الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج1

- عارف تامر المزيد...
136 /
1

الجزء الاول‏

مقدمة المؤلف‏

هذه الموسوعة: على صفحات هذه الموسوعة التاريخية، نقدم لمحات من تاريخ الخلفاء الفاطميين الذين حكموا جزءا كبيرا من العالمين العربي و الإسلامي في فترة زمنية أربت على القرنين و النصف.

و عند ما تأخذ «دار دمشق» و «دار الجيل» للطباعة و النشر على عاتقهما مهمة طبع هذه الموسوعة، و إصدارها خلال عام 1980 في عشرة أجزاء متتابعة و مستقلة بدءا بعبيد اللّه المهدي، و انتهاء بالآمر بأحكام اللّه، فتكونا قد سدّتا فراغا واسعا في تاريخنا العربي، و خطتا خطوة جبّارة في سبيل إحياء التراث، و أزاحتا الستار عن فترة تاريخية مجهولة، فأظهرتها لعالم النور صحيحة لا شائبة فيها.

أما نحن فعندما نتعهد بإنجاز هذه المهمة الشاقة، فلا بد لنا من الوقوف أمام القارى‏ء الكريم، و الإفصاح له عن التزامنا

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

بمبدأ الحياد التام، و الاضطلاع بدور المؤرخ المنصف المتجرد الذي يكتب للتاريخ من التاريخ دون زيادة أو نقصان مع تجنب الخوض في الشؤون الدينية، و القضايا المثيرة للرواسب الدفينة، و للأحقاد الموروثة.

مهمتنا هي تاريخية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، و تقوم على أساس من الموضوعية، و الحقيقة، و إيراد الوقائع مستقاة من أوثق المصادر بصدق و نزاهة و نقاوة وجدان بعيدة عن العاطفة و المغالاة.

المؤلف‏

7

أسماء الخلفاء الفاطميين العشرة:

الرقم المتسلسل‏اسم الخليفةتاريخ الولادةتاريخ الوفاةسنين الحياةتاريخ تسلمه الحكم‏تاريخ الوفاةمدة الحكم‏ملاحظات‏

1عبيد اللّه المهدي‏2593226329732225المغرب‏

2القائم بأمر اللّه‏2793345532233412المغرب‏

3المنصور باللّه‏302341393343417المغرب‏

4المعز لدين اللّه‏3193654634136524الديار-المصرية

5العزيز باللّه‏3443864236538621الديار-المصرية

6الحاكم بأمر اللّه‏3754113638641125الديار-المصرية

7الظاهر بأمر اللّه‏3954273241142716الديار-المصرية

8المستنصر باللّه‏4204876742748760الديار-المصرية

9أحمد المستعلي‏467495284874958الديار-المصرية

10الآمر بأحكام اللّه‏4875243749552429الديار-المصرية

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

«عبيد اللّه المهدي»

شخصية خارقة فذة ضربت المثل الأعلى في الكفاح و الجهاد في سبيل تحقيق مبدأ آمنت به، و قضية اعتقدت بصوابها و حقيقتها.

لم يكتب له الشهرة، و الظهور على مسرح الحياة كما كتب لغيره من العظماء، و لعلّ هناك عللا و أسبابا اعترضت مسيرة التاريخ.

صنفه بعض علماء التاريخ الإنساني في عداد الخالدين الذين انتصروا على الأحداث، و تخطوا العقبات، و وصلوا بحرية و أمان إلى شاطى‏ء الأهداف، و أضاف بعضهم اسمه إلى قائمة الأبطال العالميين الذين دخلوا حرم التاريخ باستحقاق، و تصدروا أبرز صفحاته عن جدارة، و زادوا على قولهم:

بأن عبيد اللّه المهدي من العباقرة الذين لا يجود بهم الدهر

10

إلاّ عند ما تمحل الأرض، و ينحبس المطر، و يعم العقم بني الإنسان.

مؤسس دولة كبرى، لعبت دورا مهما على مسرح الحياة في المشرق و المغرب... في تاريخه شؤون و شجون، و حكايات مثيرة، و قصص شيقة، و في حياته تتجلّى العظمة بأجلى مظاهرها.

اشتهر بالكرم إلى حد جعله مضرب الأمثال، و امتاز برباطة الجأش، و أصالة الرأي، و الصبر على المكاره، و بعد النظر، و مقارعة الأحداث الطارئة بواقعية و يقظة، و إرادة لا يرقى إليها التراجع أو التردد.

في رحلته السرية من «سلمية-سورية» إلى سجلماسة في المغرب الأقصى تتجلى براعته و عبقريته، و ضلوعه في التخفي و انتحال الصفات، و الإفلات من كمائن الأعداء، و اختيار الوقت المناسب للعمل الملائم، و فيها أيضا ما يدعو إلى التأمل و الإعجاب.

عندما كان في «الرملة-فلسطين» أخبر بأن القرامطة و هم فرع من أتباعه المنشقين هاجموا قاعدته «سلمية» و أبادوا أهلها،

11

كما أعدموا عائلته البالغ عدد أفرادها 83 شخصا بين رجل و امرأة و طفل، فلم توهن عزيمته، أو يفت في ساعده، بل تابع سيره إلى هدفه و لسان حاله يردد:

«نحاول ملكا أو نموت فنعذرا»

عبيد اللّه من رجال التاريخ... و كم يكون التاريخ منصفا و عادلا عند ما يضعه في طليعة الخالدين.

12

امام الحقيقة:

يعتبر الإسماعيليون المستعلييون «البهرة» بفرعيهم السليماني و الداؤدي و هكذا الدروز-عبيد اللّه المهدي-إماما -مستودعا- mami eetsurt ro gnitcA و هذا الإصطلاح يعطي تفسيرا بأنه كان إماما وكيلا أو وصيّا أو نائبا للإمام الأصيل لفترة زمنية محدودة، و ليس له صلاحية توريث الإمامة لأحد من أولاده، فمثله كمثل «الحسن بن علي» .

بينما يعتبره الإسماعيليون النزارييون إماما «مستقرا» و صاحب نص ثابت‏ «mami yrassecen ro tnenamreP» فهو «كالحسين بن علي» له صلاحية توريث الإمامة لمن يقع اختياره عليه من أولاده.

و نحن عند ما يبرز أمام أنظارنا هذا الخلاف الجوهري نتجاوزه دونما أي تعليق، و نمر به مرورا عابرا دون أن نلجأ

13

إلى الخوض بالتفاصيل، أو المناقشات التي لا تجدي نفعا، و لا تفيد العلم. فالانتصار لفريق دون الآخر لا يدخل في نطاق البحث العلمي، و لا يتفق مع مهمة كاتب التاريخ، لا سيما و نحن أمام فريقين يتمسك كل منهما بوجهة نظره، و يدافع عنها بالحجج و المصادر التي يمتلكها.

و مهما يكن من أمر فسواء أكان عبيد اللّه المهدي إماما أو نائبا للإمام فكل هذا لا يقف بوجه تقديرنا و إعجابنا بالرجل العظيم الذي كتب في صفحات التاريخ أنصع عبارات البطولة و الخلود.

من جهة ثانية، و لكي يكون القارى‏ء الكريم على معرفة بالوقائع و التفاصيل نضع أمامه مخططين لشجرة النسب الفاطمية:

الأول: للإسماعيليين المستعليين كما ورد في كتاب «الفرائض و حدود الدين» لجعفر بن منصور اليمن تحقيق الدكتور حسين همذاني-منشورات معهد الدراسات الشرقية في الجامعة الأميركية بالقاهرة سنة 1958 م‏

و الثاني: للإسماعيليين النزاريين كما جاء في مصادر

14

و كتب تاريخية عديدة. و في هذا نكون قد وضعنا القارى‏ء الكريم في واجهة الأحداث، و وجها إلى وجه أمام الحقائق و الوقائع.

15

شجرة النسب الفاطمية للاسماعيلية المستعلية

اسكن

16

شجرة النسب الفاطمية للاسماعيلية النزارية:

اسكن

17

توضيح و تفسير:

عندما يلقي الفاحص المدقق نظرة عامة على المخططين الإسماعيليين-المستعلي و النزاري، يظهر له جليا بأن ولدا جعفر الصادق-إسماعيل و موسى-هما الأكثر بروزا على مسرح الأحداث، بالرغم من أنه كان لجعفر ابناء آخرين.

بعض المصادر التاريخية تذكر بأن إسماعيل مات في حياة والده جعفر، بينما تنفي المصادر الإسماعيلية ذلك نفيا قاطعا مدعوما بالبراهين، و لكن كل هذا لم يقف حائلا دون انشقاق المجموعة الشيعية الجعفرية إلى فرقتين: فرقة سارت وراء موسى و أحفاده من بعده و هي المعروفة (بالأثنى عشرية) بينما ظلّت الفرقة الثانية على ولائها لإسماعيل و لابنه محمد و أبنائهما من بعد و هي (الإسماعيلية) ، و محمد بن إسماعيل هذا استوطن «مدينة تدمر-سورية» ، و كان قد قدم إليها من‏

18

بلاد الري الفارسية حيث كان يقيم بقرية «محمد أباد» التي سميت باسمه فيما بعد.

كافة المصادر تؤكد أن محمد بن إسماعيل عاش في «تدمر» و لم يبارحها حتى وقت وفاته، و بعد ذلك استوطن أولاده مدينة «سلمية-سورية» ، و عاشوا فيها بأسماء مستعارة و بسرية مطلقة بعيدين عن أنظار العباسيين حتى وقت ظهور «عبيد اللّه المهدي» ، و عهدهم هذا عرفه المؤرخون: «بعهد الأئمة المستورين» .

في مخطط شجرة النسب الفاطمية للإسماعيليين-المستعليين يظهر عبيد اللّه و كأنه من فرع آخر من الشجرة-أي أنه ابن عم القائم بأمر اللّه، فوالده هو «الحسين» بينما والد القائم هو «علي» ، و علي و الحسين شقيقان.

هناك مصادر أخرى تشير إلى أن والد القائم: علي المعل، مات في سن مبكرة تاركا القائم صغيرا مما حدا بعبيد اللّه لأن يحتضنه، و يقيم نفسه وصيّا عليه، و يزيد هذا المصدر فيقول: بأن أم القائم و هي «أم حبيبة» تزوجها عبيد اللّه بعد وفاة زوجها «علي المعل» ، و بذلك يكون المهدي قد أصبح عما للقائم من جهة والدته و من جهة والده بآن واحد، أمّا

19

في مخطط شجرة النسب الفاطمية للإسماعيليين النزاريين فيظهر العكس، فعبيد اللّه فيها هو الإمام و الأب الشرعي للقائم بأمر اللّه و لا شي‏ء غير هذا.

و مهما يكن من أمر فنحن ندع الأمور كما هي دونما تعليق كما قلنا تاركين ذلك للأيام فلعلها تجود علينا بمصادر جديدة أكثر إنارة و توضيحا.

20

مدخل الى الكتاب:

عندما أقام العباسيون دولتهم في بغداد على أنقاض الدولة الأموية وجهوا اهتمامهم، و كرسوا جهودهم للقضاء التام على أعداء الخلافة و هم: بقايا الأمويين، و العناصر المتوثبة من العلويين، و كلاهم يطمع بالخلافة، و يعمل في سبيل الوصول إليها، فطاردوهم في كل مكان و أحكموا برؤوسهم السيوف، و التاريخ طافح بذكر المآسي و المظالم و المثالب.

و عند ما انقسمت الشيعة إلى إسماعيليين و موسويين، اتخذ الإسماعيليون زمام المبادرة، و وقفوا بصمود و عناد بوجه العباسيين يقارعونهم بأساليب جديدة، و بعقلية علمية تقوم على أسس فكرية، و قواعد فلسفية، أفسدت عليهم لذة الحكم، و عكرت الأجواء، فكان من أبرز مظاهرهم و مخططاتهم و هي أكثر عنفا و تنظيما-ثورة القرامطة-التي برزت على مسرح الأحداث كقوة عسكرية جارفة تقض‏

21

المضاجع، و تزعزع الأركان، و أعقبها ظهور الدولة الفاطمية في شمالي أفريقية، و هي التي امتدت فيما بعد إلى مصر و غيرهما من الأقطار العربية حتى دقّت في وقت من الأوقات أبواب بغداد. و يذكرنا بذلك الشاعر الفاطمي ابن هاني‏ء الأندلسي عندما يقول:

تقول بنو العباس قد فتحت مصر # فقل لبني العباس قد قضي الأمر

و قد جاوز الاسكندرية جوهر # تطالعه البشرى و يحفزه النصر

أما الفرع الشيعي الموسوي فلم يتسنى له إرساء قواعده السياسية و هكذا ظلّت أعماله و معارضته تدور في نطاق القضايا الدينية التي وقفت في تلك الازمنة عاجزة عن زعزعة الحكم العباسي القائم، و كل هذا ورد ذكره و تفصيلاته في التاريخ، و لا أرى مجالا للعودة إليه الآن.

22

الفاطميون اصل التسمية

عرفت كلمة «شيعة» أول ما عرفت بعهد الإمام علي بن أبي طالب، و هذا الاصطلاح أطلق على المجموعة التي سارت في ركابه و قالت بأفضليته و اعتباره صاحب الحق الأول بالخلافة الإسلامية بعد النبي محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و قد انقسمت هذه المجموعة بعد وفاة الإمام علي إلى فروع عديدة أبرزها:

الحسنيين و الحسينيين-نسبة لولديه الحسن و الحسين، و في عهد الإمام الخامس جعفر الصادق اتخذت المجموعة اسم «الجعفرية» و بعد وفاته انقسمت إلى فرقتين: إسماعيلية نسبة إلى ولده الأكبر إسماعيل، و موسوية نسبة إلى ولده الأصغر موسى الكاظم.

و اسم الإسماعيليين الذي هو موضع بحثنا ظلّ معمولا به و قائما حتى وقت ظهور عبيد اللّه المهدي، و قيام الدولة الفاطمية في شمالي افريقيا. إذن... لماذا اتخذت هذه المجموعة اسم الفاطمية الجديد في افريقيا؟

23

من الواضح أن الأقوال و المزاعم كانت بجملتها تتصاعد في كل مكان، و كلها تحمل الشك بانتساب أسرة المهدي للإمام علي بن أبي طالب، و لعل فترة الستر في «سلمية» هي التي أسدلت هذا الستار من الشك على الحقيقة، و أوجدت ذلك الواقع الرهيب من المزاعم. من جهة ثانية فإن المهدي و كأني به قد نظر بثاقب فكره بعد وصوله إلى المغرب، انه قد آن الأوان لدحض تلك المزاعم و الأقوال، فأعلن عن نسبه على اعتباره ينحدر من علي بن أبي طالب و من فاطمة ابنة الرسول الكريم مباشرة، و في هذا ما يميزه عن الفروع العلوية الأخرى المنحدرة من علي و زوجاته-غير فاطمة-، من جهة ثانية فقد يكون المهدي قد أدرك بأن اسم فاطمة له وزنه و قدسيته في نفوس عامة المسلمين في ديار المغرب، و أن أي انتساب إليه يضفي على صاحبه التأييد، و يحمل معه المحبة و الاحترام، كما و أن إعلان المهدي عن ذلك يعطي الدليل عن تبرأته من «القرامطة-الإسماعيليين» و من أعمالهم و كانت كما هو واضح قد ساءت سمعتهم في الأوساط الإسلامية المحافظة بعد ارتكابهم الأعمال التخريبية و الفظائع الكبرى.

إذن فهذه الأسرة التي أقامت دولتها في المغرب باسم «الفاطمية» هي التي نتناولها بالبحث الآن في هذه الموسوعة التاريخية الفريدة. غ

24

عبيد اللّه المهدي و القرامطة:

هذا الموضوع من أكثر المواضيع تعقيدا و غموضا في تاريخنا العربي، و بالرغم من أن بعض المؤرخين قد عالجوه و أولوه اهتمامهم، و كتبوا عنه الصفحات الطوال، فإن الحقيقة الناصعة ظلّت بعيدة المنال، و قابعة في طيات الأزمنة، و لعل فقدان المصادر، و إهمال النواحي المهمة المعقدة في تاريخنا القديم، و خلو الساحة من اختصاصيين بالتاريخ الفاطمي، هو من الأسباب الرئيسية التي حجبت الحقيقة عن الإنظار، و مهدت السبل لإطلاق المزاعم و الأقوال، و نثر الافتراضات و التخمينات.

من المعلوم أن الأئمة «العلويين-الإسماعيليين» الذين اتخذوا من «سلمية-سورية» قاعدة لهم، و منطلقا لنشاطاتهم الفكرية و السياسية بعد فرارهم من العراق و فارس الذي تمّ تحت تأثير ضغط العباسيين. من الواضح أن نزول هؤلاء

25

الأئمة في هذه البقعة العزلاء البعيدة عن أنظار خلفاء بغداد، سهّل لهم الأسباب، و مهّد أمامهم الطرق، لإطلاق دعاتهم و عمالهم بحرية و أمان إلى الأقطار العربية و الإسلامية البعيدة و القريبة على السواء، للتبشير بأفكارهم، و نشر مبادى‏ء دعوتهم «الدينية» التي من أولى مبادئها الوصول إلى «الخلافة الإسلامية» ، و كانوا من جهة أخرى قد أعلنوا بأنهم ما جاءوا من إيران إلى «سلمية» إلاّ بقصد العمل في التجارة، و استئجار الأراضي الزراعية، و غير ذلك من الأعمال الحرة.

و لعلّ إخفاء شخصياتهم و مقاصدهم في بداية أمرهم ساعدهم جدا، و مهّد لهم السبيل لتأسيس المراكز الدعائية، و إقامة فروع الدعوة، و انتقاء الدعاة، و اكتساب المؤيدين و الأنصار، و كل هذا كما قلنا يخفي وراءه هدف واحد هو تقويض دعائم الدولة العباسية، و إقامة نظام حديث على أنقاضها يستند إلى مبدأ حرية الفرد و مساواته، و إنعاش المجتمع و الشعب، و توفير الأمن و الرخاء و الحياة الأفضل له، و كل هذا لم يكن ليتم إلاّ بإقامة دولة جديدة متطورة تستند إلى مبدأ العدالة و الحرية و المساواة و الاشتراكية الصحيحة، مضافا إلى ذلك التبشير بقرب ظهور «إمام منتظر» يملأ الأرض عدلا و أمنا، و هذا المبدأ كانوا يعلنون عنه على الملأ

26

بقولهم: إنهم دعاة لهذا الإمام، و بلغة أصح المكلفون بحمل الأمانة، و دعوة الناس إلى الانضواء تحت لوائه، و الإيمان به، و هذا كله كان من الأسباب التي وفرت لهم سبل النجاح و تخطي العقبات، و استقطاب الناس، و توسيع رقعة الدعوة، و اكتساب المؤيدين و الأنصار.

أجل... كانت كلمة «إمام منتظر» في تلك الفترة من الزمن تشكل قاعدة دينية و فكرية بآن واحد، و خاصة في مناطق الخليج العربي و الكوفة و سواد بغداد و سورية، و في بلاد أخرى واقعة تحت الحكم العباسي. فالناس في هذه الأرجاء كانوا قد وصلوا إلى مرحلة قصوى من القلق و التبرم من حياة الظلم و التعسف و الفساد و الاستئثار و إهمال مطاليب الشعب، و هضمها من جانب مركز الخلافة و من يحيط بها، فهؤلاء الرعية باتوا يعتقدون بأنهم بحاجة ماسة إلى قائد روحي يجلس على أريكة القيادة، و بيده أسس العدالة، و سعادة الشعب و أمنه و استقراره، و توفير سبل الحياة الرغيدة للفقراء و الضعفاء و المحرومين من طبقات الشعب و كانوا كما ذكرنا قد أصبحوا بحالة يرثى لها من التعاسة و الشقاء، في ظل حكام مغتصبين تصدوا لحمل الأمانة، و عبثوا بكافة القيم و الأخلاق.

و هكذا انضوى تحت لواء دعوتهم آلاف من الناس‏

27

و الجماعات و القبائل و الناقمين و الطامعين و فئات أخرى من الشعب في أجزاء عديدة من العالم العربي و الإسلامي، و عند ما تسلّم شؤون الدعوة «عبيد اللّه المهدي» لم يكن مرتاحا إلى البنية الداخلية للدعوة التي ورثها، و لا لوجود بعض الدعاة على رأسها، فأراد إدخال بعض التعديلات، و المفاهيم الجديدة على الأنظمة، و القوانين القديمة، و إرساء قواعد جديدة تتناسب و رغبات الناس في تلك الفترة الزمنية المعقدة، و من جهة أخرى كان عليه إيجاد جو من التفاهم و التعاون بين دعاته هؤلاء المنتشرين في الأقاليم بعد أن تسربت إلى مسامعه أخبارا عن هبوب عواصف الاختلاف و المنازعات في صفوفهم بسبب الفساد و الحسد و الأنانية و الاستغلال و حب الذات، من جهة ثانية أراد عبيد اللّه و هو الرجل الصارم الذي يأبى أن ترتفع فوق كلمته كلمة أخرى، أن لا يذهب الدعاة في الأقاليم مذاهب خاصة تفسد الغايات المثلى، و تعرقل الأهداف النبيلة، و هكذا وجد دعاة الأقاليم أنفسهم أمام رجل يعرف من أين يؤكل الكتف-قوي المراس-يفوق كل من سبقوه معرفة و خبرة و رجولة، لا يضعف أمام الشدائد، و لا تلين قناته، خلق ليكون قائدا و حاكما و معلما، مضافا إلى كل ذلك صدور بعض التلميحات من جانب المقربين إليه، و كلها

28

تشير إلى أنه لا بد أن يكون نفسه هو «الإمام المنتظر» الذي بشروا بقرب ظهوره.

هذه الدعوات الجديدة المفاجئة حركت نفوس بعض الدعاة، و ألهبت عواطفهم، بل أيقظت الرماد الكامن في نفوسهم، فوقفوا من هذه المفاجآت موقف المعارض الرافض، و حجتهم في ذلك أنها لا تتفق و ما كانوا قد سمعوه و تعلموه من آباء و أجداد عبيد اللّه الذين يعود إليهم الفضل بتأسيس مبادى‏ء الدعوة، و إقامة دعائمها، و قيادة طلائعها، من يوم أن حطوا رحالهم في هذه البلدة «سلمية» ، فكم من مرة أعلنوا على الملأ بأنهم دعاة و ليسوا أئمة، و أنهم من بلاد فارس جاءوا للعمل بالتجارة، و إرساء قواعد دعوة تقود و تدعو إلى إمام منتظر... إذن فأن ما يعلنه عبيد اللّه عن نفسه لا يتفق و تعاليم أجداده، كما و أن هذه التغييرات الجديدة للنظم و للتعاليم الأساسية، و للأفكار التي غرسوها في عقول الناس مدعاة للعجب، و تقودهم ربما إلى حد الكفر بكل شي‏ء...

أجل... كانت سابقة خطرة بنظرهم فيها ما فيها من الخروج على الواقع الراهن بالإضافة إلى معارضتها كليا مع كل ما تلقوه من تعاليم و أفكار لحركتهم الثورية الاشتراكية.

و كان عبيد اللّه بالإضافة إلى كل ما ذكرناه يرى أن‏

29

الوقت لم يحن بعد للإعلان عن الثورة، و المباشرة بالزحف، أو حتى القيام بأية مواجهة عسكرية، و كانت المعلومات التي لديه تشير بأن بعض دعاة الأقاليم، و خاصة في العراق قد بدأوا يعدون العدة، و ينظمون الصفوف... كان يرى أن الثمرة لم تنضج بعد، و أن العقول لم تصل بعد إلى حد الإيمان المطلق بتقبل الأفكار الثورية الجديدة، و إن كل انتصار أو نجاح في هذا المجال مشكوك فيه، و من جهة أخرى كان يرى أن الدولة العباسية لا تزال تتمتع بقوة كبيرة، و أن باستطاعتها القضاء على أية حركة ثورية تنبعث في جهة من جهات الدولة الكبيرة، فمن هذا المنطلق أصدر تعاليمه بضرورة التريث، و العودة إلى تنظيم الصفوف، و غرس التعاليم في عقول الشباب خاصة، و تهيئة الأجواء بصمت و حذر و سرية و إعداد الأمور للوقت المناسب.

و تبرز في واجهة الأحداث الناحية الأهم، و هي معارضة «عبيد اللّه» لكل فكرة جديدة تنادي بضرورة إيجاد نوع من الحكم الجمهوري للدولة المرتقبة يقوم على أساس الشورى دون اللجوء إلى الحكم الوراثي، و هذا الحكم يجب أن يستند الى مجلس للشورى، و آخر للتشريع، و ثالث للدفاع، و تكون مهمات المجالس الثلاث انتخاب رئيس الدولة و مساندته في‏

30

الحكم و الإدارة. فاعتبر عبيد اللّه هذا كله هجوما مباشرا، أو مؤامرة كبرى تستهدف مقام «الإمامة» مباشرة، و تهديم جسورها، و اقتلاع جذورها، أو بلغة أصح دفن مبادئها و صلاحياتها و تحويلها إلى قاعدة دينية مهملة لا شأن لها، و لا تملك من الصلاحيات و المعنويات إلاّ الاسم.

و هكذا دبّ الخلاف في صفوف الدعوة الواحدة، و تسرب إليها الخلاف و الانشقاق، و عصفت بأرجائها الرياح المثيرة للكوامن و الأحقاد، و برز على المسرح الحسد و التباغض محل الإلفة و المحبة و الوئام، مما جعل-عبيد اللّه-يعمد إلى فكرة إجراء بعض التغييرات و الإصلاحات في القيادات، و مناصب الدعاة و المسؤولين، و خاصة في منطقة الخليج العربي و سورية و العراق، فنتج عن ذلك عصيان الأوامر من قبل الذين تناولهم التغيير فظلوا في مراكزهم، و أعلنوا عن رفضهم، و عدم اعترافهم بالأوامر الصادرة إليهم من «سلمية» و لم يكتفوا بذلك، بل اعتبروا-عبيد اللّه-عدوا لدعوتهم، و أنه لا بد لهم من التخلص منه مهما كانت النتائج، و بأي ثمن.

و مهما يكن من أمر فإن القرامطة الذين هم فرع من الإسماعيلية لم يظهروا بمظهرهم القوي إلاّ بعهد عبيد اللّه‏

31

المهدي، و أصل التسمية وقعت في الفترة التي انتسب فيها إليها «حمدان بن الأشعث» المعروف بقرمط، و هذا الانتساب تمّ على يد «الحسين الأهوازي» و هو أحد الدعاة الكبار الأقوياء الذين تعلموا في مدرسة الدعوة في «سلمية» ، و برعوا في أساليب الدعاية، و كانت مهمته الدعائية تنحصر في العراق و الكوفة و مناطق الخليج العربي، و من الواضح أن انتساب حمدان ساعد على نشر الأفكار و استقطاب المؤيدين، و اجتذاب العديد من الناس، بفضل حنكته و براعته و مكانته في قومه، و بفضل ما كان يظهره من الورع و التقوى و التقشف و أساليب الإقناع.

أجل... لم تمض إلاّ فترة قصيرة على حمدان حتى تمكن من تحقيق نجاحات كبرى، فاتخذ من «كلواذا» و هي محلة في إحدى ضواحي بغداد، مركزا لنشر أفكاره و مبادئه، و في سنة 276 هـ وصل إلى مرحلة تنظيم الصفوف، و إعداد الكتائب و الفرق العسكرية، و تدريبها على حمل السلاح، و أساليب القتال، و جعلها في حالة تأهب قصوى، كما أنه بنى أول دار للقيادة في سواد الكوفة و سمّاها «دار الهجرة» فجلب لها الصخور من أمكنة بعيدة، و أحاطها بسور منيع، و بخندق عميق واسع يملأ بالماء عند اللزوم، بحيث يستحيل‏

32

على المهاجمين اجتيازه، و بهذا تبقى الدار في حالة أمان و لا يمكن الوصول إليها. و في سنة 277 هـ لم يبق أحد في تلك الديار إلاّ هاب جانبه، و حسب له حسابا، كما أن تعاليمه تخطت الحدود، و كانت تلاقي الرغبة و القبول و لم تقتصر على العراق، بل تجاوزته إلى مناطق عربية أخرى قريبة و بعيدة على السواء.

و كان لحمدان صهرا يسمّى «عبدان» عرف بسعة علمه و فطنته و فهمه، و خبرته و حذقه، فانتسب إلى الدعوة القرمطية على يد حمدان، و لم يلبث أن اشترك بالمسؤولية، و أخذ يقدم الخدمات، و قد صادفت الدعوة أيضا على يديه النجاح الباهر حتى أنه أثّر بأبي سعيد الجنابي الزعيم البحراني الواسع النفوذ، فانحاز إلى الدعوة الجديدة و أسّس فيما بعد دولة القرامطة في البحرين، كما أن «عبدان» أثر بالثري الكبير «دندان» و هو من أصفهان، و إليه يعود الفضل بتمويل أكثر الحركات القرمطية بالأموال، و يجب أن لا يسهى عن بالنا انضمام «زكرويه بن مهرويه» و هو من زعماء سواد الكوفة و كان قد وقع تحت تأثير «عبدان» بعد سلسلة من اللقاءات، و هكذا نزل إلى المجال ليساهم بالعمل، و من الملاحظ أنه أعطي الصلاحيات الكافية مبكرا، و رقي أعلى المراتب، فأصبح‏

33

بعد وقت قصير من العناصر البارزة و المسؤول الاول عن قرامطة الشمال الغربي للعراق بالإضافة إلى بادية السماوة و الشام، و قد عرف عن زكرويه بأنه تمكن من نشر الأفكار القرمطية بنجاح خاصة في بلاد الشام، و بين القبائل العربية القاطنة حوض نهر الفرات كبني عليم، و بني أسد، و كلب، و ربيعة، و العليص، و غيرهم.

بعد هذه الانتصارات السريعة في مجال الدعاية و الاستقطاب التي حققها «زكرويه» ، وجد أنه أجدر بالزعامة من كل هؤلاء الناس، و داخله الحسد و الجشع، و كان في الوقت نفسه يعلم أنه لا بد له من التضحية للوصول إلى الغاية بالإطاحة بالمناوئين واحدا بعد الآخر، و هكذا بدأ بتنفيذ ما قرره، ففي سنة 289 هـ نفّذ خطته الأولى فتخلص من «حمدان» و بعد ذلك بفترة قصيرة ألحق به «عبدان» أي أنه قتلهما الواحد بعد الآخر، كما أعلن عن نفسه بأنه القائد الأعلى للحركة القرمطية، و لكنه و بعد مضي وقت قصير على هذا الإعلان و لأسباب لا تزال غير واضحة اعتزل الناس، و لجأ إلى أحد الكهوف السرية بعيدا عن أعين الناس، فتسلّم شؤون الدعوة بعده ولده يحيى الذي وقف حياته و نشاطه على الغزو و الفتح و إعداد الجيوش لفتح البلدان و الأمصار و التمركز فيها، فهاجم في‏

34

أواخر سنة 289 هـ العديد من البلدان السورية، ثم جاء إلى دمشق فضيّق عليها الحصار، مما اضطر «طغج بن الأخشيد» حاكمها من قبل الطولونيين إلى الفرار، و لكن كل هذا لم ينقذه من المصير المحتوم فكمن له جماعة من المحاربين، و اغتالوه على أبواب دمشق، و هكذا انتقلت الزعامة إلى أخيه الحسين الذي بدأ يكمل ما خططه شقيقه، و لكن العباسيين لم يقفوا منه موقف المتفرج، فتمكنوا من قتله سنة 291 هـ بعد سلسلة من المعارك العنيفة، و بعد مقتله خرج «زكرويه» من مأواه، و جرّد حملة عسكرية كانت الغاية منها الانتقام من العباسيين لولديه، ورد الاعتبار للجيش القرمطي، و لكن العباسيين أيضا تمكنوا من قتله سنة 294 هـ بعد سلسلة من المعارك الطاحنة.

هذه اللمحة الخاطفة من تاريخ القرامطة، كان لا بد لنا من عرضها في هذا الكتاب لتبيان الدور الذي لعبه القرامطة في حياة «عبيد اللّه المهدي» ، و لإظهار العلاقة التي كانت تربط هذه الجماعة بالائمة الإسماعيليين القاطنين «سلمية» . فهؤلاء هم أحد الفروع الكبرى من أتباع المهدي، و قد انقلبوا عليه فيما بعد كما ذكرنا، و أجبروه على ترك المشرق و الالتحاق بالمغرب، و لعل كل ذلك كان من حظ هذه الأسرة التي

35

اضطرتها الظروف القاسية إلى مغادرة مواطنها تحت جنح الظلام بعد أن فقدت قواعدها و نفوذها، و لم يبق لديها إلاّ الهمة القعساء، و الإرادة القوية التي يمتلكها «عبيد اللّه المهدي» ، و هي التي انتصرت في نهاية المطاف، و أقامت قواعد دولته الفاطمية الكبرى.

36

الدولة العباسية:

كانت الفترة الزمنية التي قضاها «عبيد اللّه المهدي» في رئاسة الدعوة في «سلمية» من الفترات العسيرة المرهقة الزاخرة بالأحداث و التقلبات و الاضطرابات، تلك الاضطرابات التي لم تكن تهدأ في مكان حتى تهب في آخر، و لم يكن بإمكان عبيد اللّه إعادة المياه إلى مجاريها بالرغم مما بذله من محاولات، و من جهة أخرى، فإن الدولة العباسية الكبرى كانت هي أيضا غارقة في وسط لجات عميقة من الإضطرابات، تتقاذفها أمواج صاخبة من الأحداث الخطيرة هذا بالإضافة إلى رياح عاتية أخذت تهب من الداخل منذرة بالخراب، و مهددة بالدمار.

و الحقيقة... لم يكن يقض مضاجع هذه الدولة، و يحرم جفون القائمين على أمرها لذة الرقاد، إلاّ هذه الحركة الثورية الاشتراكية العنيفة المنظمة التي راحت تتغلغل في نفوس الناس‏

37

و عامة الشعب، و في كل جزء من أجزاء الدولة العباسية حاملة شعار الثورة و الدعوة إلى شق عصا الطاعة، و تغيير نظام الحكم القائم... و الناس كل الناس، و في كل فترات التاريخ تعودوا أن ينضموا إلى كل حركة معارضة لنظام الحكم القائم مهما كانت الأسباب و الدوافع، فنصف الناس أعداء لمن يحكم... و هذه حكمة و مبدأ اعتنقته الشعوب منذ فجر التاريخ.

أجل... لقد كانت الدولة العباسية في ذلك الحين على اتصال وثيق بالحركة المذكورة تتلقى التقارير السرية و البيانات و المعلومات من عمالها في الأقاليم عن وجود قاعدة كبيرة في قلب البلاد تمد هذه الحركة و تمهد معها لانقلاب عام يشمل كل شي‏ء حتى مقام الخلافة، أما مكان القاعدة فظل مجهولا في بادى‏ء الأمر، لأن التقارير على العموم جاءت مضطربة و مشوشة و خالية من أي توضيح عن أسماء الشخصيات الذين يقومون بقيادة هذه القاعدة الخطيرة، و ما هي صفاتهم و مقاصدهم و جنسياتهم، و هذا ما جعل اهتمام العباسيين بالأمر لا يتجاوز حد المراقبة و مضاعفة الترقب و الحذر، و بمعنى أوضح فإن مقام الخلافة العباسية في بغداد لم يكن يمتلك المعلومات الصحيحة عن الائمة الاسماعيليين الذين يمولون‏

38

هذه الحركات و يشجعونها و يمدونها بكافة الإمكانيات و المعونات كما أن الأسرة العباسية التي كانت تقيم في «سلمية» في تلك الفترة لم تحرك ساكنا، أو تذكر أي شي‏ء عن وجود ائمة اسماعيليين في «سلمية» ، و كل ما هنالك فإن المعلومات التي لديها لا تخرج عن كون هؤلاء هم من التجار الإيرانيين ليس إلاّ، و الحقيقة... لو أن العباسيين تأكدوا من وجود هذه الأسرة لما تقاعسوا عن إرسال جيوشهم و تدمير «سلمية» على رأسها، و لكن في عهد «عبيد اللّه المهدي» تغير الحال، فالخليفة العباسي «المكتفي» أصبح على علم يقين بأن عبيد اللّه هو المسؤول الأول عن كل ما حدث و يحدث من الحركات التي تندلع في أرجاء الدولة، و من جهة أخرى، و لأمر لم يفصح عنه التاريخ وقف «المكتفي» موقف العاجز و لم تبدر منه أية مبادرة عاجلة، و لعلّ المعلومات التي كانت قد وصلت إليه تفيد بأن القرامطة أنفسهم قد انشقوا عن «عبيد اللّه» ، و أن هذه المجموعة قد انقسمت على نفسها، و أنها أصبحت تعاني من انقسامات داخلية خطيرة، و أن القرامطة هم الآن في طريقهم للقضاء على المهدي و دعوته في «سلمية» ، و ها هي طلائعهم قد أخذت تقترب من الهدف، و تصفية الحساب، و لعل هذا كله جعل الخليفة العباسي «المكتفي» يكتفي بتوزيع الاوامر

39

الشديدة على العمال و الولاة في أقاليم سورية و فسلطين و مصر و المغرب يطلب فيها منهم إلقاء القبض على «عبيد اللّه المهدي» و كانت المعلومات التي وصلت إليه تشير بأن المهدي يزمع مغادرة البلاد إلى مكان فرارا من جيوش القرامطة التي قررت مداهمته.

و مهما يكن من أمر، فإن هذه الأحداث جاءت مجتمعة في ظرف كانت فيه الدولة العباسية تعاني من حالة داخلية سيئة، و من نقمة عامة ظهرت علائمها على وجوه عامة الناس و سببها استفحال الفساد و الاستغلال و الظلم، و هيمنة فئة من المستغلين و النفعيين على مقام الخلافة، و أكثرهم من الغرباء أو الموالي الأتراك، لدرجة أن عزل الخليفة و توليته و قتله أصبحت بأيديهم، و كان الفقر المنتشر في الأوساط الشعبية العامة، و إهمال مطالب العمال و الفلاحين و الطبقة الفقيرة، و فقدان العدل و الحرية و المساواة، و احتجاب الخليفة عن أنظار الشعب من الأسباب التي جعلت البلاد تعيش في حالة من الفوضى و الاضطراب لدرجة أنها أصبحت بين عشية و ضحاها ملهى يتلهى به المتنافسون و المستغلون بينما الخليفة وصل إلى درجة لم يكن أمينا على حياته في حاضرته بل و في قصره.

40

إن كل هذا مهّد السبيل لقيام الثورات و الانتفاضات، و ساعد على امتداد المد القرمطي، و قرّب من فجر الدولة الفاطمية، و بزوغ شمسها في جهة من جهات الأرض...

و هكذا أصبح المجال واسعا أمام تلك الدولة الفتية لانتزاع البلدان و الأقاليم العباسية، واحدا بعد الآخر، و نزع اسم الخليفة من الخطبة في أيام الجمعة من كل أسبوع، و استبدال اسمه بغيره عن العملات و غير ذلك.

41

عبيد اللّه المهدي نشأته-ثقافته‏

لم يذكر التاريخ إلاّ القليل القليل عن طفولة و نشأة عبيد اللّه المهدي أو «سعيد الخير» كما كانوا يلقبونه، كما أنه لم يتطرق إلى ذكر على من درس العلم و الأدب، و من هم الذين تولوا تربيته و تعليمه؟و لعلّ الستار الكثيف من السرية الذي كان يغطي على كل شي‏ء يتعلق بحياة هؤلاء «المستورين» هو من الأسباب التي أوجدت هذا التعتيم الكثيف. و لكن عند ما نعلم أن «عبيد اللّه» هو سليل الأسرة التي وضعت سطور أول موسوعة فلسفية عربية، و أعني بها «رسائل أخوان الصفاء و خلان الوفاء» و عند ما نصل إلى معرفة أعماله، و سياسته و تدابيره إبان اضطلاعه بمسؤولية الحكم بالمغرب، نقول و نحن على جانب كبير من الاطمئنان بأنه كان يمتلك الفكر النير و الثقافة العليا و يلم بكافة المعارف و العلوم المعروفة في‏

42

عصره و خاصة الأدب، لأن في تاريخه ما يشير إلى أنه كان يعطف على الأدباء و يقربهم و يصغي للشعراء و يجزل لهم العطاء و يؤيد ذلك ما ورد في تاريخه:

إن «جعفر بن محمد بن أحمد البغدادي» و كان من نوابغ عصره في الكتابة و قرض الشعر، و كان يعيش في بغداد عند ما ساءت العلاقة في أحد الأيام بينه و بين «علي بن عيسى» وزير الخليفة المقتدر العباسي، و لما عزم الوزير على قتله فرّ إلى القيروان في المغرب، و تمكن من الدخول على «عبيد اللّه المهدي» و مدحه بغرر القصائد. فقربه و ولاّه أعلى المناصب.

أجل... ولد عبيد اللّه في بيت علم و أدب و ثقافة، و أنه لمن العبث أن نصدق أنه كان غير مثقف من استطاع إرساء قواعد دولة كبرى و حكمها مدة خمسة و عشرين عاما تلك الدولة التي لم تلبث أن غزت الشرق و الغرب و دامت مدة أربت على القرنين و النصف.

ولد عبيد اللّه في «سلمية» سنة 259، و مات و دفن في المهدية سنة 322 فيكون قد عمّر ثلاثة و ستون عاما، أما مدة خلافته فخمسة و عشرين عاما تبدأ من سنة 297 و تنتهي سنة 322.

كان فصيح اللسان، يمتلك قدرة عجيبة على الإقناع،

43

مهيب الطلعة، يؤثر في السامع، محبا لعمل الخير، جريئا بهدوء، لا يعرف التردد، مغرما بالقراءة و التزود من العلم، و اقتناء الكتب و تربية الخيول و الصيد... و كان كريما إلى حد كبير.

ذكر جعفر الحاجب و هو الذي رافق المهدي في سيرته:

بأن عبيد اللّه اصطحب معه من «سلمية» مجموعة من الكتب كان يحرص عليها أشد الحرص، و بينما كان في طريقه إلى المغرب و بالقرب من واحات «برقة طلع» عليهم بعض اللصوص فسلبوا منهم بعض الأشياء و منها الكتب الآنفة الذكر، و عند ما قام الخليفة الفاطمي الثاني «القائم بأمر اللّه» بغزو مصر عرّج على المكان و ضرب نطاقا حوله، ثم قام بالتحريات اللازمة، فتمكن أخيرا من العثور على الكتب و استردادها و له في ذلك تصريحا رائعا يقول فيه:

«لو أن غزوتنا إلى مصر لم تثمر إلاّ عن هذه الكتب لكان ذلك نصرا» . و قد تنبأ المؤرخون بأن تلك المجموعة هي:

«رسائل إخوان الصفاء و خلاّن الوفاء» التي وضعها أحد أجداده و هو «أحمد بن عبد اللّه» و هناك من يقول غير ذلك... و اللّه أعلم.

44

أبو عبد اللّه الشيعي داعية الفاطميين و مقيم دولتهم في المغرب‏

ضرب الأئمة الإسماعيليين «المستورين» الذين عاشوا في «سلمية» الرقم القياسي باستنباط و اختراع أساليب الدعاية و نشر الأفكار و التعاليم، فتاريخهم طافح بعدد كبير من الانتصارات التي حققوها بسرعة مذهلة، و من الواضح أن دعوتهم منذ أن وجدت في «سلمية» لم تتوقف يوما عن إرسال الدعاة إلى الأقاليم و البلدان لنشر مبادئهم، و استقطاب المؤيدين و الأنصار، و إقامة المراكز و المكاتب، و يحدثنا تاريخهم بأنهم منذ أن حطوا الرحال في «سلمية» لم يدخروا وسعا، و لم يتقاعسوا عن تنفيذ هذه المهمة الأساسية في بناء دعوتهم، و قد كانت أولى طلائع تلك الجهود التي لم تكن تستثني المناطق البعيدة، حملة الداعيين:

«الحلواني و أبو سفيان» الذين تم إرسالهما سنة 160 هـ إلى المغرب الأقصى بمهمة الدعاية للدعوة الإسماعيلية و لتعاليمها

45

و عقائدها، و بعدهما أرسل «رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب» المعروف (بمنصور اليمن) ، «و علي بن الفضل» إلى اليمن، و هذان الداعيان لهما تاريخ حافل بالبطولات و الفتوحات، و يحدثنا تاريخهما: بأنهما نزلا في بادى‏ء الأمر ببلدة «غليفقة» على ساحل البحر الأحمر، ثم انتقلا منها إلى «الجند» ، و واصلا بعد ذلك التقدم و الزحف رويدا رويدا، و في خلال مدة تقرب من العشرة سنوات، أصبح الجزء الأكبر من اليمن خاضع لهما و لنفوذهما، و لو لا خلاف ذرّ قرنه أخيرا بين الداعيين لتحولت اليمن بكافة أجزائها إلى الفاطميين، و لكان «عبيد اللّه المهدي» أقام دولته فيها، و تغيّر وجه التاريخ العربي.

و تشاء الأقدار أن يتعرف في موسم الحج الى الداعي الكبير «الحسين الأهوازي» و كان مكلفا يمهمة دعائية في أوساط الحجاج في الديار المقدسة، و بعض الأقاليم الخاضعة لحكم الدولة العباسية.

أجل... شاءت الأقدار أن يتعرف إلى «الحسن بن أحمد بن زكريا» الذي عرف بالتاريخ فيما بعد «بأبي عبد اللّه الشيعي» أو «الصنعاني» أو «الصوفي» أو «المعلم» ...

و أبو عبد اللّه هذا يمني الأصل، و كان يعيش في بغداد، و يتولّى وظيفة أعمال الحسبة، فأنس إليه الأهوازي، و توسم‏

46

فيه خيرا، بل وجد فيه ضالته المنشودة، و بعد سلسلة من اللقاءات أقنعه بصواب فكرته، و بصحة مبادئه، و عرض عليه فكرة الذهاب إلى اليمن، و الالتحاق بالداعي ابن حوشب للعمل معه، و التمرن على يديه، فقبل أبو عبد اللّه المهمة بعد أن اقتنع بصوابها، ثم التحق بابن حوشب في اليمن و لازمه و عاونه و تعلم منه أساليب الدعاية، و العمل السياسي، و بعد مضي فترة قصيرة تمكن من الحصول على ثقته و تقديره مما جعله من المقربين إليه، بل من المخلصين الذين استحقوا تبوء أعلى المراتب. و لما كان ابن حوشب يعلم بأن منصب رئاسة الدعوة العامة في المغرب أصبح شاغرا بعد وفاة الحلواني و أبو سفيان فإنه عهد إليه بشؤون الدعوة في المغرب و هكذا كان، فقد ذهب أبو عبد اللّه بعد أن زوّده منصور بالتوصيات و المعلومات و الأموال و كل ما يحتاج إليه و كان وفوده بادى‏ء ذي بدء إلى الديار الحجازية-وفق خطة مرسومة-فأقام فيها فترة و هو يخفي مهمته إلى أن حان وقت وفود الحجاج إلى المدينة، ففي هذا الوقت بذل نشاطه، و نفّذ خطته، فاتصل بحجّاج قبيلة «كتامة» المغربيين، و تحدث إليهم طويلا، و لمرات عديدة، فأعجبهم علمه و تفكيره و بعد نظره، و كان أن أظهروا له رغبتهم بالذهاب معهم إلى «كتامة»

47

لقضاء فترة بينهم يتولّى في خلالها تعليمهم ما ينقصهم من العلوم و المعارف و قواعد الدين، فأعلن لهم عن تردده مظهرا انشغاله بأمور أخرى، و لكنه أخيرا نزل عند رغبتهم، و وافق على طلبهم. و كان تردده مناورة و خطة أخفى وراءها أغراضه و مراميه، و هكذا ازداد تعلقهم به يوما بعد يوم، و اجتمعوا على محبته و الانضواء تحت إرادته بعد أن رأوا فيه من الورع و التقشف و الصدق و الرجولة ما لم يروه بغيره من الرجال.

أما أبو عبد اللّه فقد تمكن بما جبل عليه من فهم و ذكاء، و بفترة قصيرة من الإحاطة بكل شي‏ء من أحوال «كتامة» و مشاعرها و رغباتها و آمالها، فاستغل هذه الإدراكات و جعلها منطلقا للنفاذ إلى غاياته و أهدافه، و كلها تقضي باشتياقهم لحمل السلاح و شن الحروب، و افتتاح البلدان، و مناهضة الملوك و الحكام المستبدين الذين يعكرون صفو حياتهم، و يسيئون معاملتهم، و يشيعون في أرجاء بلادهم الظلم، و الفساد.

و يذكر التاريخ: إن أبا عبد اللّه وصل إلى منطقة «كتامة» سنة 288 هـ فوجد لدى الناس قابلية و استعدادا لقبول كل ما يبشر به من أفكار و مبادى‏ء، أو بلغة أصح وجدها صالحة و ممهدة من قبل الداعيين «الحلواني و أبو سفيان» بحيث لا تحتاج تلك الأفكار إلاّ للتنفيذ و التطبيق، أما رحلته من الديار

48

الحجازية إلى بلاد «كتامة» في المغرب فيذكرها التاريخ بأنها تمّت وفق خطة رسم خطوطها بعناية فائقة، فعند وصوله إلى مصر أظهر للكتاميين رغبته بالعودة إلى وطنه و إلغاء الرحلة، و عند ما تقدم لوداعهم ظهرت عليهم علائم الحزن و الاسى، و شق عليهم فراقه، كما لم يتمالكوا أنفسهم من ذرف الدموع، و في هذه الدقائق سألوه: إذن لماذا جئت بنا إلى مصر، و كان بإمكاننا سلوك طريقا آخر أقرب فقال: إنني بحاجة إلى التزود من العلم، و هذا ما جعلني مضطرا لذلك، و هنا أعادوا الكرة عليه، و ألحّوا طالبين منه العودة عن قراره و تنفيذ وعده، و ما زالوا به حتى أجابهم إلى طلبهم، فاستأنفوا السير، و ما زالوا حتى أصبحوا على مقربة من بلاد كتامة (و هي تقع الآن في بلاد الجزائر) فخرج إلى لقائهم الأهل و الأصحاب و عدد كبير من أهل الحل و الربط و النفوذ، و فيهم من عرف «الحلواني و أبو سفيان» و لما وقفوا على خبر أبي عبد اللّه، و تحدثوا إليه، أحلوه من أنفسهم، و أعلنوا له عن سرورهم و تقديرهم و ترحيبهم بمقدمه، راغبين إليه البقاء لمدة طويلة، و كانوا يتسابقون على إنزاله بضيافتهم، و يروي التاريخ أنه سألهم:

أين «فج الأخيار» ؟

فدلوه عليها... فقصدها، و كانت قرية صغيرة تقع‏

49

في جبل «إيكجان» القريب من «قسطنطينة» و هناك و على مسمع من الرجال الذين رافقوه قال لهم:

هذه «فج الأخيار» ، و ما تسمّت إلاّ بكم، فلقد جاء في الأخبار أن للمهدي المنتظر هجرة ينبو بها عن الأوطان، و ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان... قوم اسمهم مشتق من الكتمان، و لخروجهم من هذا الفج سميت فج الأخيار... فتندرت بأقواله القبائل، و أتته البربر من كل مكان، و عظم أمره، و ما لبث أن كشف لهم عن قصده و عقيدته، و رسالته التي كلف بإبلاغها إليهم، فازدادت محبتهم له، و عظم أمره فيهم و هرعت القبائل إليه طائعة مستسلمة ملبية رغباته، عارضة خدماتها.

و يزيد التاريخ على ذلك قوله: بأنه اتخذ من «فج الأخيار» دارا له، و منطلقا لتوجيه دعاته... و الفج كما ذكرنا تقع في نواحي «ايكجان» التي أطلق عليها قديما اسم «تزاجان» «najjazT» و كانت محطة لاجتماع الحجاج العائدين و الذاهبين من الأندلس و شمالي المغرب الأقصى.

و مهما يكن من أمر فإن أبا عبد اللّه رغم تلك الانتصارات البدائية، و ذلك التأييد المطلق الذي حققه في تلك الفترة القصيرة،

50

فإن طريقه كان مليئا بالعثرات و محوطا بالمصاعب... فهناك بعض الفقهاء و العلماء و رجال الدين الذين نازعهم الحسد و تسرب إليهم الخوف على مراكزهم و مكانتهم، هؤلاء هرعوا إلى زرع المصاعب في طريقه، و وضع العقبات الكأداء، و اختلاق الإشاعات، بعدما تحققوا مما وصل إليه من حب الناس و تقديرهم و ولاءهم، و انصرافهم عنهم، و في كل هذا ما يعجل بانتهاء أدوارهم، و لكن أبو عبد اللّه تغلب عليهم بما أوتيه من علم و فصاحة، و وسائل الإقناع، و مجابهة الأحداث، و كل هذا شجّع همة الداخلين في طاعته، فتوافرت جموعهم على تأييده، و الأخذ بناصره و قوي أمره، و استقام له البربر خاصة، و عامة «كتامة» .

أجل... كانت الثمانية أعوام التي قضاها أبو عبد اللّه الشيعي ما بين سنة 288 هـ إلى سنة 296 هـ أعوام جهاد مستمر، و نضال منقطع النظير سلك في خلالها سياسة الحزم و الحكمة و القوة إلى جانب اللطف و الليونة، فتمكن من زرع الأفكار، و اكتساب المؤيدين و الأنصار بشكل منقطع النظير.

من الواضح أن أبا عبد اللّه الشيعي اعتمد على البربر و على كتامة بشكل خاص و هؤلاء عرفوا بحبهم للقتال و للغزوات،