الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج10

- عارف تامر المزيد...
94 /
5

الجزء العاشر

الخليفة الفاطمي العاشر

اسمه: الآمر بأحكام اللّه... لقبه: المنصور...

كنيته: أبو علي. ولد يوم الثلاثاء في الثالث عشر من شهر محرّم سنة 490 هـ. بويع في الخلافة و هو طفل له من العمر خمس سنين و أشهر و أيام، و ذلك بعد وفاة والده «المستعلي باللّه» .

في السابع عشر من صفر سنة 490 هـ. أحضره «الأفضل» و نصبّه مكان أبيه، كما أخذ له البيعة من الناس، و ذكر أنه أركبه فرسا و وضعه في حجره و مرّ به في شوارع القاهرة على مرأى من الجماهير المحتشدة لتحيته، و هكذا ظلّ «الأفضل» قائما بالوصاية على الآمر من جهة، و على شؤون الدولة من جهة أخرى حتى وقت اغتياله من قبل «النزارية» ليلة عيد الفطر سنة 515 هـ. مدة بقاء الافضل في الحكم تسع و عشرون سنة و ثمانية أشهر و نصف، و مات عن أربع و ثلاثين سنة و تسعة أشهر و عشرون يوما.

6

بعد اغتيال «الأفضل» استوزر الآمر بأحكام اللّه» محمد ابن فاتك البطائحي» و لقبه «بالمأمون» و قد ظل في الوزارة حتى وقت اغتياله أيضا سنة 519 هـ. و عندئذ تفرّغ الآمر لشؤون الدولة، و استغنى عن الوزارة نهائيا، غير أنه استخدم ما يسمّى بالمستشارين و أهمهم: «جعفر بن عبد المنعم» و آخر سامري اسمه «أبو يعقوب إبراهيم» و كان إلى جانبهما راهب اسمه «ابن نجاح» ، و هذا الراهب تحكّم في الناس، و تمكّن من السيطرة على الدواوين، و عيّن النصارى و حقق مطالبهم ثم أخذ في مصادرة الأموال الغير مشروعة، و هكذا بقية المباشرين و المعاملين و الضمناء و العمال، و قد عمّ ضرره جميع الرؤساء و القضاة و الكتّاب، بحيث لم ينج أحد من ضرره، و لما تفاقم أمره قبض عليه الآمر، و ظلّ يضرب في النعال حتى مات، ثم جرّ إلى كرسي الجسر، و سمّر على لوح و طرح في النيل.

توفي الآمر بأحكام اللّه يوم الثلاثاء 14 ذي القعدة سنة 524 هـ. عندما وثب عليه جماعة من المسلمين و قتلوه، و قيل أنهم من «النزارية» .

7

صفاته‏

كان كريما سمحا كثير النزهة محبا للمال و الزينة، و كانت أيامه كلها لهوا و عيشة راضية لكثرة عطائه و عطاء حواشيه بحيث لم يوجد بمصر من يشكو زمانه البتة، إلا أن أعمال الراهب «ابن نجاح» و ما بدر منه من أعمال سيئة قبّحت سيرته بين الشعب، و ذهبت بمحبة الناس له.

كان أسمر شديد السمرة يحفظ القرآن، و يروي تاريخ العرب و الشعر، و قد اشتهر بأنه حدّد رسوم الدولة و أعاد إليها بهجتها بعد ما كان الأفضل قد أبطل ذلك، و نقل الدواوين و الأسمطة من القصر بالقاهرة إلى دار الملك بمصر.

و كان يركب للنزهة دائما و خاصة يومي السبت و الثلاثاء، و يتجوّل في أيام النيل بحرمه إلى «اللؤلؤة» على الخليج و هو من قصور الفاطميين المشهورة.

8

في أواخر أيامه وقع غلاء أقلق الناس، و في أيامه ملك الصليبيون العديد من المعاقل و الحصون في سواحل الشام، و منها عكا سنة 497 هـ. و غزة سنة 502 هـ. و طرابلس في نفس العام، و بانياس و جبيل و قلعة تبنين، و هكذا صور سنة 518 هـ.

ذكر التاريخ:

إنه عمّر الهودج بالروضة، و الدكة ببركة الحبش و تنيس و دمياط كما جدّد قصر «القرافة» و أضاف: بأنه بنى على المنظرة التي يقال لها: بئر دكة الحركاة» منظرة من خشب مدهونة فيها طاقات تشرف على خضرة «بركة الحبش» و صوّر فيها الشعراء... كل شاعر و بلده، و استدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، و كتب ذلك عند رأس كل شاعر، و بجانب صورة كل منهم رف لطيف مذهّب...

فلما دخل الآمر و قرأ الأشعار أمر أن يحط على كل رف صرة مختومة فيها خمسون دينارا، و أن يدخل كل شاعر و يأخذ صرته بيده، ففعلوا ذلك، و أخذوا صررهم و كانوا عدة شعراء.

إن مثل هذه المظاهر، و هذا التكريم للشعراء يعود إلى أن الآمر كان شاعرا مجيدا و قيل ان له ديوانا مع التراث الفاطمي. و من أشعاره:

9

دع اللوم عني لست مني بموثق # فلا بدّ لي من صدمة المتحقّق

و اسقي جيادي من فرات و دجلة # و أجمع شمل الدين بعد تفرق‏

و من شعره:

أما و الذي حجّت إلى ركن بيته # جراثيم ركبان مقلّدة شهبا

لأقتحمن الحرب حتى يقال لي # ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا

و ينزل روح اللّه عيسى بن مريم # فيرضى بنا صحبا و نرضى به صحبا

10

كلمة لا بد منها

هذا الجزء هو العاشر و الأخير من الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين، و هو خاص بالآمر بأحكام اللّه ابن المستعلي باللّه، و هذان الخليفتان تسلّما الحكم بطريقة الاغتصاب، و بدون نص شرعي، و بالرغم من هذا فقد خصصنا لكل منهما جزءا خاصا به كباقي الخلفاء الذين سبقوهما... أمّا بعد الآمر بأحكام اللّه فإن وضع الخلافة الفاطمية قد تغيّر، فالآمر مات مقطوع النسب، و قيل أن امرأته كانت حاملا وقت وفاته، و أنها أنجبت طفلا سموه «الطيّب» و لكن هذا الطفل الغريب ما كاد يبصر النور حتى دخل كهف الستر على أن يعود للظهور عند ما يحين الوقت، هذا ما تقول به «المستعلية-البهرة» و هذا ما ترويه الأساطير.

بعد الآمر بأحكام اللّه تسلّم شؤون الدولة الفاطمية «الحافظ» و هو من الأسرة الفاطمية و لكنه لا ينحدر من‏

11

الأئمة الخلفاء و كانت مهمته هي «الوصاية» على الطفل الغائب «الطيّب» أو ما يعرف بالتعبير الإسماعيلي «نائب غيبة» ، و بعد الحافظ جاء الظافر ثم الفائز و أخيرا العاضد الذي ثمّ بعهده سقوط الدولة الفاطمية و استيلاء «صلاح الدين الأيوبي» على مصر و ربطها بالعباسيين، و نحن عند ما نأتي على ذكر هؤلاء «الأوصياء» الأربع مع إيراد لمحة عنهم فلكي نعطي القارى‏ء إمكانية الاطلاع على كافة الجوانب في الدولة الفاطمية.

12

الوزير ابن البطائحي المأمون‏

عندما قتل «الأفضل بن بدر الجمالي» وزر ابن البطائحي للآمر بأحكام اللّه و ذلك سنة 515 هـ. و لقب: «بالأجل المأمون تاج الخلافة وجيه الملك فخر الصنائع ذخر أمير المؤمنين» ، و لم يستوزر الآمر أحدا بعد قتل المأمون بل استعان ببعض المستشارين، و على رأسهم الراهب «ابن نجاح بن قنا» و لقب «الأب القديس الروحاني النفيس، أب الآباء سيد الرؤساء مقدم النصرانية، و سيد البطركية، و ثالث عشر الحواريين» .

اختلف المؤرخون في نشأة ابن البطائحي، فذكر بعضهم بأن أباه كان من عملاء الأفضل في العراق، فمات و لم يخلف شيئا فتزوجت أمه و تركته فقيرا، فاتصل بأحد معلمين البناء في مصر، ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق الكبيرة، فدخل مرة إلى دار الأفضل فرآه خفيفا رشيقا حسن الحركة حلو الكلام فأعجبه و سأل عنه فقيل هو ابن فلان... و هكذا استخدمه‏

13

مع الفراشين ثم تقدم عنده و كبرت منزلته و علت حتى صار أخيرا وزيرا خلفا له.

و لكن المؤرخ المقريزي يدحض هذه القصة و يقول:

إنه من أعيان المشارقة و إن والده هو: الأمير نور الدين أبو شجاع فاتك بن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار بن الأمير. أمين الدولة أبي علي حسن بن تمام المستنصري، و كما نرى فإنه من بيت شغل أفراده المراكز العليا و اتصلوا بخدمة الخلفاء، و قد مات والده سنة 512 هـ. و ابنه في خدمة الأفضل.

و ذكر:

إنه و هو في سن الثانية عشرة كان من جملة خاصة «المستنصر باللّه» و كان يرسله إلى بيت المال و خزانة الصاغة في مهمات مختلفة فيجد من النهضة و الأمانة، فيقول هذا المأمون... و منذ ذلك الوقت عرف بالمأمون.

بعد ذلك اتصل بخدمة الأفضل و ظلّ يعاونه حتى قتل، فقلّده الآمر بأحكام اللّه «الوساطة» و هي دون الوزارة ثم أعطاه الوزارة سنة 515 هـ. فدبر الأمور و ظلّ حتى قبض عليه سنة 518 هـ. مع أخوته الخمسة و ثلاثين من أهله و خواصه و ظلّ معتقلا حتى صلب مع أخوته سنة 522 هـ. و ذكر في سبب اعتقاله آراء مختلفة منها:

14

إنه بعث إلى «الأمير جعفر بن المستعلي» أخ الآمر يغريه بقتل أخيه مع الوعد بإيصاله إلى سدة الخلافة. و ذكر بعضهم:

إنه سمّ مبضعا و دفعه لفصاد الخليفة الآمر فعلم بذلك، و اتهم بأنه كان يدعي الخلافة و يقول أنه من ولد «نزار» من جارية خرجت من القصر و هي حامل، و قيل انه اتهم بأنه هو الذي دبّر مقتل الأفضل و أولاده و أولاد أخيه الأوحد و المظفّر و كانوا نحو مائة ذكر ما بين كبير و صغير (يجب أن نذكر هنا أن الأفضل هو الذي قتل نزار ابن الخليفة المستنصر باللّه، و الولي للعهد الفاطمي الشرعي و أولاده و أخوته) .

ذكر التاريخ:

بأن الآمر بأحكام اللّه وضع ثقته التامة بألمامون لدرجة أنه أنابه عنه في خطبة شهر رمضان في جامع القاهرة و جامع طولون و جامع مصر و أطلق يده في شؤون إدارة الدولة، و بالفعل قبض بيد من حديد على الأوضاع العامة، و عرف بأنه كان من ذوي الآراء و المعرفة التامة بتدبير الدول، كريما واسع الصدر، سفّاكا للدماء شديد التحرز كثير التطلع إلى أحوال الناس و الجند و العامة و يكره الواشين و السعادة بالناس في أيامه.

15

ذكر التاريخ:

إنه كان يصرف للمأمون البطائحي في السنة عشرون ألف اردب قمح و شعير، و من الغنم برسم مطابخه ثمانية آلاف رأس، و هذا غيرالحيوانات و الأحطاب كما كان يصرف له من البخور ما بيانه في الشهر قد مثلت بخمسة عشر مثقالا و عود صيفي ستون درهما، و عنبر خام ستة مثاقيل، و كافور ثمانية دراهم و زعفران عشرة دراهم و مائة و ردو خمسة عشر رطلا... أمّا راتبه الشهري من بيت المال فهو ثلاثة آلاف دينار.

و عند ما قبض الآمر بأحكام اللّه عليه سنة 519 هـ. وجد له سبعون سرجا بالذهب الخالص، و مائة صندوق مملوءة كسوة بدنه، و وجد لأخيه «المؤتمن» أربعون سرجا محلّى بالذهب، و ثلاثمائة صندوق فيها كسوة بدنه، و مائة سلة ما بين بلور محكّم وصيني لا يقدّر أثمانها، و مائة برنية مملوءة كافورا و مائة سفط مملوءة عودا، و من ملابس النساء ما لا يحد، و قد حمل كل هذا إلى القصر.

و سكن المأمون بدار سميت بالدار المأمونية، و هو في مجال البناء و العمران كان من أنشط الوزراء و أكثرهم اهتماما،

16

فقد أقام العديد من المساجد و المشاهد و المناظر، و اختط طريقة عملية في إعادة بناء ما تخرّب من مصر و القاهرة خلال الشدة العظمى، فأمر بالنداء في القاهرة و مصر ثلاثة أيام بأن كل من له دار خربة أو أرض فضاء فعليه أن يعمرها أو يؤجرها لمن يعمرها، و من تأخر عن ذلك فلا حق له فيها، و أباح للناس تعمير كل أرض فضاء سواء الأراضي التي عجز عنها أصحابها أو الأراضي الداخلة في أملاك الدولة.

و من أجل المنشئات المعمارية التي بقيت من عهد المأمون الجامع «الأقمر» الذي بناه الآمر بإشرافه و يعد من مفاخر العمارة الفاطمية، و يمتاز بأنه من المساجد المعلقة، إذ بنى تحته حوانيت و الحق به حوضا لشرب الدواب، و واجهته الغربية أول واجهة من الحجر و تشتمل على مقرنصات و عقود محفّصة و تحفل بالنقوش و الكتابة الكوفية، و الظاهرة الثانية في هذا المسجد هي المحراب المقرس.

و كان المأمون يجلس للمظالم يومي الاثنين و الخميس من كل أسبوع و لتحقيق العدالة كتب لجميع الولاة بمطالعته فى مستهل كل شهر بأسماء المسجونين و السبب الذي أوجب اعتقالهم، و ذلك لأنه كان قد وقف على تصرفات بعض الولاة و تعدياتهم على الكثير من الأبرياء.

17

و ذكر التاريخ:

أنه ابتكر ما لم يسبقه إليه أحد... إذ استعمل «ميقاط» حرير أي «حبل» فيه ثلاث جلاجل، و فتح طاقة في الروش من سور داره و صار إذا مضى شطر الليل و انقطع المشي طرحت السلسلة و دلّى «الميقاط» من الطاق و على هذا المكان جماعة يبيتون تحته من المغاربة، فمن حضر من الرجال و النساء متظلما يشد رقعة في الميقاط بيده و يحركه بعد أن يقف من حضر على مضمون الرقعة، فإن كانت شكوى لم يمكنوه من رفعها، و إن كانت ظلامة مكنوه من ذلك و تعوّق صاحبها إلى أن يخرج الجواب.

«و كان القصد من ذلك أن من حدث به ضرر من أهل الستر أو كانت امرأة من غيرذات البروز لا تحب أن تظهر، أو كانت مظلمة في الليل تتعجل مضرتها قبل النهار فليأت لهذا الميقاط» .

كان المأمون يخشى من الجيش «الأرمني» الذي نظّمه الأفضل، كما كان يخشى هذا الجيش من أن يثور عليه، فأنشأ فرقة خاصة جعلها حرسا له و قد سمّى هذه الفرقة «المصامدة» لأن قائدها كان «عبد اللّه المصمودي» و هذه‏

18

الفرقة ألحقت بالجيش الفاطمي و أصبحت جزءا منه، و كان لها حارة في القاهرة عرفت بحارة «المصامدة» و قد ذكر أن أفرادها من «البربر» الذين وفدوا إلى مصر مع الخليفة المعز لدين اللّه.

و أخيرا:

في عهد الآمر أي سنة 517 هـ. قدمت على الوزير المأمون رسل «طغتكين» صاحب دمشق، «و آق سنقر» صاحب حلب للاجتماع على حرب الصليبيين فبادر المأمون و جهزّ جيشا برّيا جعل على رأسه «حسام الملك البرقي» و اتبعه بأسطول حربي مؤلف من أربعين قطعة، و توجه الجيش و الأسطول إلى عسقلان و لكن هذه الحملة باءت بالفشل، و اضطرّ المأمون سنة 517 هـ. إلى تسليم مدينة صور إلى «طغتكين» صاحب دمشق لعدم استطاعة الدولة الفاطمية الدفاع عنها ضد الصليبيين.

19

الوصي الاول الحافظ

اسمه: عبد المجيد... لقبه: الحافظ لدين اللّه...

كنيته: أبو الميمون. ولد بعسقلان سنة 467 هـ. و ذلك لمّا أخرج الخليفة «المستنصر باللّه» ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده في أيام الشدة، و لهذا كان يقال له في أيام «الآمر بأحكام اللّه» «الأمير عبد المجيد العسقلاني-ابن عم مولانا» .

مدة حكمه ثمانية عشر سنة و أربعة أشهر و تسعة عشر يوما، و مات عن عمر يناهز السابعة و السبعين عاما أي سنة 544 هـ.

في عهده وقعت حوادث عنيفة و شدائد... كان حازما و سياسيا ليّنا كثير المداراة عارفا بالأمور، جمّاعا للمال، مغرما بعلم النجوم... و يغلب عليه الحلم.

ذكر التاريخ:

20

إنه لمّا قتل «النزارية» الخليفة الآمر بأحكام اللّه، أقام «برغش» و «هزار الملوك» الأمير عبد المجيد في قصر الخلافة و لقبّاه «بالحافظ لدين اللّه» و أن يكون كفيلا «لمنتظر» من زوجة الآمر... و استقرّ «هزار الملوك» بالوزارة و لكن الجيش ثار و أقام «أحمد بن الأفضل» المعروف «بكتيفات» لأن ذلك الجيش بالرغم من مضي عشرة أعوام على وفاة الأفضل ظلّ على ولائه لآل بدر الجمالي، و في ذلك الوقت اجتمع في ساحة ما بين القصرين خمسة آلاف فارس و راجل و على رأسهم «رضوان بن ولخشى» فنادوا «بأحمد بن الأفضل» و قالوا: هذا هو الوزير بن الوزير ثم قتلوا «هزار الملك» و نهبوا أحد شوارع القاهرة الرئيسية.

و بعد أن تسلّم «أحمد» شؤون الوزارة سنة 425 هـ.

قبض على «الحافظ» و سجنه مقيدا، و أخذ بالتفتيش على الطفل المزعوم «الطيّب» و كان يريد قتله، كما أنه ألغى الكثير من الشعائر الفاطمية و استعاض عنها بالدعاء «للقائم المنتظر» ، و لكن عهده لم يطل أكثر من عام لأن «يانس» تمكّن من قتله سنة 526 هـ. و إخراج الحافظ من سجنه و إعادته إلى القصر.

بعد خروج الحافظ من السجن كان أول عمل قام به

21

هو: أخذ البيعة لنفسه على أنه الخليفة و إمام الزمان... و في هذه المدة حدث انشقاق في الفرقة «المستعلية» فانقسمت إلى فرقتين:

فرقة الحافظية، و فرقة اعتبرته مغتصب حق «الطيّب» فعرفت بـ «لطيبة» و هنا خرجت بلاد اليمن عن طاعة الحافظ لأن ملكة اليمن «أروى الصليحي» رفضت الاعتراف بخلافته، و بعض المصادر تذكر أنها كانت ميّالة إلى «النزارية»

بعد «أحمد بن الأفضل» استوزر الحافظ «يانس» صاحب الباب، إلى أن هلك بعد توليه بمدة تسعة أشهر، و من المعروف أن الحافظ لم يستوزر بعده أحدا بل تولّى الأمر بنفسه حتى سنة 528 هـ. فأقام ابنه «سليمان» مقام وزير و لكن أيامه كانت قصيرة، فبعد شهرين مات، فجعل ابنه الثاني «حيدره» مكانه، و لكن ابنه الثالث «حسن» حنق عليه و ثارت الفتنة فقتل «الحسن» و بعد مقتله ثار «بهرام» الأرمني و استولى على الوزارة بالقوة سنة 529 هـ. و كان نصرانيا فاشتد ضرره على المسلمين، فقام «رضوان بن ولخشى» و كان يتولّى «الغربيّة» فجمّع الناس لحرب بهرام و سار إلى القاهرة و باشر قتال «بهرام» الذي انهزم، فدخل «رضوان» القاهرة و استولى على الوزارة سنة 531 هـ. فأوقع بالنصارى‏

22

و أذلهم... و طمحت نفسه إلى حد الإطاحة بالحافظ قائلا عنه: «ما هو بخليفة و لا إمام... انه كفيل لغيره و ذلك لا يصح» فصبر عليه الحافظ إلى أن تمكن من هزيمته و إسقاطه، فخرج إلى الشام ثم عاد سنة 534 هـ. و لكن الحافظ جهّز الجيش و أرسله لمحاربته فانهزم الى الصعيد بعد عدة معارك، و هناك قبض عليه و اعتقل.

و في سنة 542 هـ. خرج «رضوان» من معتقله بالقصر من ثقب و ثار بجماعة مؤيدة له و لكنهم تمكنوا من قتله.

ذكر المؤرخ المقريزي:

بأنه لما مات الوزير «يانس» تولّى الحافظ الأمور بنفسه و لم يستوزر أحدا و أحسن السيرة، ثم أنه عهد إلى ولده «سليمان» و كان أكبر أولاده و أحبهم إليه فأقامه مقام الوزير، و لكنه مات بعد شهرين فجعل مكانه أخاه «حيدرة» في الوزارة و نصّبه للنظر في المظالم، فشقّ ذلك على أخيه «الحسن» و كان كثير المال متسع الحال له عدة قرى و مواشي و حاشية و ديوان مفرد، فسعى في نقض ذلك بأن أوقع الفتنة بين الطائفتين: «الجيوشيّة» و «الريحانيّة» فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين و قتل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف‏

23

نفس، فكانت هذه الواقعة أول مصائب الدولة الفاطمية في جيشها و نقص عساكرها.

و استظهر «الأمير حسن» و قام بالأمر، و انضمّ إليه أوباش الناس ففرّق فيهم الزرد، و سمّاهم صبيان الزرد و جعلهم خاصته، فاحتفوا به و صاروا لا يفارقونه، فإن ركب أحاطوا به، و إن نزل لازموا داره، فقامت قيامة الناس منهم، و شرع في تتبع الأكابر فقبض على «ابن العسّاف» و قتله، و قصد أباه الحافظ و أخاه «حيدرة» بالضرر، حتى خافا منه و تغيّبا، فجدّ في طلب أخيه «حيدرة» و هتك بأوباشه الذين اختارهم حرمة القصر، و خرق ناموسه، و سلّطهم يفتشون القصر في طلب الحافظ و ابنه حيدرة و اشتدّ بأسهم، و حسّنوا له كل رذيلة. و جرّأوه على الأذى، فلم يجد الحافظ بدا من مداراته و تلافي أمره فكتب سجلا بولايته للعهد و أرسله إليه فقرى‏ء على الناس و لكن كل هذا لم يزده إلاّ جرأة على أبيه، و هنا أرسل الحافظ «ابن اسعاف» إلى بلاد الصعيد ليجمع من يقدر عليه من فرقة «الريحانيّة» فمضى و استصرخ لنصرة الحافظ على ولده و جمع أمما لا تحصى و سار بهم للقاء «الحسن» الذي زجّ بقواته في المعركة فكانت من أهم المعارك سوءا على جيش «إسعاف» فانهزم و ركب جيش حسن في أثره فلم‏

24

ينج منه إلاّ القليل و أخذ «اسعاف» أسيرا فحمل إلى القاهرة على جمل و في رأسه طرطور لبد أحمر، كلما وصل بين القصرين رشق بالنشّاب حتى هلك، و رمي من القصر الغربي، و قتل «الأمير شرف الدين» فاشتد ذلك على الحافظ و خاف على نفسه فكتب ورقة إلى الحسن و فيها:

«يا ولدي: أنت على كل حال ولدي، و لو عمل كل منّا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يعيبه مكروه، و لا يحملني قلبي و قد انتهى الأمر إلى أمراء الدولة و هم فلان و فلان... و قد شردت وطأتك عليهم و خافوك، و هم معولون على قتلك فخذ حذرك يا ولدي» .

فعندما وقف حسن على الورقة غضب و لم يتأنّ، و بعث إلى أولئك، فلمّا صاروا إليه أمر صبيان الزرد بقتلهم، فقتلوا عن آخرهم و كانوا عدة من أعيان الأمراء و أحاط بدورهم و أخذ سائر ما فيها، فاشتدت المصيبة و عظمت الرزيّة، و تخوّف من بقي من الجند و نفروا منه، فإنه كان جريئا مفسدا شديد الفحص عن أموال الناس و الاستقصاء لأخبارهم يريد قلب الدولة و تغييرها ليقدم أوباشه، و أكثر من مصادرة الناس، و قتل قاضي القضاة «أبا الثريا-نجم» لأنه كان من خواص أبيه، و قتل جماعة من الأعيان، وردّ القضاء

25

«لابن ميسر» و تفاقم أمره و عظم خطبه و اشتدت الوحشة بينه و بين الأمراء و الأجناد، و همّوا بخلع الحافظ و محاربة ابنه «الحسن» و صاروا يدا واحدة، و اجتمعوا بين القصرين و هم عشرة آلاف ما بين فارس و راجل، و سيّروا إلى الحافظ يشكون ما هم فيه من البلاء مع ابنه «الحسن» و يطلبون منه أن يعزله من ولاية العهد فعجز «الحسن» عن مقاومتهم عندما لم يبق معه إلاّ القليل من جيشه، و هنا تحيّر و خاف على نفسه، فالتجأ إلى القصر و صار إلى أبيه الحافظ، فما هو إلاّ أن تمكن منه حتى قبض عليه و قيّده، و بعث إلى الأمراء يخبرهم بذلك، فأجمعوا على قتله، فردّ عليهم أنه قد صرفه عنهم و لا يمكنه أبدا من التصرف، و وعدهم بالزيادة في الأرزاق و الاقطاعات و أن يكفّوا عن طلب قتله، فألحّوا في قتله و قالوا: «إما نحن و إمّا هو» ، و اشتدّ طلبهم إياه حتى احضروا الأحطاب و النيران ليحرقوا القصر، و بالغوا في التحري على الخليفة، فلم يجد بدا من إجابتهم إلى قتله، و سألهم أن يمهلوه ثلاثا، فأناخوا بين القصرين، و أقاموا على حالهم حتى تنقضي الثلاث، فما وسع الحافظ إلاّ أن استدعى طبيبيه و هما: «أبو منصور اليهودي» و «ابن قرفة النصراني» و بدأ بأبي منصور و فاوضه في عمله سقية قاتلة،

26

فامتنع من ذلك، و حلف بالتوراة أنه لا يعرف عمل شي‏ء من ذلك فتركه، و أحضر «ابن قرفة» و كلّمه في هذا فقال:

«الساعة» و لا يتقطع منها جسده بل تفيض النفس لا غير، فأحضر السقية من يومه، و بعثها إلى الحسن مع عدة من الصقالبة و ما زالوا يكرهونه على شربها حتى فعل و كان موته سنة 529 هـ. و بعد ذلك بعث الحافظ إلى القوم سرّا يقول:

«قد كان ما أردتم فامضوا إلى دوركم» فقالوا: لا بد أن يشاهده منّا من نثق به، و ندبوا منهم أميرا معروفا بالجرأة و الشر يقال له «المعظّم جلال الدين محمد» فدخل إلى القصر و صار إلى جنب الحسن فإذا به قد سجّي بثوب، فكشف عن وجهه و أخرج من وسطه آلة من حديد و غرزه بها في عدة مواضع من بدنه إلى أن يتّقن أنه قد مات، ثم عاد إلى القوم و أخبرهم فتفرقوا.

27

وزراء الحافظ

1-هزار الملوك-جوامرد:

أقام لمدة نصف يوم في 14 من ذي القعدة سنة 524 هـ.

يقول المقريزي:

إن الحافظ لدين اللّه جلس يوم قتل الآمر كفيلا لطفل «منتظر» و تقرر أن يكون «هزار الملوك جوامرد» ، وزيرا و أن يكون الأمير «السعيد ياغي» متولي الباب» «اسفهسلارا» و قرى‏ء سجل في الإيوان بهذا الخصوص. و كان الحافظ في الشباك جالسا، و قد تولّى قراءته قاضي القضاة «ابن ميسر» على كرسي نصب له أمام الحافظ و بحضور أرباب الدولة، و خلع على هزار الملوك خلع الوزارة، و لكن الجند المجتمعين بين القصرين أبوا ذلك و طالبوا بتولية «أحمد بن الأفضل» الملقب «بكتيفات» و لم تهدأ ثورتهم حتى اضطر الحافظ إلى قتل «هزار الملوك» و ألقى برأسه إلى الجند، و استدعى بالخلع لأحمد بن الأفضل، فأفيضت عليه في يوم الأربعاء الخامس‏

28

عشر من ذي القعدة، و ركب إلى دار الوزارة و الجماعة مشاة في ركابه، فكانت وزارة «هزار الملوك» نصف يوم بغير تصرف، و وقع النهب في القاهرة من باب «الفتوح» إلى باب «زويلة» ، و نهبت «القيسارية» و كان فيها أكثر ما يملكه أهل القاهرة لأنها كانت مخزنهم، فكان هذا أول حادث حدث على القاهرة من النهب و الطمع، و طيف برأس «هزار الملوك» على رمح.

كان «هزار الملوك» من كبار غلمان الآمر و قد اصطفاه لنفسه و ردّ له المظالم و النظر في أحوال الجند، و هو نوع من الوزارة. و يزيد المقريزي:

بأن الآمر و هب مرة لغلامه «هزار الملوك جوامرد» ثمانين ألف دينار و كان قد أعطى غلامه الآخر المسمّى «برغش» مثل هذا المبلغ، و كانا أخص غلمانه و أقربهم منه و أشرفهم عنده منزلة، و كانا أسمح خلق اللّه، و كان الناس في أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر، فإن «هزار الملوك» كانت صدقته في كل يوم راتبا قد قدّروه بالقرافة أربعة آلاف درهم في ألف كاغدة على يد الثقة «ابن الصعيدي» و «غزال الوكيل» و كانت عطاياه من يده لا تنقص عن عشرة دنانير أبدا و ذلك عند ركوبه إلى القصر و عودته منه من أحد يقف له و يطلب منه.

29

2- «أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي» الملقب «بكتيفات» :

في 15 من ذي القعدة سنة 524 هـ. حتى 16 من المحرّم سنة 526 هـ.

مرّ معنا أن «أحمد» هو الذي بقي حيا من أولاد الأفضل و أولاد أخويه، و إن الجيش هو الذي أرغم الحافظ على أسناد الوزارة إليه، و ما أن استقرّ «كتيفات» في الوزارة حتى قبض على الحافظ و سجنه و أعلن الدعوة للإمام «المنتظر» كما أبطل الدعوة الإسماعيلية و كاد يقضي على الدولة نفسها لو لا أنه قتل أخيرا و أخرج الحافظ من معتقله و أعيد للقصر.

3-يانس الأرمني‏

في 16 من المحرّم سنة 526 حتى 26 من ذي الحجة من السنة يقول المقريزي:

لمّا قتل «كتيفات» بادر صبيان الخاص الذين تولّوا قتله إلى القصر و دخلوا و معهم الأمير «يانس» متولي الباب إلى الخزانة التي فيها الحافظ، و أخرجوه إلى الشباك و أجلسوه في منصب الخلافة و قالوا: و اللّه ما حركنا على هذا إلاّ الأمير

30

«يانس» فجازاه الحافظ بأن فوّض إليه الوزارة في الحال و خلع عليه فباشرها مباشرة جيدة.

و كان «يانس» هذا مولى أرمنيا لباديس جد عباس الوزير فأهداه إلى الأفضل بن بدر الجمالي و ترقى في خدمته، ثم ولي الباب و هذه أعظم وظائف الأمراء و كني بأبي الفتح و لقب بالأمير السعيد، و كان عظيم الهمة بعيد الغور شديد الهيبة، فهدأت الدهماء و صلحت الأحوال و استقرّت الخلافة للحافظ إلاّ أن علاقته أخيرا ساءت بالحافظ فدبّر عليه حتى قتله بالسم.

و لمّا مات «يانس» تولّى الحافظ الأمر بنفسه و لم يستوزر أحدا، و في سنة 538 هـ. أقام الحافظ أكبر أولاده سليمان وليا للعهد و أقامه ليسد مكان الوزير و يستريح من مقاساة الوزراء و مضايقتهم أيّاه في أوامره و نواهيه. و هكذا ظلّ الحافظ دون وزراء حتى جمادى الآخرة سنة 529 هـ.

3-بهرام الأرمني:

11 من جمادى الآخرة سنة 529 هـ. حتى 11 من جمادى الأولى سنة 531 هـ. أرمني الجنسية، نصراني الدين من‏

31

«تل باشر» و يذكر «ابن ميسر» أن سبب حضوره إلى مصر... أن القائم بأمر الأرمن مات، و كان بهرام أحق بمكانه ممن ولي بعده، فتعصبت عليه جماعة من الأرمن و رفضوه و ولّوا عليهم غيره، فخرج من «تل باشر» مغاضبا و قدم إلى القاهرة و التحق بخدمة الدولة، و كان «بهرام» عاقلا مقداما في الحرب حسن السياسة، جيد التدبير فترقّى في الخدمة حتى ولي المحلة فقام بولايتها حتى خرج إلى القاهرة بعد قتل حسن و تولّى الوزارة.

يقول التاريخ:

و قدم «بهرام» بالحشد كما تقدّم فوجد حسن قد مات، فمسكه الأجناد بظاهر القاهرة و أدخلوه على الحافظ يوم الخميس بعد العصر الحادي عشر من جمادى الآخرة لتولية الوزارة، فخلع عليه يوم الأحد رابع عشر، ثم خلع عليه ثانيا يوم الخميس ثامن عشر خلع الوزارة و نعت «بسيف الإسلام، تاج الخلافة» . فشق ذلك على الناس و تطاول النصارى في أيامه على المسلمين، و كان هو قد أحسن السيرة و ساس الرعية و أدّى الطاعة للحافظ، و أنفق على الجند الأموال الطائلة، فاستقامت له الأحوال و راسله الملوك، و زال كل ما كان في البلاد من الفتن و لم ينكر عليه سوى أنه نصراني.

32

و ظلّ «بهرام» في الوزارة حتى طرده منها «رضوان بن الولخشى» و حلّ مكانه و أخيرا:

مات بهرام في 20 ربيع الآخر سنة 535 هـ. فحزن عليه الحافظ و أمر بإغلاق دوائر الدولة ثلاثة أيام.

5- «رضوان بن الولخشى» :

11 من جمادى الأولى سنة 513 هـ. حتى 14 من شوال سنة 533 هـ.

يذكر التاريخ:

إنه لمّا خرج «بهرام» من القاهرة دخل «رضوان» إليها فوقف بين القصرين و استأذن الحافظ فيما يفعله، فأشار بنزوله إلى دار الوزارة فنزلها و خلع عليه خلع الوزارة. و ذكر بعض المؤرخين:

إن «بهرام» خرج من القاهرة يوم الأربعاء وقت العصر في الحادي عشر من جمادى الأولى، و إن «رضوان» نزل دار الوزارة بعد خروج بهرام و خلع عليه خلع الوزارة يوم الجمعة ثالث عشر من جمادى الأولى و نعت بالسيد الأجل، فاستدعى بالأموال من الخليفة و أنفق في الجند و مهدّ الأمر، و أن رضوان أول وزير لقّب بالملك.

33

ولد ليلة عيد الغدير 18 من ذي الحجة ستة 487 هـ.

و التحق بخدمة الدولة، و ترقّى في الخدم حتى أصبح أحد الأمراء المميزين في خلافة الآمر بأحكام اللّه.

امتاز بالشجاعة و الإقدام و هو الذي قاد ثورة الجند ضد تولية «هزار الملوك» الوزارة و طالب بتوزير «أحمد بن الأفضل» ثم ولي «قوص» و «إخميم» سنة 528 هـ.

و أصبح صاحب الباب سنة 529 هـ. و هي رتبة تلي رتبة الوزارة و لكن بهرام خشى وجوده بالقاهرة، فولاّه «عسقلان» في رجب سنة 529 هـ. ثم اضطر لاستدعائه مرة أخرى للقاهرة لوقوفه في وجه الأرمن الذين يقطنون مصر، ثم ولاّه «الغربية» في صفر سنة 530 هـ. و ظلّ بها حتى خرج على رأس قواته فطرد «بهرام» و تولّى الوزارة.

و استطاع الحافظ أن يثير ضد رضوان أحد كبار الأمراء هو: «علي بن السلاّر» و تمكن هذا من إثارة الجند ضده و قامت الفتنة في يوم الاثنين الثالث عشر من شوال سنة 534 هـ.

و اضطرّ رضوان للهرب إلى عسقلان فدخلها و جعلها معقله، و توجه أخوه الأوحد إبراهيم إلى الحجاز و أقام به حتى مات، و سار ابن أخيه الذي كان واليا على مصر إلى بغداد فأكرمه أصحاب الحافظ هناك و لم يزل عندهم إلى أن مات، ثم خرج

34

رضوان من عسقلان إلى «صلخد» حيث نزل على أمين الدولة «كمشتكين» الذي أبرّه و أكرمه.

و عاد «رضوان» في صفر سنة 534 هـ. في قوة من ألف فارس، و لكن الحافظ تمكن من القبض عليه يوم الاثنين 4 من ربيع الآخر من السنة و اعتقله بالقصر قريبا من الدار التي فيها بهرام و ظلّ معتقلا حتى استطاع الهرب من نقب نقبه و ذلك في 23 من ذي القعدة سنة 542 هـ. و تجمّع حوله عدد من الأجناد و عرب «لواته» و تمكن من دخول القاهرة و نزل بالجامع الأقمر يوم الجمعة 26 من ذي القعدة و لكن بعض السودان استطاعوا-بعد أن أجزل لهم الحافظ العطاء-قتله في ذلك اليوم.

6- «نجم الدين سليم بن مصال اللّكي» :

534-حتى 542 هـ.

تولّى الوزارة مرتين: المرة الأولى في خلافة الحافظ سنة 534 هـ. إذ يذكر التاريخ في حوادث تلك السنة:

و فيها ولّى الحافظ «الأمير نجم الدين سليم بن مصال اللّكي تدبير الأمور، و يبدو أن ذلك بعد أن قبض على‏

35

«رضوان بن الولخشى» في ربيع الآخر، و قد ظل ابن مصال يدبر الأمور حتى سنة 532 هـ. على الأقل، و يذكر المقريزي في حوادث تلك السنة:

و فيها خرج رضوان من نقب نقبه بالقصر، و ذلك أن الحافظ اعتقله بالقصر و أرسل يسأله في أشياء من جملتها زيارة «نجم الدين بن مصال» له في الوقت بعد الوقت، فأجابه إلى ذلك لمثقته بابن مصال، فحضر ابن مصال في يوم من الأيام لخدمة الخليفة و بدأ بزيارة رضوان فدخل إليه و معه مشدة فيها رقاع بحوائج الناس ليعرضها على الحافظ و كانت عادته ذلك فاحتاج إلى الخلاء، فترك مشدته عند رضوان و دخل الخلاء فأخذ رضوان الرقاع و وقّع بخطه عليها كل بما يسوغ التوقيع به و أتربها و طواها في المشدة، و خرج ابن مصال فأخذها و دخل على الحافظ، و قد علم أنه كان عند رضوان، فقال له كيف ضيفنا؟فقال على غاية التذكر لنعمة مولانا و جواره، و أخرج رقعة من تلك الرقاع ليعرضها على الخليفة فوجد عليها التوقيع بخط رضوان فأمسكها و أخرج غيرها، فإذا هي موقع عليها أيضا، و كان الحافظ يراه فقال: ما هذا؟فاستحيا ابن مصال عندما تناول الخليفة الرقاع و عليها توقيع رضوان، فقال له الحافظ:

36

يا نجم الدين ما زلت مباركا علينا، و اللّه يشكر لك ذلك...

لقد فرّجت عنّا غمته، فقال: كيف يا مولانا؟قال:

رأيت البارحة رؤيا مقتضاها أنه ربما يشركنا في كثير من أمرنا... فالحمد للّه إذ كان هذا... و كتب على الرقاع و أمضاها بخطه و خلع على ابن مصال.

يتضح من كل هذا أن ابن مصال كان يدبر الأمور و يقوم بعمل الوزراء، و لكن المقريزي و ابن ميسر يعودان فيذكران أن الحافظ لم يستوزر أحدا بعد أن قبض على رضوان و إنما أقام كتابا على سنة الوزراء أرباب العمايم، و لم يسمّ أحدا منهم وزيرا و هم: محمد بن الأنصاري، و هذا تصرّف تصرّف الوزراء و صعد المنبر مع الحافظ في الجمع و الأعياد، و القاضي «الموقف محمد بن معصوم التنيسي» و «أبو الكرم الأخرم النصراني» .

و يرجّح أن الحافظ صرف ابن مصال بعد القضاء على رضوان و قتله و استعان بالكتّاب السابق ذكرهم. و على ذلك يمكن أن نحدّد وزارة ابن مصال الأولى من سنة 534 هـ.

حتى سنة 522 هـ. و لم يكن فيها وزير سيف.

و من سنة 542 هـ. حتى مات الحافظ في 5 جمادى الآخرة سنة 544 هـ. بدون وزراء.

37

الوصي الثاني الظافر

اسمه: الظافر بأمر اللّه... لقبه: إسماعيل... كنيته:

أبو المنصور، ولد في النصف من ربيع الآخر سنة خمسمائة و سبع و عشرين سنة 527 هـ. ظلّ في الحكم أربع سنين و ثمانية أشهر إلاّ خمسة أيام، قتل ليلة الخميس آخر المحرم سنة 549 هـ.

و كان عمره إحدى و عشرين سنة و تسعة أشهر و نصف.

38

اخباره‏

لمّا مات الحافظ لدين اللّه، بويع ولده: الظافر بأمر اللّه بموجب وصية أبيه و قام بتدبير الوزارة «نجم الدين بن محمد ابن مصال» فلم يرض «الأمير المظفر علي بن السلاّر» والي الاسكندرية يومئذ، فحشد و سار إلى القاهرة ففرّ ابن مصال و استقر «ابن السلاّر» في الوزارة و تلقّب بـ «العادل» و لكن لم يمض عليه سوى فترة قصيرة حتى عاد ابن مصال إلى ممارسته ثم قتله، فقوي «ابن السلاّر» و استوحش منه الظافر كما خاف ابن السلاّر و احترز منه على نفسه. و جعل له رجالا يمشون في ركابه بالزرد و الخوذ و عددهم ستمائة رجل بالنوبة، و نقل جلوس الظافر من القاعة إلى الإيوان في البراح و السعة، حتى إذا دخل للخدمة يكون أصحاب الزرد معه، ثم تأكدت النفرة بينهما فقبض على صبيان الخاص و قتل أكثرهم و فرّق باقيهم و كانوا خمسمائة رجل، و ما زال الأمر على ذلك إلى‏

39

أن قتله رببيبه «عبّاس بن تميم» بيد ولده «نصر» و استقر بعده في وزارة الظافر.

و كان بين ناصر الدين نصر بن عباس الوزير و بين الظافر مودة أكيدة و مخالطة بحيث كان الظافر يشتغل به عن كل أحد، و يخرج من قصره إلى دار نصر بن عباس، فخاف عباس من جرأة ابنه و خشي أن يحمله الظافر على قتله فيقتله كما قتل الوزير علي بن السلاّر» زوج جدته أم عباس، فنهاه عن ذلك و ألحف في تأنيبه و أفرط في لومه لأن الأمراء كانوا مستوحشين من عباس و كارهين منه تقريبه «أسامة بن منقذ» لما علموه من أنه هو الذي حسّن لعباس قتل ابن السلاّر، -كما هو مذكور في خبره-و هموا بقتله و تحدثوا مع الخليفة الظافر في ذلك، فبلغ «أسامة» ما هم عليه و كان غريبا في الدولة، فأخذ يغري الوزير عباس بن تميم بابنه نصر و يبالغ في تقبيح مخالطته للظافر إلى أن قال له مرة: كيف تصبر على ما يقول الناس في حق ولدك من أن الظافر يحبه و يؤثره و يفضله؟فأثر ذلك في قلب ابن عباس، و اتفق أن الظافر أنعم بمدينة «قليوب» على نصر بن عباس، فلمّا حضر إلى أبيه و أعلمه و «أسامة» حاضر قال له: يا ناصر الدين:

ما هي بمهرك غالية، يعرض له بالفحش، فأخذ عباس من‏

40

ذلك ما أخذه و تحدث مع «أسامة» لثقته به في كيفية الخلاص من هذا، فأشار عليه بقتل الظافر إذا جاء إلى دار نصر على عادته في الليل، و أمره بمفاوضة ابنه نصر في ذلك، فاغتنمها و ما زال بنصر يشنع عليه و يحرّضه على قتل الظافر حتى وعده بذلك،

فلما كان ليلة الخميس آخر المحرّم من سنة 549 هـ.

خرج الظافر من قصره متنكرا و معه خادمان كما هي عادته، و مشى إلى دار «نصر بن عباس» فإذا به قد أعدّ له قوما، فعندما صار في داخل داره و ثبوا عليه و قتلوه هو و أحد الخادمين، و توارى عنهم الخادم الآخر، و لحق بعد ذلك بالقصر، ثم أنهم دفنوا الظافر و الخادم تحت الأرض.

كان محكوما عليه في خلافته، و كان كثير اللهو و اللعب.

و في عهده ظهر الوهن في الدولة، و ملك الصليبيون مدينة «عسقلان» .

و نعود إلى الموضوع الأساسي، فعندما بلغ أهل القصر ما عمله نصر بن عباس من قتل الظافر كاتبوا «طلائع بن رزيك» و كان على «الأشمونيين» و بعثوا إليه بشعور النساء يستصرخون به على عباس و ابنه، فقدم بالجموع، و فرّ عباس‏

41

و أسامة بن منقذ و نصر، و دخل طلائع و عليه ثياب سود و أعلامه و بنوده كلها سود، و شعور النساء التي أرسلت إليه من القصر على الرماح، فمضى ماشيا إلى دار نصر، و أخرج الظافر و الخادم و غسلهما و كفنهما، و حمل الظافر في تابوت مغشى و مشى و راءه حافيا و الناس كلهم حتى وصلوا إلى القصر، و هناك صلّى عليه ابنه «الفائز» و دفن في تربة القصر.

42

وزراء الظافر

1- «سليم بن محمد بن مصال اللّكي» :

جمادى الآخرة سنة 544 هـ. حتى 14 شعبان من السنة.

يذكر التاريخ:

كان وزيرا بعهد الحافظ، و في عهد الظافر تسلّم الوزارة كوزير سيف، و أصله من قرية «لك» من أعمال برقة، خدم أولا في «البيرزه و الصيد» هو و أبوه فتقدم في الخدم حتى أصبح من كبار الأمراء و نال الوزارة، و اتفق أنه مرّ في وزارته مرة، فقالت له امرأة كانت تعرفه في حال فقره، سليم وزرت، فقال لها نعم، قالت: و اللّه ما وزرت و بقي أحد... فضحك و أمر لها بصلة:

و لم تطل وزارة ابن مصال الثانية إذ ثار عليه ابن السلاّر و الي الاسكندرية و البحيرة، و اجتمع معه ابن زوجته «عباس‏

43

ابن باديس» و اتفقا على إزالة ابن مصال من الوزارة فبلغه ذلك فأعلم به الظافر الذي جمع الأمراء في مجلس الوزارة، و بعث إليهم زمام القصور يقول:

هذا نجم الدين وزيري و نائبي، فمن كان يطيعني فليطعه و يمتثل أمره... فقال الأمراء نحن مماليك مولانا سامعون مطيعون، فقال أمير من الأمراء: ان سمع مني ما أقول قلت، فقال له الوزير قل... قال مولانا يعلم و أنت تعلم أنّ ما في الجماعة من يضرب ابن السلاّر بسيف أولهم أنا فإن كان مولانا يقتل جميع أمرائه و أجناده فالأمر للّه و له، فلما سمع الجماعة قاموا و خرجوا من القصر يريدون ابن السلاّر، فلما غلب الظافر عن دفعه، أعطى ابن مصال مالا كثيرا و أمره أن يعمل لنفسه ما يرى فيه الخيرة و هو يساعده، و لما رأى ابن مصال أن لا طاقة له بملاقاة ابن السلاّر عدا إلى الجيزة، و دخل ابن السلاّر إلى القاهرة، فوقف على القصر و سار إلى الظافر و إلى من يدبره من النساء و يعلم مجاله، فجرت بينه و بين أهل القصر مراجعات كثيرة حتى فتح له أبواب القصر و خلع عليه خلع الوزارة.

44

2-علي بن إسحاق بن السلاّر:

15 من شعبان سنة 544 هـ. حتى 6 من المحرّم سنة 548 هـ.

يذكر التاريخ:

إن الظافر خلع عليه خلع الوزارة، و أعطاه لقب «السيد الأجل أمير الجيوش شرف الإسلام كافل قضاة المسلمين» ...

و كان يحقد على الظافر لميله إلى ابن مصال، كما أن الظافر لم يكن يرتاح ضمنا إليه.

و قد جمع ابن مصال العديد من أهالي السودان، و من العربان و «لواتة» و غيرهم، و انضمّ إليه «بدر بن رافع» مقدم العربان، فندب ابن السلاّر ربيبه عباس لقتاله و يقول «أسامة بن منقذ» و هو ممن عاصر تلك الأحداث:

خرج «عباس ركن الدين» و هو ابن امرأة «علي بن السلاّر» فضرب خيمة في ظاهر البلدة، فغدت سرية من «لواتة» و معهم نسيب لابن مصال و قصدوا مخيّم عباس فانهزم عنه جماعة من المصريين، و وقف هو و غلمانه و من صبر معه في الجند و بلغ الخبر إلى ابن السلاّر، فاستدعاني في الليل و أنا معه في الدار، و قال هؤلاء الكلاب يعني جند مصر، قد شغلوا الأمير يعني عبّاسا بالقوارع حتى عدا إليه قوم من «لواته»

45

سباحة، فانهزموا عنه و دخل بعضهم إلى بيوتهم في القاهرة، و الأمير مواقفهم... قلت: يا مولاي... نركب إليهم في سحر و ما يضحى النهار إلاّ و قد فرغنا منهم إن شاء اللّه قال:

صواب... أبكر في ركوبك، فخرجنا إليهم من بكرة فلم يسلم منهم إلاّ من سبحت به فرسه في النيل، و أخذ نسيب ابن مصال فضرب رقبته و جميع العسكر مع العباس، و سيّره إلى ابن مصال فلقيه على دلاص فكسرهم و قتل ابن مصال، و قتل من السودان و غيرهم سبعة عشر ألف رجل و حملوا رأس ابن مصال إلى القاهرة، و لم يبق لسيف الدين من يعانده.

و لم يصف الجوبين ابن السلاّر و الظافر حتى انتهى الأمر بأن قتل ابن السلاّر يوم الخميس السادس من المحرّم سنة 548 هـ.

و عن ترجمة ابن السلاّر يذكر ابن خلكان:

إنه كان كرديّا زرزاريا و كان والده في صحبة «سقمان ابن أرتق» صاحب القدس، فلما استولى «الأفضل» على القدس وجد فيها طائفة من عسكر سقمان فضمهم إليه، و من جملتهم ابن السلاّر والد الوزير فأخذه الأفضل إليه، و تقدّم عنده و سمّاه سيف الدولة و أكرم ولده هذا و جعله في عداد صبيان الحجر، و كان العادل ممن امتازوا بالشجاعة و الإقدام و العقل فأمّره الحافظ و تقلبّت به الأحوال في‏

46

الولايات بالصيد و الريف حتى أصبح واليا على البحيرة و الاسكندرية قبل توليه الوزارة، و كان ابن السلاّر شهما مقداما مائلا إلى أرباب العقل و الصلاح، و كان ظاهر التسنن شافعي المذهب، و يستطرد ابن خلّكان:

إنه كان مع هذه الأوصاف ذا سيرة جائرة و سطوة قاطعة يؤخذ الناس بالصغائر و المحقرات، و مما يروى عنه أنه قبل وزارته بزمان دخل يوما على الموفق أبي الكرم بن معصوم التنيسي، و كان مستوفي الديوان-فشكا إليه حاله من غرامة لزمته بسبب تفريطه في شي‏ء من لوازم الولاية بالغربية، فلما أطال عليه الكلام قال له أبو الكرم:

و اللّه ان كلامك لا يدخل في أذني... فحقد عليه، و لما تولّى الوزارة طلبه، فخاف منه و استتر مدة، فنادى عليه في البلد، و هدر دم من يخفيه، فأخرجه الذي خبأه عنده، فخرج في زي امرأة بازار و خف، و لكنه عرف فحمل إلى العادل فأمر بإحضار لوح من الخشب و مسمار طويل فألقي على جنبه و طرح اللوح تحت أذنه، ثم ضرب المسمار في الأذن الأخرى فصار كلما صرخ يقول له:

دخل كلامي في أذنك بعد أم لا؟و لم يزل كذلك حتى نفذ المسمار من الأذن الأخرى، و يقال انه شنقه بعد ذلك.

47

3- «عباس بن باديس الصنهاجي» :

12 من المحرّم سنة 547 هـ. حتى 19 من ربيع الأول سنة 549 هـ.

أصله من المغرب و من بيت الملك فيها... وصل مع أمه إلى مصر و هو صبي فتزوجها ابن السلاّر و تبنّى عباسا الذي ترقّى في الخدمة حتى ولي الغربيّة، و لقّب بالأمير ركن الإسلام، ثم تولّى الوزارة بعد قتله ابن السلاّر، و قد جرت في عهد عباس أحداث ساعدت في سرعة القضاء على الدولة الفاطمية... ذكرناها في الصفحات السابقة، و ذكر: أنه كان لعبّاس مائتا حصان و مائتا بغل و أربعمائة جمل تحمل أثقاله كما كان له خمسة آلاف مملوك، و قد نهبت ثروته و مخلفاته أثناء الفتنة التي أعقبت قتل الظافر.

48

احداث و فتن‏

يرى بعض المؤرخين أن النزاع الذي استمرّ طويلا في عهد «الظافر» بين ابن السلاّر و ابن مصال هو في الحقيقة نزاع بين السنّة و الشيعة.

و لكن الظافر بالرغم من كل ما كان يراه فإنه دبّر قتل وزيره ابن السلاّر بيد نصر بن ربيبه عباس و ذلك سنة 548 هـ.

و قد كوفي‏ء الأخير على جريمة ابنه بتولي الوزارة حيث قرّب الأمراء و أحسن إلى الأجناد حتى ينسوا ابن السلاّر، و أخذ الظافر يغدق بدوره على نصر بن عباس المنح و الاقطاعات مما جعل الناس يتحدثون عنهما أحاديث مريبة كما ذكرنا فأمضّ ذلك والده عباس الذي أغراه فيما بعد بقتل الظافر، و لم تنته الجرائم بكل ذلك بل تلاها مسرحية مؤلمة قصد بها التضليل و إبعاد الشبهات، فيكر إلى القصر و يتهم أخو الظافر بقتله ثم أحضر ابن الظافر و هو طفل في الخامسة و بايعه بالخلافة وسط مظاهر الرعب و الدماء و منذ ذلك الوقت أصيب الطفل بالصرع.

49

و ظنّ عباس أن الأمر قد استقام له و لم يحسب حسابا «لطلائع بن زريك» الذي هاجم القاهرة، ففرّ عباس و ابنه، و استطاع ابن زريك أن يعيد النظام و الأمن إلى البلاد، و هذا الوزير لعب دورا بارزا على المسرح السياسي في الديار المصرية و كل هذا سنذكره في الصفحات التالية.

50

الوصي الثالث: الفائز

اسمه: الفائز بنصر اللّه... لقبه: عيسى: كنيته:

أبو القاسم، ولد سنة 544 هـ. حينما سمّوه لولاية العهد بعد مقتل والده الظافر كان له من العمر خمس سنين. بقي في الخلافة ست سنين و خمسة أشهر و عدة أيام، عاش إحدى عشر سنة و ستة أشهر و يومين. توفي في الثالث عشر من رجب سنة 555 هـ.

ذكر التاريخ:

إن طلائع بن زريك-والي الأشمونين، عند ما زحف إلى القاهرة و استولى عليها فرّ عباس، و عندئذ استحضر الفائز ابن الظافر و كان له من العمر خمسة أعوام كما ذكرنا للخلافة مكان أبيه، و لكن الفائز رأى عندئذ أعمامه قتلى و سمع الصراخ فاختل عقله و أصيب بما يشبه الجنون أو الصرعة، و ظلّت النوبات تصيبه حتى مات... غ

51

1-الوزير الأول‏

19 من ربيع الأول سنة 549 هـ. حتى 19 رمضان سنة 556 هـ.

أرمني الجنسية، ولد بأرمينية سنة 945 هـ. و أكبّ منذ صغره على العلم و الأدب و كان من الشيعة الإمامية، فقدم مع جماعة من الفقراء لزيارة مشهد الإمام علي بن أبي طالب في النجف بالعراق، فرأى السيد بن معصوم إمام المشهد في منامه الإمام علي رضي اللّه عنه يقول له:

قد ورد عليك الليلة أربعون فقيرا من جملتهم رجل يقال له «طلائع بن رزّيك» من أكبر مجيبينا... قل له اذهب فقد و ليناك مصر، فلمّا أصبح أمر ان ينادي من فيكم «طلائع ابن رزّيك» ؟فليقم إلى السيد ابن معصوم، فجاء طلائع و سلّم عليه فقصّ عليه ما رأى، فسار حينئذ إلى مصر و التحق بخدمة الدولة و ترقّى في المناصب حتى ولي الصعيد فلما قتل عباس الظافر، بعث إليه نساء القصر يستغثن به فجاء إلى القاهرة و وضع السيف فيمن بقي من أصحاب عباس، و خلع عليه الوصي خلع الوزارة.

و ذكر التاريخ:

52

إنه باشر البلاد أحسن مباشرة و استبد بالأمور لصغر سن الوصي الفائز إلى أن مات، فأقام من بعده الوصي الرابع «العاضد» و بايعه الناس و كان صغيرا لم يبلغ الحلم فقويت حرمة طلائع و ازداد تمكنه من الدولة فثقل على أهل القصر لكثرة تضييقه عليهم و استبداده بالأمر دونهم، فوقف له رجال بدهاليز القصر و ضربوه حتى سقط على الأرض و حمل جريحا إلى داره فمات يوم الاثنين في التاسع عشر من رمضان سنة 556 هـ.

كان شجاعا كريما جوادا فاضلا محبا لاهل الأدب، جيد الشعر، و كان مهابا في شكله عظيما في سطوته، و جمع أموالا طائلة، و كان محافظا على الصلوات فرائضها و نوافلها شديد المغالاة في التشيع، و لمّا ولي الوزارة مال على المستخدمين بالدولة و على الأمراء و أظهر مذهب الإمامية و هو مخالف لمذهب القوم، و باع ولايات الأعمال للأمراء بأسعار مقررة، و جعل مدة كل متول ستة أشهر، فتضرر الناس من كثرة تردد الولاة على البلاد و تعبوا من ذلك، و لم يترك مدة أيامه غزو الصليبيين و تسيير الجيوش لقتالهم في البر و البحر، و كان يخرج البعوث في كل سنة مرارا، و كان يحمل في كل عام إلى أهل الحرمين مكة و المدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون‏

53

إليه من الكسوة و غيرها حتى يحمل إليهم ألواح الصبيان التي يكتب فيها و الأقلام و المداد.

و لما كان في الليلة التي قتل في صبيحتها قال:

في هذه الليلة ضرب في مثلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و أمر بقربة ممتلئة فاغتسل و صلّى على رأي الإمامية مائة و عشرين ركعة أحيا بها ليلة، و خرج ليركب فعثر و سقطت عمامته عن رأسه و تشوشت، فقعد في دهليز دار الوزارة، و أمر بإحضار ابن الضيف و كان يعمّم للخلفاء و الوزراء، فلما أخذ في إصلاح العمامة قال رجل لطلائع:

نعيذ باللّه مولانا و يكفيه هذا الذي جرى أمرا يتطيّر منه، فإن رأى مولانا أن يؤخر الركوب فعل، فقال: الطيرة من الشيطان... ليس إلى تأخير الركوب سبيل، و ركب فكان من ضربه ما كان، و عاد محمولا فمات.

ذكر التاريخ:

إن طلائع استطاع أن يعيد النظام و الأمن إلى البلاد، فعاقب الجناة الذين اشتركوا مع «نصر بن عباس» في جريمة قتل الظافر، كما قضى على ثورات المناوئين له، كثورة «طرخان» والي الاسكندرية الذي قام يطالب بالوزارة،

54

فأرسل إليه طلائع جيشا بقيادة ابن أخته «الأمير عز الدين» فهاجمه عند دمنهور و اضطره إلى الفرار تحت جنح الليل، و ثورة «الأمير الأوحد بن تميم» والي إخميم و أسيوط و كان قد جمّع جموعا كثيرة فأرسل إليه طلائع جيشا تمكن من قتله في رجب سنة 550 هـ. كما قبض على «الأمير ناصر الدولة ياقوت» والي قوص و أولاده بتهمة مكاتبة أخت الخليفة للقيام ضد طلائع و سجنهم.

و أخذ يتتبع كل من يخشى منافسته من أمراء الدولة و يتخلص منهم الواحد بعد الآخر حتى خلا له الجو، و إن كان ذلك على حساب المصلحة العامة إذ أضعف الدولة بقتل أمرائها و ذوي الرأي و الحزم فيها، و سيطر على القصر سيطرة تامة حتى أنه عند ما بايع «العاضد» الوصي الأخير الرابع و ذلك بعد موت الفائز أرغمه على الزواج من ابنته طمعا في أن تؤول الوصاية لسبطه.

و تتهم المراجع التاريخية طلائع بن رزيك بحب المال و جمعه من أي سبيل، و إنه أخذ يبيع الولايات للأمراء و جعل مدة الولاية سنة أو ستة أشهر فقط فتضرّر الناس من كثرة تردد الولاة عليهم، كما كان هؤلاء الولاة يتبعون نفس السياسة مع مرؤوسيهم، و كانت النتيجة انتشار الرشوة و الفساد