العبقات العنبرية

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
242 /
1

الغطاء

بسم الله الرحمن الرحيم

قبل الحديث عن حياة المؤلف الفقيد آية الله العظمى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قدس سره الشريف) ، لابُدّ من التعريف ولو بصورة موجزة عن أسرة المؤلف الكريمة. فإنّ المقام يستدعي هذا الأمر.

تعد أسرة آل كاشف الغطاء من أسر العلم، ودوحة من دوحات الفضل، ونبعة من أغصان الكمال والأدب، ودعامة من دعائم المرجعية والزعامة. قامت أركان هذه الأسرة في النجف الأشرف في أوائل القرن الثاني عشر، وعرفت باسم مؤلّف جدّها الشيخ جعفر الكبير ( ( كاشف الغطاء ) ) الذي طبقت شهرته الآفاق ، وسار ذكره وانتشر صيته في الأصقاع .

وكانت أسرة آل كاشف الغطاء من الأسر التي تقدمت في العلوم الروحية واشتهرت بالورع والزهد والعبادة، وقد خدمت العلم والدين خدمات جليلة سجّلها لهم التاريخ بأقلام كبار العلماء والمفكرين على صحائف ذهبية ناصعة ساطعة وهي مازالت إلى يومنا هذا مشرقة لامعة ولم تزل منشورة مشهورة.

لقد نبغ من هذه الأسرة رجال حازوا أعلى مراتب الزعامة ورقوا أرقى مراقي الرياسة. وحكمت أقلامهم على أسياف الملوك، وسمت عمائمهم على تيجان سلاطين الدهر وملوك العصر، فهم علماء وقادة ومصلحون وسادة. كانت بهم تفتخر مناصب العلم وتزهو وتسمو منابر الدرس والتدريس وتعلو، فهم مؤسّسون في العلوم الروحية وسابقون في حلبات الفتيا والمرجعية. ولم يزل العلم والمجد فيهم أكثر من قرنين يتوارثه الخلف عن السلف والأبناء عن الآباء. وفي كل عصر يتعدد في هذه الأسرة الميمونة

2

المباركة رجال العلم وأرباب الفضيلة حتى أصبحت مدرسة لأجيال الحاضر والمستقبل. وأسرة آل كاشف الغطاء أسرة عربية صحيحة في العروبة عريقة في الشرف، معروفه في الولاء من أقدم أزمان التشيع وهي ترجع الى قبيلة بني مالك وهي قبيلة مشهورة معروفة ذات فروع وأغصان كثيرة منتشرة في الفرات وغيره من سائر الأماكن. وقد نزحوا من إحدى قرى الحلة وتعرف باسم جناجيه أو (قناقية) ولهم بها الشأن والاعتبار والسمعة والافتخار، ولهم بها أراضٍ زراعية يتناقلها البعض منهم يداً عن يد.

وأول من هاجر من أبناء هذه القبيلة الى النجف الأشرف هو الشيخ خضر بن يحيى بن مطر ابن سيف الدين المالكي. وقد أنجب الشيخ خضر أربعة أولاد وهم: الشيخ حسين والشيخ محسن والشيخ محمد والشيخ جعفر وهو أبو هذه الأسرة المباركة وكلّ واحد من هؤلاء أصبح أباً لأسرة علمية كبيرة معروفة ذات عنوان خاص بها متميزة عن سائر أخواتها كآل الشيخ خضر وآل الشيخ راضي وآل الشيخ عليوي وآل كاشف الغطاء (1) .

ومهما قلنا في حق هذه الأسرة ؛ فإنّ الأقلام تبقى عاجزة عن ذكر فضائلها ومناقبها على مدى الأيام والعصور، فنرجوا أن تكون هذه الكلمات القليلة قد استطاعت أنْ تسفر وتضي‏ء وأن تفي ولو بجزء بسيط جداً بحقّها ومن الله التوفيق.

حياة المؤلف وآثاره

أوّلاً: نسبه الشريف:

هو الشيخ محمد حسين ابن العلامة الشيخ علي ابن الحجة الشيخ محمد رضا ابن المصلح بين الدولتين الشيخ الأفقه الشيخ موسى‏ (2) ابن

الشخ الأكبر الشيخ جعفر ابن العلامة الشيخ خضر بن يحى ابن سيف الدين المالكي الجناحي النجفي.

ثانياً: ولادته ونشأته:

وجد بخط والده (رحمه الله) أنّه ولد في سنة (1294 هـ-) كما أنّ تاريخ المنظوم ينطق بذلك فقد قال العلامة السيد موسى الطالقاني‏ (3) (رحمه الله) مؤرِّخا ولادة الشيخ الإمام الفقيد:

سُرورٌ به خُصَّ أهلُ الغري # فَعَمَّ المشارقَ والمغربَيْنِ

بمولِدٍ فيه سُرَّ الهَنَا # وَقَرّتْ بِرُؤْيَتِهِ كُلَّ عَيْنِ

وَقَدْ بشَّرَ المجَدُ مُذْ أرّخُوا # (سَتثْنى وَسَائِدهُ للحُسْينِ)

أما نشأته: فقد نشأ في بيته الجليل الطافح بالعلم والعلماء وعباقرة الفقه والاجتهاد، وتربى في حجر الفطاحل بالسؤدد والشرف والعزة، ولما بلغ العاشرة من عمره الشريف شرع بدراسة العلوم العربية، ثم قرأ علوم البلاغة، كما درس الرياضيات من الهيئة والحساب، وبرع في الآداب وصار ماهراً في النظم والنثر حيث كتب الأشعار والقصائد وعمره لم يتجاوز عشرون سنة.

ثالثاً: صفاته واخلاقه:

كان الشيخ الفقيد (رحمه الله) من أظهر صفاته طهارة النفس وسلامة الضمير وحسن النية كان (رحمه الله) حسن الوجه مليح الشكل متوسط القامة الى الطول أقرب وإذا كلّمته بشي‏ء أقبل نحوك بجميع حواسه‏ (4) . وقد امتاز الشيخ بحافظته القوية، وحضور البديهية، وحدة ذهنه وتوقده، وصفاء نفسه، كان حليماً رحب الصدر يعفو عمن أساء إليه. وكان شديد التمسك‏

____________

(1) أنظر : ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر محبوبة : 3/ 183 .

(2) سمي الشيخ موسى بالمصلح بين الدولتين لأنّه أصلح بين الدولة القاجارية في إيران والحكومة العثمانية في العراق .

(3) أنظر : ديوان السيد موسى الطالقاني : 260 .

(4) أنظر : ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر محبوبة : 3/ 184 .

3

بالآداب الإسلامية والتعاليم الدينية خصوصاً أدب أئمة أهل البيت (ع) . ولم يكن عنده غرض إلاّ اتباع الحق وتجنب الهوى وكانت له الثقة التامة بالنفس، وكان مترسلاً في أعماله.

وللشيخ قلم سيّال وإملاء خاص لم يكن له نظير في واحد ممن عاصره، كما أنّه أول خطيب بين علماء عصره مع أدبه الرفيع وأسلوبه الحكيم، وبيانه الأخّاذ، يلقي الخطب ارتجالاً في المؤتمرات والمنتديات.

وإذا كتب سجع وكان يحب السجع ويستعمله حتى في كتابته العلمية.

وقد اتسم الشيخ (رحمه الله) بغيرته الشديدة على الشرق والمسلمين، وتألّمه لتأخّرهم وجمودهم، فكان يتلهّف لتقدم الشرق والمسلمين وخلاصهم من الاستعمار، ويتلهب غيرة وحماساً ونشاطاً في الأعمال النافعة لهم فكان من حماة الدين ونصراء الإسلام الذابين عنه بالألسنة والأقلام.

رابعاً: منزلته العلمية:

كان الشيخ الفقيد (رحمه الله) عميد الطائفة الجعفرية وزعيمها وعلم من أعلام الفرقة الناجية وناصرها ومنبع العلوم والآداب وكعبة الفضل التي إليها تُحْثّ الركاب. فهو سر الفصاحة وبحر البلاغة وإذا رقى منبر الدرس يضيع بحضرته سحبان كيف وهو فرع الدوحة الجعفرية اليانعة والنبعة العلمية المثمرة التي لم يزل العلم ضارباً فيهم رواقه وماداً عليهم سرداقه مايقرب من قرنين‏ (1) .

كان (رحمه الله) الشخص العالمي في علمه وفقاهته واجتهاده وجامعيته وتضلعه في الفقه وأصوله وتبحره في الحكمة والفلسفة والمعارف الإلهية والمطالب العرفانية، فقد أربى علمه وفضله على سنِّهِ. كان تدريسه في مسجد (الهندي) تارة والصحن العلوي في طرف الباب الطوسي أو مقبرة

____________

(1) أنظر : ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر محبوبة : 3 / 183 .

4

الإمام الميرزا الشيرازي (رحمه الله) أخرى. وكان يكتب شرح العروة الوثقى ليلاً ويلقيه على تلامذته نهاراً. كان فقيهاً قوي الحجة والبرهان مجتهداً في المباني واسع الاطلاع حراً في آرائه ونظرياته.

كان ينتزع كثيراً من الفروع من ذوق عربي سليم. كما امتاز بالجرأة في إبداء الرأي الذي يراه وقد ارتكز على الحجة المستندة الى العقل. وكان (رحمه الله) واسع الاطلاع في فقه سائر المذاهب الإسلامية. أما آثاره العلمية التي طبعت والتي لاتزال مخطوطة تكشف عن سعة اطلاعه وغزارة علمه المتدفق. وكان له قوة بيان ولباقة وجرأة مفرطة مع صوت جهوري، وكان يسترسل في حديثه كأنّه حفظ على ظهر الغيب أو يكتب فكأنّه ينقل شيئاً مسطوراً دون أن يمر عليه.

وبعد أن بلغ الشيخ الفقيد (رحمه الله) درجة عليا ومرتبة كبرى في أنواع العلوم الإسلامية، وأصبح مرجعاً في التقليد والإفتاء من أكبر مراجع الشيعة في الأقطار الإسلامية وملجأ في الإفتاء والأحكام .

خامساً: شيوخه وأساتذته:

حضر الشيخ الفقيد (رحمه الله) عند الأساتذة الكبار في حلقات العلم، وحضر دروس الطبقات العليا كالمحقّق الأصولي المولى محمد كاظم الهروي الخراساني (رحمه الله) في عدة دورات في أصول الفقه، وحضر عند الفقيه الأكبر السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي من سنة (1312هـ-) إلى وفاة السيد سنة (1337هـ-) .

وحضر عند الفقيه الحاج آقا رضا الهمداني عشر سنوات، وعند المحقق الأصولي السيد محمد الأصفهاني ثلاث سنوات، وعند الفقيه الورع التقي ميرزا محمد تقي الشيرازي سنتين.

وحضر في الحكمة والكلام عند العلامة الحكيم الشيخ محمد باقر الاصطهباني (رحمه الله) ، وعلى العلامة الأصولي الحكيم الشيخ أحمد

5

الشيرازي والعلامة الشيخ علي محمد النجف آبادي.

وحضر في الحديث والرجال عند العلامة المحدث النوري (رحمه الله) صاحب المستدرك ويروي عنه، وعن الفقيه الحاج ميرزا حسين الطهراني وعن الشيخ علي الخاقاني، وروى أيضاً عن الحاج ميرزا حسين الخليلي، وعن أعمامه الشيخ عباس ابن الشيخ حسن والشيخ عباس ابن الشيخ علي‏ (1) وغيرهم.

سادساً: أسفاره ورحلاته:

قام الشيخ الفقيد (رحمه الله) بعدة سفرات ورحلات منها:

1- سفره عام (1329 هـ-) من النجف الأشرف الى مكّة المكرمة لأداء فريضة الحج، ومن مكة توجه الى دمشق ومنها إلى بيروت ومكث في ربوع سورية ومصر ثلاث سنوات، وفي سفره للحج كتب رحلته التي سماها (نزهة السفر ونزهة السمر) . وفي مدة توقفه بمصر درس الفقه مرة والفصاحة والبلاغة أخرى في الجامع الأزهر. وكان يهجم على نوادي التبشير التي تعقد كل ليلة في كنيسة من كنائس الأمريكان ومدارسهم فكان يردّ على الخطيب المبشّر، وألف كتابه (التوضيح) وطبع جزؤه الأول في القاهرة والثاني في بغداد. واشترك في الحركة الوطنية مع بعض أحرار سوريا كالشيخ أحمد طبارة والشيخ عارف الزين صاحب مجلة (العرفان) الغراء وعبد الكريم الخليل، وعبد الغني العريسي وغيرهم.

2- سفره الى فلسطين عام (1350هـ-) لحضور المؤتمر الإسلامي في القدس الشريف، وقد أْتَمَّ به في الصلاة جميع أعضاء المؤتمر البالغ عددهم مائة وخمسين عضواً من أعيان العالم الإسلامي وخلفهم عدد كبير من أهالي فلسطين يناهز عددهم على خمسين ألف.

____________

(1) أنظر : ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر ومحبوبة : 3/ 184 .

6

3- سفره عدة مرات الى إيران.

4- رحلته الى الهند عام (1370 هـ-) .

5- سفره عام (1371هـ-) من النجف الأشرف إلى كراتشي لحضور المؤتمر الإسلامي.

سابعاً: مواقفه الإصلاحية:

من المواقف الإصلاحية التي قام بها الشيخ الفقيد (رحمه الله)

1- إخماد فتنة الحصان عام (1351 هـ-) .

2- إبطال العادات المؤذية من أهل العراق عام (1353 هـ-) .

4- موقفه تجاه مؤتمر بحمدون.

ثامناً: آثار المؤلف

لقد قام الشيخ الفقيد (رحمه الله) بأعمال جليلة وعظيمة في سبيل خدمة الدين والعلم وكذلك للحفاظ على تراث أجداده العظام لكي تبقى ذخراً لأسلافهم ومرجعاً لطلبة علوم الدين الإسلامي.

فمن تلك الأعمال التي قام بها تعميره مدرسة آبائه ( (مدرسة المعتمد) ) فقد عمّرها عمارة حسنة بعد خرابها وأسكنها طلبة العلوم الدينية وجعلها مدرسة رسمية دينية.

ومن آثاره المكتبة العامة فإنّه بعد وفاة والده نقلها الى المدرسة وجعل لها محلاً خاصاً وأضاف إليها كثيراً من الكتب ونظمها وجعل لها قيّماً يشرف عليها وفتح أبوابها للمراجعين والزائرين.

ومن آثاره عمارة مراقد أجداده فإنّها تضعضعت وآلت الى الخراب فأعاد عمارتها وأحكمها أحسن إحكام.

ومن آثار المؤلف (رحمه الله) ماتركه لنا من مصنّفات كثيرة منها ماهو مطبوع ومنها ماهو مخطوط. فكان له قلم قد سبح في كل بحر وغاص إلى كل قعر فأخرج الدرر من الأصداف فألّف وصنّف في كل فن حتى كتب في‏

7

فنون لم يسبقها إليها أحد ولم يشتهر لأحد فيها مؤلّف. فقد اقتفى أثر أبيه وجده، فكان له في العلوم قِدَمٌ ثابت وفي الأدب يد طولى، وله المصّنفات الجامعه للفنون فمنها:

1- آثاره المطبوعة

أوّلاً: مؤلفاته في الحكمة والكلام والأخلاق:

1- الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية جزءان طبعا في صيدا.

2-المراجعات الريحانية - جزءان - طبع عدة مرات.

3- الآيات البينات تشمل على أربع مسائل في الرد على الفرق الضالة.

4- التوضيح فيما هو الإنجيل ومن هو المسيح جزءان وطبع ترجمتهما بالفارسية أيضاً.

5- الفردوس الأعلى طبع في النجف الأشرف وطبع أيضا في تبريز.

6- أصل الشيعة وأصولها - تكرر طبعه أكثر من خمسة عشر مرة بالعربية وترجم إلى اللغات المختلفة.

7- الأرض والتربة الحسينية طبع وترجم أيضاً.

8- نبذة من السياسة الحسينية.

9- الميثاق العربي الوطني.

10- المثل العليا في الإسلام لافي بحمدون، ترجم إلى الفارسية والإنجليزية.

11- المحاورة بين السفيرين طبع في العراق والأرجنتين.

12- عين الميزان في الجرح والتعديل.

13- نقد كتاب (ملوك العرب) للريحاني.

14- الخطبة التاريخية في القدس.

15- خطبة الاتحاد والاقتصاد ألقاها في مسجد الكوفة.

16- الخطب الأربع.

17- خطبة باكستان وترجمتها بالفارسية.

ـ

8

18- مبادي‏ء الإيمان وهي دروس دينية طبعت سنة (1378 هـ-) .

19- مقتل الإمام الحسين (ع) .

ثانياً: مؤلفاته في الفقه الإسلامي:

1- المسائل القندهارية (فارسي) ترجم إلى العربية وأُدرجت في الفردوس الأعلى.

2- حاشية على التبصرة للعلامة الحلي.

3- سؤال وجواب عربي.

4- وجيرة الأحكام.

5- زاد المقلدين (فارسي) .

6- مناسك حج عربي وفارسي.

7- حاشية على العروة الوثقى.

8- حواشي على سفينة النجاة لأخيه الفقيه الشيخ أحمد أربع مجلدات دورة فقهية كاملة.

9- تحرير المجلة خمسة أجزاء (فقه مقارن) .

10- حواشي على عين الحياة ترجمة سفينة النجاة بالفارسية - جزءان - مطبوعان مع عين الحياة في الهند.

11- حاشية على مجمع الرسائل (فارسي) وقد طبعت مع حواشي السيد الطباطبائي البروجردي نزيل (قم) في النجف الأشرف سنة (1367 هـ-) .

ثالثاً: مؤلفاته في الأدب:

1- تعليقات وتراجم على ديوان السيد جعفر الحلي (سحر بابل وسجع البلابل) .

2- تعليقات على ديوان السيد محمد سعيد الحبوبي.

3- تعليقات على كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصومة) .

4- تعليقات على معالم الإصابة.

9

5- تعليقات على (الكلم الجامعة والحكم النافعة) وهي للسيد الطباطبائي أستاذه.

6- مختارات من شعراء الأغاني.

2- آثاره المخطوطة

فهي كثيرة فمنها:

أوّلاً: في الأخلاق والحكمة:

1- الدروس الدينية.

2- حاشية على كتاب الأسفار لملا صدرا.

3- حاشية على العرشية ورسالة الوجود لملا صدرا أيضاً.

4- الجزء الثالث والرابع من الدين والإسلام.

5- جنة المأوى.

ثانياً: في الفقه والأصول:

1- شرح العروة الوثقى استدلالي يقع في خمسة مجلدات.

2- حاشية على مكاسب الشيخ الأنصاري.

3- دائرة المعارف العليا (مجموع الفتاوى) .

4- تنقيح الأصول.

5- حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري.

6- حاشية على الكفاية.

7- رسالة في الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية ومراتب الحكم.

8- حاشية على القوانين

ثالثاً: في الأدب والشعر والتفسير:

1- مغني الغواني عن الأغاني يقع في ألف صفحة وهو مختصر الأغاني.

2- ديوان شعره.

10

3- نزهة السفر ونزهة السمر وهي رحلته إلى سوريا والحجاز ومصر عام (1309 هـ-) .

4- تعليق على أمالي المرتضى (رحمه الله) .

5- تعليق على أدب الكاتب لابن قتيبة.

6- تعليق على كتاب الوجيز في تفسير القرآن العزيز للشيخ علي محي الدين.

7- مجموعتان من منتخب الشعر.

8- عقود حياتي ترجمة ضافيه بقلم الشيخ الفقيد (رحمه الله) لشخصه وقد فقد هذا الكتاب قبل وفاته بسنتين ومعه مجموع شعره الذي نظمه بعد الخمسين من عمره.

9- تعريب كتاب فارسي في الهيئة.

10- تعريب كتاب حجة السعادة في حجة الشهادة.

11- تعليقات على الفتنة الكبرى للدكتور طه حسين.

12- تعريب رحلة ناصر خسرو.

13- تعاليق على نهج البلاغة.

14- منتخب أدعية السحر.

تاسعاً: شعر المؤلف

لقد حذا الشيخ الفقيد (رحمه الله) حذو المبرزين من أئمة القريض والنابغين في النظم، فنظم وأجاد وأبدع وأحسن وله شعر رقيق حسن الديباجة سهل اللفظ عميق المعنى تعطاه يوم كان شاباً غض العمر نضر الحياة. وقد جعل شعره في مدح أهل البيت (عليهم السلام) ورثائهم وربما جادت قريحة السيّالة في غيره مما تكوّنه الظروف وتسنح به الفرص. وهو في ذلك أحد رجال المعركة الأدبية الرهيبة وفرسانها الحماة وفي معركة العموديين والبديعيين كان من أبطالها وأهل الحل والعقد بها (1) .

____________

(1) أنظر : ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر محبوبة : 3/ 183 .

11

قد نظم خمس مراثٍ في الإمام الحسين (ع) فيقول في إحداهن:

أقوَتْ فهُنَّ منَ الأنيس خَلاءُ # دِمنٌ مَحتْ آياتُها الأنْواءُ

دَرستْ فغيَّرها البَلاءُ فكأنّما # طَارَتْ بشمْل أَنِيْسِهَا عَنقَاءُ

الى آخرها وهي اثنان وثمانون بيتاً. ويقول في الثانية:

خذوا الماءَ منْ عَيْنيّ والنارَ منْ قَلبي # ولاتَحْمِلُوا للبرق مَنّاً ولا السّحبِ

ولاتحْسبوا نيرانَ وَجْدي تَنْطفِي # بطُوفانِ ذَاكَ المدْمعِ السَّافح الغربِ

الى آخرها وهي أربع وستون بيتاً. ويقول في مطلع الثالثة:

لكِ الله منْ قلْبٍ بأيْدي الحَوادثِ # لعبْنَ به الأشْجان لِعْبة عَابثِ

تَمُرَّ بهِ الأفْراحُ مرّة مُسْرعٍ # وَتُوقِفْهُ الأتراحُ وَقْفةَ مَاكِثِ

الى آخرها وهي تسع وخمسون بيتاً. ويقول في مطلع القصيدة الرابعة:

نَفْسِي أذابَتْها أَسى زفرَتها # فجَرَتْ بِها مُحْمَرّة عَبراتُها

وتَذكّرتُ عهْدَ المُحْصبِ منْ مِنى # فَتوقّدَتْ بضُلوعِها جَمَراتُها

الى آخرها وهي ثلاث وثمانون بيتاً.

وقال من مطلع قصيدته الخامسة وهي من غرر قصائده:

في القَلْبِ حَرّجَوَى ذاكٍ تَوهّجَهُ # الدّمْعُ يُطْفيهِ والذَّكْرى تُؤجِّجُهُ

أُفدِي الأُلى للْعُلى أَسْرى بهم ظَعْنٌ # وَرَاهُ حَادٍ منَ الأقْدَار يُزْعجُهُ

رَكبٌ على جَنّة المأوى مُعرّسَهُ # لكنْ على محن البَلوى مَعَرّجُهُ

مِثْلُ الحُسَين تَضيقُ الأرْضُ فيه فَلا # يَدْري الى أيْن ملْجَاه ومُولجُهُ

ويَطلبُ الأمْنَ بالبَطْحَاء خَوفَ بني # سُفْيان يُقلقُه عَنْهَا ويُخْرجُهُ

الى آخرها وهي اثنان وأربعون بيتاً.

ومن أشعاره الجيدة الحسنه قوله:

12

لنَا في الشَّرْقِ أَوْطان ولكن # تَضيقُ بِنَا كَمَا ضَاقَتْ لُحُودُ

نُقيمُ بهَا عَلى ذُلِّ وَفَقْرٍ # ونُظُماً لايسوغ لنا الوُرودُ

أكَاذِيبُ السَّياسَةِ بيّنَاتٌ # تَكيدُ بهَا الُحكوُمَةُ مَاتَكيدُ

وُعودٌ كُلُّها كَذبٌ وزُورٌ # فكمْ والخَام تَخْدَعُنَا الوُعودُ

اذَا ما الُملْكُ شيدَ على خِدَاعٍ # فلا يَبقَى الخَداعُ ولا المَشيْدُ

ومَنْ لَمْ يَتّخذْ مُلْكاً صَحِيحاً # فلا تُغْنِي الجُيوشُ ولا البُنُودُ

عاشراً: وفاة المؤلف

لقد أصاب الشيخ الفقيد (رحمه الله) المرض وقد دخل مستشفى الكرخ في بغداد ومكث به شهراً ثم خرج منه وسافر الى إيران لتغيير الهواء ووصل إلى (كرند) وبعد وصوله بثلاثة أيام انتقل الى جوار ربه والتحق بالرفيق الأعلى في يوم الأثنين المصادف الثامن عشر من ذي القعدة سنة (1373هـ-) . ونقل جثمانه الطاهر إلى بغداد في يومه وشيعه الأعيان والوزراء وكافة الطبقات ونقل بعد ذلك إلى مدينة النجف الأشرف يوم الثلاثاء ودفن في نفس اليوم في وادي السلام في مقبرة خاصة به في جهة مقام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) في الجهة الشمالية الغربية من الوادي.

وأقيمت له عدة فواتح في سائر الأقطار الإسلامية، كما أقيم له حفل كبير لتأبينه في ذكرى أربعينه في ساحة مدرسة الصدر، وألقى فيها العلماء والشعراء الكلمات البليغة والقصائد الرائعة، وقد أعقب الشيخ بعد وفاته خمسة ذكور وهم: الشيخ عبد الحليم وهو أكبرهم وشريف وعبد اللطيف وعبد الرحيم وعبد الكريم، وقد أرّخ عام وفاته كثير من الأدباء (1) . ومنهم الأستاذ الشيخ علي البازي وله فيه عدة تواريخ منها قوله:

____________

(1) أنظر : ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر محبوبة : 3/ 189 .

13

هَتفَ النَّعْيُ بِفَقْدِ منْ كَشَفَ الغِطَا # للمُسْلِمين وقدْ أُذيعَ بَيانهُ

فَتَنكّسَتْ أعْلامُها لمُصابِه # واغْبَّر مِنْ أُفْق العُلى كيوانه

وتَعطلَتْ أحْكَامُ شرْعةِ أحْمَد # والدّينُ أعْولَ مُذْ قَضَى عُنوَانهُ

والشَّرْعُ أذْهلَهُ المُصَابُ وَوَقْعُهُ # إذْ قَلبتهُ بالشجى أَشْجَانُهُ

كَتبَ القضَامُذْ أرّخُوهُ (بَيَانَهُ # بَعْدَ الحُسَينِ تَهدَّمَتْ أرْكانُهُ)

كتاب العبقات

الحمد الله الذي عطّر سفر مفاخر (الطائفة الجعفرية) بأشذاء (العبقات العنبرية) فقد كانت هذه الأعلاق النفيسة والتقييدات المهمة مما رشح به يراعُ علم الأعلام الإمام المصلح آية الله العظمى الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (قدس سره) فاصطاد بأسلات قلمه السيّال أوابَد آداب العرب، واقتنص بمخَاذِم مساعيه المرهفِة شوارد القضايا التأريخية فأحرز (بلوغ الأرب) مُوَشّحاً متون تحقيقاته ببديع أسلوبه الأدبي الجميل، مرصعاً حواشي تحبيراته بمزْبَرِ براعته الموفي حَدُّهُ على حدّ الصارم الصَّقيل:

إنْ هَزَّ أَقْلامَهُ يَوماً ليُعْملَها t # أنْساكَ كُلَّ كَمِيّ هَزّ عامِلَهُ

وإنْ أَقَرَّ على رَقّ أنامِله # أَقَرَّ بالرّقّ كُتّابُ الأنَامِ لهُ

وقد جاءت تسميته لهذه المجموعة من الفوائد العلمية والتأريخية والادبية بـ- (العبقات العنبرية) تسمية موفقة دالة على سلامة الذوق وحسن الاختيار إذ جاء اسمها مطابقاً لمعناها، وعنوانها شاهد لفحواها:

قدْ عرَفناكَ باخْتياركَ إذْكا t # ن دَليلاً على اللَّبيبِ اخْتيارُهْ

وحريٌ بطالب العلم أنْ يطالع هذا الكتاب ليقف على سير سلفنا الكرام من علماء الأمة الأعلام فإنّ في أخبارهم وآثارهم موضع القدوة ومُرتَبَعَ الأسوة ومن كان له سلفٌ كأولئك الأعاظم فحريٌ به أنْ يطأ هامة

14

الجوزاء فخراً، ويُخلّد له - كما خَلَّدوا - في سفر المآثر والمفاخر ذكراً متمثلاً بقول الشاعر:

إنّا وإنْ أحْسَابُنا كرُمَتْ t # لَسنا على الأحْسَاب نَتّكِلُ

نَبْنِي كما كَانتْ أوائِلنَا t # تَبني ونَفْعَلُ كالّذي فَعَلُوا

أهمية الكتاب

وتأتي أهمية الكتاب من كونه وثيقة نادرة وسجلاً حافلاً لوقائع تأريخية مهمة، ومجريات عفى على ذكرها الزمان ونسجت عليها عناكب الإهمال والنسيان حتى أنّ الباحث المتتبع ليعجزه الوقوف على كثيرمن الحقائق التأريخية والمأثورات الأدبية والوقائع الخطيرة ممايتصل بالحقبة التي سلّط الشيخ المؤلف عليها الأضواء وكشف عن مُخَبّآتها الغطاء في غير هذا المؤلف الجليل. فهو حقيق بأنْ يكون من مصاديق (تأريخ ما أهمله التاريخ) . كما تتجلى أهميته فوق هذا من كونه (كشّافاً) مدعماً بـ- (الحقائق الناصعة) عن تاريخ المرجعية الدينية للشيعية الإمامية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين فهو بحقٍ‏ّ (دائرة معارف) و (عَيْبَةُ علومٍ) يجسد معنى الملحمة في أجلى صورها وأصدق مضامينها.

وأهم حادثتين تأريخيتين يسجلهما هذا السفر الخالد هما حادثة (الغزو الوهابي) لمدينة النجف الأشرف وحادثة (الشمرت والزقرت) التي ابتليت بها هذه المدينة. حيث يبين لنا كتاب (العبقات) ماقامت به أسرة آل كاشف الغطاء من جهود جبارة وعظيمة في سبيل الحفاظ على مكانة النجف الأشرف وحمايتها من الأعداء وتثبيت الأمن والاستقرار في داخل هذه المدينة طوال قرنين من الزمن.

ويضاف إلى ذلك كله أنّ كتاب (العبقات) يعتبر بحق معجماً لأسرة آل كاشف الغطاء وهو يترجم لعميد هذه الأسرة الشريفة ابتداءاً من الشيخ‏

15

الكبير الشيخ جعفر مؤسس أسرة آل كاشف الغطاء وانتهاءاً بآباء المؤلف. فهذا الكتاب يسلط الضوء على تاريخ هذه الأسرة الميمونة وما قامت به من أعمال جليلة. وهو يعد مفخرة كبيرة وشهادة لإثبات جدارة أسرة آل كاشف الغطاء في ميادين الحياة السياسية والعلمية والأدبية. كذلك لايخلو كتاب (العبقات) من الأدب والشعر ففيه شعر كثير وأساليب بلاغية راقية في التعبير. وبإمكان الباحثين والدارسين أنْ يستفيدوا منه وأن ينتفعوا به في بحوثهم ودراساتهم.

دواعي التحقيق

من دواعي تحقيق كتاب (العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية) إضافة الى ماذكرناه سابقاً جملة من الأسباب التي دفعتنا الى تحقيق هذا السفر الجليل وهي:

1- بيان ظلامة هذه الأسرة الكريمة التي خدمت الدين والمسلمين وقد تعرضت من قبل الحاسدين والمنافقين لأبشع الدعايات الكاذبة الغاشمة وهذا هو أحد الأسباب الذي دعانا الى تحقيق هذا السفر الجليل في هذا الوقت. فهل هذا جزاء الإحسان:

ومَاأشْكُو تَلوّن أَهْل دَهْري t # ولو أَجَدْتُ شَكيتَهُم شَكَوتُ

مَللْتُ عِتَابَهُم ويَئسْتُ مِنْهُم t # فَما أَرْجُوهم فيمن رَجَوتُ

إذا أَدْمَتْ قَوارضُهُم فُؤادي t # كَظمْتُ على أذاهُم وانطوَيْتُ

ورُحْتُ عليهم طَلق المحيّا t # كأنيِّ مَاسمعْتُ ولا رأيْتُ

ويَومَ الحَشْر مُوقفُنَا وَتبْدُو t # صَحيفَة مَاجَنَوهُ وما جَنيْتُ

2- إنّ كتاب (العبقات) قد طبع بتحقيق أحد الباحثين المعاصرين‏ (1) لكن هذه الطبعة فيها من الحذف الكثير والسقط المُخلّ مالا يتّفق‏

____________

(1) المقصود به التحقيق الذي قام به الدكتور جودت القزويني لكتاب ( العبقات ) .

16

والأمانة العلمية، ونرجو أنْ يكون المحقق قصد في هذا الحذف والإسقاط قَصْداً - ظَنَّهُ - حسناً وعمل المؤمن محمول على الصحة إنْ شاء الله تعالى ؛ ولهذا بادرنا إلى طبعه بتحقيقنا.

3- إنّ أولاد هذه الأسرة كثيراً مايجهلون تاريخ آبائهم وأجدادهم مما دعانا الى أن نخرج هذا السفر إلى حيز الوجود ليكون منهاجاً ومناراً ليقتدي الأحفاد بالآباء والأجداد وليكونوا نعم الخلف لذلك السلف.

منهجية التحقيق

إتبعنا في تحقيق مخطوطة (العبقات) الأمور التالية:

1- لقد تم وضع عنوانين داخلية ولكل موضوع وحادثة مما يسهل على القارى‏ء قراءة ومتابعة مايريده بيسر وسهولة دون جهد وعناء.

2- قمنا بتصحيح الكثير من الكلمات التي وردت في المخطوطة محرّفة أو مصحّفة. وأيضاً تم تصحيح الأخطاء الإملائية التي وردت بها بسبب جهل الناسخ بقواعد النحو.

3- الرجوع إلى المعاجم اللغوية لتفسير المفردات الغريبة.

4- الرجوع إلى كتب التاريخ لتوثيق الحوادث التاريخية الواردة في المخطوطة.

5- ترجمة الكثير من الأعلام الواردة في متن المخطوطة من خلال كتب الترجمة.

6- تخريج الآيات القرآنية الواردة في المتن وكذلك الأمثال والأشعار وضبط الأوزان الشعرية وتصحيح الأخطاء العروضية.

وصف المخطوطة

إنّ المخطوطة مملؤة بالأخطاء الإملائية واللغوية، وقلّما توجد صفحة من دون أغلاط، وفي كل صفحة من المخطوطة قد تحتوي على‏

17

أكثر من ثلاث أخطاء وحتى بالنسبة الى رسم المخطوطة فإنّ الكاتب قد يقسم الكلمة الى جزئين أحدهما يكتبه في نهاية السطر والجزء الآخر في بداية السطر الآخر.

ويبدو أنّ ناسخ المخطوطة ليس من أهل الفضل والعلم وإنّما هو صاحب مهنة خط فقط. فهو يكتب على مايراه صحيحاً فقد يكتب الألفاظ بما يلفظها لا بأصلها اللغوي كما في لفظة (بير) وأصلها (بئر) ولفظة (قبايل) وأصلها (قبائل) (ومدايح) والصحيح (مدائح) وغيرها كثير.

والمخطوطة التي اعتمدناها في التحقيق هي نسخة مصورة عن النسخة الأصل الموجودة في مكتبة مجلس الشورى في إيران. وهي تبدأ ببيتين من الشعر وهما:

إنّي نَظَرتُ فما وَجَدتُ هَديّةً # تُهْدى إليكَ سوَى الدّعاءِ الصَّالحِ

فَرفَعتهُ لكَ بَعْدَ كُلِّ فَريضَةٍ # وَقَرنْتُهُ لكَ بالثّنا الرّاجِحِ

ثم قوله تعالى انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ‏ .

وفي نهاية المخطوطة كتب عليها: ( (قد وقع الفراغ من تسويد هذه الرسالة بقلم الحقير صاحب الذنب والتقصير أقلّ عباد الله عملاً وأكثرهم زللاً المحتاج الى رحمة ربه العلاّم حسن نجل المرحوم السيد جاسم الفحام يوم الخامس والعشرون من شهر جمادي الآخرة سنة (1314هـ-) وقد كتب هذين البيتين في نهاية المخطوطة:

إن تَجدْ عَيبْاً فسدّ الخللا # جلّ مَنْ لاعَيبَ فيهِ وَعَلا

زمن تأليف المخطوطة

لقد ذكر المؤلف في مقدمة كتابه ( (الفردوس الأعلى) ) بأنّه أنجز تأليف هذا السفر الخالد في العقد الأوّل وهو من أوائل مصنّفاته فقد جاء مانصه: ( (فما انتهى العقد الأوّل من أعوامي إلاّ وقد شرعت أو كرعت من مناهل علوم العربية والأدب ومبادى‏ء الفقه وأصوله، وأوّل‏

18

تأليف برز لي في البرهة كتاب (العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية) مجلدان كله أدب وتاريخ ونوادر برزت نسخة واحدة منه إلى المبيضة أرسلناها في ذلك العصر إلى عم لنا كان في أصفهان كي يمثله للطبع فعاجله الأجل قبل إنجاز العمل، ومات وماتت تلك النسخة النفيسة معه، وقد علمنا أنّها مانشرت، لكنْ لانعلم أين قبرت، وليس عندنا منها سوى مسودة الجزء الأوّل بخطنا قبل ستين سنة، وقد انتهل من مشارع هذه النسخة جملة من أدباء العصر ونقلوا الكثير من فرائدها إلى مؤلفاتهم مع حفظ أمانة النقل وبدونها) ) (1) .

وقد ذكر الشيخ (رحمه الله) بأنّه كتب هذه الرسالة الشريفة وعمره الشريف ثلاث عشرة سنة في أيام تحصيله الدراسي في مدة ثلاثة أشهر مما يدل على أنّ ما أتى به الشيخ خارق للعادة ولانستطيع أن نعبر عنه بشي‏ء فقد جاء في ختام رسالته الشريفة مانصه: وقد فرغت من تسويد هذه الطروس في شهر رجب الأحد من السنة التاسعة بعد الألف والثلاثمائة، ولي من العمر ثلاث عشرة سنة وقد وقع فيها من الاستعجال بعض الغلط والاختلال، فأرجو من الصالحين الإصلاح والعفو والسماح، والله ولي التوفيق وبه المستعان.

المصادر التي اعتمدها المؤلف

أمّا المصادر التي اعتمدها المؤلف في كتابه العبقات فهي:

1- قصص العلماء للسيد إبراهيم القزويني ورمز له (قص) .

2- معدن الشرف للسيد حسين البراقي ورمز له (مع) .

3- روضات الجنات للسيد محمد باقر الخوانساري الأصفهاني ورمز له (رو) .

4- نقد العلماء للشيخ عبد الرحيم البادكوبي ورمز له (نق) .

____________

(1) الفردوس الأعلى / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء : المقدمة ص و .

19

5- وقد اعتمد الشيخ على الرواة الثقات وهي إمّا عن طريق آبائه وأجداده، أو الصالحين الملازمين لخدمة علماء الدين وقد يسند الرواية الى الشهرة، أمّا إذا أسندها الى القيل أو القال فهو علامة عدم التثبت والاطمئنان بالصحة.

وختاماً نبتهل إلى الله تعالى أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن يهدينا صراطه المستقيم إنّه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين.

20

الجعفرية

بسم الله الرحمن الرحيم

انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ

سورة الإسراء / 21

إنيّ نَظَرْتُ فَمَا وجَدْتُ هَدِيةً # تُهْدَى إليكَ سوَى الدُّعَاءِ الصَّالحِ

فَرفَعتُهُ لكَ بَعْدَ كلّ فَريِضَةٍ # وَقَرَنتُهُ لكَ بالثَّنَاءِ الرَّاجِحِ‏

21

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي يصطفي مِنْ عباده مَنْ يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، والصلاة والسلام على نبيه وخاتم رسله سيد الأنبياء محمد المختار وآله البررة الخيرة.

وبعد: فيقول الحقير الفقير إلى رحمة ربه وشفاعة نبيه البشير النذير العبد محمد المدعو بالحسين كان الله له في الدارين، وحباه بما تقر به العين. ابن علي خلف محمد المدعو بالرضا بقية موسى بن جعفر كاشف الغطاء، أمد الله للأحياء بحياتهم, وصعد إليه بأرواح أمواتهم.

إنّه لا يخفى على من تمسك بعرى الإنصاف، وجانب أسباب الظلم والإعتساف، حتى صار الصدق لهجة لسانه، والحق بهجة جنانه، فلم تجد أريكة النفاق في روضة قلبه مقيلا، ولم تَرَ حسيكة الحقد والشقاق إلى مهجته سبيلا، فهو ينظر ببصائر ليس عليها من ظُلم الظُلُم ما يوجب الغباوة، وبواصر ما ورَّثتها غمائم الغمم شيئاً من العمى والغشاوة، حتى صار يهتدي بسنا الحق حيثما سار ويرجع إلى هادي الصدق كلما حار (1) .

فضيلة نشر مناقب العلماء

إنّ الإعتراف بما للأشراف من أكمل الأوصاف، وأداء حقوق العلماء من أوجب الأشياء، والثناء على ذوي الفضل بما هم فيه لا يكون إلاّ من ذويه، والإطراء في محاسن الشرفاء ومناقبهم لا يوجد إلا عند أولي الوفا من أصحابهم، حيث أن الشريف للشريف نسيب، فالواجب عليه أن لا

____________

(1) وردت في المخطوطة ( كلما احتار) . ولم يرد هذا في معجمات اللغة وإنما ورد حار يحار أي تحيَّر في أمره. فالصواب (كلما حار) وهي أخف من احتار مع مجانستها في الوزن للفظة (سار) السابقة لها.

22

يضيع أنسابه، والكريم من الكريم قريب فاللازم على كل منهما رعي الذمم لتلك القرابة، إلاَّ أن الناس قد صرمت حبال تلك النسبة، وخَفَرتْ‏ (1) عهود تلك القربة، فنبذوها وراءهم ظهرّيا، وإنتبذها فريق منهم مكانا قصيا، فكان يتقيض فيما مضى من القرون وغبر من ينشر على جبهات الأوراق من محاسن أبناء عصره ما ينتظم به سلك دُرَر (2) ، ويجلو من أخبارهم على جيد الزمان ما يُزري بقلائد العقيان‏ (3) ، على أنّه كم لا يأمنا من محاسن لأولي الكمال باهرة، وأنفاس لهم عاطرة، و مزايا تهزأ بالدراري والدرر، وتصلح أن تكون في دهم الليالي أوضاح وغرر ليس لها بالنقل والصون كفيل، ولا في موسم الفضل مثيل، فهي يتيمة دهرها (4) ، على أنّها حين تتلى على الأسماع تسكر ألباب أولي النهى فتغتدي سلافة عصرها (5) ، يفوز تاليها بخلاصة عين الفضل لا خلاصة الأثر (6) ، ويحظى‏

____________

(1) وردت في المخطوطة (وخَضَرَتْ) والصواب (وخَفَرَتْ) أي نَقَضَتْ

(2) (ما ينتظم به سلك دُرَر) فيه تورية بكتاب (سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) للسيد المُرادي المتوفى سنة (1206 هـ-) .

(3) (مايُزري بقلائد العُقيان) فيه تورية بكتاب (قلائد العقيان) في تراجم الأدباء للفتح بن خاقان القيسي الأندلسي.

(4) (فهي يتيمة دهرها) فيه تورية بكتاب (يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر) لأبي منصور عبدالملك بن محمد الثعالبي المتوفى سنة (429 هـ-) .

(5) (فتغتدي سُلافة عصرها) فيه تورية بكتاب (سُلافة العصْر) للعلامة الأديب السيد علي صدرالدين ابن السيد أحمد نظام الدين بن محمد معصوم الحسيني المدني المعروف بالسيد علي خان المتوفى سنة (1052 هـ-) صاحب شرح الصمدية وشرح الصحيفة السجادية والدرجات الرفيعة وأنوار الربيع في أنواع البديع وغيرها.

(6) (يفوز تاليها بخلاصة عين الفضل لا خلاصة الأثر) فيه تورية بين قوله (عين) و (الأثر) تلميحا إلى قولهم (أصبح أثراً بعد عَيْن) ، وفي (خلاصة الأثر) تورية بكتاب (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) للشيخ محمد أمين ابن فضل الله الدمشقي الحنفي المعروف بالمُحِبي المتوفى سنة (1111 هـ-) .

23

مشتملها بغرر الكمالات لا غرر الدرر، وحيث أنّ الله عز وجل منَّ عليَّ بمنة كثَّر بها شرفي وفخري، فقلَّ عندها حمدي وشكري.

ولو أنَّ لي في كل جارحةٍ فـ--ماً # وكلُّ به للحَمْدِ والشُّكرِ أَلسُنُ

وَرُمْتُ بأنْ أُحصي بها شُكْرَ فَضْلِهِ # عليَّ لعَادتْ وهِيَ بالعَجْزِ تُعلنُ‏

كيف لا وقد جعلني وأنا أقلّ وأذلّ من كعب النعل.

مٍنْ مَعْشرهُمْ لِلعُلى قَلائِ---دُ # والنّاسُ فيها النّعْلُ والخلاخلُ إذا بَدوا كانوا شُمُوساً في الضُّحَى

لكنّهم إن نُسِبُوا أصائلُ

وتداركني وكنتُ كالشي‏ء اللَّقى

فَصُرْتُ امرأً نمى إلى أَفضْلِ الوَرَى # عَديداً وأَوْفاهُمْ عُلاً ومَكَارِمَا

بَها ليلَ من سودِ الحتوفِ على العِدى # لقاءً ومن بيضِ السيوفِ عُرائما (1)

ترىَ للهُدى منهم نُجوماً وللعِدى # رجوماً وفي يومِ العَطاءِ خَضَارِما (2)

(بِكشْفِ الغِطَا) للدين شادوا (قواعداً) # وأَحيوا له بعد (الدروس) (مَعالما) (3)

____________

(1) عُرام الجيش كَثْرتُه.

(2) الخضارم: هم الرجال الكرماء.

(3) الأبيات للمؤلف (قدس سره) وقوله (بكشف الغطا) فيه أشارة إلى كتاب (كشف الغطاء عن خفيات مبهمات الشريعة الغراء) لفقيه عصره ومرجع الطائفة الإمامية في زمانه الإمام الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر بن يحيى بن سيف الدين المالكي الجناجي النجفي المتوفى سنة (1228 هـ-) وبأسم هذا الكتاب لقب أبناء الشيخ جعفر بآل كاشف الغطاء.

وقوله (للدين شادوا قواعد) فيه تورية بكتاب (القواعد) للفقيه أبي منصور الحسن بن يوسف بن علي ابن المطهر الأسدي المعروف بالعلامة الحلي المتوفى سنة (726 هـ-) .

وقوله (وأحيوا له بعد الدروس معالما) هنا توريتان التورية الأولى بكتاب (الدروس الشرعية في فقه الإمامية) للشيخ محمد بن مكي العاملي الجُزيني الشهير بالشهيد الأول المتوفى سنة (786 هـ-) ، والتورية الثانية بكتاب (المعالم) للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني المتوفى سنة (1011 هـ-) .

24

فكم لهم من مزايا ومناقب تلوح في سماء المجد كواكب، وكم أبقوا من الآثار والسير ما هو في جبهة الدهر أوضاح وغرر، بهم استقام عمود الدين، ورغم أنف المنافقين.

والحاصل أنَّ إحصاء مجدهم، وحصر شرفهم وسؤددهم مما يضيق عنه نطاق البيان، ويكل عنه لساني بل لسان كل إنسان، وحيث أنّ شكر المنعم على الحرِّ ضربة لازم‏ (1) ، ونهوض العبد بما يستحقه مولاه من أسنى المغانم وجب عليّ أن أذكر ما منحني الله تعالى من شرف الآباء والأجداد، وما منحهم من النجدة والسّداد، حامداً شاكراً له، مُذْعنا إنّي لذلك لم أكن أهله، بل هو محض تفضل منه وإحسان، وتكرّم وامتنان، فلذلك بادرت إلى حفظ ما أنعم به عليهم وعليَّ، لكيلا تذهب وسيلة الحمد من لدّي، فأكون ممن ضيّع كرم مولاه وإسداءه، وقابل إحسانه بالإساءة، فجمعت في هذه الرسالة بعض أخبارهم التي تتناقلها الرّواة، فتعبق بشذاها الأندية، وتقطع مع الركب شاسع الفلوات، حتى تبتهج بسناها الأباطح والأودية.

مِنْ كُلِّ مَكْرُمةٍ سَارتْ بذكْرهُمُ في حلٍّ ومُرتحلِ # (سَيْر الجنوبِ بريحِ العَارضِ‏الهَطلِ)

وكلّ فَضِيلةٍ عمّ نورُها السهلَ والجبلِ # (كالشَّمْسِ عَمَّ سَنَاها سائرَ الدوّلِ)

وكلُّ منقبةٍ تهزأ بالنجم إذا اشتعل فهي # (بلا مثيلٍ سرتْ في الأرضِ كالمثلِ)

إهداء الكتاب

فجاء بحمد الله خالصاً من العيب صافيا من شوائب الرّيب، وحيث أنّه يتضمن الشرف المخلد والمجد المؤبد جعلته هدية مني وخدمة لصاحب العز والحشمة، المُجلّي بسنا مُحيّاه عناكيد الظَّلمة والظُلمة، الحسن قولا

____________

(1) قوله (ضربة لازم) : أي ثابتة، وقولهم: صار الشي‏ء ضربة لازم كقولهم ضربة لازب.

25

وفعلا، والمحسن عطاءً وبذلاً بحر الندى، علم الهدى، حتف العدى، السّراج الذي لا يخبو، والجواد الذي يقدح زناد عزمه ولا يكبو، والصارم الذي يفري غرار حدّه ولا ينبو، عليَّ الهمم، ولي النعّم، الشاملة للعرب والعجم.

وَلقَدْ قَرنْتُ عُلاهُ في أعْلى الوَرى # قدراً فَما صَحّ القياسُ وما اقْتَرنْ

أتُرى يَصحُّ ولم تكُنْ منْ نسْبةٍ # يَنجابُ عن (كُبرَى) القِياسِ بها الوَهنْ

قومٌ بِما نَالوهُ خالوا أَنَّهُمْ # وَصَلُوا وما وصلوا إليه ولَنْ وَلنْ‏

ومن ثم كان للناس إماما، وللدين دُعاماً، وللشريعة شعاراً، وللحق مناراً، ولليل المشكلات مصباحاً، ولمقفلاتها مفتاحاً، وللفخر محلاً، وللمجد أهلاً، وللفضل مقاماً، وللعلم غارباً (1) وسناما، وَلِمَ لا يكون كذلك وهو على أنّه حاز من المفاخر ما حاز، وجاز من ذرى المعالي ما جاز، وسعى فأدرك ما أمَّل بسعيه وجِدّه، لابأبيه وجَدّه، ابن من عرفت من الأساطين، وصفوة مَنْ طبقت أخبارهم فضلهم الأفاق إلى حدود الصين، مولانا الأجل، ومن له العقد والحل، موسى فرعون الجهل، وعيسى مؤتى الفضل، صاحب الفخر نائب الصدر عماد الملّة المؤتمن مولانا وملاذنا محمد الحسن‏ (2) أدام الله أيام معاليه، وأبقى على العافين سكب أياديه، نجل الرضي المرتضى، العلامة محمد الرضا، بقية الإمام الأكبر حجة الله في عصره موسى بن جعفر الحلي النجفي، حَلاّهم الله بلطفه الخفي، أنّه أمدّ الله ظلّه ممن تغرّب عن الأوطان في طلب مزيد العلى فنالها بعد ما أجهد نفسه في طلب العلوم حتى كاد أن يبعث الفنا لها، ورأى أن العود في أرضه حطب، وأن الرّماح الخطيَّة (3) في بلادها

____________

(1) الغارب: الكاهِلُ أو ما بين السَّنام والعنُق.

(2) محمد حسن كاشف الغطاء هو عمّ المؤلف ولد عام (1278 هـ- ) وتوفي (1336 هـ- ) درس في النجف الأشرف وسافر الى إيران واستقر في أصفهان وأصبح من كبار الرجال ولقب بشيخ العراقيين.

(3) قال الجوهري: الخَط موضع باليمامة، وهو خَطُ هَجَرَ تُنْسب إليه الرّماح الخَطيَّة، لأنّها تحمل من بلاد الهند فتُقوَّم به. ينظر: الصحاح - الجوهري: 3/ 1123 .

26

قصب ، وأن المرء لا يبين قدره إلاَّ إذا طال سيره كما قيل:

سَافِرْ إذا حَاوَلتَ قَدراً # سَارَ الهِلالُ فصَارَ بدراً

ولغيره :

لَولا التّنقلُ مَاارتَقَتْ # دُررُ البُحُور إلى النّحورِ

على أنّ قدره أجلّ من أن يضيع ولا يضاع، ولكن طيبه بعد الاحتراق أكثر شيوعاً، فألقى عصا التسيار في أم بلاد إيران، دار العلم والشرف أصفهان، فكانت له خير موطن، وكان بها خير مستوطن، فما زال فيها قبل عشرين سنة إلى هذه الأيام وشرفه وعزّه يتصاعد ويتزايد على الدوام، حتى بلغه الله من العلياء كلما كان تمنى ورام، فأتخذها داراً، وألبسها من يمنه شعاراً، وكنت أسمع به ولا أراه، ولكن البدر لا يخفى سناه، ولم أزل أتمنى التشرف بلقياه، والحظوة بطلعة محيّاه، والأيام لا تساعدني بل تباعدني، واطاردها عما أروم وتطاردني، فلما أيست من ذلك قلت في نفسي إنّ الميسور، لا يسقط بالمعسور، و المراسلة نصف المواصلة، فجعلت أكاتبه فكانت أجوبته خير عائد وصلة، وقد عرفتني أنّه واحد زمانه، وملأ السمع والبصر في حالتي سماعه وعيانه، و كان بعض أهل الدار يبعثون له بعض الهدايا والتحف من أرض النجف، وأحببت أن أعقد له مني العبوديّة، ومنه في حقي المحبة عسى أن يوليني ألتفاته وقربه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (تهادوا تحابوا) (1) .

وحيث أنّه أبقاه الله غني عن الدنيا وما فيها من المتاع الفاني مستغنٍ بما خولّه الله عن كل قاصي وداني أردت أن أهدي له ما يخلد مع الزمان ويتجدد طيبه في كل آن.

وإنِ امْرؤٌ بقِيتْ جَمِيلُ صِفَاتِهِ # مِنْ بَعْدهِ فَكأنّهُ مَا مَاتَا

____________

(1) من لا يحضره الفقيه / الصدوق: 3 / 190، الكافي / الكليني: 1 / 369.

27

وسمعت أنّه (دام ظله) كثيراً ما يتطلب أخبار آبائه وأجداده. ويرغب في جمع ما كان لهم من طريف المجد وتلاده، فشرعت في جمع هذه الرّسالة جاريا على ما كنت أظنّه موافق مناه وآماله. فبينما أنا مشغول بها إذ ورد من جانبه إلى حضرة الوالد (1) الماجد (أدام عزّه) مكتوب فيه ما حاصله: أنّي أرجوك أن تأمر أحد وليدك أن يجمع لي ما يتعلق بالشيخ الكبير من أخباره وأخبار أولاده وأصهاره وجميع ما يتعلق بهم. وقلت سبحان الله والحمد لله على الأيمان، فإنّ المؤمن من ينظر بنور الله حدساً فيوافق العيان‏ (2) ، وعلمت أن قوله عليه السلام (الأرواحُ جُنْدٌ مُجَندَةٌ تتعارف في ظهر الغيب) (3) حق بلا ريب.

منهجية الكتاب

وحيث أنّي رتبته على الطبقات وذلك أنّي أذكر كل طبقة طبقة مبتدِئاً بأكبرها على حسب أسنانهم ورئاستهم ورجوع الأمر إليهم سميته بـ- (العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية) ليوافق اسمه مسماه، و لفظه معناه، وإن كان الأحرى أن أُسميه هدية الأقل إلى العمّ الأجل، وقد عرفت بعض ترجمته أيّده الله هنا، وسيرد عليك الباقي إنْ شاء الله في محلّه والله الهادي إلى الرّشاد، والموفق للسداد وعليه التكلان وبه المستعان.

فأقول ومن الله أستمد التوفيق إنّه خير رفيق، إنّ هذه الرسالة مرتبة على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة.

____________

(1) هو الشيخ علي كاشف الغطاء صاحب كتاب (الحصون المنيعة في طبقات الشيعة) ولد سنة ( 1268 هـ-) وتوفي سنة (1350 هـ- ) وولداه هما: الشيخ أحمد والشيخ محمد حسين (المؤلف) .

(2) قوله (فإنّ المؤمن من ينظرُ بنور الله حدساً فيوافق العيان) فيه أشارة إلى الحديث الشريف (أتَّقُوا فَراسةَ المؤمن فإنّه ينظر بنورِ الله) .

(3) الجملة مأخوذة من الحديث الشريف: (الأرواح جنودٌ مُجنَّدةٌ فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) . صحيح مسلم / مسلم بن الحجاج القيشري: 4/ 2031.

28

المقدمة فضل العرب وشرفهم

أمّا المقدمة فاعلم أنّ شرف العرب بين سائر البرية من البديهيات الأولية، لا شك فيه ولا شبه تعتريه وسبب سيادتهم وشرفهم، زيادة على كون الثقلين‏ (1) العظيمين منهم أمور: كما استدل به النعمان لكسرى في الخبر المشهور (2) وهي الفصاحة والبلاغة أولاً، وحفظ أحسابهم وأنسابهم ثانيا، والمحافظة على الوفاء ثالثاً، وإثبات كل واحد من هذه الأشياء على وجه التفصيل يطول به المقام، ويستلزم الخروج عن المرام. والمتتبع للتواريخ والسير المطلع منها على ما مضى وغبر يحصل له شاهد صدق على ما ادعيناه، وضمين حق بما ذكرناه.

أمّا البلاغة والوفاء فكفى بك شاهد الوجدان، وإنْ أبيت فعلى الأوّل الفرقان‏ (3) ، وعلى الثاني قصة شريك وزير المنذر الذي جعل له يومين، حيث كفل الأعرابي وعرّض نفسه للحَيْن‏ (4) ، فما وجبت الشمس إلاَّ وبالأعرابي قد طلع من التلاع والثنايا، وشريك معلّق بأظفار المنايا، فتعجّب المنذر من إقدام الرّجلين، ورفع عن الناس ذينك اليومين المشؤمين،

____________

(1) المراد (بالثقلين) : الكتاب العزيز والعترة الطاهرة، كما جاء في الحديث الشريف (إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعِتْرتي أهل بيتي، إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) .

صحيح الترمذي: 13/ 200 مناقب أهل البيت، مسند أحمد بن حنبل: 3/ 14، جامع الصغير / السيوطي: 1/ 104، المستدرك / الحاكم النيسابوري: 3/ 109.

(2) أنظر : مفصل تاريخ العرب قبل الإسلام / الدكتور جواد علي: 3/ 279، العقد الفريد / ابن عبد ربه الأندلسي : 1/ 253.

(3) الفرقان: القرآن الكريم.

(4) الحَيْنُ: الهلاك والمحنة.

29

وسأَلَهُما عن ذلك. فقال شريك خفت أن يقال ذهب الكرم من الوزراء. وقال الأعرابي: خفت أن يقال ذهب من العرب الوفاء (1) وإن كنت للزيادة طالب فانظر الى قصة قوس حاجب فسترى ثمة عجائب.

وأمّا الثالثة: فقد كانت المحافظة على الأجداد والآباء من أوجب الأشياء، بل عندهم حفظ الأنساب والأعراض سواء، إلاّ أنّ الظاهر منهم أنّ حفظ الأنساب للمحافظة على الأحساب، و طلب الأصول لمن قعد بفرعه الخمول، طلبا لشرف السابق كي يفتخر به اللاحق، ودفعاً لعُهْر الأمهات المستلزم لخبائث أحوال الصفات وتنزهاً عن مَظنّة تعدَّد الآباء والفجور، الداعي لسقوط النسل إلى حضيض أقبح الأمور، وإلاَّ فمن قام به شرف الأحساب قعد عن التعكز بشرف الأنساب، ومن ساعدته الجدود، استغنى عن الآباء والجدود، لأنّ طيب الحسب أدلّ دليل على طيب النسب، وَعِلق‏ (2) النفوس إذا كان ما بين نفيس وأنفس دلّ على نفاسة المغرس، وطهارة الذات، وحسن السيرة، شاهدا عدل على طهارة الآباء وكرم العشيرة، إلاّ أنّ اجتماع هذه الأمور، نور على نور، والفوز بطيب النجار (3) مع حسن الآثار أجمع لأطراف الفخار.

وحيث أنّ الله ضمّ لنا مع طيب الأخلاق طيب الأعراق، ومع زكاوة النفس نقاوة الغرس، ومع حسن السيرة كرم العشيرة، ومع شواهد الآثار طهارة النجار، أحببت أن أصدّر هذه الرسالة بهذه المقدّمة ذاكراً انتهاء نسبنا، ومن ننتسب إليه من مرضّي أصحابنا، لا مفتخراً بذكر

____________

(1) أنظر: قصص العرب / تأليف جماعة من العلماء: 1/ 165، مجمع الأمثال / للميداني: 1/ 146، الأغاني / لأبي فرج الأصفهاني: 22/ 89، 90، معجم البلدان / لياقوت الحموي: 6/ 285، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب / للآلوسي: 1/ 127.

(2) العِلقْ: النفيس من كل شي‏ء، وجمعه أعلاق، وسمي بذلك لأنّ القلب يتعلّق به.

(3) النَجَار: الأَصْلُ.

30

قبيلته وذكره، وإن كانوا:

بَهاليلٌ في الإسلام سَادوا ولَمْ يَكُن # كأوّلِهَم في الجاهليّةِ أوّلُ‏ (1)

ولا متبجحاً بانتساب آبائي إلى فلان وفلان ، وما شيّدوا وأبانوا، على أنّه:

نسب كأنّ عليه منْ شَمْسِ الضّحى # نوراً ومنْ فلقِ الصّباحِ عموداً

لعلمي أنّ كلّ واحد من آبائي وأجدادي ينشد وهو في قبره،

ما بِقومِي شَرُفْتُ بَلْ شَرَفوا بِي # وبِجدّي فَخَرتُ لا بِجدُودِي‏ (2)

كيف لا وأنت تعلم،

إنّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا # بيتاً دعائمهُ أعزُّ وأطولُ‏ (3)

بيتاً به (موسى بن جعفر) مُحْتبَى # وأبو الفوارس (جعفرٌ) لا (نهشلُ)

بل لأنَّ حفظ شجرة الجرثومة (4) عادة للعرب قديمة، ولأنّ بعض الكفرة السّحرة المقتولين على أيدينا بسيف الشريعة المطهّرة قذفوا كل عالم في زمانهم من علماء الحق بنقيصة هي بهم أظهر وفيهم أليق، كاللواط بالنسبة إلى قوم،

____________

(1) البيت للشاعر مروان بن أبي حفصة من قصيدة يمدح فيها القائد العربي معن بن زائدة. أنظر: طبقات الشعراء / ابن المعتز: 42، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده/ ابن رشيق القيرواني: 2/ 142، شعر مروان بن أبي حفصة / جمع تحقيق د. حسين عطوان: 88.

(2) هذا البيت مأخوذ من قول المتنبي:

لابِقَوْمي شَرفْتُ بل شَرفُوا بي # وبنَفسي فخرْتُ لابجُدُودي

أنظر: شرح ديوان المتنبي / عبد الرحمن البرقوقي: 2/ 55.

(3) البيت الأول للفرزدق أما البيت الثاني فهو أشارة الى قوله في نفس القصيدة:

بَيْتاً زُرارةُ مُحتْب بفَنائِه # وَمجُاشع وأبو الفوارسِ نَهْشلُ

أنظر: شرح ديوان الفرزدق / إيليا الحاوي: 2/ 318.

(4) الجرثومة: الأصْلُ.

31

والزندقة إلى آخرين من حجج الله على خلقه، وحيث لم يجدوا فيمن عاصروه من طائفتنا إلاَّ المتحلّي بكل فضيلة، المنزّه عن كل رذيلة، ألجأتهم الحيلة إلى الخدش في نسبه ورميه بما هم أولى به، حتى أراد الله أن يرح الخلق منه على أيدي حجته، وأحس الملعون‏ (1) بأقبال منيته الحائلة بينه وبين أمنيته من إضلال الناس وغوايتهم، وإخفاض راية حزب الرحّمن ورفع لواء حزب الشيطان ورايتهم، فأخذ يستعمل شعبذته وسحره أخذاً لدفع المنية بهذه الخرافات حذراً. فأبى الله إلاّ أن يريه حقيقة قول الشاعر:

إذا جاء (موسى) وألقى العصا # فقد بَطَلَ السّحرُ والساحرُ

لا بل الكفر والكافر، فوقع القول على الذين ظلموا، وخسر هنالك المبطلون، وقطع دابر القوم الذين كفروا، والحمد لله رب العالمين، ولكن حيث كان داء الحسد كداء الجرب في السريان، إلاَّ أنّ الأول مختص بوقوعه من الأنذال على الأعيان طلبا لتلك المنزلة وهي بعيدة المرمى، وسموا بأنفس تهوى في حضيض الخمول مراتب من السماك‏ (2) أسمى، أنتدب فريق من أهل الحقد والضغائن التي كانت في قبور قلوبهم دفائن، فتحاملوا على تلك السبيكة المصفّاة، وحاولوا أن تصدأ بخبيث زويراتهم‏ (3) مرآة نورها وهيهات.

فَغَرَ العَدوُّ يريدُ ذمَّ فضَائِلي # هَيْهاتَ أَلجمْ فَاك بالجلمودِ

هذا مع سفور الحق وتبلجه‏ (4) ، وظهور الواقع وانكشاف مدرجه‏ (5) فما هو إلاَّ:

____________

(1) هو الميرزا محمد الأخباري.

(2) السماك: ما سمك به الشي‏ء، والسماكان: نجمان نيّران يُضرب بهما المثلُ على الرفعة والسمو. وهما السماك الرامح في الشمال، والسماك الأعزل في الجنوب.

(3) زويراتهم: جمع تصغير للزُّور: وهو الباطل.

(4) بَلجَ الصبح: أنبلج وتبلّج أضاء وأشرق، وكل متضح أبلج.

(5) مدرجه: خِدَعه.

32

كَضَرائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لوجهِها # حَسَداً وبَغْياً إنّهُ لدِمِيمُ‏

ما أمكنتهم فرصى إلاّ انتهزوها، ولا وثبة إلاّ اختلسوها، ناكبين عن منهج الحق، مائلين عن مدرج الصدّق آخذين بقول من لم تكشف ذيلها عنه حرّة ولا حّر (1) . والجامع بينهم وبين الحسد والنفاق إن لم أقل العناد والكفر، كل ذلك طلبا لغسل عارهم بقذف خيارهم، ودفعا لمقابحهم ووصماتهم برمي الغير بعاهاتهم إذ لم يجدوا ما يغطي خمولهم سوى انتقاص الأشراف، ولا ما يستر معايبهم سوى إعابة محاسن الأوصاف، ولا يُغْلي الزمان أشباههم ونظراءهم إلاّ أن يبخسوا الناس أشياءهم، ولعل الذي قتل أسلاف هذه الفرقة بسيف الشريعة الغراء، أن يلحق بهم أجلاف الشيطان خلفهم تارة أخرى، وأن كفاهم قاتلا. وإنَّ تضييع عَرف‏ (2) فخرنا لا يزيده إلاّ نشراً، وإضاعة وتكسيد تجارة مجدنا لا تكسبها إلاّ ربحا وبضاعة:

وإذا أرادَ الله نَشْرَ فَضيلَةِ # طُويتْ أتاحَ لَها لِسانَ حَسودِ (3)

كالعُودِ تُحرقُه لتُخفِيَ طِيْبَه # فيزيدُ بالإحراقِ طيبُ العُودِ

فكم سعوا في هدم ما بناه العزّ، ويأبى الله إلاَّ أن تشاد منه القلاع والحصون، وأرادوا أن يطفِئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون‏ (4) . على أنه لا لوم على من نجم به جدّه، وأطلعه‏

____________

(1) (من لم تكشف ذيلها عنه حرّة ولا حّر) المعنى لم يَلِداه.

(2) العَرف: الطيب العطر.

(3) البيتان لأبي تمام وقد وردت في ديوانه على هذا النحو:

وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ # طُويَتْ أتاحَ لها لسَانَ حسودِ لوْلا اشْتعَالُ النّارِ فيما جَاوَرَتْ

ماكانَ يُعْرَفُ طيبُ عَرْفِ العُودِ

أنظر: شرح ديوان أبي تمام / الصولي: 1/ 395.

(4) أخذ من قوله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ سورة التوبة : 32.

33

في فلك العلياء سعده، وسارت مع النيران مآثره، واشتهرت كالشمس في رابعة النهار نوادره وسرائره.

لا لومَ لي كمْ رُمْتَ كَتْمَ فضائلي # فكأَنَّما بَرْقَعْتَ وجْهَ نَهَارِ

نسب عشيرة آل كاشف الغطاء

ولنشرع في المقصود فإنّ هذه الفقرات والسطور، كلها نفثة مصدور، خارجة عن الغرض الأصلي، وإنمّا الغرض أنّني سمعت مراراً ممن شاهدته من مشايخنا عن مشايخهم من الطبقة الثانية كمحمد (1) والمهدي‏ (2) عن مشايخهم من الطبقة الأولى كعلي والحسن ابني جعفر كاشف الغطاء، وسمعته كثيراً من شيبة الحلة والعذار (3) الثقات الأبرار، وسمعته أيضا من مشايخ آل قاطع الساكنين في جناجية (4) الجديدة وهذا أمر بديهي لشيوعه وتواتره بين الناس من أهل ذلك الطرف، وهو أنّ الشيخ خضر من العشيرة

____________

(1) الشيخ محمد ابن الشيخ علي ابن الشيخ الكبير الشيخ جعفر، كان من أساطين العلم والمبرزين من أهل الفضل، توفي سنة (1268 هـ-) .

(2) الشيخ مهدي ابن الشيخ علي ابن الشيخ الكبير، كان من عظماء الأسرة والمراجع الكبار، ولد سنة (1226 هـ-) وتوفي سنة (1289 هـ-) .

(3) (العذار) اسم منطقة يطلق على السواد والرساتيق وجميع القرى الواقعة على ضفتي نهر الحلة في الجهة الجنوبية والشمالية من الحلة، وتمتد من أعالي أطلال بابل إلى أسفل قضاء الهاشمية، وقد ورد ذكر العذار في رحلة ابن بطوطة في أواخر النصف الأول من القرن الثامن الهجري حين عبر الفرات بعد زيارة النجف الأشرف قاصداً واسط.

أنظر : تاريخ الحلة / الشيخ يوسف كركوش: 2/ 153.

(4) (جناجية) كانت تعرف (قناقيا) وهي من قرى الحلة الجنوبية، ورد أسمها في بعض الصكوك القديمة، وورد ذكرها في حكومة المشعشعين. أنظر: تاريخ الحلة / الشيخ يوسف كركوش: 1/ 10.

34

المعروفة بآل علي، وهي طائفة كبيرة بعضهم الآن في نواحي الشامية (1) ، وبعضهم في نواحي الحلة من الموالك، وهم طوائف من سكان البوادي يرجعون إلى مالك الأشتر (2) رضوان الله عليه بالنسب وهو شعارهم عند العرب، وكان مبدؤهم من الحلة والعذار لأنَّ مالكاً وإبراهيم‏ (3) من نخع الكوفة، وهما من مشاهير فرسانها وأعاظم سكانّها، وكانت جبانات النخع بالكوفة أعظم الجبانات واسعة كبيرة تتصل بسواد العراق المنتهي إلى بابل فبهذا التقريب تكون محال النخع حوالي الحلة، وهي المنازل المعروفة اليوم بالعذار التي منها جناجية.

والحاصل أنّ سلسلة مالك وإبراهيم مازالوا في الكوفة ونواحيها حتى اليوم فإنّ إبراهيم لما قتل تحت راية مصعب بن الزبير جلس بمكانه ولده خولان وتقلد أمر النخع ومن ينضم إليها ثم تقلّدها بعده حمدان ولد خولان، ثم تغيرت الأمور وصارت الكوفة تضمحل شيئا فشيئا وتفنى يوماً فيوما، وجعلت قبائلها تنتقل من منزل إلى منزل، وتحلّ بمكان دون‏

____________

(1) قضاء الشامية يقع على تل الزهيرية، وهو يلم بحدود الكوفة ويسمى (أبو صخير) . تاريخ الديوانية / وادي العطية: 153.

(2) هو مالك بن الحارث النخعي المجاهد في سبيل الله والسيف المسلول على أعداء الله الذي مدحه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، كان حارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها، شديد التحقق بولاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، أستشهد سنة (38 هـ-) ، أنظر : الكنى والألقاب / الشيخ عباس القمي: 2/ 24.

(3) أبو النعمان إبراهيم بن مالك الأشتر، كان كأبيه سيد النخع وفارسها شجاعاً شهماً مقداماً رئيساً، مواليا لأهل البيت (عليهم السلام) نهض مع المختار عبيد الله الثقفي لأخذ الثأر، كان مجُدِاً في قمع أصول الأمويين وإجتياحهم، مالَ إلى مصعب بن الزبير، وبالغ في قتال أهل الشام حتى قتل بدير جاثليق من مسكن سنة (72هـ-) .

أنظر : الكنى والألقاب / الشيخ عباس القمي: 2/ 26.

35

مكان، فلحق قوم باليمن وآخرون بالحجاز وبقي في أطراف الكوفة شرذمة يسيرة ومن جملتها رجال من النخع من أولاد مالك منهم أبو النجم الذي هو ابن حمدان بن خولان بن إبراهيم ومنه تشعبت قبائل الموالك وتسموا بهذا الأسم لإضمحلال النخع وتفرقهم وفي الأثناء جاء المزيدي‏ (1) فعمّر الحلة وجهد في تحصينها وتحسينها حتى صارت من الأمصار العظيمة ولم يمضِ عليها إلاَّ يسير زمان حتى عادت معدن العلم والعلماء لا يصدرون إلاّ عنها، ولا يَردُ غيرهم إلاّ منها، فكان ممن انتقل إليها الشيخ ورّام‏ (2) الزّاهد العابد المعروف وهو من آل مالك أيضا، فإنّه ابن أبي فرّاس بن عيسى ابن أبي النجم المتقدم، ولم يزل الشيخ خضر معروفا عند أعراب الحلة ونواحيها بأنّه من آل مالك حتى ظهر ولده كاشف الغطاء وأشتهر أمره وذاع، وملأ البقاع والأصقاع، فاشتهر بسعيه وجدّه، وأنسى ذكر أبيه وجَدِّهِ واستغنى بشرفه ومَجْده بعد ما كان ذاك مشهوراً عندهم متواتراً لديهم، وكانت الشعراء تذكر ذلك في مدائحه ومدائح بنيه، فمن ذلك ما قاله الشيخ صالح التميمي‏ (3) من أهل الحلة

____________

(1) هو أبو الحسن علي بن مزيد ملك إمارة الحلة في القرن الرابع الهجري، وهو أول من حاز لقب الإمارة من الأسرة الميزيدية، توفي سنة (408 هـ-) ، وخلف على الإمارة ولده دبيس، والمزيديون هم أمراء الحلة ومؤسسوها، نبغ فيهم جماعة في قيادة الجيوش وسياسة الملك، وفي الآداب والعلوم وبقي اسم هذه الأسرة لامعاً حتى أواخر القرن التاسع الهجري.

أنظر : تاريخ الحلة /الشيخ يوسف كركوش الحلي: القسم الأول / 15، والقسم الثاني / 9.

(2) الأمير ورّام من كبار الزهاد توفي سنة (605 هـ- ) وله مزار معروف.

(3) هو الشيخ صالح بن درويش ابن الشيخ زيني التميمي، ولد سنة (1190 هـ-) في الكاظمية، توفي سنة (1261هـ-) .

أنظر : شعراء الحلة / علي الخاقاني: 3 / 142.

36

يهني‏ء الشيخ محمد بن الشيخ الأكبر بزواجه بامرأة من شيوخ آل مالك ورؤسائهم الذين كانوا في الدغارة (1) ، وستأتي القصيدة في محلّها ومحلّ الشاهد منها قوله:

رأى درّةً بيضاءَ في آل (مَالِك) # تُضِي‏ءُ لِغوّاصِ البحَارِ ركوبِ‏

ثم قال بعد أبيات كثيرة

رَأى أنَّ-ه أوْلـ-ى بِهَ-ـا لِقرابَةٍ # تَضُمّهُمَا أصْلاً لخيْرِ نَجِيبِ‏

وقال السيد النحرير، والعالم البصير السيد صادق الفحام‏ (2) ، الذي كان من العلماء الأعلام والشعراء العظام وهو من أساتيذ شيخنا الأكبر في روضات الجنات‏ (3) وله مدائح كثيرة ومراثٍ عديدة في هذه الطائفة فمن ذلك قصيدته التي يرثي بها الشيخ حسين ابن الشيخ خضر (4) وكان أكبر من أخيه الشيخ جعفر وتوفي في زمانه كما سيأتي قريبا إنْ شاء الله مع القصيدة بتمامها، ومحلّ الشاهد منها قوله يخاطب الشيخ حسيناً ويندبه: -

يا مُنتْمـ-ي فَخْ-راً إلى (مالـ-ك) # ما مـ-َالكي إلاّكَ في المَعْنَيَينْ‏

وأظنّكَ بعد هذا لا تحتاج إلى شاهد، لما تعلم من عظمة هذا السيد الماجد فكلامه يكفيك في هذا المقام.

والحاصل أنّ تحقيق ذلك يطول، وله بينات وبراهين مسلّمة، وقد أعرضنا

____________

(1) ناحية من نواحي الديوانية تقع على سقي نهر الدغارة المتفرع من الضفة اليسرى من نهر الفرات (فرع الحلة) .

أنظر : تاريخ الديوانية / وادي العطية: 148.

(2) السيد صادق بن علي بن الحسين بن هاشم الحسيني الأعرجي النجفي الشهير بالفحام، ولد سنة (1124 هـ-) وتوفي (1205 هـ-) .

(3) روضات الجنات / محمد باقر الخوانساري: 1/ 151.

(4) توفي سنة (1193 هـ-) .

37

عن ذلك كرها لكونها خارجة عن الغرض من هذه الرسالة، ولكون الأمر أوضح وأجلى من أن يؤتى له بشاهد وبرهان.

فَليسَ يَصِحُّ في الإفْهَامِ‏ (1) شَي‏ءٌ # إذا احْتَاجَ النهارُ إلى دليلُ‏

فأمّا سالم العقيدة من داء النفاق والحسد فغير محتاج إلى شاهد ومستند. وأمّا من تمكّن مرض النفاق والحقد في قلبه، حتى حال بينه وبين ربّه، فلا يؤمن ولو جاءه الأمين جبرئيل بألف برهان ودليل، أما ترى جدي الإكسير الأكبر الطاهر المطهر موسى بن جعفر لما رماه الإخباري الملعون‏ (2) بذلك النسب الخبيث لم يتعرض لردّه بكتابة أو كلام، ولم يُوكِّل ذلك إلى الأقلام، وعلم أن لا قاطع لهذا التشاجر والخصام إلاَّحدَّ الحسام، فحكّمه في المقام، فقضى على اللعين بعد التكفير ووروده الهاوية وبئس المصير، وصنع صنيع المعتز بالله العلوي خليفة مصر، فإنّه لما فتح القاهرة وبعث جوهراً غلامه، فدخلها بالجند أمامه، ودخلها بعده بأبّهةٍ باهرة موصولة قاهرة مُمتطياً جواده، مُتقلّداً سيفه، والعلماء بين يديه، والأشراف والأعيان تحت ركابه ورجليه، فبينا هو كذلك إذ دنا منه ابن طباطبا الشهير، فقال له إلى من ينتهي نسب الأمير؟ فقال له: سأعقد لذلك محفلا ومحشدا فبكّر عليَّ مع الناس غداً، فلما كان الصباح جلس المعتز في القصر، وأمر مناديه أن يجمع له جميع الأعيان والعلماء من ذلك العصر، فلما استكملوا قال: أيّها الناس أريد أن أذكر لكم حسبي، وأنبئكم عن نسبي، أمّا نسبي فهذا وسلَّ سيفه من غمده وهزّه حتى كادت حديدته أن تتهشم، وأمّا حسبي فهذا وكان أمامه طشت مملؤاً بالمال فجعل يأخذ منه‏

____________

(1) وردت في المخطوطة (الأذهان) ، أنظر: شرح ديوان المتنبي / عبدالرحمن البرقوقي: 3/ 215.

(2) المقصود ميرزا محمد الإخباري.

38

مِل‏ء يديه وينثر على رؤوس الناس الدنانير والدراهم‏ (1) .

هذه سيرة أولي الهمم العالية والعزائم الماضية، فإنّ هذا الرجل كان ينتسب إلى أشرف الكونين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه أفضل السلام ولم يفتخر بنسبه ولم يتعرّض به بل بحسبه ومقضبه وجدّه وتعبه، فكيف ترجو يا ضعيف الهمة وقليل العزم أن يستند موسى بن جعفر وأبوه إلى خال وعم وأن يَتَبَجَّحَ بانتسابه إلى مالك، ويتكل بهمّته على ذلك، لاضعة بمالك، بل لما قيل:

إنّا وإن كَرُمَتْ أوائِلُنا # لَسْنا عَلى الأحْسَابِ نتَّكِلُ‏ (2)

وإنْ كان في إبراهيم قول وجرح، يوجبان فيه القدح، فسبحان الذي يخرج الخبيث من الطيب والطيب من الخبيث إن صحَّ، على أنَّ أمر الانتساب قد ترك وهجر في هذا الزمان، لأنّ الناس ترى أنّ من ينتسب إلى أشرف الكونين محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم تكن له مساعٍ تقوم به مع نسبه لا يُرى له مزيد احتشام وارتفاع فكأنّ الأصل هو الأول لأنّهم يرون أيضا من لا يعرف من أين وإلى أين وكان ذا جد علا على النيرين فصارت الناس تجهد في تحسين مساعيها لتعلو فيها لعدم أثر لما عداها فمن ساعده الحظ والتوفيق نالت نفسه مناها وإلاّ بقى في حضيض الخمول لا بهذا فاز، ولا لهذا حاز، فلا تقل إن كان الأمر كذلك من الانتساب الى مالك فَلِمَ لَمْ يذكره الشيخ‏ (3) في كتبه ورسائله خصوصاً في رسالته التي ردّ فيها على الإخباري وكفرّه بها، فإنّا سنذكر لك فيما سيأتي إنْ شاء الله أنّ نسبتها إلى‏

____________

(1) أنظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة / لابن تغري بردي الأتابكي: 4/ 77.

(2) هذا البيت ينسب للمتوكّل الليثي وقد جاء في ديوانه على هذا النحو:

لَسْنا وإنْ أَحْسَابُنا كَرُمَتْ # مِمَّنْ على الأحْسَابِ يَتكِلُ

ينظر: شعر المتوكّل الليثي / تحقيق د. يحيى الجبوري: 276.

(3) المقصود الشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب كشف الغطاء.

39

الشيخ غلط ووهم، وهي مجموعة من كلام الشيخ على ذلك الإخباري وليست من تأليفه، وأنّ الملعون لم يستند بدعواه إلى دليل، ولا تمسك بحجة لا قوية ولا واهية، ولا صنع بذلك رسالة ولا جاء ببينة وبرهان.

والدّعَاوي إنْ لم تُقِيمُوا عَلَيهَا # بَيّنَاتِ أَبنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ

والدعّي كذاب والكذاب لا يجاب، وحاشا ثم كلا أن يدنس الشيخ جوهر كلامه الطاهر بعرض ذلك الخبيث الفاجر.

وبالجملة فحيث كان حساد المرء على قدر شرفه وكان الشيخ قد بلغ من الشرف محلاً يحسر الفكر عنه، كثر حاسدوه ومعاندوه، ولم يجدوا سبيلا إلى قذفه بشي‏ء من الأحوال والصّفات لتحليّه بأحسنها وأعلاها، وتخليه عن أرذلها وأدناها، فجعلوا يرمونه بالأشياء البعيدة عن أذهان العوام لتكون سببا إلى توهينه. فقال الإخباري : إنّ الشيخ أموي، وقال ملا محمد كاظم‏ (1) حاكم النجف الأشرف سابقا: إنّ الوهابي‏ (2) أخوه، وقد قتلهما الله على أيدينا.

وهذا من أعجب الأشياء وأعظم الكرامات التي لا تكون إلاّ للأنبياء والأمناء. وسنذكر تفاصيل هذه الأمور وعاقبة هؤلاء القوم، وسبب عداوتهم لهذه الطائفة المصفاة فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.

____________

(1) أظن هو الملا محمد طاهر بن ملا محمود، كان عاتيا متمرداً، قُلِّد سدانة الروضة الحيدرية سنة (1235 هـ-) وكان يتدخل في شؤون الطائفتين (الشمرت والزقرت) ، وينحاز إلى الطائفة الأولى، قتل سنة (1242 هـ-) أنظر: ماضي النجف وحاضرها / الشيخ جعفر آل محبوبة: 1/ 187.

(2) يقصدُ به محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية، لما شاع من وجود علاقة بين الشيخ جعفر كاشف الغطاء وبينه، فإنّها كانت سبباً في الطعن على كاشف الغطاء من قبل بعض المناوئين له.

40

الباب الأوّل في ذكر أحوال الشيخ جعفر وإخوانه وأبيه ومن يمت إليه ذكر أحوال الشيخ خضر ابن الشيخ يحيى

أمّا أبوه فهو الشيخ خضر ابن الشيخ يحيى كان فقيهاً متبتلا، وزاهداً لا منحرفا إلى الدنيا، ولا في شهواتها متنقلا، هجرها هجر الجافي الملول، وسلك فيها طريقة آل الرسول من الذل فيها لله والخمول، لعلمه بارتحالها عنها وتقويضه، وإبدالها منها وتعويضه، فنظرها بقلبه لا بعينه، وانتظر يوم فراقه وبينه، فلم يكن له بعد ذلك في نزهتها اشتغال، ولا في شعاب مسالك الترؤس إيغال، على أنَّ أباه كان في بلدهم بدر فلكها، وواسطة القلادة في سلكها، وصدر المجلس من ملكها، تحِل في حرم بيته نجائب الرجاء حملها، وتضع في رحب فنائه مطلقات الآمال حملها، فقذف الله نور المعرفة بقلبه، حتى تغرّب عن قشيب ربعه وشعبه، وعاف العز والشرف، وألقى عصا التسيار في بعض زوايا النجف ، واشتغل في تحصيل العلوم اشتغال من أنهكته علة التقى، وأهلكته الرغبة في الفنا والزهادة في البقا، فلم يكن له جهد بسوى الزهد ، ولا عادة إلاّ العبادة، ولا وظيفة غير الخفية، فلذلك لم يَتَضلَّعْ في العلوم تضلّعاً معلوم، والأصح أنّ السبب فيه عدم استقامته في النجف مدة شاسعة، حتى انتقل أبوه إلى رحمة الله الواسعة، فأكثر الالتماس منه بعض أعيان أقاربه وذويه أن ينتقل إليهم فيجلس مجلس أبيه، فلم يكن له بد من الإجابة، لمسيس الرحم والقرابة، فكان يقضي أيامه وأعوامه نصفها يتشرف بها في النجف ونصفها يتشرف بها محله ومقامه، حتى أربى عمره على ستين سنة، فتجرد لله كليّة وخلّى وطنه، فأغراه الشوق وحرّكه إلى الغري تقاه، فسكن إليه وألقى به عصاه، وعاد إلى ما كان عليه من التقدس حين قالت له النفس بالتفرّس‏ (1) .

أَكْملْتُ في ذَا العامِ سِتينَ سَنَهْ # مَرّتْ ومَا كأنَّها إلاّ سَنَهْ‏

____________

(1) التفرّس: التثبت والنظر.

41

لَمْ تدّخرْ فيْها سِوَى تَوحِيْدهُ # وغَيْرَ حُسْنِ الظَنِّ فيهِ حَسَنهْ

ما حَالُ مَنْ لَمْ يَتّعِضْ بزاجِرٍ # وفي مَراعي اللّهو أَرْخَى رَسَنهْ

وإنَّ شرَّ النَّاس مَنْ طالتْ بهِ # حَياتُهُ وفعلُهُ ما أحْسَنَهْ

وإنمّا النّاسُ نِيامُ مَنْ يَمُتْ # مَنْهُم أزالَ الموتُ عنهُ وَسَنهْ‏

فجعل يتضلّع‏ (1) بعبادة ربه ، ويشتاق السكون إلى رحمته وقربه، ويبرئ قلبه من الذنوب، ويمحو عن صحيفة نفسه درن العيوب، مشتاقا إلى رحمة مولاه، طالباً الفوز برضاه، قائلاً:

طُوبى لمن طيّبَ أوقاتَهُ # إذا نَأى عنْكُم بمغْناكُمُ‏ (2)

وإن نَأتْ عنْ دَاركُم دارُهُ # داوى الحَشَا منْكُم بذكْراكُمُ

وإن دَنا عطّرَ أردانهُ # بما يَفيضُ المسكَ ريّاكُمُ

كُلُّ فؤادٍ بكُمُ مُغرمٌ # وكُلُّ مَنْ في الكون يَهْواكُمُ

إذا أحْبَبتُمُ فَدَعُوني أَمُتْ # فإنَّما مَحياي مَحْيَاكُمُ

طُوبى لمن أنستموهُ بكمْ # فهو بِغيْبٍ يترآكمُ

وَقَدْ سَكنْتُم بسويدائه # فأينمَا وجّهَ يَلْقَاكمُ

رِفْقاً بمن صارَ أسيراً لَكُمْ # أمَا تَرقُون لأَسْرَاكمُ‏

وكان معظّماً في أنفس العلماء، كبيراً في أعين العظماء، وكان في أيام تردّده إلى بلده إذا جاء إلى النجف يهدي لكل‏ (3) عالم مكنسة وعدة بئر، فلما هجر وطنه بالكلية أخبر الشيخ حسين نجف‏ (4) أنّ الشيخ خضراً هاجر

____________

(1) وردت في المخطوطة (يتظلع) .

(2) وردت في المخطوطة (بمعناكم) .

(3) وردت في المخطوطة (يهدي على عالم) .

(4) الشيخ حسين ابن الحاج نجف بن محمد التبريزي النجفي من علماء عصره الأفذاذ ومشاهيره بالتقوى والنسك ولد سنة (1159 هـ-) وتوفي سنة (1251 هـ-) / أنظر: طبقات أعلام الشيعة / آغا بزرك الطهراني / الكرام البررة : 2 / 432.

42

إلى هذه البلدة، فقال: أنا لله قد انقطعت العدة، ولقد نسب إليه ولده الصادق جعفر في رسالته الإيرانية المنسوب إليه‏ (1) من الكرامات ما لا تكون إلاّ من الأولياء أو ممن هو أكبر، كملاقات صاحب الأمر (ع) والخضر (ع) ، وانفتاح بابي الحرمين حرم علي (ع) والحسين (ع) ، وكثيراً من أمثالها.

وذُكِرَ أنّ الناس كانت تزدحم على الصلاة خلفه، وأنّ علماء ذلك العصر كالسيد العابد الزاهد العالم المشهور سيد هاشم الحطّاب‏ (2) كانوا يقولون من أراد أن ينظر إلى وجوه أهل الجنة فلينظر إلى وجه الشيخ خضر، وعبارة الشيخ في كشف الغطا في بحث التشهد مما يدل على عظمة قدره رحمهما الله‏ (3) .

فما زال على تلك الطريقة من التهجد، وعلى ذلك المنوال من التعبد حتى أشتاق ربه جواره، فقضى نجبه بعد ما قضى من الباقيات الصالحات أوطاره، وانقلب إلى رحمة ربّه وهو أصفى من سبائك الذهب، وذلك في سنة الألف والمائة والثمانين تقريبا في رجب، ودفن بالرواق المنور في الحجرة التي تحاذي الحجرة التي فيها قبر العلامة الأردبيلي‏ (4) . وهي اليوم خزانة

____________

(1) وردت في المخطوطة (المنسوب له) .

(2) إن ما ورد من وصف (السيد العابد الزاهد المشهور السيد هاشم الفحام) من تحريف ناسخ المخطوطة السيد حسين ابن سيد جاسم الفحام. لأنّ الأوصاف المذكورة تنطبق على العلامة الزاهد المقدس السيد هاشم الحطّاب الموسوي العوادي لأنّه كان معاصراً للشيخ خضر والد الشيخ جعفر، وليس هنالك من يعرف هاشم بالفحام ممن يتصف بتلك الأوصاف وكان من كبار علماء عصره الزّهاد كان يحتطب من صحراء النجف الأشرف ويبيع حطبه في البلد ليستعين به على معيشته حتى أصبحت هذه المهنة لقباً له توفي (1160هـ-) . معارف الرجال : 3/ 254.

(3) أنظر : كشف الغطاء / الشيخ جعفر كاشف الغطاء / 245.

(4) هو الشيخ أحمد الأردبيلي المعروف بالمقُدّس الأردبيلي المتوفى سنة (992هـ- ) كان من أكابر فقهاء النجف في القرن العاشر الهجري.

43

الكتب والقرائين الموقوفة على حرم أمير المؤمنين، وهذا مما يدل على حسن نية الرجل وصفاء سريرته.

حدثني بهذا عمّي العباس ابن العلامة الحسن بن جعفر، قال كنت أدخل مع أبي للزيارة وأنا صغير فإذا خرجنا عكف أبي على المكان الذي هو خلف القبر الأردبيلي فوقف هنالك وقرأ الفاتحة وأمرني بذلك، فسألته يوماً لمن تقرأ ياأبتِ؟. فقال لجدّك، فقلت: أو ليس قبر جدي بإزاء دارنا؟ فقال: نعم هذا جدّك الخضر وذاك جدّك جعفر. وكان الشيخ خضر محبوب الجانب، كثير الأصدقاء في الله، فلما توفّي كثر الصراخ والعويل عليه لكثرة أحبائه وأولاده وأقاربه. فقال السيد صادق الفحام‏ (1) رحمه الله يرثيه ببيتين أنشأهما في الحال، وقيل كتبهما على الصخرة التي هي على القبر وهما:

يا قَبْرُ هَلْ أنتَ دَارٍ مَنْ حَويتَ ومَنْ # عليهِ حولكَ ضَجَّ البَدْوُ الحَضَرُ

أَضْحَى بك (الخضر) مرموساً ومنْ عجَبٍ # يموتُ قبل قيامِ القائمِ (الخضرُ)

وماقضى إلاّ وهو:

أبو النفر الغُرّ الأولى تَركَتْ لهمْ # عزائِمَهُمْ في غُرّةِ الدّهرِ مَيسْمَا (2)

إذا ظَمئتْ بيْضُ الظُبا (3) في أكفَّهم # تحاشوْا لُها ورداً سوى مصْدَر الظَما

لقد قَرَنوا بالنَّجدة العِلْمَ والتقى # فأبْدُوا لهُم طَعْمينِ شهْداً وعَلقَما

ففي الجَدْبِ يُسْتَسْقَى بفَضْلِهُم الحَيا # وفي الروْع يُستسقَى ببيضهم الدِّما

وما بَرِحُوا يَحمونَ عَنْ بيضةِ الهُدى # ويَبْنُونَ من أركانِها ما تَهدّما

يَردّونَ جَيْشَ الشّرْكِ عنْها بعزْمهْم # فيرْجَعُ مَكسورَ اللواءِ مُحطَّما

إذا عُرضتْ في جَانب الدينِ زَيغَةٌ # أروها قَذى الأجْفانِ أوْ تَتقَوَّما

____________

(1) سبق ترجمته.

(2) الَميْسُ: التبختر.

(3) الظبا: حدَّ السيف.

44

إلى أنْ أعادُوا الأرضَ بالأمْنِ كعبْةً # حَراماً وكُلَّ الدَّهرِ شَهْراً مُحرَّما

أولاد الشيخ خضر

وأمّا إخوانه الذين هم أولاد الشيخ خضر، فالمعروفون المجتهدون أربعة أكبرهم الشيخ حسين.

الأول : أحوال الشيخ حسين

عالم مجتهد، وفقيه‏ (1) متفرّد، محبوب الحاشية والأطراف، منقادة له الأعيان والأشراف، ذو شرف عظيم وفضل جسيم، وزهد رزين، وعلم مبين، وقد ذكره الشيخ عبدالرّحيم البادكوبي‏ (2) في نقد العلماء بعنوان مستقل أطنب به غاية الإطناب، وأُعجب بتقاه وعلمه غاية الإعجاب، وتوفي سنة (1195 هـ-) (3) ، فقال السيد صادق الفحام رحمه الله يرثيه، ويؤرخ عام وفاته ويعزِّي أخويه الشيخ محسنا والشيخ جعفراً بقصيدة غرّاء وهي: -

ياأيُّها الزائرُ قَبْراً حَوَى # مَنْ كان للعَلياء إنسانُ عَينْ

قِفْ ناشِداً إن كانَ يُطْفِي الجَوى # نُشْدانَ أحجارِ هُناك انطوَينْ‏

____________

(1) وردت في (المخطوطة ) (نقية) .

(2) كان من أهل الفضل والأدب والعلم له كتاب (نقد العلماء) في تراجمهم، وهو علم من أعلام الربع الأخير من القرن الثالث عشر، والنصف الأوّل من القرن الرابع عشر الهجري، وصنّفه الشيخ أغا بزرك رحمه الله في (نقباء البشر) القسم الثالث من الجزء الأول / ص 1098.

(3) لم يذكر المؤلف سنة وفاة الشيخ حسين المذكور إلاّ أنّي استخرجتها من بيت السيد صادق الفحام الذي يؤرّخ فيه عام وفاته حيث قال فيه:

فقلت لمَّا أنْ نعى أَرِّخُوا # تنسى الرّزايا دون رزء الحسين‏

وحساب التاريخ هذا يفيد أنّ وفاته في سنة (1195 هـ-) .

45

يا قَبْرُ هلْ تَدْري ومنْ لِي بأنْ # تَدْري‏ (1) ولكنَّ المعالِي دَريَن‏

____________

(1) وردت في المخطوطة (قد يرى) .

46

منْ في ثَرى رَمْسكَ مِنهُ انَطوَتْ # محاسنُ نُشِرْنَ في الخافقينْ

وَمنْ عَليهِ اليومَ لما قَضَى # نحباً جليداتِ نُفوسٍ قضين

وأيُّ أياتٍ مِنَ الفضْلِ في # تُربكَ منْ بعدِ الوُضوح انْمحَينْ

وأيُّ أفنَانٍ من العِلمْ منْ # بعْد بُسوقٍ واخضرارٍ ذَوينْ

قدْ طَالَما اجنيتنايانِعاً # لذَّلنَا واليومَ لا يُجتنينْ

وهلْ تَبينّتَ وما أَنْ أَرى # عِنْدك تِبيانَ أُمورٍ جَريَنْ

أيُّ جيوبٍ للأسَى مُزِّقَت # فوقَكَ أمْ أيُّ جُفُونٍ ذَريَنْ

وأيُّ رَبّاتِ خُدُورٍ منَ # الحُجْبِ على أعجالهن انكفَينْ

حَواسراً بُحاً مِن النُدبِ يْبكيْنَ # لنُدبِ فَقْد غَيْرهَينْ

نشرْنَ منْهُنّ شعُوراً على # غيْر شُعُورٍ لمصُابِ الحُسَين

وأدمُعاً حُمْراً يُصعّدْنها # منْ دَمِ أَفلاذِ كبودٍ فريَنْ

يا قبرُ مَا بَالكَ لمْ تسْتنرْ # أرْجَاؤُكَ الجُون‏ (1) لِذي نَاظريْن

أليْسَ قدْ أوْطَنَتَ بَدْرَ الهُدى # حتّى افْتَقَدْنا أحَد النيّريَنْ

يا قَبْرُ ما بَالكَ لمْ تَضْحَ لله # -خَصْب مراداً مُمَرّع‏ (2) الجَانبِينْ

أليسَ فيكَ الغيثُ أرسَى فَلِمَ # أصبْحتَ لا تَلوي على الرائَدين

لا يَنتْهِي اليومُ إلى غايةٍ # تعَجّبني مِن الليالي قَضَينْ

كيفَ على ضيق المجال احتَوى # جَنباكَ جَنبيْ يَذبُل أو حُنينْ

وكيفَ واريتَ الِهلالَ الذّي # عَمَّ ضِياهُ الغَربَ والمشْرقَينْ

وكيف غيضتَ الخِضمَّ الذي # كان بعيدَ القعْر والسَّاحِلَينْ

أصبَحَ فِيكَ العِزُّ مُسْتَسْلمِاً # للقدرِ الُمنْزَلِ مُعطي اليَدينْ

والشّرفُ السّامي وَمحْضُ التُّقَى # في رَمسِكَ الدّاثِر مُستَوطنَينْ‏

____________

(1) الجون: الأسود.

(2) ممرع: الخصيب.

47

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

48

يا صاحبَ القَبرِ دُعا ثاكلٍ t # خدٌّ بَكاه الخَدُّ والوَجْنتينْ

يا مُنتمَي فَخْراً إلى مالكٍ t

ما مالكي اِلاّكَ في المعنَيينْ #

يا ساكنَ الرّمسْ دُعا صادقٍ t

يقول في حقك منْ غيرِ مَينْ‏ (1) #

قَدْ كنُتَ لي بَرَّاً رؤُوفاً ولا t

غَرْوَ فإنّي أَحَدُ الوالدَينْ #

إنْ كُنتَ قَدْ غُيّبتَ تَحْتَ الثَّرى t

فَلمْ تَغبْ عَنْ خَاطِري لحَظَ عَينْ #

أوْحَشْتَني مَرْءاً ولكنَّ لي t

ذِكْراً وفكْراً فيكَ لي مُؤنسَينْ #

أبكيكَ للجَدوى وبَذْلِ القِرى t

يرجِعُ عَنكَ الوَفدُ بالجَدْويينْ #

واليومَ إنْ أمّوا حِماك الذي t

قدْ عرفُوا عَادُوا بخُفَّيّ حُنينْ‏ (2) #

أحْرى بأنْ أقْضي نحَبي أَسىً t

لوْ لا التعزّي عَنْكَ بالجعْفرينْ #

خَلَّفتَ يا بَدْرُ لنَا سُلَوةً t

بدْرينِ في أُفُقِ العُلى طالِعينْ #

ذا جَعفرٌ فينا وذا مُحسِنٌ t

فإن تَشأ فادْعُهما المُحْسنينْ #

وفَرقديْ مجدٍ وما خِلْتُ منْ t

قَبلكَ بدراً يعقبُ الفَرقدَينْ #

سقاكَ منْ صوْب الرِّضا هاطلٌ t

يُغنيكَ عنْ نوءٍ منَ المرزمينْ #

نعاكَ نَاعيكَ بفيِه الثّرَى t

فابْتدَرَ الدّمْعُ من المُقْلَتَينْ #

فَقلْتُ لمَّا أنْ نَعى أرّخوا t

تُنْسَى الرّزايا دُوَنَ رزءِ الحُسَينْ‏

وهذا القصيدة تكفيك في بيان عظمة هذا الرجل وشرفه خصوصاً كونها من مثل السيّد (صادق) العظيم القدر، القديم الفخر، وله أولاد كثيرون والعقب من الشيخ عيسى الذي هو أبو الشيخ محمد الذي هو أبو الشيخ محسن‏ (3)

____________

(1) مين: الكذب.

(2) قوله (عاد وابخفي حنين) أخذه من المثل العربي المعروف (رجع بخفي حنين) وهو مثل يضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة. أنظر: المثل وقصته في مجمع الأمثال / الميداني: 1/ 308، المستقصى في أمثال العرب / الزمخشري: 1/ 105، 106.

(3) الشيخ محسن الخضري ابن الشيخ مُحمَّد ابن الشيخ موسى ابن الشيخ عيسى ابن الشيخ حسين من كبار شعراء عصره، ولد سنه (1253 هـ-) ، وتوفي سنه (1302 هـ- ) ونشر ديوانه الشيخ عبد الغني الخضري سنة 1945م.

49

الشاعر المفلق، وصاحب الشرف المحلق، كان معظّما عند الأعيان، جليساً للأشراف، للطافة طبعه ورقة حواشيه التي تغني عن السّلاف، وتوفي قبل خمس سنين أو سبع فجأة وهو يمشي في الطريق في تشييع جنازة بلا سبب سوى أنّه كان يماشي بعض الأجلاء وينقل له لطائف ونوادر ويضحك ضحكاً كثيراً فسقط في الأثناء، وسمعت ممن كان يماشيه أنّه قال له: خفض عليك فقد أفرطت وهذه أمامنا جنازة ولا نعلم ما يؤول إليه حالنا فلم ينفع وأستّمر على ضحِكهِ حتّى وقع من بين أيدينا وهو على تلك الحالة، فسبحان الله ما أبهر قدرته، وأعظم حكمته. وكان الشيخ محسن هذا مُختَصَّاً ببني عمّه آل الشيخ جعفر قاصراً أغلب أشعاره مدائح ومراثي عليهم وعلى من يتعلق بهم وسيأتي عليك من غرره ما يبهر الأسماع ويسحر الطّباع، فيارحمة الله تغمديه، ويا رضوان راوح جسده الطيب وغاديه.

والجماعة الملقّبون‏ (1) كلهم من الشيخ عيسى ومن ولده الشيخ مهدي نويرّ، ومن ولده أيضاً الشيخ محمد آل الشيخ محمود الموجود في زماننا هذا وله ولدان ظريفان.

____________

(1) المقصود بالجماعة الملقبون هم آل الخضري.

50

الثاني: أحوال الشيخ محسن

الثاني من أولاد الشيخ خضر، الشيخ المحقق المجتهد المتبحر، الشيخ محسن كان من تلامذة أخيه الشيخ جعفر وتوفي بعده فرثاه السيد صادق الفحام (رحمه الله ) الراثي أخاه المتقدم بقصيدة غراء رائية أولها:

هَيَ لَوْعَةٌ تَحْتَ الضُّلُوعِ زَفِيُرهَا t # هَلْ كَيفَ يُطفى‏ء بالدّمُوعِ سَعِيُرهَا

إلى أَنْ يقول‏

ظعَنتْ بُمحْسِنها المطل على الوَرى t # إحسَانُه فَتطوّقتْهُ نُحورَهَا

وهي طويلة حسنة التأليف والأسلوب جداً، وتنبي‏ء عن عظمة مرثيها، وقد أتينا على جميعها في ترجمة الشيخ موسى لتضمّنها أخيراً، مدحاً له كثيراً، ويعزّيه فيها هو واينه الشيخ محمد الذي هو أبو الشيخ النحرير، والمحقق الذي لم يأت الدهر له بنظير، المحيط غاية الإحاطة بالفروع والأصول، والجامع بين المعقول والمنقول، الشيخ راضي‏ (1) المشهور، وهو ابن بنت الشيخ الكبير، وكان كل تلمذته على خاله الشيخ حسن ابن الشيخ الكبير، وتوفي هو والشيخ مهدي في سنة واحدة، وكانا بمنزلة الأخوين، بل أشد ألفة وإخاءً رحمهما الله جميعا، وسيأتي إنْ شاء الله في باب الأصهار باقي أخباره.

الثالث: أحوال الشيخ محمد

وعقبه الثالث من أولاد الشيخ خضر الشيخ محمد توفي عن الشيخ عليوي وله ولدان الشيخ محسن والشيخ محمد ومنه الشيخ حسن الذي كان في طهران، والآن في نواحي الحلة وله عدّة أولاد منهم الشيخ جواد ابن الشيخ حسن آل شيخ عليوي، وكان قد أقام في النجف فترة ثم رجع الى منطقة (جناجة) توفي سنة (1372 هـ- ) حفظه الله وإيّاهم.

والحاصل أنّ ذرّية الشيخ خضر لا تحصى ولا تستقصى، قد ملؤا البقاع والأصقاع، فطرف منهم في النجف وآخر في الدهلة ومثله في العذار والحلة، أمدَّ الله بسلسلتهم مدى الأبد بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.

____________

(1) الشيخ راضي ابن الشيخ محمد ابن الشيخ محسن (هو جدّ الأسرة المعروفة بآل الشيخ راضي) من الفقهاء المتميزين بالعلم، توفي سنه ( 1290هـ- ) وأعقب سبعة أولاد.