الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج8

- عارف تامر المزيد...
139 /
5

الجزء الثامن‏

الخليفة الفاطمي الثامن‏

اسمه «المستنصر باللّه» . لقبه: «معد» . كنيته:

«أبو تميم» ولد في القاهرة «المعزّية» في السادس عشر من جمادى الآخرة سنة 420 هـ، و بويع بالخلافة في النصف الأول من شعبان سنة 427 هـ، بعد وفاة والده الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» و كان له من العمر و قتئذ سبع سنين و عدة أشهر.

توفي في القاهرة «المعزية» سنة 487 هـ عن سبع و ستين عاما و خمسة أشهر، قضى منها في الخلافة ستين سنة و أربعة أشهر و ثلاثة أيام.

كانت أمه أمة سوداء تربّت لدى تاجر يهودي في مصر اسمه: «سهل بن هارون التستري» كما ذكرنا في الجزء السابع من هذه الموسوعة، و كان الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» قد ابتاعها منه و استولدها «المستنصر باللّه» ، فلمّا آلت الخلافة إليه و هو في سن مبكّر قبضت على شؤون الدولة

6

بمعاونة مربيها «التستري» و بإشراف الوزير «الجرجرائي» .

و قد ذكر التاريخ:

بأنها كانت على جانب كبير من الذكاء و الفهم و بعد النظر... تضع الأمور في محلها، و تحكم على القضايا المعروضة و الطارئة بالواقع و العقل... و عند ما اشتد ساعد ولدها و كبر...

تسلّم شؤون الخلافة و أدار دفتها وفق توجيهات والدته الساهرة اليقظة.

و ممّا هو جدير بالذكر: ان عهد الخليفة «المستنصر باللّه» يعتبر في التاريخ من أطول العهود، و متى علمنا أن المدة التي قضاها في الخلافة تجاوزت الستين عاما أدركنا أية أحداث جسام فرض عليه مواجهتها.

و مهما يكن من أمر... فإن الخبراء في الدراسات الفاطمية يعتبرون عهد «المستنصر باللّه» بداية النهاية... و معنى ذلك انه آخر خليفة شرعي للفاطميين، إذ أن بعد وفاته-و ان تكن الخلافة الفاطمية قد استمّرت فترة أخرى في الديار المصرية- إلاّ أنها ارتدت طابعا آخر قام على اللاشرعية. فالخليفة الذي تسلم بعد «المستنصر باللّه» لم يكن هو صاحب النص الشرعي، و ان جلوسه على كرسي الخلافة تمّ بطريقة الاغتصاب بعد

7

موآمرة كبرى أطاحت بالوارث الأصيل... و كل هذا سنأتي على ذكره في الجزء التاسع من هذه الموسوعة.

ذكر التاريخ:

بان الخليفة «المستنصر باللّه» كان يتميز بطيبة القلب، و محبته لشعبه، و حدبه على الفقراء، و كان بالاضافة إلى كل ذلك يحب الأدب و يقرّب العلماء و يعطف عليهم و يساعدهم، و كان يتذوّق الشعر و يقرضه.. و ذكر أنه ترك ديوانا. و لكن الآثار الفاطمية لم يبق على شي‏ء منها «صلاح الدين الأيوبي» اثر سقوط الدولة الفاطمية و كنّا ذكرنا لمحة عن ذلك.

8

وزراء المستنصر باللّه‏

بلغ عدد الوزراء الذين استخدمهم الخليفة «المستنصر باللّه» رقما تجاوز الخمسين، و من إلقاء نظرة على أسمائهم و موجز عن تاريخهم يتبين أن أكثرهم كانوا يمكثون أياما في الحكم ثم يصرفون ثم يعودون و هكذا دواليك... و كل هذا أوجد جوا من الفوضى و عدم الاستقرار في الدولة... ممّا سنذكره في الصفحات التالية:

1- «علي بن أحمد الجرجرائي» «فخر الأمة-صفي أمير المؤمنين» .

هو وزير الخليفة «الظاهر لاعزاز دين اللّه» ... كان مقطوع اليدين من المرفقين... و قيل ان الخليفة «الحاكم بأمر اللّه» قطعهما سنة 404 هـ على باب القصر البحري بعد أن اتهم بالفساد و الرشوة، و كان آنئذ يتولى رئاسة بعض الدواوين العليا.

9

عراقي الأصل... فاطمي المذهب... موطنه قرية «جرجرايا-بسواد العراق» ... في سنة 409 هـ عيّن على رأس ديوان النفقات، ثم صار فيما بعد وزيرا للخليفة «الظاهر» أي سنة 418 هـ، و بعد وفاة «الظاهر» أخذ البيعة «للمستنصر باللّه» ... من أعماله أنه أعاد النظام إلى ديار الشام، و دبّر أمور الدولة المالية... توفي سنة 436 هـ.. و مدة وزارته سبع عشرة سنة و ثمانية أشهر، كان مخلصا للخليفة «الظاهر» و بعده «للمستنصر باللّه» .

2- «الحسن بن علي الانباري» :

من أصحاب «الجرجرائي» ... خلفه في الوزارة، و لكنه لم ينعم بهذا المنصب لان أمره قد فسد بسبب عداوته «للتستري» أخيرا: قبض عليه و صودرت أمواله و قتل في سجنه... كان فاطميا... و ذكر أنه عراقي.

3- «صدقة بن يوسف الفلاحي» «فخر الملك» .

كان يهوديا ثم أسلم و انتسب إلى المذهب الفاطمي...

كان بارعا في ضروب الكتابة و البلاغة... ولي أولا النظارة في الشام، و لكنه فرّ من أمير الجيوش «أنوشتكين الدزبري» و قدم إلى القاهرة «المعزيّة» حيث لاذ «بالجرجرائي» الذي‏

10

رقّاه و أشار على الخليفة بتوزيره، دخل الوزارة سنة 436 هـ...

في عهده سيطر التستري» على كل شي‏ء، و لم يبق له من الوزارة إلاّ الإسم... و لمّا ضاقت به الأمور... أغرى الجنود الأتراك و دفعهم لقتل «التستري» و ظنّ بعد ذلك أن الدنيا صفت له، و ان الجو خلا له، و لكن التحقيقات السرّية كشفت عن اشتراكه بالموآمرة، و هكذا أقصي عن الوزارة و قتل سنة 440 هـ.

4- «الحسين بن أحمد بن محمد الجرجرائي» «عماد الدولة»

هو ابن أخي الوزير «علي الجرجرائي» ... خلف «الفلاحي» في الوزارة... كان سي‏ء السيرة... في عهده قبض على كثير من الأبرياء، و ازدادت المصادرات للأموال و النفي و التشريد... فكثر ذمّ الناس له... لأنه كان يتصرف بظلم الناس دون رأي الخليفة و قد حاول أن يبعد «اليازوري» الذي حل محل «التستري» في ديوان «أم المستنصر باللّه» و يشغله بمنصب قاضي القضاة، و لكن «اليازوري» أحبط مسعاه و بقي في منصبه. أخيرا...

كان نتيجة فشله في سياسته الداخلية و الخارجية أن غضب عليه الخليفة، فنفاه إلى «صور» سنة 441 هـ ثم أفرج عنه فذهب إلى دمشق و أقام فيها... كان فاطميا... و كانت مدة وزارته سنة و تسعة أشهر و عشرة أيام.

11

5- «صاعد بن مسعود» «عميد الملك» «زين الكفاة» .

كان من كبار رؤساء الدواوين، و المسؤول الأول عن ديوان «الشام» ... بعد ابعاد «الجرجرائي» ... ظلّ منصب الوزارة شاغرا عدة أيام، فعرضت عليه الوزارة على أن يكون «وسيطا» لا وزيرا فقبل و لكن يبدو أن «اليازوري» وضع المصاعب في طريقه، و هكذا عزل سنة 442 هـ بعد بقائه أقل من عام في الوزارة... كان مسلما سنيا.

6- «الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري:

«غياث المسلمين» - «خليل أمير المؤمنين» :

هو من أشهر وزراء القلم في الدولة الفاطمية... كان وزيرا ناجحا و أدّى للدولة الفاطمية خدمات كبرى في المجالين الداخلي و الخارجي... فلسطيني الأصل من قرية «يازور» مسلم-سني كان والده ثريا معدودا... انتقل إلى «الرملة» و ولي القضاء فيها، و عند ما نقل إلى القاهرة «المعزيّة» اتصل «بأم المستنصر باللّه» فأعجبت به و عينته مديرا لأعمالها بعد مقتل «التّستري» فاتسع نفوذه و أضيف إليه قضاء القضاة، و عند ما شغرت الوزارة بعد «صاعد بن مسعود» سنة 442 هـ عيّن فيها... لعب دورا كبيرا في حياة الدولة الفاطمية،

12

و ظلّ يملك ناصية الأمور حتى قبض عليه سنة 450 هـ و قتل في «تنيس» بعد أن ثبتت عليه مراسلة القائد السلجوقي «طغرلبك» المعادي للفاطميين.

7- «عبد اللّه بن محمد البابلي» :

«كفيل الدين- «شرف الملّة» :

تولّى الوزارة ثلاثة مرّات... كان في عهد «اليازوري» رئيس ستة دواوين عليا، أسندت إليه الوزارة مباشرة بعد «اليازوري» ... كانت سيرته سيئة في الأوساط، و كانوا يذكرون إساءته لمن أحسن إليه و أعني به «اليازوري» بحيث و شى به... صرف من الوزارة الأولى بعد سبعين يوما...

ثم اعتقل... ثم أفرج عنه، كان مسلما سنيا.

8- «محمد بن جعفر المغربي» :

هاجر من العراق إلى مصر فرارا من «البساسيري» فاتصل «باليازوري» الذي ولاّه «ديوان الجيش» ...

كانت «أم المستنصر باللّه» توليه عناية خاصة، و هكذا «اليازوري» . قبض عليه في جملة من قبض عليهم من أصحاب «اليازوري» و ظلّ معتقلا حتى تقررت له الوزارة و هو في المعتقل و ذلك بعد عزل «البابلي» ... ظلّ رئيسا لديوان‏

13

الإنشاء بعد صرفه من الوزارة... توفي سنة 478 هـ...

كان مسلما سنيا. مدته لم تتجاوز الأشهر.

9- «عبد اللّه بن يحيى بن المدبر» :

«شرف الوزراء» - «تاج الأصفياء» :

عرفت أسرته في الدولة العباسية بالعراق... كان يتصف بالأدب... و هو ولد «ابن المدبر» متولي خراج مصر في أيام «ابن طولون» ... تولّى الوزارة مرتين و توفي سنة 455 هـ... مصري... مسلم... سني.

10- «عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الغارقي» :

«كفيل الدين- «قاضي القضاة» :

كان والده قاضيا لطرابلس-الشام، ثم انتقل إلى القضاء في مصر... و كان أفضل من تولاّه توفي و هو في الوزارة سنة 454 هـ... مصري... مسلم... فاطمي.

11- «أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد» :

«ثقة المسلمين» - «خليل أمير المؤمنين» :

كان مثل أبيه و أخيه يعمل في القضاء... و كان مأمونا ديّنا محقا... انتقل من القضاء إلى الوزارة... لم تحدد المدة التي قضاها في الوزارة... ذكر التاريخ أنها سبعة عشر يوما مصري... مسلم... فاطمي.

14

12- «علي بن محمد بن الحسن بن عيسى الماشلي» :

«سديد الدولة» - «ذو الكفايتين» :

أديب كبير و كاتب مبرز غزير المادة... تولّى نظارة دواوين الشام و كانت إقامته في دمشق... استدعي إلى مصر و تقلّد الوزارة... ظلّ في الحكم من ربيع الأول سنة 454 هـ حتى 2 من شعبان من السنة... في عهده حدثت الواقعة المشهورة بين العبيد و الأتراك... تولّى بعد صرفه من الوزارة ديوان الشام ثم رحل إلى «صور» حيث أقام فيها عدة سنين، و عاد إلى مصر أخيرا و أصبح مشرفا على شؤون الاسكندرية...

ثم صرف من الخدمة... توفي سنة 487 هـ كان... مصريا..

مسلما... سنيا.

13- «البابلي» :

للمرة الثانية... من شعبان سنة 454 هـ إلى المحرم سنة 455

14- «أحمد بن عبد الكريم بن عبد الكريم» :

«مجد الاصفياء» - «سيد الوزراء» :

كان مثل عمه يتولّى القضاء تارة و الوزارة أخرى...

صرف من الوزارة بعد شهرين أي (من) 13 للمحرم سنة

15

455 هـ حتى 17 صفر من السنة. توفي في الشام... مصريا...

فاطميا..

15- «ابن المدبر» :

للمرة الثانية... صفر أو ربيع الأول سنة 455 هـ حتى وفاته 19 من جمادى الأول من السنة المذكورة.

16- «عبد الظاهر بن الفضل بن الموفق في الدين «ابن العجمي» «تاج الوزراء» - «الأمين المكين» :

اشتهر بالجرأة و الإقدام... ولي الوزارة غير مرة من 19 من جمادى الأولى سنة 455 هـ حتى صرف و قبض عليه في 27 من شعبان من السنة المذكورة. مصري... مسلم... سني‏

17- «الحسن بن أسد بن أبي كدينة» :

«جلال الإسلام» - «ظهير الإمام» :

مثله مثل أبناء عبد الحاكم في التردد بين الوزارة و القضاء...

كان سي‏ء الطبع و قاسي القلب... عرف بأنه من ولد «عبد الرحمن بن ملجم» قبض عليه «بدر الجمالي» و سيّره إلى «دمياط» حيث قتل فيها... مسلم... سني... من شعبان سنة 455 هـ حتى 5 ذي الحجة سنة 455 هـ.

16

18- «أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم» :

للمرة الثانية 5 من ذي الحجة سنة 455 هـ حتى 13 من المحرّم سنة 456 هـ.

19- «المشرّف بن أسعد بن عقيل» :

«وزير الوزراء» - «أبو المكارم» :

من صنائع «البابلي» و خاصته... كان رئيسا لديوان الذخيرة... ولي الوزارة مرتين و أخيرا قتله «بدر الجمالي» فيمن قتل من وزراء مصر و رجالها... من 13 من المحرم سنة 456 هـ حتى 27 من ربيع الآخر من السنة المذكورة...

مسلم... سني.

20- «ابن العجمي» :

للمرة الثانية من ربيع الآخر حتى رجب سنة 456 هـ.

21- «الجرجرائي» :

للمرة الثانية مستهل رجب سنة 456 هـ حتى العشر الأخير من رمضان سنة 456 هـ.

22- «ابن أبي كدينة» :

للمرة الثانية-العشر الأخير من رمضان سنة 456 هـ حتى الرابع من ذي الحجة من السنة المذكورة.

17

23-الحسن بن إبراهيم بن سهل التّستري» :

«العميد» - «علم الكفاة» :

كان يتولّى بيت المال قبل إسناد الوزارة إليه... ينسب إلى «تستر» و هي بلدة من كور «الأهواز» في «خوزستان» من 4 من ذي الحجة سنة 456 هـ حتى منتصف المحرم سنة 457 ه

24- «محمد بن الأشرف بن علي خلف» :

«فخر الملك» - «أبو شجاع» :

كان أديبا و له كتاب «مواد البيان» في ترتيب كتاب الدول... ولي الوزارة ليوم واحد... عراقي... مسلم...

فاطمي.

25- «ابن كدينة» :

للمرة الثالثة و لمدة أربعة أيام من 17 إلى 21 من المحرّم سنة 457 هـ.

26- «ابن خلف» :

للمرة الثانية من 21 المحرم حتى منتصف ربيع الأول سنة 457 هـ.

المستنصر بالله-2

18

27- «هبة اللّه بن محمد الرعياني» :

«تاج الأصفياء- «سديد الدولة» :

يقال إنه عراقي... ولي الوزارة مرتين... و كل مرة عشرة أيام من منتصف ربيع الأول سنة 457 هـ حتى آخره.

28- «ابن كدينة» :

للمرة الرابعة ربيع الآخر سنة 457 هـ و صرف عنها في منتصف رجب سنة 457 هـ.

29- «المشرّف بن أسعد» :

للمرة الثانية من منتصف رجب حتى العشر الأخير من شوّال سنة 457 هـ.

30- «علي بن الأنباري» - «كافي الكفاة» :

كان صديق «المؤيد في الدين-هبة اللّه الشيرازي» يقال انه ابن الوزير «الحسن بن الأنباري» أقام شهرا و صرف في ذي الحجة سنة 457 هـ.

31- «ابن كدينة» :

للمرة الخامسة من ذي الحجة سنة 457 هـ حتى 26 صفر سنة 458 هـ.

19

32- «الرعياني» :

للمرة الثانية من 9 ربيع الآخر حتى 16 منتصف سنة 458 هـ.

33- «أحمد بن عبد الكريم» :

للمرة الثالثة من 4 جمادى الآخرة سنة 458 هـ و قد صرف عنها بعد أيام.

34- «الحسن بن سديد» :

«تاج الرئاسة» - «سيد السادات» :

هو أخ الوزير الماشلي السابق ذكره... أقام أياما ثم صرف... سار بعدها إلى الشام مع أخيه نصر ثم عادا إلى مصر... مسلم... سني.

35- «ابن خلف» :

للمرة الثالثة أقام أياما و صرف.

36- «طاهر بن وزير» :

«نفيس الدولة- «سيد الكفاة» :

هو من أهل طرابلس الشام... كان على ديوان الإنشاء جمادى الآخرة أو رجب سنة 458 هـ. أقام أياما و صرف...

شامي... مسلم سني. غ

20

37- «محمد بن حامد التنيسي» :

«شمس الأمم» - «سيد رؤساء السيف و القلم» :

هو من أهل «تنيس» كان ذا يسار و رفعة... وزارته كانت أيام الفتن و الفوضى... أقام يوما واحدا و قتل بعد ذلك... مصري... مسلم سني.

38- «منصور بن أبي اليمن» بن زنبور» :

«عميد الخلافة» - «شرف الكفاة» :

كان والده نصرانيا و منصور على دينه فلما أفضت إليه الوزارة أسلم... أقام أياما فطالبه الجند بأرزاقهم فوعدهم و طمأنهم ثم هرب أخيرا خوفا على حياته. مصري... نصراني.

39- «عبد الغني بن نصر بن سعيد الضيف» :

كان يخدم «اليازوري» في دولته... قبض عليه أمير الجيوش «بدر الجمالي» و نفاه إلى «قيساريّة» ثم نقله إلى «تنيس» حيث قتل فيها... بقي في الوزارة أياما ثم صرف عنها.

40- «ابن كدينة» :

صرف عنها يوم الثلاثاء الثامن من المحرم سنة 459 هـ.

21

41- «عبد الحاكم المليجي» :

الثامن من المحرم حتى 7 جمادى الآخرة سنة 459 هـ.

42- «ابن كدينة» :

أقام أياما و صرف.

43- «المليجي» :

أقام ليلتين ثم صرف.

44- «ابن كدينة» :

أقام إلى 28 من ذي العقدة سنة 459 هـ.

45- «أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم» :

للمرة الرابعة تولّى الوزارة 28 من ذي القعدة سنة 459 هـ.

46- «ابن كدينة» :

المحرم سنة 460 هـ.

47- «المليجي» :

صفر سنة 460 هـ.

48- «ابن كدينة» :

ربيع الأول حتى جمادى الأولى سنة 460 هـ.

22

49- «أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم» :

جمادى الأولى حتى 10 من ذي الحجة سنة 460 هـ.

50- «ابن كدينة» :

10 من ذي الحجة سنة 460 هـ حتى 23 صفر سنة 461 هـ.

51- «محمد اليازدي» : «خطير الملك» :

تولّى الوزارة سنة 461 هـ و لا نعرف متى صرف؟ فلسطيني... مسلم... سني.

52- «محمد بن جعفر المغربي» :

للمرة الثانية و غير معروف تاريخ توليته و لكنه صرف في رمضان سنة 461 هـ.

53- «أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم» :

رمضان سنة 461 و صرف بعد أيام.

54- «محمد اليازوري» :

للمرة الثانية رمضان سنة 461 هـ حتى شوّال من العام نفسه قتله القائد «شاذي» بسبب و شاية.

23

55- «ابن كدينة» :

من شوال إلى ذي القعدة سنة 461 هـ.

56- «المليجي» :

في ذي القعدة سنة 461 هـ و لم يذكر تاريخ صرفه.

57- «ابن كدينة» :

ربيع الأول سنة 464 هـ حتى آخر السنة.

58- «العجمي» :

للمرة الثالثة سنة 465 هـ... قتل في رجب من السنة المذكورة قتله القائد «الدكز» .

59- «ابن كدينة» :

ربيع الأول سنة 466 هـ حتى قتله «بدر الجمالي» في جمادى الأولى من السنة.

60- «بدر الجمالي» :

«أمير الجيوش- «سيف الإسلام» :

من 28 جمادى الأولى سنة 466 هـ إلى سنة 487 هـ.

أرمني الجنسية كان مملوكا «لجمال الدولة بن عمّار»

24

و تربّى عنده فخرج و اعتبر من ذوي الشهامة و العزم و الرجولة..

تنقل في الرتب حتى ولي بلاد الشام، و تقلّد إمارة دمشق مرتين، و لمّا ثار عليه أهلها رحل إلى عكا... و كانت أحوال مصر في تلك الفترة تسير من سي‏ء إلى أسوأ، فالجيش قد تغيّر و الجنود قد تبعثروا، و الفتن قد اتصلت و تأصلت، و الوزراء يقفون بالاسم دون الأمر و النهي، و الرخاء و الصلاح لا وجود له... و قبيلة «لواته» قد ملكت الريف، و العبيد استولوا على الصعيد، و الطرقات انقطعت برا و بحرا إلاّ بالخفارة الثقيلة، و المارقون ينوي بعضهم لبعض الاحتيال و الغدر، و يضمر كل منهم لصاحبه البغي و الاحتيال.

فوصلت إليه دعوة الخليفة «المستنصر باللّه» فجاء و تسلّم الوزارة، فتمكن من القضاء على مثيري الفتن و أعاد الاستقرار و الهدوء للبلاد، و رتّب الدواوين و المستخدمين و أخذ الازدهار يعود للبلاد من جديد... و يذكر التاريخ:

إن بدرا تحكّم في البلاد و سيطر على أمورها، وردّ الغزوات عنها، فهو من الشخصيات التي لعبت دورا بارزا على مسرح الدولة الفاطمية... مات سنة 487 هـ قبل الخليفة «المستنصر باللّه» بعدة أشهر.

25

تزوّج الخليفة «المستنصر باللّه» ابنته و رزق منها «غلاما» سمّاه «المستعلي باللّه» .

61- «الأفضل بن بدر الجمالي» :

«سيف الإمام» - «شاهنشاه» :

تولّى الوزارة سنة 487 هـ بعد وفاة والده... و من المعلوم أنه تمرن على شؤون الحكم بعهد والده... يعتبر من وزراء الخليفة التاسع «المستعلي باللّه» أو القيّم عليه. «سنتكلم عنه في الجزء التاسع من هذه الموسوعة» .

26

الاحداث و الاعاصير الداخلية

نلاحظ و نحن نستعرض أسماء الوزراء الذين استخدمهم الخليفة الفاطمي «المستنصر باللّه» أن الدولة التي كانوا ينتمون إليها تسير بخطى هادئة نحو المصير المحتوم فالأقاليم يسودها الاضطراب و الفوضى و الفساد، و الولاة يطمعون و يشجعون على الاستقلال و نبذ طاعة الدولة... و في قلب البلاد يختل الأمن و يضيع الاستقرار، و يذهب الإخلاص و لم تنفع الحكمة أو السياسة... فكان الوزير لا يمضي إلاّ أياما في الحكم حتى تقتلعه أيدي مجهولة لا يعرف لها جنسية... و هكذا يذهب ضحية المؤامرات.

و في آخر المطاف عجّل بذهاب الدولة الفاطمية دخول العائلة الأرمنية «آل الجمالي» إلى حرم الأسرة الفاطمية بعد أن تزوّج الخليفة «المستنصر باللّه» ابنة الوزير «بدر الجمالي» و هكذا تحكّمت بالبلاط و بالبلاد... و أخيرا فرض «الأفضل»

27

خليفة هو ابن أخته و أبعد ثم قتل الخليفة الأصيل... و كل هذا اعتبر بداية النهاية.

ذكر التاريخ:

إنه في سنة 444 هـ هبط منسوب مياه النيل، فارتفعت الأسعار في مصر، و اشتد الغلاء، و فقدت المواد، و تفشّت الأوبئة و الأمراض، و كثر الموت في الناس ثم عادت من جديد هذه الموجة العارمة سنة 446 هـ فاشتبه على الخليفة أمر رجالات الدولة و أصبح يشك بكل الناس.

و في سنة 453 هـ كثر تنقل الوزارات و القضاة و رؤساء الدواوين، و كثرت الوشايات، و برز الحسد و الجشع، و عمّت السرقات و الفساد، و اختلّ الأمن و النظام بحيث أصبح الحكم للرعاع و للأراذل، و وقع الاختلاف بين صفوف القواد و الجنود، و ضعف شأن الوزراء لقصر مدة حكمهم، و خفّت الواردات و قلّ الإنتاج و ساد البلاد موجة طاغية من الاستخفاف بالأمور، و ممّا يذكر أن تلك الفترة التي استمرت ما يقارب العشرة سنوات سميت «الشدة العظمى» .

و في سنة 454 هـ وقعت الفتنة الكبرى بين العبيد و الأتراك و ذكر أن «أم المستنصر» كانت تمد العبيد بالأموال و السلاح،

28

و بالرغم من هذا فإن الأتراك انتصروا و طردوا العبيد إلى الصعيد، و نتج عن هذه المعارك أن حلّت فوضى دمّرت كل شي‏ء، و أصبحت البلاد تحت سيطرة شراذم من الجيش المنقسم على نفسه.

و ممّا تجدر الإشارة إليه أنه بعد اعتقال الوزير «اليازوري» دخلت الدولة في حالة من الاضطراب و الفوضى، و خرج الأمر من أيدي الخليفة و خاصة حينما تولّى الوزارة وزراء ضعاف كان أكثرهم لا يبقى إلاّ أياما في الوزارة.

و «اليازوري» رغم خدماته للدولة الفاطمية فقد جمع كل مظاهر القوة و السلطان بفضل ثقة «أم المستنصر باللّه» فكان محبا لحياة الرفاهية ميّالا للترف شغوفا بالفنون و التصوير، و ذكر أنه أمر بصنع خيمة بلغت نفقة اقامتها ثلاثين ألف دينار، و اشترك في صنعها مائة و خمسون صانعا ظلّوا يصنعون فيها تسع سنوات و قد صوروا فيها كل حيوانات و طيور الأرض.

و كانت مائدته يحضرها كل يوم القضاة و الفقهاء و الأدباء و هي أغنى من موائد الملوك و كان «المستنصر باللّه» يحضر كل يوم ثلاثاء على عادته.

29

و ذكر أنه كان أنيقا في ثيابه... و هذا البذخ استرعى الانتباه و آثار الشكوك حول استغلاله لموارد البلاد... ففكّر في الهرب حينما شعر أن الخليفة بدأ يتغيّر عليه فجعل أمواله في سبائك من ذهب هرّبها ابنه إلى الشام و قدرت بثلاثة ملايين دينار.

أجل... إن الوزير «اليازوري» تمكن من إدارة دفة البلاد بمهارة، و اجتاز الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها البلاد، و قضى على المجاعات التي كانت تطل بوجهها و بالنسبة للغلاء الداهم سنة 446 هـ عند ما هبطت مياه النيل ففي تلك الفترة لم يكن في مخازن الدولة إلاّ ما يكفي حاجة القصور، و ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، و اشتدّ الأمر على الناس، و كان التجار قد انتهزوا فرصة إعسار الفلاحين و عدم قدرتهم على دفع الخراج، فاشتروا منهم محصول القمح قبل أن يحل موسمه بسعر بخس و حملوه بعد حصاده إلى مخازنهم، فأمر الوزير «اليازوري» بمصادرة هذه الغلال و عوض التجار عن كل دينار دفعوه دينار آخر... و لما جمعت الغلال في المخازن حدد ثمن «التليس» بثلاثة دنانير بعد أن كان بثمانية ثم قرر أن توزع على الخبازين في مصر و القاهرة ما يكفي حاجة الاستهلاك اليومي و بهذه الطريقة اجتاز المحنة بسلام.

30

و بعد «اليازوري» عادت الفوضى و قامت المجاعات و استمرت سبع سنين وصلت فيها البلاد إلى درجة من البؤس و الفاقة لم يعرف مثلها في التاريخ، و لكن كل هذا لا يمنعنا من القول بأن الخدمات الوطنية مهما بلغت إذا لم يرافقها نزاهة و إخلاص فلا تعتبر خدمة فعلية.

و عند ما جاء (بدر الجمالي) أعاد تنظيم الدولة و أنقذ الاقتصاد و قضى على الفساد و نظّم الشؤون المالية، و ذكر انه أطلق الخراج للفلاحين ثلاث سنين، و في السنة الرابعة جبى نصف الخراج، و عمّر الريف، و أصلح الترع و الجسور حتى صلحت الأحوال و استغنى أهل الريف، و شعر الفلاحون بالأمن و الرخاء، و لأجل تأمين الرقابة الفعليّة أعاد تقسيم البلاد إداريا إلى واحد و عشرين عملا و الأعمال إلى نواح و النواحي إلى كفور و قرى، كما شجّع أصحاب رؤوس الأموال و ذوي اليسار بالحضور إلى مصر، فكثر ورود التجار في أيامه بعد أن كانوا قد نزحوا عنها أيام الغلاء، و كان لهذه السياسة الحازمة أثرا بارزا في عودة الرخاء إلى البلاد فتراجعت الأسعار في عهده حتى بيع «تليس» القمح بربع دينار و تحسنت ميزانية الدولة تحسنا مرموقا، و هكذا الحياة العلمية و الفكرية.

و شجّع «بدر الجمالي» العمران و ذكر أنه جدد جامع‏

31

«العطارين» بالاسكندرية، و أنشأ جامع «المقياس» و الجامع العتيق بأسنا، و جامع «أمير الجيوش» بأعلى جبل المقطم و مشهد الإمام «الحسين» بعسقلان، كما عمّر الجامع الطولوني و المسجد «النفيس» و مسجد «العمري» . و أدخل الفن البيزنطي على أبواب القاهرة الثلاث: باب زويله، باب النصر، باب الفتوح.

32

الاحداث الخارجية قيام الدولة الصليحية الفاطمية في اليمن‏

في الجزء السابع من هذه الموسوعة ذكرنا دخول الدعاة الفاطميين إلى اليمن و نشاطهم، كما عددنا أسماءهم حتى آخرهم «سليمان بن عبد اللّه بن عامر الزواحي» الذي كان معاصرا للخليفة السابع «الظاهر لاعزاز دين اللّه» .

و بالنظر لأن الفاطميين في عهد الخليفة الثامن «المستنصر باللّه» أقاموا دولتهم الكبرى في اليمن، فإنه لمن الضرورة بمكان أن نأتي على الوقائع كاملة لهذه الدولة.

كانت اليمن في القرنين الرابع و الخامس الهجريين في حالة من التدهور و التفكك، ففي خلال تلك المدة استولى «الموالي» على الأقاليم اليمنية، و استبدوا بالحكم، و عاثوا فسادا و ظلما، و بالرغم من أن «الحسين بن سلامة» تمكن‏

33

في مدة ولايته من الحفاظ على دولة «بني زياد» فإنّ استبداد «الموالي الحبشيين» بالحكم مكّنهم من تأسيس الدولة «النجاحية» في «زبيد» سنة 412 هـ. على أنقاض دولة «بني زياد» فكانت لهم «تهامة» و «و زبيد» ، و كان استيلاؤهم على تلك الأمكنة من الأسباب التي حفزت العرب إلى الانتقاض و عدم الخضوع لدولة الأحباش، فكان من جرّاء ذلك أن تقطعت أوصال البلاد بعد موت «الحسين بن سلامة» و أصبحت كل منطقة تخضع لنفوذ أمير من الأمراء و عمّت الفوضى المناطق و أعلن العصيان في القلاع و الحصون، و الاستقلال في المناطق و الأقاليم، فكان «مخلاف جعفر» يضم: «جبلة» و «إب» و «العدين» و «المذيخرة» و «ذي سفال» . و «مخلاف المعافر» يضم: «تعز» و «جبا» و غيرهما، «و مخلاف الجند و حصن السمدان» لآل «الكرندى» ، و كانت لهم «مكارم» و «مغافر» و سلطنة «ظاهرة» ، أما «عدن» و «أبين» و «لحج» و «حضرموت» و «الشحر» فقد استولى عليها «بنو معن» سنة 412 هـ. و تغلب «أسعد بن وائل» على «مخلاف» و «حاظه» و من مدنه: «شاطح» ، و امتلك «بنو عبد الواحد» «مخلاف يربوع» و أهم مدنه «الغمد» و برع» المستنصر بالله-3

34

و حصن «مسّار» ، و استولى «بنو اصبح» على حصون «حب» و «الشحر» و «السحول» ثم استولى على حصن «وصاب» و مخاليفها كانوا قوم من قبيلة «بكيل» ثم من «همذان» .

من هذا نرى أن اليمن لم تكن فيها وحدة سياسية تجمع شملها تحت لواء واحد، بل كانت إمارات صغيرة متفرقة يأكل القوي منها الضعيف، أو بلغة أصح قل: إن السلطة كانت موزعة بين الأمراء و الزعماء و المتباغضين المتنافرين، و جميعهم لم يكن يربطهم ببغداد إلاّ رباط إقامة الخطبة للخلافة العبّاسي، و ضرب السكة باسمه و إعلان الولاء له و لو بالظاهر.

هذا... و من الجدير بالذكر أنه من سنة 405 هـ. إلى سنة 448 هـ. عمّ الخراب «صنعاء» و غيرها من مدن و بلدان اليمن بسبب الخلافات و النزاع و الظلم و فساد الأحوال، و توالى على العاصمة «صنعاء» الدمار و قلّ الخير، و ضعفت المدينة حتى قيل أن دورها أصبح عددها ألفا بعد أن كان مائة ألف.

في هذا الجو المكفهر الحالك المضطرب... و في تلك الأحوال السياسية المتقلبة ظهر على مسرح اليمن «علي بن

35

محمد الصليحي» رأس الأسرة الصليحية التي تنتسب إلى قبيلة «الأصلوح» من بلاد «حراز» و كان «علي» كما وصفه «ابن الجوزي» في كتابه «مرآة الزمان» :

«شابا أشقر اللحية، أزرق العينين... و ليس في اليمن في ذلك الوقت من يماثله في ذلك» .

و كان والده القاضي «محمد الصليحي» مسلما سنيا شافعي المذهب حسن السيرة مطاعا في أهله و جماعته، لا يخرجون عن أمره، و لا يعصون قوله، أما المؤرخ «عمّارة اليمني» فقال:

كان «أهل حراز» أربعين ألفا يدينون له بالطاعة.

نشأ «علي» نشأة طيبة... في بيئة عربية عريقة، لها تقاليدها في الأخلاق الفاضلة و العادات الطيبة السمحة...

و قد أورد «عمارة اليمني» في تاريخه:

إنه قد ظهرت عليه مخائل النجابة، و دلائل الفضل و العزة و طموح النفس، و يروى أنه قام يحج بالناس على طريق «السراة» و «الطائف» خمسة عشر عاما، و كان الناس في أول ظهوره يقولون له:

«قد بلغنا أنك ستملك اليمن بأسره و يكون لك شأن و دولة» .

36

إن أولى فتوحات علي الصليحي كانت استيلاءه على بلدة «زبيد» و في تلك الفترة أحب الأمير الشاب ابنة عمه السيدة الحرة «أسماء بنت شهاب» الصليحية، و قد أورد المؤرخ «عمارة اليمني» في تاريخه قصة زواجها فقال:

كان على باب «زبيد» من داخل السور دار رجل من الحبشة يقال له: «فرج السحرتي» و كان من أهل الفضل و الأخلاق الرفيعة و الصدقات و المعروف، فخرج ذات ليلة فمرّ برجل يقرأ القرآن، فسأله عن العشاء... فأنشد قول الشاعر المتنبي:

«من علّم الأسود المخصي مكرمة # أعمامه البيض أم أخواله الصيد»

فأخذه الحبشي و طلع به إلى أعلى مكان في داره، و أكرم مثواه و استخبره عن سبب قدومه إلى «تهامة» فقال له «علي الصليحي» : ان لي عمّا يقال له «شهاب» و له ابنة يقال لها «اسماء» قليلة النظير في الجمال، معدومة المثل في العقل و الأدب، و قد خطبتها إليه، فاشتطّ عليّ في مهرها، و أمها تقول:

لا نزوجها إلاّ بعض ملوك «همذان» «بصنعاء، أو

37

أمراء بني «الكرندى» بمخلاف «جعفر» و قد استاموا عليّ من المال مبلغا لا قدرة لي عليه، و أنا متوجه إمّا إلى «بني معن» «بعدن» و أما إلى «بني الكرندى» .

و هنا يقول المؤرخ «عمارة» .

إن السحرتي دفع له مالا جزيلا أضعاف ما أدّى، و جهّز العروسين بجهاز يحتفل به الملوك لعقائلهم، و أعاد إلى عمه حيث زوّجه «أسماء» .

و ذكر «الأزدي» في كتابه «الدول المتقطعة» قوله:

و كانت أسماء من أعيان النساء، و كان «الصليحي» يثق بها ثقة عمياء لكمالها، و قد كان يوكل إليها أمر تدبير الدولة، و لم يخالفها في أغلب أمورها، و يجلها إجلالا عظيما، و كانت إذا حضرت مجلسا لا تستر وجهها عن الحاضرين، و فوق كل هذا كانت من حرائر النساء. و زاد على قوله:

و كانت من الكرم و السؤدد، تمنح الجوائز السنيّة الجزيلة للشعراء، و الصلات الواسعة في سبيل اللّه تعالى و في سبيل الخير و المروءة بحيث يمدح أولادها و أخوتها و بنو عمها بمفاخرها.

و نعود إلى ما قبل هذا فنقول:

38

لمّا انتقلت رئاسة الدعوة الفاطمية في اليمن إلى «سليمان ابن عبد اللّه الزواحي» شرع يلاطف و يجالس القاضي «محمد الصليحي» والد «علي» فكان يكثر من الترداد عليه بالنظر لرئاسته و سؤدده و صلاحه و علمه، و كان كلّما ذهب إليه يرى ولده «عليّا» فيشاهد على محيّاه دلائل النجابة و الذكاء و الشجاعة، فغرس فيه، و هو دون البلوغ التعاليم الفاطميّة و ما زال حتى استماله و جعل في قلبه العلوم و الآداب و التفاني في المبادى‏ء الفاطميّة.

و لمّا اطمأن «الزواحي» لرسوخ تعاليمه في فكر تلميذه «علي» أوصى له بخلافته و استحصل لذلك على موافقة الخليفة الفاطمي في مصر «المستنصر باللّه» و بهذا تمكن «الزواحي» من إحراز أكبر نصر باهر بضمه إلى صفوف دعوته شابا من خيرة شباب اليمن رجولة و غيرة و علما.

أجل... تمكن الداعي الفاطمي «سليمان الزواحي» بما أوتي من قدرة و لباقة وسعة علم، و طلاوة في الحديث من استقطاب «علي الصليحي» و إقناعه بضرورة الانتساب إلى الدعوة الفاطمية و لم يلاق صعوبة في ذلك لأن علي و منذ المرة الأولى أبدى رغبة صادقة و أظهر نية حسنة و استهوته المبادى‏ء التي اعتنقها أستاذه و بذل كل شي‏ء في سبيل دراسة هذه‏

39

المبادى‏ء و التفوق في فهمها... أمّا سليمان فقد أوصى له بمبلغ كبير من المال إضافة إلى الوكالة العامة التي تعطيه صلاحية الاستمرار و البقاء في رئاسة الدعوة.

و يقول المؤرخ «عمارة اليمني» :

فأصبح «علي الصليحي» عالما فقيها في الفلسفة، مستبصرا في علم التأويل و قد أدّت معارفه إلى أن ينهج نهجا جديدا، و أن يسلك طريقا يختلف عن طرق من سبقه من الدعاة الذين تولوا شؤون الدعوة في اليمن، و هكذا اتخذ بادى‏ء ذي بدء ميدان الحج حقلا لغرس مبادئه و تنميتها، و صار يحج بالناس عن طريق «السراة و الطائف» نحوا من خمسة عشر سنة...

فسار ذكره في البلاد على لسان الخاصة و العامة.

و ممّا يجب ذكره: أن هذه المدة الطويلة التي مرّت بين موت «الزواحي» إلى حين قيام «الصليحي» بثورته في «مسار» تقرب من الخمسة عشر عاما، و على الأرجح أنهما كانت كافية لصقل «علي» و إنماء معارفه و تجاربه، و تكوين جماعة تدين له بالطاعة و الاحترام و الإخلاص.

و لا يخفى أن طلاب السلطة يراعون دائما جانب العامة، فهم السواد الأعظم في كل مجتمع، و لهذا كان من الواجب‏

40

على كل طالب دنيا و زعامة أن يحسب لهم حسابا، و يتقرّب إليهم بما يرضيهم، و لما كان الدين هو جامعتهم الكبرى، و من أكبر أسباب سعادتهم، تمسك الصليحي بالعقيدة الفاطميّة الإسلامية و بالمثل العليا، فلم يكن يصارح أحدا إلاّ من يثق بإخلاصه و بعد أن يختبره، و لم يجعل مبادى‏ء دعوته وقفا على الأمراء و عليّة القوم و أصحاب المصالح، لأنه كان يعلم تمام العلم أن هؤلاء سيعلنون الحرب عليه، و كان أن وجه اهتمامه إلى العامة و المتحمسين للدين و للسواد الأعظم من الرعية الذين بواسطتهم تجبى الأموال، و منهم يتألف الجيش فنفذ إلى صفوفهم و كسب ثقتهم و جذب قلوبهم، و غرس في صدورهم الدين... الدين وحده... فليس يسيطر على العقول في تلك العصور سوى الدين... و إذا اجتمعت السياسة و الدين تمّت وسائط السلطة و خاصة في مجتمع عرف عن عامة أهله شدة تمسكهم بأهداب الدين و محافظتهم على التراث القديم.

أجل... عرف «علي الصليحي» هذا كله، و عرف أيضا أنه لا بد له من التطلع إلى آماله من زاوية خاصة، فدأب على تحقيق طموحه بصبر و تؤدة، و هو يعلم أن هذه الخطة كفيلة بنجاحه و تحقيق أغراضه، و جاء موسم الحج في سنة 438 هـ. و هذا العام كان بمثابة عهد جديد في إنجاح حركة

41

الصليحي حيث بايعه ستون رجلا من قبيلة «همذان» و عاهدوه على الطاعة و الموت، و علم كل واحد منهم أنه جندي يبيع نفسه بيع السماح عند ما تأزف الساعة الرهيبة، و تضافرت القوى على نصرة الدعوة بالأنفس و المال، و يعتبر كل هذا نصرا أكيدا للدعوة الفاطميّة، و خاصة إذا عرفنا أن هؤلاء الذين بايعوه إنما كانوا في عزة و منعة من قبائلهم، و كل هذا لا يتعارض مع ما ذكرناه من اعتماد الصليحي على فئة العامة، و بخاصة أن أكثرهم كانوا من قبيلة «همذان» القويّة العزيزة الجانب التي بلغت شأوا بعيدا في اليمن، و هابتها جميع القبائل و حسبت لها حسابا، و قد كان هذا الانضمام عاملا كبيرا و مشجعا لمن كان مترددا من المستجيبين، و باعثا للكثيرين من القبائل الأخرى على الانضواء تحت لواء الدعوة الفاطميّة.

و هنا نستطيع أن نقول:

إن «علي الصليحي» بعد أن وصل إلى هذه النتيجة، و بعد إحرازه هذا النصر الأكيد تمكّن من تكوين جماعة مخلصة و إن تكن قليلة العدد، و قد أصبحت فيما بعد نواة لقوة كبيرة فكان أول عمل قام به هو استيلاؤه على حصن «مسّار» و تعميره و جعله مركزا لدعوته و قاعدة لحروبه، و لكن هذا المشروع كان يقتضي الحيطة و الاستعداد، و لهذا

42

أخذ بعد عدة الثورة، و يهيى‏ء لها السلاح و الرجال و العدة و ساعدته الظروف إلى حد كبير و هكذا تمكن من تكوين جيشه من بطون «همذان» الذين اقتنعوا بصدق الوعد الذي بشروا به، و استقر في قلوبهم أن مواجهة الصعاب تقتضي الشجاعة و الإقدام و الإيمان باللّه و بطاعة الخليفة «المستنصر باللّه» الذي ما فتأ يعدهم بالنصر الأكيد.

و بذل الصليحي و أصحابه جهدا كبيرا في سبيل جمع الكلمة و توحيد الهدف، فتمكن بفضل ما أوتيه من القوة و الذكاء من التغلب على كل ما اعترضه، و أخيرا جعل أتباعه يعتقدون أنهم انما يحاربون اعلاء لكلمة اللّه، و ليس لأمر من أمور الدنيا، و هكذا كتب له التوفيق، و كان في الوقت ذاته على اتصال بخليفة مصر الفاطمي «المستنصر باللّه» يطلعه على كل شاردة و واردة، و أخذ رأي المخلصين من أعوانه، و عاهدهم على الوفاء بتطبيق سنن العدالة، و في هذه الفترة البدائية من عمر دولته تمكن من عقد اتفاق مع «الهمذانيين» يقضي بأن يصلوا إليه في يوم معلوم.

و عند ما شاع الخبر في أرجاء اليمن بأنه يستعد للثورة و القتال، و بأنه ينتظر وصول مساعدات و توجيهات الخليفة الفاطمي «المستنصر باللّه» ازدادت نقمة الاعداء عليه و على أتباعه،

43

فوثب «ابن جهور» صاحب «لهاب في حراز» على أتباع علي المقيمين في ناحيته فأصلاهم نارا حامية و أسر القاضي الفاطمي «لمك بن مالك» و عددا كبيرا من قومه، فضاق الأمر على «الصيلحي» و كتب إلى «المستنصر باللّه» يطلب إليه الموافقة على القتال، و كان يعتقد أنه لا يمكن أن يعارض الفكرة بحال من الأحوال لا سيما و ان الدعوة لا بد لها من تضحية و بذل دماء، و عند ما وافته الموافقة أرسل إلى أتباعه اينما كانوا في اليمن يحثهم على القدوم إليه، و أخذ من جهة ثانية يبتاع العدة و العدد، فخفّ لمقابلته كبار أهل الدعوة في نواحي «حراز» و كلهم يستعد لخوض المعركة، كما وافاه من اراضي «يام» من همزان و نواحي صنعاء و بقاع حمير، و بعد أن تمّ حضورهم أطلعهم على خطته و أخبرهم بعزمه على احتلال حصن «مسار» و ما يجاوره... و تدفقت في هذه الاثناء الأموال و المساعدات و الغرض منها تمويل الثورة و شراء الأسلحة.

و لما تمّت الاستعدادات و التجهيزات أرسل أربعين رجلا من «هوازن» و أمرهم أن يسيروا إلى «مسار» و ان يلزموا ذروة الجبل، ثم يولوا وجوههم بعد ذلك شطر «صعفان» ، بعد أن علم ان أهل «مسار» قد تأهبوا لقتاله و حصنوه من كل‏

44

جهة، و قد علم «الصليحي» ذلك عن طريق بعض أعوانه الذين تسللوا إلى قمة «مسار» و وقفوا على استعدادات الأعداء، و هنا رسم خطته فداهم الجبل المنيع و استولى على قمته و هي من أهم المواقع الحربية في اليمن.

و في سنة 439 هـ. تقدم في سيره فوصل إلى «عبرى سهام» و هناك طمع أهل «مسار» في محاربته في هذا المكان...

و لكنهم لم يتمكنوا... فاتجهوا إلى قمة الجبل للاعتصام فيها، فوجدوا أهل «هوازن» قد ملكوها، فاضطروا إلى الهرب، فصعد «الصليحي» و أتمّ احتلاله للجبل، و نشر الأعلام الفاطميّة في كل مكان دون أن يواجه أية مقاومة و لكن لم ينتصف ذلك اليوم حتى أحاط به عشرون ألف محارب جاءوا من مختلف الجهات و أنحاء البلاد لقتاله، و طلبوا إليه النزول، و هنا تجلّت حكمته و مرونته و بعد نظره بالامور و السياسة...

فقال لهم:

انني لم أقدم على هذا الأمر إلاّ لكي أحرس لكم الجبل خوفا من أن تأتي قوة خارجية فتستولي عليه، و الآن فإن شئتم نزلنا و تركناه و إن شئتم كنا له الحراس الأمناء... فقنع الرجال المحاربون و فوضوا إليه المحافظة عليه و انصرفوا عنه...

و في تلك الأثناء عادت رسله من مصر حاملين أوامر الخليفة

45

«المستنصر باللّه» بإعلان الدولة الفاطمية في اليمن... فقرأ الكتاب على أتباعه، و أخذ نفوذه يزداد... و بدأت الأموال و المساعدات ترد إليه من جميع الجهات، و هذا ما جعله يقوم بعمارة «مسار» و يجعل له الدروب و البيوت.

و نورد هنا المنشور الذي أذاعه «الصليحي» على أهالي «حراز» بعد استيلائه على جبل «مسار» .

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

«الحمد للّه الذي أورى زناد الحق، و رفع عماد الصدق بالذين أكمل بهم الحجة على الخلق، و أنارهم ما بين الغرب و الشرق.. و الهداة إلى الخير و الادلة.. الدعاة إلى اشرف المنهاج و الملّة.. خلفاء أنبيائه و أمنائه و أصفيائه، و سلالة رسله من لدن آدم و وصل نظامهم، و أعلى مقامهم، و فتق بالنور أيامهم، و نشر بالعدل اعلامهم، فهم أعلام الدين، و الدعاة إلى الحق المبين.

و صلاته على من ختم به الرسالة، و فتح بالائمة من عقبه أبواب الدلالة، سيدنا «محمد النبي» ، و على أخيه و وصيه «علي» ، و على الائمة من نسل الحسين الزكي، ورثة التنزيل، و خزنة التأويل.

46

و أفضل صلاته، و أنمى تحياته و بركاته على وارث علمهم، و القائم من بعدهم بقية السلف و خيرة الخلف..

مولانا «معد» «أبي تميم» الإمام «المستنصر باللّه» أمير المؤمنين.

أمّا بعد... يا أهل حراز... ألهمكم اللّه رشدكم، و جعل الجنة قصدكم... إني لم أطلع إلى «حصن مسّار» متجبرا باغيا، و لا متكبرا على العباد عاتيا، و لا أطلب الدنيا و حكامها، و لا طالبا أملك نمو نماءها و طعامها، لأن لي بحمد اللّه ورعا يحجزني عمّا تطمح إليه النفوس، و دينا أعتمد عليه، و إنما قيامي بالحق الذي أمر اللّه عز و جل به، و العدل الذي أنزله في محكم كتابه، أحكم فيه بحكم أوليائه، و سنن أنبيائه، و أدعو إلى حجته و القائم بفرضه... لست من أهل البدع، و لا من ذوي الزور و الشفع الذين يعملون في الدين بآرائهم و يحكمون بأهوائهم، بل أنا متمسك بحبل اللّه المتين، عامل بما شرع اللّه في الدين وداع إلى أمير المؤمنين...

لا أقول إلاّ سددا، و لا إكراه في الدين أحدا... فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، و من ضلّ فإنما يضل عليها، و ما اللّه يريد ظلما للعباد.

و اعلموا يا أهل «حراز» إني بكم رؤوف، و على

47

جماعتكم عطوف للذي يجب عليّ من رعايتكم و حياطتكم، و يلزمني من عشرتكم و قرابتكم... أعرف لذي الحق حقه، و لا أظلم سابقا سبقه، و انصف المظلوم و اقمع الظالم الغشوم و أبث فيكم العدل، و أشملكم بالفضل فاستديموا ذلك بالشكر، و لا تصغوا إلى قول أهل الكفر فيحملوكم على البغي و العدوان، و الخلاف و العصيان، و الكفر بالإنعام و الإحسان.

إنّ كتابي هذا حجة عليكم و معذرة إليكم... و السّلام على من اتبع الهدى، و تجنّب أمور الردى.

و الحمد للّه على ما أعاد و أبدى، و صلواته على من أرشد به من الضلالة و هدى سيدنا محمد، و على آله الأئمة الشهداء...

و سلم تسليما... و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

ممّا لا ريب فيه أن ازدياد نفوذ الصليحي، و انتشار أمره بهذه السرعة استفز جماعة من زعماء اليمن، فاعلنوا خوفهم من تلك الانتصارات التي يحرزها الصليحي في كل يوم، فقام «جعفر بن القاسم بن علي العياني» صاحب «صعدة» في جمع كبير من أصحابه و هاجم حصن «الأخروج» و قاتل أهله، و كان عليه «الحسين بن المهلهل» من أصحاب الصليحي و جماعة من «حمدان» و «بني شهاب» .

48

و انتهز هذه الفرصة أيضا «جعفر بن العباس الشاوري» صاحب مغارب اليمن الأعلى، فقام على رأس جيش كثيف من «حراز و كرّار» و غيرهما و قصد «عبرى» أسفل جبل «مسّار» و أراد الصعود إليه، فنزل أنصار الصليحي يدافعون عن بقائهم و عن نصرة مبادئهم، لأن الانتصار معناه البقاء لدولتهم الفتيّة، و أما الهزيمة فمعناها الفناء التام و القضاء المبرم.

و لمّا تكاثر القوم على جيش «الصليحي» خشي الهزيمة، و ما يترتب عليها من سوء العاقبة، فنزل بنفسه، و من بقي معه من القوى الاحتياطية، و استمد من الحرج قوة، فشدّ بذلك من عزم أتباعه، و حمى و طيس القتال، و أخيرا ربح الجولة، أما جيش «ابن عبّاس» فقد لاذ بالفرار مغلوبا على أمره، و لكنه ما لبث أن عاد ثانية بقوة أكثر عددا، و كان يطمع في النصر هذه المرة أيضا، و لكن تدابير «الصليحي» القتالية مكنته من السيطرة على الموقف و قتل «ابن عباس» و أكثر من معه من الأتباع... و غنم «الصليحي» و أصحابه الكثير من السلاح و العدة و الأمتعة، فقوي بذلك مركزهم و ازداد نفوذهم، و ارتفعت روحهم المعنوية و خافهم من كان يترقب من القبائل نتيجة لهذه المعركة، و في هذه الفترة اضطرّ الشريف «جعفر بن القاسم» عند سماعه‏

49

بالأنباء أن يترك حصن «الأخروج» و ينجو بنفسه، و كانت هذه التجربة اختبارا لقوة الصليحيين و تعاونهم و تمسكهم بمبادئهم، كما أن شخص الصليحي و جلال قدره و حسن بلائه في تأييد أمره أسكن النفوس الغضبى، فسار بالأمر قدما و استولى على «حضور» و أخذ حصن «بتاح» و هنا خاف أهل «حراز» النزال فقرروا الدخول في طاعته إلاّ «ابن جهور» فقد صمّم على الاستمرار في المكابرة و اعتصم في حصن «لهاب» و لكن الصليحي كلّف القائد الفاطمي «عامر بن سليمان الزواحي» فصعد إلى جبل «شبام و بيت عناد» و معه جماعة من بني «قليد و هوازن و بني الهجري» ثم وصل «أحمد بن المظفّر الصليحي» و جماعة من الحجازيين -و فيهم عباس بن المكرم-فعمّروا دارا في قمة جبل «شبام» كما عمّروا جبل بيت «عناد» استعدادا لمقاومة «ابن جهور» و بعد أن تحصنوا في هذه الناحية، اتجه جيش «الصليحي» لمحاربة «ابن جهور» في «لهاب» فضيقوا عليه الحصار، و فكّوا أسر جماعة كبيرة من أصحابهم و منهم القاضي «ملك بن مالك» و لكن «ابن جهور» استمر في عناده، و تمكن من أن يؤثر على أتباعه و يقنعهم في الاستمرار في المقاومة، و لمّا ضعف جيشه، و رأى أن مصيره إلى الهلاك، المستنصر بالله-4

50

استعان «بنجاح» في «زبيد» و كانت علاقته مع الصليحي حسنة، فتوسط بالصلح، و لكن وساطته لم تثمر، و كان أن تمادى «ابن جهور» في بغيه، فاضطر الصليحي إلى محاصرة حصن «زبار» حتى سقط، و هنا رضخ «ابن جهور» و سلّم نفسه إليه مكرها في «مسّار» فأنزله الصليحي في ضيافته و أحسن إليه. و يدل تسامح الصليحي مع عدوه على نبله و عراقته و طيب محتده، فقد كان من المفروض و المنتظر أن يأمر بقتل «ابن جهور» الذي تسبّب في إقلاق راحة الصليحيين مدة من الزمن حتى استمات في سبيل الوصول إلى النصر و تحريض الحانقين و الناقمين عليهم.

بالرغم من هذا كله وجد الصليحي أن المعاملة الحسنة أجدى و أنفع في مثل هذه المواقف، و آثر أن يكسب ثقة الناس بالمزيد من أعمال الخير، و قد تحققت سياسته تلك فانقسمت منطقة «لهاب» فيما بينهم إلى فريقين: فريق انضمّ للصليحيين و قدّم إليه المساعدات المالية، و فريق استمر في عداوته، مما جعل الصليحي يرد كيدهم إلى نحورهم و يجتذب إليه الفريقين أخيرا، و لم يتوقف عند هذا الحد، بل نزل إلى «عبرى دعاس» و عقد مؤتمرا من جميع أهل «حراز» حذرهم فيه من الخلاف عليه و الشقاق، و أعلن بدء قيام‏

51

الدولة الفاطميّة، كما وعدهم بحسن السياسة و القيام بالمحافظة على الشرع.

و بدأ الصليحي حكمه على الأسس التي أعلنها و تقدّم في تنفيذ سياسته المرسومة بخطى حازمة سريعة، و كان من ضمنها اتباع سياسة المهادنة إزاء أمراء اليمن و أصحاب الدويلات المجاورة-إذا نفعت هذه السياسة-و إلاّ فليس أمامهم إلاّ الحرب و إخضاعهم بالقوة، و لما ملك الصليحي جبال «حراز» و ما يجاورها، خشى ملوك «تهامة» أيضا بأسه الشديد، و تملكه الحصون و البلدان، و خاصة حصن «حضور» و ما يجاورها، و هنا بدأت التقولات و الإشاعات... و كان لا بد له من مهادنة «أبي حاشد» صاحب «صنعاء» كما هادن أباه «يحيى بن إبراهيم الصحارى» من قبل، فلمّا توفي يحيى سنة 440 هـ أرسل الصليحي بعض أصحابه و بني عمه إلى «صنعاء» لتعزيته في أبيه و الإحسان إليه، و لكن «أبا حاشد» اعتبر تطلعات الصليحي هذه تدخلا في أموره فساءت العلاقة بينهما أخيرا مما أدى إلى قيام حرب بين الفريقين...

و قد انتهت تلك الحرب بمقتل صاحب «صنعاء» و استيلاء الصليحي عليها و بوصوله إلى هذه المرحلة أقبل الناس على خطب و ده و الانضواء تحت رايته و الدخول في طاعته.

52

و مهما يكن من أمر

فإن الإمام الزيدي «الناصر الديلمي بن الحسين بن محمد ابن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب» ، و كان قد وصل من «الديلم» إلى اليمن سنة 437 هـ. لإعلان المذهب الزيدي، فانضمّت إليه قبائل كثيرة في «صعدة» و منها سار إلى «صنعاء» و ملكها، فطرده «يحيى بن أبي حاشد» و الشريف «جعفر بن الإمام منصور العياني» فعاد إلى «ذي أبين» .

أمّا «ناصر» هذا فكان يعد من العلماء الأجلاء و له تفسير للقرآن في أربعة مجلدات. و قد اعتبر «الناصر» استيلاء الصليحي على «صنعاء» يشكل تهديدا له و لغيره من زعماء اليمن، فكان أن اتصل «بنجاح» صاحب «تهامة» و طلب منه إخراج الصليحي من «صنعاء» و هذه البادرة التي ظهرت من «الناصر» كانت مدعاة لغضب الصليحي، فسيّر إليه جيشا حاربه ثم قتله أخيرا في موقع «نجد الجاح» ببلاد «رداح» و قد مثّلوا به ثم حمل رأسه إلى «صنعاء» حيث دفنت جثته في «أقيف» ببلاد «عنس» .

و في هذا العام ثار الهمدانيون و هم أكبر القبائل التي دانت للصليحيين، و فكروا بخلع طاعتهم، و الخروج على حكمهم،

53

بالرغم من أن الصليحي كان لا يسير فيهم إلاّ سيرة الحق و العدل، فاتصلوا بالشريف «القاسم بن جعفر بن الإمام منصور العياني» و استنهضوه و اتباعه فاستجاب لطلبهم، و خرجوا جميعا سنة 448 هـ. لغزو الصليحي، فتقابل الجمعان بالقرب من قرية «الهرابة» ببلاد «حاشد» فردهم الصليحي، و حاصر الشريف و من معه بأحد الحصون، و نصب عليه المنجنيق لكن أتباع الشريف دافعوا دفاع الأبطال و مات أكثرهم لنفاد المؤونة، و عند ذلك اضطرّ الشريف إلى أن يسلم نفسه للصليحي فأكرمه و خلع عليه، و لم تكن سياسة الصفح التي اتبعها الصليحي في هذه المرة سياسة هوادة أو تردد، بل قصد منها تسكين الثارات، لأن في تسكينها الأمن و الخير و السعادة و الاستقرار لليمن و لليمنيين.

و تمشيا على هذه السياسة القائمة على المهادنة و الملاطفة كان الصليحي يلاطف القائد «نجاح» صاحب الدولة الحبشية في «زبيد-تهامة» التي حملت لواء الدعوة الإسلامية السنيّة في اليمن بعد دولة «بني زياد» و لكنه كان يدرك أن دولته الفاطمية الفتيّة لا يمكن أن يكون لها شخصية معنوية قويّة و كيان متين إلاّ إذا قضى على أكبر منافسيه و هو «نجاح» و كان الصليحي يلاطفه حتى قوي مركزه و دانت له معظم‏

54

الجزيرة اليمنية، ثم بدأت العلاقات تتوتر بين الطرفين بفضل مساعي الإمام الزيدي «أبي الفتح» صاحب «صعدة» الذي أفسد بين الصليحي و صاحب «زبيد» فحلّت الوحشة بعد الأنس و الجفاء بعد حسن الصلة، فأرسل «نجاح» جيشا كثيفا لمحاربة الصليحي و التقى الفريقان في خلف صعفان في «الجنة» المتصلة «بتهامة» و دارت بين الفريقين معارك طاحنة و مصادمات عديدة، و كانت الكرة الأخيرة للصليحي و جيشه من العرب على جمع الأحباش.

و يذكر التاريخ:

إن الأحباش عادوا فاجتمعوا سنة 450 هـ. في «ابن طرف» و كان معهم جميع أمراء الأحباش و كان جيشهم يتألف من عشرين ألفا، فسار إليهم الصليحي في ألفين و سبعمائة فارس و هنالك التقى الجمعان «بالزرائب» فدارت الدائرة على الأحباش، و لم يسلم منهم إلاّ ألف لجأوا إلى جبل «يعرف» «بالعكوتين» فوق مدينة «الزرائب» .

و في سنة 452 هـ. مات «نجاح» «بالكدراء» . و يروى أن الصليحي هو الذي دبر قتله، على يد جارية حسناء كان قد أهداها إليه فيما مضى لتحقيق هذا الغرض... على انّ أكثر المؤرخين يؤكدون أن موت «نجاح» كان طبيعيا،