الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج3

- عارف تامر المزيد...
120 /
1

الجزء الثالث‏

الموسوعة التاريخيّة للخلفاء الفاطميّين 3 المنصور باللّه‏

تأليف: الدكتور عارف تامر

دار دار

دمشق الجيل‏

2

-

3

الموسوعة التاريخيّة للخلفاء الفاطميّين‏

الخليفة الثالث:

المنصور باللّه‏

تأليف عارف تامر دكتور في الآداب‏

دار الجيل‏

4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الاولى 1980 م-1400 ه

يمنع الاقتباس او النقل او أي تصرف كان الا بأذن من المؤلف‏

5

في ربوع التاريخ‏

لسنا هنا في موقف الانتصار للفاطميين، كما و أننا نأبى و نحن نكتب صفحات من تاريخهم أن نسند إلى أنفسنا مهمة محامي الدفاع عن هذه الأسرة الكبيرة التي لعبت دورا بارزا على مسرح العالم العربي في فترة مبكرة من فترات التاريخ الإسلامي. فمهمتنا كما عاهدنا أنفسنا تنحصر بإيراد الوقائع و الحوادث، مأخوذة عن المصادر التاريخية المختلفة دون تعليق، فالتعليق معناه الرد، و الرد أيضا معناه فتح الباب على مصراعيه، و الدخول في مناقشات و مهاترات لا حد لها، و كل هذا ألزمنا انفسنا منذ البدء أن نضرب صفحا عن الانخراط في غمرة الصراع، و إبعاد هذه الموسوعة عن الانحدار إلى المستوى الوضيع، فللفاطميين تاريخ طويل عريض حافل تناوله المؤرخون العرب و المستشرقون فأفردوا له صفحات كتبهم و صحفهم، فمنهم من مدح، و منهم من قدح، و إني في الحقيقة لم أر في التاريخ العربي أسرة حاكمة نالت من اهتمام الناس، و تعرضت للطعن‏

6

و السب و الشمّ كما تعرضت هذه الأسرة، و يكفي أن يكون و صل الأمر ببعضهم إلى نسبتها لليهودية تارة، و إلى المجوس أخرى... و لعلّ هناك دوافع و أسباب تكمن خلف الأكمة، و قد ظلّت و ستظل غامضة إلى أن يقيض اللّه لها ما لم يكن في الحسبان.

و مهما يكن من أمر، و حيال هذا الواقع المرير، و لكي يكون القارئ الكريم على معرفة شاملة بالموضوع من كل جوانبه، رأينا أن نضع في هذا الجزء من الموسوعة المخصّص للخليفة الفاطمي الثالث «المنصور باللّه» بعض آراء و أقوال المؤرخين عن نسب الفاطميين، و بذلك نكون قد أفسحنا المجال أمام القارى‏ء لاستخلاص ما يراه صحيحا و معقولا، كيف لا و التمييز بين الغث و الثمين لمن أولى واجبات الإنسان المثقف عندما يترفع عن الأحقاد و الرواسب.

أجل... ترك المؤرخون العرب الأقدمون آراء كثيرة متباينة عن نسب الفاطميين، و من الجدير بالذكر أن الاختلافات بينهم لم تقف عند حد، بل أعقبها تعليقات شتى، و تقولات و آراء عديدة كان منها المؤيدة، و منها الداحضة، و قد يكون من الفائدة إعطاء القارى‏ء فكرة عنها:

إن المستشرق الإفرنسي دي ساسي‏ «ycaS eD» في‏

7

كتابته عن الموضوع ألقى قبسا من النور، و خرج عن مبدأ التحيز، و يبدو أنه وضع أمامه فكرة نقد شذرات مهمة كتبها «الشريف أخو محسن العلوي الشيعي» و هو ضد الفاطميين، و قد نقلها عنه ابن النديم و نسبها خطأ إلى ابن رزّام، و لكن المؤرخ النويري في كتابه نهاية الارب، و المقريزي في تاريخه اتعاظ الحنفا ناقشا عبارة أخي محسن تلك، و فندا أقواله، و لم يأخذا بها.

و دي ساسي بعد أن اطلع على كل ذلك مال إلى الأخذ بمبدأ صحة نسب الفاطميين فقال:

«لو ان عبيد اللّه المهدي كان دعيّا حقا، و لم يكن من سلالة علي بن أبي طالب، فإن ابناء علي الحقيقيين الذين لم يتطرق اليأس إلى نفوسهم لم يفقدوا الأمل قط في أنه سيأتي اليوم الذي يستطيعون فيه أن يؤكدوا حقوقهم، و أن يهتموا بكشف القناع عن هؤلاء الأدعياء» و يضيف:

«إن مسألة نسب الفاطميين من أعقد مسائل تاريخ الشرق و أكثرها غموضا و إبهاما، و يقيني أن كتّاب التاريخ في ذلك العصر كتبوا ما كتبوا متأثرين بسطوة العباسيين الحاكمين» .

و قال المستشرق كترمير «eremertauQ» :

8

«على أن بعد الزمن، و ما ساد العقول من أوهام، و ما تسلط على نفوس الرجال من ميول و نزعات، و ما أدلى به المؤرخون من أدلة متناقضة متضاربة، فمنهم من كتب متأثرا بسلطان العباسيين، و منهم من قام بهذا العمل عن سابق عداوة و حقد لهذه الأسرة، و كل هذا أحاط مسألتهم بظلام دامس، و على الرغم من تباين آراء الكتاب الأقدمين في هذه المسألة، فإني أميل إلى القول باطمئنان و ثقة بأن نسب الفاطميين إلى علي و فاطمة صحيح لا غبار عليه» .

و يعلق بعض المؤرخين على قصيدة «الشريف الرضي» الشاعر الكبير، و الفقيه العلوي المشهور، تلك القصيدة التي أثارت و حركت أحقاد و حنق الخليفة العباسي القادر، و قد نقل المؤرخ المقريزي عن هلال الصابي و ابنه محمد: بأن الرضي لم يودع ديوانه هذه القصيدة خوفا من الخليفة العباسي لأن فيها دعما لنسب الفاطميين و دليلا على قرابته منهم، و هي على العموم وثيقة تاريخية دامغة تثبت انتساب الرضي لخليفة مصر الفاطمي:

أما مقامي على الهوان و عندي # مقول صارم، و انف حميّ

حمل الضيم في بلاد الأعادي # و بمصر الخليفة العلوي‏

9

من أبوه أبي و مولاه مولا # ي إذا ضامني البعيد القصيّ

لفّ عرقي و عرقه سيدا النا # س جميعا محمد و عليّ‏

أما المؤرخ ابن الأثير فإنه جعل لقصيدة الشريف الرضي هذه أهمية تاريخية كبرى و زاد فقال:

«إنه ناقش مسألة هذا النسب مع جماعة من العلويين العالمين بالأنساب، فلم يرتابوا في أن الفاطميين من أولاد علي و فاطمة» .

و يأتي المؤرخ ابن خلدون ليدحض في مقدمته كافة الأقوال التي أنكر فيها الكتاب و المؤرخون صحة نسب الفاطميين فيقول:

«و من الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثيرون من المؤرخين عن «العبيديين» الشيعة في القيروان و نفيهم عن أهل البيت، و الطعن في نسبتهم إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، فهؤلاء يعتمدون على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس تزلفا إليهم بالقدح ممن ناصبهم العداء» .

أما المؤرخ المقريزي فقد شدد النكير على هؤلاء القائلين بعدم صحة النسب، فهو في بعض مراجعه يعتبر أن نسبتهم إلى «القدّاح» أسطورة سخيفة، و يضيف على ذلك قوله:

10

«إن الأئمة الفاطميين في «سلمية» لم يكونوا معروفين لغير خاصتهم، و أن العامة لم يكونوا يعرفون أسماء هؤلاء الأئمة، كما أن دعاتهم أنفسهم كانوا يختلفون قصدا في ذكر أسمائهم، و ذلك لكي يحوطوهم في سياج من المتعة و التخفي» و قال في مكان آخر من كتابه:

«إن علية القوم في مصر و من بينهم طائفة من الاخشيديين و رجال البلاط جميع هؤلاء قدموا كل ما استطاعوا من معونة لعبيد اللّه المهدي عندما جاء إلى مصر بطريقه إلى المغرب لا لشي‏ء إلاّ لأنه من أولاد علي و فاطمة» .

و في الأبيات التالية للشاعر المغربي «ابن سعدون الورجيلي» بيان واضح عن نسب عبيد اللّه المهدي:

هذا أمير المؤمنين تضعضعت # لقدومه أركان كل أمير

هذا الإمام الفاطميّ و من به # أمنت مغاربها من المحذور

يا من تحيّر من خيار دعاته # أرجاهم للعسر و الميسور

11

الفكر الفاطمي في بنيان الاسلام:

الامامة-قيادة و سياسة:

هذا الفصل كان لا بد من إثباته أيضا في هذا الجزء من الموسوعة و الغرض منه إلقاء الأنوار على نواحي غامضة، و إظهار حقائق محجوبة عن الأنظار، و إعطاء فكرة صحيحة عن موضوع شغل و يشغل فكر المثقف العربي، و لا بد من القول بأن كل ما نذكره لا يخرج عن كونه خدمة أدبية تقود إلى الواقع المجرد، و الحقيقة الواضحة، لا سيما و فيها دحض لكافة الادعاءات و الاقوال التي تحكمت بالعقول فترة من الوقت، ثم طغت عليها فكانت سببا لضياع الحقائق و لطمس الوقائع.

فنحن عندما نقول بأن الفكر العربي بالرغم من اتساعه، و شموله، و وفرة عطاءاته، و خصب لمحاته قد تأثر في عهد ظهور الإسلام بأفكار غريبة، و لقاحات جديدة تسربت‏

12

إليه من مجتمعات دينية و ثقافية أخرى بفعل العوامل السياسية العنيفة التي اتخذت أهدافا لها مغايرة كانت ترمي إلى إحداث الفجوات في البنيان المتين الذي اكتمل بظهور الرسالة المحمدية السمحاء، فلا نكون قد خرجنا عن مبدأ الواقعية، أو تجاوزنا حدود الحقيقة.

فهذا الفكر كان لا بد له من الرضوخ، و الانصياع إلى الملامح، و إلى الإشعاعات التي ظهرت بسرعة ثم تسربت إلى الأرض الحصبة لتخلع عليها مبادى‏ء جديدة و أفكار تحمل في باطنها طعن الأصل و الجوهر، و تفكيك كل ما جاء به من أفكار و تعاليم و مبادى‏ء، و قد يكون من أولى الواجبات على الباحث المنصف دراسة التقلبات الفكرية، و التلاحقات العقلية في ذلك العصر البعيد، و تسليط أنوار العقل، و استخدام المجاهر لرؤية الخيوط المتشابكة، و سبر أعماق ما وراء الموضوع من أمور خافية، و قضايا مجهولة غطّت على الحقيقة، و حجبتها عن الأنظار فالعقل الإنساني منذ أن وجد على سطح هذا الكوكب يحنّ إلى الانفلات من القيود التي توضع لتقييد أفكاره و تطلعاته، و يتوق إلى الكمال المطلق حيث المعرفة و الراحة و الاطمئنان.

هذا الواقع الحياتي لا أجد تعبيرا أطلقه عليه سوى القول:

13

بأنه انتفاضة العقل، أو الثورة على القديم، فكثيرا ما تكون هذه الانتفاضات مخلوقة فيه، او راقدة في أجزائه تنتظر الفرصة السانحة للظهور، و قد يكون للعوامل، و للمؤثرات الخارجية أسبابها و فاعليتها في تحركه، و خروجه أحيانا عن الواقع المألوف.

أجل... كان العقل العربي بعد أن استراح في ظل الإسلام يمتلك قوة روحية و طاقة طافحة بالإيمان، مستعدة لقبول أي تأثير نبيل يدخل عليها، و يزيدها قوة و تقدما و انطلاقا...

إذ أن الإسلام غمرها بالثمار الفكرية اليانعة، و الدفع الجديد، و الدم الشاب، فأفاض عليها الخلق و الإبداع، و أعطاها النمو و الازدهار و قلب الموازين، و غيّر الاتجاهات لدرجة أنه نفذ إلى ما وراء الحدود ليزرع فيها بذور المعرفة و الثقافة و الشروق، و لكن لا بد لنا و نحن في معرض التحدث عن هذا الموضوع من التساؤل؟

هل استمر ذلك الواقع طويلا، و هل سلمت الأفكار الجديدة من مؤثرات برزت للوجود و في جعبتها التيارات الجارفة، و التعاليم العصبية التي تهدف إلى إحداث الانتفاضة في بناء العقل، و تحويله عن مبادئه و أهدافه، و جعله يسير في اتجاهات أخرى تكمن في جوانبها الثغرات و الفجوات؟

14

إن الوقائع و الحقائق تدل على انه ما كاد نجم الرسالة المحمدية يتوارى حتى ظهرت للوجود الأفكار الجديدة، و الدعوات المستوردة التي قامت باسم الدين و أخذت تبشر بأفكارها، و تستقطب المؤيدين من الناقمين و الطامعين، و قد يكون أسباب كل هذا أطماع النفوس، و التخلي عن المبادى‏ء الإنسانية، و تحريك العصبيات، و بروز النزوات، و الدعوات القبيلية و العائلية.

فلقد حوّل ذلك الواقع المبدأ الأساسي عن نهجه الأصيل، و سار بعيدا في مضمار التطرف العنيف لدرجة أنه لم يترك فرصة للالفة أو التقارب بين الفئات المتصارعة و كان من جراء تلك الفرقة أو الهوة السحيقة ان فصلت الأجزاء المتلاحقة عن بعضها البعض و جعلتها عرضة للتيارات الجارفة و للعواصف الهوجاء تتلاعب بها، و تعصف بحياتها، و وجودها...

و هنا لا بد من العودة إلى التاريخ لاستعراض ما جاء فيه، مدللين على أن الحقيقة كثيرا ما يجرفها الجهل و يخفيها وراء سجفات الظلام.

إن مبدأ «التشيع» كان أول بذرة غرست في أرض البناء، بل أول دعوة تسربت للمجتمع الإسلامي بعد انتقال النبي الكريم، و هي في الحقيقة فكرة بثها و عممها و دعا إليها

15

الفريق المعارض الذي خسر معركة الخلافة الأولى، أو بلغة أصح هي الطعنة النجلاء التي لم يكن هناك بدا من توجيهها للفئة الحاكمة التي استأثرت بالحكم، و تلك المبادى‏ء كما هو معروف ارتدت الطابع الديني باسم «الخلافة» ثم تفرعت منها فيما بعد الدعوات الأخرى المختلفة التي لا تزال قواعدها قائمة و عاملة حتى يومنا هذا.

فالامامة التي تعتبر من وجهة النظر الشيعية المحور أو الركن الأساسي للعقيدة و للدولة، تطورت و انبثقت عنها نظريات أخرى اتخذت أبعادا أخرى مختلفة ثم تشعبت و أدت إلى اختلافات و انقسامات بالأصول و بالفروع مما يطول شرحه.

و في هذه الصفحات نرى لزاما علينا، و نحن في صدد التحدث عن التاريخ الفاطمي، أن نستعرض آراء أعلام الفاطميين في «الإمامة» و دورها في القيادة، و كل هذا مأخوذ من مصادر تاريخية موثوقة، و لا شك أنها تغير الأفكار، و تمحي النظريات، و تعيد الحقيقة إلى قاعدتها، و الواقع إلى أساسه.

فالإمامة لم تكن في يوم من الأيام بالنسبة للفاطميين إلاّ القاعدة الرئيسية للدولة و للدين، و قد استعاضوا بها عن الخلافة قبل الدور الفاطمي في أفريقيا الشمالية و مصر، التي قال بها

16

الأمويّون و العباسيّون، كما أنهم أطلقوا عليها اسم «الوصاية» و معناها التولية. إذن فهي نظام من أنظمة الحكم قوامه القرآن، و أساسه الشريعة المحمدية، فالإمام عندهم هو نائب النبي، و القائم مقامه في الحفاظ على اسس الدين، و حماية الشريعة و حراستها و حفظها من أي تغيير أو تحوير أو تبديل، و من الحقائق الثابتة أن الإمامة ليست رجعة الإمام بعد موته أو التجسيم أو الحلول، أو معرفة الغيب و الأسرار، أو القدرة على كل شي‏ء، أو تقمص الألوهية، و قد يكون من المفيد إيراد الشواهد التي تلقي الأنوار الساطعة على هذه العقائد، و تبعد عنها التقولات الأخرى التي هي بحد ذاتها بعيدة كل البعد عن الجوهر و الأصل.

فقد ورد في كتاب «المجالس و المسايرات» خطاب وجهه الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين اللّه إلى قاضي قضاته «النعمان بن حيّون» التميمي قوله:

«إنه انتهى إليك و إلينا قولهم اننا ندفع نبوءة محمد، و ندعي النبوءة بعده، و ندفع سنته و شريعته و ندعو إلى غيرها، فلعن اللّه من قال بهذا و انتحله و ادعاه و من تقوّله علينا و رمانا به و نسبه إلينا» .

و قال داعي الدعاة المؤيد في الدين في مجالسه المؤيدية: غ

17

«من دان بألهية البشر ممّن مضى و من غبر، خاب في الدارين و خسر، و ما فيه عبرة لمن اعتبر، و ذكرى لمن تذكر، فاستعيذوا باللّه تعالى من الوقوف في موقف شركهم و إطلاق الألسن بمثل افترائهم و كذبهم» .

و قال أيضا في أحد مجالسه المؤيدية ايضا:

«و جانبوا الغلو فيهم، فإن الغالي هالك، و في وادي سقر سالك، و اعلموا أن أولياء اللّه من طينة الأرض معجونون، و للكون و الفساد من حيث اجسامهم مضمونون، يمسكهم الشراب و الطعام، و تلحقهم الأمراض و الآلام، و يقضي عليهم عند استيفاء أيامهم الحمام، لا كما زعم الزاعمون من الجهلة الذين تسببوا في اعتقادهم السخيف إلى الراحة و اطراح التكليف انهم مترددون برداء الإلهية، و في قولهم من الخلل ما لا يعلق بقلب، و لا ينطوي على ذي لب» .

و قال الفيلسوف الكرماني في رسالة الهادي و المستهدي:

«إن أعظم الفرق ضلالة هي «فرقة الغلاة» التي ضلّت و أضلّت غيرها فانسلخت عن جملة أهل الدين و الديانة» .

و قال المؤرخ المقريزي:

«إن الحاكم بأمر اللّه عمد سنة 395 هـ إلى إصدار قوانين المنصور-2

18

بدافع الشعور الديني لإصلاح الأخلاق، و تطهير النفوس من رذائل المجتمع، كما انه أصدر السجل المشهور و سمّاه «أمان جدنا محمد خاتم النبيين، و أبينا علي خاتم الوصيين» .

و قال ابن خلدون:

«و امّا ما رمي به الحاكم بأمر اللّه فغير صحيح و لا يقبله عقل سليم» .

و قال العلاّمة الدكتور سرور:

«ليس هناك ما يثبت ان الحاكم بأمر اللّه قد ذهب بتصوراته الدينية إلى حد الخروج على قواعد الإسلام» .

و قال محمد عنّان:

«لقد ظلم التاريخ الإمام الحاكم بأمر اللّه كما ظلم غيره من المصلحين، فالحاكم كان مصلحا على طريقته، و كان يرمي بما يصدره من القوانين و الأحكام إلى غايات خفيت على العامة لأنها تتعلق بسياسة الدولة العليا، من هنا كان الريب في حكمتها، و كانت القسوة في تطبيقها» .

و قال العقاد:

«كان الحاكم يمنع تقبيل الأرض بين يديه و لا يرضى ان تلثم يداه و ركبتاه» .

19

-

20

«ما ألحد فينا، و لا أراد إدخال النقص على شي‏ء من امرنا إلاّ ابتلاه اللّه في عاجل الدنيا ببلاء يكون نكالا» .

و قال الخليفة الفاطمي الثاني القائم بأمر اللّه:

«إنما يذهب إلى النار من انتسب إلينا، و قال عنّا اننا نعلم الغيب و ما تخفي الصدور» .

و قال الدكتور محمد كامل حسين الاختصاصي بالتاريخ الفاطمي في كتابه في أدب مصر الفاطمية:

«و هكذا فإننا نرى الفاطميين لا يختلفون في عباداتهم عن غيرهم من المسلمين، فهم يحرمون ما حرمه اللّه، و يتجنبون المآثم و المعاصي، و يحللون ما أحلّه اللّه للمسلمين، و لكن التأويل الباطني هو السبب بتوسيع هوة الخلاف، فهذا التأويل الذي سيطرت عليه أهواء السياسة و الزعامات الدنيوية فقد أسبغوا بتأويلهم الفضائل على أئمتهم فجعلوهم بمقام العقل الأول، و صفات اللّه، و أسماءه الحسنى جعلوها للعقل الأول، أمّا الخالق المبدع فقد نزّهوه عن كل صفة و وحّدوه و قالوا:

بأن الإمام مكوّن من جسم و نفس، و بعد موته يتحلل كل قسم إلى ما يناسبه، فالجسم الترابي يعود إلى التراب، و النفس اللطيفة تعود إلى ما يناسبها و يجانسها فتصبح هذه‏

21

النفس عقلا من العقول المدبرة للعالم، فلا تتناسخ، و لا تتلاشى. فالفاطميون لم يقولوا بالتناسخ و لا بالحاول و لا بالتلاشي. و هذا أكبر داع من دعاتهم و هو المؤيد في الدين داعي الدعاة يقول في هذا المعنى:

فكيف شرع الأنبياء ندفع # و ما لنا إلاّ النبي مرجع

بنوره في الدرجات نرتقي # و بالكرام الكاتبين نلتقي

يا رب فالعن جاحدي الشرائع # و ارمهم بأفجع الفجائع

و العن إلهي غاليا و قاليا # و لا تذر في الأرض منهم باقيا

و يذكر التاريخ:

إن الإمام علي بن أبي طالب كان أشد قسوة، و صرامة على القائلين بالألوهية، و هكذا جعفر بن محمد الصادق، فإنه حارب الأفكار المتطرفة كما حاربها أحفاده الذين جاءوا بعده، و تبرأوا من قائليها، كما أنهم حثوا دعاتهم على نبذها، و شجبها، و استهجانها.

و جملة القول فإن الفاطميين رتبوا لدعوتهم نظاما دقيقا محكما لا نكاد نجد له مثيلا في تاريخ الدول و الدعوات حتى في عصرنا هذا الذي عرف فيه للدعاية القدر و المكانة.

و عندما نقول ذلك يتبادر إلى ذهننا العصر الذي عاشوا

22

فيه... ذلك العصر الذي يعتبر من أزهى عصور الإسلام، و أكثرها رقيا و مدنية و حضارة، و خاصة من الناحية الفكرية، حيث أن الحياة العلمية و صلت إلى درجة كبيرة من النمو و الازدهار... فقرّب الخلفاء الفاطميون العلماء، و شجعوا الطلاب، و أوقفوا الأرزاق الثابتة على المشتغلين بالعلم حتى يتهيأ لهم التفرغ لما أهلّوا أنفسهم له، فكانوا أسبق من كافة الدول الإسلامية إلى فهم حقيقة العلم و أسبق من جميع الدول الأخرى التي لم تعرف للعلماء قدرهم، و لم تعطهم حقهم، و قد رأينا كيف كانوا يهتمون بإنشاء دور العلم، و المعاهد، و خزائن الكتب، و المكتبات، و هكذا وجد العلماء ملاذا يؤويهم من العوز، و يحميهم من الفاقة، بل وجدوا ما يشجعهم على مواصلة التحصيل و البحث و الدرس و التأليف. و شجع الفاطميون العلم القائم على العلم و العقل و الجدل و المناظرات لأن مبادءهم كانت تقوم على العلم و العمل بآن واحد، و استخدام العقل، و مطابقة المحسوس للمعقول، و لقد أثرت الفلسفة اليونانية، و المذاهب القديمة فيهم فاهتموا بألوان هذه الدراسات الفلسفية، و استعملوا بعض اصطلاحاتها و طرقها، و درسوها حق دراستها في وقت كانت بعض الفرق الأخرى ترمي كل من يشتغل بالفلسفة بالزندقة و الإلحاد.

23

و مهما يكن من أمر فإن الفكر اليوناني وجد ترحيبا من الفاطميين، و قد توسعوا في دراسته و فلسفته، و قد ذكر المستشرق أوليري:

بأن الحركة الفاطمية أخذت مكانتها في جو مشبع بالفكر الهليني، و إحياء دراسة المواد اليونانية. و نحن لدينا أكبر دليل على اهتمام الفاطميين بالعلوم... فقد ذكر:

بأن الخليفة الفاطمي الخامس العزيز باللّه كاتب جبرائيل ابن بختيشوع و استدعاه إلى مصر فاعتذر، و استدعى الخليفة السادس الحاكم بأمر اللّه الحسن بن الهيثم فاستجاب له و أقام في القاهرة تحت كنفه، و كتب الحاكم بأمر اللّه أيضا إلى و الي حلب يطلب إليه دعوة المعري إلى مصر، و كان قد عرض عليه بناء دار للعلم خاصة به، مضافا إلى ذلك انه سمح له بخراج معرة النعمان في حياته و بعد موته، و عرف عن الفاطميين أنهم كانوا متسامحين مع العلماء الذين لم يدخلوا في عقيدتهم، أو يستجيبوا لهم.

و قد ذكرنا ان الفاطميين كان لهم دعاة في جميع أرجاء البلاد الإسلامية يناقشون و يجادلون أصحاب المذاهب الأخرى، و رأينا كيف التفّ عدد كبير من العلماء حول هؤلاء الدعاة

24

يأخذون عنهم العلوم و المعارف، و هذا يدل على ان حركتهم لم تتوقف في قطر معين بل شملت كافة الأقطار الاسلامية و خاصة في القرن الرابع للهجرة.

فأبن حوقل كان متشيعا حتى أنه نسب إليه أنه كان من دعاتهم، و الفارابي عندما يتحدث عن القلم و اللوح و الحدود العلوية فإنه يستخدم تعابيرهم، و اصطلاحاتهم، و ابن سينا عرف بأنه ابن أحد دعاتهم، و أن فلسفته لا تختلف إلاّ قليلا في الفروع و الأسلوب عن فلسفتهم، و ابن الهيثم كما ذكرنا كان متصلا بأحد أئمتهم و عاش في كنفه، و المعري كان متأثرا بآرائهم إلى حد بعيد، و الغزالي انتهى في أواخر حياته إلى حد الإيمان بفلسفتهم و هكذا نصير الدين الطوسي، و المجريطي و غيرهما.

و الحقيقة: فإن الوقت لا يسمح الآن بتعداد الوقائع مفصلة عن المدرسة الفاطمية الفكرية و دورها في خدمة الفلسفة و العلوم، و لكن لا بد من القول بأن كتابهم «رسائل إخوان الصفاء و خلاّن الوفاء» قد ضمّ مختلف أنواع العلوم كالرياضيات و الموسيقى و الطب و الطبيعيات و المنطق و الأدب و الشعر و علم الفلك إلى غير ذلك، و هكذا يظهر لنا من كتابهم هذا بأنهم كانوا يعتمدون على العلوم، و يميزون الإلهيات من الطبيعيات.

25

و مهما يكن من أمر فإن التوحيد الفاطمي الإلهي قد ورد في كتبهم و هو يعطي الدليل على عراقتهم و امتلاكهم مبدأ التوحيد الصحيح الذي اعتبر بأنه فتحا جديدا في عالم الإلهيات و العبادات، فاللّه عندهم هو المنزه عن الأسماء و الصفات...

لم يتجانس، و لم يتشاكل، و لا تبصره الأبصار أو تدركه الأفكار، أو تلحق به العقول... ليس في مكان، و لا في زمان، لا بأول و لا بآخر، لا يعرف، و لا يبصر، و لا يحصر، و لا يكيف، فهو مبدع الوجود، و أول الوجود... تعالى عن شبه المحدودين، و تحيرت الأوهام في نعت جبروته، و قصرت الأفهام عن صفة ملكوته، و كلّت الأفكار عن إدراك عظمته.

و الخلاصة فنحن عندما نذكر كل هذا فإننا لا نتوخّى إلاّ إيفاء الموضوع حقه من البحث، و جعل القارى‏ء الكريم على معرفة و بيان شامل بكل ما يتعلق بالفاطميين سواء من الناحية السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية.

26

أمام المصادر التاريخية:

في موسوعتنا هذه اعتمدنا على مصادر تاريخية عديدة ذكرنا أسماءها في آخر كل كتاب، و هناك مصادر لم نأخذ عنها إلاّ بما يقرب إلى العقل، لأن فيها الكثير من التشويش و المبالغة، بالرغم من أن بعضها فاطمية، و هنا لا بد من وقوف أمام هذه المصادر و إيراد بعض منها بالنظر لطرافتها:

هناك كتاب «المجالس و المسايرات» ، و كتاب «افتتاح الدعوة» و هما للقاضي النعمان بن حيّون التميمي قاضي قضاة الدولة الفاطمية، و هناك كتاب «استتار الإمام» للنيسابوري «و عيون الأخبار» لادريس عماد الدين، و سيرة «جعفر الحاجب» لمحمد اليماني، و سيرة جوذر الكاتب، و هناك أيضا قصيدة «ذات المحن» للنعمان و هي تعتبر من أقوم المصادر في وصف ثورة أبي يزيد مخلّد بن كيداد الخارجي، و نبدأ بسيرة جوذر:

27

ففي هذا الكتاب يتحدث مؤلفه عن رجل من رجال الدولة الفاطمية الذين أغفل المؤرخون ذكرهم، و هو جوذر الصقلي الملقب بالأستاذ، و قد كانت له مكانة رفيعة في الدولة الفاطمية بالمغرب، و مكانة عليا لدى الخلفاء الفاطميين.

يحدثنا الكتاب:

عن دخول جوذر في خدمة عبيد اللّه المهدي أول خليفة فاطمي بالمغرب، و يذكر كيف أن المهدي أهدى هذا الغلام إلى ولي عهده القائم بأمر اللّه، و كيف قويت أواصر الثقة و المودة بين العبد و سيده، حتى أن القائم و كان لا يزال وليا للعهد استخلفه على قصره و على جميع من فيه من الأهل و الحرم، حينما ذهب على رأس إحدى الحملات العسكرية، و لمّا توفي المهدي خصّ القائم جوذر دون سائر أهله و رجال الدعوة بمرتبة الاستيداع أي الوصاية على ولي عهده المنصور باللّه بن القائم، فظل هذا السر ثلاث سنوات حتى أعلن القائم ولاية العهد على الملأ، و في خلافة القائم أصبح جوذر صاحب بيت المال، و وكل بخزائن الكساء، كما كان سفيرا بين الخليفة و سائر الناس، و هكذا ارتفعت منزلة جوذر و أصبح له نفوذا واسعا في تلك الدولة الفتيّة فهابه الناس، و قد اشتهر بحبه‏

28

للخير، و عطفه على الفقراء، و طبقات الشعب مما جعل له مكانة في قلوب الناس كافة.

و عندما توفي القائم بأمر اللّه لم يعلن المنصور باللّه عن وفاة أبيه، و أبقى الأمر سرا و لم يعلم به إلاّ جوذر، ثم أنه خرج لحرب الخوارج، و استخلف جوذر على دار الملك، و سلّمه مفاتيح خزائن الأموال، و لمّا عاد من حروبه «أي بعد سبعة أعوام» أعلن عن موت القائم، و كافأ المنصور جوذر على خدماته و أعتقه و لقبه «مولى أمير المؤمنين» و أمره أن لا يكني في رسائله أحدا، و لا يقدم على اسمه اسما إلاّ الخليفة، و ولي العهد، و أن يرقم اسمه بالذهب على ملابس الخليفة، و ولي عهده، و أن يثبت اسمه على البسط و الحصر كل ذلك إمعانا بتكريمه، و يحدثنا التاريخ:

بأن جوذر مات و هو في طريقه إلى مصر للحاق بالخليفة الرابع المعز لدين اللّه في مكان بالقرب من مدينة برقة يعرف «بمياسر» و ذلك سنة 332 هـ.

لم تقف أهمية سيرة جوذر على ناحية معينة من تاريخ الفاطميين، أو على ترجمة أحد رجال دولتهم الذين كان لهم أبلغ الأثر في إعلاء شأنها منذ نشأتها، و إنما يوضح بعض نواحي مهمة أغفلها المؤرخون القدماء، أو مروا بها مرورا عابرا.

29

في الكتاب أيضا صفحات عن تلك الثورات العنيفة التي نشبت بالمغرب عقب قيام الدولة الفاطمية، و فيه عن علاقة الفاطميين بجزيرة صقلية، و يظهر لنا و هذا أهم من كل ما ذكرناه (الجفاء و العداوة التي انبثقت بين الخليفة الثالث المنصور باللّه، و بين أبناء عمومته من أولاد الخليفة الأول «عبيد اللّه المهدي» و كيف طلب المنصور إلى جوذر أن يراقب حركاتهم و يرصد تنقلاتهم و ذلك حينما ذهب لحرب الخوارج) .

أمّا مؤلف هذه السيرة فهو رجل مغمور و يعرف بمنصور الجوذري العزيزي، و كان قد دخل في خدمة جوذر سنة 350 هـ و أصبح موضع سره، و قد ظل هذا في عمله حتى توفي جوذر، فاتصل بالخليفة المعز لدين اللّه ثم بالعزيز باللّه، و ذكر أن الخليفة العزيز باللّه جعله في نفس المرتبة التي كانت لجوذر.

و هناك مصدر آخر لا يقل أهمية عن المصدر الأول، و أعني به سيرة جعفر الحاجب تأليف محمد اليماني و لكنها كتبت بلغة عربية ركيكة و قد رويت عن جعفر الحاجب الذي رافق عبيد اللّه المهدي برحلته من «سلمية» إلى أفريقيا الشمالية، و في سيرته بعض الطرائف منها.

إن أمر الشيعة في مصر أخذ يتزايد منذ أن استطاع دعاة

30

عبيد اللّه المهدي مؤسس الدولة الفاطمية من بسط دعوتهم في شمالي أفريقيا، و قد كان للمهدي دعاة و أنصار بمصر لا يحصى عددهم.

و حدثنا جعفر بسيرته:

إن المهدي نفسه دخل مصر متسترا في زي التجار، و كانت الكتب من بغداد قد وصلت إلى مصر بصفة المهدي، و الأمر في طلبه، و لكن بعض أهل خاصة والي مصر كانوا مؤمنين بدعوة المهدي فأسرع إليه بعضهم بالخبر، و لطف في أمره إلى أن خرج من مصر و معه القائم و بعض عبيده... و يزيد جعفر على قوله:

سرنا «أي المهدي و رجاله» من الرملة إلى مصر، فاستقبلنا أبو علي الداعي و كان مقيما بمصر يدعو بها، و أكثر دعاة الإمام من قبله، و كان الداعي فيروز هو الذي رعاه و ربّاه و زوّجه ابنته أم أبي الحسين ولده، فتقدم إليه المهدي قبل دخولنا مصر بأن لا ينزله عنده، و لا عند من يشار إليه بشي‏ء من أمرنا، و أن ينزله عند من يثق به، فأنزله عند ابن عيّاش.

و يقول:

و لمّا تم الأمر للمهدي بالمغرب سنة 296 هـ راسله شيعته‏

31

بمصر للقدوم إليهم، و فعلا غزاها الفاطميون ثلاث مرات، و منها مرة بقيادة «حباسة بن يوسف الكتامي» الذي دخل الاسكندرية، و لكن تكاثر جيوش العباسيين جعل حباسة ينهزم، و قد شعر والي مصر بأن الكثيرين من المصريين يكاتبون الفاطميين، و يطلبون إليهم غزو بلادهم، فتتبعهم الوالي و سجن عددا كبيرا منهم، و في ذلك يقول الشاعر ابن مهران المصري:

و قد وافى حباسة في كتام # بكلّ مهند و بكلّ خطي

و قد حشدوا لمصر و دون مصر # له خرط القتاد و أي خرط

و أقبل جاهلا حتى تخطّى # و جاز بجهله حد التخطي

بكتب جماعة قد كاتبوه # و من أقباط مصر و غير قبطي

و كلّ كاتبوه و نافقونا # و كلّ في البلاد له موطي

فقل لحباسة إن كنت عنّا # مضيت فإن قتلك ليس يبطي‏

ثم يذكر الحملة الثانية التي قادها القائم بأمر اللّه سنة 307 هـ و الذي تمّ فيها فتح الاسكندرية و الفيوم، و من الروايات التي يذكرها جعفر الحاجب في سيرته قصة طريفة عن الخليفة الفاطمي الثاني القائم بأمر اللّه عندما كان في طريقه إلى شمالي أفريقيا، و كان شابا طري العود مع عبيد اللّه المهدي يقول:

32

عندما وصلنا الى الصحراء في المغرب الأدنى، و كان الحر شديدا... في ذلك اليوم لم يعد باستطاعة القائم بأمر اللّه تحمل لفحات الحر الشديد، فحدق بعيدا، و رأى على مسافة بعض شجيرات خضراء، فطلب من المهدي السمّاح له بالذهاب للاستظلال بظلهم و الاستراحة قليلا، فسمح له و عندما وصل رأى بستانيا كهلا يسقي بعض الخضراوات من نبع ماء شحيح يصب في بركة صغيرة فجلس القائم على حافة البركة، و أدلى برجليه في الماء بقصد الابتراد من الحر، و هنا اندفعت المياه من الينبوع بقوة حتى ملأت البركة بدقائق معدودة، مما لم يألفه البستاني، و عند ذلك هرع و جاء إلى القائم، و قبل يديه، و جلس أمامه متأملا فرحا و قال:

آمنت أنك الإمام المنتظر... فأجابه القائم... و من أدراك؟... قال:

سمعت من والدي، و والدي سمع من جدي بأن مياه هذا النبع ستظل شحيحة حتى يأتي من المشرق الإمام المنتظر فيضع رجليه فيها، و عندئذ تتدفق مياهها، و تجري علينا الأرزاق.

هذه القصة على بساطتها تعطينا الدليل على أن مؤلف سيرة

33

جعفر كان بدائيا، و غير متصنع، و كان مؤمنا بإمامة الفاطميين عن قناعة و يقين، و لهذا فإن رواياته جاءت جميعها تطري مزاياهم، و تتحدث عن صفاتهم.

و هناك مصدر تاريخي يرويه المسبحي، و هي حكاية نقلها عن ابن محمد علي الداعي المقيم في مصر، و هو الذي رافق المهدي أثناء وجوده في الديار المصرية عندما كان في طريقه إلى شمالي أفريقيا. قال:

كنت يوما قائما على الجسر بمصر مع الإمام المهدي إلى أن سمعت الجرس و النداء يقول:

ألا برئت الذمة من رجل آوى رجلا صفته كذا و كذا و نعته كذا و كذا و وصف صفة المهدي، فمن أتى به فله عشرة آلاف دينار حلالا طيبا فقال المهدي:

يا أبا علي... المقام بعد هذا عجز... ثم ركب الجسر، و سرت معه و سألته أن أرحل معه إلى بلاد المغرب فقال: على من أدع من لي ههنا، فبكيت فأنشدني شعر أمرء القيس:

بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه # و أيقن أنّا لاحقان بقيصرا

المنصور-3

34

فقلت له لا تبكي عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

و يقص المؤرخ المسبحي قصة أخرى عن وصول عبيد اللّه المهدي إلى مصر و رحيله عنها في زي التجار و هذه القصة سمعها من أحفاد أبي علي الداعي المقيم الذي رافق المهدي أثناء إقامته في مصر فقال:

صلّى المهدي صلاة الصبح في الجامع العتيق بمصر تحت اللوح الأخضر و معه أبو علي الداعي، فلما خرجا من الباب ضرب رجل بيده على كم المهدي و قال له: قد حصلت لي عشرة آلاف دينار فقال له و كيف ذلك؟قال: لأنك الرجل المطلوب... فضحك المهدي ثم ضرب بيده على كتف الرجل و أخذ به إلى صدر الجامع و قال له:

عليك عهد اللّه، و غليظ ميثاقه، إذا جمعت بنيك و بين الرجل الذي تطلبه كان لي عليك، و لصديقي هذا خمسة آلاف دينار، ثم أخذه بيده و أتى به إلى حلقة قد اجتمع الناس فيها، فأدخله من جانب، و فارقها بسرعة من باب الجانب الآخر، و لم يلتقيا بعد ذلك.

هذا و يجب أن لا ننسى أن الداعي «فيروز» المصري‏

35

كان مولجا بالدعوة في الديار المصرية بعهد عبيد اللّه المهدي، و كان من أجلّ الناس عند الفاطميين، و من أعظمهم منزلة.

و من دعاة المهدي و القائم بأمر اللّه أيضا «أبو جعفر الجزري» و قد ذكر بأن المهدي قد وكل إليه أمر حريمه و أمواله عند ما فرّ من «سلمية» ، و توفي هذا الداعي فيما بعد في رقّادة، أمّا أبو علي الداعي المقيم فقد ذكره جعفر بن منصور اليمن في كتابه «الفترات و القرانات» بأنه كان يلقب أيضا بالشيخ الأجل المفيد، و هو أحد تلاميذ فيروز، و زوج ابنته، و هذا الداعي أنجب ولدا هو محمد و كان قد بلغ بعهد المهدي و القائم و المنصور و المعز المكان الجليل.

و نعود إلى المسبحي الذي ورد ذكره، فهو من مؤرخي ذلك العصر، و عرف بأنه:

الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم المسبحي الحرّاني الأصل المصري المولد و النشأة، و كان قد عين أميرا على إقليمي البهنسا و القيس من أعمال صعيد مصر، ثم ولي فيما بعد ديوان الترتيب، و ذكر أنه كان له مع الحاكم بأمر اللّه الفاطمي جلسات و مذاكرات... ترك مؤلفات عديدة و كان بالإضافة إلى كل ما ذكرناه شاعرا و أديبا له جولات واسعة في عالم الأدب و الشعر و علم الفلك.

36

و في كتاب «استتار الإمام» ورد ذكر عددا من الدعاة الذين عاشوا في دور الستر في «سلمية» ، و بعضهم أدرك قيام الدولة الفاطمية و هم: أبو غفير، و أبو سلامة، و أبو الحسن الترمزي، و جياد الخثعمي، و أحمد بن الموصلي، و أبو محمد الكوفي و غيرهم.

37

الخليفة المحارب:

دخل رجل من قبيلة كتامة على الخليفة الفاطمي الثالث المنصور باللّه، و كان في إحدى قاعات قصره المنيف في مدينة المهدية يلاعب سلحفاة فقال:

يا مولاي... رأيت أبا يزيد الخارجي صاحب الحمار يضرب برمحه باب المدينة الغربي... فاستغرق المنصور في الضحك و قال:

أو فعلها... ؟... إنه لن يعود ثانية، و سوف أعلّق جثته على الباب الغربي، و في نفس المكان الذي دقّ رمحه، فاذهب و بشر كل من تراه عينك، ثم عاد لملاعبة السلحفاة، و كأن شيئا لم يحدث.

مسكين المنصور... مات والده القائم بأمر اللّه، و هو يرسل نظراته إليه... مات و آثار الحزن تطغي على قسمات وجهه... ذلك الوجه الذي لم يكن يوما إلاّ ضاحكا مستبشرا...

38

مات و عيناه المعلقتان به تودان أن لا تتحولا عنه، لكي تعبرا له عمّا يختلج في داخله من الأسى لهذا الفراق المبكر... مات و هو يعلم أن دولته الفاطمية التي كرس حياته لها، و سهر على بناء قواعدها و أمنها و استقرارها... أصبحت على شفير الهاوية، فالثورات تهب في أرجائها، و الانتفاضات تعصف في بنيانها، و العواصف و الأنواء تكاد أو كادت تزعزع أركانها، و تدك معالمها... مناطق عديدة انفصلت عنها، و استقلّت، و بلدان و مدن كبرى و صغرى انضمّت إلى الثائرين، و رفعت أعلامهم... و قبائل عديدة استسلمت للثائرين دونما قتال خوفا من السيوف المسلطة على الرقاب، و بعد أن فقدت كل أمل بالحماية، و إرسال الإمدادات، و المعونات، و بين هذا و ذاك و بين عشية و ضحاها أصبحت خزائن الدولة خالية خاوية، فلا موارد و لا ضرائب تدفع للدولة، و الجيش المحارب بدأ يشكو و يتظلم من قلة المواد و المعاش، و أنّى له أن يحصل على شي‏ء من هذا و عاصمة الدولة الفاطمية تطوقها خيول المغيرين، و تدق أبوابها رماح الثائرين؟

كل هذه المشاهد و الهواجس عرضت أمام القائم بأمر اللّه، و هو على سريره و في ساعاته الأخيرة، و مما زاد في آلامه‏

39

معرفته أن أمور الدولة ستؤول تلقائيا إلى ولده «المنصور باللّه» الذي سمّاه على مشهد من الناس وليا للعهد، و المنصور لا يزال طري العود في سن الشباب، لم تعركه الأيام، و لم يسبق له أن تمرس على أساليب الحكم و إدارة شؤون الدولة، أو عرف سياسة الرعية، كما لم يتسنى له أن خاض غمار الحروب، أو قاد الجيوش أو خبر أسرار القتال... فماذا يستطيع أن يفعل هذا الشاب المدلّل أمام هذا الخضم الواسع من الأحداث؟ و أنّى له الخروج من هذه الأزمات، و مجابهة هذه القوى العنيدة الجبّارة التي انبثقت من كل جهة تشن الحروب، و تعلن العصيان مهددة منذرة؟

و وقف المنصور صامتا أمام سرير والده البار، يتطلع بعطف و حنان إلى الوجه الشاحب الذي أذهب المرض المفاجى‏ء نضرته و بهاءه، و لم يتمالك نفسه من ذرف دمعة لم يلبث أن مسحها حتى لا يراها والده، فتضعف ثقته به، و تزيد من حزنه.

أجل... شعر المنصور في تلك اللحظات أنه خسر أبا رحوما، و قلبا حنونا أحبه حبا صادقا، و حنا عليه، و رعاه، و ربّاه... و تمثّل له الماضي، و ساعات الأنس التي كان يقضيها بقربه بعيدا عن مشاغل الحروب، و مؤتمرات السياسة،

40

و أحاديث القبائل و مشاكل الدولة... فذلك الماضي قد تلاشى رويدا رويدا، و تبدّد كما تبدد الرياح الغمام.

صفحة من الحياة طواها الدهر إلى الأبد، و ذكريات من العمر ستعود إلى ذهنه كلما خلا إلى نفسه لقرائتها و استعراضها...

و عاد المنصور إلى قلبه يهدى‏ء من اضطرابه، و إلى دموعه يمنع انسكابها، و بين هذا و ذاك أخذ يردّد:

تلك مشيئة اللّه، و لا مرد لقضائه... و الحمد للّه الذي جعل الموت حكما من حكمته، و أمرا جاريا من مشيئته، و استأثر بالملكوت، و أذلّ خلقه بالفناء... تبارك اسمه.

41

الخليفة الثالث:

اسمه «المنصور باللّه» لقبه «أبو طاهر» و كان يحب أن ينادونه بإسماعيل تيمنا بجده الأكبر. ولد في القيروان سنة 302 هـ و ليس في المهدية كما ذكر؛ تولّى الخلافة بعد وفاة والده القائم بأمر اللّه سنة 334 هـ و كان في سن الثانية و الثلاثين، مات في المنصورية سنة 341 هـ، فيكون قد عاش تسعة و ثلاثين عاما، أمضى منها سبعة أعوام على مقعد الخلافة الفاطمية.

ذكر اسمه في التاريخ محاطا بهالة من المدح و الإطراء...

و جميع المؤرخين اتفقوا على أنه:

كان شابا و سيما، يمتلك القوة و الرجولة، و البراعة في القتال، و عمليات الكر و الفر، طموحا، عالي الهمة، عزيز النفس، شعاره في الحياة الصدق و الصراحة و الوفاء و الثقة بالنفس إلى جانب ثقافة واسعة، و فصاحة، و امتلاك اللغة

42

العربية الفصحى، و ذكر بأنه كان شاعرا رقيقا و عالما بالنجوم، و خطيبا مفوها يرتجل الكلمات، و عبارات الحماسة التي تقرّبه لقلوب الناس و خاصة للمحاربين، فيسيطر على مشاعرهم و يمتلك محبتهم بفصاحته و بيانه، و قوة منطقه.

كان يباشر الحروب بنفسه، و يقود الجنود إلى ساحات القتال، و يعطي الخطط الصائبة في الميادين، و لم يعرف عنه أنه خسر معركة، أو انهزم أمام فارس، كما أنه لم يسمح لقائد من قواده أن يتقدم عليه، أو يتسلم قيادة بوجوده.

لم يذكر التاريخ إلاّ القليل جدا عن طفولته و شبابه، و كل ما عرف أنه عاش في كنف والده القائم بأمر اللّه، و عاصر الأحداث، و الثورات التي اندلعت في أنحاء الدولة، فكان كثيرا ما يلح على والده بالسماح له بالخروج لخوض المعارك، و لكن الوالد البار كان يخاف عليه من الاندفاع الشديد، و من الحماس الذي لا يقف عند حد، و لهذا وقف بوجه رغباته و تطلعاته.

كتم خبر وفاة والده القائم بأمر اللّه عن كل الناس مدة ثلاثة أعوام، خوفا من ردة فعل، و حتى لا تؤثر الصدمة على أفراد الجيش الذين كانوا يحاربون في الأقاليم الثائرة،

43

و من المؤكد أنه دفن والده في فناء القصر سرّا، و ظلّ هو معروفا بولي العهد مدة الثلاث أعوام المذكورة أي حتى تمّ له القضاء على ثورة الخوارج. غ

44

موته:

مات الخليفة الفاطمي الثالث «المنصور باللّه» في سن التاسعة و الثلاثين أي سنة 341 هـ، و سبب موته ورد في جميع كتب التاريخ هكذا:

خرج الخليفة المنصور باللّه للصيد مع بعض رفاقه، فاشتد هطول الأمطار، و هبّت عليهم رياح ثلجية عاتية، بينما كانوا في منطقة جبلية عاتية و بعيدة عن العمران، فلم يجدوا لهم ملجأ و مات أكثر من كان معه، أما هو فقارع الرياح و عاد إلى المنصورية و هو منهوك القوى، و اهن الجسم، و بدلا من أن يركن إلى الراحة، و تلقي العلاج، دخل الحمّام و كان طبيبه «اسحاق بن سليمان» قد نهاه عن ذلك، فلم يأخذ بنصيحته، و كان أن اشتد عليه المرض، و أصيب بالأرق، فطلب طبيبا آخر فأعطاه طبيبه دواء منوما، فكان هذا المنوم سبب موته.

هذا الخليفة المقاتل كما سمّاه التاريخ لم يمهله عمره سوى‏

45

سبعة أعوام قضاها خارج عاصمة بلاده... قضاها في الساحات و الميادين... في السهول و الجبال... في الصحارى و الحزون؛ و أخيرا مات فجأة قبل أن يستطيع تنفيذ ما كان يدور في رأسه من مشاريع، و خاصة بعد أن قضى على الثورة الكبرى... ثورة الخوارج... التي دامت قرابة عشرين عاما و نيف... تلك الثورة التي لم تبق على شي‏ء، و باعتقادي لو ان الأجل منحه فسحة من العمر إذن لاستطاع أن يحقق للدولة الفاطمية ما لم يستطع أحد من السابقين، أو اللاحقين تحقيقه، و على الأخص في مجالات العمران، و الازدهار، و الهدوء، و تنظيم الإدارات و الجيوش... و لكن لربك في ذلك شأن و هو أعلم.

46

الدولة الفاطمية بعد القائم بامر اللّه‏

ذكرنا في الكتاب الثاني من الموسوعة، الكثير عن ثورة أبي يزيد مخلّد بن كيداد الخارجي التي اندلعت في عهد الخليفة الثاني القائم بأمر اللّه، و قد ذكرنا كيف دق هذا الثائر العنيد الجبّار أبواب عاصمة الدولة الفاطمية «المهدية» و كيف أن القائم و جيوشه انتابهم اليأس و الوهن بحيث لم يعد لهم القدرة على الوقوف بوجه هذا التيار الخارجي الجارف الذي اندفع قويا يحرق كل شي‏ء أمامه، و لو لا عملية إنقاذ لجأ إليها القائم بأمر اللّه في نهاية المطاف إذن لانهارت دولته، و ذهبت طعما لسيوف الثائر الخارجي و جيوشه المغيرة، و هذه العماية هي نداء الاستغاثة الذي أرسله للصنهاجيين و الكتاميين، و دعوتهما إلى تناسي ثاراتهما و أحقادهما و المبادرة السريعة إلى عقد رايات الصلح، و السير معا لإنقاذ الدولة قبل فوات الأوان، فاستجاب‏

47

«زيري بن مناد» زعيم صنهاجة للنداء، و دعا قبيلة كتامة إلى عقد الصلح و تلبية نداء الخليفة، ثم اندفع على رأس جيوشه إلى المهدية، و هناك دخل في معارك عديدة مع أبي يزيد و لكن تلك المعارك كانت سجالا، و بين مد و جزر، و على العموم فإنها لم تحقق أي نصر ساحق لأي من الفريقين، و لكنها أنقذت الدولة الفاطمية من السقوط، و لو لا هذا التدبير الأخير من قبل القائم لانتهى أمر العاصمة المهدية التي فرّ جميع سكانها إلاّ حامية اختارها الخليفة القائم، و جعلها تحت قيادته للدفاع عن عاصمة دولته.

و مهما يكن من أمر فإن ثورة الخوارج هذه لم تكن كباقي الثورات الأخرى التي اندلعت في شمالي أفريقيا... انها الثورة التي كانت تهب مرة في جهة، ثم تخمد لتعود إلى الظهور في منطقة أخرى و هي أشد عنفا و اندفاعا... و الحقيقة فهذه الثورة لم يألفها أهل تلك البلاد، لأنها من الغرابة بمكان، فتارة تنبعث في أطراف المغرب الأقصى، ثم لا تلبث أن تنطفى‏ء لتهب من جديد في مناطق كتامة، و صنهاجة...

في الصحراء... في القيروان أو في رقّاده... أو في سوسة، أو على أبواب المهدية و أخيرا في الجبال حيث القلاع و الحصون و المعاقل و هكذا دواليك، و كل هذا أوجد جوا مكفهرا مليئا

48

بالتشابك و التعقيد بالنسبة للخليفة القائم و للقواد الذين يحاربون تحت رايته، ناهيك عن أن الأدارسة في المغرب الأقصى كانت أحوالهم غير مستقرة، و غير مطمئنة، فالبلاد الخاضعة لهم يتقاسمها عدد من الأمراء منهم من يوالي الفاطميين مرة ثم يعود إلى أحضان الأمويين، فضلا عن تحركات الزناتيين، و ثورتهم المعادية التي اندلعت بقيادة «محمد بن خزر» و هي في الحقيقة كانت تشكل سندا أو رديفا لثورة الخوارج و درعا لها، و أهم من كل ما ذكرناه هو أن ذلك الوضع كان يحتم على عدد كبير من جنود الكتاميين و الصنهاجيين البقاء في المدن الرئيسية للحفاظ عليها من الغارات و الهجمات، و لعلّ كل هذا كان من الخطط المدبرة التي سهر عليها و نفذها بدقة و عناية الأمويون في الأندلس.

و جملة القول كان شمالي أفريقيا، أو البلاد التي تحكمها الدولة الفاطمية في ذلك العهد كالأتون تغلي مراجله، فليس فيها منطقة أو جهة تنعم بالهدوء و الاستقرار حتى المهدية عاصمة الدولة كانت واقعة تحت الحصار، و مهددة بالسقوط...

و يذكر التاريخ: أن القائم بأمر اللّه مات و عاصمة دولته مطوقة، و إذا لم يكن الأمر كما ذكر، فعلى الأقل كانت جيوش أبو يزيد على مقربة منها، و كان بالإضافة إلى ذلك‏

49

بإمكان أبو يزيد احتلالها بسهولة و لكن حتى الآن لم يذكر التاريخ سببا لتقاعسه، و قد اعتبر الخبراء ذلك التقاعس خطأ عسكريا وقع فيه و ارتكبه هذا الثائر العنيد.

و مما يجب أن يذكر بان ذلك حرّك الخليفة المنصور باللّه على الخروج بنفسه لمباشرة القتال حاملا صفة «ولي العهد» معلنا بأن خروجه و تسلمه شؤون القيادة تمّ بأمر الخليفة القائم بأمر اللّه، فعاهد اللّه و الشعب ألاّ يعود إلى عاصمة بلاده المهدية إلاّ بعد أن يستأصل الداء العضال، و المعروف عنه انه اختار لمعاونته اقوى المحاربين و القواد من كتامة و صنهاجة، فنظّمهم في ألوية، و كتائب، و قسّمهم إلى فرق، و أقام عليهم القواد الشباب المتحمسين الذين يتحلون بالمعنوية و الإيمان و الثقة، و كان إقدامه على تسلم القيادة باعثا لإذكاء الحماسة في صفوف الجند الذين أكبروا شجاعته و إقدامه، و من جهة ثانية فقد ترك لزيري بن مناد مهمة التصدي لحرب الزناتيين، و إطفاء لهيب ثورتهم الكبرى في المغرب الأقصى، و هكذا انقسم الجيش الفاطمي الواحد إلى جيشين، و بدأت العمليات العسكرية على نطاق واسع و خاصة لدى جيش المنصور الذي طبق و أوجد الأساليب الحديثة في العمليات العسكرية، و حضّ على النظام، و الطاعة، و تنفيذ الخطط الحربية بدقة، كما المنصور-4

50

منع الفوضى، و الاستقلال بالرأي لدى القوّاد، و حارب الأساليب العشائرية القديمة التي كانت سائدة، و التي كانت سبب تراجع الجيوش الفاطمية في بعض المعارك، فالمنصور المحارب الجري‏ء أدرك منذ اللحظة الأولى أن الجيوش الفاطمية لا يمكن لها تحقيق أي انتصار، او احراز أي تقدم في الميادين لاّ بعد أن تنزع عن الجيش الصفات القبيلية، و أساليب القتال القديمة... و من هنا انطلق إلى تنظيم جيشه و تقسيمه إلى كتائب للهجوم، و أخرى للدفاع، و بعضها للاستطلاع، واضعا نصب عينيه نظام الجيوش المتحضرة الحديثة المحاربة، و كل هذا كان يقابله جيش للعدو تسيطر عليه روح الفوضى و العشائرية، و الإقليمية، فلا خطط عسكرية محكمة، و لا نظام، و لا طاعة، لا كتائب، و لا ألوية، و لا قواد مسؤولين، بل جيش كثيف من عناصر مختلفة يؤلف بينها حب الغزو و النهب و الاستيلاء على المغانم و الأسلاب... جيش يأتمر بأمر رجل واحد مهمته السيطرة على البلدان، و تسلّم الزعامة، و قتل الآمنين، و السرقة و النهب، و العيث فسادا في كل مكان، و هذا ما سهّل اندحاره في المعارك، و تبديد شمله.