مراقد أهل البيت في القاهرة ومعه كتاب حياة الأرواح بعد الموت‏

- محمد زكي إبراهيم المزيد...
240 /
3

[مراقد أهل البيت في القاهرة]

[تصدير]

قال الإمام الرائد:

من حق يثرب أن تتيه على الورى‏* * * برفات خير الخلق مولانا النّبيّ‏

و لمصر حقّ أن تتيه بدورها* * * برفات مولانا (الحسين و زينب)

و قال أيضا:

أحب النّبيّ، و آل النّبيّ‏* * * و أحبابهم و الذين معه‏

و يسعدني غضب الناصبي‏* * * فلست بنذل و لا إمعه‏

و يقول:

لا تطلبوا آل النّبيّ‏* * * بشرق أرض أو بغرب‏

و ذروا الجميع و أقبلوا* * * نحوي فمسكنهم بقلبي‏

و قال الإمام الشافعى:

يا آل بيت رسول اللّه حبكمو* * * فرض عظيم إله العرش أنزله‏

يكفيكموا من جليل القدر أنكمو* * * من لم يصل عليكم لا صلاة له‏

4

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة (الطبعة الأولى)

حمدا للّه، و صلاة و سلاما على مصطفاه، و من والاه، في مبدأ الأمر و منتهاه توجهت لأتبرك بمشاركة إخواني، في حفل العشيرة المحمدية، لإحياء ذكرى مولاتنا السيدة نفيسة رضي اللّه عنها، و أنا أحمل مرضي و إرهاقي الشديد.

و كان لا بدّ من أن أتحدّث رغم أن قد سبقني من المحمديين أئمة، يؤخذ عنهم، و يوثق بهم، و بهم يغاث العباد.

و قبل مغادرة المسجد، توجّه إليّ بعض المثقفين، و بعض ضيوف الحفل من إخواننا الإندونسيين، بأسئلة كثيرة، عن الأضرحة الزينبية، و النفيسية، و غيرها، و استحلفني من السّادة الإخوة عالم عارف هو مولانا الإمام العارف الشيخ محمد أبو العيون رضي اللّه عنه طالبا أن أسجّل ما أجبت به، ففيه (كما يرى) حل لكثير من المشكلات، و تحقيق لكثير من الواقعات حول مشاهد آل البيت رضي اللّه عنهم.

و استجابة لهذه الرغبة التي أتبرك بها و اعتز، أوجز هنا ما يحضرني الآن من هذه الإجابة، إيجازا مكتفيا بالتعرض للمسائل التاريخية دون الكرامات و المناقب؛ فلهذه مجال آخر، و قد تكفل بها السادة من قبل، و الحمد للّه. و نستعين اللّه و نستهديه و نستكفيه و نستعفيه.

المفتقر إليه تعالى وحده (محمد زكي إبراهيم)

6

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة (الطبعات بعد الأولى)

حمدا للّه، و صلاة و سلاما على مصطفاه، و من والاه، في مبدأ الأمر و منتهاه ..

و بعد ...

فتيمنا بذكر آل بيت سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و استجابة لرغبات جمهور الإخوة و الأخوات في اللّه، نعيد هنا طباعة (رسالة التبصير بمشاهد شهيرات آل البيت بالقاهرة) (1)، استقبالا مباركا للقرن الهجري الخامس عشر.

و هذه الرسالة كانت قد صدرت في عدد خاص من أعداد (المسلم) عام (1383 ه)، و قد تقبلها النّاس بقبول حسن و ثناء مستطاب، فقد أزالت كثيرا جدا من الإبهام، و فصلت العديد من مواضع الإجمال، و قدمت المعلومات الصحيحة طوق الجهد.

و نحن هذه المرة نعيد الطباعة، مع مزيد من التحقيقات المتعلقة بالموضوع، بل المرتبطة به ارتباطا تامّا، من نحو (صحة حديث الثقلين)، مع تعريف مركّز ب (أقطاب أهل البيت).

____________

(1) (رسالة التبصير) هي التي سميت الآن (مراقد أهل البيت) أي هذا الكتاب، و لهذا الأمر قصة روحية ليس هنا مجال تفصيلها.

7

أمّا موضوع (التوسل) فقد سبق أن أفردنا له رسالة (متكاملة) هي فيصل علمي بات في موضوعه‏ (1).

و نرجو أن يوفقنا اللّه لإصدار هذه الأعداد الخاصة التي تخدم الجوانب التي تهم خاصة الأحباب و الواقفين على باب اللّه، مما لا يعنى به في عصرنا إلّا (العشيرة المحمدية).

و نسأله تعالى أن يجعله عملا خالصا دائما لوجهه الكريم.

و يسعدنا كثيرا- و اللّه شهيد- أن تكون هذه الأعداد (علقما) في بعض الأفواه، و (حسكا) في بعض الحلوق، فكل ما يغضب هؤلاء يرضي اللّه و النّاس.

* و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه و سلّم*

المفتقر إليه تعالى وحده (محمد زكي إبراهيم)

____________

(1) هي رسالة (الوسيلة و القبور) و تكررت طباعتها تبعا لإقبال الجمهور عليها.

8

لا إله إلا الله ... محمد رسول الله‏

الباب الأول مقدمة الطبعة الخامسة و ثبوت حديث الثقلين سندا و متنا مع ذكر بعض حقوق أهل البيت الأشرف‏

9

الباب الأول مقدمة الطبعة الخامسة و ثبوت حديث الثقلين سندا و متنا مع ذكر بعض حقوق أهل البيت الأشرف‏ حمدا للّه، و صلاة و سلاما على مصطفاه، و من والاه، في مبدأ الأمر و منتهاه ..

و بعد ...

أولا لمّا كثرت لجاجة (خصوم أهل البيت) المتسترين باسم (السّلفية) المظلومة حول حديث الثقلين تجريدا منهم لكل خصيصة ل (أهل البيت) أردت بسبق إرادة اللّه أن أجعل (مقدمة) هذه الطبعة الخامسة من هذا الكتاب الفريد، هي تحقيق حديث (الثقلين) و آية (المودة) إلجاما لتخرص هؤلاء (النواصب)، و قطعا لألسنتهم و ألسنة الحمقى ممن يتمثلون بهم، جهلا من الجميع، و سوء أدب مع الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و حين نرى بعض الصّالحين السابقين كبعض أئمة الأحناف- رضي اللّه عنهم- متحرجا من قراءة (سورة اللهب) في الصّلاة، مبالغة في الأدب‏

10

مع سيد خلق اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، يشتد عجبنا من هؤلاء الذين يمعنون في تجريد أهل بيته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من كل خصيصة غلّا و خسة نفس و حبّا في المخالفة.

و لسوف يجد القارى‏ء في هذا الكتاب منهجا جديدا، و تحقيقا فريدا، إن شاء اللّه تعالى، و حجة بالغة في كثير من جوانب البحث الخالص لوجه اللّه تعالى.

و لنبدأ بتوفيقه تعالى في الكلام العلمي عن الحديث:

ثانيا (1) حديث الثقلين: هناك حديثان صحيحان مشهوران كادا أن يتشابها، و لفهم النّاس فيهما مواقف تختلف، لأسباب شتى ..

أمّا الأول؛ فعن عمرو بن عوف، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب اللّه و سنة نبيه» رواه الإمام مالك في الموطأ (معضلا من بلاغاته)، و وصله ابن عبد البر في التمهيد و الجامع، و رواه الشجري في (الأمالي)، و قد ضعفه (الحافظ).

و لفظ رواية (الحاكم) عن أبي هريرة، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب اللّه و سنتي، و لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض».

11

و سكت عنه الحاكم.

و في لفظ رواية ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به؛ فلن تضلوا أبدا: كتاب اللّه، و سنة نبيه» رواه الحاكم أيضا.

قال أبو المنذر في (الزهرة العطرة): و عليه فلا يصح من هذه الأحاديث في الاعتصام بالسنة مع الكتاب حديث بنفسه، و لا بغيره، و إن ذلك غريب كما ذكر الحاكم (فتأمل!!).

هذا بعض ما جاء في هذا الحديث.

أمّا الثاني؛ فما ورد في الاعتصام بالكتاب و عترة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد ورد من طرق شتى عن عدد من الصحابة، منهم:

1- زيد بن الأرقم رضي اللّه عنه.

2- زيد بن ثابت رضي اللّه عنه.

3- أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه.

4- علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

5- أبو ذر رضي اللّه عنه.

6- حذيفة بن أسيد رضي اللّه عنه.

7- جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه.

8- و غيرهم.

12

و من هذه النصوص و الطرق الحديثية لحديث الثقلين:

(1) عن زيد بن الأرقم رضي اللّه عنه حين خطب رسول اللّه ب (ماء خم) بين مكة و المدينة، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، و أنا تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب اللّه، فيه الهدى و النور» فحثّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على الأخذ بالكتاب، ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و أهل بيتي، أذكّركم اللّه في أهل بيتي» و كررها ثلاثا (هنا و في أحاديث أخرى). رواه مسلم و أحمد و البسويّ و غيرهم.

(2) و عن زيد بن الأرقم رضي اللّه عنه، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إنّي لكم فرط، و إنكم واردون عليّ الحوض» (و وصف الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الحوض)، ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين»؛ فقال رجل: يا رسول اللّه! و ما الثقلان؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الأكبر- يعني الثقل الأكبر- كتاب اللّه» و وصفه «و الأصغر عترتي، و أنهم لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، و سألت لهما ذاك ربي». أخرجه الطبراني في الكبير، و ذكره الهيثمي في المجمع و قال: في الصحيح طرف منه.

13

(3) و عن زيد بن الأرقم رضي اللّه عنه، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»، و في رواية «فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» رواه الشجري في (الأمالي)، و نحوه ابن أبي عاصم في (السنة)، و البسويّ في (المعرفة) من طرق مختلفة، و رواه الترمذي أيضا، و رواه الحاكم و صححه، و ابن حبان أيضا، كل أولئك مع اختلاف يسير جدا في بعض الألفاظ، مع زيادة يسيرة أو نقص، مع اتحاد المعنى؛ فحديث العترة بكل هذا صحيح و مشهور.

(4) و عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه عزّ و جلّ، و عترتي أهل بيتي، و أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض». رواه البسوي و عبد بن حميد، و رواه الطبراني في الكبير، و أحمد، و ابن أبي عاصم، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ، و اتحاد الأصل و المعنى تماما.

(5) و عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي،

14

و لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». رواه أحمد في المسند، و الترمذي في سننه، و الطبراني في (الكبير)، و أبو يعلى في (المسند)، و ابن أبي عاصم في (السنة)، و ابن الجعد في المسند، و الشجري في الأمالي، و البسوي في (المعرفة و التاريخ)، و الديلمي في الفردوس، و ذكره الهيثمي في (المجمع).

(6) و أخرجه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في مسنده (3/ 17)، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال:

«إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، و إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزّ و جلّ و عترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا بم تخلفوني فيهما».

(7) و أخرج القندوزي في (ينابيع المودة)، الباب الرابع، ص 35 طبع إسلامبول 1301، عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه قال: صلّى بنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الظهر ثم أقبل بوجهه الكريم إلينا، فقال: «معاشر أصحابي، أوصيكم بتقوى اللّه، و العمل بطاعته، و إني أدعى فأجيب، و إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلوا، و إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فتعلموا منهم و لا تعلموهم فإنّهم أعلم منكم».

15

(8) و أورد أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، القرطبي في (العقد الفريد) ج 2 ص 46، خطبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حجة الوداع، و فيها: «أيّها النّاس، إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل لامرئ مال أخيه، إلا عن طيب نفسه، ألا هل بلغت، فلا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم أعناق بعض، فإنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب اللّه، و أهل بيتي، ألا هل بلغت .. اللهمّ اشهد».

و نكتفي بهذا القدر هنا، و من أراد التفصيل و الزيادة فليرجع إلى كتاب (الزهرة العطرة) لحبيبنا و ولدنا في اللّه الباحث المحقق السيد أبو المنذر رضي اللّه عنه، و إلى كتاب (ينابيع المودة).

و حسبنا أن نختم بحديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي اللّه عنه قال: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و إني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين؛ فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض». رواه الطبراني و أورده الهيثمي.

(2) بعض من أخرج الحديث أيضا أو نقله: أصل حديث العترة و الثقلين في صحيح مسلم، و أكثر طرقه عند كل رواته صحيحة، و بهذا أخذ الحديث حكم (التواتر)، فقد ورد عن سبعة من الصحابة من نحو ثلاثين طريقا، و حسبنا في صحة التواتر لفظ (الكتاب و العترة) الذي هو القدر المشترك بين جميع الأحاديث؛ فيحصل التواتر العلمي المعروف عند أهل الحديث.

16

و الحديث أخرجه القندوزى عن: زيد بن أرقم، و جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبي ذر الغفاري، و أبي سعيد الخدري، و حذيفة بن أسيد الغفاري، و جبير بن مطعم، و زيد بن ثابت، و ابن عباس، و عامر بن أبي ليلى، و أبي رافع مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أبي هريرة، و أم هانى‏ء بنت أبي طالب .. و غيرهم.

و قال: و في الصواعق المحرقة: روى هذا الحديث ثلاثون صحابيا، و إن كثيرا من طريقه صحيح و حسن (انظر الينابيع، باب 4، ص 28- 41).

قال السمهودي: و في الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة.

و أخرج الحديث (مع من ذكرنا) كثير من أئمة الحديث و حفاظه، كالحاكم في (المستدرك)، و الخطيب في (تاريخ بغداد)، كما أورده المتقي الهندي في (منتخب كنز العمال) هامش مسند أحمد، و أخرجه الترمذي في (صحيحه)، كما في (شرح الشفا) لعلي القاري، و أخرجه محب الدين أحمد بن عبد اللّه الطبري في (ذخائر العقبى)، و الحافظ عبد العزيز بن الأخضر.

و أورده في (أسد الغابة) لابن الجزري، و (تذكرة الخواص) لابن الجوزي، و (إنسان العيون) لنور الدين الحلبي الشافعي، و (السراج المنير) للعزيزي الشافعي في شرح الجامع الصغير للسيوطي، و فخر الدين الرازي في تفسير آية «الاعتصام»، و النظام النيسابوري في تفسير آية «الاعتصام»، و الخازن في تفسير آية «الاعتصام» و تفسير «آية

17

المودة»، و ابن كثير الدمشقي في تفسير «آية المودة»، و في تفسير «آية التطهير»، و هو في «مصابيح السنة» للإمام البغوي الشافعي، و «الصواعق المحرقة» لابن حجر الهيتمي .. و في هذا كفاية لمن اهتدى، و ليلهث الثرى كلّ موتور، من متمسلفة هذه العصور.

(3) تعقيب و بيان: قال ابن الأثير في النهاية: «سماهما الثقلين؛ لأن الأخذ بهما و العمل بهما ثقيل، و يقال لكل خطير و نفيس: ثقل، فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما، و تفخيما لشأنهما»، و في شرح القاموس: كل شي‏ء نفيس مصون يقال له (ثقل) بكسر فسكون.

و عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه: آية إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً نزلت في خمسة: النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، عليهم الرضا و السلام.

و الإجماع على أن نساءه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من أهل البيت، كما ورد في عدة أحاديث، و نقل ملا علي القاري: أن عترة الرجل هم أهل بيته و رهطه الأدنين، و المراد: التمسك بحبهم، و حفظ حرمتهم، و قال ابن الملك: إن المعنى محبتهم و الاهتداء بهديهم و سيرتهم .. و قال الطيبي: إن المراد بأهل البيت هنا: أهل العلم و الفضل منهم (قلنا:

و هذا هو المعقول طبعا و وضعا).

18

و لعلّ من يدعون السلفية و يرون أن الدّين هو الزراية بأهل البيت أحياء و أمواتا، يتقون اللّه الذي يقول على لسان نبيه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ فلا يبالغون و يتكلفون أن المراد بالقربى معنى آخر غير قربى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، غفر اللّه لهم، و نفعنا اللّه ببركة نبيه و أهل بيته الأطهار الأبرار.

(4) منزلة أهل البيت و حقوقهم: قال العلامة المناوي في ج 3 ص 14 من (فيض القدير) في شرحه لحديث العترة المذكور:

« (تنبيه) قال الشريف: هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلا للتمسك به من أهل البيت و العترة الطاهرة، في كل زمن إلى قيام الساعة، حتى يتوجه الحديث المذكور إلى التمسك به كما أن الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أمانا لأهل الأرض، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض».

و قد اتفق أهل العلم على ما يأتي:

1- العترة و أهل البيت، على الخصوص هم: (علي و فاطمة و الحسن و الحسين)، ثم ذرياتهم، أمّا على العموم، فهم هؤلاء و معهم (آل عقيل، و آل جعفر، و آل عباس) و ذرياتهم.

2- عترة الرجل نسله و رهطه الأقربين، و في حديث للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول نصه «عترتي أهل بيتي» رضي اللّه عنهم، فليلاحظ ذلك في حديث ابن عبّاس قبل حديث أبي سعيد فهو الأدل هنا.

19

و قد تواترت الأحاديث في فضل أهل البيت النبوي، و من ذلك: (1) عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: لما نزلت آية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ قالوا: يا رسول اللّه! و من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «عليّ و فاطمة و ابناهما». رواه الطبراني.

(2) عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: سمعت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، و من تخلف عنها غرق، و إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل (باب حطة) في بني إسرائيل، من دخله غفر له» رواه الطبراني في الصغير و الأوسط.

(3) عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه: جاء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى بيت علي فقال: «السّلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته، إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا» رواه الطبراني في الأوسط.

20

(4) عن عليّ رضي اللّه عنه: أنّه دخل على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قد بسط شملة فجلس عليها هو و علي و فاطمة و الحسن و الحسين، ثم أخذ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمجامعه، فعقد عليهم، ثم قال: «اللهمّ ارض عنهم، كما أنا عليهم راض». رواه الطبراني في الأوسط.

(5) عن صبيح قال: كنت بباب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فجاء عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين فجلسوا، و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: «إنكم على خير»، و عليه كساء خيبري فجللهم به، و قال:

«أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم». رواه الطبراني في الأوسط، و رواه أحمد كذلك. و عن أبي هريرة نحوه مختصرا.

(6) و عن عليّ رضي اللّه عنه: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لفاطمة:

«إنني و إياك و هذين- أي الحسن و الحسين- و هذا النائم الراقد- يعني عليّا- في مكان واحد».

رواه أحمد و البزار و الطبراني (بتفصيل السبب في أن قاله النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)).

21

(7) عن جابر رضي اللّه عنه، أنّه سمع عمر بن الخطاب حين تزوج بنت الإمام علي رضي اللّه عنه يقول: ألا تهنئوني، سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «ينقطع يوم القيامة كل سبب و نسب إلا سببي و نسبي».

رواه الطبراني في الأوسط و الكبير.

(8) و عن عطاء، أن رجلا أخبره أنه رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يضم إليه حسنا و حسينا و يقول: «اللهم إني أحبهما فأحب من يحبهما».

و في رواية ابن مسعود زيادة: «و من أحبهما فقد أحبني». رواه أحمد و البزار.

و في كل ذلك كفاية، لمن وفقه اللّه إلى الهداية.

*.*.** و مع أشد الأسف‏:

في منهاج السنة (الجزء الثالث، الصحيفة 269) لابن تيمية: يندد باحترام المسلمين لأهل البيت، قوله غفر اللّه له: «إن فكرة تقديم آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هي من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء».

22

فما يقول في كل هذه الأدلة؟!.

و قد سبق لابن تيمية القول بعدم الاهتمام بزيارة قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقوله ما نصه: «ليس عن النبي في زيارة قبره و لا قبر الخليل حديث ثابت أصلا» (كتاب الزيارة 12، 13).

و يقول: «الأحاديث الكثيرة المروية في زيارة قبره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كلها ضعيفة، بل موضوعة» (كتاب الزيارة 22- 28).

مع أنها رويت عن أكابر الثقات، و خرّجها كبار الحفاظ و المحدّثين، كالهيثمي في (المجمع)، و الدار قطني في (السنن)، و ابن حجر في (المطالب)، ثم في (تلخيص الحبير)، و السيوطي في (الدر المنثور)، و الزبيدي في (الاتحاف)، و المتقي الهندي في (كنز العمال)، و الطبراني في (الكبير)، و الدولابي في (الكنى)، و البيهقي في (السنن)، و العراقي في (المغني)، و ابن عدي في (الكامل)، و السهمي في (التاريخ)، و المنذري في (الترغيب)، و التبريزي في (المشكاة) .. و غيرهم.

فلا عجب أن ترى من أصحابه من يكفر بعض الصحابة، كما جاء في الرسائل العملية (لابن عبد الوهاب)، كما يعتقدون أن المتبرك بالمسجد النبوي و طالب الشفاعة منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مشرك أشد من شرك الجاهلية و عبدة الأوثان كما جاء في رسائل ابن عبد الوهاب (ص 79)، و فتح المجيد (40، 41)، و كشف الشبهات له.

23

و من المضحك المبكي: أن بعض أتباعهم يكسر رباعيته من فمه، ليتشبه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذي كسرت رباعيته أثناء الحرب (في أحد).

و من المبكي المزعج في أيامنا هذه: تلك الفتن و الدماء المهرقة و محاولة إبادة الإسلام في الجمهوريات الإسلامية المحررة من الاستعباد الشيوعي، كالبوسنة و الهرسك، و طاجستان، و آذربيجان، و الشيشان، إلى كوسوفو، و ألبانيا، إلى بورما، و الهند، و كشمير، إلى الفلبين، و سيلان، إلى الصومال، و نيجيريا، و وسط أفريقا، إلى الأقليات الإسلامية في أوربا و أمريكا.

و من الملاحظات الجديرة بالنظر أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال في الحديث الثابت عن (نجد): «فيها يخرج قرن الشيطان»، فخرج منها (مسيلمة)، و خرج (ذو الخويصرة)، و خرج منها (القرامطة)، ثم استمر خروج الوهابيين، الذين يوقدون نار الفتنة الدينية في كل مكان، و ما عمارتهم للحرمين الشريفين إلا للدعاية و التجارة و الربح، ليس إلا.

و من حواشي تعاليمهم و بسببها ظهرت العلمانية و الانحلالية، و الإرهابية و التطرفية .. إلخ، و بهذا انتقلت الحروب الصليبية إلى داخل حرم الوطن المحمدي و الأمة الإسلامية، حيث فشت الفرقة و الاختلاف و الوهن، و أصبح بأس الأمة، و بخاصة العروبة بأسا شديدا مفزعا.

24

ثالثا* نحن و الكرامات و هذا الكتاب: نحن نشهد اللّه على أننا نؤمن بكرامات أولياء اللّه، و لنا في ذلك مخطوط سبق أن نشرنا بعضه ببعض المجلات المصرية، و نسأل اللّه أن ييسر لنا طباعته بفضله تعالى.

فإذا كنّا في كتابنا هذا لم نوف جانب الكرامات حقه، فلأننا أردنا بهذا الكتاب أن يشمل واقع عصرنا في أهل البيت، على أسلوب زماننا: منهجا و تقسيما و تقديما، و قد اكتفينا بالكلام عن مشاهير أهل البيت من السابقين، بعد أن كتب كثير من الأخوة عن مشاهير الأولياء من أهل البيت اللاحقين، و بخاصة أختنا في اللّه المؤرخة المؤمنة الدكتورة (سعاد ماهر) أثابها اللّه.

و لم نكتف هنا بالتحقيق؛ بل اهتممنا بتصحيح كثير جدا مما أخطأ فيه السادة المؤرخون قبلا، و ليس معنى هذا أننا ندعي العصمة، فيشهد اللّه أننا خطاءون، و لا مانع أبدا من أن يكون الأمر الذي ندعي أنه الصواب، هو عين الخطأ، فنستغفر اللّه و نتوب إليه.

و قد امتاز ما نكتب بفضل اللّه بكثير جدا من المعلومات التاريخية، التي لم يشر إليها السابقون، و مما استجد في عصرنا، فكان كتابنا هذا جديدا قديما، حاشدا راشدا، نافعا، يسد جانبا لا بد منه من شئون عصرنا، و باللّه التوفيق. و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و على آله و صحبه و سلّم‏

المفتقر إليه تعالى وحده (محمد زكي إبراهيم)

25

في الرحاب الطاهرة

للأستاذ السيد محمد وهبي إبراهيم (شقيق السيد الرائد)

أولا: من هم أهل البيت؟:

قال أبو سعيد الخدري و جماعة من التابعين، منهم مجاهد و قتادة:

أهل البيت هم عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين .. و ذهب إليه الزمخشري في بعض أقواله و تبعه بعض المفسرين.

و قال الفخر الرازي و القسطلاني و آخرون: أهل البيت أولاده و أزواجه و الحسن و الحسين، و عليّ منهم لمعاشرته فاطمة، و ملازمته النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و قال سعيد بن مقاتل و عكرمة و مقاتل: أهل البيت نساؤه.

و قال زيد بن الأرقم: أهل البيت من تحرم عليهم الصدقة، و هم: آل عليّ و عقيل و جعفر و العبّاس، و ذلك هو الراجح.

قال السيوطي: هؤلاء هم الأشراف حقيقة في سائر الأمصار، و هو ما عليه الجمهور.

و قال الشعراني: قول زيد بن الأرقم هو معنى حديث صحيح.

قلنا: رواه مسلم و النسائي.

26

ثانيا: من هم أهل العباءة و الرداء؟:

في (الخطيب) عن عائشة رضي اللّه عنها، أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خرج و عليه مرط مرحّل (عباءة صوف) من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله، ثمّ الحسين، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، و في رواية أخرى قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، (أو أهل بيت محمد)، فاجعل صلواتك و بركاتك على آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم، إنك حميد مجيد»، و نحوه روايات شتى.

و في رواية: «كان معهم جبريل و ميكائيل».

قال الطبري: و قد تكرر هذا الفعل مرات منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و عن عليّ رضي اللّه عنه قال: شكوت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حسد النّاس لي، فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة هم أول من يدخل الجنة: أنا و أنت و الحسن و الحسين، و أزواجنا عن أيماننا و شمائلنا، و ذرياتنا خلف أزواجنا».

و مما يلحق بهذا المقام ما رواه الديلمي قال: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة: أنا، و حمزة، و عليّ، و جعفر، و الحسن، و الحسين، و المهدي».

27

ثالثا: آية أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ ...:

روى أحمد و الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أنزلت هذه الآية في خمسة: فيّ و في عليّ، و حسن، و حسين، و فاطمة».

و روى أحمد، و الترمذي، و ابن أبي شيبة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الطبراني، و الحاكم، و صححه عن أنس، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد نزول هذه الآية، كان يمر ببيت فاطمة، إذا خرج لصلاة الفجر، يقول: «الصلاة أهل البيت، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».

و في رواية أبي سعيد: جاء (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أربعين صباحا إلى دار فاطمة يقول: «السّلام عليكم أهل البيت، رحمكم اللّه، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».

و في رواية له عن ابن عبّاس: «سبعة أشهر»، و في رواية لابن جرير، و ابن المنذر، و الطبراني: «ثمانية أشهر».

رابعا: آية المودة في القربى:

قال القسطلاني: المراد بالقربى: من ينسب إلى جده الأقرب عبد المطلب. و قال البغوي و الرازي و البيضاوي، و تابعهم أكثر المفسرين:

القربى هم أهل البيت.

قال الزمخشري: روي أنّه لما نزلت هذه الآية، قيل: يا رسول اللّه!

28

من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «عليّ و فاطمة و ابناهما».

قلنا: هذه هي رواية الطبراني، و ابن مردويه، و ابن أبي حاتم، عن ابن عبّاس رضي اللّه عنها، و يدل له سبب نزول الآية، فإنّه لما تفاخر الأنصار بأيديهم على الدعوة الإسلامية، و عاتبهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما منّوا به على اللّه، أسفوا و جثوا على الركب، و قالوا:

«أموالنا و ما في أيدينا للّه و رسوله؟» فنزل قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏.

هذه نصوص قطعية في أن المراد بالقربى هم أهل بيت رسول اللّه، لا يشذ عن ذلك إلا المبتلون بالحقد على أهل البيت باسم العلم و السّلفية.

خامسا: وجوب حب أهل البيت:

(1) أخرج ابن سعد، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «استوصوا بأهل بيتي خيرا، فإنّي أخاصمكم عنهم غدا، و من أكن خصمه خصمه اللّه».

(2) و نقل القرطبي، عن ابن عبّاس رضى اللّه عنهما في قوله تعالى:

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً قال:

رضا محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النّار.

(3) و روى الديلمي و الطبراني و البيهقي و ابن حبان، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، و تكون عترتي أحب إليه من عترته، و أهلي أحبّ إليه من أهله، و ذاتي أحب إليه من ذاته».

29

(4) و أخرج البخاري، عن ابن عمر رضي اللّه عنه، قال أبو بكر رضي اللّه عنه: خطب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: «أذكّركم اللّه في أهل بيتي» ثلاثا.

(5) و روى الإمام أحمد، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، و إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، حبل ممدود من الأرض إلى السماء، و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة، فانظروا بم تخلفوني فيهما»، و في رواية «إنّ اللّه سائلكم كيف خلفتموني في كتاب اللّه و أهل بيتي».

(6) و روى الحاكم، و الترمذي، و صححه على شرط الشيخين، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أحبّوا اللّه لما يغذوكم به، و أحبوني بحب اللّه، و أحبوا أهل بيتي بحبي» .. و استقصاء هذه الأخبار يطول، و حسبنا هذا لمن شرح اللّه صدره، و رفع قدره.

سادسا: تحريم بغض أهل البيت:

(1) أخرج الطبراني، و البيهقي، و ابن منده، و ابن أبي عاصم، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما بال أقوام يؤذونني في نسبي و ذوي رحمي؟

ألا و من آذى نسبي و ذوي رحمي فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه».

(2) و روى أبو الشيخ، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ما بال رجال يؤذونني في أهل بيتي؟ و الذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحبنى، و لا يحبنى حتى يحب ذريتي».

30

قلنا: و قد كان من أدب السلف الصالح ألا يقرءوا في الصّلاة بسورة (اللهب) حفاظا على قلب رسول اللّه و نفسه، مع أنّها قرآن منزل (خلافا لأدعياء السلفية، فهم يتعمدون القراءة بها غلّا).

(3) و روى أحمد مرفوعا: «من أبغض أهل البيت فهو منافق».

(4) و روى الحاكم صحيحا على شرط الشيخين: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله اللّه النّار».

(5) و روى الديلمي، عن أبي سعيد، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«اشتدّ غضب اللّه على من آذاني في عترتي».

(6) و روى الطبراني في الأوسط، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«لا يبغضنا أحد إلا زيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من نار» (أي أبعد عن حوضه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)).

(7) و نختم البحث بما رواه الدّار قطني مرفوعا، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يا أبا الحسن! أمّا أنت و شيعتك ففي الجنة، و إن قوما يزعمون أنهم يحبونك يصغّرون الإسلام ثم يلفظونه، يمرقون منه، كما يمرق السهم من الرّميّة».

و هذا الحديث من أعلام النبوة في تصوير متمسلفة هذا الزمان، و لا قوة إلّا باللّه، و الحمد للّه رب العالمين.

خادم العشيرة المحمدية محمد وهبي بن إبراهيم الخليل بن عليّ الشاذلي (رحمه اللّه تعالى)

31

الباب الثاني أقطاب أهل البيت الأشراف‏

نبذات عن عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين رضي اللّه عنهم جميعا

أولا: تعريف بأبي الحسن الإمام عليّ:

فوالده: أبو طالب عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، شقيق عبد اللّه بن عبد المطلب والد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و أمّه هي: فاطمة بنت أسد بن هاشم، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يناديها ب «يا أمي»، و لما توفيت كفنها (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في قميصه، و اضطجع في لحدها، و دعالها، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لقد كنت أمي بعد أمي».

و كنية الإمام عليّ رضي اللّه عنه: (أبو الحسن)، و كان النبيّ يكنيه أيضا: (أبا تراب)، و قد ضم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا و هو طفل فربّاه في بيته كأبنائه، فلما بلغ عشر سنين تنزل الوحيّ، و بعث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛ فكان عليّ أول من آمن به من الصبيان، و أقام عليّ مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مكة ثلاث عشرة سنة، و فداه يوم الهجرة، و كان معه بالمدينة ابنا و أخا مجاهدا، حتى تزوج عليّ بسيدة نساء العالمين (فاطمة) بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

32

ثمّ عاش بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نحو ثلاثين سنة، و مات و عمره نحو ثلاث و ستين سنة، و لم يتزوج عليّ على فاطمة حتّى توفيت، فتزوج عدة نساء، لأنّه كان يريد نسلا كبيرا، يؤيد بيت النبوة، و كان له سبعة و عشرون ولدا و بنتا (على بعض الروايات)، و لكن نسله كله كاد أو انحصر أخيرا في ذرية الحسن و الحسين و زينب رضي اللّه عنهم، و كان لهم شقيقان لم يعقباهما: رقية و أم كلثوم، من فاطمة رضي اللّه عنها.

هذا، و قد تكفل أبو طالب بتربية سيّدنا الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو طفل، و تكفل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بتربية سيدنا عليّ و هو طفل؛ فكانت تربية الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ل «عليّ» في مقابلة تربية أبو طالب للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلم يبق لأحد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فضل و لا مجاملة.

و أشهر زوجات الإمام عليّ- بعد سيدتنا فاطمة بنت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)-: هي السيدة أم محمد (حبيبة الحنفية)، و كان محمد ولدها إماما جليلا، له مواقف مشهودة مع أخويه الحسن و الحسين.

ثمّ تزوج عليّ رضي اللّه عنه بعد الحنفية (أم البنين فاطمة) فأعقب منها: (العبّاس، و عبد اللّه، و عثمان، و جعفر)، و كانوا يسمون العبّاس بن عليّ (قمر بني هاشم) لجماله و جلالته و فضله و علمه، و كلّ هؤلاء الأخوة جاهدوا مع أخيهم الحسين، و استشهدوا معه، و دفنوا معه في قبره بكربلاء.

33

ثمّ تزوج عليّ ب (أمامة بنت زينب بنت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم))، و هي الأخت الكبرى، و لكنه لم يعقب منها ذكورا.

و مدة خلافة عليّ: خمس سنين و ستة أشهر، و قد انتقل إلى الرفيق الأعلى شهيد الغدر بسيف (عبد الرحمن بن ملجم المرادي)، و قام على تجهيزه الحسن و الحسين، و أخوهما محمد بن الحنفية، و دفن ليلا كما سبق أن دفنت زوجته فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليلا بالبقيع منعا من الفتن، ثم إنّ قبر عليّ بالكوفة ب (النجف الأشرف) بالعراق، و هذا القبر يقع (كما يجري على الألسن هناك) بين قبري (آدم و نوح)، و في جوارهما قبر (هود و صالح)، و تسمى هذه المراقد ب (العتبات المقدسة)، و لا تدخلها امرأة سافرة أو غير متحشمة تماما.

ثانيا: تعريف بأم الحسنين فاطمة الزهراء:

ولدت بمكة يوم الجمعة الموافق العشرين من جمادى الآخرة، بعد البعثة بعامين.

و أمها: خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها.

و قد كنّاها والدها المصطفي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ب (أم أبيها) لشدة حبه لها و حبها له، و كان يقوم لها إذا أقبلت (بعد أن تزوجت عليّا رضي اللّه عنه) و يقبّلها و يجلسها في مكانه، و جعل سكنها بجوار بيته.

و من ألقابها: (الزهراء)، و (البتول)، و (النبوية).

و تزوجت بالإمام عليّ رضي اللّه عنه، فرزقها اللّه ب (الحسن رضي اللّه عنه) بعد الهجرة بثلاث سنين، و ولدت (الحسين رضي اللّه عنه) بعد

34

نحو عام واحد من ولادة أخيه الحسن، و توفيت في يوم الثلاثاء، ثالث أيام جمادى الآخرة (في مثل شهر ولادتها) سنة عشرة من الهجرة، و كان ذلك بعد وفاة أبيها المصطفي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بخمسة و سبعين يوما، فقد بلّغها في مرض موته أنّها أول أهله لحوقا به بعد وفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و دفنت بالبقيع رضي اللّه عنها.

و يروى عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «سميتها فاطمة لأنّ اللّه عزّ و جلّ فطمها و فطم من أحبها عن النّار»، و كانت أشبه برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صورة و سمتا و كلاما و تعبدا و خلقا عظيما.

و في الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فاطمة بضعة (أي قطعة) منّي، يرضيني ما يرضيها، و يؤذيني ما يؤذيها».

و في الحديث الثابت عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لكل أبناء نبيّ عصبة ينتمون إليها إلا ابنتي فاطمة؛ فأنا وليها و عصبتها» أخرجه الحاكم في المستدرك عن جابر، و أخرجه أبو يعلى في المسند عن فاطمة، و أخرجه آخرون.

و لهذا كان الأشراف كلهم من أبنائها رضي اللّه عنها، أعني ذرية الحسن و الحسين و زينب، عند من يرى امتداد شرف النبوة إلى أبناء البنات كصاحب كتاب «إسماع الصم في إثبات الشرف من الأم»، خلافا ل (ابن عبد السلام، و ابن عرفة، و السرخسي، و الزمخشري)، و وافقهم الكثيرون، و مضى الحكم على هذا الاعتبار.

أمّا المحسّن أخو الحسنين فقد مات طفلا (من فاطمة).

35

ثالثا: تعريف بالإمام الحسن:

والده: علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

و أمّه: فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها.

ولد بالمدينة المنورة، ليلة النصف من رمضان، في السنة الثالثة للهجرة، و هو أول أبناء عليّ و فاطمة رضي اللّه عنها، و لما ولد أذّن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في أذنه اليمنى، و أقام الصلاة في أذنه اليسرى، و في يوم سبوعه عقّ (ذبح) عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و حلق رأسه، و تصدق بوزن شعره فضة، و سمّاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الحسن (و لم يكن للعرب عهد بهذا الاسم)، و كنّاه: أبا محمد، و من ألقابه: الزكي، و المجتبى.

و كان جده المصطفي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «الحسن سبط من الأسباط، و الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة».

و أمّا زوجاته رضي اللّه عنه، فهنّ:

(1) أم إسحاق بنت طليحة بن عبد اللّه.

(2) حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.

(3) هند بنت سهيل بن عمرو.

(4) جعدة بنت الأشعث بن قيس، و هي التي يقال أنها قتلته بالسم (في اليوم السابع من صفر عام تسع و أربعين)، بتدبير تم بينها و بين بني أمية .. و اللّه أعلم.

36

و أمّا أولاده، فهم: (زيد، و الحسن المثنّى، و عمرو، و القاسم، و عبد اللّه، و عبد الرحمن، و الحسن المثلث، و طلحة، و أم الحسن، و أم الحسين، و فاطمة).

و لكن نسله الشريف جاء من ولده الحسن المثنّى، و ولده زيد، و إليهما ينتمي الأشراف من بني الحسن، و قد بويع بالخلافة بعد أبيه في الحادي و العشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، و لكنه حقنا لدماء المسلمين، و دفعا لمسيرة الإسلام إلى الأمام، عقد صلحا مع معاوية (في جمادى الأولى عام واحد و أربعين من الهجرة)، و بذلك حقق حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذي بشّر بأن اللّه يصلح به ما بين طائفتين من هذه الأمة، و مع أنّ معاوية لم يوف بعهده للحسن، فإنّنا نكل أمرهما إلى اللّه، و لا نجدد الفتن التي قطعا تضرّ الآن و لا تنفع .. و اللّه قاهر فوق عباده.

ثم انتقل الإمام الحسن إلى الرفيق الأعلى بعد تسع سنين، و دفن بالبقيع رضي اللّه عنه.

رابعا: تعريف بالإمام الحسين:

و قد ولد الإمام الحسين (أبو عبد اللّه) رضي اللّه عنه، في ثالث أو خامس يوم من أيام شعبان سنة أربع من الهجرة، بعد نحو عام من ولادة أخيه الحسن رضي اللّه عنه؛ فعاش مع جده المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نيفا و ست سنوات، و قد مات الحسين و له من العمر سبعة و خمسون عاما، و استشهد في يوم الجمعة أو السبت الموافق العاشر من‏

37

المحرم، في موقعة كربلاء قريبا من (نينوى) بالعراق، عام إحدى و ستين من الهجرة.

قتله عمر بن سعد بن أبي وقاص، و خولي بن يزيد الأصبحي، و اجتز رأسه الشريف سنان بن أنس النخعي، و شمر بن ذي الجوشن، و سلب ما كان عليه إسحاق بن خويلد الحضرمي. و ذلك بعد قتال مرير غير متكافى‏ء بينه و بين ألوف الجنود من جيش يزيد بن معاوية التي كان قد وجهها إليه عبد اللّه بن زياد، عامل يزيد بن معاوية على العراق، حين لم يكن مع الحسين إلا قلّة من أهل بيته، و منهم العديد من النساء و الأطفال.

و لم يكن رضي اللّه عنه خارجا لحرب، و إنّما استجابة لرغبة أهل العراق في تجديد الأمر و النهي للّه، و إرجاع الدعوة الإسلامية إلى نبعها إرشادا و هداية و محافظة على الإسلام، و إلّا فهل يخرج رجل لحرب الألوف بعشرات من الأطفال و النساء و الرجال العزّل، غفر اللّه للجميع.

و قد شهد الحسين مع والده واقعة (الجمل) و (صفين) و حروب الخوارج و غيرها، كما شارك بعد وفاة أبيه في فتح أفريقيا و آسيا، كما سجّله سادة المؤرخين.

و قد دفن جسده الطاهر بكربلاء بالعراق، أمّا الرأس الشريف فقد طيف بها إرهابا للنّاس، حتى استقر أو حفظ ب (عسقلان)، من ثغور فلسطين على البحر المتوسط، ثم لما اشتعلت الحروب الصليبية، و خاف الخليفة الفاطمي على الرأس فأذن وزيره (الصالح طلائع بن رزيك)

38

فنقلها إلى مصر بالمشهد المعروف بها الآن، بتحقيق أعلم المؤرخين و أصدقهم، و لا اعتبار للروايات التي يتمسك بها النواصب من خصوم أهل البيت و المتمسلفة، فهي منقوضة من كل الوجوه، و قد حققنا ذلك فيما يأتي بما لا يدع مجالا لأي شك أو ريبة.

و قد تزوج الحسين رضي اللّه عنه بعدد من النساء رجاء كثرة النسل لحفظ أثر البيت النبوي، كما فعل أبوه من قبل، و قد حقق اللّه هذا الرجاء، فحفظ ميراث النبوّة و عصبتها في نسل الحسن و الحسين و زينب أخت الحسين و فاطمة ابنته، رضي اللّه عن الجميع.

أمّا أبناؤه، فهم:

(1) عليّ الشهيد، أمّه: برة بنت عروة بن مسعود الثقفي من أشرف بيوت العرب.

(2) عليّ الأوسط (أو المثنى)، و اشتهر بالإمام.

(3) عليّ الأصغر (أو المثلث)، و اشتهر بزين العابدين السجّاد، و أمهما: (الأميرة) مشهر بانو بنت كسرى شاهنشاه ملك الفرس.

(4) محمد، و عبد اللّه، و سكينة الكبرى، و الصغرى، و أمهم:

الرباب بنت امرى‏ء القيس الكندية من ملوك العرب.

(5) جعفر، و أمه: القضاعية.

(6) فاطمة.

(7) و زينب، و أمهما: أم إسحاق بنت طليحة بن عبد اللّه من كبار الصحابة.

39

و لكن نسل الحسين رضي اللّه عنه كله كان من عليّ الأصغر (زين العابدين السجّاد) (يعني كثير السجود و العبادة)؛ فمن بنتيه: فاطمة و زينب (عند من يقر الشرف من طريق البنات كما قدمنا)، و إن كانت ذرية فاطمة قليلة و نادرة.

و قد روى الحاكم و صححه عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «حسين مني و أنا من حسين. اللهمّ أحب من أحب حسينا. حسين سبط من الأسباط. الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة» ..

و روى ابن حبان و ابن سعد و أبو يعلى و ابن عساكر عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «من سرّه أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن عليّ رضي اللّه عنه».

*.*.* قال الشاعر المحب:

قيل: تشقى بحبّ (آل النّبيّ)* * * قلت: هذا كلام غاو غبيّ‏

فاز كلب بحبّ أصحاب كهف‏* * * كيف أشقى بحبّ (آل النّبيّ)

40

لا إله إلا الله .. محمد رسول الله‏

الباب الثالث رأس الإمام الحسين بمشهده بالقاهرة تحقيقا مؤكدا حاسما

41

الباب الثالث رأس الإمام الحسين بمشهده بالقاهرة تحقيقا مؤكدا حاسما* آراء و أدلة و شهادة العلماء و المؤرخين المنصفين الراسخين فى العلم.

* مع معالم و معلومات هامة ...

أولا: رأي المؤرخين و كتاب السيرة:

يجمع المؤرخون و كتّاب السيرة (سوى المتمسلفة) على أنّ جسد الحسين رضي اللّه عنه دفن مكان مقتله في كربلاء، أمّا الرأس الشريف فقد طافوا به حتّى استقر ب (عسقلان) الميناء الفلسطيني، على البحر الأبيض، قريبا من مواني مصر و بيت المقدس.

و قد أيّد وجود الرأس الشريف ب (عسقلان) و نقله منها إلى مصر جمهور كبير من المؤرخين و الرواد، منهم: ابن ميسر، و القلقشندي، و عليّ بن أبي بكر الشهير بالسايح الهروي، و ابن إياس، و سبط ابن الجوزي.

و ممن ذهب إلى دفن الرأس الشريف بمشهد القاهرة المؤرخ العظيم عثمان مدوخ إذ قال: إنّ الرأس الشريف له ثلاثة مشاهد تزار: مشهد بدمشق دفن به الرأس أولا (1). ثمّ مشهد بعسقلان بلد على البحر

____________

(1) يقول أكثر المؤرخين: إنّ مسجد الرأس بدمشق كان منزلا من المنازل التي أقام بها حملة الرأس لتخويف النّاس و لم يكن مدفنا للرأس أبدا.

42

الأبيض، نقل إليه الرأس من دمشق، ثمّ نقل إلى المشهد القاهري لمصر بين خان الخليلي و الجامع الأزهر.

و يقول المقريزي: إنّ رأس الحسين رضي اللّه عنه نقلت من عسقلان إلى القاهرة في 8 جمادى الآخرة عام 548 ه، و بقيت عاما مدفونة في قصر الزمرد حتى أنشئت له خصيصا قبة هي المشهد الحالي، و كان ذلك عام 549 ه.

ثانيا: شهادة الدكتور الحسيني هاشم:

يقول فضيلة الشيخ الحسيني هاشم وكيل الأزهر و أمين عام مجمع البحوث- (رحمه اللّه)- تعليقا على ما دسّه النّسّاخون على كتاب الإمام السيوطي (حقيقة السنة و البدعة) ما ملخصه:

و قد أكّد استقرار الرأس بمصر أكبر عدد من المؤرخين منهم (ابن إياس) في كتابه، و (القلقشندي) في صبح الأعشى، و (المقريزي) الذي عقد فصلا في خططه المسمى (المواعظ و الاعتبار) ص 427، و ص 428، و ص 430 يؤكد رواية (ابن ميسر) أن الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي هو الذي حمل الرأس الشريف على صدره من عسقلان، و سعى به ماشيا حيث وصل مصر يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة 548 هجرية، و حلت الرأس في مثواها الحالي من القصر يوم الثلاثاء 10 من جمادى الآخرة سنة 548 هجرية عند قبة باب الديلم، حيث الضريح المعروف الآن بمسجده المبارك. و كذا (السخاوي)- (رحمه اللّه)- قد أثبت رواية نقل رأس الحسين إلى مصر.

43

ثالثا: الرأي الرسمي لمصلحة الآثار:

تقول الأستاذة (عطيات الشطوي) المفتشة الأثرية الثقة و المشرفة المقيمة على تجديد القبة الشريفة في عصرنا:

تؤكد وثائق هيئة الآثار أنّ رأس الحسين رضي اللّه عنه نقل من عسقلان إلى القاهرة- كما يقول المقريزي- في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان و أربعين و خمسمائة الموافق (31 أغسطس سنة 1153 م)، و كان الذي وصل بالرأس من عسقلان الأمير سيف المملكة تميم و اليها، و حضر في القصر يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الآخر المذكور (الموافق 2 سبتمبر 1153 م).

و يضيف المقريزي: فقدم به (الرأس) الأستاذ مكنون في عشارى من عشاريات الخدم، و أنزل به إلى الكافوري (حديقة)، ثمّ حمل في السرداب إلى قصر الزمرد، ثم دفن في قبة الديلم بباب دهليز الخدمة (المقر الحالي).

و في العصر الأيوبي أنشأ أبو القاسم بن يحيى بن ناصر السكري المعروف بالزرزور منارة على باب المشهد سنة 634 ه (1236 م)، و هي منارة مليئة بالزخارف الجصية و النقوش البديعة، و هي تعلو الباب الأخضر، و قد تهدم معظمها، و لم يبق منها إلا القاعدة المربعة، و عليها لوحتان تأسيسيتان (و قد جددت و هي موجودة الآن).

و قد احترق هذا المشهد في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة

44

640 ه، و قد قام بترميمه بعد هذا الحريق القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، و وسعه و ألحق به ساقية و ميضأة، و وقف عليه أراضي خارج الحسينية قرب الخندق (و يقول بعض بحاثة المؤرخين: إن الذي أحرق المشهد هم اليهود بمصر).

و استمرت عمليات التوسع و الإضافة حتّى جاء الأمير كتخدا فقام بإصلاحات كثيرة، ففي سنة 1175 ه أعاد بناء المسجد و عمل به صهريجا و حنفية بفسحة، و أضاف إليه إيوانين، كما رتب للقائمين عليه مرتبات كثيرة ظل معمولا بها حتى سنة 1206 ه.

و لما قدم إلى مصر السلطان عبد العزيز سنة 1279 ه، و زار المقام الحسيني الشريف، أمر الخديوي إسماعيل بعمارته و تشييده على أتم شكل و أحسن نظام، و قد استغرقت هذه العملية عشر سنوات إذ تمت سنة 1290 ه، أمّا المنارة التي في جنوب غربي المسجد فقد تمت سنة 1295 ه، و هي غير المنارة الأيوبية التي في جنوب شرقي المسجد.

أمّا في عهد ثورة 23 يوليه سنة 1952 م فقد عنيت عناية خاصة بتجديد مسجد الحسين و زيادة مساحته و فرشه و إضاءته حتى يتسع لزائريه و المصلين به. و قد بدأت هذه التجديدات سنة 1959 م، و تمت سنة 1963 م و بلغت جملة تكاليفها 83 ألف جنيه.

*.*.*

45

رابعا: دليلان آخران:

الدليل الأول:

لقد أراد اللّه أن يقطع حجّة القائلين بعدم وجود الرأس بالقاهرة، و أن يسمهم على الخرطوم، فقد عثر الباحثون بالمتحف البريطاني بلندن من سنوات [أشرنا إليها بمجلة المسلم في حينها] على نسخة خطية محفوظة من «تاريخ آمد» لابن الأورق (المتوفى عام 572 ه)، و هي مكتوبة عام (560 ه)- أي قبل وفاة المؤرخ باثنتي عشرة سنة- و مسجلة بالمتحف المذكور تحت رقم (5803 شرقيات)، و قد أثبت صاحب هذا التاريخ بالطريق اليقيني أن رأس الحسين قد نقل من عسقلان إلى مصر (عام 549 ه)، أي في عهد المؤرخ، و تحت سمعه و بصره، و بوجوده و مشاركته ضمن جمهور مصر العظيم في استقبال الرأس الشريف.

و لا نظن أن مخلوقا يتمتع بذرة من الإنصاف يماري في وجود الرأس الشريف بمصر بعد ذلك، أو يماري في أن ظهور هذه النسخة الخطية من هذا الكتاب في هذا الوقت إنّما هو كرامة لأهل البيت جميعا، و للحسين رضي اللّه عنه بخاصة، و لو علم (ابن تيمية) و هو خصم الحسين الأخصم بذلك لتاب إلى اللّه من قوله (و لعلّها رأس يهودي بمصر)، سامحه اللّه، و بصّر السائرين على منهجه، بما هو أهدى و أندى و أجدى.

الدليل الثاني:

معروف أنّ الدولة الفاطمية بمصر كانت محل تناظر و تنافس بالغ و مخاصمة مع الدولة العبّاسية بالعراق، و كانت كل دولة منها تتسقط

46

للأخرى مواقع الزلل، و مواطن الأخطاء للتشهير بها، و إضعاف مركزها، و بخاصة في مثل هذه الموضوعات التي يتأثر بها الجماهير، مهما كان الخلاف بينهم في أبناء علي، و أبناء العبّاس، فكان صمت العباسيين و غيرهم (دولة و شعبا) على هذا الحدث الخطير أكبر دليل على صحة وجود الرأس بعسقلان، ثمّ على صحة نقلها من عسقلان إلى مصر.

و قد غاب هذا الدليل عن المتحدّثين على كثرتهم في هذا الجانب رغم أنّه دليل قاطع حاسم.

*.*.* خامسا: شهود عدول مع وجود الرأس الشريف بالقاهرة:

نقل في أواخر (بحر الأنساب) ما ملخصه (بتصرف) أنّ العلامة الشبراوي (شيخ الأزهر لوقته) ألّف كتابا أسماه (الإتحاف) أثبت فيه وجود الرأس بمقره المعروف بالقاهرة يقينا .. و ذكر أن ممن أثبتوا ذلك السّادة الأعلام:

(1) الإمام المحدّث الحافظ زكي الدين المنذري.

(2) الإمام المحدّث الحافظ ابن دحية.

(3) الإمام المحدث الحافظ نجم الدين الغيطي.

(4) الإمام مجد الدين بن عثمان.

(5) الإمام محمد بن بشير.

(6) القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر.

47

(7) القاضي عبد الرحيم.

(8) كما أكد هذا الشيخ عبد اللّه الرفاعي المخزومي في مؤلفه.

(9) و الشيخ ابن النحوي في مؤلفه.

(10) و الشيخ القرشي في مؤلفه.

(11) و الشيخ الشبلنجي في مؤلفه.

(12) و الشيخ حسن العدوي في مؤلفه.

(13) و الشيخ الشعراني في أكثر من مؤلف.

(14) و الشيخ المناوي في مؤلفه.

(15) و الشيخ الصبان في مؤلفه.

(16) و الشيخ الأجهوري في مؤلفه.

(17) كما أكده الشيخ أبو المواهب التونسي.

(18) الشيخ أبو الحسن التمار.

(19) الشيخ شمس الدين البكري.

(20) الشيخ كريم الدين الخلوتي.

و جماهير الصوفية على اختلاف المراتب و الأسماء و المشارب و الأوطان، مما يرفع الحكم إلى درجة التواتر؛ لعدم التسليم بتواطؤ كل هؤلاء على الكذب أو على الجهل و الغفلة و التعصب، بالإضافة إلى كبار المؤرخين الذين أسلفنا ذكرهم.

48

و تم الإجماع على أن الرأس الطاهر وصل إلى القاهرة من عسقلان في (يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة خمسمائة و تسع و أربعين) فحمله الأمير (سيف المملكة مكين) و القاضي (ابن مسكين) إلى السرداب الخليفي العظيم بقصر الزمرد، فحفظ مؤقتا بالسرداب من عاشر جمادى الآخرة في خلافة (الفائز الفاطمي) على يد وزيره (الصالح طلائع بن رزيك)، حتّى بنى القبر الحالي و القبة عند باب (الديلم)، الواقع و قتئذ في الجنوب الشرقي من القصر الكبير، و المعروف الآن بالباب الأخضر، فحمل الرأس الشريف من السرداب العظيم إلى هذا القبر، و دفن به في الثلاثاء الأخير من ربيع الآخر على المشهور من العام التالي، و هو موعد الذكرى السنوية الكبرى بمصر للإمام الحسين رضي اللّه عنه.

*.*.* سادسا: قول فصل في الموضوع: تحقيق علمي حاسم‏

لأختنا في اللّه الدكتورة الأثرية الحاجة سعاد ماهر عميدة كلية الآثار (سابقا) و في كتاب (أولياء اللّه الصالحون) للعلامة الأثرية المحققة الدكتورة سعاد ماهر تحدثت بإفاضة عن موضوع الرأس الشريف، فجمعت بين العلم و المنطق و العقل و العاطفة.

49

و بعد أن فندت الروايات التي تقول بدفن الرأس بعيدا عن القاهرة أفردت بداية من صحيفة (374) من الكتاب المذكور هذا التحقيق العظيم، الذي تقول فيه ما نصه:

و لكن ما السبب في اختيار مدينة عسقلان بالذات لكي تكون مقرا للرأس؟ و هي مدينة لم تحدثنا كتب التاريخ بأنّها كانت مركزا من مراكز الشيعة (مثلا) .. اللهم إلا إذا أريد أن يكون الرأس في مكان قريب من (بيت المقدس) من جهة، و قريب من (الساحل) من جهة إخراجها من (المشرق)، حيث لاقى الشيعة الشي‏ء الكثير من اضطهاد الأمويين أولا، ثمّ العباسيين ثانيا، ليمكن نقلها في يسر إلى (شمال أفريقيا و بلاد المغرب مثلا) حيث اتجه عدد عظيم من الشيعة!!!.

و مهما يكن من أمر فقد بات في حكم المؤكد أنه لم يكن في القرن الخامس الهجري وجود للرأس في دمشق؛ بل كان في مدينة عسقلان للأسباب الآتية:

أولا: يؤيد وجود الرأس بعسقلان في العصر الفاطمي نص تاريخي منقوش على منبر (المشهد) الذي أعاد بناءه بدر الجمالي و أكمله ابنه الأفضل في عصر الخليفة المستنصر.

و لما نقل الرأس إلى مصر، نقل المنبر إلى المشهد الخليلي بالقدس، و المنبر ما زال موجودا حتى الآن هناك.

أمّا النص الكتابي فقد جاء فيه: «الحمد للّه وحده لا شريك له، محمّد رسول اللّه، عليّ ولي اللّه، صلى اللّه عليهما و على ذريتهما

50

الطاهرة، سبحان من أقام لموالينا الأئمة مشهدا، مجدا رفع راية، و أظهر معجزا بين كل وقت و آية، و كان من معجزاته تعالى إظهار رأس مولانا الإمام الشهيد أبي عبد اللّه الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلّى اللّه عليه و على جده و أبيه و أهل بيتهم، بموضع بعسقلان كان الظالمون ستروه فيه، و إظهاره الآن شرفا لأوليائه الميامين، و انشراح صدور شيعته المؤمنين، و رزق اللّه فتى مولانا و سيدنا معد أبي تميم الإمام المستنصر باللّه أمير المؤمنين صلّى اللّه عليه و على آبائه و أبنائه الطاهرين».

ثانيا: جاء في المقريزي (1/ 408) أنّ المؤرخ ابن المأمون ذكر في حوادث سنة 516 ه أن الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام اللّه أمر بإهداء قنديل من ذهب و آخر من فضة إلى مشهد الحسين، و أهدى إليه الوزير المأمون قنديلا ذهبيا له سلسلة فضية.

ثالثا: لو كان الرأس موجودا في مكان آخر غير عسقلان، سواء في الشام أو خارجها، لما عزّ على خلفاء الدولة الفاطمية الوصول إليه، و هم كما نعلم من الشيعة الإسماعيلية، و قوتهم الدينية تعتمد في أكثر ما تعتمد على نسبهم لفاطمة الزهراء .. أمّا قوتهم السياسية فقد فاقت الدولة العبّاسية، إذ امتدت الدولة الفاطمية من مصر و بلاد الشام و الحجاز و اليمن شرقا إلى شمال أفريقيا و بلاد المغرب غربا، بل إنّه حدث في عهد الخليفة المستنصر أن نادى البساسيرى أحد كبار الشيعة بسقوط الدولة العباسية في بغداد و البصرة و واسط و جميع الأعمال، و ذكر اسم الخليفة المستنصر الفاطمي على منابرها في خطبة الجمعة، و في هذا أكبر شاهد على تلك القوة.

51

رابعا: ما ذكره عثمان مدوخ في كتاب (العدل الشاهد) من العثور بالقرب من باب الفراديس على طاق مسدود بحجر عليه كتابة تفيد أنه مشهد الحسين فلما رفع الحجر وجدت الفجوة خالية من الدفن، مما يؤيد نقل الرأس منها.

خامسا: جاء في المقريزي (2/ 171): «و بنى طلائع مسجدا لها (يعني الرأس) خارج باب زويلة من جهة الدرب الأحمر، و هو المعروف بجامع الصالح طلائع، فغسلها في المسجد المذكور على ألواح من خشب» يقال: أنها لا زالت موجودة بهذا المسجد.

فممّا لا شك فيه أنه قد أحضرت إلى القاهرة رأس الإمام الحسين، و ليس من مستغرب أن تكون قد غسلت في مسجد الصالح طلائع، و يؤيد هذه الرواية ما كشفت عنه الحفائر التي أجريت سنة (1945)، من وجود مبان بجوار الجهة الشرقية للواجهة البحرية لجامع الصالح طلائع، عليها كتابات أثرية منها (أدخلوها بسلام آمنين)، و مثل هذه العبارة تكتب عادة على مداخل المدافن، و لذلك فإنّه من المرجح أن تكون هذه الكتابات من بقايا المشهد الذي بناه الصالح طلائع مجاورا لمسجده لكي يدفن فيه رأس الحسين (كما ذكر ابن دقاق).

سادسا: جاء في كتاب (العدل الشاهد في تحقيق المشاهد): «أن المرحوم عبد الرحمن كتخدا القزدغلي، لما أراد توسيع المسجد المجاور للمشهد الشريف (سنة 1175 ه)، قيل له: إن هذا المشهد لم يثبت فيه دفن، فأراد تحقيق ذلك فكشف المشهد الشريف بمحضر من النّاس، و نزل‏

52

فيه (الأستاذ الجوهري الشّافعي و الأستاذ الشيخ الملّوي المالكي)، و كانا من كبار العلماء العاملين، و شاهدا ما بداخل البرزخ، ثم ظهرا بما شاهداه، و هو كرسي من الخشب الساج، عليه طشت من ذهب، فوقه ستارة من الحرير الأخضر، تحتها كيس من الحرير الأخضر الرقيق، داخله الرأس الشريف، فانبنى على إخبارهم تحقيق هذا المشهد، و بني المسجد و المشهد، و أوقف عليه أوقافا يصرف على المسجد من ريعها».

*.*.* هذا، و لا أجد في هذا المقام خيرا من العبارة التي جاءت في المقريزي أختم بها موضوع الرأس الشريف: «و لحفظة الآثار و أصحاب الحديث و نقلة الأخبار، ما إذا طولع وقف منه على السطور، و علم منه ما هو غير المشهور، و إنما هذه البركات مشاهدة مرئية، و هي بصحة الدعوى ملية، و العمل بالنية».

أو كما قال ابن الجوزي: «ففي أي مكان كان رأس الحسين أو جسده فهو ساكن في القلوب و الضمائر، قاطن في الأسرار و الخواطر» (انتهى).

نقول: و بعد هذا التحقيق العلمي الحاسم (و ما قدمناه قبله) لم يبق وجه للملاحاة و الجدل حول هذا الموضوع، و يجب العلم بأنّه ليس من أمهات العقائد حتّى تتاجر به (هيئات المنتفعين بالدعوة الوهابية) فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر، و الحسين هو الحسين، أمس و اليوم و غدا، إلى يوم القيامة، و لينطح الصخر من أراد أن يدمر رأس نفسه.

*.*.*