فتوح البلدان

- أحمد بن يحيى البلاذري‏ المزيد...
456 /
5

الكتاب و المؤلف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

* هذا الكتاب:

كتاب فتوح البلدان، لمؤلفه المؤرخ، الرحالة، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري‏ (1) و يظهر أنه مختصر عن كتاب أطول منه، سماه «كتاب البلدان الكبير» و لم يكمله.

و يتحدث هذا الكتاب عن أخبار الفتوح الإسلامية بلدا بلدا من أيام النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). كما يضم فضلا عن الفتوح أبحاثا عمرانية و سياسية لم يتطرق إليها أي من كتب التاريخ: كأحكام الخراج، و العطاء، و أمر الخاتم، و النقود، و غيرها ...

و يعتبر هذا الكتاب من أجمع كتب الفتوح و أصحها، و قد طبع عدة طبعات منها: طبعة ليدن عام 1870 م بعناية المستشرق «دي غويه».

و الطبعة العربية عام 1901 م طبع مصر.

* المؤلف:

هو المؤرخ، النسابة، الرحالة، الرواية الثقة، المحدث، الأديب،

____________

(1) نسبة إلى بلاذر (بضم الذال) و هو نبات كان يتعاطاه المؤلف ثمره شبيه بنوى التمر. قيل يقوي الحفظ.

6

الشاعر أبو الحسن‏ (2) أحمد بن يحيى بن جابر بن داود المعروف بالبلاذري.

مولده و تحصيله:

ولد البلاذري في أواخر القرن الثاني للهجرة، نشأ في بغداد، و وقف حياته على العلم و الأدب و المعرفة، و جاب البلدان و طوّف في أنحاء المعمورة باحثا و منقبا و دارسا.

مشايخه:

نشأ البلاذري في بغداد، و تقرب من المتوكل، و المستعين، و المعتز و كانت بغداد في هذا العصر منهلا دفقا من مناهل العلم و المعرفة، يرتادها طلبة العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، و يستقر في كنفها العلماء و الشعراء و الأدباء و الفقهاء، ينشرون المعرفة و الفقه و الأدب.

و قد تلقى البلاذري العلم على جمهرة من علماء هذا العصر ذكرهم ياقوت في المعجم نقلا عن ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال:

«سمع بدمشق هشام بن عمار، و أبا حفص بن عمر بن سعيد، و بحمص محمد بن مصفى، و بأنطاكية محمد بن عبد الرحمن بن سهم، و أحمد بن برد الأنطاكي، و بالعراق عفان بن مسلم، و عبد الأعلى بن حماد، و علي بن المديني، و عبد اللّه بن صالح العجلي، و مصعبا الزبيري، و أبا عبد القاسم بن سلام، و عثمان بن أبي شيبة، و أبا الحسن علي بن محمد المدائني، و محمد بن سعد كاتب الواقدي. و جماعة ...».

كما درس على شيبان بن فروخ، و أحمد بن إبراهيم الدورقي، و محمد بن الصباح الدولابي، و محمد بن حاتم السمين، و عباس بن الوليد النرسي، و عبد الواحد بن غياث، و أبي الربيع الزهراني، و إسحاق بن إسرائيل، و عمرو الناقد، و الحسن بن علي بن الأسود العجلي، و خلف البزار، و غيرهم ...

____________

(2) و قيل أبو بكر.

7

تلاميذه و رواته:

افتتح البلاذري ندوة علمية ارتادها طلاب العلم و المعرفة و تخرج منها علماء و فقهاء و أدباء منهم: عبد اللّه ابن الخليفة المعتز الشاعر و الكاتب و المترجم (عن الفارسية)، و محمد بن إسحاق النديم مصنف كتاب الفهرست الذي جود فيه مما يدل على اطلاعه و تبحره في فنون من العلم، و جعفر بن قدامة صاحب كتاب الخراج، و يعقوب بن نعيم، و عبد اللّه بن سعد الوراق، و محمد بن خلف، و وكيع القاضي.

كما روى عنه يحيى بن النديم، و أحمد بن عبد اللّه بن عمار، و أبو يوسف، يعقوب بن نعيم قرقارة الأزني.

رحلته:

بعد أن شبّ البلاذري عن الطوق، و غرف بشغف من رحيق العلم، و تضلع من معين العلم و العلماء في بغداد، تاقت نفسه للقيام برحلة إلى الشرق لزيادة علمه و معارفه و ثقافته. فكانت رحلته الميمونة التي انطلق بها مغادرا بغداد بإيمان عميق فاتجه إلى حلب، و دمشق، و حمص، و العراق، و منبج، و أنطاكيه و الثغور. و زار جميع المدن الواقعة شمال الشام، ثم تحوّل منها إلى بلاد ما بين النهرين و ساح تكريب، فكان يجمع خلال رحلته هذه الروايات التي حفظها الخلف عن السلف و يقارنها بما حفظه عن علماء بغداد.

و تعتبر رحلة البلاذري الإنجاز الكبير في حياته الأدبية و العلمية الحافلة و هي من أسباب نبوغه في العلم.

كتبه و مصنفاته:

اهتم البلاذري اهتماما كبيرا بالكتابة و التصنيف و انصرف بعقل نابغ و جهد مجد بلا كلل و لا خمول، و ورد من مناهل العلوم فسطر ببراعة ما خلد ذكره و وضعه في مصاف الخالدين برغمه خاتمة المؤرخين. و قد وضع عدة مؤلفات منها:

8

1- فتوح البلدان الكبير أو «كتاب البلدان الكبير» و هو لم يتم.

2- فتوح البلدان أو «كتاب البلدان الصغير» و هو كتابنا هذا الذي قال فيه المستشرق «دي غويه»: «اشتغل البلاذري منذ نعومة أظفاره بتأليف كتاب جامع لتاريخ الدول الإسلامية، أتى فيه على الحقائق التاريخية دون أن يغضب خليفة وقته ...».

3- أنساب الأشراف. و يسمى أيضا الأخبار و الأنساب و هو كتاب مطول في عشرين مجلدا لم يتمه و كان ضائعا. و قد عثر المستشرق الألماني «أهلوارد» في. مكتبة «شيفر» على الجزء الحادي عشر من كتاب في التاريخ ليس عليه اسم، فرجح أنه أحد أجزاء كتاب أنساب الأشراف فطبعه في «غريز ولد» عام 1883 م. و يقع في أربعمائة و خمسين صفحة، و فيه كثير من أخبار بني أمية و أخبار الخوارج.

4- عهد أردشير: الذي ترجمه عن اللغة الفارسية دون الاكتفاء بالترجمة بل صاغه شعرا رقيقا.

5- كتاب الأخبار.

6- قال بعض المؤرخين أن البلاذري قد جمع قبيل وفاته مواد كثيرة و مفيدة بقصد وضع كتاب جامع يقع في أربعين مجلدا.

مكانة البلاذري العلمية:

الرحلة التي قام بها البلاذري حيث تجول في الأقطار و الأمصار جعلته بعد عودته إلى بغداد مزودا بالعلوم و المعارف، يفضل الاستقرار و الاعتكاف في خلوته ليلقي دروسه و محاضراته على الطلاب، الذين كانوا يرتادون مجلسه ليرتشفوا من علمه و أدبه، و رغم انشغاله بالتدريس فقد خصص الكثير من وقته للتأليف و التصنيف، حتى جاءت مؤلفاته آية في الدقة و الروعة و السلاسة، مما جعله محط أنظار الأمراء و العلماء و الحكام.

و مما قاله عنه صاحب كتاب «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب»:

«كان أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري عالما فاضلا، شاعرا، راوية،

9

نسابة متقنا». و قال ابن النديم في تاريخ حلب: «كاتب، شاعر مجيد، راوية الأخبار و الآداب». و قال عبيد اللّه بن أحمد بن أبي طاهر: «كاتب، شاعر، راوية، أحد البلغاء».

و وصفه المستشرق «دي غويه» فقال: «و كما أن البلاذري قد عرف له قدره معاصروه و مواطنوه، فنحن كذلك لا يسعنا إلا الإقرار له بالجميل، إذ يؤخذ من كثير من رواياته في مؤلفه أنه لم يقصر قط في جعل هذه الروايات مكانا للثقة، جديرة بالتصديق، فإنه لم يكتف بسماعه إياها من أوثق علماء بغداد، بل كان يتكبد الأسفار، و يجوب البحار، بحثا عن الحقيقة التي هي ضالته المنشودة».

و وصفه أحد المستشرقين الألمان فقال: «إن البلاذري من المؤرخين الذين يمتازون بسلامة الذوق في انتقاء ما يستحق الرواية من بين ما يجمعونه من المواد».

و مما يلفت النظر في كتاب البلاذري الحقائق التاريخية الهامة الدقيقة التي أوردها، و التي يتعذر العثور عليها في كتاب آخر، خاصة ما يتعلق منها بوصف المدن القديمة التي اندثرت، و لم يبق من معالمها إلا الأطلال البالية، و رغم ذلك فقد اتصل بمن عاصر تلك المدن أثناء مجدها و حضارتها و أخذ عنهم كل ما يعرفونه عن تلك الأطلال.

أما معلوماته الدقيقة التي أوردها عن تاريخ الأقاليم و الأمصار و الدساكر التي فتحها العرب فقد جاءت موجزة مفيدة صادقة، باعتبار كتابه موجزا عن الكتاب الكبير الذي كان ينوي تأليفه قبل أن يتوفاه اللّه.

و هنا لا بد لنا من الاشارة إلى أن البلاذري رغم أنه نشأ في كنف خلفاء الدولة العباسية، و استفاد من خيراتهم، و اختص به بعض الخلفاء، كالمتوكل، و المستعين، اللذين كانت لهما عليه الأيادي البيضاء لما يقدماه له من مساعدات مادية، و معنوية، فقد حرص في مؤلفه على إيراد الحقائق المجردة دون أن يعمد كغيره من المؤرخين إلى النفاق و المدح،

10

و أخبرنى داود بن حبال الأسدى عن أشياخ من قومه: أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال لطليحة: أنت الكذاب على اللّه حين زعمت أنه أنزل عليك إن اللّه لا يصنع بتعفير وجوهكم و قبح أدباركم شيئا فاذكروا اللّه أعفة قياما فإن الرغوة فوق الصريح، فقال يا أمير المؤمنين: ذلك من فتن الكفر الذي هدمه الإسلام كله، فلا تعنيف على ببعضه فأسكت عمر، قالوا: و أتى خالد بن الوليد رمان و أبانين و هناك فل بزاخة فلم يقاتلوه و بايعوه لأبى بكر، و بعث خالد بن الوليد هشام بن العاصي بن وائل السهمي و أخا عمرو بن العاصي، و كان قديم الإسلام و هو من مهاجرة الحبشة إلى بنى عامر بن صعصعة فلم يقاتلوه و أظهروا الإسلام و الأذان فانصرف عنهم، و كان قرة بن هبيرة القشيري امتنع من أداء الصدقة و أمد طليحة فأخذه هشام بن العاصي و أتى به خالدا فحمله إلى أبى بكر، فقال: و اللّه ما كفرت مذ آمنت و لقد مر بى عمرو بن العاصي منصرفا من عمان فأكرمته و بررته فسأل أبو بكر عمرا رضى اللّه عنهما عن ذلك فصدقه فحقن أبو بكر دمه، و يقال: أن خالدا كان سار إلى بلاد بنى عامر فأخذ قرة و بعث به إلى أبى بكر.

قال: ثم سار خالد بن الوليد إلى الغمر و هناك جماعة من بنى أسد و غطفان و غيرهم و عليهم خارجة بن حصن بن حذيفة، و يقال انهم كانوا متسايدين قد جعل كل قوم عليهم رئيسا منهم قالوا خالدا و المسلمين فقتلوا منهم جماعة و انهزم الباقون، و فى يوم الغمر يقول الحطيئة العبسي:

ألا كل أرماح قصار أذلة* فداء لارماح الفوارس بالغمر ثم أتى خالد جو قراقر، و يقال أتى النقرة و كان هناك جمع لبنى سليم عليهم أبو شجرة عمرو بن عبد العزى السلمى و أمه الخنساء فقاتلوه فاستشهد رجل من المسلمين ثم فض اللّه جمع المشركين، و جعل خالد يومئذ يحرق‏

11

تتعرض لأحد ليبقى بها وجهك عليك، و لك عليّ ألا تحتاج ما عشت إلى شي‏ء من أمر دنياك، كبير و لا صغير، على حسب حكمك و شهوتك.

قال: ثم أجرى لي الجرايات و الأرزاق السنية، و تابع جوائزه فما احتجت منذ ذلك و إلى الآن إلى غير جوائزه و السبعة آلاف، فأنا أنفق من جميع ذلك و لا أخلق نفسي بالتعرض، و أترحم عليه.

أدب البلاذري و شعره:

كان البلاذري في طليعة العلماء و الأدباء، ينظم الشعر الحسن، و يصوغ البيان الدقيق، يتصف بالشجاعة و الزهد و الصفاء، وصفه التاريخ بالأديب الزاهد المنقطع النظير، قال عنه الشافعي في تاريخ دمشق: قال أحمد بن جابر البلاذري قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى ذلك ذكره، و يزول عنك إثمه، فقلت:

استعدي يا نفسي للموت و اسعي‏* * * لنجاة فالحازم المستعد

قد تثبت أنه ليس للحي خلود* * * و لا من الموت بد

إنما أنت مستعيره ما سو* * * ف تردين، و العواري ترد

أنت تسهين و الحوادث لا تسهو* * * و تلهين، و المنايا تجد

لا ترجى البقاء في معدن المو* * * ت، و دار حقوقها لك ورد

أي ملك في الأرض أم أي حظ* * * لامرئ حظه من الأرض لحد

كيف تهوى امرؤ لداره رأيا* * * ما عليه الأنفاس فيها تعد

و من شعره:

لما رأيتك زاهيا* * * و رأيتني أجفى ببابك‏

عديت رأس مصليتي‏* * * و حجبت نفسي عن حجابك‏

انتقاله إلى دار البقاء:

ظل البلاذري في عطاء مستمر، و إنتاج ضخم، حتى توفاه اللّه سنة

12

279 هجرية، مخلفا العديد من المؤلفات التاريخية القيمة التي احتلت فيما بعد مكانا مرموقا في كافة الأوساط العلمية و الأدبية، فخلدته شامخا إلى أبد الآبدين.

لجنة تحقيق التراث في دار و مكتبة الهلال‏

13

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من مكة إلى المدينة المنورة

- قال أحمد بن يحيى بن جابر: أخبرني جماعة من أهل العلم بالحديث و السيرة و فتوح البلدان- سقت حديثهم و اختصرته و رددت من بعضه على بعض- أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما هاجر إلى المدينة من مكة نزل على كلثوم ابن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن أمية ابن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس بقباء، و كان يتحدث عنده سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك أحد بنى السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس حتى ظن قوم إنه نزل عنده.

و كان المتقدمون فى الهجرة من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و من نزلوا عليه من الأنصار بنوا بقباء مسجدا يصلون فيه، و الصلاة يومئذ إلى بيت المقدس، فلما ورد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قباء صلى بهم فيه، فأهل قباء يقولون إنه المسجد الذي يقول اللّه تعالى فيه‏ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏ (1)، و روى أن المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). حدثنا عفان بن مسلم الصفار، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال أخبرنى هشام بن عروة عن عروة أنه قال فى هذه الآية وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ‏ (2) قال كان سعد بن خيثمة بنى مسجد قباء، و كان موضعه للبة تربط فيه حمارها، فقال أهل الشقاق أ نحن نسجد فى موضع كان يربط فيه حمار لبة لا و لكنا نتخذ مسجدا نصلى فيه حتى يجيئنا أبو عامر

____________

(1) سورة التوبة: الآية 108.

(2) سورة التوبة: الآية 107.

14

فيصلى بنا فيه، و كان أبو عامر قد فر من اللّه و رسوله إلى أهل مكة ثم لحق بالشام فتنصر فأنزل اللّه تعالى‏ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ‏ (1) يعنى أبا عامر. و حدثنا روح بن عبد المؤمن المقري، قال حدثني بهز بن أسد، قال حدثنا حماد بن زيد، قال أخبرنا أيوب عن سعيد بن جبير، أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا فصلى بهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه، فحسدهم أخوتهم بنو غنم بن عوف، فقالوا لو بنينا أيضا مسجدا و بعثنا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصلى فيه كما صلى فى مسجد أصحابنا، و لعل أبا عامر أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلى بنا فيه، فبنوا مسجدا و بعثوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسألونه أن يأتيه فيصلى فيه فلما قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لينطلق إليهم أتاه الوحى فنزل عليه فيهم‏ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ قال هو أبو عامر لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ تَقْوى‏ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ‏ (2) قال هذا مسجد قباء. و

حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون قال حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام عن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا أرسل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أهل مسجد قباء، فقال: ما هذا الطهور الذي ذكرتم به، قالوا يا رسول اللّه انا نغسل أثر الغائط و البول.

و حدثنا محمد بن حاتم، قال: حدثنا وكيع عن ابن أبى الليل عن عامر، قال كان ناس من أهل قباء يستنجون بالماء، فنزلت فيهم (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) الآية.

حدثني عمرو بن محمد الناقد و أحمد بن هشام بن بهرام، قالا حدثنا وكيع بن الجراح، قال أخبرنا ربيعة بن عثمان عن عمران بن‏

____________

(1) سورة التوبة: الآية 107.

(2) سورة التوبة: الآية 108.

15

أبى أنس عن سهل بن سعد، قال: اختلف رجلان على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما هو مسجد الرسول، و قال الآخر هو مسجد قباء، فأتيا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسألاه فقال هو مسجدى هذا.

حدثنا عمرو بن محمد و محمد بن حاتم بن ميمون، قالا حدثنا وكيع عن ربيعة بن عثمان التيمي عن عثمان بن عبيد اللّه بن أبى رافع عن ابن عمر قال المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم).

حدثنا محمد بن حاتم، قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد اللّه بن عامر الأسلمى، عن عمران بن أبى أنس عن سهل بن سعد عن أبى بن كعب، قال: سئل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال هو مسجدى هذا.

قال حدثني هدبة بن خالد. قال حدثنا أبو هلال الراسبي، قال أخبرنا قتادة عن سعيد بن المسيب فى قوله‏ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ (1) قال هو مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأعظم. حدثنا على بن عبد اللّه المديني، قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن خارجة ابن زيد بن ثابت، قال المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول (عليه السلام). حدثنا عفان، قال: حدثنا وهيب، قال حدثنا داود بن أبى هند عن سعيد بن المسيب، قال المسجد الذي أسس على التقوى مسجد المدينة الأعظم حدثنا محمد بن حاتم ابن ميمون السمين قال حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدري عن أبيه، قال: هو مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعنى الذي أسس على التقوى قالوا و قد وسع مسجد قباء بعد و زيد فيه و كان عبد اللّه بن عمر إذا دخله صلى إلى الاسطوانة المخلقة و كان ذلك مصلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قالوا و أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقباء يوم الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و ركب منها يوم الجمعة يريد المدينة فجمع فى مسجد كان بنو سالم بن عوف‏

____________

(1) سورة التوبة: الآية 107.

16

ابن عمرو بن عوف بن الخزرج بنوه، و كانت تلك أول جمعة جمع فيها

ثم مر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمنازل الأنصار منزلا منزلا و كلهم يسأله النزول عليه حتى إذا انتهى إلى موضع مسجده بالمدينة بركت ناقته فنزل عنها و جاء أبو أيوب، خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد ابن عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج فأخذ رحله فنزل (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند أبى أيوب و أراده قوم من الخزرج على النزول عندهم فقال: المرء مع رحله فكان مقامه فى منزل أبى أيوب سبعة أشهر و نزل عليه تمام الصلاة بعد مقدمه بشهر و وهبت الأنصار لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كل فضل كان فى خططها و قالوا يا نبى اللّه إن شئت فخذ منازلنا فقال لهم خيرا،

قالوا: و كان أبو أمامة أسعد بن زرارة ابن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار نقيب النقباء يجمع يمن يليه من المسلمين فى مسجد له فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصلى فيه ثم أنه سأل أسعد أن يبيعه أرضا متصلة بذلك المسجد كانت فى يده ليتيمين فى حجره يقال لهما سهل و سهيل، ابنا رافع ابن أبى عمرو بن عابدين ثعلبة بن غنم، فعرض عليه أن يأخذها و يغرم عنه اليتيمين ثمنها، فأبى رسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك، و ابتاعها منه بعشرة دنانير أداها من مال أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه، ثم إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر باتخاذ اللبن، فاتخذ و بنى به المسجد و رفع أساسه بالحجارة و سقف بالجريد و جعلت عمده جذوعا، فلما استخلف أبو بكر رضى اللّه عنه لم يحدث فيه شيئا، و استخلف عمر رضى اللّه عنه فوسعه و كلم العباس بن عبد المطلب رضى اللّه عنه فى بيع داره ليزيدها فيه فوهبها العباس للّه و المسلمين فزادها عمر رضى اللّه عنه فى المسجد، ثم أن عثمان بن عفان رضى اللّه عنه بناه‏

17

فى خلافته بالحجارة و القصة و جعل عمده حجارة و سقفه بالساج و زاد فيه و نقل اليه الحصباء من العقيق، و كان أول من اتخذ فيه المقصورة مروان بن الحكم ابن العاص بن أمية، بناها بحجارة منقوشة ثم لم يحدث فيه شي‏ء إلى أن ولى الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد أبيه فكتب إلى عمر بن عبد العزيز و هو عامله على المدينة يأمره بهدم المسجد و بنائه، و بعث إليه بمال و فسيفساء و رخام و ثمانين صانعا من الروم و القبط من أهل الشام و مصر فبناه و زاد فيه و ولى القيام بأمره و النفقة عليه صالح بن كيسان مولى سعدى مولاة آل معيقيب ابن أبى فاطمة الدوسي و ذلك فى سنة سبع و ثمانين، و يقال فى سنة ثمان و ثمانين ثم لم يحدث فيه أحد من الخلفاء شيئا حتى استخلف المهدى أمير المؤمنين صلاة اللّه عليه، قال الواقدي بعث المهدى عبد الملك بن شبيب الغساني و رجلا من ولد عمر بن عبد العزيز إلى المدينة لبناء مسجدها و الزيادة فيه و عليها يومئذ جعفر بن سليمان بن على، فمكثا فى عمله سنة و زادا فى مؤخره مائة ذراع فصار طوله ثلاثمائة ذراع و عرضه مائتي ذراع، و قال على بن محمد المدائني ولى المهدى أمير المؤمنين جعفر بن سليمان مكة و المدينة و اليمامة فزاد فى مسجد مكة و مسجد المدينة، فتم بناء مسجد المدينة فى سنة اثنين و ستين و مائة، و كان المهدى أتى المدينة فى سنة ستين قبل الحج فأمر بقلع المقصورة و تسويتها مع المسجد، و لما كانت سنة سبع و أربعين و مائتين أمر أمير المؤمنين جعفر المتوكل على اللّه (رحمه اللّه) بمرمة مسجد المدينة، فحمل اليه فسيفساء كثير و فرغ منه فى سنة سبع و أربعين و مائتين.

حدثني عمر بن حماد بن أبى حنيفة قال حدثنا مالك بن أنس، قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ «ما يفتح من مصر أو مدينة عنوة فان المدينة فتحت بالقرآن».

حدثنا شيبان بن أبى شيبة الابلى قالت: حدثنا أبو الأشهب قال أخبرنا الحسن أن‏

18

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏ «أن لكل نبى حرما، و أنى حرمت المدينة كما حرم إبراهيم (عليه السلام) مكة ما بين حرتيها لا يختلى خلاها و لا يعضد شجرها و لا يحمل فيها السلاح لقتال، فمن أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل منه صرف و لا عدل»

و حدثني روح بن عبد المؤمن البصري المقري، قال حدثنا أبو عوانة «عن عمر بن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ «اللهم ان إبراهيم عبدك و رسولك، و أنا عبدك و رسولك، و إنى قد حرمت ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم مكة،

فكان أبو هريرة يقول: و الذي نفسي بيده لو أجد الظباء ببطحان ما عانيتها» و حدثنا سيبان بن أبى شيبة قال: حدثنا القاسم بن الفضل الحدانى عن محمد بن زياد عن جده، و كان مولى عثمان بن مظعون، و كانت فى يده أرض لآل مظعون بالحرة، قال. كان عمر بن الخطاب ربما أتانى نصف النهار واضعا ثوبه على رأسه فيجلس إلى و يتحدث عندي فأجيئه من القثاء و البقل، فقال لى يوما لا تبرح فقد استعملتك على ما ههنا و لا تدعن أحدا يخبط شجرة و لا يعضدها يعنى من شجر المدينة، فان وجدت أحدا يفعل ذلك فخذ حبله و فأسه، قال قلت آخذ ثوبه قال لا.

و حدثني أبو مسعود بن القتات، قال حدثنا ابن أبى يحيى المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حرم من الشجر ما بين أحد إلى عير «و أذن لصاحب الناضح فى الغضا و ما يصلح به محارثه و عربه.

و حدثني بكر بن الهيثم، قال حدثنا عبد اللّه بن صالح، عن الليث بن سعد عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال سمعت عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه يقول لرجل استعمله عن حمى الربذة نسى بكر اسمه اضمم جناحك عن كل مسلم، و اتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، و أدخل رب الصريمة و الغنيمة، و دعني من نعم ابن عفان و ابن عوف فإنهما أن تهلك ماشيتهما

19

ترجعا إلى زرع، و إن هذا البائس ان تهلك ماشيته يجي‏ء فيصرخ يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين، فالكلاء أهون على المسلمين من غرم المال ذهبه و ورقه، و اللّه انها لأرضهم قاتلوا عليها فى الجاهلية و أسلموا عليها فى الإسلام و انهم ليرون أنى أظلمهم، و لولاء النعم التي تحمل عليها فى سبيل اللّه ما حميت عن الناس من بلادهم شيئا أبدا.

حدثنا القاسم بن سلام أبو عبيد، قال حدثني ابن أبى مريم، على العمرى، عن نافع عن ابن عمر، قال حمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) النقيع لخيل المسلمين، قال لى أبو عبيد بالنون و قال النقيع فيه قاع زرق و هو الخندقون.

و حدثني مصعب بن عبد اللّه الزبيري عن أبيه، عن ابن الدراوردي عن محمد بن ابراهيم التيمي عن أبيه عن سعد بن أبى وقاص، أنه وجد غلاما يقطع الحمى فضربه و سلبه فأسه، فدخلت مولاته أو امرأة من أهله على عمر رضى اللّه عنه فشكت إليه سعدا، فقال عمر رد الفأس و الثياب، أبا إسحاق رحاك، فأبى و قال لا أعطى غنيمة غنمنيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، سمعته يقول: من وجدتموه يقطع الحمى فاضربوه و أسلبوه، فاتخذ من الفأس مسحاة فلم يزل يعمل بها فى أرضه حتى توفى.

و حدثنا أبو الحسن المطائنى، عن ابن جعدبة و أبى معشر، قال‏ لما كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بظريب التعاويل مقدمه من غزوة ذى قرد قالت له بنو حارثة من الأنصار: يا رسول اللّه، ههنا مسارح ابلنا، و مرعى غنمنا، و مخرج نسائنا، يعنون موضع الغابة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من قطع شجرة فليغرس مكانها ودية، فغرست الغابة.

و حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال أخبرنا محمد بن إسحاق، عن أبى مالك بن ثعلبة، عن أبيه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قضى فى وادي مهزور أن يحبس الماء فى الأرض الى الكعبين، فإذا بلغ الكعبين أرسل الى الأخرى، لا يمنع الأعلى الأسفل. و حدثنا إسحاق بن‏

20

أبى إسرائيل، قال حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قضى فى سبيل مهزور أن الأعلى يمسك على من أسفل منه حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسله على من أسفل منه، و حدثني عمر بن حماد بن أبى حنيفة. قال حدثنا مالك بن أنس، عن عبد اللّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى عن أبيه، قال قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى سيل مهزور و مذينيب أن يحبس الماء حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل، قال مالك و قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى سيل بطحان بمثل ذلك.

و حدثني الحسين بن الأسود العجلى، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا يزيد بن عبد العزيز، عن محمد بن إسحاق قال حدثنا أبو مالك بن ثعلبة بن أبى مالك عن أبيه، قال‏ اختصم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى مهزور وادي بنى قريظة فقضى أن الماء إلى الكعبين لا يحبسه الأعلى على الأسفل،

و حدثني الحسين، قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا حفص ابن غياث، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏ قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى سيل مهزور أن لأهل النخل إلى العقبين، و لأهل الزرع إلى الشراكين. ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم.

و حدثني حفص بن عمر الدوري قال حدثنا عباد بن عباد، قال: حدثنا هشام بن عروة عن عروة، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ بطحان على ترع من ترع الجنة.

و حدثني على بن محمد المدائني أبو الحسن عن ابن جعدبة و غيره، قالوا أشرفت المدينة على الغرق فى خلافة عثمان من سيل مهزور حتى اتخذ له عثمان ردما قال أبو الحسن و جاء أيضا بماء مخوف عظيم فى سنة ست و خمسين و مائة فبعث إليه عبد الصمد بن على بن عبد اللّه بن العباس، و هو الأمير يومئذ، عبيد اللّه بن أبى سلمة العمرى، فخرج و خرج الناس بعد صلاة العصر، و قد ملأ السيل صدقات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فدلتهم عجوز من أهل العالية على موضع كانت‏

21

تسمع الناس يذكرونه، فحفروه فوجد الماء منسربا، فغاص منه إلى وادي بطحان، قال و من مهزور إلى مذينيب شعبة يصب فيها. حدثني محمد بن أبان الواسطي، قال حدثنا أبو هلال الراسبي، قال حدثنا الحسن، قال:

«دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للمدينة و أهلها و سماها طيبة»، و حدثني أبو عمر حفص بن عمر الدوري، قال حدثنا عباد بن عباد عن هشام ابن عروة، عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت لما هاجر رسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة مرض المسلمون بها، فكان ممن اشتد به مرضه أبو بكر، و بلال و عامر بن فهيرة، فكان أبو بكر رضى اللّه عنه يقول فى مرضه:

كل امرئ مصبح فى أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏

و كان بلال رضى اللّه عنه يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة* * * بفخ و حولي أذخر و جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل تبدون لى شامة و طفيل‏

و كان عامر بن فهيرة يقول:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه‏* * * ان الجبان حتفه من فوقه‏

(كل امرئ مجاهد بطوقه)* * * كالثور يحمى جلده بروقه‏

قال‏ فأخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك، فقال «اللهم طيب لنا المدينة كما طيبت لنا مكة و بارك لنا فى مدها و صاعها».

حدثنا الوليد بن صالح، قال حدثنا الواقدي، عن محمد بن عبد اللّه، عن الزهري، عن عروة، أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير بن العوام فى اشراج الحرة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك»

و أخبرنى على الأثرم، عن أبى عبيدة، قال الاشراج مسائل الماء فى الحرار، و الحرة أرض مفروشة بصخر، قال و قال‏

22

الأصمعي، مسائل من الحرار إلى السهولة. حدثني الحسين بن على بن الأسود العجلى، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا يزيد بن عبد العزيز، حدثنا هشام ابن عروة عن أبيه، قال: أقطع عمر رضى اللّه عنه العقيق حتى انتهى إلى أرض فقال ما أقطعت مثلها، قال خوات بن جبير أقطعنيها فاقطعه إياها، و حدثني الحسين، قال حدثنا يحيى بن آدم، عن يزيد بن عبد العزيز، عن هشام بن عروة عن أبيه قال أقطع عمر العقيق ما بين أعلاه إلى أسفله، و حدثني الحسين، قال حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة قال خرج عمر يقطع الناس و خرج معه الزبير فجعل عمر يقطع حتى مر بالعقيق، فقال أين المستقطعون مذ اليوم ما مررت بقطعة أجود منها، فقال الزبير أقطعنيها فاقطعه إياها.

و حدثني الحسين، قال حدثني يحيى بن آدم، قال حدثنا أبو معاوية الضرير، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال أقطع عمر العقيق كله حتى انتهى إلى قطيعة خوات بن جبير الأنصارى، فقال أين المستقطعون، ما أقطعت اليوم أجود من هذه و حدثنا خلف بن هشام البزار، قال حدثنا أبو بكر ابن عياش، قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال أقطع عمر بن الخطاب خوات بن جبير الأنصارى أرضا مواتا فاشتريناها منه، حدثني الحسين بن الأسود، قال حدثنا يحيى بن آدم عن أبى بكر بن عياش، عن هشام عن أبيه بمثله. و حدثني الحسين، قال حدثني يحيى بن آدم، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة عن عروة، قال أقطع أبو بكر الزبير ما بين الجرف إلى قناة، و أخبرنى أبو الحسن المدائني، قال قناة واد يأتى من الطائف و يصب إلى الأرحضية، و قرقرة الكدر، ثم يأتى سد معاوية ثم يمر على طرف القدوم و يصب فى أصل قبور الشهداء بأحد. و حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال حدثنا إسحاق بن عيسى، عن مالك بن أنس، عن ربيعة، عن قوم من علمائهم، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع بلال‏

23

ابن الحارث المزني معادن بناحية الفرع. و حدثني عمرو الناقد و ابن سهم الأنطاكي، قالا حدثنا الهيثم بن جميل الأنطاكى، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن أبى مكين، عن أبى عكرمة، مولى بلال بن الحارث المزني، قال أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلالا أرضا فيها جبل و معدن، فباع بنو بلال عمر بن عبد العزيز أرضا منها فظهر فيها معدن أو قال معدنان، فقالوا إنما بعناك أرض حرث و لم نبعك المعادن، و جاءوا بكتاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهم فى جريدة فقبلها عمر و مسح بها عينه و قال لقيمه: أنظر ما خرج منها و ما أنفقت و قاصهم بالنفقة و رد عليهم الفضل. و حدثنا أبو عبيد، قال حدثنا نعيم ابن حماد، عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن الحارث ابن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه بلال بن الحارث، أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطعه العقيق أجمع و حدثني مصعب الزبيري، قال: قال مالك بن أنس أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بلال بن الحارث معادن بناحية الفرع لا اختلاف فى ذلك بين علمائنا، و لا أعلم بين أحد من أصحابنا خلافا أن فى المعدن الزكاة ربع العشر، قال مصعب: و روى عن الزهري أنه كان يقول: فى المعادن الزكاة، و روى عنه أيضا قال، فيها الخمس مثل قول أهل العراق، و هم يأخذون اليوم من معادن الفرع، و نجران و ذى المروة، و وادي القرى، و غيرها الخمس، على قول سفيان الثوري، و أبى حنيفة، و أبى يوسف و أهل العراق و حدثني الحسين بن الأسود، قال حدثنا وكيع بن الجراح، قال حدثنا الحسن ابن صالح بن حي، عن جعفر بن محمد أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع عليا رضى اللّه عنه أربع أرضين الفقيرين، و بئر قيس، و الشجرة. و حدثني الحسين عن يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمد مثله.

و حدثني عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد

24

عن أبيه، أنه قال: أقطع عمر بن الخطاب عليا رضى اللّه عنهما ينبع فأضاف إليها غيرها. و حدثني الحسين، عن يحيى بن آدم، عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد عن أبيه بمثله، و حدثني من أثق به، عن مصعب بن عبد اللّه الزبيري، أنه قال: نسبت بئر عروة بن الزبير إلى عروة بن الزبير، و نسب حوض عمرو إلى عمرو بن الزبير، و نسب خليج بنات نائلة إلى ولد نائلة بنت الفرافصة الكلبية امرأة عثمان بن عفان، و كان عثمان بن عفان رضى اللّه عنه اتخذ هذا الخليج، و ساقه إلى ارض استخرجها و اعتملها بالعرضة، و أرض أبى هريرة نسبت إلى أبى هريرة الدوسي، و الصهوة صدقة عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما فى جبل جهينة و قصر نفيس ينسب فيما يقال إلى نفيس التاجر ابن محمد بن زيد بن عبيد بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد من الخزرج و هم حلفاء بنى ذريق بن عبد حارثة من الخزرج و هذا القصر بحرة واقم بالمدينة و استشهد عبيد بن المعلى يوم أحد قال و يقال أنه نفيس بن محمد بن زيد بن عبيد بن مرة مولى المعلى فان عبيدا هذا و أباه من سبى عين التمر و مات عبيد بن مرة أيام الحرة و كان يكنى أبا عبد اللّه قال: و بئر عائشة نسبت إلى عائشة بن نمير بن واقف. و عائشة رجل و هو من الأوس، و بئر المطلب على طريق العراق، نسبت إلى المطلب بن عبد اللّه بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم، و بئر ابن المرتفع نسبت إلى محمد بن المرتفع بن النضير العبدري.

حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن عبد اللّه بن جعفر عن شريك ابن عبد اللّه عن أبى نمر الليثي، عن عطاء بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث ابن حزن بن بحير الهلالية قال‏ لما أراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يتخذ السوق بالمدينة قال: هذا سوقكم لا خراج عليكم فيه،

و حدثني العباس بن‏

25

هشام الكلبي، عن أبيه عن جده، محمد بن السائب، و شرقى بن القطامي الكلبي، قالا لما هدم بختنصر بيت المقدس، و أجلى من أجلى و سبى من سبى من بنى إسرائيل لحق قوم منهم بناحية الحجاز فنزلوا وادي القرى، و تيماء و يثرب، و كان بيثرب قوم من جرهم، و بقية من العماليق قد اتخذوا النخل و الزرع، فأقاموا معهم و خالطوهم فلم يزالوا يكثرون و تقل جرهم و العماليق، حتى نفوهم عن يثرب و استولوا عليها، و صارت عمارتها و مراعيها لهم فمكثوا على ذلك ما شاء اللّه، ثم ان من كان باليمن من ولد سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان بغوا و طغوا و كفروا نعمة ربهم فيما آتاهم من الخصب و رفاهة العيش، فخلق اللّه جرذانا جعلت تنقب سدا كان لهم بين جبلين فيه أنابيب يفتحونها إذا شاءوا فيأتيهم الماء منها على قدر حاجتهم و إرادتهم، و السد العرم، فلم تزل تلك الجرذان تعمل فى ذلك العرم حتى خرقته، فأغرق اللّه تعالى جنانهم، و ذهب بأشجارهم و أبدلهم خمطا واثلا و شيئا من سدر قليلا، فلما رأى ذلك مزيقيا، و هو عمر بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس ابن مازن بن الأزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان، باع كل شي‏ء له من عقار و ماشية و غير ذلك و دعا الأزد متى صاروا معه إلى بلادعك فأقاموا بها. و قال عمرو:

الانتجاع قبل العلم عجز، فلما رأت عك غلبة الأزد على أجود مواضعهم غمها ذلك، فقالت للأزد انتقلوا عنا، فقام رجل من الأزد أعور أصم يقال له جذع، فوثب بطائفة منهم فقتلهم و نشبت الحرب بين الأزد و عك، فانهزمت الأزد ثم كرت فقال جذع فى ذلك:

نحن بنو مازن غير شك‏* * * غسان غسان و عك عك‏

سيعلمون أينا أرك

و كانت الأزد نزلت بماء يقال له غسان، فسموا بذلك، ثم إن الأزد

26

سارت حتى انتهت إلى بلاد حكم بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد ابن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فقاتلوهم فظهرت الأزد على حكم. ثم انه بدا لهم الانتقال عن بلادهم فانتقلوا و بقيت طائفة منهم معهم، ثم أتوا نجران فحاربهم أهلها فنصروا عليهم فأقاموا بنجران ثم رحلوا عنها إلا قوم منهم تخلفوا بها لأسباب دعتهم إلى ذلك فأتوا مكة و أهلها جرهم فنزلوا بطن مر، و سأل ثعلبة بن عمرو مزيقيا جرهم أن يعطوهم سهل مكة فأبوا، فقاتلهم حتى غلب على السهل، ثم أنه و الأزد استؤبوا مكانهم و رأوا شدة العيش به فتفرقوا. فأنت طائفة منهم عمان، و طائفة السراة و طائفة الأنبار و الحيرة، و طائفة الشام، و أقامت طائفة منهم بمكة، فقال جذع! كلما صرتم يا معاشر الأزد إلى ناحية انخزعت منكم جماعة يوشك أن تكونوا أذنابا فى العرب، فسمى من أقام بمكة خزاعة، و أتى ثعلبة بن عمرو، مزيقيا و ولده و من تبعه يثرب، و سكانها اليهود فأقاموا بها خارج المدينة، ثم انهم عفوا و كثروا و عزوا حتى أخرجوا اليهود منها و دخلوها فنزلت اليهود خارجها، فالأوس و الخزرج ابنا حارثة ابن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر و أمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو، و يقال أنها غسانية من الأزد و يقال أنها عذرية، و كانت للأوس و الخزرج قبل الإسلام وقائع و أيام تدربوا فيها بالحروب و اعتادوا اللقاء، حتى شهر بأسهم، و عرفت نجدتهم، و ذكرت شجاعتهم، و جل فى قلوب العرب أمرهم، و هابوا حدهم فامتنعت حوزتهم و عز جارهم، و ذلك لما أراد اللّه من إعزاز نبيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إكرامهم بنصرته، قالوا و لما قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة كتب بينه و بين يهود يثرب كتابا، و عاهدهم عهدا، و كان أول من نقض و نكس منهم، يهود بنى قينقاع، فاجلاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن المدينة، و كان أول أرض افتتحها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرض بنى النضير

.

27

أموال بني النضير

قال: أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنى النضير من يهود و معه أبو بكر، و عمر، و أسيد بن حضير، فاستعانهم فى دية رجلين من بنى كلاب ابن ربيعة موادعين له كان عمرو بن أمية الضمري قتلهما فهموا بأن يلقوا عليه رحا فانصرف عنهم و بعث إليهم يأمرهم بالجلاء عن بلده إذ كان منهم ما كان من الغدر و النكث، فأبوا ذلك و أذنوا بالمحاربة، فزحف إليهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحاصرهم خمس عشرة ليلة، ثم صالحوه على أن يخرجوا من بلده، و لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة و الآلة و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرضهم و نخلهم و الحلقة و سائر السلاح (و الحلقة الدروع) فكانت أموال بنى النضير خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان يزرع تحت النخل فى أرضهم فيدخل من ذلك قوت أهله و أزواجه سنة، و ما فضل جعله فى الكراع و السلاح و أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أرض بنى النضير، أبا بكر، و عبد الرحمن بن عوف، و أبا دجانة سماك ابن خرشة الساعدي و غيرهم، و كان أمر بنى النضير فى سنة أربعة من الهجرة، قال الواقدي و كان مخيريق أحد بنى النضير حبرا عالما، فآمن برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جعل ماله له و هو سبعة حوائط، فجعلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صدقة، و هي الميثب و الصافية و الدلال، و حسنى، و برقة، و الأعوف، و مشربة أم ابراهيم بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هي مارية القبطية.

حدثنا القاسم بن سلام، قال حدثنا عبد اللّه بن صالح، قال أخبرنا الليث ابن سعد عن عقيل عن الزهري، أن وقيعة بنى النضير من يهود كانت على ستة أشهر من يوم أحد، فحاصرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى نزلوا

28

على الجلاء و على أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة إلا الحلقة فأنزل اللّه فيهم‏ (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) إلى قوله‏ (وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) و حدثنا الحسين بن الأسود قال حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبى زائدة، عن محمد بن اسحاق فى قوله‏ (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْهُمْ)، قال من بنى النضير (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ)، قال أعلمهم انها لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خالصة دون الناس، فقسمها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المهاجرين إلا أن سهل بن حنيف، و أبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما، قال و أما قوله‏ (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ) إلى آخر الآية، قال: هذا قسم آخر بين المسلمين على ما وصفه اللّه. و حدثني محمد بن حاتم السمين، قال حدثنا الحجاج بن محمد عن ابن جريح، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر، قال أحرق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نخل بنى النضير و قطع و فى ذلك يقول حسان ابن ثابت:

لهان على سراة بنى لؤي‏* * * حريق بالبويرة مستطير

قال ابن جريح و فى ذلك نزلت‏ (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى‏ أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) «اللينة النخلة». و حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج، عن ابن جريح، عن موسى عن نافع، عن ابن عمر بمثله و قال أبو عمر الشيبانى، الراوية و غيره من الرواة أن هذا الشعر لأبى سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب و إنما هو.

لعز على سراة بنى لؤي‏* * * حريق بالبويرة مستطير

و يروى بالبويلة. فأجابه حسان بن ثابت فقال:

أدام اللّه ذلكم حريقا* * * و ضرم فى طوائفها السعير

29

هم أوتوا الكتاب فضيعوه‏* * * فهم عمى عن التوراة بور

و حدثني عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قال عمر بن الخطاب كانت أموال بنى النضير مما أفاء اللّه على رسوله و لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب فكانت له خالصة فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، و ما بقي جعله فى الكراع و السلاح عدة فى سبيل اللّه.

حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه أخبره أن عمر بن الخطاب، قال كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاث صفايا، مال بنى النضير و خيبر، و فدك، فأما أموال بنى النضير فكانت حبسا لنوائبه، و أما فدك فكانت لأبناء السبيل، و أما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين منها بين المسلمين و حبسر جزءا لنفسه و نفقة أهله، فما فضل من نفقتهم رده الى فقراء المهاجرين و حدثنا الحسين بن الأسود، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا سفيان عن الزهري قال. كانت أموال بنى النضير مما أفاء اللّه على رسوله و لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب فكانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خالصة فقسمها بين المهاجرين و لم يعط أحدا من الأنصار منها شيئا إلا رجلين كانا فقيرين، سماك بن خرشة أبا دجانة، و سهل بن حنيف.

و حدثنا الحسين، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، أبى الكلبي، قال‏ لما ظهر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أموال بنى النضير، و كانوا أول من أجلى قال اللّه تبارك و تعالى‏ (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) و الحشر الجلاء، فكانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) للأنصار ليست لإخوانكم‏

30

من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمت هذه و أموالكم بينكم و بينهم جميعا، و إن شئتم أمسكتم أموالكم و قسمت هذه فيهم خاصة، فقالوا. بل قسم هذه فيهم و اقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت‏ (وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)

فقال أبو بكر: جزاكم اللّه يا معشر الأنصار خيرا، فو اللّه ما مثلنا و مثلكم إلا كما قال الغنوي‏

جزى اللّه عنا جعفرا حين أزلقت‏* * * بنا نعلنا فى الوطأتين فزلت‏

أبوا أن يملونا و لو أن أمنا* * * تلاقى الذي يلقون منا لملت‏

فذو المال موفور و كل معصب‏* * * إلى حجرات أدفأت و أظلت‏

و حدثنا الحسين، قال حدثنا يحيى بن آدم، قال أخبرنا قيس بن الربيع، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الزبير بن العوام أرضا من أرض بنى النضير ذات نخل. و حدثنا الحسين، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا يزيد بن عبد العزيز، عن هشام بن عروة عن أبيه. قال أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أموال بنى النضير. و اقطع الزبير. و حدثني محمد بن سعد. كاتب الواقدي. قال حدثنا أنس بن عياض. و عبد اللّه بن نمير قالا حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أقطع الزبير أرضا من أموال بنى النضير فيها نخل. و أن أبا بكر أقطع الزبير الجرف.

قال أنس فى حديثه أرضا مواتا. و قال عبد اللّه بن نمير فى حديثه. و ان عمر أقطع الزبير العقيق أجمع.

أموال بني قريظة

قالوا حاصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنى قريظة لليال من ذى القعدة و ليال من ذى الحجة سنة خمس. فكان حصارهم خمس عشرة ليلة و كانوا ممن‏

31

أعان على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى غزوة الخندق، و هي غزوة الأحزاب ثم انهم نزلوا على حكمه، فحكم فيهم سعد بن معاذ الأوسى، فحكم بقتل من جرت عليه المواسى، و بسبي النساء و الذرية، و ان يقسم ما لهم بين المسلمين، فأجاز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك، و قال: لقد حكمت بحكم اللّه و رسوله.

حدثني عبد الواحد بن غياث، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما فرغ من الأحزاب دخل مغتسلا ليغتسل، فجاءه جبريل، فقال: يا محمد قد وضعتم أسلحتكم و ما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد إلى بنى قريظة فقالت عائشة يا رسول اللّه لقد رأيته من خلل الباب، و قد عصب التراب رأسه.

و حدثني عبد الواحد بن غياث، قال حدثنا حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن كثير بن السائب أن بنى قريظة عرضوا على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فمن كان منهم محتلما أو قد نبتت عانته قتل، و من لم يكن احتلم و لا نبتت عانته ترك.

و حدثني وهب بن بقية، قال حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام عن الحسن قال: عاهد حيي بن أخطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أن لا يظاهر عليه أحدا و جعل اللّه عليه كفيلا، فلما أتى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم قريظة و بابنه، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لقد أوفى الكفل، ثم أمر به فضربت عنقه و عنق ابنه، حدثني بكر بن الهيثم، قال حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال سألت الزهري، هل كانت لبنى قريظة أرض، فقال سديد اقسمها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين المسلمين على السهام. و حدثني الحسين بن الأسود قال:

حدثنا يحيى بن آدم، عن أبى بكر بن عياش، عن الكلبي، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: قسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أموال بنى قريظة و خيبر بين المسلمين حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح،

32

كاتب الليث عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حاصر بنى قريظة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فقضى بأن تقتل رجالهم، و سبى ذراريهم، و تقسم أموالهم، فقتل منهم يومئذ كذا و كذا رجلا.

غزوة خيبر

قالوا غزا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيبر فى سنة سبع، فطاوله أهلها و ماكثوه و قاتلوا المسلمين، فحاصرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قريبا من شهر، ثم أنهم صالحوه على حقن دمائهم، و ترك الذرية على أن يجلوا و يخلوا بين المسلمين و بين الأرض و الصفراء و البيضاء و البزة، إلا ما كان منها على الأجساد و أن لا يكتموه شيئا، ثم قالوا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ان لنا بالعمارة و القيام على النخل علما فأقرنا،

فأقرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عاملهم على الشطر من الثمر و الحب، و قال: أقركم ما أقركم اللّه،

فلما كانت خلافة عمر ابن الخطاب رضى اللّه عنه ظهر فيهم الوباء، و تعبثوا بالمسلمين، فأجلاهم عمر، و قسم خيبر بين من كان له فيها سهم من المسلمين.

حدثني الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا زياد بن عبد اللّه بن طفيل، عن محمد بن إسحاق، قال سألت بن شهاب عن خيبر، فأخبرنى أنه بلغه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) افتتحها عنوة بعد القتال، و كانت مما أفاء اللّه على رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فخمسها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قسمها بين المسلمين، و نزل من ترك من أهلها على الجلاء، فدعاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المعاملة ففعلوا. و حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال حدثنا حماد بن سلمة عن عبيد اللّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

33

أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجاهم إلى قصرهم و غلبهم على الأرض و النخل و صالحهم على أن يحقن دماءهم و يجلوا و لهم ما حملت ركابهم، و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الصفراء و البيضاء و الحلقة، و اشترط عليهم أن لا يكتموا، و لا يغيبوا شيئا فإن فعلوا فلا ذمة لهم و لا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال و حلى لحيي ابن أخطب، و كان احتمله معه الى خيبر حين أجليت بنو النضير،

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لسعية بن عمرو ما فعل مسك حيي الذي جاء به من قبل بنى النضير قال أذهبته الحروب و النفقات، قال: العهد قريب، و المال كثير،

و قد كان حيي قتل قبل ذلك، فدفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سعية إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال رأيت حييا يطوف فى خربة ههنا، فذهبوا الى الخربة ففتشوها فوجدوا المسك، فقتل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ابني أبى الحقيق، و أحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، و سبى نساءهم و ذراريهم، و قسم أموالهم للنكث الذي نكثوا فأراد أن يجليهم عنها، فقالوا دعنا نكن فى هذه الأرض نصلحها و نقوم عليها، و لم يكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه غلمان يقومون بها، و كانوا لا يفرغون للقيام عليها بأنفسهم، فأعطاهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع و نخل و شي‏ء ما بدا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)،

فكان عبد اللّه بن رواحة يأتيهم فى كل عام فيخرصها عليهم ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شدة خرصه و أرادوا أن يرشوه فقال با أعداء اللّه أ تطعمونني السحت و اللّه لقد جئتكم من عند أحب الناس إلى و أنكم لأبغض إلى من عدتكم من القرود و الخنازير. و لن يحملني بغضي لكم و حبى إياه على أن لا أعدل عليكم، فقالوا بهذا قامت السماوات و الأرض. قال و رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعين صفية بنت حيي خضرة فقال يا صفية ما هذه الخضرة

34

فقالت كان رأسى فى حجر ابن أبى الحقيق و أنا نائمة، فرأيت كأن قمرا وقع فى حجري، فأخبرته بذلك فلطمني، و قال أ تمنين ملك يثرب،

قالت: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبغض الناس إلى قتل زوجي و أبى و أخى، فما زال يعتذر و يقول ان أباك ألب على العرب و فعل و فعل حتى ذهب ذلك من نفسي، قال و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعطى كل امرأة من نسائه ثمانين و سقا من تمر كل عام، و عشرين و سقا من شعير من خيبر، قال نافع فلما كان عمر بن الخطاب عاثوا فى المسلمين و غشوهم و ألقوا ابن عمر من فوق بيت و فدغوا يديه، فقسمها عمر رضى اللّه عنه بين المسلمين ممن كان شهد خيبر من أهل الحديبية.

و حدثنا الحسين بن الأسود، حدثنا يحيى بن آدم، عن زياد البكائى، عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال حصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهل خيبر فى حصنيهم الوطيح و سلالم، فلما أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم و يحقن دماءهم ففعل، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد حاز الأموال كلها الشق و النطاة و الكتيبة و جميع حصونهم إلا ما كان فى هذين الحصنين، حدثنا الحسين بن الأسود قال حدثنا يحيى بن آدم، قال حدثنا عبد السلام بن حرب، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى فى قوله تعالى: (وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)، قال خيبر (وَ أُخْرى‏ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها) فارس و الروم.

حدثنا عمر و النقد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار، أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قسم خيبر على ستة و ثلاثين سهما و جعل كل سهم مائة سهم فعزل نصفها لنوائبه و ما ينزل به و قسم النصف الباقي بين المسلمين فكان سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيما قسم الشق و النطاة و ما حيز

35

معهما، و كان فيما وقف الكتيبة و سلالم، فلما صارت الأموال فى يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يكن له من العمال من يكفيه عمل الأرض فدفعها إلى اليهود و يعملونها على نصف ما خرج منها فلم يزل على ذلك حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر، فلما كان عمرو كثر المال فى أيدى المسلمين و قووا على عمارة الأرض أجلى اليهود إلى الشام و قسم الأموال بين المسلمين.

حدثني بكر بن الهيثم، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما فتح خيبر كان سهم الخمس منها الكتيبة، و كان الشق و النطاة و سلالم و الوطيح للمسلمين، فاقرها فى يد يهود على الشطر فكان ما أخرج اللّه منها للمسلمين يقسم بينهم، حتى كان عمر فقسم رقبة الأرض بينهم على سهامهم. و حدثنا أبو عبيد، قال حدثنا على بن معبد، عن أبى المليح عن ميمون بن مهران، قال: حصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهل خيبر ما بين عشرين ليلة إلى ثلاثين ليلة.

حدثنا الحسين بن الأسود، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال أخبرنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار. أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قسم خيبر على ستة و ثلاثين سهما، لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثمانية عشر سهما، لما ينوبه من الحقوق، و أمر الناس، و الوفود، و قسم ثمانية عشره سهما كل سهم لمائة رجل. و حدثنا الحسين، قال حدثنا يحيى بن آدم. عن عبد السلام ابن حرب، عن يحيى بن سعيد، قال سمعت بشير بن يسار يقول قسمت سهمان خيبر على ستة و ثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم، فكان من ذلك للمسلمين ثمانية عشر سهما اقتسموها بينهم و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مثل سهم أحدهم. و ثمانية عشر سهما لمن نزل برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الناس. و الوفود. و ما نابه.

36

حدثنا عمرو الناقد. و الحسين بن الأسود، قالا حدثنا وكيع بن الجراح، قال حدثني العمرى. عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).

بعث ابن رواحة إلى خيبر، فخرص عليهم النخل، ثم خيرهم أن يأخذوا أو يردوا، فقالوا هذا الحق و به قامت السماوات و الأرض. و حدثنا إسحاق بن أبى إسرائيل، قال: حدثنا الحجاج بن محمد، عن ابن جريح، عن رجل من أهل المدينة: أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صالح بنى أبى الحقيق على أن لا يكتموا كنزا، فكتموه، فاستحل دماءهم.

حدثنا أبو عبيد، قال حدثنا على بن معبد، عن أبى المليح عن ميمون بن مهران أن أهل خيبر أخذوا الأمان على أنفسهم. و ذراريهم. على أن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كل شي‏ء فى الحصن،

قال: و كان فى الحصن أهل بيت فيهم شدة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال لهم: قد عرفت عداوتكم للّه، و لرسوله، و لن يمنعني ذلك من أن أعطيكم ما أعطيت أصحابكم، و قد أعطيتمونى أنكم إن كتمتم شيئا حلت لى دماؤكم، ما فعلت آنيتكم،

قالوا استهلكناها فى حربنا، قال فأمر أصحابه فأتوا المكان الذي هي فيه فاستثناؤها ثم ضرب أعناقهم.

حدثنا عمرو الناقد، و محمد بن الصباح، قالا: حدثنا هشيم، قال أخبرنا ابن أبى ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس، قال دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيبر بأرضها و نخلها إلى أهلها مقاسمة على النصف حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا هشيم بن بشير، قال أخبرنا داود بن أبى هند، عن الشعبي، قال: دفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيبر إلى أهلها بالنصف، و بعث عبد اللّه بن رواحة لخرص التمر- أو قال النخل- فحرص عليهم و جعل ذلك نصفين. فخيرهم أن يأخذوا أيهما شاءوا. فقالوا بهذا قامت السماوات‏

37

و الأرض، و حدثنا بعض أصحاب أبى يوسف، قال حدثنا أبو يوسف، عن مسلم الأعور، عن أنس أن عبد اللّه بن رواحة قال لأهل خيبر، ان شئتم خرصت و خيرتكم، و ان شئتم خرصتم و خيرتموني فقالوا: بهذا قامت السماوات و الأرض و حدثنا القسم بن سلام، قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح المصري، عن ليث ابن سعد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتح خيبر عنوة بعد قتال، فخمسها، و قسم أربعة أخماسها بين المسلمين.

و حدثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال قرأت على مالك بن أنس، عن ابن شهاب، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب،

ففحص عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه عن ذلك حتى أتاه الثلج و اليقين‏

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب‏

فأجلى يهود خيبر.

حدثني الوليد بن صالح، عن الواقدي عن أشياخه، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أطعم من سهمه بخيبر طعما فجعل لكل امرأة من نسائه ثمانين و سقا من تمر، و عشرين و سقا من شعير، و أطعم عمه العباس بن عبد المطلب رضى اللّه عنه مائتي و سق، و أطعم أبا بكر و عمر و الحسن و الحسين و غيرهم و أطعم بنى المطلب بن عبد مناف أوساقا معلومة، و كتب لهم بذلك كتابا ثابتا و حدثني الوليد، عن الوافدى عن أفلح بن حميد. عن أبيه. قال: ولاني عمر ابن عبد العزيز الكتيبة فكنا نعطي ورثة المطعمين. و كانوا محصين عندنا و حدثنا محمد بن حاتم السمين، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن ليث عن نافع، قال: أعطى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خيبر أهلها بالشطر فكانت فى أيديهم حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر، و صدرا من خلافة عمر ثم أن عبد اللّه بن عمر أتاهم فى حاجة فبيتوه فأخرجهم منها و قسمها بين‏

38

من حضرها من المسلمين و جعل لأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها نصيبا و قال أيتكن شاءت أخذت الثمرة و أيتكن شاءت أخذت الضيعة فكانت لها و لورثتها. و حدثني الحسين بن الأسود. قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن الكلبي، عن أبى صالح عن ابن عباس قال: قسمت خيبر على ألف و خمسمائة سهم و ثمانين سهما. و كانوا ألفا و خمسمائة و ثمانين رجلا. الذين شهدوا الحديبية منهم ألف و خمسمائة و أربعون. و الذين كانوا مع جعفر بن أبى طالب بأرض الحبشة أربعون رجلا.

حدثنا الحسين بن الأسود. قال حدثني يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الزبير أرضا بخيبر فيها نخل و شجر.

فتح فدك‏

قالوا: بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أهل فدك منصرفه من خيبر محيصة بن مسعود الأنصارى يدعوهم إلى الإسلام. و رئيسهم رجل منهم، يقال له يوشع بن نون اليهودي، فصالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على نصف الأرض بتربتها فقيل ذلك منهم، فكان نصف فدك خالصا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لأنه لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، و كان يصرف ما يأتيه منها إلى أبناء السبيل. و لم يزل أهلها بها إلى أن استخلف عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه. و أجلى يهود الحجاز فوجه أبا الهيثم مالك بن التيهان- و يقال النيهان- و سهل بن ابى حثمة، و زيد بن ثابت الأنصاريين. فقوموا بصف تربتها بقيمة عدل. فدفعها إلى اليهودي و أجلاهم إلى الشام.

39

حدثنا سعيد بن سليمان. عن الليث بن سعد. عن يحيى بن سعيد أن أهل فدك صالحوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على نصف أرضهم و نخلهم. فلما أجلاهم عمر بعث من أقام لهم حظهم من النخل و الأرض فأداه إليهم.

حدثني بكر بن الهيثم،: حدثنا عبد الرزاق، عن معمرى عن الزهري أن عمر بن الخطاب أعطى أهل فدك قيمة نصف أرضهم و تخلهم.

حدثنا الحسين بن الأسود قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا ابن أبى زائدة عن محمد بن إسحاق. عن الزهري و عبد اللّه بن أبى بكر. و بعض ولد محمد بن مسلمة قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا و سألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يحقن دماءهم و يسيرهم فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك، و كانت فدك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خاصة لأنه لم يوجف المسلمون عليها بخيل و لا ركاب.

و حدثنا الحسين عن يحيى بن آدم عن زياد البكائى عن محمد بن إسحاق، عن عبد اللّه بن أبى بكر بنحوه و زاد فيه، و كان فيمن مشى بينهم محيصة ابن مسعود.

حدثنا الحسين، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثني ابراهيم بن حميد عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن مالك بن أوسى بن الحدثان عن عمر رضى اللّه عنه، قال: كانت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثلاث صفايا فكانت أرض بنى النضير حبسا، و كانت لنوائبه، و جزأ خيبر على ثلاثة أجزاء و كانت فدك لأبناء السبيل.

حدثنا عبد اللّه بن صالح العجلى، قال: حدثنا صفوان بن عيسى عن أسامة ابن زيد عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، أن أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرسلن عثمان بن عفان إلى أبى بكر يسألنه مواريثهن من سهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بخيبر و فدك، فقالت لهن عائشة أما تتقين اللّه، أما سمعتن‏

40

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «لا نورث ما تركنا صدقة إنما هذا المال لآل محمد، لنائبتهم و ضيفهم، فإذا مت فهو إلى والى الأمر بعدي، قال: فأمسكن»

حدثنا أحمد بن ابراهيم الدورقي، حدثنا صفوان بن عيسى الزهري عن أسامة عن ابن شهاب عن عروة بمثله. حدثني ابراهيم بن محمد عن عرعرة عن عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي، ان بنى أمية اصطفوا فدك و غيروا سنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها، فلما ولى عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه ردها إلى ما كانت عليه.

و حدثنا عبد اللّه بن ميمون المكتب، قال: أخبرنا الفضيل بن عياض عن مالك بن جعونة عن أبيه، قال: قالت فاطمة لأبى بكر ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعل لى فدك فأعطنى إياها و شهد لها على بن أبى طالب فسألها شاهدا آخر فشهدت لها أم أيمن، فقال قد علمت يا بنت رسول اللّه أنه لا تجوز إلا شهادة رجلين أو رجل و امرأتين فانصرفت.

و

و حدثني روح الكرابيسي قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرنا خالد بن طهمان، عن رجل حسبه روح جعفر بن محمد أن فاطمة رضى اللّه عنها قالت لأبى بكر الصديق رضى اللّه عنه‏ أعطني فدك فقد جعلها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لى فسألها البينة فجاءت بأم أيمن و رباح مولى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فشهدا لها بذلك فقال إن هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل و امرأتين.

حدثنا ابن عائشة التيمي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبى صالح باذام، عن أم هانئ‏ أن فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتت أبا بكر الصديق رضى اللّه عنه، فقالت له من يرثك إذا مت قال ولدي و أهلى، قالت فما بالك ورثت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) دوننا، فقال يا بنت رسول اللّه و اللّه ما ورثت أباك ذهبا و لا فضة و لا كذا و لا كذا.

41

فقالت سهمنا بخيبر و صدقتنا فدك، فقال يا بنت رسول اللّه سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول «إنما هي طعمة أطعمنها اللّه حياتي فإذا مت فهي بين المسلمين».

حدثنا عثمان بن أبى شيبة، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة أن عمر بن عبد العزيز جمع بنى أمية فقال: إن فدك كانت للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكان ينفق منها، و يأكل، و يعود على فقراء بنى هاشم، و يزوج أيمهم و أن فاطمة سألته أن يهبها لها فلب، فلما قبض عمل أبو بكر فيها كعمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم ولى عمر فعمل فيها بمثل ذلك، و إنى أشهدكم أنى قد رددتها إلى ما كانت عليه.

حدثنا سريج بن يونس، قال: أخبرنا إسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن الزهري فى قول اللّه تعالى (فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ‏)، قال هذه قرى عربية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدك و كذا و كذا.

حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا سعيد بن عفير، عن مالك بن أنس، قال أبو عبيد لا أدرى ذكره عن الزهري أم لا، قال أجلى عمر يهود خيبر فخرجوا منها، فأما يهود فدك فكان لهم نصف الثمرة و نصف الأرض لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صالحهم على ذلك، فأقام لهم عمر نصف الثمرة و نصف الأرض من ذهب و ورق و اقتاب ثم أجلاهم. و حدثني عمرو الناقد، قال حدثني الحجاج بن أبى منيع الرصافي، عن أبيه عن أبى برقان، ان عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة خطب، فقال: ان فدك كانت مما أفاء اللّه على رسوله، و لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فسألته إياها فاطمة رحمها اللّه تعالى، فقال: ما كان لك أن تسألينى و ما كان لى أن أعطيك فكان يضع ما يأتيه منها فى أبناء السبيل، ثم ولى أبو بكر و عمرو عثمان و على‏

42

رضى اللّه عنهم فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم ولى معاوية فأقطعها مروان بن الحكم فوهبها مروان لأبى و لعبد الملك فصارت لى و للوليد و سليمان، فلما ولى الوليد سألته حصته منها فوهبها لى و سألت سليمان حصته منها فوهبها لى فاستجمعتها و ما كان لى من مال أحب إلى منها، فاشهدوا أنى قد رددتها إلى ما كانت عليه، و لما كانت سنة عشر و مائتين أمر أمير المؤمنين المأمون، عبد اللّه بن هارون الرشيد فدفعها إلى ولد فاطمة و كتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة، أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين اللّه. و خلافة رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و القرابة به أولى من استن سنته، و نفذ أمره و سلم لمن منحه منحة و تصدق عليه بصدقة منحته و صدقته، و بالله توفيق أمير المؤمنين و عصمته، و إليه فى العمل بما يقربه إليه رغبته، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطى فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدك و تصدق بها عليها، و كان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لاختلاف فيه بين آل رسول اللّه صلى اللّه عليه، و لم تزل تدعى منه ما هو أولى به من صدق عليه فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها و يسلمها إليهم تقربا إلى اللّه تعالى باقامة حقه و عدله و إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بتنفيذ أمره و صدقته، فأمر بإثبات ذلك فى دواوينه و الكتاب به إلى عماله، فلأن كان ينادى فى كل موسم بعد أن قبض اللّه نبيه صلى اللّه عليه أن يذكر كل من كانت له صدقة أو وهبة أو عدة ذلك فيقبل قوله و ينفذ عدته، أن فاطمة رضى اللّه عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) لها، و قد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بحدودها و جميع حقوقها المنسوبة إليها و ما فيها من الرقيق‏

43

و الغلات و غير ذلك و تسليمها الى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، و محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن على بن الحسين ابن على بن أبى طالب لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين و ما ألهمه اللّه من طاعته و وفقه له من التقرب إليه و إلى رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اعلمه من قبلك، و عامل محمد بن يحيى و محمد ابن عبد اللّه بما كنت تعامل به المبارك الطبري، و أعنهما على ما فيه عمارتها و مصلحتها و وفور غلاتها إن شاء اللّه و السلام» و كتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذى القعدة سنة عشر و مائتين، فلما استخلف المتوكل على اللّه (رحمه اللّه) أمر بردها إلى ما كانت عليه قبل المأمون (رحمه اللّه).

أمر وادي القرى و تيماء

قالوا: أتى رسول اللّه عليه و سلم منصرفه من خيبر وادي القرى فدعى أهلها إلى الإسلام فامتنعوا من ذلك و قاتلوا، ففتحها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عنوة و غنمه اللّه أموال أهلها و أصاب المسلمون منهم أثاثا و متاعا فخمس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك و ترك النخل و الأرض فى أيدى اليهود و عاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، فقيل أن عمر أجلى يهودها و قسمها بين من قاتل عليها، و قيل: أنه لم يجلهم لأنها خارجة من الحجاز، و هي اليوم مضافة إلى عمل المدينة و أعراضها.

و أخبرنى عدة من أهل العلم: أن رفاعة بن زيد الجذامي كان أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) غلاما يقال له مدعم، فلما كانت غزاة وادي القرى أصابه سهم غرب و هو يحط رحل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)

فقيل: يا رسول اللّه هنيئا لغلامك أصابه سهم فاستشهد فقال: كلا ان الشعلة التي أخذها من المغانم يوم خيبر لتشتمل عليه نارا.

44

حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن، أنه قيل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) استشهد فتاك فلان، فقال: انه يجر إلى النار فى عباءة غلها.

و حدثني عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن عبد اللّه بن سفيان، قال: و حدثنا حبيب بن الشهيد، عن الحسن‏ أنه قيل لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هنيئا لك استشهد فتاك فلان فقال بل هو يجر إلى النار فى عباءة غلها.

قالوا: و لما بلغ أهل تيماء ما وطئ به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهل وادي القرى صالحوه على الجزية فأقاموا ببلادهم و أرضهم فى أيديهم و ولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية وادي القرى، و ولى يزيد بن أبى سفيان بعد الفتح، و كان إسلامه يوم فتح تيماء و حدثني عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن حكيم عن عمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب أجلى أهل فدك و تيماء و خيبر، قال و كان قتال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهل وادي القرى فى جمادى الآخر سنة سبع.

حدثني العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده، قال: أقطع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حمزة بن النعمان بن هوذة العذرى رمية سوطه من وادي القرى، و كان سيد بنى عذرة، و هو أول أهل الحجاز قدم على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بصدقة بنى عذرة و حدثني على بن محمد بن عبد اللّه مولى قريش عن العباس بن عامر عن عمه، قال أتى عبد الملك بن مروان يزيد بن معاوية فقال يا أمير المؤمنين ان أمير المؤمنين معاوية كان ابتاع من بعض اليهود أرضا وادي القرى، و أحيا إليها أرضا. و ليست لك بذلك المال عناية. فقد ضاع و قلت‏

45

غلته فاقطعنيه فانه لا خطر له، فقال يزيد: انا لا نبخل بكبير و لا نخدع عن صغير فقال يا أمير المؤمنين: غلته كذا، قال: هو لك، فلما ولى قال يزيد: هذا الذي يقال انه بلى بعدنا فان بكن ذلك حقا فقد صانعناه و ان يكن باطلا فقد وصلناه‏

فتح مكة المكرمة

قالوا: لما قاضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قريشا عام الحديبية و كتب القضية على الهدنة، و أنه من أحب أن يدخل فى عهد محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) دخل و من أحب أن يدخل فى عهد قريش دخل و انه من أتى قريشا من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يردوه و من أتاه منهم و من حلفائهم رده قام من كان من كنانة فقالوا ندخل فى عهد قريش و مدتها و قامت خزاعة فقالت ندخل فى عهد محمد و عقده و قد كان بين عبد المطلب و خزاعة حلف قديم فلذلك قال عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي.

لاهم انى ناشد محمدا* * * حلف أبينا و أبيه الأتلدا

ثم ان رجلا من خذاعة سمع رجلا من كنانة ينشد هجاء فى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوثب عليه فشجه فهاج ذلك بينهم الشر و القتال، و أعانت قريش بنى كنانة، و خرج منهم رجال معهم فبيتوا خزاعة فكان ذلك مما نقضوا العهد و القضية، و قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي يستنصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعاه ذلك إلى غزو مكة.

و حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام، قال: حدثنا عثمان بن صالح، عن بن لهيعة عن أبى الأسود، عن عروة فى حديث طويل، قال: فهادنت قريش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على أن يأمن بعضهم بعضا على الأغلال و الإسلال- أو قال إرسال- فمن قدم مكة حاجا أو معتمرا أو مجتازا الى اليمن و الطائف فهو آمن‏

46

و من قدم المدينة من المشركين عامدا إلى الشام و المشرق فهو آمن، قال:

فادخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى عهده بنى كعب، و أدخلت قريش فى عهدها حلفاءها من بنى كنانة و حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة أن بنى بكر من كنانة كانوا فى صلح قريش و كانت خزاعة فى صلح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاقتتلت بنو بكر و خزاعة بعرفة، فامدت قريش بنى بكر بالسلاح و سقوهم الماء و ظللوهم، فقال بعضهم لبعض: نكثتم العهد فقالوا ما نكثنا و اللّه ما قاتلنا انما مددناهم و سقيناهم و ظللناهم، فقالوا لأبى سفيان بن حرب: انطلق فأجد الحلف و أصلح بين الناس فقدم أبو سفيان المدينة فلقى أبا بكر فقال له: يا أبا بكر أجد الحلف و أصلح بين الناس فقال عمر: قطع اللّه منه ما كان متصلا، و أبلى ما كان جديدا، فقال أبو سفيان تاللّه ما رأيت شاهد عشيرة شرا منك، فانطلق إلى فاطمة فقالت: الق عليا فلقيه فذكر له مثل ذلك،

فقال على: أنت شيخ قريش و سيدها فأجد الحلف و أصلح بين الناس،

فضرب أبو سفيان يمينه على شماله، و قال: قد جددت الحلف و أصلحت بين الناس، ثم انطلق حتى أتى مكة، و قد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال إن أبا سفيان قد أقبل و سيرجع راضيا بغير قضاء حاجة فلما رجع إلى أهل مكة أخبرهم الخبر، فقالوا تاللّه ما رأينا أحمق منك ما جئتنا بحرب فنحذر و لا بسلم فتأمن،

و جاءت خزاعة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فشكوا ما أصابهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنى قد أمرت بإحدى القريتين مكة أو الطائف و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمسير فخرج فى أصحابه و قال «اللهم اضرب على آذانهم فلا يسمعوا حتى نبغتهم بغتة»

و أغذ المسير حتى نزل مر الظهران، و قد كانت قريش قالت لأبى سفيان: ارجع، فلما بلغ مر الظهران و رأى النيران و الأخبية،

47

قال: ما شأن الناس، كأنهم أهل عشية عرفة، و غشيته خيول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخذوه أسيرا فأتى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و جاء عمر فأراد قتله فمنعه العباس و أسلم، فدخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). فلما كان عند صلاة الصبح تحشحش الناس وضوءا للصلاة، فقال أبو سفيان للعباس بن عبد المطلب: ما شأنهم يريدون قتلى. قال: لا و لكنهم قاموا إلى الصلاة، فلما دخلوا فى صلاتهم رآهم إذا ركع رسول اللّه عليه و سلم ركعوا، و إذا سجد سجدوا فقال: تاللّه ما رأيت كاليوم طواعية قوم جاءوا من ههنا و ههنا و لا فارس الكرام و لا الروم ذات القرون،

فقال العباس: يا رسول اللّه ابعثني إلى أهل مكة أدعهم إلى الإسلام، فلما بعثه أرسل فى أثره و قال: ردوا على عمى لا يقتله المشركون،

فأبى أن يرجع حتى أتى مكة، فقال أى قوم اسلموا تسلموا أتيتم أتيتم و استبطنتم بأشهب بازل، هذا خالد بأسفل مكة، و هذا الزبير بأعلى مكة، و هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى المهاجرين و الأنصار و خزاعة، فقال قريش: و ما خزاعة المجدعة الأنوف.

و حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة أن قائل خزاعة، قال للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم):

لاهم انى ناشد محمدا* * * حلف أبينا و أبيه الأتلدا

فانصر هداك اللّه نصرا أيدا* * * وادع عباد اللّه يأتوا مددا

قال حماد: فحدثني على بن زيد، عن عكرمة أن خزاعة نادوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو يغتسل فقال لبيكم، و قال الواقدي و غيره، تسلح قوم من قريش يوم الفتح، و قالوا: لا يدخلها محمد إلا عنوة، فقاتلهم خالد بن الوليد، و كان أول من أمره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالدخول،

48

فقتل أربعة و عشرين رجلا من قريش، و أربعة نفرا من هذيل، و يقال:

قتل يومئذ ثلاثة و عشرين رجلا من قريش، و انهزم الباقون فاعتصموا برءوس الجبال و توغلوا فيها و استشهد من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يومئذ كرز بن جابر الفهري، و خالد الأشعر الكعبي، و قال هشام ابن الكلبي: هو حبيشّ الأشعر ابن خالد الكعبي من خزاعة.

و حدثنا شيبان بن أبى شيبة الأبلى، حدثنا سليمان بن المغيرة، قال:

حدثنا ثابت البناني، عن عبد اللّه بن رباح، قال، وفدت إلى وفود معاوية و ذلك فى شهر رمضان، و كان بعضنا يصنع لبعض الطعام، و كان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، قال: فصنعت لهم طعاما و دعوتهم، فقال:

أبو هريرة ألا أعللكم بحديث من حديثكم معشر الأنصار ثم ذكر فتح مكة، فقال أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، و بعث خالد بن الوليد على الأخرى، و بعث أبا عبيدة بن الجراح على الحصر،

فأخذوا بطن الوادي و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى كتيبته فرآني، فقال: يا أبا هريرة قلت لبيك يا رسول اللّه، قال: ناد الأنصار فلا يأت إلا انصارى، قال: فناديتهم فأطافوا به و جمعت قريش أوباشها و أتباعها، و قالوا نقدم هؤلاء، فإن أصابوا ظفرا كنا معهم و إن أصيبوا أعطينا الذي يسأل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم). أ ترونا أوباش قريش قالوا نعم فقال بإحدى يديه على الأخرى يشير. ان اقتلوهم، ثم قال: وافونى بالصفا، قال فانطلقنا فما يشاء أحد أن يقتل أحدا إلا يقتله، فجاء أبو سفيان، فقال يا رسول اللّه أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، و من القى السلاح فهو آمن، فقال بعض الأنصار لبعض، أما الرجل فأدركته رغبة فى قرابته و رأفة بعشيرته، و جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الوحى، و كان إذا جاءه لم يخف علينا،

49

فقال. يا معشر الأنصار قلتم كذا و كذا قالوا قد كان ذلك يا رسول اللّه، قال،. كلا انى عبد اللّه و رسوله هاجرت إلى اللّه و إليكم فالمحيا محياكم و الممات مماتكم، فجعلوا يبكون و يقولون، و اللّه ما قلنا الذي قلنا إلا للضن برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال، و أقبل الناس إلى دار أبى سفيان و أغلقوا أبوابها و وضعوا سلاحهم: و أقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت و أتى على صنم كان إلى جنب الكعبة و فى يده قوس قد أخذ بسيتها فجعل يطعن فى عين الصنم و يقول‏ (جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) قال، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلاه حتى نظر إلى البيت ثم رفع يده يحمد اللّه و يدعو.

حدثنا محمد بن الصباح، قال. أخبرنا هشيم، عن أبى حصين، عن عبيد اللّه ابن عبد اللّه بن عتبة، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة لا تجهزن على جريح، و لا يتبعن مدبر. و لا يقتلن أسير، و من أغلق بابه فهو آمن.

قال الواقدي. كانت غزوة الفتح فى شهر رمضان سنة ثمان فأقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمكة إلى الفطر. ثم توجه لغزوة حنين. و ولى مكة عتاب ابن أسيد بن أبى العيص بن أمية،

و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهدم الأصنام و محو الصور التي كانت فى الكعبة و قال: اقتلوا بن خطل و لو كان متعلقا بأستار الكعبة،

فقتله أبو برزة الأسلمى. قال أبو اليقظان. و اسم ابن خطل قيس، و قتله أبو شرياب الأنصارى، و كان لابن خطل قينتان تغنيان بهجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقتلت إحداهما و بقيت الأخرى حتى كسرت لها ضلع أيام عثمان فماتت، و قتل نميلة بن عبد اللّه الكناني مقيس بن صبابة الكبانى، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أمر من وجده أن يقتله‏

50

و ذلك لأن أخاه هاشم بن صبابة بن حزن أسلم و شهد غزوة المريسيع مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقتله رجل من الأنصار خطأ و هو يظنه مشركا فقدم مقيس على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقضى له بالدية على عاقلة القاتل، فأخذها و أسلم، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله و هرب مرتدا، و قال:

شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا* * * يضرج ثوبيه دماء الأخادع‏

ثأرت به قهرا و حملت عقله‏* * * سراة بنى النجار أرباب فارع‏

حالت به و ترى و أدركت ثورتى‏* * * و كنت عن الإسلام أول راجع‏

و قتل على بن أبى طالب رضى اللّه عنه الحويرث بن نقيذ بن بجير بن عبد بن قصى، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر أن يقتله من وجده و حدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الرزاق، عن مغمر، عن الكلبي، قال:

جاءت قينة لهلال بن عبد اللّه، و هو ابن خطل الأردمى من بنى تيم إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) متنكرة فأسلمت و بايعت و هو لا يعرفها فلم يعرض لها و قتلت قينة له أخرى، و كانتا تغنيان بهجاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: و أسلم ابن الزعبرى السهمي قبل أن يقدر عليه، و مدح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و كان قد أباح دمه يوم الفتح و لم يعرض له.

حدثنا محمد بن الصباح البزار،، قال: حدثنا هشيم، قال أخبرنا خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة،

أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خطب يوم مكة فقال‏ «الحمد للّه الذي صدق وعده و نصر جنده، و هزم الأحزاب وحده ألا أن كل مأثرة كانت فى الجاهلية و كل دم و دعوى موضوعة تحت قدمي إلا سدانة البيت، و سقاية الحاج».

و حدثنا خلف البزار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن عن أشياخه، قالوا: «لما كان يوم فتح مكة قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)

51

لقريش ما تظنون، قالوا: نظن خيرا و نقول خيرا أخ كريم و ابن أخ كريم و قد قدرت قال: فانى أقول كما قال أخى يوسف (عليه السلام) (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ألا كل دين و مال و مأثرة كانت فى الجاهلية فهي تحت قدمي الاسدانة البيت و سقاية الحاج».

حدثنا شيبان، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال حدثنا عبد اللّه بن عبيد ابن عمير، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فى خطبته‏ «ألا أن مكة حرام ما بين أخشبيها لم يحل لأحد قبلي و لا يحل لأحد بعدي، و لم تحل لى إلا ساعة من نهار لا يختلى خلاها و لا تعضد عضاهها و لا ينفر صيدها و لا تلتقط لقطتها إلا أن يعرف- أو يعرف- فقال العباس (رحمه اللّه) إلا الإذخر فإنه لصاغتنا و قيوننا و طهور بيوتنا، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا الإذخر».

حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال‏ «لا يختلى خلا مكة و لا يعضد شجرها، فقال العباس: الا الإذخر فإنه القيون و طهور البيوت فرخص فى ذلك».

حدثنا شيبان، قال: حدثنا أبو هلال الراسبي عن الحسن، قال. أراد عمر أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه فى سبيل اللّه، فقال له أبى بن كعب الأنصارى، يا أمير المؤمنين قد سبقك صاحباك، و لو كان هذا فضلا لفعلاه‏

و حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ «مكة حرام لا يحل بيع رباعها و لا أجور بيوتها».

حدثنا محمد بن حاتم المروزي، قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أبيه عن عائشة

52

قالت‏ قلت يا رسول اللّه. ابن لك بناء يظلك من الشمس بمكة، فقال، «إنما هي مناخ من سبق».

حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا إسماعيل عن ابن جريح، قال قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز ينهى عن كراء بيوت مكة. حدثنا أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن إسرائيل عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر، قال الحرم كله مسجد.

حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبى سليمان، قال. كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير مكة أن لا تدع أهل مكة يأخذون على بيوت مكة أجرا فإنه لا يحل لهم.

حدثنا عثمان بن أبى شيبة، قال. حدثنا جرير عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن سابط فى قوله‏ (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ)، قال البادي من يخرج من الحجاج و المعتمرين، هم سواء فى المنازل، ينزلون حيث شاءوا، غير ألا يخرج أحد من بيته.

حدثنا عثمان، قال حدثنا جرير، عن منصور عن مجاهد فى هذه الآية، قال أهل مكة و غيرهم فى المنازل سواء. و حدثنا عثمان و عمرو، قالا. حدثنا وكيع عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد أن عمر بن الخطاب، قال لأهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء. و حدثنا عثمان بن أبى شيبة، و بكر بن الهيثم، قالا. حدثنا يحيى بن ضريس الرازي عن سفيان، عن أبى حصين قال قلت لسعيد بن جبير و هو بمكة إنى أريد أن أعتكف، فقال: أنت عاكف ثم قرأ (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ).

حدثنا عثمان، قال: حدثنا حفص بن غياث عن عبد اللّه بن مسلم عن سعيد بن جبير فى قوله‏ (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ) قال: خلق اللّه فيه سواء أهل مكة و غيرها، و حدثني محمد بن سعيد عن الواقدي، قال. كان يتخاصم إلى أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فى أجور الدور بمكة فيقضى بها على من‏

53

اكتراها و هو قول مالك و ابن أبى ذئب، قال و قال ربيعة، و أبو الزناد، لا بأس بأكل كراء بيوت مكة و بيع رباعها، و قال الواقدي، رأيت ابن أبى ذئب يأتيه كراء داره بمكة بين الصفا و المروة، و قال الليث بن سعيد ما كان من دار فاجرها طيب لصاحبها، فاما القاعات، و السكك، و الأفنية و الخرابات، فمن سبق نزل ذلك بغير كراء و أخبرنى عبد الرحمن الأودى، عن الشافعي بمثل ذلك، و قال سفيان ابن سعيد الثوري، كراء بيوت مكة حرام، و كان يشدد فى ذلك. و قال الأوزاعى و ابن أبى ليلى. و أبو حنيفة أن كراها فى ليالي الحج فالكراء باطل، و إن كان فى غير ليالي الحج، و كان المكترى مجاورا أو غير ذلك فلا بأس، و قال بعض أصحاب أبى يوسف كراؤها حل طلق، و إنما يستوى العاكف و البادي فى الطواف بالبيت.

حدثنا الحسين بن على بن الأسود، قال حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن الحسن بن صالح عن العلاء بن المسيب، عن عبد الرحمن بن الأسود، أنه كان لا يرى ببقل مكة و لا بالزرع الذي يزرع فيها و لا بشي‏ء مما أنبته الناس بها من شجر أو نخل بأسا أن تقطعه و تأكله و تصنع فيه ما شئت، قال و إنما كره ما أنبتت الأرض بمكة من شجر و غيره مما لم يعمله الناس إلا الإذخر، قال الحسن بن صالح. و قد رخص فى الشجر البالي الذي قد يبس و تكسر. و قال محمد بن عمر الواقدي. قال مالك. و ابن أبى ذئب فى محرم أو حلال قطع شجرا من الحرم أنه قد أساء. فإن كان جاهلا علم و لا شي‏ء عليه. و إن كان عالما خالعا عوقب و لا قيمة عليه. و من قطع من ذلك شيئا فلا بأس أن ينتفع انه قال و قال سفيان الثوري و أبو يوسف. عليه فى الشجرة لقطعها قيمة و لا ينتفع بذلك. و هو قول أبى حنيفة. و قال مالك بن أنس. و ابن أبى ذئب. لا بأس بالضغابيس. و أطراف السنا. تؤخذ من الحرم للدواء و السواك. و قال سفيان بن سعيد. و أبو حنيفة

54

و أبو يوسف: كل شي‏ء أنبته الناس فى الحرم أو كان مما ينبتون فلا شي‏ء على قاطعه و كل شي‏ء مما لا ينبته الناس فعلى قاطعه قيمته، و قال الواقدي سألت الثوري، و أبا يوسف عن رجل أنبت فى الحرم ما لا ينبته الناس، فقام عليه حتى نبت له أله أن يقطعه، قالا نعم، قلت فان نبتت فى بستانه شجرة مما لا ينبت الناس من غير أن يكون أنبتها، قالا يصنع بها ما شاء.

و حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي، قال: روى لنا أن ابن عمر كان يأكل بمكة بقلا زرع فى الحرم، و حدثني محمد بن سعد، قال حدثني الواقدي، عن معاذ بن محمد، قال رأيت على مائدة الزهري بقلا من الحرم، قال أبو حنيفة لا يرعى الرجل المحرم بعيره فى الحرم و لا يحتش له، و هو قول زفر، و قال مالك و ابن أبى ذئب، و سفيان، و أبو يوسف، و ابن أبى سبرة. لا بأس بالرعي و لا يحتش، و قال ابن أبى ليلى لا بأس بان يحتش. و حدثني عفان، و العباس بن الوليد النرسي، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا ليث، قال كان عطاء لا يرى بأسا ببقل الحرم و ما زرع فيه و بالقضيب و السواك، قال و كان مجاهد يكرهه، قال: و لم يكن للمسجد الحرام على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبى بكر جدار يحيط به، فلما استخلف عمر بن الخطاب و كثر الناس وسع المسجد و اشترى دورا فهدمها و زادها فيه و هدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا و وضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد، و اتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة. فكانت المصابيح توضع عليه. فلما استخلف عثمان بن عفان ابتاع منازل وسع المسجد بها و أخذ منازل أقوام و وضع لهم الأثمان فضجوا به عند البيت فقال إنما جرأكم على حلمي عنكم و ليني لكم لقد فعل بكم عمر مثل هذا فأقررتم و رضيتم، ثم أمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد اللّه ابن خالد بن أسيد بن أبى العيص فخلى سبيلهم.