الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج4

- عارف تامر المزيد...
166 /
4

الجزء الرابع‏

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الاولى 1980 م-1400 ه

يمنع الاقتباس او النقل او اي تصرف كان الا بأذن من المؤلف‏

5

الخليفة الفاطمي الرابع المعز لدين اللّه:

امتدت رقعة الدولة الفاطمية في عهد الخليفة الفاطمي الرابع «المعز لدين اللّه» فأصبحت من شاطى‏ء المحيط الأطلسي حتى البحر الأحمر، و بلغة أصح كانت أعلامها في عهده ترفرف على مراكش، و الجزائر، و تونس، و ليبيا، و مصر، و فلسطين، و سورية، و الحجاز، و اليمن، و الندبة، فضلا عن صقلية، و بهذا تكون قد فاقت باتساع رقعتها الدولة العباسية، و سبقتها في مضمار الرقي-و انتزعت منها زمام المبادرة، و زعامة العالم الإسلامي.

و هنا لا بد من القول: بأن الفضل في هذا التوسع و الإمتداد، يعود إلى جهود و عبقرية قائد هذه الدولة، و عقلها المفكر «المعز لدين اللّه» و إلى تدابيره، و حسن إدارته، و إقدامه، و سياسته، و ثقافته الواسعة، و حسن حظه باختيار الأعوان،

6

و القواد، و الولاة، الذين ضموا جهودهم إلى جهوده، و وضعوا إمكانياتهم، و خبراتهم تحت تصرفه للنهوض بأعباء الحكم، و تخطي العقبات و السير في طريق النجاح.

كان «المعز لدين اللّه» طاقة كبرى من العبقرية، و شعلة حيّة من التوقد و الذكاء و مجموعة من الشجاعة و الإقدام.

قبض بيد من حديد على زمام الأمور في دولته الفتيّة، و هو في ريعان الشباب، فلم يترك شاردة، أو واردة من أمور الدولة إلا و أشبعها درسا و بحثا، و لا داء مستعص إلاّ و أوجد له العلاج الناجع، و كان قاسيا مع الأعداء و المتآمرين، و طيبا مع الأنصار و المؤيدين.. يلبس لكل حالة لبوسها، و يعرف من أين نؤكل الكتف.

أما عصره فكان حافلا بمظاهر العظمة و القوة، فقد استطاع بما أوتيه من ذكاء فذ، و مهارة حربية ممتازة أن يوحّد بلاد المغرب كافة تحت رايته، و ينتصر على الثائرين و على الأمويين، و الروم في أكثر من موقعة. حتى كان الأمويون في الأندلس يخشون على بلادهم من أن تقع في قبضته، كما أن الروم سارعوا إلى محالفته خوفا من قوته و نفوذه، و قد حاول أن يتخذ من صقلية و كريت جسرا للعبور إلى إيطاليا شمالا، و إلى مصر و الشام شرقا و منها إلى تقويض‏

7

الخلافة العباسية. و قد كان لنظم الحكم الدقيقة التي سار عليها أثر بعيد في ازدهار بلاده، و لا غرو فقد كان يمثل الحكم المستنير الذي يقوم على الفكر، و الدرس، و جمع السلطات كلها في يديه مع الإحتفاظ بالفرص الاحتياطية لاسعاد الشعب الذي يعتبره أمانة في عنقه.

تسلّم الملك بعد وفاة والده الخليفة الثالث «المنصور باللّه» .

و ذكر أيضا:

انه كتم خبر وفاته مدة من الزمن حتى تمكن من أخذ البيعة، و هذه عادة درج عليها الفاطميون منذ أن أسسوا دولتهم في المغرب، و لكن الكثرين يستغربون هذه الحالة، و لا يجدون لها أدنى مبرر.

أجل... تسلّم «المعز لدين اللّه» شؤون الدولة الفاطمية في وقت كان الهدوء و الاستقرار يشمل القسم الأكبر من البلاد الخاضعة له، و ذلك بعد القضاء على ثورة الخوارج التي تمّت بعهد والده «المنصور باللّه» بينما ظلّ الوضع العام على حالته في المغرب الأقصى، و هذا ما جعله يحسب لهذا الأمر حسابه فيتخذ الخطوات السريعة لاحراز تقدم حاسم في هذا المجال، بالقضاء على الامارات التي انفصلت عن جسم الدولة

8

الفاطمية، و سد المنافذ أمام اطماع الأمويين، فكان عليه قبل كل شي‏ء تعيين قائد عام للجيش يكون على مستوى المسؤولية، مالكا القدرات، و الكفاءات للقضاء على الثورات و العصيان، و وضع حد للأوضاع المتدهورة التي لم تكن تستقر فترة حتى تعود إلى الإضطراب من جديد، فعهد إلى «جوهر الصقلي» بمهمة القيادة العامة، و ألحق به «زيري بن مناد» أمير «صنهاجة» و ولده «بلكين» ، و «جعفر بن فلاح» أمير «كتامة» و «جعفر بن علي الأندلسي» أمير «المسيلة» و هؤلاء القواد كانوا فاطميين لحما و دما تغلي في عروقهم الحماسة للفاطميين، و حب المغامرة و الرغبة بالظهور السريع ابتغاء الشهرة، و نيل الثناء من الخليفة.

فانطلق الجيش الفاطمي إلى المغرب الأقصى، و هناك دارت المعارك الرهيبة، بل هناك تحقق النصر الحاسم، و لم يمض سوى عام واحد حتى كان المغرب الأقصى يعود إلى الإنضواء تحت لواء الفاطميين، و يرفع أعلامهم و شعاراتهم، و يخطب باسمهم، و يتعامل بعملتهم، فعاد «جوهر» و رفاقه إلى «المنصورية» و هم يحماون ألوية النصر، و تعلو هاماتهم أكاليل الغار.

أما «المعز لدين اللّه» ، فبعد أن تمّ له الأمر في عموم‏

9

المغرب، عاد يوجه أنظاره إلى مصر و الشام، و لم يكن يشغله بعد هذا سوى وضع الخطط، و تجهيز الجيوش، و تدريبها، و إعداد العدة للفتح. و في الوقت نفسه لم يكن يتوانى عن تخصيص بعض الأوقات للنظر باصلاح أوضاع المغرب، و النهوض به عمرانيا، و اقتصاديا بعد أن عصفت به الثورات الدامية، و الحروب المتواصلة و جعلته في حالة من الانهيار و الدمار.

ذكر التاريخ:

أن «المعز لدين اللّه» كان من كبار رجال عصره...

فاق اقرانه، و منافسيه علما و سياسة و حربا... فقد بدت عليه امارات النجابة منذ نعومة اظفاره، حتى أن «عبيد اللّه المهدي» أعجب به و تنبأ بأن سيكون له شأن كبير كما أن «القائم بأمر اللّه» كان يأنس إليه، و يتخذه واسطة بينه و بين الرعية، و كان إذا غاب أرسل بطلبه، و من جهة أخرى اعتبره التاريخ مثلا أعلى للخلفاء المسلمين، بالنظر لما كان يتصف به من صفات رفعته إلى مصاف كبار الملوك و العظماء، فكان قوي العزيمة، يواجه الصعاب دون خوف أو وجل، يقف في عزم ثابت بوجه الثورات، و يتصدى لمناوئة الأمراء الذين يثورون على الدولة، و كان يضرب اعداءه دونما شفقة، حتى تمّ له توحيد بلاد المغرب.

10

اسمه: الكامل.. «المعز لدين اللّه» ، لقبه «معد» ..

كنيته «أبو تميم» والده «المنصور باللّه» امه (أم ولد) ، ولد سنة 319 هـ في «المهديّة» ، و تسلم الخلافة سنة 342 هـ أي عند ما كان له من العمر 23 عاما مات و دفن في القاهرة سنة 365 هـ فيكون قد عمّر (46) عاما قضى منها أربعة و عشرين في مقعد الخلافة. رحل من المغرب إلى مصر سنة 361 هـ و ذلك بعد مضي أربعة سنوات على احتلالها من قبل القائد «جوهر الصقلي» .

أنجب أربعة أولاد هم:

«تميم» ، و «عبد اللّه» ، و «العزيز» ، و «عقيل» .

و ابنتين هنّ: «رشيدة» و «عبدة» ... زوجته اسمها «تغريد» و ذكر أن زوجته الأولى مغربية و هي (أم تميم) و قد ماتت في سن مبكر.

11

التدابير الاولى:

بعد أن تسلم الخليفة «المعز لدين اللّه» شؤون الدولة الفاطمية، قام بسلسلة من التدابير و الإجراءات أهمها:

1-تعيين «جوهر الصقلي» قائدا عاما لجيوش الدولة الفاطمية.

2-تعيين «جعفر بن فلاح» قائدا عاما لفرقة المغاربة و معاونا و نائبا «لجوهر» .

3-أصدر عفوا خاصا عن زعماء الخوارج أتباع «أبى يزيد» و اطلق سراحهم و أعاد الاعتبار إليهم.

4-خرج بنفسه على رأس حملة حيث أخضع بعض القبائل الثائرة في الجبال و الصحراء.

5-أرسل وفدا من المغرب إلى الحجاز لاصلاح ذات البين بين بني «الحسن» و بني «جعفر» و كانا يتصارعان‏

12

على مركز الزعامة، و تعهد بدفع ديّات القتلى، و هذه البادرة جعلتهم يتفقون على المناداة باسمه في الخطبة بجامع مكة سنة 358 هـ.

6-اقرار «الحسن الكلبي» على «صقلية» و إعطائه الصلاحيات التامة.

7-ارسال المزيد من الدعاة إلى مصر للتمهيد «لجوهر» و جنوده، و إعداد المصريين لتقبل الفتح.

8-تقوية الاسطول الفاطمي، و وضع الخطط الجديدة لغزو بلاد الروم.

9-اتخاذه الشاعر الكبير «ابن هاني‏ء الاندلسي» شاعرا خاصا له.

10-اتخاذه «يعقوب بن كلس» مستشارا خاصا للشؤون المصرية.

و هكذا أثبت «المعز لدين اللّه» أنه ذلك الرجل البعيد النظر الذي يعرف كيف يقبض بيديه على شؤون دولته، و يصرف أمورها بحكمة و دراية، و بعد نظر، فلم يسجل التاريخ أي خبر عن قيام ثورات أو انتفاضات، أو تحركات في المغرب، بعد عودة «جوهر» من المغرب الأقصى اللّهم‏

13

إلا ثورة الزناتيين و قيام بعض تحركات من قبل الادارسة بدافع من الأمويين، و هذه كلها كان يعهد بها إلى «زيري بن مناد» و يولجه بالقضاء عليها، و على العموم فإن الأمور في المغرب نعمت في عهده بالهدوء و الاستقرار و الازدهار الاقتصادي و هذا لم يسبق لديار المغرب أن نعم به منذ سنين طويلة.

اشتهر «المعز لدين اللّه» بالعدل، و بالاحسان إلى الناس، و مقاومة الظلم، و التمسك باهداب الدين، و كان يحرص على تلبية مطالب الرعية، و حاجات الشعب، رحب الصدر، و الحقيقة فإنه كان أقوى و اعدل حاكم حكم بلاد المغرب في كل أدوار حياته، و لهذا أحبه الناس، و أطاعوه، و سلمّوه أمورهم، و قيادهم، فأصبح اسمه على كل شفة و لسان، و عرف عنه أنه كان يذهب إلى الصلاة لوحده دونما موكب، و ينزل إلى الأسواق بمفرده دون حرس، يتفقد المتاجر، و يستمع إلى شكاوى الناس و مطالبهم، فيسجّل حاجاتهم و ظلاماتهم، كما كان يزور بيوت أصحابه، و رفاق صباه، و الفقراء حيث يقف على أحوالهم، و طرق معيشتهم، و كان يضرب به المثل في حلمه مع خدمه و عبيده حتى لقد كان بعضهم يعترض عليه، و يقاطع رأيه، و يحتج عليه، و مع ذلك كان يجادلهم بالحسنى، و يناقشهم باللين، و لا يأخذهم‏

14

بالشدة... يفعل كل هذا و لا يجد الغضب إليه سبيلا.

و ذكر:

انه أمر أحد خدمه بأن يهي‏ء له الحمّام... و جلس ينتظر..

ثم مشى بعد مضي الوقت اللازم إلى الحجرة التي فيها الحمّام، فرأى الباب مقفلا، و الحمّام لم تصلح، فسأل عن المفتاح و وقف طويلا، و ما تغير حاله، و لا غضب، و لا قال في ذلك شيئا، ثم دعا بكرسي فجلس حتى جي‏ء بالمفتاح و أصلح الحمّام.

أمّا ثقافته فكانت مضرب الأمثال، فهو متفوق في كل علم، آخذ من كل فن، و مبرز في أي مجال. و ذكر التاريخ:

انه تثقف على أيدي علماء من «صقلية» ، و انه كان يتكلم عشرة لغات دارجة في عصره و منها الرومية، و اللاتينية، و الصقلية، و السودانية، و غيرها حتى أنه كان يجيد لغات و لهجات قبائل «البربر» ... أمّا في آداب اللغة العربية و تاريخها، و فلسفتها، و فقهها فقد ضرب بسهم وافر لدرجة انه كان يملي على القاضي «النعمان بن حيّون» أكثر فصول كتبه و مؤلفاته.

جمع في يديه سواء في المغرب أو في مصر كافة الصلاحيات‏

15

و السلطات، و أشرف بنفسه على كل صغيرة و كبيرة، حتى ذكر بانه كان لا ينام إلا ساعات قليلة من الليل، و الباقي يقضيها بالعمل و الدرس، و السهر على مصالح الرعية، و شؤون الدولة، و كان يقلد الولاة على الأقاليم و يزودهم بنصائحه، و لم يعتمد على غيره في تعيين الولاة، بل كان يختارهم بنفسه ممن يثق بهم، و كان يحرص كثيرا على أن تصل إليه أخبارهم، و كان أيضا هو الرئيس الأعلى للجيش البري و البحري يعين كبار القواد الذين مهروا في الفنون الحربية، و كثيرا ما كان يضع لقواده خطط الهجوم، و هكذا بالنسبة للقضاء، و للشرطة، و للشؤون المالية.

من القصص التي تروى عنه:

انه في أحد الأيام الممطرة استدعى شيوخ «كتامة» ، و كبار رجال الدولة إلى قصره في «المنصوريّة» ، فدخلوا عليه، و إذا هو جالس في إحدى القاعات المفروشة باللبود على مطارح و حوله كساء، و عليه جبة، و بين يديه مرفع و دواة، و هو يرد بخطه على الكتب الواردة إليه، و يوجه الرسائل إلى العمال و الولاة في الاقاليم، و فيها التوصيات، و التعاليم، و الأوامر... فقال لهم:

يا اخواننا... أصبحت اليوم في مثل هذا الشتاء و البرد...

16

فقلت لأم الأمراء، و أخالها الآن تسمع كلامي: أترى اخواننا يظنون أنّا في مثل هذا اليوم نأكل و نشرب، و نتقلب في المثقل و الديباج، و الحرير، و الفنك، و السمور، و المسك، و العنبر، و الغناء كما يفعل أرباب الدنيا، ثم رأيت أن أنفذ إليكم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم، و احتجبت عنكم.

و ذكر التاريخ:

انّ «المعز لدين اللّه» كان وسيما، و جميل القامة، و مهيبا لدرجة انه لم يكن باستطاعة أحد التحديق في وجهه و عينيه، و قد وصفه «نيقولا» سفير امبراطور الدولة البيزنطية عند ما قام بزيارته سنة 357 هـ في مدينة «المنصوريّة» ليبلغه رسالة من الامبراطور فقال:

«أخطأ الروم حينما أطلقوا عليه اسم (ملك المتبربرين) فأنا حينما بعثني إليه «نقفور فوكاس» رأيت من عظمته في عيني، و كثرة اصحابه ما كدت أموت منه، و حينما دخلت عليه رأيت فيه نورا عظيما غطّى بصري، و كان على سريره كأنه ملاك هبط من السماء» . و ذكر التاريخ أيضا:

ان الخليفة الفاطمي «المعز لدين اللّه» هو أول من فكر أي منذ ألف و مئة عام بصنع خزان لخزن الحبر في الأقلام،

17

و بالفعل تعمّم هذا الاختراع في ذلك العصر، و استعملت الأقلام ذات الخزان التي توفر على الكاتب عناء حمل الدواة..

و هكذا فيكون هو مخترع قلم الحبر « olytS » .

و ممّا يدل على عبقريته، و سعة اطلاعه: انه كان يرسل السفن و البواخر من مصر إلى شواطى‏ء لبنان في كل ربيع من العام لحمل الثلوج الطبيعية إلى مصر، حيث يكون قد أعدّ لها أمكنة خاصة في أقبية تحت الأرض بعد أن يضاف إليها بعض المواد لحفظها حتى آخر فصل الصيف، و كان يستعملها لتبريد المياه. و ذكر:

ان أحدهم سأله عن حسبه و نسبه؟فسكت... و في ثاني يوم أدّب مأدبة كبرى دعا إليها وجوه البلاد، و شيوخ القبائل، و كبار رجال الدولة، و بعد أن أكلوا و شربوا قال لهم:

دعوتكم لأقص عليكم خبر رجل يحضر بيننا الآن، و قد سألني أمس بارتياب عن حسبي و نسبي؟و ها أني أجيبه:

هذا هو حسبي، و أشار إلى سيفه، و ثم هذا هو نسبي و أشار إلى كيس بقبضته ملي‏ء بالنقود. و ذكر:

انه أخرج إلى بعض جلسائه طبقا من التفاح و قال:

18

هذا تفاح جاءنا من المشرق... من البلد الذي خرج منه «المهدي» و «القائم» ، و من الضياع التي كانت لهما، و قال: تبركوا به، فأنّا نرجو ان شاء اللّه أن تقطفوه غدا بأيديكم من شجره مباشرة معنا. و كان يقصد بذلك بلدة «سلمّية»

و ذكر مصدر تاريخي عنه:

ان عامل الفاطميين في مدينة «فاس» أعان أحد أصدقائه الأغنياء على اغتصاب قطعة أرض كان يملكها أحد الفقراء، فجاء الفقير إلى «المنصوريّة» و دخل عليه باكيا ثم عرض قصته فأرسل «المعز» بطلب الوالي و صديقه الغني، و بعد ثبوت الإغتصاب عزل الوالي، و سجن الغني و أعاد الأرض إلى صاحبها.

و قد مر معنا أن «المعز» بعد أن وصل إلى الديار المصرية أصدر أمره بالعفو عن الاخشيديين و الكافوريين الذي دعوا إلى الثورة، و عاونوا القرامطة عند ما هاجموا الديار المصرية، كما أنه أحسن إليهم بعد إعلان توبتهم، و أعاد إليهم اعتبارهم، و ولى من يستحق منهم بعض المناصب في الجيش و إدارة الدولة. و ذكر:

ان زوجة «الإخشيد» كانت قد أودعت عند صائغ

19

يهودي (بغلطاق) أي عقد من الجوهر، ثم لما ضاقت بها الدنيا طلبته منه، فأنكره، فقالت له: خذ كم البغلطاق و اعطني ما فضّل فأبى فلم تزل به حتى قالت: هات الكم، و خذ الجميع... فلم يفعل... و كان في البغلطاق بضع عشرة درة، فأتت المرأة إلى قصر «المعز» و أخبرته بأمرها، فأحضر اليهودي، و قرره، فلم يقر، فبعث إلى داره من خرّب حيطانها، فظهرت فيها جرة البغلطاق، فلما رآه «المعز» تحير من حسنه و وجد ان اليهودي أخذ منه درتين، فاعترف أنه باعهما بألف و ستمائة دينار، فأخذه «المعز» و سلّمه للمرأة و حكم على اليهودي بدفع المبلغ الذي أخذه ثمن الدرتين، و هنا طلبت امرأة «الاخشيد» من «المعز» أن يأخذ العقد هدية و قالت يا مولاي: هذا كان يصلح لي و أنا صاحبة مصر، أما اليوم فلا يصلح إلاّ لزوجتك، و لكن «المعز» رفض ذلك باباء.

و مهما يكن من أمر فاننا مهما سجلنا على الصفحات من مآثر، و عبارات المديح، و الاطراء «للمعز» فلا نكون إلا كمن يغرف قطرة من بحر، و يكفي أن يكون واضع أسس نهضة مصر و حضارتها فالدولة الفاطمية انتقلت في عهده إلى مصاف الامبراطوريات، فلم يكن هدفه من احتلال مصر إلا توحيد

20

عرب أفريقيا و عرب آسيا، و معنى هذا انه فكر بالوحدة العربية و نادى بها منذ أن تسلم شؤون الدولة الفاطمية في المغرب، و من جهة أخرى كان من خططه الاستيلاء على الشام، و العراق، و شبه الجزيرة العربية ليضمها إلى مصر و المغرب، و بهذا تكون قد تحققت الوحدة العربية التي ننادي بها الآن.

21

المعز لدين اللّه في مصر

قبل أن يغادر «المعز لدين اللّه» المغرب، قاصدا مصر، نظر فيمن يوليه أمر المغرب، و كان يريده من ذوي الهمة، و الاخلاص، و الكفاءة، و رسوخ القدم في إدارة الدولة فوقع اختياره على «بلكين بن زيري بن مناد» أمير «صنهاجة» و نجل «زيري» القائد الذي حارب مع «القائم بأمر اللّه» ، و «المنصور» ، و «المعز» ثم ذهب أخيرا ضحية اخلاصه للفاطميين بما قدمه من ضروب التضحية، و الوفاء، و الاخلاص فجاء به و قرّبه و سمّاه «يوسف» و كناه «أبو الفتوح» ، و أعطاه لقب «سيف الدولة» ثم سلّمه شؤون المغرب ببيان موقع أذاعه على الناس و أطلق يده في الجيش، و المال، و الاعمال، و استثنى من ذلك ولايتي «طرابلس» و «برقة» و جزيرة «صقلية» إذ جعل هذه المناطق الثلاث تابعة إليه مباشرة، و أوصاه بثلاث:

22

1-ألاّ يرفع السيف عن «البربر» .

2-ألاّ يرفع الجباية عن أهل البادية.

3-ألاّ يولي أحدا من أسرته أية مسؤولية.

و بعد أن أتم كل ما يتعلق بشؤون المغرب، غادر «المنصوريّة» . فوصل إلى «الاسكندرية» عبر «برقة» في جمع من رجال الدولة، و كان يرافقه اخوته و أولاده، و أعمامه، و جثث «المهدي» و «القائم» . و «المنصور بتوابيت، فاستقبله على مدخل المدينة أعيان البلاد. و خرجت المدينة بشيبها و شبابها، و على رأسهم و الي المدينة، و قاضي القضاة «أبو طاهر الزهلي» ، فجلس «المعز» عند المنارة للاستراحة، ثم خطب بالجموع، و ممّا ذكره أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه، و لا لمال يحصل عليه، و إنما لاقامة الحق، و الحج، و الجهاد، و تطبيق أوامر اللّه، و الحفاظ على سنة الرسول الكريم (صلعم) و لكي يختم عمره بالاعمال الصالحة، و يذكر التاريخ:

أنه وعظهم و أطال في الوعظ حتى أبكى الحاضرين.

و من «الاسكندرية» تابع المسير، فوصل إلى «الجيزة» ، و هناك خرج إلى استقباله «جوهر» فترجل عند ما رآه، و قبل‏

23

الارض بين يديه، و كان في عداد المستقبلين الوزير «جعفر بن الفرات» الذي رغب أن يجتمع إليه على انفراد. و أن يبقيه معه ثلاثة أيام في «الجيزة» ، و بعد «الجيزة» تابع المسير، فأخذ جنوده بالعبور إلى ساحل مصر، ثم أن «المعز» عبر النيل على سفينة خاصة جهزت له، و دخل «القاهرة» دون أن يمر على «الفسطاط» ، و كان الناس قد زينوها، و أقاموا الأقواس، و تأهبوا لاستقباله... و لما دخل «القاهرة» توجه إلى القصر الذي أعدّه له «جوهر» ، فخرّ للّه ساجدا، ثم صلى ركعتين في إحدى الردهات، و صلى خلفه كل من كان معه.

و يذكر التاريخ:

ان «المعز» أقام في القصر مع أولاده، و حاشيته، و خدمه، و عبيده، و كان «جوهر» قد أعد كل ما يحتاج إليه الخليفة من أموال، و حلي، و جواهر، و أثاث، و رياش، و أوان و ثياب، و سلاح... و من المعلوم أنه كان يقيم في هذا القصر، فلما وصل «المعز» إليه تركه و لم يحمل معه أي شي‏ء من أثاثه إلاّ ما كان عليه من الثياب، و نزل في داره التي أعدها في «القاهرة» و في اليوم الثاني لوصول «المعز» خرج اشراف مصر، و قضاتها و علماؤها لتهنئته، و الاحتفال‏

24

بمقدمه. و يضيف التاريخ: (و قد يكون في هذا الكثير من المبالغة) :

انه جلس في قصره على سرير من ذهب صنعه له «جوهر» في الايوان الجديد ثم أذن للناس بالدخول عليه، و كان «جوهر» بين يديه يقدم إليه الناس قوما بعد قوم، معرّفا إياه بهم، و بعد أن فرغ من السّلام على الناس تقدم منه، و طلب الإذن بتقديم الهدية التي أعدها له بمناسبة قدومه إلى مصر، و هي:

مئة و خمسين فرسا ملجمة، و بعض السروج و اللجم الموشى بالذهب، و بعضها مرصع بالجواهر، و واحد و ثلاثون من الإبل و عليها الديباج، و المناطق و الفرش، و تسعة من النوق المحملة بالحرير، و ثلاثين بغلة، سبعة منها مسرجة ملجمة، و مائة و ثلاثين بغلة للنقل، و اربعة صناديق مشبكة شفّافة يرى ما بداخلها من أواني الذهب و الفضة، و مئة سيف محلّى بالذهب، و الفضة، بالإضافة إلى الأواني و الأوعية، و بعض التحف الثمينة، و لما فرغ «جوهر» من تقديم هديته نهض «أبو جعفر عبد اللّه الحسيني» و قدم هديته إلى «المعز» . و هي إحدى عشر سفطا من متاع «تونس» و «تنيس» و «دمياط» بالاضافة إلى الخيل و البغال.

و في ثاني يوم ركب «المعز لدين اللّه» الى مصلّى «القاهرة» ،

25

فصلّى بالناس و جلس خلفه «أبو جعفر مسلم العلوي» ، و لمّا فرغ من الصلاة صعد المنبر. و معه القائد «جوهر» و «عمّار بن جعفر» . فخطب بالناس و أبلغ في خطابه حتى أبكاهم، و لمّا عاد إلى قصره دعا الناس إلى تناول الطعام معه، و بعد ذلك خلع «المعز» على «جوهر» خلعة مذهبة، و عمامة، و قلّده سيفا، و عشرين فرسا ملجمة مسرجة و منحه خمسين ألف دينار، و مائتي ألف درهم و كل هذا ردا على هديته، و في المساء ذهب إلى «المقس» للاشراف على الأسطول الفاطمي الذي أوصى «جوهر» بتوليته عنايته، و تقويته و الاكثار من عدد سفنه.

26

أخلاق تبني الدول و أفكار سبقت الزمن‏

ذكر التاريخ:

ان الوزير «جعفر بن الفرات» أجبر من قبل المصريين على استقبال الخليفة «المعز لدين اللّه» ، عند وصوله إلى مصر، و كان قد رفض قبل ذلك استقباله. و عند ما اتصل بمسامع «المعز» أسرّها في نفسه، و قد ذكر أن «المعز» سأله عند اجتماعه به للمرة الأولى:

أحج، الوزير؟

فقال: نعم...

قال «المعز» :

و زرت قبر الشيخين؟

و لمّا رأى «ابن الفرات» بذكائه و دهائه ان «المعز» قصد بهذا السؤال احراجه، و الايقاع به. أجابه على الفور.

27

«شغلني عنهما رسول اللّه (صلعم) كما شغلني أمير المؤمنين عليه السّلام عن السّلام على ولي العهد، السّلام عليك يا ولي عهد المسلمين، و رحمة اللّه و بركاته» ، و كان من أثر هذا الجواب أن عرض «المعز» على «ابن الفرات» منصب الوزارة، فاعتذر عن قبوله، و لكن «المعز» عاد و طلب إليه البقاء في مصر بعد اعتزاله المنصب ليكون على مقربة منه، و لاستشارته في الأمور المهمة التي تعرض له.

و من الجدير بالذكر:

ان منصب الوزارة أسند بعده إلى «يعقوب بن كلس» الذي أولى «ابن الفرات» محبته و عطفه و تقديره بالرغم من انه اساء إليه و سجنه في عهد «كافور» . فكان «ابن كلس» يختلف إليه و يأخذ رأيه، و يتناول الطعام عنده، و توثقت أخيرا أواصر الصداقة بين الرجلين لدرجة أن «ابن الفرات» زوّج من ابنه «الفضل» بابنة الوزير «ابن كلس» .

و لم تنته حياة هذا الرجل العظيم «ابن الفرات» في عهد «المعز» ، فقد ذكر أنه عاد و تولى الوزارة بعهد الخليفة الخامس «العزيز باللّه» سنة 386 هـ لمدة عام كامل، و أخيرا توفي سنة 391 هـ بعد أن لعب دورا بارزا في حياة مصر بعهد العباسيين، و الاخشيديين، و الفاطميين.

28

و ذكر التاريخ:

ان «المعز لدين اللّه» عند ما وصل إلى «الاسكندرية» خفّ الناس إلى استقباله، و نزل كل من كان راكبا، و قبّل الأرض بين يديه عدا قاضي القضاة «أبا الطاهر محمد بن صالح بن أسامة الذهلي» فانه ظل راكبا حتى قرب من «المعز» فترجل و سلّم عليه، و لم يقبّل الارض، فلفت ذلك نظر الخليفة، فسأل أحد مرافقيه عن الرجل الذي خالف الناس كلهم، قيل له: انه قاضي القضاة، و ذكر أن جوابه للذين انتقدوه على موقفه هذا قول اللّه تعالى:

«و من آياته الليل، و النهار، و الشمس، و القمر...

لا تسجدوا للشمس و لا للقمر، و اسجدوا للّه الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون» .

و بالرغم من هذا فان «المعز» أقرّه في منصه، جريا على السياسة التي طبقها القائد «جوهر» منذ أن تم له فتح البلاد المصرية، و ليس بعيدا أن يكون قد أقرّه في منصبه لما رآه من ذكائه و حسن بديهته، فقد ذكر أن «المعز لدين اللّه» سأله لدى المقابلة الأولى:

كم رأيت من خليفة؟فأجابه على الفور:

29

ما رأيت غير مولانا «المعز لدين اللّه» ، فاستحسن «المعز» منه ذلك بالرغم من معرفته بأنه اجتمع إلى «المعتضد» و «المكتفي» ، و «المقتدر» العباسيين.

و ذكر التاريخ:

إنه لمّا وصل إلى مصر، عرض عليه «جوهر» مرة الأسرى، و كان من بينهم «منجو تكين» و كان لا يزال غلاما، فلمّا رآه «المعز» نظر إليه و تأمله... فلمّا انتهى «جوهر» من عرض الأسرى قال «للمعز» :

رأيتك يا مولاي تطيل التحديق في هذا الغلام التركي، و لم تنظر لغيره.. فقال:

يا «جوهر» ... سوف ترى أنه يكون لنا فتوحات عظيمة على يد هذا الغلام، و كان يعني بذلك «منجو تكين» ..

و ذكر أن «منجو تكين» هذا خرج من قصر «العزيز باللّه» سنة 381 هـ و هو ممتط جواده، و كان في حاشيته القائد «جوهر» و «ابن عمّار» ، و غير هما من رجالات الدولة و هم مشاة و كانت يد «جوهر» في يد «ابن عمّار» ... فتنهد «ابن عمّار» ، و زفر زفرة كادت تخرق صدره و قال:

لا حول و لا قوة إلاّ باللّه... فنزع «جوهر» يده منه و قال:

30

قد كنت عندي يا «ابن عمّار» أثبت من هذا... لكل زمان دولة و رجال... أتريدنا نحن أن نأخذ دورنا و دور غيرنا؟بالامس لمّا سرت إلى مصر أمر مولانا «المعز» أولاده، و اخوته و ولي عهده، و سائر أهل دولته بالترجل لي..

و ها أنا اليوم أمشي راجلا بين يدي « «منجو تكين» الغلام الذي أسرته في إحدى المعارك... لقد أعزونا و أعزوا بنا غيرنا... و الآن أقول: اللّهم قرب أجلي و موتي فقد تجاوزت الثمانين.

و ذكر التاريخ:

ان القرامطة حينما ظهروا للمرة الثانية سنة 363 هـ في «عين شمس» ، و في ذلك الوقت عاونهم أنصار الاخشيدية و الكافورية، فنظر «المعز» إلى قوتهم، و عرف من بعض عيونه التي بثها ان قوة القرامطة تتمثل في قبيلة «بني طي» العربيّة، فأرسل من اجتمع بزعيمها «حسّان بن جرّاح» الطائي و تمكن من إغرائه بالمال إذا ما تظاهر بالفرار من المعسكر عند ما تبدأ المعركة، فقبل العرض، و عند ما قام الجيش الفاطمي و كان بقيادة الأمير «عبد اللّه بن المعز» بالهجوم على معسكر القرامطة في الوجه البحري، فرّ «ابن الجرّاح» مع جماعته، فبقي «الأعصم» مع قلة من جنوده‏

31

لم تستطع الثبات في المجال، و هكذا و في خلال ساعات قليلة تمكّن المغاربة من السيطرة على الميدان، فنهبوا معسكر القرامطة و قتلوا في تلك المعركة ما يقارب الألفين قرمطي، و بعد هذا التاريخ بدأت قوى القرامطة بالانحلال، و على الخصوص بعد أن دبّ النزاع في داخل الصفوف المحاربة، و قد كان لخطة «المعز» و دهاءه السياسي أكبر الأثر بهذا النصر الحاسم.

و قد عرف بأنه أرسل إلى «ابن الجرّاح» مبلغ مائة ألف دينار مزيفة و مغطاة بطبقة من الذهب. ثم وضعها في أكياس، و على وجه كل كيس عدد من الدنانير الصحيحة المضروبة من الذهب الخالص.

32

أعماله العمرانية

في هذا الفصل سنتحدث عن أعمال «المعز» العمرانية في المغرب، أما في مصر فسنتكلم عنها في الفصل الخاص «بجوهر» الصقلي.

لقد عرفنا بأن «عبيد اللّه المهدي» أقام مدينة «المهدية» ، و جعلها عاصمة لدولته، و ظلّت هذه المدينة عاصمة للدولة في عهد «القائم» بأمر اللّه، و حين جاء «المنصور» ، عمّر مدينة «المنصورية» و ظلّت عاصمة للدولة الفاطمية حتى في عهد «المعز» بالمغرب، و يذكر التاريخ:

أنه بنى فيها قصرا سمّاه «قصر البحر» . و قد ارتاد موضعه، و قاس أبعاده، و وضع تصميمه بنفسه، فجعله في أرض فسيحة، و أنشأ في وسطه بحيرة ذات اتساع كبير، كما أقام قصرا آخر في وسط البحيرة و بذلك يكون «قصر البحر» بين قصرين، و أقام الجسور لوصل القصر

33

الداخلي بالقصر الخارجي و يشبه هذا القصر قصور قدماء المصريين.

كما أنشأ في «المنصوريّة» البساتين الغنّاء، و منها بستان وادي «القصّارين» ، و قد أجرى فيه نهرا و غرسه بأصناف الشجر و الرياحين و الورود، و كذلك حفر قناة آية في الروعة و الدقة و كانت تتدفق مياهها من العيون خارج «المنصوريّة» في مكان يعرف «بعين أيوب» و تبعد عنها أكثر من ثلاثة و سبعين ألف ذراع، و يتخلل الطريق الذي تنساب فيه هذه القناة مرتفعات، و منخفضات و صخور ثم تنساب في الارض حتى تصل إلى قلب «المنصورية» ، و كان الخليفة «المنصور باللّه» قد حاول استغلال مياه «عين أيوب» لتوصي المياه إلى «القيروان» ، و لكن ثورة الخوارج حالت دون ذلك، أمّا «المعز» فقد أكمل المشروع رغم ما كلّف الدولة من أموال و نفقات. و ذكر: أنه كان يخطط لحفر قنال من البحر إلى «المنصوريّة» بحيث تصبح هذه القنال ممرا للسفن الكبيرة و الصغيرة، و نقل «المعز» إلى «المنصوريّة» عمودين حجرين كبيرين كانا بمدينة «سوسة» ، و يظهر أنهما من بقايا آثار القرطاجيين و كانا من الضخامة بحيث أن النظر إليهما عبرة، و لم يتمكن أحد من نقلهما، أما «المعز» فأرسل العمّال و العبيد و دفع لهم الأموال حتى جاءوا بهما.

34

و لا نريد أن نطيل الحديث عن مظاهر الحياة الاجتماعية في عهد «المعز» في المغرب و مصر و ما قام به هذا الخليفة العبقري من أعمال في حقول العمران و الاقتصاد، ففي المغرب امتلأت خزائن الدولة بالأموال و يرجع ذلك إلى الأنظمة الاقتصادية التي طبّقها، و إلى السياسة العامة التي كان يوجهها، و ممّا يدل على مظاهر الثروة في عهده الاغاثة العاجلة التي قدمها إلى الديار المصرية في وقت محنتها من الحبوب و الارزاق و الأموال، و إلى إنفاقه المبالغ الطائلة على الجيوش و الحملات التي تصل إلى المحيط الأطلسي، و تهدد الأمويين في عقر دارهم، و تقف بالمرصاد للبيزنطيين. و يذكر التاريخ:

انه لما عزم على الرحيل إلى مصر حمل معه أمواله على ألف بعير، و سبك الدنانير على شكل طواحين، جعل على كل جمل قطعتين، و جعل في وسط كل قطعة ثقبا تجمعه إلى القطعة الأخرى.

و نحن نعتقد أنه لو قدر «للمعز» البقاء طويلا على قيد الحياة في مصر لاستطاع أن يستغل مركزها الجغرافي في التجارة، و خصب أرضها في الزراعة، و وجود النيل العظيم فيها، و لكانت فاضت خزائنه بالاموال، و وصلت إلى ذروة المجد حضارة، و تقدما، و مدنية. غ

35

الخليفة الاديب‏

عرف الخليفة «المعز لدين اللّه» الفاطمي بثقافته الواسعة، و بلاغته، و مهارته بالخطابة و تأثيره على السامعين، فقد ذكر:

أنه كان ينص على القاضي «النعمان» مواد كتبه و خاصة كتاب «دعائم الإسلام» و هو في فقه الدولة الفاطمية. و ذكر:

أنه قال له مرة... و قد ذكره «النعمان» بقوله:

أمرني «المعز لدين اللّه» بجمع شي‏ء لخّصه لي و جمعه، و فتح لي معانيه، و بسط لي جملته، فابتدأت منه شيئا ثم رفعته إليه، و اعتذرت من الإبطاء عليه لما أردته من احكامه، و رجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته فطالعته في مقداره فوّقع إليّ:

يا «نعمان» لا تبالي كيف كان القدر مع اشباع في إيجاز فكلما أو جزت في القول و استقصيت المعنى فهو أوفق و أحسن» .

و ذكر: انه كان يقول:

36

ان أكثر الناس يجهلون أمرنا، و يظنون أننا لا نعني إلاّ بما شاهدناه. و كان بحضرتنا. و كان يقول لبعض الاولياء:

ما تنظرون اليوم في شي‏ء تنتفعون به... ما تقرأون شيئا... ما تسمعون شيئا؟.. فسكتوا... و كان يحرضهم على المطالعة، و التزود بالمعرفة.

و تتجلى بلاغته بالكتاب الذي أرسله إلى «الحسن الأعصم» ... و منه:

«و لقد جمعت أرجاسك و انجاسك و حشدت أوباشك و أقلاسك و سرت قاصدا إلى دمشق، و بها «جعفر بن فلاح» في فئة قليلة من «كتامة» و «زويلة» فقتلته و قتلتهم جرأة على اللّه، و استبحت أموالهم، و سبيت نساءهم، و ليس بينك و بينهم ترة و لا ثأر، ثم سرت و لم ترجع و أقمت على كفرك و لم تقلع حتى أتيت «الرملة» و فيها «سعادة بن حيّان» في زمرة قليلة فاعتزل عنك إلى «يافا» ، فلم تزل ماكثا على نكثك باكرا و صابحا و غاديا و رائحا لا ينهاك عن سفك الدماء دين و لا يردعك عهد و لا يقين» .

و كتب «المعز» من المغرب إلى «جوهر» و هو بمصر:

«و أمّا ما ذكرت يا «جوهر» من أن جماعة من بني‏

37

«حمدان» وصلت إليهم كتبك يبذلون الطاعة و يعدون بالمسارعة في السير إليك... فاسمع لما أذكره لك:

احذر أن تبتدي‏ء أحدا من آل «حمدان» بمكاتبة، ترهيبا له و لا ترغيبا، و من كتب إليك منهم فأجبهم بالحسن الجميل، و لا تستدعه إليك، و من ورد إليك منهم فاحسن إليه، و لا تكن أحدا منهم من قيادة الجيش، فبنو «حمدان» يتظاهرون بثلاثة أشياء عليها مدار العالم و ليس لهم فيها نصيب، يتظاهرون بالدين، و ليس لهم فيه نصيب، و يتظاهرون بالكرم، و ليس لواحد منهم كرم في اللّه، و يتظاهرون بالشجاعة و شجاعتهم للدنيا... فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم» . و ذكر التاريخ:

ان «المعز لدين اللّه» كان شاعرا، و ان له مقاطع من الشعر تطفح بالرقة و العذوبة، و لكن يبدو انها فقدت كما فقد غيرها من الآثار الفاطمية: و من قوله:

للّه ما صنعت بنا تلك # المحاجر في المعاجر

امضي و أقضي في النفوس # من الخناجر في الحناجر

و لقد تعبت ببيتكم # تعب المهاجر في الهواجر

ففي هذه الأبيات تتجلى شاعريته الصادقة، و وجدانيته‏

38

العذبة، و يبدو و كأنه شاعر من شعراء الزينة البديعية، يؤدي التعبير الرقيق، و يعبر عن العاطفة الرقيقة. و تنسب إليه هذه الأبيات أيضا:

أطلع الحسن من بينك شمسا: # فوق ورد في وجنتيك اطلاّ

فكأنّ الجمال خاف على الورد: # جفافا فمدّ بالشعر ظلاّ

و هنا نلمح صورة جميلة رائعة من صور الشعر بديباجة و فن و تشبيه بديع... يقول: بأنها شبيهة بالوردة المتفتحة أمام أشعة الشمس، و لكنه يعلن خوفه من ذبولها تحت أشعة الشمس و هنا لا بد له من أن يجعلها تستظل بالمظلة التي هي خصلة شعر الحبيب.

و ذكر أن والده «المنصور باللّه» أرسله إلى «سوسة» لمقابلة «عسلاج بن الحسن» و استلام بعض الأموال منه، و هذا الرجل صار وزيرا للمالية مع «يعقوب بن كلس» في عهد «المعز» في مصر... فكتب إلى والده يقول:

دهاني بعدك الخطب الجليل # فلا حسن لدي و لا جميل

أروح فلا أرى إلاّ ثقيلا # و من أنا عنده أيضا ثقيل‏

39

المعز لدين اللّه و المغرب‏

قبل ان يخرج «المعز لدين اللّه» من المغرب حدثت الاحداث التالية:

1-انتهز الزناتيون فرصة ذهاب «جوهر» إلى مصر فثاروا بقيادة زعيمهم «أبو خزر» الزناتي، فخرج إليه «المعز» حتى وصل إلى «باغاية» ، ففر «أبو خزر» و لكن «المعز» أرسل «زيري بن مناد» وراءه، فاستسلم و عفى عنه ثم أجرى عليه رزقا كثيرا.

2-ثار «محمد بن الحسن المغراوي» ، و أشعل ثورة في بلاد المغرب الأقصى، و لكن «المعز» خرج إليه بنفسه و تمّكن من القضاء على ثورته.

3-اتحّد الزنايتيون من جديد مع صاحب «المسيلة» و اعمال «الزاب» ، و أشعلوا ثورة فذهب «زيري» لمحاربتهم و لكنهم قتلوه في إحدى المعارك، فانتقم «يوسف» لأبيه من قبيلة «زناتة» و قتل و سبى الكثير منهم.

40

التقسيمات الادارية في المغرب و مصر

قسّم الخليفة «المعز لدين اللّه» بلاد المغرب إلى قسمين:

و كل قسم كان يقسم إلى ولايات، و هذه الولايات سلّمها إلى «يوسف بن زيري بن مناد» قبل أن يترك المغرب إلى مصر، و قد اختص بولايتي «طرابلس» ، و «برقة» ثم بجزيرة «صقلية» فجعل ارتباطهم به مباشرة. أمّا في مصر فقد قسّمها إلى أربعة ولايات هي:

1-ولاية «قوص» (أو الصعيد) .

2-ولاية «الشرقية» و من مدنها «بلبيس» «و قليوب» .

3-ولاية «الغربية» و من مدنها «منوف» و «أبيار» .

4-ولاية «الاسكندرية» و يضاف إليها البحيرة و من مدنها «دمنهور» .

و قد كان لهذه الولايات شبه استقلال إداري.

41

أمّا «القاهرة» فكان عليها وال، و هكذا بالنسبة «للفسطاط» و من جهة ثانية فقد كانت الولاية مقسمة إلى أكوار كما هي الآن أي مديرية.

و الحقيقة: فان هذا التقسيم الذي لم تشاهده مصر أو المغرب هو أسلوب جديد بالحكم و انموذج يحتذى به بالاصلاح الإداري، و تنظيم البلاد.

42

جوهر الصقلي فاتح مصر

اقترن اسم «جوهر الصقلي» باسم مصر، فقد عرف بأنه فاتحها، و موّطد أركان الدولة الفاطمية في ربوعها، و قد تمّ له ذلك بعد أن أخضع مراكش، و الجزائر، و تونس، و ليبيا و صقلية لدولة «المعز» الفاطمية، و بعدها فلسطين، و الشام و الحجاز، و إذا كان اسم «المعز لدين اللّه» الفاطمي قد اقترن باسم «القاهرة» . فمن حق اسم «جوهر» أن يقترن بجامعة «الازهر» الذي وضع حجر أساسها، و اقام دعائمها.

نظر إليه كقائد من القواد العالميين العباقرة أمثال:

«صلاح الدين» ، و «خالد بن الوليد» ، و «طارق بن زياد» ، و غيرهم من مشاهير القواد المسلمين.

ولد بجزيرة «صقلية» . و ذكر أنه رومي الأصل مسلم، بدليل أن والده كان يسمّى «عبد اللّه» و ممّا يثبت صحة

43

اسلامه تمسكه باهداب الاسلام، و حرصه على اعلاء كلمته، و احياء أمجاده.

أخذ بنصيب وافر من الثقافة العربية و اللاتينية، و عرف اللغات السائدة في عصره، و درس العربية و الرومانية. و تاريخ الحروب، و أساليب القيادات السياسية و الحربية و كل هذا أكسبه مهارة في الحروب التي خاضها، و خبرة في إدارة البلدان التي افتتحها، و سياسة الشعوب التي أخضعها لحكمه.

ليس هناك أية مصادر تاريخية تشير إلى السنة التي ولد فيها بالضبط و لكن هناك ما يؤكد بأنه عاش أكثر من ثمانين عاما، و لهذا رجح بعض المؤرخين أن تكون ولادته قد وقعت ما بين سنة 298 هـ إلى سنة 300 هـ، و وفاته سنة 381 هـ.

كان مولى من الموالي، و قلمّا اهتدى المؤرخون إلى الوقوف على صحة نسب هؤلاء الموالي الذين يبدو انهم أغفلوا تدوين أنسابهم.

شبّ و ترعرع في حجر الدولة الفاطمية في المغرب أي بين موالي «المعز لدين اللّه» . و هناك مصدر يؤكد:

بأن «المعز» اشتراه من أحد أسواق «القيروان» ، و كان يعرض بسوق المزاد، و في ذلك الوقت كان صغيرا،

44

و يبدو أن «المعز» توسّم فيه من الذكاء و النجابة ما جعله يضعه بين مواليه و يحوطه برعايته و عطفه، مضافا إلى أنه وفّر له أسباب الدرس و التعليم، و لمّا كبر ظهرت عليه مظاهر العبقرية و الرجولة فسلّمه الخليفة «المعز» بعض المسؤوليات في القصر، و ظلّ يتدرج في الرتب حتى اتخذه «المعز» كاتبا سنة 341 هـ.

و في هذا الوقت أطلق عليه اسم «جوهر الكاتب» ، و الكتابة في ذلك العصر هي إحدى المناصب العليا التي كان الخلفاء لا يسندونها إلاّ لمن أنسوا فيهم الكفاءة و المقدرة على معالجة الأمور، أو بالأحرى هي الخطوة الأولى للوزارة.

في سنة 347 هـ رقّاه الخليفة «المعز» إلى منصب الوزارة، و بعد ذلك بفترة قصيرة عهد إليه بمهمة قيادة الجيوش العامة، و في العام نفسه أرسله على رأس جيش كثيف إلى المغرب الأقصى لاخضاع الثائرين و إعادة البلدان المنفصلة إلى حظيرة الدولة، و أمر بأن ينضم إلى قيادته «زيري بن مناد» أمير «صنهاجة» ، و «جعفر بن فلاح» أمير «كتامة» ، فسار إلى «تاهرت» ، و استولى عليها ثم استأنف المسير إلى «فاس» فناجز أهلها مدة ثم تركها لاستعصائها عليه، و بعد ذلك تابع فتوحاته في بلاد المغرب... من مدينة إلى أخرى حتى وصل إلى ساحل المحيط الأطلسي، و من هناك أرسل إلى الخليفة

45

«المعز لدين اللّه» بعض السلال من مياه المحيط المليئة بالسمك للدلالة على أنه أخضع المغرب الأقصى بكامله لحكم الفاطميين، و بعد ذلك عاد إلى «فاس» و فتحها عنوة، و استولى على كل ما فيها، كما قبض على صاحبها و ارسله مع صاحب «سجلماسه» بقفصين إلى «المعز لدين اللّه» ، في تلك الفترة أطلق عليه الخليفة «المعز» اسم «جوهر» القائد.

ذكر التاريخ:

ان «جوهرا» مرض مرضا شديدا بعد عودته من المغرب، فحزن «المعز» و عاده بنفسه و هذا شرف لا يناله إلاّ المقرّبون، فلمّا عاد من زيارته قال:

«جوهر» لا يموت و ستفتح مصر على يديه... و قد تحققت نبوءة «المعز» فشفي «جوهر» من مرضه و تمّ فتح مصر على يديه.

أجل... رأى «المعز» في «جوهر» ذلك الرجل الذي يصح الاعتماد عليه لفتح البلاد المصرية، كيف لا؟و قد أثبت في المعارك التي خاضها في المغرب عن أهلية و كفاءة مقرونة بشجاعة و دراية، و بعد نظر في ابتداع الخطط الحربية الناجحة، و يكفي أن يكون قد أخضع جميع بلاد المغرب‏

46

من أقصاها إلى أقصاها بمدة عام واحد، و قبض على رؤساء الثائرين، و أشاع الأمن و الاستقرار، و اكتسب ثقة «المعز» الذي بالغ في اكرامه، و خاصة حينما خرج إلى مدينة «رقادة» لتوديعه، و مباركته هو و جيوشه. و المشهور أن «المعز» قال ساعتئذ:

«و اللّه لو خرج «جوهر» وحده لفتح مصر، و ليدخلن إليها بالاردية من غير حرب، و لينزلن في خرابات «ابن طولون» و يبني مدينة تقهر الدنيا» .

و لم تقتصر ثقة «المعز لدين اللّه» به عند هذا الحد...

فقد ذكر التاريخ:

انه أمر أولاده، و رجالات دولته بالترجل بين يدي «جوهر» عند ذهابهم لتوديعه و هو يتأهب للمسير إلى فتح مصر، كما أمر صاحب «برقة» بالترجل «لجوهر» عند لقائه، و تقبيل يديه، و قد كبر ذلك على الوالي، و بذل مائة ألف دينار على أن يعفى من ذلك، و لكنه لم يظفر بشي‏ء.

و يضيف التاريخ:

ان الخليفة الفاطمي «المعز لدين اللّه» منح «جوهر» كل ما كان عليه من لباس خارجي عدا خاتمه.

47

اجل... خرج «جوهر» من القيروان في 14 من شهر ربيع الأول سنة 358 هـ، و كان معه ألف و مائتا صندوق من الأموال على الجمال، و جند يربو عدده على المائة ألف، و خيل يزيد عددها على عدد الجند بكثير. و كان يرافقه في البحر الأسطول المصري و عليه المؤن و الذخيرة و التموين. و ذكر التاريخ:

أن «أبا مسلم جعفر العلوي» الذي تولى أمر المفاوضة للصلح بين المصريين و الفاطميين سئل عند رجوعه عن عدد عسكر «جوهر» فقال:

مثل جمع عرفات كثرة و عدة.

و في هذا يقول الشاعر «ابن هاني‏ء» الأندلسي الذي خرج أيضا لوداع «جوهر» :

رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع # و قد راعني يوم من الحشر أروع

غداة كأنّ الأفق سدّ بمثله # فعاد غروب الشمس من حيث تطلع‏

و قال في «جوهر» :

إذا سار في ارض بناها مدائنا # و إن غاب عن أرض ثوت و هي بلقع‏

48

تسير الجبال الجامدات بسيره # و تسجد من أدنى الحفيف و تركع‏

وصل «جوهر» إلى «برقة» ... و كان قبل عامين من قدومه، قد أمر بإنشاء الطرق و شقها، و تعبيدها، و حفر الآبار في الطريق إلى مصر... حيث الصحراء و الواحات...

و لم يتقدم إلاّ بعد أن تأكد ان الآبار قد امتلأت بمياه الأمطار، كما أقام الخيام على كل مرحلة و بمجرد وصوله إلى «برقة» خرج الوالي، و أدى التحية على النحو الذي أمر به «المعز» ، ثم استأنف المسير إلى «الاسكندرية» ، ففتحت له الأبواب دون مقاومة، فدخلها، و أذاع على الجند أمرا بعدم التعرض للأهلين، و حرّم عليهم الدخول إلى المنازل، أو السرقة، أو النهب، أو الاعتداء على أي كان، و في هذا تتجلّى عظمة «جوهر» ، و بعد نظره، و سياسته الحكيمة، ففي هذا الحال أعطى البرهان على أنه القائد الذي يعرف كيف يضبط جنوده، و يمنع تصرفاتهم، و أعمالهم التي اعتاد الجنود أن يرتكبوها عند ما يدخلون البلدان فاتحين، و لكن «جوهر» كان يغدق على جنوده الأموال و العطايا، و الارزاق ممّا يجعلهم في غنى عن أية أعمال أخرى.

و في «الفسطاط» اضطرب الأهلون حينما علموا باستيلاء

49

«جوهر» على «الاسكندرية» فعقد الوزير «جعفر بن فرات» ، مجلسا من كبار رجال الدولة للنظر في حالة البلاد العامة، و في نهاية المطاف أجمع رأيهم على طلب الصلح، و ندبوا الوزير «ابن الفرات» للتفاوض مع «جوهر» في شروط الصلح، و طلب الأمان على الأرواح، و الأملاك، فأناب الوزير عنه «أبا جعفر مسلم العلوي» و بعض الوجوه الآخرين ممن لهم مكانة عليا عند المصريين، و ممن يرضى عنهم الفاطميون، فذهبوا إلى «جوهر» و كان في بلدة «تروجة» قرب «الاسكندرية» ... و هناك قبل ما عرضوا عليه... و بعد هذا أذاع على المصريين هذا البيان:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

هذا كتاب من «جوهر» الكاتب عند أمير المؤمنين «المعز لدين اللّه» صلوات اللّه عليه... إلى أهل مصر الساكنين بها من أهلها و من غيرهم... انه ورد من سألتموه الترسل و الاجتماع معي و معهم: «أبو جعفر مسلم» الشريف أطال اللّه بقاءه، «و أبو اسماعيل الرّسي» أيده اللّه، «و أبو الطيّب الهاشمي» أيّده اللّه، «و أبو جعفر أحمد بن نصر» أعزّه اللّه، و القاضي أعزّه اللّه.

و ذكروا عنكم انكم التمستم كتابا يشتمل على أمانيكم‏

50

في أنفسكم و اموالكم و بلادكم و جميع أحوالكم، فعرّفتهم ما تقدم به أمر مولانا و سيدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و حسن نظره لكم، فلتحمدوا اللّه على ما أولاكم، و تشكروه على ما حماكم، و تدأبوا فيما يلزمكم، و تسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسعادة عليكم، و بالسلامة لكم، و هو أنه صلوات اللّه عليه لم يكن اخراجه للعساكر المنصورة، و الجيوش المظفرة إلاّ ما فيه اعزازكم، و حمايتكم و الجهاد عنكم إذ قد تخطفتكم الأيدي، و استطال عليكم المستذل، و الممتعة نفسه بالاقتدار على بلدكم في هذه السنة، و التغلب عليه، و اسر من فيه، و الاحتواء على نعمكم و أموالكم حسب ما فعله في غيركم من أهل بلدان المشرق، و تأكد عزمه، و اشتد كلبه، فعاجله مولانا و سيدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه باخراج العساكر المنصورة، و بادره بانفاذ الجيوش المظفّرة دونكم، و مجاهدته عنكم، و عن كافة المسلمين ببلدان المشرق الذين عمّهم الخزي، و شملتهم المذلة، و اكتنفتهم المصائب، و تتابعت الرزايا، و اتصل عندهم الخوف، و كثرت استغاثتهم، و عظم ضجيجهم، و علا صراخهم فلم يفتهم إلاّ من أرمضه أمرهم، و أمّضه حالهم، و أبكى عينيه ما نالهم، و أسهرها ما حل بهم، و هو مولانا و سيدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه. غ

51

فربما بفضل اللّه عليه، و احسانه لديه و ما عوّده و أرجاه عليه استنقاذ من أصبح منهم في ذل مقيم و عذاب أليم، و ان يؤمن من استولى عليه المهل و يفرخ روع من لم يزل في خوف و وجل و أثر اقامة الحج الذي تعطل و أهمل العباد فرد منه و حقوقه لخوف المستولي عليهم، و إذ لا يأمنون على أنفسهم و لا على أموالهم، و إذ قد أوقع بهم مرة بعد أخرى فسفكت دماؤهم، و ابتزت أموالهم مع اعتماد ما جرت به عادته من اصلاح الطرقات، و قطع عبث العابثين فيها ليطرق الناس آمنين، و يسيروا مطمئنين، و يتحفوا بالاطعمة و الاقوات إذ كان قد انتهى اليه صلوات اللّه عليه إنقطاع طرقاتها لخوف مارتها إذ لا زاجر للمعتدين و لا دافع للظالمين، ثم تجديد السكة و صرفها إلى العيار الذي عليه السكة الميمونة المنصورية المباركة و قطع الغش منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال هي التي لا يتسع لمن ينظر في أمور المسلمين إلا اصلاحها و استفراغ الوسع فيما يلزمه منها، و ما أعزّ به مولانا و سيدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه إلى عبده من نشر العدل و بسط الحق و حسم الظلم و قطع العدوان و نفي الأذى و رفع الحزن و القيام في الحق و إعانة المظلوم مع الشفقة و الإحسان و جميل النظر و كرم الصحبة و لطف العشرة و افتقاد الاحوال و حياطة أهل البلد في ليلهم و نهارهم و حين‏

52

تصرفهم في ابتغاء معاشهم حتى لا تجري أمورهم إلاّ على ما لمّ شعثهم و أقام أودهم و أصلح بالهم و جمع قلوبهم و ألّف كلمتهم على طاعة وليه مولانا و سيدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و ما أمره به مولاه من اسقاط الرسوم الجائرة التي لا يرتضي صلوات اللّه عليه باثباتها عليكم، و ان أجريكم في المواريث على كتاب اللّه و سنة نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم، و أضع ما كان يؤخذ من بركات موتاكم لبيت المال من غير وصية من المتوفي بها فلا استحقاق لمصيرها لبيت المال، و ان أتقدم في رم مساجدكم و تزيينها بالفرش و الايقاد، و أن أعطي مؤذنيها و قومتها و من يؤم الناس فيها ارزاقهم و أدرها عليهم و لا أقطعها عنهم و لا أدفعها إلا من بيت المال لا باحالة على من يقبض منهم و غير ما ذكره مولانا و سيدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، مما ضمّنه كتابه هذا من ترسل عنكم أيدهم اللّه و أصحابكم أجمعين من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها في كتاب أمانكم فذكرتها اجابة لكم و تطمينا لأنفسكم، فلن يكن لذكرها معنى، و لا في نشرها فائدة.

إذ كان الإسلام سنة واحدة و شريعة متبعة، و هي اقامتكم على مذهبكم و ان تتركوا على ما كنتم عليه من اداء المفروض في العلم و الاجتماع عليه في جوامعكم و مساجدكم و ثباتكم‏

53

على ما كان عليه سلف الائمة من الصحابة رضي اللّه عنهم و التابعين بعدهم و فقهاء الامصار الذين جرت الاحكام بمذاهبهم و فتواهم، و أن يجري الاذان و الصلاة و صيام شهر رمضان و فطرة قيام و لياليه و الزكاة و الحج و الجهاد على ما أمر اللّه في كتابه و نصه نبيه (صلعهم) في سنته، و أجرى أهل الذمة على ما كانوا عليه.

و لكم عليّ أمان اللّه التام العام الدائم المتصل الشامل الكامل المتجدّد المتأكد على الأيام و كرور الاعوام في انفسكم و اموالكم و اهليكم و نعمكم و ضياعكم و رباعكم و قليلكم و كثيركم، و على أنه لا يعترض عليكم معترض، و لا يتجنى عليكم متجني و لا يتعقب عليكم متعقب، و على أنكم تصانون و تحفظون و تحرسون و يذب عنكم و يمنع منكم فلا يتعرض إلى أذاكم، و لا يسارع أحد في الاعتداء عليكم، و لا في الاستطالة على قويكم فضلا عن ضعيفكم، و على أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه و يشملكم نفعه و يصل إليكم خبره و تتعرفون بركته و تغتبطون معه بطاعة مولانا و سيدنا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه.

و لكم عليّ الوفاء بما التزمته، و أعطيتكم إياه عهد اللّه و غليظ ميثاقه و ذمة أنبيائه و رسله و ذمة الائمة موالينا أمراء