ (3) ، هذا فضلا عمن علم منهم بانحدار بقية أهل البيت من صلب الإمام الحسين عليه السّلام، و إن عددهم لا يزيد و لا ينقص عن تسعة، و إن تاسعهم هو المهدي الموعود، و من جملة من علم ذلك، أبو سعيد الخدري، و أبو أيوب الأنصاري، و علي الهلالي، و غيرهم كثير (4) .

و إذا ما عدنا إلى واقع أهل البيت عليهم السّلام نجد النصّ قد توفّر على إمامتهم بكلا طريقيه: النصّ المستطيل الشامل، و تعيين السابق للاحق، و من سبر الواقع التاريخي لسلوكهم علم يقينا بأنّهم ادّعوا لأنفسهم

____________

(1) اصول الكافي 1: 532/9 باب 126، و إكمال الدين 1: 313/4 باب 28، و ينابيع المودة 3: 170 باب 94.

(2) ينابيع المودة 3: 162 باب 94 و 2: 83 المودة العاشرة (في عدد الأئمّة، و إنّ المهدي منهم عليهم السّلام) .

(3) أصول الكافي 1: 525/1 باب 126.

(4) انظر: البيان في أخبار صاحب الزمان/الكنجي الشافعي: 501-502، و الفصول المهمة/ابن الصباغ المالكي: 295-296 فصل 120، و ينابيع المودة/ القندوزي الحنفي 3: 149 باب 94، و في كفاية الأثر للخزاز جمع غفير من الصحابة الذين وعوا هذه الحقيقة و رووها لمن بعدهم.

50

الإمامة في عرض السلطة الزمنية، و اتّخذوا من أنفسهم كما اتّخذهم الملايين من أتباعهم أئمّة و قادة للمعارضة السلمية للحكم القائم في زمانهم، مع إرشاد كلّ إمام أتباعه على من يقوم بأمر الإمامة من بعده، و على هذا جرت سيرتهم، فكانوا عرضة للمراقبة و السجون و الاستشهاد بالسم تارة، و في سوح الجهاد تارة أخرى و على أيدي القائمين بالحكم أنفسهم‏ (1) .

ثم لو فرض أنّ أحدهم لم يعيّن لأتباعه من يقوم بأمر الإمامة من بعده، مع فرض توقّف النصّ عليه، فإنّ معنى ذلك بقاء ذلك الإمام خالدا مع القرآن في كلّ عصر و جيل؛ لأنّ دلالة «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» على استمرار وجود إمام من العترة في كلّ عصر كإستمرار وجود القرآن الكريم ظاهرة واضحة، و لهذا ذهب ابن حجر إلى القول:

«و في أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، و لهذا كانوا أمانا لأهل الأرض، و يشهد لذلك الخبر: «في كلّ خلف من أمتي عدول من أهل بيتي» (2) .

رابعا-تأكيد الإمام الصادق عليه السّلام على حديث الثقلين:

لم يتولّ الإمام الصادق عليه السّلام مهمّة الدفاع عن حديث الثقلين بنسبته إلى

____________

(1) راجع: الأصول العامة للفقه المقارن: 118.

(2) الصواعق المحرقة: 149.

51

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فحسب، بل أكد على صلته المباشرة بالحديث باعتباره واحدا من أهل البيت، و اعتبره نصّا في خلافتهم عليهم السّلام، كما بيّن صلة هذا الحديث بمعرفة المؤمنين و تمييزهم عن غيرهم، و أنّه أمر صريح بوجوب اقتداء الأمة بالمعنيين به، و بيان من هم المعنيون بالحديث الشريف، كما سيأتي.

1-عن عبد الحميد بن أبي الديلم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث طويل، ذكر فيه الإمام الصادق عليه السّلام ما يدلّ على خلافة أمير المؤمنين عليه السّلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مباشرة، من القرآن و السنّة، و كان من جملة الأحاديث التي بيّنها عليه السّلام في مقام بيان النصّ هو حديث الثقلين الشريف‏ (1) .

2-و عن ذريح المحاربي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

(إنّي قد تركت فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و أهل بيتي) . فنحن أهل بيته صلّى اللّه عليه و آله» (2) .

3-و سأل أبو بصير الإمام الصادق عن أهل البيت عليهم السّلام قائلا: «و من أهل بيته؟قال عليه السّلام: الأئمة الأوصياء» .

ثم سأله قائلا: «من أمته صلّى اللّه عليه و آله؟قال عليه السّلام: «المؤمنون الذين صدّقوا بما جاء من عند اللّه، المتمسّكون بالثقلين. اللذين أمروا بالتمسّك بهما:

كتاب اللّه، و عترته أهل بيته، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم

____________

(1) اصول الكافي 1: 293/3 باب الإشارة و النص على أمير المؤمنين عليه السّلام.

(2) بصائر الدرجات 1: 414/4 باب 17.

52

تطهيرا. و هم الخليفتان على الأمة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله» (1) .

4-و عن مسعدة بن صدقة، قال: قال أبو عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّ اللّه جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن، و قطب جميع الكتب، عليها يستدير محكم القرآن، و بها نوّهت الكتب، و يستبين الإيمان. و قد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يقتدى بالقرآن و آل محمّد، و ذلك حيث قال صلّى اللّه عليه و آله في آخر خطبة خطبها: إنّي تارك فيكم الثقلين: الثقل الأكبر، و الثقل الأصغر. فأما الأكبر فكتاب ربّي، و أما الأصغر فعترتي أهل بيتي، فاحفظوني فيهما، فلن تضلوا ما تمسّكتم بهما» (2) .

5-و عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث طويل جاء فيه: «.. و من أراد اللّه تعالى به الخير، جعله من المصدّقين المسلّمين للأئمة الهادين بما منحهم اللّه تعالى من كرامته، و خصّهم به من خيرته، و حباهم به من خلافته على جميع بريّته دون غيرهم من خلقه؛ إذ جعل طاعتهم طاعته، يقول عزّ و جلّ: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ (3) ، و قوله: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ (4) . فندب الرسول صلّى اللّه عليه و آله الخلق إلى الأئمة من ذريته، الذين أمرهم اللّه تعالى بطاعتهم، و دلّهم عليهم، و أرشدهم إليهم، بقوله عليه السّلام: إنّي

____________

(1) روضة الواعظين/الفتال النيسابوري: 294 مجلس من مناقب آل محمد صلّى اللّه عليه و آله.

(2) تفسير العياشي 1: 5/9 في فضل القرآن الكريم.

(3) سورة النساء: 4/59.

____________

(4) سورة النساء: 4/80.

غ

53

مخلّف فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي، حبل ممدود بينكم و بين اللّه ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا» (1) .

و من الواضح أنّ عناية إمامنا الصادق عليه السّلام بحديث الثقلين، و بيان أغراضه، و تحديد المعنيّين به، و هم الأئمة الاثنا عشر، و أنهم أوصياء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و خلفاؤه، و أولهم أمير المؤمنين عليه السّلام و آخرهم المهدي عليه السّلام، و أنهم مطهرون، و طاعتهم مفروضة، و مرجعيتهم ثابتة، كل ذلك لم ينطلق من فراغ، و إنما جاء كرد فعل معاكس للتيارات الفكرية و المذهبية المختلفة التي أوجدها النظام السياسي المضاد، بغية تمكنها من جرف الحقيقة و تعميتها، و يكفي أنها-على صعيد حديث الثقلين-قد وسّعت دائرة (أهل البيت) لتشمل بني العباس و غيرهم ممن ليس لهم في هذا الأمر نصيب.

و لهذا اضطر الإمام الصادق عليه السّلام إلى تأكيد اختصاصهم بهذا الحديث الدالّ على عصمتهم و مرجعيتهم عليهم السّلام بكل قوة.

خامسا-دلالة حديث الثقلين:

دلّ حديث الثقلين الشريف على أمور كثيرة، سنشير إلى أهمها بالنقاط الآتية:

1-إنّه دلّ على أن أهل البيت عليهم السّلام أفضل الأمة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قاطبة؛ لأنهم قرنوا بالكتاب العزيز، فكان فضلهم على سائر الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كفضل القرآن الكريم على سائر الكتب.

____________

(1) كتاب الغيبة/النعماني 1: 54/3 باب ما جاء في الإمامة.

54

2-إنّهم عليهم السّلام أنفس شي‏ء تركه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع القرآن، كما يفهم من وصفهما بالثقلين، و الثقل في اللغة هو الشي‏ء النفيس الخطير.

3-دلّ الحديث على إمامتهم و خلافتهم و وجوب تسليم الحكم و إدارة شؤون الدولة إليهم بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله مباشرة؛ لأن وظيفة الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية في المنظور القرآني و النبوي أن يقود الرعية إلى شاطي‏ء الأمان لا أن يضلها و يحرفها عن دين اللّه و شرعه القويم أما بتقصير أو قصور، و يكاد لفظ الحديث أن يكون صريحا بهذا؛ لأن معنى نجاة الرعية في الدولة الإسلامية أن لا تضل عن الطريق المستقيم، و قد حصر الحديث النجاة من الضلالة بالتمسك بالثقلين: كتاب اللّه و عترته أهل بيته صلّى اللّه عليه و آله.

4-دلّ أيضا على أن مقولة (حسبنا كتاب اللّه) مقولة شيطانية، لا يراد بها إلاّ إضلال الأمة و هلاكها، لأن الحديث حصر النجاة بالتمسك بالثقلين (كتاب اللّه و العترة) . و أين هذا من تلك المقولة؟

5-دلّ على أن مّن تمسّك بغيرهما يكون من الهالكين و لابد، و من باب أولى أن يكون ذلك الغير (المتمسّك به) من الهالكين، لأنه سيكون من أئمة الضلال، و لا فرق في ذلك بين أن يكون خليفة أو حاكما أو قاضيا أو رئيسا أو أميرا أو سلطان؛ إذ خدع الناس بأخذ معالم دينهم منه، فتمسّكوا به لا بالثقلين.

و قد صرح محمود شكري الآلوسي بهذا، فقال عمن خالفهما و تمسّك بغيرهما: «فهو ضالّ، و مذهبه باطل، و فاسد لا يعبأ به، و من جحد بهما فقد