معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج2

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
540 /
3

الجزء الثاني‏

معالم المدينة المنوّرة بين العمارة و التاريخ‏

الجزء الثاني معالم التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة مهندس معماري عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم كعكي‏

مراجعة فضيلة الشيخ عبيد الله محمد أمين كردي المدينة المنورة

4

مسجد الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة المنورة (1).

____________

(1) أخذت الصورة من غلاف مجلة «أمانة المدينة المنورة» إنجازات و أرقام لعام 1415 ه.

(تصوير إبراهيم سراج)

5

وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ صدق اللّه العظيم (الحشر: 9)

قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم):

«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»

حديث شريف «صحيح البخاري» (3/ 19)

6

مسجد الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة المنورة.

آلاف من المصلين يؤدون الصلاة داخل المسجد النبوي الشريف بعد توسعة خادم الحرمين الشريفين‏ (1).

____________

(1) أخذت الصورة من غلاف مجلة توسعة و عمارة الحرمين الشريفين «رؤية حضارية»، مؤسسة محمد بن لادن.

7

[فهد بن عبد العزيز آل سعود]

إن من نعم الله على هذه البلاد و شعبها و حكومتها أن شرفنا جميعا بوجود أقدس البقاع و أطهرها في هذا المكان الطاهر من العالم، و هو شرف يفرض علينا أن نبذل كلّ غال و رخيص لنكون أمناء عليه و مخلصين للعمل من أجله، و يكفينا شرفا و فخرا و اعتزازا أن تكون الكعبة المشرفة و مسجد الرسول الأعظم أمانة عظيمة في أعناقنا و مسؤولية جسيمة لا بدّ أن نكون عند مستواها على الدوام. و نحن سعداء بما نبذله من الجهد و الاهتمام لهاتين المدينتين المقدستين و لمشاريعهما الضخمة من أجل أن يجد المسلمون الوافدون إليهما من كل حدب وصوب الأمن و الطمانينة و الراحة فيهما و يؤدون شعائرهم فيها بسهولة و يسر.

فهد بن عبد العزيز آل سعود

8

المسجد النبوي الشريف بعد إنتهاء عمارته الأخيرة في عهد خادم الحرمين الشريفين‏ (1).

____________

(1) أخذت الصورة من مجلة «أمانة المدينة المنورة» إنجازات و أرقام، لعام 1415 ه (ص 41).

(تصوير/ خالد خضر)

9

[عبد المجيد بن عبد العزيز آل سعود]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد لله الذي شرفني بسكني مدينة رسوله المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم) و كلفني بواجب خدمتها و أبنائها و زوارها، الأمر الذي يعد غاية مطمح العاملين لجمعه بين خيري الدنيا و الأخرة، و الصلاة و السلام على من سن شد الرحال إلى مسجده في المدينة المنورة.

لقد أدركت عظم المسئولية التي شرفني بها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله، عند ما باشرت واجباتي في طيبه الطيبه عام 1406 ه، و تفقدت بطبيعة الحال أحياءها و شوارعها و معالمها، لتحقيق أهدافه و خططه و تطلعاته. أيده الله. لتنمية و تطوير المدينة المنورة.

و بعد الإتكال على الله عز و جل، بدأنا العمل، و بعونه سبحانه و تعالى أولا و أخيرا، ثم بتوجيه ودعو خادم الحرمين الشريفين رعاه الله، و تكاتف و تعاضد العاملين المخلصين من الرجال ذوي العزيمة الصادقة، أصبحت آمال و أحلام و طموحات خادم الحرمين الشريفين، حقيقة مشرقة و ملموسة، ظاهرة للعيان، تتحدث عن نفسها دون الحاجة إلى شرح أو تفصيل ...

فالحمد لله الذي حبانا و شرفنا بخدمة هذه البلاد الطاهرة، و الدعاء إليه عز و جل أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، و صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهده الأمين، و أبناء هذا الوطن الغالي، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الرسل، نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين‏ (1).

عبد المجيد بن عبد العزيز آل سعود

____________

(1) مجلة «أمانة المدينة المنورة» إنجازات و أرقام، لعام 1415 ه (ص 172).

10

[من نظم السيد على حافظ]

سقاك الله يا تلك المغاني‏* * * بطيبتنا فما أحلى رباها

و باكرها النسيم بكل عطر* * * يفوح شذى و ينمو في ثراها

فما أحلى المقيل بسفح سلع‏* * * و في وادي العقيق و في قراها

و في وادي قناة لنا رفاقا* * * كزهر الروض بلله نداها

و ما تلك العيون سوى عيون‏* * * بها تجري بنفس في فضاها

و كم لي بالمناخة من لقاء* * * تالق بالأحبة في سماها

ولي في الساحة الحمرا حديث‏* * * طريف باسم غمر الشفاها

خذوني للعوالي ثم عودوا* * * بقربان و ما أشهر قباها

من نظم السيد علي حافظ «ي(رحمه الله)» عام 1387 ه

11

إهداء

إلى من كان لهما الفضل في تربيتي و تعليمي و تقدمي و نجاحي.

إلى والديّ اللذين لم أجد من هو أحق منهما بالإهداء.

إلى والدي الفاضل.

إلى والدتي الفاضلة.

إلى التي أحببتها منذ طفولتي فكبرت و كبر حبها معي.

إلى محبوبتي طيبة.

إلى إخواني و أبنائي الأعزاء.

إلى من اخترتها لتكون رفيقة درب حياتي.

إلى أم أولادي الغالية.

إلى أهل طيبة و سكانها و محبيها.

إليكم جميعا أقدم الجزء الثاني من كتابي.

عربون وفائي و صادق إخلاصي و ولائي.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

شكر و تقدير

شكرا لربي الذي علمني و وفقني و أعطاني ...

شكرا لوالدي الذي غمرني بحبه و عطفه و حنانه ...

شكرا إلى كل يد ساعدت فرسمت و كتبت و عبرت ...

شكرا إلى كل من أسهم بعقله و علمه و معرفته ...

شكرا لكل من شجعني و وجهني و أضاء لي الطريق ...

إليهم جميعا خالص الشكر و التقدير و العرفان ...

كما أخص بالشكر كلا من:

معالي المهندس عبد العزيز بن عبد الرحمن الحصين (أمين المدينة المنورة)

سعادة الدكتور صالح بن علي الهذلول (وكيل وزارة الشؤون البلدية و القروية لتخطيط المدينة)

فضيلة الشيخ الاستاذ عبيد اللّه محمد أمين كردي‏

فضيلة الاستاذ الدكتور خليل ملّا خاطر

سعادة الاستاذ الدكتور أحمد فريد مصطفى‏

سعادة المهندس محمد بن عبد الرحمن المخرج (رئيس بلدية الطائف)

سعادة المهندس محمد بن مدني العلي (وكيل أمين المدينة المنورة للتعمير و المشاريع)

سعادة الاستاذ صالح عبد الحميد حجّار

14

المحتويات‏

إهداء 11

شكر و تقدير 13

تقديم الجزء الثاني 17

المدخل إلى الجزء الثاني 19

بيت يدي الكتاب 21

مقدمة المؤلف 22

تمهيد

الدراسات الجغرافية و الطبيعية و السكانية لخصائص موقع المدينة المنورة 26

الفصل الأول (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة قبل الإسلام)

- عمارة الحصون و الأطام 50

- إقامة الأسواق القديمة 52

- بناء المنازل و المناطق السكنية 53

- تشييد مباني الخدمات العامة و المرافق 56

- حفر الآبار و شق الطرق 57

- بناء العرايش 58

الفصل الثاني (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في عصر النبوة)

بناء و تأسيس مسجد قباء و المسجد النبوي الشريف 64

- إقامة السوق و تخطيط المدينة، وضع نظام الأراضي و الاستملاك، نظافة المدينة، تحديد النطاق العمراني و مواقع معسكرات الجيش، إقامة مباني الخدمات العامة، المحافظة على الآثار، إقامة الخندق 80- 93

الفصل الثالث (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في عصر الخلفاء الراشدين)

- ترميم و عمارة المسجد النبوي الشريف، إقامة دور القضاء، وضع الدواوين، إقامة دور الأيتام و اللقطاء، بناء المدن و تعيين الولاة. 98- 113

الفصل الرابع (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في العصر الأموي)

- توسعة المسجد النبوي الشريف،- إعادة بناء السوق و ظهور الإستخدام التجاري السكني، إجراء العين الزرقاء، إزدهار التنمية العمرانية، عمارة و بناء بعض المساجد القديمة 119- 130

الفصل الخامس (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في العصر العباسي)

- توسعة المسجد النبوي الشريف، حفر الخنادق، بناء الأسوار، إقامة المستشفيات «البيمارستان» 136- 146

15

الفصل السادس (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في العصر المملوكي)

- عمارة و تجديد المسجد النبوي الشريف، تجديد بعض المساجد القديمة 152- 157

- عمارة بعض القباب و الأبنية في البقيع، بناء المدارس و الأربطة 159

- إنشاء المباني العامة و الخدمات تخصيص مباني للأوقاف 160

الفصل السابع (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في العصر العثماني و الهاشمي)

* التطور العمراني و الحضري للمدينة المنورة في العصر العثماني 164

- عمارة المسجد النبوي الشريف، ترميم و عمارة المساجد القديمة 177- 185

- بناء سور المدينة و إنشاء القلاع و الأبراج، إقامة مباني الخدمات و المرافق العامة كإنشاء الأربطة و المدارس و الوكالات و المحلات التجارية و تنفيذ مشروع سكة حديد الحجاز و مرافقها المختلفة و إنشاء الكتاتيب و عمارة العين الزرقاء و تجديد العيون و المناهل و انتشار المزارع و البساتين و تطور حركة البناء و العمران و بناء و تجديد بعض مباني البقيع و أسواره. 186- 206

* التطور العمراني و الحضري للمدينة المنورة في العصر الهاشمي 208

الفصل الثامن (التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في العصر السعودي)

* عمارة المسجد النبوي الشريف، و تجديد و عمارة المساجد الأثرية القديمة كمسجد قباء و مسجد الجمعة و القبلتين 212- 264

* تنفيذ المشاريع المساندة و المصاحبة لمشروع توسعة خادم الحرمين الشريفين للمسجد النبوي الشريف كمشروع مجمع المحاكم الشرعية و مشروع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف و مشروع توسعة البقيع 265- 278

* تخطيط المدينة المنورة و الدراسات المصاحبة للمخطط العام كدراسات النطاق العمراني و مشروع تطوير المنطقة المركزية و تحسين و تجميل مداخل المدينة 279- 469

- تخطيط المناطق العشوائية و إصدار المخططات التطويرية 469

- تطوير المناطق المطلة على الطرق الرئيسية 484

الفصل التاسع (الخلاصة)

* ملخص لأهم مراحل التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة 488

* الأسس و الركائز التخطيطية الهامة في رسم و إدارة عملية التخطيط و التطوير 495

* أسس و مبادى‏ء دراسة و تخطيط المناطق الحضرية التاريخية بالمدينة المنورة 500

* سلامة البنية العمرانية و الطبيعية 502

* موجز لأهم توصيات الندوة العالمية للعمارة و التخطيط في العالم الإسلامي 504

* السياسات العامة لتخطيط المدن الإسلامية و وسائل التنفيذ 504

* التوصيات الخاصة بتعلم العمارة و التخطيط في الجامعات الإسلامية و مراكز الدراسات و ممارسة المهنة 507

الفهارس‏

الفهرس العام للموضوعات 514

فهرس الصور و المخططات و الجداول 523

فهرس المراجع 541

16

صورة جوية للمدينة المنورة عام 1406 ه/ 1986 م (مجلة أمانة المدينة المنورة- إنجازات و أرقام 1415 ه).

17

بقلم سعادة الدكتور صالح بن علي الهذلول وكيل وزارة الشؤون البلدية و القروية لتخطيط المدن‏

تقديم الجزء الثاني‏

«معالم المدينة المنورة بين العمارة و التاريخ» عمل موسوعي ضخم يوثق ما كانت عليه المدينة المنورة منذ البعثة إلى وقتنا الحاضر. و قد بدأ المؤلف بتحديد و وصف المعالم الطبيعية للمدينة المنورة من جبال و حرات و أودية و غير ذلك في الجزء الأول من هذه الموسوعة. و في هذا الجزء «معالم التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة» يوثق الكاتب نشأة العمران و تطوره و تغيّره في المدينة المنورة عبر الزمن؛ بدءا بالمستوطنات المتناثرة أو منازل القبائل المختلفة قبل الإسلام، و الكيفية التي تم فيها توحيد هذه المستوطنات المتناثرة و ربطها مع بعضها البعض بعد هجرة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و بنائه لمسجده. ثم قيامه (صلى اللّه عليه و سلّم) على تخطيط المدينة؛ من تحديد لمساكن المهاجرين و اقطاعهم الأراضي لبناء دورهم و مساكنهم حول المسجد النبوي، و تحديده (صلى اللّه عليه و سلّم) موقع السوق و المصلى. بعد ذلك يتتبع المؤلف التطور و النمو العمراني للمدينة في الأزمنة المختلفة حتى يصل إلى وقتنا الحاضر الذي تمت فيه التوسعة الكبرى للمسجد النبوي و التخطيط المنظم لما ستكون عليه المدينة المنورة في المستقبل.

لقد كانت المدينة المنورة بحاجة لمن يعنى بتاريخها و يوثق أحداثها و نموها، خاصة للفترة اللاحقة لوفاة مؤرخها نور الدين علي بن أحمد السمهودي المتوفي مع بداية القرن العاشر الهجري جزاه الله عنا خير الجزاء. و نحن اليوم بأمس الحاجة لهذا العمل الموسوعي التوثيقي خاصة أن عجلة التغيير أسرع منها في أي وقت مضى. كما أن التقدم العلمي و تقدم التقنية قد وفر لنا قدرات هائلة مكنتنا من تغيير المعالم الطبيعية و التشكيلات العمرانية التي بقيت صامدة على مر الزمن. و هنا يتضح حجم الإسهام الذي قام و يقوم به الأخ المهندس عبد العزيز بن عبد الرحمن كعكي في مجال توثيق معالم المدينة النبوية.

صالح بن علي الهذلول رمضان 1419 ه/ 1998 م‏

18

توزيع التجمعات العمرانية منذ تأسيس يثرب إلى صدر الإسلام (أطلس المدينة المنورة) جامعة الملك سعود.

19

بقلم الأستاذ د. أحمد فريد مصطفى‏

المدخل الى الجزء الثاني‏

لقد نقلنا الأخ المهندس عبد العزيز كعكي بهذا العمل الضخم لنعيش في ربوع جزء عظيم و مهم من تاريخنا المجيد و هو الجانب العمراني الذي وضع لبناته المؤمنة الأولى بمسجده الشريف سيد المرسلين و مخرّجا من صحابته معماريين و بنائين و مخططين. و سار بنا بعد ذلك في رحلة تسجيلية دقيقة نعيش أعمال الصحابة و التابعين و من بعدهم من الأجيال حتى يومنا هذا متعرضا لكثير من التفاصيل الدقيقة سواء في مجال الآثار الطبيعية أو المباني و تطورها و تخطيط المدينة و نموها على مدى العصور.

و نحن لم نر في هذا العمل الكبير جهود المسلمين الأوائل الجبارة فقط و إرادتهم القوية و آثارهم الجميلة فحسب. و إنما رأينا ما هو أهم من ذلك و هو مفهومهم الإيجابي للحياة و قيمهم الأساسية نحوها: للبناء، و الخير، و نشر العمران و الحضارة و إقامة البناء الوظيفي الإقتصادي البسيط الجميل الذي يراعي الإسلام و شريعته أولا.

و نستشف من أعمالهم منهاج الحياة المعتدل كما أراده الله تعالى: «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ». نعم: أمة تبني و لا تهدم، و تصلح و لا تخرّب، و تزرع و لا تحرق، و تعطي و لا تأخذ، و تهب و لا تسلب.

هم لنا نبراس نقتدي به وسط حضارة المادة التي طغت، و حضارة التدمير التي تقف فوق رؤسنا كل يوم، و حضارة المادة التي لا تعرف الخالق جل و علا و لا الرسل و لا الدين الحق، «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً».

و أمامنا الكثير من الدروس المادية و الروحية التي نفيدها من العمل الضخم الذي قام به الأخ المهندس عبد العزيز كعكي. فلعل الجيل القادم يفيد من هذا الجهد القيم في مجالات شتى ... في العمران الذي سيبنيه، و في المدن التي سيخططها، و في الأقاليم التي سيجول فيها و ينميها. مقدما جهدا أكبر من الذي قدمناه، و نماذج أرقى من التي عملتها الأجيال السابقة، سعيا إلى الرقي الدائم، و إلى الكمال متمثلين قوله تعالى: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ».*

تهانينا للأخ المهندس الصادق المثابر و الأمين و دعواتي لأمة الإسلام: مزيدا من النماء، و مزيدا من التقدم، و مزيدا من الحضارة الربانية و الإنسانية التي أرادها الله لنا.

«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ».

أحمد فريد مصطفى صفر 1419 ه الموافق يونيو 1998 م‏

20

تكوين عمراني من شارع درب الجنائز.

21

فضيلة الشيخ عبيد الله محمد أمين كردي‏

بين يدي الكتاب‏

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و آله و صحبه و من و الاه و بعد ...

فلقد بدأ مؤلف هذا الكتاب عقده النفيس بالجمانة الأولى و من جزئه الأول في مجلدين، و لقد كنت أتمنى أن يكون في مجلد واحد، و لكن حال دون ذلك كثافة المادة، و تفاصيل المعلومات، و قد عزمت أن أوجهه إلى أفضلية أن يخرج كل جزء في مجلد واحد فقط، و لقد فعلت.

و لكن بناء على ذلك التقليص أصبح اضطرارا أن يزيد حجم الكتاب في صفحاته في جزئه الثاني، فمعذرة للقارى‏ء العزيز عن ذلك.

لقد ظهر الجزء الأول للقرّاء في مجلّديه مغطيا فيه و حاويا لأهم المعلومات عن المعالم الطبيعية للمدينة المنورة من جبال و حرات و أودية و غير ذلك.

و ها هو في الجزء الثاني ينتقل من موضوع المعالم الطبيعية إلى ربط الموضوع السابق بما يليه عن طريق إعطاء مقدمة عامة عن بعض الخصائص الجغرافية البشرية و الطبيعية للمدينة المنورة، ثم ينتقل إلى الفصل الأول الذي يتحدث فيه عن التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة قبل الإسلام، ذاكرا فيه ما كان فيها من حصون و آطام و أسواق و منازل و آبار و غيرها، ثم عمد إلى مثل هذا الإيضاح لهذه العناصر من العصور المتتالية في فصول ثمانية تدرج فيها من عصر النبوة فعصر الخلفاء الراشدين ثم العصر الأموي فالعباسي و المملوكي و العثماني و الأشراف، و وفّى لكل عصر مزاياه و خصائصه العمرانية من كل جوانبها، و لما كان العصر السعودي أكثر إتساعا في مجال العمران، و أكبر نشاطا في حياة السكان شغل المساحة العظمى من هذا الجزء بهذه المرحلة، و التي جعلها جميعها في فصل واحد هو الفصل الثامن، انتهى بعد ذلك بخلاصة عامة توجز ما سطر في سائر الكتاب، لتكون هذه الخلاصة عونا للقارى‏ء المتعجل، و تثبيتا لمعلومات القارى‏ء المتروّي لما قرأ.

و أسال الله سبحانه و تعالى أن يجعل فيما كتب قبولا، و أن يمده بمدد الهمة في إتمام إظهار ما به بدأ

و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه ...

سطره عبيد الله محمد أمين كردي المدينة المنورة

22

مقدمة المؤلف‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*، الذي خلق‏ الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏، و الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين، سيدنا محمد بن عبد الله و على آله و أصحابه و من والاه إلى يوم الدين.

أحمد الله على توفيقه و امتنانه و أشكره على عظيم رعايته و احسانه، فقد تم بعون الله و فضله انجاز و اتمام الجزء الثاني من كتاب «معالم المدينة المنورة بين العمارة و التاريخ» و الذي كنت قد أخرجت جزأه الأول في الأمس القريب تحت باب المعالم الطبيعية و الذي تكون من مجلدين، خصص الأول للجبال و الآخر للأودية و الحرات، و ها أنا اليوم أقدم الجزء الثاني تحت باب «معالم التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة» و هو مجلد واحد عملا بنصيحة أستاذنا الفاضل الشيخ عبيد الله كردي حفظه الله الذي وجهني إلى ذلك، فكان و لا بد من ضغط كثير من محتوياته و اختصار بعضها و لكن لم يصل هذا الاختصار و لله الحمد إلى درجة تجاهل معلومة أو الغاء موضوع، بل تركز معظم هذا الاختصار في عدم الاسراف في تكبير حجم الصور و المخططات و الاكتفاء بالأهم منها.

أما موضوع هذا الجزء فهو يتمثل في استنباط أهم معالم التطور العمراني و الحضري للمدينة المنورة من عهد ما قبل الاسلام و حتى وقتنا الحاضر، و من ثم التركيز و تسليط الضوء على أهم العناصر و المفردات العمرانية و الحضرية للمدينة المنورة في كل مرحلة من مراحل نموها و التعرف عن قرب على ملامح النسيج العمراني و ايضاح تركيبته الأساسية التي كانت أساسا من أساسات ظهوره و تكوينه.

فالمدينة المنورة «يثرب قبل الاسلام» قد تميزت بخصائص و ملامح عمرانية أثرت على نسيجها العمراني بشكل مباشر فالاطام و الحصون و العرائش كانت من العناصر البارزة و الأساسية في تكوين هذا النسيج آنذاك بل واحدى مقوماته الأساسية، و هكذا قد اختصت كل مرحلة من مراحل نمو المدينة المنورة بخصائص و مفردات معمارية و عمرانية كانت الأساس في تكوين شكل النسيج و إعطائه السمة المميزة له في تلك المرحلة و قد قسمت دراستي لهذا الجزء الى تسعة فصول سبقتها

23

بتمهيد عام خصصته لدراسة الخصائص الجغرافية و الطبيعية للمدينة المنورة و تعتبر هذه الدراسة هي المدخل الأساسي للتعرف على مجمل خصائص و مميزات موقع المدينة المنورة و طبيعته الجغرافية، كما يمكن من خلالها التعرف على ما تعكسه من خصائص فكان لتأثير البيئة الطبيعية الجغرافية بعامة و المناخ بوجه خاص تأثيره على حياة المجتمع و الأفراد القاطنين بها، فتميز السكان بعاداتهم و تقاليدهم و أنماط بنائهم و أساليب حياتهم.

و المدينة المنورة كما هو معروف ذات موقع، تميز بارتفاع درجات الحرارة صيفا و شدة البرودة شتاءا، فبنيت عمارتها بالطين و الحجارة و الطوب و شيدت مبانيها بالمواد الطبيعية الملائمة للمناطق الحارة فظهر نسيجها العمراني و قد احتوى على الأزقة و الطرقات الضيقة التي و فرت أكبر قدر من الظلال، كما كسيت معظم واجهات مبانيها بالرواشين و المشربيات التي قللت من مساحة الأجزاء المعرضة لأشعة الشمس. كما تميزت المدينة المنورة بأنها واحة خصبة يكثر بها النخيل، فظهرت عمارتها و قد اعتمدت على الثروات الزراعية فاستخدمت المشتقات الزراعية في صناعة الأثاث و المستلزمات المنزلية و الزراعية و الصناعية و عمليات البناء و التشييد. كما تميز موقع المدينة المنورة بوجود الكثير من الجبال و الحرات التي شغلت أجزاء كبيرة من مساحتها فكانت الأحجار بذلك أحد العناصر الأساسية في بناء و تشييد مباني المدينة هذا إلى غير ذلك من المؤشرات و المدلولات الحقيقية التي يمكن التعرف عليها من خلال مجمل الدراسات الجغرافية و الطبيعية و ما لعبته من دور كبير و بارز في تحديد خصائص و حضارات المدن، ثم تلا تلك الدراسات سبعة فصول تناول كل فصل منها مرحلة من مراحل التطور العمراني للمدينة المنورة بدءا من مرحلة ما قبل الاسلام ثم عصر النبوة فالخلفاء الراشدين ويليه العصر الأموي فالعباسي و المملوكي و العثماني و الهاشمي ثم ختم بالعهد السعودي الذي يعتبر من أكثر العهود التي أثرت في التركيبة العمرانية و الحضارية للمدينة المنورة، ثم ختم الموضوع بالخلاصة العامة التي تجمل ما سبق و تجمع ما افترق و تشبع حاجة المتعجل الذي يهمه موجز الأنباء و يتجاوز التفصيل.

أما منهجية البحث و الدراسة فقد تركزت على دراسة كل عهد بشكل منفصل و بالتالي استقصاء ما أمكن استقصاؤه من معلومات عن كل مرحلة سواءا ما وجدت منها في كتب التاريخ أو ما استنبط من حوادث تاريخية أو ما وجد من تسجيل و وصف و مشاهدات لبعض الرحالة الذين قدموا الى المدينة المنورة في فترات زمنية مختلفة. ثم أنهيت كل مرحلة من تلك المراحل بملخص لأهم عناصر التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة في تلك المرحلة، و قد شغل العهد الحالي «عهد الدولة السعودية» أيدها الله ما يقارب من نصف هذا الجزء لما تميز به هذا العهد الزاهر من تطور عمراني شامل تناول شتى القطاعات المختلفة فكان له التأثير الواضح و الكبير في البنية العمرانية و الحضرية للمدينة المنورة، و لعل في توسعة و عمارة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله و ما صاحبها من مشاريع مساندة أكبر دليل على ما تشهده المدينة المنورة اليوم من تطور عمراني شامل كان له الأثر الواضح في تغير البيئة العمرانية و الحضرية، و قد حرصت قدر الإمكان على التوثيق العلمي و التاريخي لكل ما ورد في هذا الجزء. و ها أنا اليوم أقدم هذا العمل المتمثل بالجزء الثاني تحت عنوان «معالم التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة» و أضعه بين يدي القارى‏ء الكريم و إلى كل محب لطيبة الطيبة، و التي لا أرجو من ورائها سوى خدمة مدينة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم)، فأرجو من الله تعالى العون و التوفيق.

مهندس معماري عبد العزيز بن عبد الرحمن بن ابراهيم كعكي شوال عام 1419 ه

24

روشان من شارع درب الجنائز.

25

تمهيد الدراسات الجغرافية و الطبيعية لخصائص موقع المدينة المنورة

26

الدراسات الجغرافية و الطبيعية

لخصائص موقع المدينة المنورة:

أن دراسة الخصائص الجغرافية و الطبيعية لأي مدينة يعتبر هو المدخل الأساسي للتعرف على خصائص تلك المدينة، فمن خلالها يمكن تحديد خصائصها العمرانية و طبيعتها الجغرافية و ما تعكسه هذه الخصائص على سلوكيات المجتمعات و الأفراد القاطنين بها فتنوعت عاداتهم و تقاليدهم تبعا لذلك.

فنجد أن المدن الساحلية مثلا قد انفردت و تميزت بخصائص عمرانية و حضارية كان لها التأثير المباشر على سكانها، فانعكس كل ذلك على أنماط حياتهم و ما تمارسه مجتمعاتهم من أنشطة و ما تملكه من عادات و تقاليد، فظهرت مساكنهم ذات معايير و مواصفات خاصة ملائمة لمجتمعاتهم.

كما نجد أن المدن الصحراوية قد انفردت بخصائص أخرى تباينت عن سابقتها سواء من ناحية أسلوب المعيشة أو العادات أو التقاليد أو نوع المسكن و أنماط البناء على وجه الخصوص و الهيكل العمراني الشامل على وجه العموم.

و المدينة المنورة هي إحدى المدن التي امتدت جذورها الى عصور قديمة، بل و تعتبر من أقدم المدن التي عرفت في التاريخ، و قد كان للمدينة المنورة اليوم و يثرب من قبل خصائصها الجغرافية و الطبيعية التي عرفت بها و تميزت من خلالها، فأعطى ذلك مؤشرا و مدلولا واضحا على طبيعتها المناخية و البيئية.

و المدينة المنورة كما هو معروف ذات موقع متميز بارتفاع درجات الحرارة صيفا و شدة البرودة شتاءا، فبنيت عمارتها بالطين و شيدت مبانيها بالمواد الطبيعية المتوفرة و الملائمة للمناطق الحارة و ظهر نسيجها العمراني على هيئة مباني متلاصقة تتخللها بعض الأزقة و الطرقات الضيقة التي توفر أكبر قدر من الظلال، كما كسيت معظم واجهات مبانيها بالرواشين و المشربيات و بتكوينات و بروزات مختلفة و فرت كثيرا من الظلال على تلك الواجهات، و بالتالي قللت من الأسطح المعرضة لأشعة الشمس.

27

كما تميزت المدينة المنورة بموقعها الجغرافي الذي ساعد على نشاط الحركة التجارية كمركز هام على خط التجارة العالمية القديمة، فأصبحت بذلك مقصدا للقوافل و منطقة جذب للقبائل و العشائر، كما تميز هذا الموقع أيضا باحتوائه على الكثير من الأودية و مجاري السيول، فأصبحت بذلك واحة زراعية اشتهرت بالزراعة و بخاصة النخيل فظهرت عمارتها و قد اعتمدت على هذه الثروة الزراعية و مشتقاتها، كما استخدمت بعض تلك المشتقات الزراعية في صناعة بعض الأثاث و المستلزمات المنزلية و الزراعة و الصناعة، و استخدمت مخلفات و بقايا تلك المزروعات في صناعة الطين و اللبن كعنصرين أساسيين في عملية البناء المستخدم آنذاك.

كما تميز موقع المدينة المنورة بوجود الكثير من الجبال و الحرات التي شغلت أجزاء كبيرة من مساحتها، فكانت الحجارة بذلك العنصر الأساسي و الرئيسي في عمارة و بناء البيوت التقليدية القديمة في المدينة المنورة و التي اختلفت باختلاف أنواع تلك الأحجار و مصادرها المختلفة. هذا إلى غير ذلك من المؤشرات و المدلولات الحقيقية و الواضحة التي يمكن التعرف عليها من خلال تلك الدراسات الجغرافية و الطبيعية و ما لعبته من دور كبير و بارز في تحديد خصائص و حضارات المدن.

و فيما يلي ملخصا سريعا لأهم الخصائص و الإعتبارات الجغرافية و الطبيعية المميزة لخصائص موقع المدينة المنورة:

أولا: الدراسات الجغرافية و الطبيعية:

و هي مجموعة الدراسات و الخصائص التي تدور حول الموقع من الناحية الجغرافية و الطبيعية و المتمثلة فيما يلي:

(أ) جغرافية الموقع:

و تدور هذه الدراسات حول موقع المدينة المنورة من إقليم الحجاز، و إقليم الحجاز من شبه الجزيرة العربية بالإضافة إلى تحديد موقع شبه الجزيرة العربية من العالم و إرتباط هذه المواقع بخطوط الطول و دوائر العرض، و التي يمكن من خلالها تحديد هذه المواقع على مستوى الكرة الأرضية.

(ب) الجغرافيا الطبيعية:

و تتمثل في تحديد الخصائص التضاريسية للمدينة المنورة من جبال و حرات و أودية و عيون و سهول، و الخصائص المناخية المتمثلة في الدراسات المتعلقة

28

بمعدلات درجات الحرارة و الرطوبة و اتجاهات الرياح و معدلات هطول الأمطار، و نظرا لحاجة القارئ أو الباحث لمعرفة بعض هذه الدراسات و المعلومات بصورة مبسطة و مختصرة فأذكر هنا موجزا مختصرا لهذه الدراسات تكفي لإعطاء خلفية سريعة عن التصور العام لمميزات و خصائص موقع المدينة المنورة و طبيعتها الجغرافية.

(أ) جغرافية الموقع:

* موقع المملكة من الجزيرة العربية و العالم:

تمثل المملكة العربية السعودية الأغلبية العظمى من أراضي شبه الجزيرة العربية حيث تقع بين خطي طول 35 درجة- 56 درجة (1) شرقا،. و بين دائرتي عرض 16 درجة- 32 درجة شمالا.

و من هذا يتضح أن المملكة العربية السعودية تقع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية لوقوعها شمال خط الإستواء كما تقع في النصف الشرقي من الكرة الأرضية لوقوعها شرقي خط غرينيتش، و تقع في المنطقتين المدارية و جزء من المعتدلة الدافئة بالنسبة للمناطق الحرارية العالية و الواقعة شمال خط الإستواء، كما تمثل المملكة العربية السعودية الركن الجنوبي الغربي من قارة آسيا حيث تحتل الجزء الأعظم من شبه الجزيرة العربية.

* حدود المملكة العربية السعودية الطبيعية و السياسية:

تطل المملكة العربية السعودية من الغرب على البحر الأحمر بساحل طويل يمتد من العقبة شمالا و حتى اليمن جنوبا، و من الشرق على مياه الخليج العربي من حدود دولة الكويت شمالا، و حتى قرية سلوى بقطر جنوبا.

و أما من الجهة الشمالية فإن أراضي المملكة العربية السعودية تتصل ببادية الشام، و من الجنوب تتصل بالأجزاء الجنوبية للجزيرة العربية التي يشغلها اليمن الجنوبي المطل على مياه البحر العربي المتصل بالمحيط الهندي، أما الحدود السياسية فهي كما تبدو واضحة على الخريطة المقابلة.

____________

(1) «جغرافية المملكة العربية السعودية و العالم الخارجي»- وزارة المعارف السعودية- (ص 14).

29

(1) (جغرافية الموقع) موقع الجزيرة العربية من الكرة الأرضية (2).

(2) (جغرافية الموقع) شبه الجزيرة العربية حيث تحتل المملكة العربية السعودية معظم أراضيها (3).

* أقاليم المملكة العربية السعودية:

تتكون المملكة العربية السعودية من ستة أقاليم رئيسية (1) تتمثل في:

(1) إقليم الحجاز: من أشهر مدن هذا الإقليم «جدة، الطائف، المدينة المنورة، مكة المكرمة و ينبع».

(2) الإقليم الشمالي: و من أشهر مدن هذا الإقليم «تبوك، حائل و عرعر».

(3) إقليم الربع الخالي: و من أشهر مدن هذا الإقليم «عبيلة و شوالة».

(4) الإقليم الشرقي: من أشهر مدن هذا الإقليم «الدمام، الخبر، الظهران و الجبيل».

(5) إقليم عسير: من أشهر مدن هذا الإقليم «نجران، أبها، خميس مشيط و جيزان».

(6) إقليم نجد: من أشهر مدن هذا الإقليم «الرياض، الخرج، الدرعية، عنيزة و بريدة».

* إقليم الحجاز:

و هو عبارة عن المنطقة الجبلية التي تحجز الجزء الأكبر من جزيرة العرب عن تهامة و البحر الأحمر، و منها سميت حجازا، و تبدأ منطقة الحجاز من الشمال بحدود الأردن مع المملكة العربية السعودية، مكونة سلسلتين من الجبال تستمر على ساحل البحر الأحمر بطول يقدر بحوالي ألف و مئتي كيلومتر تقريبا (4).

و يبلغ أكبر عرض لإقليم الحجاز بين الشرق و الغرب حوالي أربعمائة و خمسين كيلومتر، و أشهر مدن هذا الإقليم هي: (مكة المكرمة، المدينة المنورة، الطائف، جدة ينبع، تبوك و القريات).

تضاريس إقليم الحجاز:

تنقسم تضاريس إقليم الحجاز إلى:

(أ) السهل الساحلي: و يمتد بطول ساحل البحر الأحمر و يعرف باسم «تهامة الحجاز» حيث أن السهول الساحلية في شبه الجزيرة العربية على طول البحر الأحمر يطلق عليها إسم «تهامة» و يميز بعضها عن بعض بإضافة إسم المنطقة التي توجد فيها و تطلق كلمة تهامة على المكان المنخفض. (5) و هي عبارة عن سهل رملي لا يزيد عرضه عن خمسة و عشرين كيلومتر، و يضيق هذا السهل كلما اتجهنا إلى الشمال و يتسع كلما اتجهنا إلى الجنوب، و على هذا

____________

(1) «أطلس المملكة العربية السعودية»- حسين حمزة بندقجي- (ص 12).

(2) «جغرافية المملكة العربية السعودية و العالم الخارجي»- وزارة المعارف السعودية- (ص 160).

(3) «أطلس المملكة العربية السعودية»- جامة الرياض، كلية الآداب.

(4) «شبه جزيرة العرب، الحجاز 3»- محمود شاكر- (ص 9).

(5) «شبه جزيرة العرب، الحجاز 3»- محمود شاكر- (ص 11).

30

(3) (جغرافية الموقع) المنطقة الغربية حيث يحتل الحجاز الجزء الأعظم من هذه المنطقة (1).

الساحل تقع مدينة جدة الميناء الرئيسي للدولة.

(ب) المرتفعات الساحلية: و يتراوح متوسط إرتفاعها بين «700- 800- مترا» من منسوب سطح البحر.

(ج) المرتفعات الداخلية: و تقع شرقي المرتفعات الساحلية و تفصلها عنها منطقة ضيقة تجري فيها عدد من الوديان الطولية مثل وادي الحمض و وادي العقيق. و تقع بين هذه المرتفعات أيضا بعض الهضاب و الحرات البركانية مثل هضبة الحجاز، و من الحرات مثل حرة خيبر و تعرف بحرة النار و تقع شمال شرق المدينة المنورة، و حرة الكرماء التي تقع شرقي المدينة المنورة و تصل بين حرة خيبر و حرة بني سليم التي تمتد من المدينة المنورة إلى قرب مدينة الطائف‏ (2)، و تقع المدينة بين هذه الحرات حيث تحيط بها من الجهة الجنوبية و الشرقية و الغربية.

* موقع المدينة المنورة:

تقع المدينة المنورة على بعد مئة و خمسين كيلومتر شرق البحر الأحمر و على إرتفاع حوالي ستمائة متر فوق سطح البحر، و ذلك على خط الطول 39 درجة و 36 دقيقة شرقا و دائرة عرض 24 درجة و 28 دقيقة شمالا (3)، و هي مدينة عربية حجازية قديمة التركيب. و تبعد المدينة المنورة عن جدة «الميناء الرئيسي للمملكة العربية السعودية» نحو أربعمائة كيلومتر و عن مدينة مكة المكرمة نحو أربعمائة و عشرين كيلومتر، فكأنها تمثل رأس مثلث متساوي الساقين تقريبا حيث تمتد قاعدته بين مكة المكرمة و جدة بطول 75 كيلومتر (4).

و تحف بها الحرات البركانية من الجنوب و الشرق و الغرب، فمن الشرق حرة واقم «و التي تعرف اليوم بالحرة الشرقية»، و من الغرب حرة الوبرة «و التي تعرف اليوم بالحرة الغربية» و من الجنوب حرة شوران و هو ما يطلق على الجزء الجنوبي من الحرة الشرقية. و قد أورد السيد السمهودي ما نصه (و روى الزبير بن بكار عن محمد بن عبد الرحمن قال: رأى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إبلا في السوق فأعجبه سمنها، فقال: أين ترعى هذه، قالوا: بحرة شوران، فقال:

____________

(1) «المخطط التنفيذي للمدينة المنورة»- مجموعة الاستشاريين العرب للتنمية و التعمير- (ص 11).

(2) «شبه جزيرة العرب، الحجاز 3»- محمود شاكر- (ص 11).

(3) «أطلس المدن السعودية»- وكالة وزارة الشؤون البلدية و القروية لتخطيط المدن- (ص 5).

(4) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 23).

31

(4) (جغرافية الموقع) أهم المناطق الزراعية بالمدينة المنورة (3).

بارك الله في شوران) (1). و قد سبق الحديث عن هذه الحرات بالتفصيل في الجزء الأول.

و يكتنف المدينة المنورة من الشمال جبل أحد و من الجنوب جبل عير، و تأتيها السيول من الجهة الجنوبية و الشرقية و الغربية، و من أهم الأودية التي تجري فيها: وادي العقيق (الوادي المبارك) و وادي بطحان و هو ما يطلق عليه «سيل أبو جيدة»، و وادي قناة الذي يمر بمنطقة شهداء أحد.

و تلتقي جميع السيول في منطقة زغابة (2) «مجمع السيول» و التي تقع في شمال غرب المدينة، و يتميز هذا الموقع بتربته الخصبة التي جرفتها إليه السيول و خاصة البركانية منها، كما أن موقعه المنخفض ساعد على تجمع المياه و ظهور العيون مما أدى إلى تكوين واحة زراعية مشهورة إشتهرت بها المدينة المنورة منذ القدم.

و قد سبق الحديث عن المعالم الطبيعية (الجبال، الحرات، الأودية).

بالتفصيل في الجزء الأول.

(ب) الجغرافية الطبيعية للمدينة المنورة:

* مناخ المدينة المنورة:

1- معدلات درجات الحرارة:

تتميز المدينة بمناخ صحراوي جاف إبتداءا من شهر مايو إلى سبتمبر حيث تصل درجة الحرارة الدنيا الى 27 م و درجة الحرارة العظمى الى 47 م في الصيف و هي ذات متوسط حراري مرتفع يصل إلى حوالي 37 م لوقوعها بين المرتفعات الجبلية و الحرات المحيطة. و ينخفض هذا المعدل لدرجات الحرارة في فصل الشتاء و بالأخص في شهر يناير إلى سبع درجات مئوية كدرجة حرارة دنيا فيما تصل درجة الحرارة العظمى في نفس الفصل إلى 29 م.

2- الرطوبة النسبية:

و المراد بها نسبة بخار الماء الموجود في الجو إلى درجة الإشباع و التي لا يستطيع الهواء أن يحمل أي زيادة من بخار الماء بعدها حيث تقتضي أي زيادة سقوطها مطرا، أي كلما ارتفعت الرطوبة النسبية و درجة الحرارة كلما اقتربت‏

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1247)- «المغانم المطابة» لمجد الدين الفيروز أبادي- (ص 210)/ كما ورد في «عمدة الأخبار» للسيد أحمد العباسي- (ص 350).

(2) «شبه جزيرة العرب، الحجاز 3»- محمود شاكر- (ص 35).

(3) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 237).

32

(5) (الجغرافية الطبيعية) أعلى و أدنى درجة حرارة في المدينة المنورة (1).

(6) (الجغرافية الطبيعية) خريطة كنتورية لمنطقة المدينة المنورة (1).

(6 أ) قطاع أ- أ مصغر. (6 ب) قطاع ب- ب مصغر.

إمكانية سقوطها مطرا. و تبلغ نسبة الرطوبة النسبية في المدينة المنورة حوالي 5، 25%، و هي قليلة نظرا لإحاطة المدينة بالجبال في حين يبلغ متوسط الرطوبة النسبية الصغرى إلى 7، 15% (2).

3- إتجاهات الرياح و سرعتها:

بالنسبة لإتجاهات الرياح فهي تأتي أساسا من الغرب خلال الشهور من مارس إلى يوليو، و تأتي من الشرق خلال الشهور من نوفمبر إلى فبراير.

أما سرعة الرياح فتعتبر متقاربة خلال السنة، و تتراوح بين 5- 8 عقدة. و لا تتعرض المدينة لأي رياح متربة أو عواصف رملية نظرا لإحاطتها بالجبال و الحرات البركانية إلا في حالات نادرة.

* تضرسات السطح:

و يمكننا أن نلخص هذه التضرسات في قسمين رئيسيين يعبران عن جملة الخصائص التي تتعلق بموقعها و مميزاتها و هما عالية المدينة و سافلتها.

و يمكن تحديد العالية بأنها تلك المنطقة المحصورة بين خطي كنتور (640- 620 متر فوق سطح البحر) (3)، و تقع هذه المنطقة في جنوب و شرق المدينة المنورة و تشمل المناطق التالية «منطقة قباء، منطقة قربان و منطقة العوالي». و أما سافلة المدينة فهي ما دون ذلك من المدينة.

و تتمثل المظاهر الرئيسية لطبوغرافية المدينة المنورة في العناصر التالية:

1- الإطار الجبلي.

2- الحرات.

3- الأودية (مجاري السيول).

و سأتناول الآن كل عنصر من هذه العناصر بشي‏ء من الإيجاز حيث سبق أن أفردنا الجزء الأول لهذه المعالم الطبيعية، و تحدثنا عنها بالتفصيل، و سنذكر هنا هذه المظاهر بخطوطها الرئيسية ليسهل على القارئ أو المطلع التعرف على هذه العناصر لإدراك الدور الكبير الذي تلعبه هذه العناصر في تكوين الشكل الطبوغرافي للمدينة المنورة.

____________

(1) «المخطط الرئيسي التنفيذي للمدينة المنورة»- شكل رقم 6- (ص 24).

(2) «شبه جزيرة العرب، الحجاز 3»- محمد شاكر- (ص 24).

(3) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 55).

33

(7) (الجغرافية الطبيعية) صورة لجزء من جبل أحد من الجهة الجنوبية حيث يظهر بلونه و شكله المميز.

(8) (الجغرافية الطبيعية) صورة لجبل عير من الجهة الشمالية الغربية و الذي يعتبر حدا لحرم المدينة المنورة من الجهة الجنوبية.

1- الإطار الجبلي:

تحاط المدينة المنورة بمجموعة كبيرة من السلاسل الجبلية و التي تبعد عن مركز المدينة بمسافات مختلفة تظهر أقرب ما يكون من الجهة الشمالية و الجنوبية، فعلى بعد حوالي 5، 5 كيلومتر لجهة الشمال يقع جبل أحد الذي يتصل طرفه الشرقي بطريق المطار، و يشرف طرفه الغربي على منطقة العيون و يحيط بهذا الجبل مجموعة من الجبيلات الصغيرة أهمها جبل الرماة (جبل عينين) الذي يقع في الجهة الجنوبية منه، أما من شماله فيقع جبل ثور و يعتبر حرم المدينة المنورة من الشمال. (1)

و في الجهة الجنوبية من المدينة و على بعد حوالي سبعة كيلو مترات من المسجد النبوي الشريف يقع جبل عير، الذي يحيط به مجموعة من الجبيلات الصغيرة و التي تعرف «بضليعات القبا» (2).

كما توجد هناك جبال أخرى تقع داخل مركز المدينة السكني تتمثل بوجود

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 233).

(2) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 58).

34

(9) (الجغرافية الطبيعية) مخطط للمدينة المنورة موضح عليه أهم مواقع الجبال المشهورة.

(10) (الجغرافية الطبيعية) صورة لجبل الرماة «جبل عينين» من الجهة الجنوبية و قد أشرف على وادي قناة.

(11) (الجغرافية الطبيعية) صورة لجبل ثور الواقع في شمال أحد و الذي يمثل حدا لحرم المدينة المنورة من تلك الجهة.

جبل سلع في شمالها الغربي و بجواره جبل سليع الذي يقع في الجهة الجنوبية منه.

كما توجد هناك بعض الجبيلات الصغيرة مثل جبل ثنية الوداع الذي يقع إلى شمال المدينة عند تقاطع شارع سلطانة مع شارع سيد الشهداء رضي اللّه عنه، و قد بني على هذا الجبل مسجد يعرف بمسجد ثنية الوداع، إلا أن هذا المسجد و جبل الثنية أزيلا بالكامل لمصلحة مشروع إمتداد نفق المناخة.

كما يوجد أيضا جبل صغير يقع عليه مسجد الراية و يطلق عليه جبل ذباب، و يقع هذا الجبل خلف مجمع مدارس البنات حاليا و قد سبق الحديث عن هذه الجبال بشكل موسع في الجزء الأول.

2- الحرات‏ (*):

تظهر هذه الحرات كتكوينات بركانية تنتشر بوضوح في سلسلة الحجاز بين دائرتي عرض 20 درجة و 30 دقيقة و بين 28 درجة شمالا (1)، و تمتد سلسلة الحجاز بمحاذاة ساحل البحر الأحمر لمسافة حوالي 1760 كيلومتر بين دائرتي عرض 12 درجة و 30 دقيقة- 29 درجة و 30 دقيقة شمالا.

و يطلق على هذه الحرات أسماء مختلفة محلية مشتقة من منطقتها، و تقع المدينة المنورة عند النهاية الشمالية لأكبر هذه الحرات إمتدادا و مساحة حيث تقع بين ثلاث منها، أولها حرة واقم «و المعروفة اليوم بالحرة الشرقية»، و التي تحيط بالمدينة المنورة من الجهة الشرقية، كما تحتل حرة الوبرة الجهة الغربية منها

____________

* الحرات عبارة عن تكوينات بركانية تغطي مسطحات كبيرة ذات طبيعة و عرة و سوداء اللون.

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 58).

35

«و المعروفة اليوم بالحرة الغربية»، و تشير دراسات التاريخ إلى أن حرة واقم كانت أكثر حضارة و عمرانا من حرة الوبرة حيث كان يسكنها بعض قبائل اليهود من بني قريظة و النضير، كما سكنتها قبائل الأوس و لا تزال آثارهم باقية، و يطلق على هذه الحرتين إسم «اللابتين» و هي المقصودة بتحريمه (صلى اللّه عليه و سلّم) بقوله: (إني احرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها) (1).

و هي حرات و عرة جدا سوداء اللون حيث الحمم البركانية الناتجة من الصهيرة الباطنية للقشرة الأرضية، و قد أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بحادثة نار الحرة كما في الحديث المروي في الصحيحين بقوله: (لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز)، و في لفظ البخاري: (تخرج نار من أرض الحجاز تضي‏ء أعناق الإبل ببصري).

و قد ظهرت زلازل متتابعة قبل ظهور تلك النار حيث كانت أول تلك الزلازل في أواخر شهر جماد الأول و بداية جماد الثانية في سنة 654 ه/ 1256 م، (2) و قد كانت خفيفة لم يدركها الناس ثم اشتدت هذه الزلازل في يوم الثلاثاء و اشترك في إدراكها العام و الخاص و زادت قوتها و عظمتها ليلة الأربعاء في الثلث الأخير من الليل و استمرت الى يوم الجمعة، لها دوي عظيم و صوت مثل الرعد حتى وصلت عدد هزاتها في اليوم الواحد عشر مرات، و في رواية أربعة عشر مرة حتى اضطرب من قوة إهتزازها منبر المسجد النبوي الشريف و قناديل الحرم، و سمعت أصوات اضطراب سقف المسجد، حتى اذا كان يوم الجمعة السادس من شهر جماد الآخر لعام 654 ه/ 1256 م و في منتصف النهار ظهرت تلك النار في واد يقال له «وادي الأحيلين» و هو وادي شرقي المدينة.

و يقال ان هذه النار ظهرت في جهة المشرق على مرحلة متوسطة من المدينة في موضع يقال له فارع على قرب من مساكن يهود بني قريظة و في نطاق يقال له أحيلين، قال الدكتور ملا خاطر فيما نقله عن القسطلاني (رحمه الله تعالى) في وصف هذه النار: (إن ضوءها استوى على ما بطن من القيعان و ظهر من القلاع، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة، و جملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة، و دام على ذلك لهبها من تأثر له النيران، و صار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة، و لونها من تصاعد الإلتهاب يعتريه حمرة، و القمر كأنه كسف من إضمحلال نوره) (3).

____________

(1) «صحيح الامام مسلم، كتاب الحج- باب فضل المدينة» حديث رقم 459.

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 140، 145)/ «البداية و النهاية»- ابن كثير- (13/ 187، 192)/ «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 211)/ «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملاخاطر- (1/ 253، 261).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملاخاطر- (1/ 253، 261).

36

(12) (الجغرافية الطبيعية) مخطط المدينة المنورة موضح عليه مواقع الحرات المشهورة.

و قد كانت من شدة إضاءة هذه النار أن ظهر المسجد النبوي الشريف و مساكن المدينة و كأن عليها الشمس مشرقة، و قد استمرت هذه النار لمدة اثنين و خمسين يوما، تصهر الجبال و تسيل سيلا ذريعا في واد طوله أربع فراسخ و عرضه أربعة أميال و عمقه قامة و نصف، و عند ما شاء اللّه تعالى تجمدت بعض أجزائه فاسودت بعد أن كانت سوائل صخرية حمراء من شدة الحرارة، ثم تجمدت هذه الحمم البركانية في آخر الوادي عند منتصف الحرة بعد ما قطعت إلى جهة جبل عير «حد حرم المدينة الجنوبي» فسدت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجارة المصهورة بالنار، و استقرت إليه و انطفأت، و كان ذلك في يوم الأحد السابع و العشرين من شهر رجب لعام 654 ه/ 1256 م‏ (1).

و إن ظهور هذه الحادثة لهي من معجزات النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لوقوع ما أخبر به (صلى اللّه عليه و سلّم) قبل حدوثه و إن أبلغ ما فيها من إعجاز عدم دخول هذه النار أو تجاوزها لحدود الحرم الذي حرمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم).

و قد سبق الحديث عن هذه الحرات بشكل موسع في الجزء الأول و سنكتفي هنا بذكر موجز لها.

(أ) حرة الوبرة «الحرة الغربية»:

تقع حرة الوبرة بضاحية المدينة من الجهة الغربية، و تحدد حرم المدينة المنورة من الغرب و هي أقرب الحرات إلى مركز المدينة و أكثرها سكانا و تبدأ هذه الحرة من قرية قباء في الجنوب و تستمر بطول الجهة الغربية للمدينة، و هي ليست ممتدة طويلا إذا ما قورنت بالحرتين الشرقية و الجنوبية.

و تمتاز هذه الحرة بكثرة الشقوق و الأودية و التصدعات و تتناثر بها بعض الجبال الصغيرة «كجبل الأصيفرين» و نتيجة لكثرة الشقوق و التصدعات تكونت كثير من القيعان تمتلئ بالمياه عند سقوط الأمطار و قد مدت الدولة العثمانية مسار خط سكة حديد الحجاز من خلالها.

و على الطرف الغربي لحرة الوبرة يقع قصر عروة إبن الزبير و بئره و الكثير من أطلال و قصور و مباني وادي العقيق التي ازدهرت في عهد خلافة الدولة الأموية (2).

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 145)/ «آثار المدينة المنورة»- عبد القدوس الانصاري (ص 21).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- ص 212/ «أخبار الوادي المبارك»- محمد محمد شراب- (ص 199).

37

(13) (الجغرافية الطبيعية) صورة تمثل جزءا من حرة الوبرة «الحرة الغربية» و قد غطتها المباني و المنشآت الحديثة.

كما يوجد بطرفها الشمالي مسجد القبلتين، فيما تحتل قلعة قباء طرفها الشرقي شامخة ظاهرة للعيان.

و تعتبر هذه الحرة من الحرات الوعرة جدا لوجود الإختلافات الكبيرة بين المناسيب مما ساعد على ظهور المناطق العشوائية و كثرة المباني غير المنتظمة، فظهرت بيئة عمرانية سيئة تخطيطيا و عمرانيا.

و تنتشر في هذه الحرة كثير من القيعان و الأحواض الناتجة من اختلاف المناسيب، و تعتبر الأجزاء المنبسطة في هذه الحرة قليلة جدا، متناثرة و موزعة في مناطق مختلفة من الحرة، و يقع عند الإتجاه الشمالي لهذه الحرة مجموعة من الجبال المتقطعة مثل: (ألحصانية، جبل فته «بني عبيد» و أم ضليع‏ (1)).

و تعد الجماوات الثلاثة (جماء تضارع، جماء أم خالد و جماء عاقر) من أهم الجبال الواقعة على طرف الحرة من الجهة الغربية و هي عبارة عن تكوينات جبلية سوداء اللون تجاور بعضها بعضا، و يقع بينها قصر عاصم بن عمر بن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، و سده المشهور و الذي يقع مقابلا لقصر عروة إبن الزبير و بئره. و قد سبق الحديث عن هذه الحرة بالتفصيل في الجزء الأول.

(ب) حرة واقم «الحرة الشرقية».

و تقع شرقي المدينة المنورة و تحد حرم المدينة المنورة من الشرق، و قد سميت بحرة واقم نسبة إلى حصن «واقم» الذي كان في منازل بني عبد الأشهل و هو أشهر حصونهم‏ (2).

و تعتبر حرة واقم أكثر الحرات حضارة حيث سكنتها قبائل اليهود و بعض قبائل الأوس، و تكثر في هذه الحرة الأجزاء المنبسطة ذات المنسوب الثابت إلا في بعض الأجزاء الصغيرة و التي تتجمع فيها مياه الأمطار فتشكل مجموعة من الوديان حيث ينحدر منها وادي مهزور فيتشعب في الحرة حتى يتصل جزء منه بوادي مذينب و يصب مع وادي بطحان بعد إتحاده به عند الغابة.

و تعتبر حرة واقم «الحرة الشرقية» أحد أحياء المدينة المنورة الجديدة المخططة حيث يوجد بها الكثير من مخططات و تقسيمات الأراضي، و قد ازدهرت هذه الحرة حتى اكتظت بالمباني الحديثة و قد ساعد في ذلك إنبساط أراضي الحرة و قلة وجود التضاريس الوعرة. و تعتبر حرة واقم من أكبر الحرات المحيطة بالمدينة المنورة، و تمتد من الحرة الجنوبية جنوبا و حتى طريق المطار شمالا. و قد سبق الحديث عن هذه الحرة بالتفصيل في الجزء الأول.

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 59).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 201).

38

(14) (الجغرافية الطبيعية) صورة لجزء من حرة واقم «الحرة الشرقية» و قد غطتها الصخور البركانية.

(15) (الجغرافية الطبيعية) صورة لجزء من حرة شوران «الحرة الجنوبية» و هي من عالية المدينة.

(ج) حرة شوران «الحرة الجنوبية»:

تقع الحرة الجنوبية في جنوب المدينة المنورة، و تعرف هذه الحرة عند أغلب الناس بحرة شوران، و حرة شوران هي جزء من الحرة الجنوبية و هي الجزء الأوسط منها، و نظرا لشهرة هذه الحرة و تاريخها القديم و ما جاء في فضلها في الحديث الشريف إشتهرت عن غيرها من الأسماء الأخرى فأطلقها الناس على كافة أجزاء الحرة الجنوبية.

و تنقسم الحرة الجنوبية إلى قسمين (حرة معصم العليا) و تمثل الجزء الأكبر من الحرة الجنوبية و هي أكبرها، أما الجزء الثاني فيتكون من مجموعة من الحرات الصغيرة التي لها أسماء محلية.

و نظرا لخصوبة هذه الحرة و وفرة مياهها فقد قامت أمانة المدينة المنورة بحجز موقع كبير يزيد على مليوني متر مربع خصص كحديقة أو منتزه عام لأهالي المدينة المنورة، و قد سلم هذا المشروع بالفعل لأحد المؤسسات الوطنية التي ستقوم بتنفيذه و جعله المنتزه الرئيسي للمدينة المنورة و ما حولها.

و تعتبر حرة شوران من الحرات الوعرة، و تتركز و عورتها في الجهة الشرقية و الجنوبية الشرقية منها، و بالتحديد في منطقة بطحان و ما حولها و بخاصة حول سد بطحان المشهور في الحرة. و قد سبق الحديث عن هذه الحرة بالتفصيل في الجزء الأول.

3- الأودية «مجاري السيول»:

تنحدر جميع الأودية الموجودة في المدينة المنورة نحو إتجاه موحد و هو الإتجاه الشمالي الغربي حيث تلتقي جميعا في «الغابة» و من أهم تلك الأودية ما يلي:

(أ) وادي قناة: و يقع في ضاحية المدينة الشمالية الشرقية.

(ب) وادي العقيق: «الوادي المبارك»: و يقع في الجهة الغربية من المدينة.

(ج) وادي بطحان: و يأتي من الجهة الجنوبية من المدينة ممتدا نحو شمالها.

ثم توجد ثلاثة أودية أخرى ولكنها أقل أهمية من سابقتها و هي كالتالي:

(د) وادي رانوناء: و يقع في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة.

(ه) وادي مذينب: و يقع في الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة.

(و) وادي مهزور: و يقع في الجهة الشرقية من المدينة.

و قد سبق الحديث عن هذه الأودية بشكل موسع في الجزء الأول.

39

(16) (الجغرافية الطبيعية) مخطط تقريبي للمدينة المنورة موضح عليه مسارات الأودية الرئيسية.

(17) (الجغرافية الطبيعية) صورة لوادي العقيق الوادي المبارك عند فيضانه بالمياه.

(18) (الجغرافية الطبيعية) صورة لوادي قناة «سيل سيد الشهداء» عند جريانه في حوالي عام 1413 ه/ 1993 م.

ثانيا: الخصائص الجغرافية لسكان المدينة المنورة:

إن التحدث عن السكان في المدينة المنورة يعني التحدث عن تاريخ المدينة المنورة منذ نشأتها القديمة، لأن هذه المدينة لم تظهر ظهورا مفاجئا مثل ما حصل لمعظم مدن العالم و مدن المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال، حيث ظهرت هذه المدن نتيجة لظهور مسببات معينة أدت إلى تكوينها و ظهورها كاكتشاف البترول و المعدن إلى غير ذلك من الأسباب التي جعلت من الضرورة إقامة مثل هذه المدن كسكن للعاملين و توفير كل ما يحتاجون إليه من مرافق و خدمات كونت بمجملها بيئة عمرانية لها مميزاتها و خصائصها و أهدافها.

و غالبا ما يكون ظهور هذه المدن متأخرا نسبيا إذا ما قورن بظهور المدن القديمة و التي امتدت جذورها عبر التاريخ القديم، و قد ظهرت حضارة هذه المدن القديمة بظهور مسببات رئيسية أدت إلى ظهورها كوقوعها في موقع استراتيجي يحتم ظهور بيئة عمرانية ذات خصائص معينة، أو وجود عناصر جذب طبيعية للمكان كتوفر المياه و التربة الصالحة للزراعة أو إرتباطها بأحداث تاريخية أو دينية معينة أدت إلى نمو هذه المدن القديمة و ازدهارها.

و أن المدينة المنورة أحد هذه المدن إذ فرض عليها موقعها الإستراتيجي الربط بين الشمال و الجنوب في رحلتي الشتاء و الصيف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، حيث أصبحت المدينة المنورة من المحطات المهمة للقوافل المتجهة شمالا لبادية الشام و جنوبا لبلاد اليمن و من خلالهما إلى مدن العالم المختلفة.

كما أن البيئة الزراعية الممتازة التي ظهرت نتيجة لتوفر مقوماتها الأساسية من مياه و تربة خصبة و صالحة للزراعة جرفتها إليها الأودية ساعد على جذب السكان و القبائل إليها و استقرارهم فيها، كنزول العمالقة مثلا و هم أول من استفاد من هذه الثروات الطبيعية و سخرها في بناء حضارته.

40

(1) (الخصائص السكانية) موقع المدينة المنورة على طريق التجارة العالية القديمة (1).

كما أن ظهور الإرتباط الديني بين هذه البقعة و الكتب السماوية التي تشير أن هذه البقعة هي مكان ظهور نبي جديد يظهر لهذه الأمة مما جعل اليهود يهاجرون إلى هذا الموقع و يسكنون فيه إنتظارا لظهور ذلك النبي المذكور في كتبهم ثم تلا ذلك الهجرات المختلفة على مر العصور و التي توجت بهجرة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم).

1- لمحة تاريخية عن عدد سكان المدينة قديما:

تشير الروايات التاريخية إلى أن سكان المدينة قبل بعثة الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) كانوا في أصولهم من عقيل و فالج، و منهم العماليق ثم توافد إليها الأوس و الخزرج و اليهود على فترات متقطعة، إلا أنه لم يثبت أي عدد موثق عن سكان المدينة، و ربما كان في عهد الدولة الأموية و ما بعدها إحصاء أقرب إلى المنطق و المعقول عن عدد سكانها.

و قد أشار السيد محمد شوقي إلى أنه توجد بعض المصادر تشير إلى أن عدد اليهود يقدر بنحو تسعة آلاف نسمة، (2) بينما يقدر عدد الأوس و الخزرج بنحو مئتا ألف نسمة إنتشروا خلالها في أجزاء كثيرة من المدينة فشملت مساكنهم معظم معالم عالية المدينة و قربان و قباء و بقية سافلة المدينة فيما إقتصرت دور اليهود و مساكنهم على منطقة صغيرة في قربان و طرف الحرة الشرقية عند ملتقاها بالحرة الجنوبية، و هذا يعني أن عدد سكان المدينة في هذه الفترة «أي قبل الهجرة» يقدر بحوالي مئتان و تسعة آلاف نسمة، و قد يكون هذا الرقم كبيرا و مبالغا فيه. فإذا تأملنا عدد سكان المدينة من الأوس و الخزرج و أعدادهم التي شاركت في الغزوات و الأحداث التي حصلت بعد هجرة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 224).

(2) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 29).

41

لظهرت هناك فروق كبيرة، و عدم توافق تكاد تؤكد بأن الأعداد الأولى مبالغ فيها دون شك.

فلو رجعنا إلى عدد المقاتلين مع الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) في غزوة بدر لوجدناهم لا يتجاوزون ثلاثمائة مقاتل إلا بقليل، ثم إرتفع هذا العدد ليصل إلى ألف مقاتل في غزوة أحد، ثم قل هذا العدد إلى سبعمائة مقاتل فقط بعد إنسحاب اليهود و المنافقين من الجيش، و كلنا يعرف أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) عند ما وصل إلى المدينة كان معظم سكان المدينة من الأوس و الخزرج قد أسلموا فهل من المعقول أن سبعمائة شخص من الأوس و الخزرج هم القادرون على القتال فقط من العدد الإجمالي للأنصار من الأوس و الخزرج البالغ عددهم مئتا ألف نسمة و أن هناك مئة و تسع و تسعون ألف نسمة هم من النساء و الأطفال و العاجزين عن القتال!

و هذا ليس من المعقول لأنه كما هو معروف بأن عدد أفراد الجيش يتناسب عدده مع عدد السكان، فكلما زاد عدد السكان زاد عدد أفراد الجيش.

كذلك لو عرفنا أن عدد المسلمين الذين خرجوا للعمرة قبل صلح الحديبية لا يتجاوز ألف و ستمائة شخص، فهل هناك أي إرتباط بين هذا العدد و عدد سكان المدينة آنذاك، كما أننا لو رجعنا لنعرف عدد المقاتلين من المسلمين عند جلاء بني النضير عن المدينة لوجدناهم لا يتجاوزون ثلاثة آلاف مقاتل فقط.

و قد افترض الأستاذ محمد شوقي بأنه لو كان كل هؤلاء الثلاثة آلاف مقاتل متزوجين و لكل منهم في المتوسط طفلان، كان عدد سكان المدينة من المسلمين حوالي إثنا عشر ألف نسمة و هذا يعني أن عدد سكان المدينة بالكامل بما فيها من يهود هو واحد و عشرون ألف نسمة (1).

و قد رجح بعض الكتاب و المؤرخين بأن عدد سكان المدينة عند ما قبض النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يقدر بنحو ستين ألف نسمة (2).

و أنا أميل إلى هذا الرأي، لأنه لو افترضنا أن عدد أفراد الأسرة بمعدل ستة أفراد، و قد ثبت أن عدد من خرج مع الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة هو عشرة آلاف نسمة، و لو افترضنا أن كل هؤلاء متزوجون لكان عدد سكان المدينة المنورة آنذاك هو ستون ألف نسمة و اللّه أعلم ...

____________

(1) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 30).

(2) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 30، 31).

42

2- سكان المدينة المنورة في العصر الأموي:

(41 ه- 132 ه/ 661 م- 752 م)

في خلافة علي رضي اللّه عنه تحول مركز القيادة إلى الكوفة، ثم إلى دمشق في عهد معاوية رضي اللّه عنه، حيث أصبحت مقرا لخلافة الدولة الأموية و قد ظل عدد سكان المدينة ثابتا يزيد في المواسم عند الحج و العمرة و الزيارة، و يفد إليها طلاب العلم و العلماء من مختلف المدن الإسلامية.

و قد ازدهر وادي العقيق في هذا العصر و بنيت فيه الدور و القصور و البساتين التي بناها و أقامها بعض أفراد بني أمية عندما قدموا إلى المدينة المنورة للسكن فيها و خاصة في عهد الخليفة مروان بن محمد «مروان الثاني» (127 ه/ 744 م) (1).

و لم نجد من المصادر التاريخية عددا محددا لسكان المدينة في هذه الفترة عدا ما أشارت إليه بعض الروايات التاريخية التي تفيد بأن سكان وادي العقيق وحدهم كانوا أربعين ألف نسمة في إمارة سعيد بن العاص. قال السيد المطري:

(إن سكان وادي العقيق وحدهم كانوا أربعين ألفا في إمارة سعيد بن العاص على المدينة و هو العهد الأموي، و كان سعيد أميرا لوادي العقيق) (2).

3- سكان المدينة المنورة في العصر العباسي و المملوكي:

(132 ه 923 ه/ 752 م- 1517 م)

يذكر الأستاذ محمد شوقي: (بأنه قد توالت كثير من الثورات في العهد العباسي في المدينة المنورة و قد عهدت السلطات إلى إجراءات قمع شديدة تجاه هذه الثورات، مما أدى إلى خراب و دمار الكثير من المباني و مزارع المدينة) (3)، و لهذا أتوقع بأن يكون هناك تقلصا في عدد السكان.

و قد أعطى المقدسي وصفا عن المدينة المنورة في القرن الرابع الهجري «القرن العاشر الميلادي» حيث يذكر بأن المدينة كانت أقل من نصف حجم مكة المكرمة، و أنها قليلة السكان‏ (4).

ثم يستطرد الأستاذ محمد شوقي في ذكر تاريخ السكان في القرون التالية لذلك، فيشير إلى أنه في نهاية القرن السادس الهجري «القرن الثاني عشر الميلادي» وصف إبن النجار المدينة المنورة و أشار إلى نمو العمران الذي أصبح‏

____________

(1) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 31).

(2) «التعريف»- المطري- (ص 63).

(3) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 31، 32).

(4) «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»- المقدسي- (ص 80).

43

يبتعد عن أسوار المدينة المنورة (1)، و قد أرجعت بعض المصادر هذا النمو إلى غزو الصليبيين للشام مما أدى إلى هجرة السكان العرب إلى المدينة المنورة، و هذه تعني حتما نمو عدد السكان بها.

و أما ما ذكره عن بداية القرن العاشر «القرن السادس عشر الميلادي» فهو يذكر رحلة فارثيما الذي زار المدينة المنورة سنة (908 ه/ 1502 م) و الذي أشار إلى وجود نحو ثلاثمائة منزل فقط داخل أسوارها.

و قد افترض الأستاذ محمد شوقي لو أن نصف هذه البيوت يسكن في كل منها عائلتان و النصف الآخر تسكن عائلة واحدة، و أن معدل حجم الأسرة هو ستة أفراد إذا لتوقعنا أن عدد السكان في تلك الفترة هو حوالي ثلاثة آلاف نسمة فقط، و هذا يشير إلى الإنخفاض الكبير لعدد السكان في المدينة المنورة في هذا العصر و هذا يعود إلى فترة الضعف و عدم الاستقرار.

4- سكان المدينة المنورة في العصر العثماني و الهاشمي:

(923 ه 1344 ه/ 1517 م- 1925 م)

حظيت المدينة المنورة في هذا العصر و بالأخص عصر السلطان سليمان (926 ه 974 ه/ 1520 م- 1566 م) بالإهتمام و بالأخص فيما يتعلق بتعمير المسجد النبوي الشريف و سور المدينة، و التي تطلبت جلب الصناع و العمال من تركيا للقيام بأعمال البناء و بالأخص في عصر السلطان عبد المجيد الذي أقام مشروع السكة الحديد و مرافقها المختلفة و حاجة هذا المشروع إلى أعداد كبيرة من العمال و الصناع المتقنين لهذه المهنة، مما ساعد في زيادة عدد سكان المدينة المنورة في تلك الفترة. و قد أورد الأستاذ محمد شوقي‏ (2) آراء بعض الرحالة الذين زاروا المدينة المنورة آنذاك، فذكر منهم الرحالة بوركهات الذي وصل إلى المدينة سنة (1230 ه/ 1814 م) و أشار إلى أن عدد سكان المدينة في تلك الفترة يترواح بين ستة عشر ألف نسمة إلى عشرين ألف نسمة.

أما الرحالة «الكابتن سادلر» الذي زار المدينة سنة (1236 ه/ 1819 م) فأشار إلى أن الأتراك قد زادوا عدد سكان المدينة بنحو ثمانية عشر ألف نسمة.

كما أشار الرحالة «برتون» في رحلة للمدينة عام (1270 ه/ 1853 م) إلى أن عدد سكان المدينة يقدر بنحو ستة عشر ألف نسمة. كما زار المدينة المنورة الرحالة «جون كين» و ذلك في سنة (1294 ه 1877/ م)، و قد قدر سكان المدينة المنورة في تلك الفترة بنحو عشرين ألف نسمة.

____________

(1) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 32).

(2) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 33).

44

كما أن إنشاء سكة حديد الحجاز التي بدأ العمل بها في سنة (1326 ه/ 1908 م) كان لها الأثر الكبير في زيادة عدد سكان المدينة المنورة حيث وصل عددهم حوالي ثلاثين ألف نسمة (1). ثم ازداد هذا العدد ليصل إلى ستة و خمسين ألف نسمة في عام (1328 ه/ 1910 م) ثم ازداد ليصل ما بين سبعين إلى ثمانين ألف نسمة و ذلك في عام (1332 ه/ 1914 م).

5- سكان المدينة المنورة في العصر السعودي:

(1344 ه/ 1926 م إلى عصرنا الحاضر)

تعتبر الخصائص السكانية لهذه الفترة غاية في التعقيد نظرا لكثرة التذبذبات الموسمية في مختلف النشاطات بسبب موسم الحج و فترات الزيارة، حيث زادت أعداد الحجاج و الزوار بشكل كبير جدا إذا ما قورنت بأعدادهم فيما قبل نظرا لتوفر وسائل المواصلات المختلفة، و سهولة الوصول إلى الأماكن المقدسة.

و إن أقدم المعلومات السكانية لهذه الفترة تستوحي مما كتبه «فيلبي» أثناء رحلته إلى المدينة المنورة في عام (1350 ه/ 1931 م) حيث ذكر بأن عدد سكان المدينة المنورة في تلك الفترة يقدر بحوالي خمسة عشر ألف نسمة (2).

كما قدر «اليبسكي» الذي زار المدينة المنورة عام (1379 ه/ 1959 م) و أشار إلى أن عدد سكان المدينة يقدر بحوالي أربعين ألف نسمة (3).

و نستعرض الآن بعض تنائج المسح السكاني التي أجراها المستشار السابق لتخطيط المدينة المنورة «روبرت ماثيو جنسون مارشال و شركاه» و التي اعتمدت على أن تقدير عدد السكان يتوافق إلى حد كبير مع معدل المواليد و الوفيات و اتجاهات الهجرة التي تجذبها المدينة نتيجة تحسن الظروف الإقتصادية و توفر فرص العمل.

و قد أدت هذه الخصائص إلى زيادة عدد سكان المدينة المنورة بالأخص في العشر سنوات ما بين عام (1391 ه/ 1401 ه) حيث كان معدل الزيادة في تلك الفترة هو 8% و يعتبر هذا النمو هو أعلى من المعدلات المشابهة، حيث يصل هذا المعدل في المدن الرئيسية الأخرى مثل مدينة جدة أو الرياض إلى 7%، كما تشكل الهجرة إلى المدينة نسبة 5% من السكان فيما تصل إلى 4% في المدن الأخرى، كما أن معدل المواليد وصل إلى 6، 4% فيما يصل معدل الوفيات إلى 4، 0% من جملة السكان.

____________

(1) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 33).

(2) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 38).

(3) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 38).

45

و يمكننا أن نحصل على تلخيص سريع لأعداد السكان للمدينة المنورة ابتداءا من السنة الأولى للهجرة/ 622 م و حتى عام 1398 ه/ 1978 م، و قد وجدت هذا التلخيص متوفرا في جدول مرتب قام بجمعه و ترتيبه الأستاذ محمد شوقي في كتابه سكان المدينة المنورة (1).

و قد أضفت إلى هذا الجدول عدد السكان حسب الإحصائيات العامة الأخيرة لوزارة المالية و الإقتصاد الوطني عام 1412 ه/ 1992 م إضافة إلى عدد السكان في عام 1415 ه/ 1995 م، من خلال دراسات معدلات الزيادة و النمو السكاني المحدد في عملية بناء المخطط الإرشادي الجديد «لدار الهندسة» و المعد في عام 1409 ه/ 1989، إضافة إلى توقعات أعداد السكان حتى عام 1430 ه/ 2010 م و عام 1450 ه/ 2030 م.

(2) (الخصائص السكانية) تطور عدد سكان المدينة المنورة حسب المصادر المختلفة.

____________

(1) «سكان المدينة المنورة»- محمد شوقي- (ص 42) جدول رقم 2.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

1 الفصل الأول التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة قبل الإسلام‏

48

التطور العمراني و التقدم الحضري‏

للمدينة المنورة قبل الإسلام‏

مقدمة تاريخية:

إن التطور العمراني و الحضري للمدينة المنورة قبل الإسلام من المراحل التي لم يكشف عن حقيقتها و أبعادها بوضوح تام، و ذلك لعدم توفر المعلومات و البيانات الواضحة التي يمكن الإستناد عليها، فيما عدا القليل جدا و الذي استنبط أصلا من الحوادث التاريخية القديمة حيث المتغيرات السكانية المتتالية التي نتجت من توالي الهجرات على المدينة المنورة (يثرب آنذاك) و لما لهذه الهجرات من أهمية كبيرة في نقل كثير من معالم تلك الحضارات التي سادت آنذاك كحضارة بلاد الشام و اليمن.

و لم تكن المدينة المنورة آنذاك مدينة بالمعنى الحالي، بل كانت عبارة عن حاضرة تغلب عليها الصفة الزراعية و لكن انتعشت التجارة في بعض أجزاء من المدينة من خلال مرور القوافل التي كانت تمر بها من الشمال و القادمة من بلاد الشام و العراق و فارس، و من الجنوب و القادمة من بلاد اليمن في رحلتي الشتاء و الصيف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى‏ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَ الصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ‏ (1).

و كانت المدينة آنذاك عبارة عن مجموعات متناثرة من الأكواخ و المنازل البدائية البسيطة و غير الخاضعة لأي روابط محددة لها سوى الروابط القبلية و الإجتماعية، و يحيط بهذه المنازل الحقول و أشجار النخيل التي فلحها اليهود و بنوا فيها الحصون و الأطام.

و قد كانت أشهر قبائلهم التي سكنت المدينة منهم بنو النضير و بنو قريظة و الذين سكنوا حرة واقم جنوب و شرق المدينة المنورة و المعروفة اليوم بالحرة الشرقية القبلية و منطقة العوالي بالتحديد (2)، و قد كانت هذه المنطقة من أخصب‏

____________

(1) «القرآن الكريم»- سورة قريش.

(2) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثائر محمد- (ص 18، 19).

49

(1) (التطور العمراني) صورة قديمة لمسجد بني قريظة الواقع في الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة المنورة قبل تجديده و إصلاحه‏ (4).

(2) (التطور العمراني) صورة لمسجد بني قريظة بعد إصلاحه و ترميمه في عهد الدولة السعودية أيدها الله.

المناطق و أكثرها وفرة للمياه.

أما قبيلة يهود بني قينقاع فقد سكنت الجزء الجنوبي الغربي من المدينة و المتمثلة في منطقة المدشونية و جزء كبير من الحرة الجنوبية الغربية.

و قد كانت المدينة مقسمة إلى مناطق تسكنها القبائل اليهودية و العربية، و هي على جزأين: الأول و يشمل المناطق الزراعية بمنازلها و سكانها و أطامها، و كانت تتمثل أغلبيتها في القبائل العربية، و الثاني و يشمل الأطام و الحصون و المناطق العالية و المحيطة بالمدينة المنورة بمزارعها و سكانها و تتمثل أغلبيتها من اليهود الذين نزلوا هذه المناطق فبلغ عدد ما أقاموه فيها من تلك الآطام و الحصون تسعة و خمسون أطما (1).

و الأطام كلمة عبرية تعني حوائط بدون نوافذ من الخارج، و بالعربية البناء المرتفع، و كانت هذه الأطام عظيمة الأهمية لليهود حيث يحتموا فيها إذا هاجمهم العدو، و قد خصصت بعض هذه الأطام كمقر للمعابد و المدارس و أماكن مشاوراتهم و إعداد خططهم، و قد أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ (2). و قد كان من أشهر حصون بني قريظة هو حصن الزبير بن باطا القرظي، و قد أقيم في موضعه مسجد بني قريظة فيما بعد بمنطقة العوالي، و لا يزال هذا المسجد قائما حتى وقتنا الحاضر (3).

و أما أشهر آطام بني قينقاع فهو أطم مريح، و يعتبر حصن كعب إبن الأشرف النبهاني من أشهر حصون بني النضير. و نزل الأوس و الخزرج المدينة

____________

(1) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي وثائر محمد- (ص 19).

(2) «القرآن الكريم»- سورة الحشر- آية 13.

(3) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثائر محمد- (ص 20).

(4) الصورة من مجموعة الأخ/ صالح حجار.

50

(3) (التطور العمراني) مخطط يوضح طريق الهجرة و مواقع القبائل العربية و اليهودية في المدينة المنورة حسب ما تصوره المؤرخ السيد إبراهيم العياشي‏ (1).

(4) (التطور العمراني) خريطة أثرية للمدينة توضح منازل بعض القبائل العربية و اليهودية في المدينة المنورة حسب ما تصوره المؤرخ عبد القدوس الأنصاري‏ (2).

(5) (التطور العمراني) مخطط يوضح مواقع قبائل المدينة المنورة في العهد النبوي حسب ما جاء في أطلس التاريخ الإسلامي‏ (3).

المنورة و سكنوها بعد حادثة سيل العرم الذي اجتاح سد مأرب عن طريق ثقب فيه بأرض سبأ الحصينة، فنزلت قبائل الأوس و الخزرج المدينة المنورة حيث كان يسكنها اليهود فأبرموا معهم العهود و أقاموا بينهم حلف جوار و عدم إعتداء حتى تكاثروا «أي قبائل الأوس و الخزرج» و أثروا، و نعم بعد ذلك الأوس و الخزرج بالمقام، و هم قبائل عدة سكن بعضهم بالقرب من وادي بطحان و الحرة الغربية و سكن البعض الآخر في الحرة الشرقية و عروة و صارت لهم فيها آطام كثيرة.

علما بأن هذا الترتيب الذي ذكر في سكنى القبائل العربية و اليهودية هو ترتيب غير نهائي إذ أن بعض المصادر تذكر خلاف ذلك ولكنا اخترنا أكثر الأقوال شيوعا.

و سنتحدث عن موضع الآطام و الحصون بشكل مفصل في الجزء الثالث إن شاء اللّه.

ملامح التطور العمراني و الحضري للمدينة المنورة قبل الإسلام:

أولا: عمارة الحصون و الآطام:

تقع المدينة المنورة على الطريق التجاري الذي يربط الشام باليمن، مما ساعد على كثرة النازحين و نقل حضاراتهم إليها كقدوم الأوس و الخزرج من بلاد اليمن و اليهود من بلاد الشام، و نزولهم المدينة و استقرارهم فيها، و ما نقلوه إليها من عناصر معمارية جديدة كبناء الآطام و الحصون التي كانت منتشرة في بلادهم آنذاك، و قد كانت مواقع هذه الحصون و الآطام مرتبطة إلى حد كبير بمواقع القبائل من يهود و عرب و متناسبة عدديا مع سكان كل قبيلة.

و قد استخدم العرب هذه الحصون و الآطام فيما بعد و بنوا المزيد منها لتصبح أحد المعالم الرئيسية المكونة للنسيج العمراني للمدينة المنورة قبل الإسلام.

و قد وصل عدد هذه الحصون و الآطام إلى ما يزيد على تسعة و خمسين أطما لليهود المقيمين في المدينة المنورة (يثرب آنذاك) و ثلاثة عشر أطما للعرب «الأنصار» الذين نزحوا إلى المدينة المنورة بعد ذلك.

و قد أورد السيد السمهودي‏ (4) الكثير من آثار و أطلال اليهود التي أقاموها

____________

(1) مخطط قديم قام بتصميمه و تحقيقه مؤرخ المدينة السيد ابراهيم العياشي (رحمه الله تعالى).

(2) مخطط أثري قديم للمؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه «آثار المدينة المنورة».

(3) أخذ الرسم عن كتاب «التاريخ الشامل» الذي عزاه إلى أطلس التاريخ الاسلامي.

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1 ص 163.

51

(6) (الحصون و الاطام) حصن بني واقف على بعد نصف كيلومتر من مسجد قباء جهة الجنوب الشرقي‏ (1).

(7) (الحصون و الاطام) أطم الضحيان في منطقة العصبة بقباء لأحيحة بن الجلاح‏ (2).

(8) (الحصون و الاطام) مخطط للمؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري‏ (3) يتضح من خلاله موقع أهم و أشهر مواقع آطام و حصون المدينة:

1- أطم الضحيان.

2- أطم بني عبد الأشهل.

3- حصن كعب ابن الأشرف.

4- أطم أبو سعيد الخدري البصة.

5- أطام الصياصي.

6- أطم أبو دجانة.

7- أطام بني قريظة بجوار غرس.

8- أطم صرار بالعريض.

في المدينة المنورة أثناء فترة إقامتهم بها و التي تدل دلالة واضحة على النمو السكاني المتزايد و النهضة العمرانية التي كانت عليها المدينة المنورة قبل الإسلام.

و قد ظلت كثير من هذه الحصون و الآطام إلى ما بعد الإسلام و منها ما هو باقي حتى وقتنا الحاضر كحصن كعب ابن الأشرف النبهاني و التي لا تزال أطلاله باقية، و قد درست هذا الحصن و رسمت له مسقطا فوجدت فيه براعة المصمم و اتقان البناء كما سيأتي ذكر ذلك بالتفصيل في الجزء الثالث إن شاء اللّه.

و قد استخدم الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بعض هذه الآطام أبان غزوة الخندق حيث ذكر السمهودي فيما نقله عن أبي رافع ما نصه: (روى البزار بإسناد ضعيف عن الزبير بن العوام رضي اللّه عنه، أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لما خرج للخندق جعل نساءه و عمته صفية في أطم يقال له «فارع» و جعل معهم حسان بن ثابت ...) (4).

و من أشهر الآطام أطم عاصم الذي كان في قباء لرجل من اليهود يقال أنه من بني النضير، و أطمان لبني قريظة أحدهما يقال له أطم الزبير بن باطا القرظي و أطم كعب بن أسد الذي يطلق عليه «بلحان» إلى غير ذلك من الآطام.

كما اشتهر من الحصون بالإضافة إلى حصن كعب ابن الأشرف النبهاني حصن بني واقف الذي يقع على بعد حوالي نصف كيلومتر إلى جهة الجنوب الشرقي من مسجد قباء.

(9) (الحصون و الاطام) بعض بقايا و أطلال أطم الضحيان في منطقة العصبة بعد تهدمه و انهياره.

____________

(1) «المدينة المنورة بين الماضي و الحاضر»- الأستاذ ابراهيم العياشي- (ص 272).

(2) «المدينة المنورة بين الماضي و الحاضر»- الأستاذ ابراهيم العياشي (ص 295).

(3) «صغر هذا المخطط من كتاب آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الانصاري.

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 211، 302).

52

(10) (الحصون و الاطام) صورة لأطم صرار بجوار مسجد العريض بمنطقة العريض.

(11) (الحصون و الاطام) صورة لجزء من حصن كعب بن الأشرف الذي بني فيما قبل الإسلام.

(12) (الحصون و الاطام) تفاصيل داخلية من بقايا حصن كعب ابن الأشرف.

(13) (الأسواق القديمة) مخطط يوضح موضع أسواق المدينة المنورة فيما قبل الإسلام‏ (3).

ثانيا: الأسواق القديمة

نظرا لوقوع المدينة المنورة على طريق التجارة القديم، فقد ساعد ذلك على قيام بعض الأسواق التي كانت مرتبطة بقبائل اليهود، فهناك سوق بني قينقاع و سوق في منطقة قباء، و غالبا لم تكن هذه الأسواق مرتبطة بمواقع و منازل هذه القبائل فحسب بل كانت أيضا لها إرتباط وثيق و مباشر بطرق القوافل القديمة و مساراتها.

و قد أورد السيد السمهودي الكثير من هذه الأسواق فأورد ما نقله عن إبن شبة ما نصه: (قال أبو غسان و كان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب، و سوق بالجسر في بني قينقاع و بالصفاصف بالعصبة سوق، و سوق يقوم في موضع زقاق إبن جبين كانت تقوم في الجاهلية و أول الإسلام و كان يقال لذلك الموضع مزاحم ..) (1). و قد كانت هذه الأسواق قائمة بعد الإسلام و بالأخص سوق بني قينقاع، و يشير إلى ذلك ما رواه إبن شبة عن عطاء بن يسار قال: (لما أراد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله، و قال: هذا سوقكم فلا يضيق، و لا يؤخذ فيه خراج) (2). و تعتبر هذه الأسواق هي أحد أسس و مكونات النسيج العمراني للمدينة المنورة قبل الإسلام، و تعد أحد الخصائص الظاهرة للبنية الحضرية الأساسية للمدينة المنورة في تلك الفترة.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (2/ 747).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (2/ 747).

(3) المخطط من كتاب «التاريخ الشامل»- (1/ 103).