الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج7

- عارف تامر المزيد...
87 /
3

الجزء السابع‏

الخليفة الفاطمي السابع‏

اسكن الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميّين‏

الخليفة السابع:

الظاهر لاعزاز دين اللّه‏

تأليف‏

عارف تامر

دكتور في الآداب‏

دار الجيل‏

4

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الاولى‏

1980 م-1400 ه

يمنع الاقتباس او النقل او أي تصرف كان الا بأذن من المؤلف‏

5

الخليفة الفاطمي السابع‏

اسمه: «الظاهر لاعزاز دين اللّه» لقبه: «علي» كنيته: «أبو الحسن» .

ولد في القصر الفاطمي بالقاهرة «المعزّية» في 10 رمضان سنة 395 هـ... تولىّ الخلافة بعد حادث اغتيال والده «الحاكم بأمر اللّه» في اليوم الأول من عيد الأضحى أي في العاشر من ذي الحجة سنة 411 هـ، و ذلك بعد ستة أسابيع من اختفاء والده و كان له من العمر سبعة عشر عاما.

توفي سنة 427 هـ «بعين شمس» بعد حكم استمر ستة عشر عاما، و كان له من العمر اثني و ثلاثين سنة. كان له أخ أصغر منه اسمه «الحارث-أبو الأشبال» توفي في عهد والده أي سنة 400 هـ، و كان له شقيقة صغرى اسمها «ست مصر» .

المصادر التاريخية جميعها أجمعت على القول:

6

بأن عمته «ست الملك» هي التي تولّت تربيته، و الإشراف على تعليمه و تثقيفه، و يبدو أنها بذلت عناية كبرى في سبيل إعداده للخلافة و الملك، لهذا فقد تخرج و هو يحمل في طيات نفسه أكبر ثروة من المثالية و الادب و الخلق الرفيع و التهذيب، فكان الناس يتندرون بأدبه و علمه، و يشبهونه بجده «المعز لدين اللّه» .

كان الخليفة «الظاهر» يحب الأدب و الشعر، و يجنح إلى الحلم و التواضع، و يكره مبدأ العنف و القتل، و كان ميالا إلى الفن و اللهو و الغناء، و الانقطاع إلى الاصدقاء و الخلاّن من رفاقه الشباب بعيدا عن أجواء السياسة و الملك العقيم، و كان بالوقت ذاته قوي العزيمة لا يبالي بالصعاب، فيقف ؟؟؟ العزم ثابت و صبر، و يتصدّى لها بعنف و هو واثق من ؟؟؟ حب الصدر... كثير الحلم... كريما...

؟؟؟ و يستمع إلى الرعيّة و شكاوي الفقراء ؟؟؟ حرصه على تطبيق قواعد الدين ؟؟؟ الصحيحة، و الرغبة ؟؟؟ و كان دقيقا ؟؟؟ و المنحرفة ؟؟؟ كل ما اتهم به‏

7

البيت الفاطمي من تهم باطلة كقولهم... انهم يعطفون على هذه الفئة و يشجعونها و يتبنون عقائدها، فكانت أوامره صارمة بإبطال دعواهم و القضاء عليها، و إبادتهم إذا ما استمروا على غوايتهم.

تميّز عهده بالسكينة و السّلام و الرفاه العام و الرويّة و الاعتدال في بادى‏ء الأمر، و لكنه ساء أخيرا و تردّى، فذهبت هيبة الدولة، و ضاع القانون، و أصبح الحكم للعصابات الخارجة على القانون تسرح و تمرح دونما خوف، و تهدد حياة الآمنين.

أعطى الخليفة «الظاهر» الشباب حقه من الحرية و الإنطلاق و الاستمتاع تاركا لعمته إدارة شؤون الدولة... و بالفعل قامت بالمهمة خير قيام، و أدارت دفة الأمور بنباهة و ذكاء و قوة و عزم. و كان «الظاهر» قد أصدر مرسوما سمّاها فيه- «نائبة الخليفة» و فوّض إليها التصرف بأمور الدولة كما تشاء.

و لكن ذلك لم يستمر طويلا إذ أن المنية فاجأتها سنة 414 هـ عن عمر ناهز الخامسة و الخمسين، و بعد وفاتها بدأت الأحوال العامة الداخلية و الخارجية تتدهور مما أزعج الخليفة الشاب الطري العود. و جعله في وضع مضطرب حائر لا يجد من يسد الفراغ.

8

ذكر التاريخ:

ان باكورة أعمال الخليفة «الظاهر» بدأت بإعطائه الحرية التامة المطلقة لكافة الفرق و الأديان بممارسة طقوسهم الدينية كما يشاؤون... كما ألغى قرارات عديدة كانت قد صدرت بعهد والده. و خاصة ما كان منها خاصا بالحالة الاقتصادية للدولة، فألغى الكثير من المنح و الاقطاعات و الرواتب و المخصصات و الأرزاق التي قررها «الحاكم بأمر اللّه» ، و التي كانت تشكل عبئا ثقيلا على خزينة الدولة، و أشاع العدل و القانون في جميع الارجاء مما أعاد إلى الأذهان سيرة الخليفة الفاطمي الرابع- «المعز لدين اللّه» -و لهذا فإن غالبية الشعب المصري و خاصة الطبقة الراقية محضته الثقة و أولته الطاعة، و دانت له تمام الإدانة، و لكن كل هذا لم يقف أمام تفاقم الأحداث، و ازدياد الاضطرابات، و تعرض البلاد إلى سوء الأحوال الطبيعية، و الآفات السماوية.

أجل... تسلّم الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» شؤون الخلافة و هو في سن الشباب، فحمل الأمانة مكرها، و اضطلع بالمسؤولية مجبرا، و كانت التركة ثقيلة جسيمة، و الأيام حبلى بالحوادث و المفاجئات.

9

صحيح... ان عمته «ست الملك» أخذت الحمل عنه ولفترة قصيرة، و لكن القدر لم يمهلها، فماتت مأسوفا على براعتها و حدبها و سهرها... و ممّا لا ريب فيه أن الخليفة «الظاهر» مدين لعمته بالملك التي حافظت و سهرت عليه و كأنّ اللّه قيضها له بعد الصدمة الأليمة التي ألمّت به اثر حادث اختفاء والده، فكانت هذه السيدة النابهة التي تعهدته و أشرفت على تربيته و تأديبه هي التي أوصلته للملك و ما زالت تتعهد أيضا بالسهر على شؤون الدولة و إدارة أمورها بنباهة و جرأة و استحقاق حتى آخر نفس من حياتها، و مما تجدر الإشارة اليه ان «عمّار بن محمد» رئيس الرؤساء أو خطير الملك...

ساهم مساهمة مخلصة بإيجاد المناخ الصالح لخلافة «الظاهر» ...

و كان وقت اختفاء الحاكم يشغل وظيفة رئيس ديوان الانشاء و المشارقة و الاتراك.

تزوّج الخليفة «الظاهر» أمة سوداء كانت لتاجر يهودي اسمه «سهل بن هرون التستري» و قد ابتاعها «الظاهر» منه فولدت له «المستنصر باللّه» الذي تسلّم الخلافة بعد والده، أما «التستري» فقد ذكرت المصادر التاريخية أنه لعب دورا عظيما بعهد الخليفة الثامن «المستنصر باللّه» مستغلا صداقته لوالدة الخليفة.

10

وزراء الخليفة الظاهر

من المعلوم أن المدة التي قضاها الخليفة «الظاهر» في مقعد الخلافة كانت قصيرة بالنسبة لاسلافه، لهذا فإن عدد الوزراء الذين استخدمهم لم يتجاوز عددهم أصابع اليد...

و ها هو ترتيبهم:

1- «عمّار بن محمد» :

رئيس الرؤساء أو خطير الملك... «أبو الحسن» ...

مسلم فلسطيني... ساهم كما ذكرنا بإيجاد المناخ الصالح لخلافة «الظاهر» ، و عند ما اختفى «الحاكم بأمر اللّه» كان يشغل وظيفة رئاسة ديوان الانشاء و المشارقة و الاتراك، فوضع نفسه تحت تصرف «ست الملك» و قاد الحملة التي هيأت الأجواء الصالحة للخليفة الجديد «الظاهر» ، و لكن مع كل أسف اتهم في آخر المطاف بتهمة الرشوة و سرقة أموال الدولة فحوكم و أعدم.

11

2- «موسى بن الحسين» :

بدر الدولة، و أبو الفتوح... كان يتولّى الشرطة ثم ولّي ديوان الانشاء بعد «ابن حيران» ... كان شيعيا فارسيا...

و لكن المدة التي بقي فيها بالوزارة كانت قصيرة... مات اغتيالا... و ترك ثروة طائلة.

3- «مسعود بن طاهر الوزّان» :

هو الأمير شمس الملوك المكين... مسلم فارسي...

لم يستمر طويلا في الوزارة.

4- «الحسين بن صالح الروذباري» :

عميد الدولة و ناصحها «أبو محمد» مسلم عراقي...

هو ابن الوزير «صالح بن علي الروذباري» الذي كان وزيرا بعهد «الحاكم بأمر اللّه» .

5- «علي بن أحمد الجرجرائي» :

نجيب الدولة أو الوزير الأجل الأوحد-صفي أمير المؤمنين-أبو القاسم-فاطمي... كان عالما قديرا و عبقريا فطنا... خدم الأسرة الفاطمية بإخلاص فهو الذي أخذ البيعة

12

«للمستنصر باللّه» في حياة والده «الظاهر» ... و كان ابن ثمانية أشهر.

6- «قاسم بن علي بن أحمد الجرجرائي» :

من الرجال القلائل المخلصين للدولة الفاطمية و للخليفة...

عمراني عمل على توسيع مدينة «القاهرة» المعزّية و شق شوارعها و إقامة الحدائق و الساحات و المباني... كما نهض بالزراعة، و عمل كثيرا لخير الدولة الفاطمية، و لكن الاقدار عاكسته.

و من الاشخاص المرموقين الذين لعبوا دورا مهما في عهد الخليفة «الظاهر» الخادم الأسود «معضاد» الذي عينه لقيادة الجيوش و لقبه بعز الدولة و سنائها «أبي الفوارس» «معضاد الظاهر» ، و يقال أن معضاد كان من أقرباء زوجة الخليفة «الظاهر» .

كان مقربا جدا من الخليفة أو ثالث شخص في الدولة يسمح له بالدخول على الخليفة متى شاء، و مثله مثل الشريف الكبير «العجمي» و الوزير «علي الجرجرائي» و الشيخ العميد «محسن بن بدوس» و يأتي بعدهم: شمس الملوك «مظفر» صاحب المظلة و «ابن حيران» صاحب ديوان الانشاء، و داعي الدعاة، و نقيب الطالبيين، و قاضي القضاة.

13

أوضاع الدولة الخارجية المغرب‏

كانت الاوضاع في المغرب في أواخر عهد الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» تسير في طريق مسدود و غامض بالنسبة للدولة الفاطمية «فباديس بن بلكيّن بن زيري» بالرغم من بقائه على الولاء للفاطميين بالظاهر، فإنه في الباطن استأثر بكافة الصلاحيات، و قضى على البقية الباقية من النفوذ الفاطمي في الديار المغربية بحيث لم يبق لهم إلاّ الاسم على العملات، و في الخطب التي تردد في المساجد. ولدى بعض الاتباع العقائديين الذين اعتنقوا المذهب الفاطمي، و قد عرف «الحاكم بأمر اللّه» كل هذا، و لكنه و هو في خضم الاحداث اراد الابقاء على العلاقة مع «الزيريين» و لو شكليا رغم علمه أن هيبة الدولة الفاطمية و نفوذها لم يعد لهما وجود في ديار المغرب، و اذا كان قد ظلّ حريصا على إبقاء العلاقات الودية فلأنّ إمكانيات الدولة لم تكن تتحمل الدخول في معارك بشأن المغرب في ذلك الوقت.

14

و عند ما تسلّم «الظاهر لاعزاز دين اللّه» شؤون الخلافة، هبطت و فود عديدة من المغرب تمثل القبائل و الهيئات ذات الأهمية و الفعالية، و هي تحمل لخليفة مصر التهاني و المبايعة، و لكن و مع كل هذا فان الاعتقاد ظل سائدا بأن المغرب لم يعد البلد الذي يمتلكه الفاطميون أو يحكمونه مباشرة.

أجل... عرف «الحاكم بأمر اللّه» كل هذا في وقت لم تكن الظروف و الاحداث الداخلية و المشرقية تساعد على التفرغ لشؤون الاقطار المغربية... و كان الحاكم قد خطط لعملية أراد تنفيذها لو أن الأقدار ساعدته و هي: العودة إلى حكم المغرب بطريقة الإقامة ستة أشهر في المغرب، و ستة أخرى في القاهرة، و لكن الأجل لم يمهله، و الأقدار لم تساعده، و قد روى ذلك مؤلف كتاب «عيون الاخبار» ... «أدريس عماد الدين» .

و مهما يكن من أمر فإن «بلكيّن بن زيري» هو أول مغربي فكر باستقلال المغرب عن الدولة الفاطمية، و قد مرّ معنا أن ولده «باديس» مرّ في القاهرة بطريقه إلى الحج، و اجتمع إلى الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» ، و تظاهر بالابهة و العظمة و الاستعلاء، و لكن الحاكم قابله بتناسي المشهد المخصوص و السماح و الرغبة في البقاء على ارتباطه و لو شكليا برباط الود التقليدي بالدولة الفاطمية.

15

و ممّا يجب أن يذكر:

ان الاختلال الداخلي قد ذرّ قرنه في المغرب بين أسرة «الزيريين» الحاكمة، فإن «باديس» قد شن حربا على أبناء عمه «الحمّاديين» بسبب دعوتهم إلى الاستقلال التام و الارتباط بالعباسيين، و كأن «باديس» قد تناسى نصيحة «المعز لدين اللّه» لجده «بلكيّن» يوم قال له و هو يودعه عند ما ترك المغرب و جاء إلى مصر.

«أحذرك بأن لا تولي أحدا من أسرة «الزيريين» أية وظيفة في الدولة، و لكن «باديس» خالف الوصية و عهد لعمه «حمّاد بن بلكيّن» بالدفاع عن المغرب الأوسط ضد «التبر زناتة» سنة 386 هـ، فقام ببناء القلاع و الحصون و الاستحكامات، و بعد فترة أعلن الخروج عن طاعة ابن أخيه، و أعلن سنة 405 هـ عن قيام دولة مستقلة، و أخذ يشجع «زناتة» في طرابلس-الغرب على الخروج على «باديس» و مما يجب أن يذكر أن «حمّادا» كان جبارا و سفاحا يقتل الاطفال و الأسرى و النساء و يعيث فسادا في كل مكان يدخله، فخلفه ابنه «المعز بن باديس» الذي بدأ عهده بعقد صلح مع «حمّاد» و الإبقاء على ما في يديه.

أمّا بالنسبة للفاطميين فإن عوامل الفتور بين «الزيريين»

16

و الفاطميين تبدو قديمة، و قد بدأت في مستهل عهد «المعز لدين اللّه» عندما بدأ بعض «الزيريين» و تابعيهم ينقضون عهودهم، و يعودون إلى اعتناق المذهب السني بعد أن كانوا قد اعتنقوا المذهب الفاطمي الشيعي.

و لكي نستقصي أسباب التحول عن مذهب الفاطميين، علينا أن نعود إلى عقيدة أهالي شمالي افريقيا قبل مجي‏ء الفاطميين، فمن الواضح أن هذا الاعتقاد القديم كان يقوم على مذهب «أبي حنيفة» و لكن «سحنون بن سعيد» الذي قدم إلى «القيروان» سنة 191 هـ ألّف كتابا في المذهب المالكي، دعا الناس فيه إلى اعتناق هذا المذهب لأنه يتفق و طبائع أهل شمالي افريقيا، و بالفعل لاقى الكتاب اعتبارا كبيرا و أثّر في الافكار بحيث اعتبر فيما بعد أساسا للعقائد الدينية السائدة في تلك البلاد.

و مهما يكن من أمر فلا بد من القول: بأن أهل افريقيا الشمالية أيّدوا الفاطميين لرغبتهم في التخلص من حكم الولاة العباسيين من جهة، و للتخلص من الفوضى الضاربة أطنابها في بلادهم من جهة أخرى، أما بعد رحيل الفاطميين من المغرب إلى الديار المصرية فان «الزيريون» نواب الفاطميين أصبحوا وحدهم يمثلون المذهب الشيعي في عاصمتهم‏

17

«المنصوريّة» ، أمّا في القيروان و غيرها من مدن المغرب فقد كان المذهب المالكي هو السائد-و لا شك فان ضعف المذهب الفاطمي وصل إلى الحد الأقصى من الانهيار بعد الثورتين المشهورتين و هما: ثورة «أبو يزيد» الخارجي، و ثورة «أبو ركوة» و قد ذكرنا في الأجزاء السابقة تفاصيلهما، كما لا يجب أن يغرب عن بالنا انقسام «الزيريين» على بعضهم البعض، و انحياز الفريق الثاني «الحمّاديين» للسنة، و تصديهم للشيعة حتى في عاصمة الفريق الأول «المنصوريّة»

أمّا «المعز بن باديس» الذي تسلم الإمارة في المغرب و هو ابن ثماني سنوات فقد كان تحت سيطرة فقيه سني اسمه:

«الحسن بن علي بن أبي الزجّال» الذي تمكن من تحويله عن فاطميته إلى متنكر لها.

و يذكر التاريخ:

ان سبب الفتور هو حدوث مصادمات بين السنة و الشيعة في المغرب فقد ذكر أن الدم جرى غزيرا في شوارع القيروان، فكان السنّيون يهاجمون الشيعة في الاسواق و في كل مكان، فيقتلون الأطفال و النساء و الشيوخ دونما تمييز أو رأفة و قد سارت أغلب مدن المغرب على هذه الخطة، فثار الأهلون الظاهر-2

18

على الشيعة و قتلوا منهم أعدادا كثيرة، كما أحرقوا منازلهم بالنار و نهبوها، و أعملوا فيهم القتل عند ما حاولوا الفرار إلى «صقلية» و كانوا يسمونهم «المشارقة» نسبة إلى «أبي عبد اللّه الشيعي» الذي جاء من المشرق، و ربما كان «المعز باديس» نفسه قد دعا الناس بالسر، و شجعهم على القضاء على الفلول الشيعية، بعد أن تجرأ على تغيير العملات و نزع اسم الفاطميين عنها.

و بالرغم من كل هذا فإن الفتور لم يصل إلى حد القطيعة لأن «الزيريين» الفرع الأول كانوا سياسيا يعتمدون على تأييد العباسيين.

أمّا الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» فقد أزعجه أن تصل الأمور في المغرب إلى هذا الحد، فأرسل إلى «المعز باديس» يسأله عن الأسباب التي أدت إلى سفك دماء الأبرياء من الشيعة بهذا الشكل الوحشي. فأجابه معتذرا و ألقى اللوم على العامة الذين لم يستطع كبح جماحهم، و من جانب آخر نرى «المعز» يرسل إلى الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» بشرى نهاية الدولة الأموية بالأندلس. فأرسل إليه الحاكم سيفا مرصعا بالجواهر و خلعة من ثيابه و تبادلا رسائل الود. غ

19

الاحداث في المشرق‏

في بلاط الدولة الفاطمية، و في القاهرة المعزية، و في ردهات قصر الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» ، ولدى الخاص و العام، و في أوساط عائلة الخليفة كان الاعتقاد سائدا بأن مقتل الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» و اختفاء جثمانه تمّ على أيدي جماعة الغلاة الذين نادوا بألوهية الحاكم، و هذا كان له أبلغ الأثر في نفس الخليفة «الظاهر» ، و ولّد لديه شعورا غريبا و رغبة بالانتقام من هذه الجماعة الملحدة الخارجة التي استوطنت بلاد حوران و ضواحي حلب و في بعض المدن المصرية، و هذا ما جعل الخليفة «الظاهر» يصدر أوامره بضرورة استئصال جذور هذه المجموعة و إبادتها إبادة تامة إذا لم ترتدع عن غيّها، و قد كان من تأثير هذا الشعور أن أذاع سجلا أو مرسوما صدر عن القصر الفاطمي سنة 414 هـ.

و هذا بعض ما جاء فيه كما ورد في كتاب «النجوم الزاهرة» للصابي:

20

«و ذهبت طائفة إلى الغلو في أبينا أمير المؤمنين «علي بن أبي طالب» ... غلت و ادعت فيه ما لا يصدقه العقل، و نجمت من هذه المجموعة الكفرة فرقة سخيفة العقول ضالّة بجهلها عن سواء السبيل، فغلوا فينا غلوا كبيرا و قالوا في آبائنا و أجدادنا منكرا من القول و زورا... نسبونا بغلوهم الأشنع و جهلهم المستفظع إلى ما لا يليق بنا ذكره... و أنّا لنبرأ إلى اللّه تعالى من هؤلاء الجهلة الكفرة و نسأل اللّه أن يحسن معونتنا على إعزاز دينه و توطيد قواعده و تمكينه و العمل بما أمرنا به جدنا المصطفى و أبونا علي المرتضى و أسلافنا البررة اعلام الهدى» .

و في السجل يتبرأ الخليفة «الظاهر» من هذه المزاعم التي قيلت في أبيه و أسلافه و يؤكد اعترافه إلى اللّه بأنه و أسلافه الماضين و أخلافه الباقين مخلوقون اقتدارا و مربوبون اقتسارا لا يملكون لأنفسهم موتا أو حياة و لا يخرجون عن قبضة اللّه تعالى و انّ من خرج منهم عليه لعنة اللّه.

و قدّم في مرسومه إنذارا يدعو هؤلاء إلى التوبة إلى اللّه من الكفر و ينذرهم بوضع السيف على رقاب من يصر على البقاء على الكفر، كما يعد التائبين و الراجعين إلى الصواب بالعفو.

21

هكذا بدأ الخليفة «الظاهر» عهده في بلاد الشام، فقد هاله أن يقوم بين رعيته من أعمالهم الجهل فينظرون إليه و إلى آبائه و أجداده و كأنهم آلهة، و في هذا ما فيه من الكفر و الشرك و الالحاد.

و يذكر التاريخ:

أن الخليفة «الظاهر» كان يعتقد اعتقادا جازما بأن الفرقة الجاهلة التي اعتقدت بألوهية «الحاكم بأمر اللّه» «هي نفسها التي دبرت موآمرة اغتياله و إخفائه لكي تدعم اعتقادها بأسطورة خيالية تبدو فيها قصة الاختفاء و العودة ثانية عند ما يحين الاوان ليملأ الارض عدلا كما ملئت جورا و ظلما.

من هنا فإنّ العقاب كان قاسيا و مريرا و خاصة في بلاد «حوران» و وادي «التيم» بحيث أن اوامر الخليفة كانت قاسية فهي تلزم الجنود الذين انطلقوا إلى تلك القرى بأن يحكموا السيف في الرقاب دونما تمييز. و هكذا نفذت الاوامر بقتل الأطفال و النساء و الشيوخ. و هدم المنازل على الرؤوس...

فذهب الصالح بجريمة الصالح و مات المذنب و البري‏ء معا، أمّا الذين سلموا فقد تفرقوا في المدن الأخرى بعد أن خربت منازلهم و لم يسمح لهم بالعودة إلا بعد أن أعلنوا التوبة.

22

هذا بالنسبة للغلاة، أمّا بالنسبة للأوضاع العامة في بلاد الشام. التي لم تعرف الاستقرار، و لا ذاقت جفون أبناءها طعم الهدوء منذ أن حطّ الفاطميون الرحال فيها، و قد مرّ معنا في الأجزاء السابقة تفاصيل ما حصل فيها من حروب، و ما أهرق في ساحاتها و ميادينها من دماء، و ما مثّل على مسارحها من مشاهد تقشعر لذكرها الأبدان. أمّا في عهد الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» ... فقد ذكر التاريخ:

أنه في عهد «الظاهر» فكّر «فاتك الوحيدي» ..

عزيز الدولة أو أمير الأمراء بالعصيان و الاستقلال بحلب و ما يتبعها مستغلا بذلك غياب الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» ، و صغر سن الخليفة «الظاهر» ، و لكن «ست الملك» أغرت خادمه «بدر» فدبّر قتله، و نفّذ الموآمرة عند ما كان سكرانا، فتولّى ولاية حلب مكانه مكافأة له، و لكنه مع كل أسف لم يستمر سوى بضعة أيام لأن «ناصر بن صالح بن مرداس» الذي كان سجينا فرّ من سجنه و ظهر على مسرح الاحداث من جديد و كان في أول أمره على علاقة طيبة بالفاطميين، و لكنه عاد فنكل... ثم أنه استولى فيما بعد على حلب و ما يتبعها من القرى و البلدان.

و المرداسيون هم جماعة من الشيعة أقاموا إمارتهم على‏

23

انقاض الإمارة الحمدانية فقد انطلقوا من مواطنهم، و قاموا بحملتهم عند ما انطفأ آخر شعاع للحمدانيين من وادي الفرات، فاستولوا على «حلب» ، ثم امتدوا بعد ذلك إلى «منبج» و «الرقة» و «الرحبة» ثم «حماه» و «حمص» و «صيدا» و «بعلبك» و «طرابلس» .

و من مآثرهم أنهم انتصروا بإحدى المعارك على «أرمانس» ملك الروم في معركة فاصلة وقعت في شمالي سورية، و قد عرف أن مؤسس إمارتهم هو: «صالح بن مرداس» أمّا «ناصر» فهو ولده و كان معاصرا للخليفة «الظاهر» .

أمّا بالنسبة للشام فقد ذكر التاريخ:

أن «حسّان بن جرّاح» تغلب على أكثر مدنها، و لم يستطع أحد من عمال الفاطميين أو قوادهم المرابطين هناك صده أو الوقوف بوجهه... و كل هذه بوادر تدل على ضعف الدولة الفاطمية التي كانت تجتاز مرحلة الازدهار و السمو إلى مرحلة الانهيار و الضياع.

24

في صقلية

هذه الجزيرة الكبرى التي ذكرنا في الأجزاء السابقة الكثير عنها و التي رغب الفاطميون بالابقاء عليها مرتبطة فيهم مباشرة بعد تركهم ديار المغرب.

هذه الجزيرة ظلّت رغم الاحداث المتلاحقة على ولائها للفاطميين، فلم يفكر القائمون على حكمها بالتخلي و لو قيد أنملة عن الوفاء و الاخلاص للدولة التي ينتمون إليها.

و الحقيقة:

فإن الاسرة «الكلبيّة» التي كانت تحكمها حافظت على مبادئها بالنسبة للفاطميين، و لم يفكروا بالاستقلال عنهم أو الخروج على المبادى‏ء و نزع سلطة من لهم عليهم الحقوق و الخدمات و الرعاية.

25

طلائع دولة فاطمية في اليمن‏

بدأ النشاط الفاطمي في اليمن منذ عهد الإمام الفاطمي المستور «الحسين بن أحمد» و لكن كان ذلك على نطاق ضيق.

و الحقيقة: فإن الحركة لم تظهر كقوة ذات فعالية و تأثير إلا في عهد الخليفة الفاطمي الأول «عبيد اللّه المهدي» ففي تلك الفترة كانت اليمن تابعة للدولة للعباسية، و كان الولاة يتعاقبون عليها من قبلهم، و كانت صنعاء حاضرة لهم، و لكن الأمور لم تكن مستقرة استقرارا تاما لأن السلاطين و الأمراء اليمنيين كانوا يتنافسون فيما بينهم في سبيل تولي الحكم، و كذلك في جزيرة العرب بصفة عامة كانت الأمور غير مستقرة، و بسبب الثورات التي قام بها العلويون في بلاد الحجاز و اليمن، و بسبب ظهور «القرامطة» في بلاد «البحرين» و بسط سلطانهم على «اليمامة» و «عمان» و مخططاتهم التي كانت تهدف إلى قلب أنظمة الحكم السائدة في العالم الإسلامي.

26

و قد كان لهذه الاحداث أثرا غيرمرض في الجزيرة العربية بأسرها، فصارت في شبه عزلة... كما تأخرت في النواحي الإقتصادية و العلمية، و لم يكن في تلك الأيام وحدة سياسية في بلاد اليمن بصفة خاصة تجمع شمل الأقاليم و الولايات التي أنهكتها المنافسات الداخلية، و الاختلافات المذهبية تحت لواء واحد، و هدف واحد، و كانت الولايات في هذه البلاد شبه مستقلة عن الدولة العباسية إداريا و سياسيا و ذلك لضعف الخليفة العباسي عن حربها. و لكنها لم تستطع الاستقلال عنه دينيا، لأن الولاة كانوا لا يستغنون عن بيعة الخليفة لتثبيت سلطانهم، فكان «بنو زياد» يقيمون في «زبيد» و هم من ولد «عبيد اللّه بن زياد بن أبي سفيان» و قد ولي «محمد بن زياد» اليمن من قبل الخليفة المأمون العباسي سنة 203 هـ.

و كان «بنو يعفر» في «صنعاء» و هؤلاء قامت دولتهم في اليمن في أواخر عهد «المتوكل» العباسي، و كان جدهم «عبد الرحيم بن ابراهيم الحوالي» نائبا عن «جعفر بن سليمان بن علي الهاشمي» الذي كان واليا للخليفة العباسي «المعتصم» على «نجد» و اليمن، و لمّا توفي «عبد الرحيم» خلفه ابن «يعفر» و هو رأس الدولة و باعث استقلالها سنة 247 هـ.

و استمر اعقابه في «صنعاء» حتى سنة 287 هـ. و يرجع نسبه‏

27

إلى التبابعة من «حمير» ، ثم أن بني «يعفر» دخلوا تحت سيادة «بني زياد» حيث استمر حكمهم إلى حين اقدام «أبو الجيش اسحاق بن ابراهيم» على خلع طاعة العباسيين سنة 289-291 هـ.

و من الجدير بالذكر أنه وقعت في عهده أحداث رهيبة و حلّت عوامل القلق و الاضطراب مما أدّى إلى عدم الإستقرار و فقدان الوحدة السياسية التي من أهمها ظهور «الإمام الزيدي» المعروف بـ «الهادي يحي بن الحسين بن القاسم الرسّي» سنة (280) هـ. الذي نزل «صعدة» لنشر دعوة الإمام «زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب» و قد تبعه عدد غير قليل من القبائل التي كانت ميّالة بالفطرة إلى التشيع، فصارت الزيديّة من يوم ظهوره من أهم العناصر في حياة اليمنيين، و هكذا أصبح في بلاد اليمن بعد ظهور «منصور اليمن» سنة 268 هـ أربع ولايات.

الزيادية في «زبيد» و اليعافرة في «صنعاء» و بنو الرس في «صعدة» -و الفاطميّة تحت قيادة «منصور اليمن» و «علي بن الفضل» .

و قد أدّى هذا الاضطراب السياسي إلى نزاعات و حروب‏

28

متواصلة بين الولايات أو بلغة أصح بين زعماء كل ولاية ممّا زاد الطين بلّة و مهّد لقيام الدولة الفاطمية «الصليحيّة» التي ظهرت في اليمن سنة 268 هـ. و سارت على قواعد من التنظيم البارع، و استطاعت أن تحكم اليمن و توحد أجزاءه.

و نتيجة لظهور هذه الدولة و استيلاء الداعيين الفاطميين «منصور اليمن» و «علي بن الفضل» فيما بعد على معظم بلاد اليمن بالاضافة إلى ما قام به أتباع الأئمة الزيديين من حروب، فقد اضطربت الأطراف على عامل العباسيين «أبي الجيش» و خرج زعماء البلاد كل في جهته إلى استنكار وجوده، و لم يسع «أبا الجيش» أمام هذه الانتفاضة إلاّ مهادنتهم و اعترافه بما تحت أيدي كل منهم و ذلك خضوعا و اعترافا بسياسة الأمر الواقع و لم يكن بعد بلاد اليمن عن بغداد حاضرة الدولة العباسية إلاّ عاملا رئيسيا خاصة و إنّ جماعة الشيعة كانت تلجأ في نشر دعوتها و مبادئها إلى الاستتار و البعد عن أعداء الدعوة-العباسيين-و أتباعهم بقدر الإمكان، و باتخاذ الأقطار البعيدة مكانا لنشر هذه المبادى‏ء و تعميمها، و قد وجد دعاة الفاطميين في بعد اليمن عن مركز الخلافة العباسية ببغداد وسيلة لتنفيذ مشروعاتهم، و إقامة قواعد دعواتهم حتى يمكن القول بأن هذا البعد بالإضافة إلى و عورة الطريق، و طبيعة

29

البلاد اليمنية الجغرافية المعقدة... كلها كانت من أهم الأسباب التي حالت بين خلفاء العباسيين، و بين توجيه الجيوش إلى اليمن لانقاذها من دعاة الفاطميين، و اكتفى الخلفاء بأن عهدوا إلى ولاتهم من جهة و تكليف زعماء البلاد من جهة أخرى بالقضاء على هذا التيّار الجارف... تيّار الحركة الفاطميّة و لكن الولاة كانوا من الضعف بمكان، و كان نزاعهم الدائم مع زعماء البلاد المتنافرين من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار الحركة الفاطميّة، و لهذا كان «لعلي بن الفضل» الحق بأن يقول عند ما عرض عليه الإمام الفاطمي «الحسين بن أحمد بن عبد اللّه» الذي كان يقيم في بلدة «سلمية-سورية» بأن يقوم ببث الدعوة في اليمن: «و اللّه أن الفرصة ممكنة في اليمن، و ان الذي تدعون إليه جاهز هنالك» .

هذا... و من الواضح تاريخيا كما ذكرنا في أكثر من كتاب... أنه كان لدعاة الفاطميين خبرة و دراية باختيار الرجال الصالحين، بقدر خبرتهم باختيار الأمكنة الملائمة لنشر التعاليم و الأفكار... فاتخذوا من مواعيد الزيارة «للكوفة» حيث على مقربة منها ضريح «الإمام الحسين بن علي» وسيلة لنشر مبادئهم و فلسفة عقائدهم... فهناك ظفروا

30

«بمنصور اليمن» الذي قيل أنه ينتسب إلى «عقيل بن أبي طالب» و كان يدين بمذهب الإمامية الاثني عشرية الشيعية، فتمكن الإمام الفاطمي «الحسين بن أحمد بن عبد اللّه» من تحويله إلى الفاطميّة في فترة وجيزة و هو القائل:

«و كان الإمام يخصني و يقربني و يرمز بقرب ظهور الأمر و دنو النصر» . و قال له:

«يا أبا القاسم... البيت يماني... و الركن يماني...

و الكعبة يمانيّة، و لن يقوم هذا الدين و يظهر إلاّ من قبل اليمن...

يا أبا القاسم... هل لك في غربة في اللّه... قلت:

يا مولاي الأمر إليك فما أمرتني به امتثلته... قال:

أصبر كأني برجل أقبل إلينا من اليمن... و ما لليمن إلا أنت فقلت: استعن باللّه على ما يرضيك»

و جاء «علي بن الفضل» و كان شابا و سيما من أهل بيت تشيع و نعمة و يسار إلى الكوفة سنة 267 هـ. ، فتمكن الفاطميّون من ضمه إلى صفوف دعوتهم، ثم مهدوا له السبل فذهب مع «منصور» إلى اليمن و يذكر التاريخ:

ان الإمام الفاطمي «الحسين» أوصى «ابن حوشب» أي «منصور» قبل ذهابه بقوله:

31

إلى «عدن لاعة» أقصد، و عليها اعنمد فمنها يظهر أمرنا، و منها تعز دولتنا، و منها تفترق دعاتنا.

ثم أمره بالاستتار، و الاعتماد على علم التأويل، و اتخاذ التشيع وسيلة لتحقيق أغراضه، و أن يقول بقرب ظهور «المهدي» و ان يجمع المال و الرجال، و يلزم الصوم و الصلاة و التقشف، و أن يعمل بالظاهر، و لا يظهر الباطن. و أوصاه أيضا:

إذا ورد عليك ما لا تعلمه، فاسأل من يعلمه، و ليس هذا وقت ذكره كما أوصاه «بعلي بن الفضل» خيرا بقوله:

«انه شاب قريب عهد بالأمر فانظر كيف تسوس أمره... » ثم قال «لعلي بن الفضل» :

... ان هذا الرجل الذي نبعث به معك بحر علم، فانظر كيف تصحبه، و اعرف له حقه، و لا تخالفه فيما يراه لك» .

و هكذا خرج الداعيان من «سلمية-سورية» إلى «القادسيّة» في نهاية سنة 267 هـ. و يقول «منصور» :

لما ودّعت الأهل و الأحبة متشوقا إلى اقطاع الغربة توجهت، فلما خرجت من «القادسيّة» أوجست خيفة و لكني سمعت حاديا يقول:

32

«يا حادي العيس مليح الزجر # بشّر مطاياك بضوء الفجر»

فسررت و استحسنت ذلك الفأل لمّا سمعته، ثم وصلت «مكة» و منها تابعت مع «علي بن الفضل» السير جنوبا حتى وصلنا سنة 268 هـ. إلى بلدة «غلافقة» ، و كانت في ذلك الوقت بندرا لمدينة «زبيد» على ساحل البحر الأحمر.

ثم افترقا على أمل أن يتصل كل واحد منهما بصاحبه ليتعرف إلى أحواله، فاتجه «منصور» إلى مدينة «الجند» و كانت غايته «عدن لاعة» و لمّا وصل إليها سأل عن الداعي الفاطمي «أحمد بن عبد اللّه بن خليع» الذي كان فيها، فعلم أنه مات بالسجن عند ما قبض عليه الأمير «ابن يعفر» ...

فنزل في داره و تزوج ابنته... و هذا يدل على أن الدعوة الفاطميّة تسربت إلى اليمن قبل وصول «منصور و ابن الفضل» .

و التاريخ هنا يوضح بأن الداعي الفاطمي السوري الكبير «أبا الفوارس» الذي استوطن سواد الكوفة و قام بأعمال باهرة هناك قد أنفذ ولده داعيا إلى اليمن، فأظهر العجائب و دخل في دعوته خلق عظيم، ثم مشى بالاقاليم فتحا حتى أجلى بعض الأمراء عن حصونهم و مناطقهم ثم انه قاتل «القاسم بن أحمد بن يحي بن القاسم بن ابراهيم الحسيني الهادي» ـ

33

و أزاله عن عمله في «صعدة» ففرّ منها بعياله إلى «الرسّ» ، و عند ما أراد الجيش الفاطمي بقيادته وقتئذ إتمام مهمته بفتح البلدان و الاقاليم أصيب و هو يجتاز احدى المناطق الجبلية بالبرد و الثلج فهلك أكثرهم في ليلة واحدة، و بعد ذلك مات الداعي الفاطمي «الصناديقي» و كان قد احتل أيضا مدنا و قرى كثيرة و كان موته بسبب الفصد الذي أجراه له الأطباء، و كان قد أرسل من قبل «القائم» العباسي لهذه الغاية، أمّا «علي بن زكرويه» صاحب الخال و هو من دعاة القرامطة فقد فرّ من سواد «الكوفة» إلى اليمن و جمع صفوفه هناك، ثم قام بالزحف على البلدان و الأقاليم فتغلّب على الكثير منها، و أخيرا مات في اليمن قبل أن يتم مهمته، و كل هذا يعني أن الحركة الفاطمية قديمة في اليمن، و قبل وفود «منصور و ابن الفضل» فهذان كانا متممان للبناء الذي أشاده غيرهما من الدعاة الفاطميين المؤسسين.

و مهما يكن من أمر فإنه من المفيد أن نأتي بايجاز على ما قام به الداعيان في اليمن، و ما تمّ على أيديهما من فتوحات، ثم كيف انتهى أمرهما أخيرا، و كل هذا له علاقة مباشرة بهذا الجزء من الموسوعة و بالجزء الذي يليه:

من المعلوم أنه بعد عامين من وصولهما أصبح لكل منهما الظاهر-3

34

جماعة كبيرة تأمر بأمره، و تخلص له أشد الإخلاص، و طبيعي في مثل هذه الأحوال أن يصبح هم كل منهما الحصول على الأموال الكافية لتنفيذ الأغراض و نشر المبادى‏ء و الأفكار، و الإستيلاء على المراكز الهامّة و المواقع الحسّاسة، فأصدر «منصور» أوامره بجمع الأموال وفق الخطة المتبعة في المشرق لدى الفاطميين، و هكذا فعل «علي بن الفضل» و بعد فترة قصيرة تمكن «منصور» من احتلال «عبر محرم» ثم جمع جمعا من أتباعه و استولى على جبل «الجميحة» كما هاجم «بيت ريب» و هو رأس «مسور» ثلاث مرات حتى استولى عليه، و كانت هنالك خططا مدبرة، و كان يسير من نصر إلى نصر.

و جاء في التاريخ:

انه عند ما استولى على جبل «مسور» من أعمال «صنعاء» كان معه ثلاثة آلاف محارب، فبنى في هذا الجبل حصنا و جعله قاعدة لشن الهجمات على المواقع الأخرى، كما أنه استمر في زحفه حتى استولى على بلاد «عيان» و «بني شاور» و «حملان» ثم على «ذخار» و ملك «شبام حمير» و جبل «كوكبان» و هنا أقبل عليه الناس يدخلون في طاعته طوعا أو كرها، فانضوى الكثير من «بني يعفر» و «ملوك حمير»

35

في الدعوة طائعين أو كارهين، و قويت في أرض اليمن دعوته الفاطميّة و علت كلمته.

و لم يقف نشاط «منصور» عند هذا الحد بل أرسل جيشا لمساعدة «ابن الفضل» حين أحيط به قرب «تهامة» و كان من أثر ذلك أن عاد «ابن الفضل» سالما إلى قاعدته، و كان قد احتل «لحج» و «أبين» و دخلت قبائل «مذحج» في طاعته و أخيرا احتل «المذيخرة» سنة 294 هـ. ثم دخل حصن «التعكر» و منه جاء إلى بلاد «يحصب» فدخل «منكث ثم هجم على «صنعاء» و دخلها لأول مرة 295 هـ.

و هكذا استمر «ابن الفضل» في فتوحاته حتى دانت جميع بلاد «تهامة» و «زبيد» و فيها قتل عامل العباسيين يومئذ و اسمه «المظفّر بن الحاج» و يصادف في هذه الأثناء أن يكون «عبيد اللّه المهدي» قد أعلن ظهور أمره في «سلمية- سورية» ، و هذا الإمام الفاطمي وضع ثقته «بمنصور» اليمني دون «ابن الفضل» فكان يخصه بكل عاطفة و يعطيه المسؤولية الأولى المباشرة عن الدعوة الفاطمية في اليمن معتبرا «ابن الفضل» دونه في المرتبة، فكلفه بإرسال الدعاة من قبله إلى الأقاليم... و هكذا بعث «منصور» ابن أخيه «الهيثم» إلى السند حيث استقر في «ملتان» و هناك غرس بذور الدعوة

36

الفاطميّة و قد استجاب له الكثير من أهلها، كما أرسل «محمد بن عبد اللّه بن العباس» داعيا إلى مصر و وزع الدعاة في سائر أرجائها. و في تلك الفترة بالذات أرسل الإمام الفاطمي «الحسين بن أحمد» إلى اليمن الداعي «أبا عبد اللّه الشيعي» فتدرّب على «منصور» لمدة ستة أشهر ثم ذهب بعد ذلك إلى المغرب و برفقته «أبو الملاحف» الذي عاد لفوره بسبب مرض والدته، فسيّر مكانه «ابراهيم بن اسحاق الزبيدي» و قد مرّ معنا أن الفاطميين قد أرسلوا في وقت مبكر إلى المغرب «أبا سفيان و الحلواني» .

و استمر الداعيان «منصور» و «ابن الفضل» يعملان في اليمن بهمة و نشاط حتى أصبح الجزء الأكبر منه خاضعا لنفوذهما.

و ذكر التاريخ:

ان الإمام «الحسين بن أحمد» لمّا أرسل الداعي «أبا عبد اللّه الشيعي» إلى اليمن ليتدرب على أيدي «منصور» أوصاه بقوله:

«امتثل سيرته و انظر إلى مخارج أعماله و مجاري أفعاله فاحتذها-و امتثلها و اعمل بها» فأقام عنده يشهد مجالسه‏

37

و يأخذ عنه و يخرج معه في غزواته و ظلّ على مقربة منه لا يفارقه حتى تمّ أخيرا إرساله إلى المغرب، و قد أوصاه «منصور» بقوله:

«ان أرض «كتامة» في المغرب قد حرثها «الحلواني» و «أبو سفيان» و ليس لها غيرك الآن، فبادر فانها موطأة لك ممهدة» .

و مهما يكن من أمر، و للدلالة على أن اليمن كان لها أهمية كبرى بنظر الفاطميين هو أن «عبيد اللّه المهدي» حين غادر «سلمية-سورية» إلى المغرب فكّر و هو في الطريق بأن يذهب إلى اليمن و يستقر فيها و يجعلها عاصمة لدولته، و لكن انحراف «علي بن الفضل» و خروجه على الدعوة الفاطمية جعله يعدل عن الفكرة و يتجه من مصر إلى شمالي افريقيا.

و نعود لنذكر شيئا عن مدى علاقة «ابن الفضل» بالفاطميين و أسباب تنكره لهم... فالمصادر التاريخية تشير إلى أن عليا لمّا استقر في اليمن ظل على ولائه للدعوة الفاطمية في «سلمية-سورية» و قد كان يظهر التقشف و الورع و التقوى، فكان يبقى طيلة نهاره صائما، و ليله قائما فأنس‏

38

إليه و أحبه كل من عرفه، و قلّده الناس الذين عرفوه أمرهم و جعلوا حكمهم إليه، و قد جاؤوا مرة طالبين إليه أن ينزل من حصنه في جبل «سرويافع» و يسكن بينهم فقال:

لا أفعل هذا... و لا أسكن بين قوم جهّال إلاّ بعد أن يعطونني العهود و المواثيق الاّ يشربوا الخمر... ففعلوا ذلك و أقسموا له على الطاعة، و ان لا يخالفوا له أمرا...

و هكذا وعدهم خيرا.

من هنا نرى أن «ابن الفضل» ظلّ مدة في البلاد اليمن على الولاء للفاطميين قائما بالعبادة الصحيحة مدة لا تقل عن عشرين عاما... و لكن التاريخ يعود فيتهم «ابن الفضل» بأنه أحلّ لاتباعه شرب الخمر و نكاح البنات و الأخوات كما أظهر الديانة المجوسيّة، و كفر بما أنزل اللّه عز و جل...

فويل للتاريخ من أعداء الحقيقة و كتّاب التاريخ.

و من المضحك المستغرب أنهم يروون هذه الأبيات و يذكرون أن شاعره خاطب بها الناس عند ما فتح «ابن الفضل» «الجند» .

خذي الدف يا هذه و العبي # و غني هزاريك ثم اطربي‏

39

تولىّ نبيّ بني هاشم # و هذا نبيّ بني يعرب

لكل نبي مضى شرعة # و هذي شريعة هذا النبي

فقد حطّ عنا فروض الصلاة # و حطّ الصيام و لم يتعب

فلا تطلبي السعي عند الصفا # و لا زورة القبر في يثرب‏

و مهما يكن من أمر فكل هذا بنظرنا لا يستحق الاهتمام أو المناقشة... فنحن تهمنا فتوحات «ابن الفضل» في اليمن، و أسباب استقلاليته و خروجه على الفاطميين و تنكره لرفيقه في الجهاد «منصور اليمن» .

من المعروف أن «ابن الفضل» كان ذا شخصية بارزة و قائدا بارعا و حاكما ناجحا و وطنيا متحمسا فخورا بقحطانيته...

له سياسة حكيمة في السلم و الحرب مضافا إلى شهامته و إقدامه و كرمه و وفائه للعهود و المواثيق و حمايته المظلومين و نصرته مبادى‏ء الحق، و لم يستطع «منصور» أن يقلل من نفوذه أو يعزله عن الدعوة أو يطرده من اليمن و هو يعلم علم اليقين‏

40

ميوله الاستقلالية و آراؤه المتطرفة في الحكم، بل على العكس كان مضطرا إلى مساعدته في حروبه و تهنئته على انتصاراته.

من جهة أخرى قد يكون بعيدا عن الواقع أن يقبل المجتمع اليمني المحافظ رئاسة «ابن الفضل» مدة عشرين عاما لو أنه كان يرتكب ما نسب إليه من الفواحش و قد يكون قد بالغ في يمنيته أو تطرف في قحطانيته حتى تعدّى حدود الدين أو أن نفسه العالية أنفت أن ترضخ لحكم أحد أو تدخل تحت نفوذ أي كان، و يجب هنا أن لا ننسى أن بيت الدعوة الفاطميّة كان بجانب «منصور» و يفضله على «ابن الفضل» بالنظر لقدمه في الدعوة و كبر سنه، و لعل هذا هو أساس العداوة و الانقسام.

أمّا مركز الدعوة الفاطمية في «سلمية-سورية» و بناء على توصيات «منصور» فإنها اعتبرته قد نكث بالعهد و استهواه الشيطان و أضله فخرج من الملّة و افترى على اللّه و على أوليائه مقتديا بالمضلين من قبله الذين كانوا له شر قدوة، و استمال الجهّال فكانوا له الأنصار و الأتباع و ارتكب المحارم و مال إلى الإباحات و كفر بعد إيمانه و باء بلعنة اللّه.

و لا يمكننا و نحن في معرض الحديث أن نقارن ما قام به‏

41

«ابن الفضل» بالنسبة لما قام به «منصور» الذي ظل علىّ ولائه للفاطميين حتى وفاته يتصل بهم في جميع المناسبات و يتلقى أوامرهم و يستعين بإرشاداتهم متمسكا بقوانين الدعوة مطيعا لأوامر من هم أعلى منه رتبة قائما بأداء واجباته المفروضة عليه من قبل دعوة آمن بها و اعتقد بنزاهتها... و ذلك بعكس «ابن الفضل» الذي ظلّ يخادع «منصور» و يماطله و يقول له:

إنّما أنا سيف من سيوفك... «و المنصور» يهابه و يخافه على نفسه لما يرى من شهامته و إقدامه، و تمشيا مع هذا المبدأ أظهر «منصور» فرحه لمّا فتح «ابن الفضل» «صنعاء» سنة 299 هـ. ، فاجتمعا و تشاورا فيما يجب عمله بعد ذلك...

و كان «منصور» حذرا و يقظا يرى أن وقف الحرب و الفتوح من قبلهما فيه مصلحة كبرى لهما... و كان يخاف على نفوذهما من الإنهيار فجأة مما يضطرهما إلى الدخول في حرب جديدة فتكون النتيجة خروج البلاد التي فتحوها من تحت أيديهما، فقال لصاحبه «ابن الفضل» :

قد ملكنا اليمن بأسره و لم يبق لنا إلاّ القليل، فعليك بالتأني و الوقوف «بصنعاء» سنة، و أنا «بشبام» فليصلح كل واحد منا ما فتحه و بعد ذلك يكون لنا نظر آخر.

و لمّا وصل نفوذ «ابن الفضل» إلى هذا الحد، و أضحى

42

سيد اليمن الأول أعرب عما يجيش في نفسه في رغبة ملحة في تكوين دولة يمنية مستقلة عن العباسيين و الفاطميين معا كما فعل «أبو سعيد الجنابي» الذي كوّن أول دولة «قرمطيّة» مستقلة في «البحرين» ... فكتب إلى «منصور» قائلا:

«انّ لي «بأبي سعيد الجنابي» اسوة، و أنت إن لم تنزل إليّ و تدخل في طاعتي نابذتك الحرب» .

فكتب إليه «منصور» يعاتبه و يذكره بالعهود و المواثيق التي أخذها عليه الفاطميون كما ذكّره بخطر الإنقسام و قال:

كيف تخلع طاعة من تر خيرا منه؟فأجابه «ابن الفضل» قائلا: «إنما هذه الدنيا شاة و من ظفر بها افترسها» . و تابع «منصور» ارسال الرسل إليه يعظه و يذكره و ينهاه و لكنه ظل على التمادي في إنكاره و تناهى في إصراره و كان هذا فاتحة الصراع بين الداعيين أو الإنذار الأخير «لمنصور» بأن يستعد للقتال، فما كان منه إلاّ حصّن بلاده و لا سيما جبل «مسور» و عوّل على أن يلاقي الصدمة وحده، و كان الخليفة الفاطمي الأول «عبيد اللّه المهدي» قد استقر بالمغرب، و لكنه كان عاجزا عن إرسال أية مساعدة «لمنصور» .

و نشبت أخيرا الحرب بين الداعيين فاستولى «منصور»

43

على «شبام حمير» و حاصر بلدة «الظلمة» حيث كان «ابن الفضل» و اتباعه، و قطعوا عنهم الزاد حتى أصابهم الجوع الشديد... و يذكر التاريخ:

أن «ابن الفضل» اجتاز المحنة و قوى أمره فملك «صنعاء» و تمكّن بعد ذلك من محاصرة «المنصور» ثمانية أشهر فطلب الصلح... فقال «ابن الفضل» :

لست أبرح و قد علم أهل اليمن قصدي من محاصرته إلاّ بعد أن يرسل إليّ بعض ولده، فيكون ذلك لي مخرجا عند الناس و يعلمون أنه قد دخل في طاعتي. فأرسل إليه ولده...

ثم أن «ابن الفضل» عاد إلى «المذيخرة» و أقام عنده ولد «المنصور» مدة عام ثم انه رده فيما بعد إلى أبيه.

و هذا العمل لم يفض النزاع بل زادت هوة الخلاف اتساعا ممّا مهّد لقيام ثورة يمنية ضد الطرفين.

و الحقيقة: فإن «ابن الفضل» لمّا خرج عن طاعة «منصور اليمن» و تنكر للفاطميين كان قد تأثر بأفكار «القرامطة» و أراد أن يقيم دولة قرمطية في اليمن تكون رديفا أو درعا لدولة القرامطة الثانية، و لكن مطامعه لم تتحقق و ظلّ على مبادئه و حروبه حتى مات مسموما سنة 303 هـ. بيد أحد الأطباء.

44

و بعد وفاته زحف الأمير «أسعد بن أبي يعفر» إلى «صنعاء» و حارب أتباعه و قتلهم واحدا إثر واحد ثم أرسل رؤوسهم إلى «مكة» حيث عدضوا في موسم الحج.

أمّا «المنصور» فظل أمينا على عهده للفاطميين، و لكنّ أمره قد ضعف فالتجأ إلى «مسور» و أقام مع أتباعه في الأماكن الحصينة النائية يدافع عن نفسه و أخيرا اتخذ مبدأ التقية و الستر و ظلّ هكذا حتى و افته المنية سنة 306 هـ. و كان قبل وفاته قد أوصى برئاسة الدعوة إلى «عبد اللّه الشاوري» و لكن ولده حسن اعتقد أن هذا الأمر بعد والده صائر إليه تلقائيا فطلب من الخليفة «عبيد اللّه المهدي» تعيينه مكان أبيه و لكن «عبيد اللّه» رفض طلبه، و عين «الشاوري» الذي تتلمذ و تمرّن على يد «المنصور» ، و هذا الاختيار حفز «الحسين بن منصور» على القيام بالخروج على الفاطميين و قتل «الشاوري» ثم جرّد جيشا و أعمل قتلا و تهديما بالبناء الذي شاده والده، و لكن هذا الخروج شجع الأعداء فجاؤوا اليه و قتلوه كما أبادوا جميع الأسرة، و لم ينج منها إلاّ «ابن المنصور» الثاني «جعفر» الذي فرّ إلى القيروان و استقر فيها تحت لواء الخليفة «القائم بأمر اللّه» سنة 322 هـ. و من الجدير بالذكر أنه وصل إلى مرتبة عالية فيما بعد بعهد الخليفة

45

الرابع «المعز لدين اللّه» سنة 341 هـ إلى سنة 365 هـ. ، و ممّا تجدر الإشارة اليه أنه كان في المغرب يكتب إلى أخيه يعيبه على ما فعل و يقول له:

«فكنتم و أنتم تهدمون و أبتني # فشتّان من يبني و آخر يهدم»

بعد هذه الأحداث تعاقب على رئاسة الدعوة الفاطمية في اليمن دعاة تسعة، و هي الفترة التي وقعت ما بين عهد «منصور اليمن» و ظهور الملوك «الصليحيين» الفاطميين في اليمن و هي فترة غامضة جدا في تاريخ اليمن و تمتد حتى عهد الخليفة الفاطمي السابع «الظاهر لاعزاز دين اللّه» الذي نتحدث عنه.

و هذه هي أسماءهم مع موجز عن حياتهم:

1- «عبد اللّه بن عباس الشاوري» :

تمرّن على «منصور اليمن» ... قدم على الخليفة الفاطمي «عبيد اللّه المهدي» في «القيروان» ... قتله «الحسن بن منصور اليمن» سنة 336 هـ. و ذلك بعهد الخليفة الفاطمي الثالث «المنصور باللّه» عمل مدة في مصر و نشر فيها مبادى‏ء الدعوة الفاطميّة بنجاح.

46

2- «يوسف بن موسى بن أبي طفيل» :

تولىّ رئاسة الدعوة بعد الخليفة الفاطمي الرابع «المعز لدين اللّه» ... قتله «ابراهيم بن عبد الحميد السباعي» .

3- «جعفر بن أحمد بن عباس» :

ذكر أنه ابن أخي «عبد اللّه بن عباس الشاوري» الذي ورد ذكره.

4- «عبد اللّه بن محمد بن بشر» :

كان داعيا في اليمن بعهد الخليفة الخامس «العزيز باللّه» و هو من وادي «قطابة من قدم» .

5- «محمد بن أحمد بن العبّاس» :

هو من شاور، و ذكر أنه أخ «جعفر بن أحمد العباس الشاوري» و كان معاصرا للخليفة «العزيز باللّه» أيضا.

6- «هارون بن محمد بن رحيم» :

كان داعيا في اليمن بعهد الخليفة السادس «الحاكم بأمر اللّه» و قد أرسل إليه سجلا سنة 391 هـ. و ربما يكون قد عاصر الخلفاء الثلاث: المعز و العزيز و الحاكم.

47

7- «يوسف بن أحمد بن الأشج» :

هو من أهل «شبام حمير» ... كان من دعاة الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» و المسؤول عن اليمن بعد هارون.

8- «سليمان بن عبد اللّه بن عامر الزواحي» :

هو من ضلع «شبام من حمير» و كان مسؤولا عن الدعوة في اليمن بعهد الخليفتين «الحاكم و الظاهر» و قيل أنه أدرك الخليفة الثامن «المستنصر باللّه» و كان مقره في حصن «كوكبان» .

و مهما يكن من أمر فإن هؤلاء الدعاة قاموا بأعمالهم و نشاطاتهم في القطر اليمني في عهد أطلق عليه المؤرخون اسم عهد الشدة و المحنة، و فقدان المصادر و الأخبار... و لا بد من القول: بأنهم كانوا يعملون بصمت و هدوء و قد ساعد على بقائهم طبيعة بلاد اليمن الجبلية الوعرة، و اتخاذهم الحصون المنيعة و الجبال العالية وسيلة للتستر و الإبتعاد عن الأعداء و مكامن الأخطار، و قد ظلّوا على هذا الحال حتى انبثاق الدولة «الصليحية» الفاطميّة في اليمن على يد «علي بن محمد الصليحي» -رأس الأسرة الصليحية الذي بدأ عهده بزمن الخليفة

48

الفاطمي السابع «الظاهر لاعزاز دين اللّه» ثم عاصر الخليفة الثامن «المستنصر باللّه» أيضا.

و يذكر التاريخ:

أنه أقام دولة يمنية قوية على دعائم متينة من العلم و الأدب و التنظيم، و هذه الأسرة كتبت في تاريخ اليمن أنصع الصفحات و استطاعت أن تحكم اليمن بجميع أجزائه مدة قرن حكما انموذجيا جديدا قائما على أسس من العدالة و الحرية و المساواة...

و كل هذا سنتكلم عنه في الأجزاء القادمة.

49

أحداث داخلية رهيبة

لم يستطع الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» أن يضبط أمور دولته الفاطميّة، أو يهدى‏ء النفوس الشريرة التي استيقظت، و تجندت للعبث بالامن و الاساءة إلى المجتمع و الدولة، فكان نشاطها بداية عهد من الخراب و الدمار تقوم به عصابات اتخذت لنفسها مهنة الفساد، فكانت تقتل و تغدر و تسرق دونما أي خوف مستغلة بذلك وفاة الأميرة «ست الملك» التي كانت قابضة بيد من حديد على زمام الأمور في الدولة داخليا و خارجيا... و جاءت الأقدار لتزيد في الطين بلّة حينما هبّت الرياح الشديدة فصبّت جام غضبها على مصر، و أصابت الشعب بنقص في الارزاق و الغذاء، و تنخفض مياه النيل، و تتعطل الزراعة، و يهاجر الناس إلى بلاد أخرى طلبا للرزق و العيش.

و هكذا شاءت الأقدار أن تضع العراقيل في وجه الخليفة الشاب الجديد و تشل حركته و تجمد هيبته، و هكذا وقف أمام الأحداث واجما حزينا عاجزا عن أن يفعل شيئا.

الظاهر-4

50

و قد ذكر التاريخ:

أن الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» افتتح عهده سنة 411 هـ. بإقامة مأتم أبيه الحاكم، فجلّل القصر الفاطمي بالسواد و استمر البكاء و العويل و الندب طوال الليل كما أسبغ على المأساة الصفة الرسمية... و ذكر أن بعد التولية التي حدثت في أول يوم من عيد الأضحى خرج لصلاة العيد و على رأسه المظلّة، فصلّى في الناس، و عاد فكتب للعمال و الولاة يعلمهم بخلافته.

كما انه ألغى القرارات و فيها التحريم الصارم التي كانت قد صدرت بعهد والده الحاكم، ثم عاد إلى سياسة التسامح الفاطميّة التي سار عليها الخليفة «المعز لدين اللّه» و «العزيز» من قبل.

و بعد أن علم بموت «عبد الرحيم بن الياس» أحضر شهودا و قضاة فشهدوا على أن الوفاة حدثت بطريقة الانتحار.

و ذلك حتى يكون بمنجاة من كل اتهامات، و «عبد الرحيم» هذا هو من أحفاد «عبيد اللّه المهدي» الخليفة الفاطمي الأول، و كان «الحاكم بأمر اللّه» قد أوصى له بولاية العهد بالوكالة ليكون وصيا على «الظاهر» ، و امّا حادث الانتحار فقد

51

تمّ سنة 414 هـ. و في ذلك العام أصبحت أسعار الحاجات الضرورية و المواد الغذائية لا تطاق كما تعذر وجود الخبز.

و في سنة 415 هـ. عيّن الخليفة «الظاهر» الخادم الأسود «معضاد» قائدا أعلى لجيوش الدولة و تلقّب بـ «عز الدولة» و «سنائها» و «أبي الفوارس» و «معضاد الظاهر» ، كما منع الناس من ذبح الأبقار لقلتها، و عزّت الأقوات و قلّت البهائم كلها حتى بيع الرأس من البقر بخمسين دينارا، و كثر الخوف في ظاهر المدينة و كثرت الاضطرابات، و فكّر زعماء الدولة بمصادرة التجّار فاختلف بعضهم على بعض و تعالى ضجيج الجند من الفقر و الحاجة فلم يجابوا... و تحاسد زعماء الدولة و قبض على العميد «محسن» و ضرب عنقه، و اشتد الغلاء و فشت الأمراض و برز الموت إلى الارجاء و فقد الحيوان الأهلي فلم يعثر على دجاجة أو فرخ حمام، و عزّ الماء لقلة الظهر... أي لم تعد هناك حيوانات للنقل، و ذكر التاريخ:

ان ركب الحجاج خرج من القاهرة فقطع عليهم الطريق بعد رحيلهم في «بركة الجبر» الواقعة في الجهة البحرية من القاهرة... و قد أخذت أموالهم و قتل الكثير منهم و عاد من بقي و لم يحج أحد من أهل مصر، و تفاقم الأمر من شدة

52

الغلاء فقام الشعب بمظاهرة صاخبة و صلوا فيها إلى قصر الخليفة و كانوا ينادون:

الجوع... الجوع... يا أمير المؤمنين... لم يصنع بنا هذا أبوك و لا جدك... فاللّه... اللّه... في أمرنا.

و انتشرت الأمراض و الأوبئة و انتشر الموت بين الأطفال لعدم وجود الأقوات و كثر الخوف من العصابات التي انتشرت في كل مكان تسرق و تنهب و تقتل في سبيل الكسب و الدفاع ضد الجوع.

و ذكر التاريخ:

ان الخليفة الظاهر عمل سماطا بمناسبة عيد الأضحى فهجم العبيد على السماط و هم يصيحون... الجوع...

الجوع... ثم أنهم نهبوا و التهموا كل ما كان عليه. أمّا الأرياف فقد أصابها موجة من الاضطرابات، فقد نهبت و تجنّد العبيد لنهبها و سلب كل ما فيها كما قاموا بأعمال قبيحة، و احتاجت الدولة إلى الأموال لسد العجز بعد أن فرغت الخزائن من الأموال التي صرفت على شؤون التموين.

و أذاع الخليفة «الظاهر» أمرا على الناس يقضي بقتل كل عبد يرونه في الطريق كما أنه جنّد فرقا من الجيش لحفظ