معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج3

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
800 /
5

الجزء الثالث‏

[المجلد الأول تاريخ و عمارة الحصون و الآطام‏]

مسجد الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة المنورة (1).

____________

(1) أخذت الصورة من غلاف مجلة «أمانة المدينة المنورة» إنجازات و أرقام لعام 1415 ه.

(تصوير إبراهيم سراج)

6

مسجد الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة المنورة.

آلاف من المصلين يؤدون الصلاة داخل المسجد النبوي الشريف بعد التوسعة (1).

____________

(1) أخذت الصورة من غلاف مجلة توسعة و عمارة الحرمين الشريفين «رؤية حضارية»، مؤسسة محمد بن لادن.

7

[مقرن بن عبد العزيز آل سعود]

بسم اللّه الرّحمن الرحيم‏

المدينة المنورة ... اسم لا يغيب عن مخيلة كل مسلم في مشارق الأرض و مغاربها، يحلم بزيارتها و السير على أرضها المباركة التي سار عليها أفضل الخلق أجمعين (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه العظام، و استنشقوا هواءها و شربوا صافي زلالها، و فيها نزل الوحي على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و حدثت الأحداث الجسام التي رافقت ميلاد الدولة الإسلامية، كغزوة أحد و غزوة الخندق، و غزوة بني قريظة، و منها سارت الجيوش إلى بدر مؤتة و القادسية.

إن المدينة المنورة اليوم، لا زالت مصدر إشعاع فكري و حضاري، ففي مسجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ينهل العلم، و من جامعتها يتخرج الدعاة، و فيها يطبع المصحف الشريف ليصل إلى يد كل مسلم في أنحاء الأرض.

لقد ورد في الأحاديث الشريفة ذكر فضائلها و العيش فيها ما لم يرد في أي مدينة أخرى، و يشعر ساكنها و زائرها بالطمأنينة و السكينة و البركة في كل شي‏ء، لذلك فهي محط أنظار كل مسلم، يتمنى الحياة فيها و الدفن في بقيعها.

مقرن بن عبد العزيز آل سعود

8

المسجد النبوي الشريف بعد انتهاء عمارته الأخيرة في عهد خادم الحرمين الشريفين‏ (1).

الملك فهد بن عبد العزيز «(رحمه الله)»

____________

(1) أخذت الصورة من مجلة «أمانة المدينة المنورة» إنجازات و أرقام، لعام 1415 ه (ص 41).

(تصوير/ خالد خضر)

9

[عبد العزيز بن ماجد بن عبد العزيز آل سعود]

لقد شرفني خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز و سمو ولي عهده الأمين- حفظهما الله- بخدمة هذا الجزء الغالي من وطننا الحبيب و أرجو من الله العلي القدير أن أكون عند حسن ظنهم و لا شك أنها مهمة عظيمة و مسؤولية جسيمة أسأل الله سبحانه و تعالى أن يكون عونا لي و أن يوفقني للقيام بأعباء هذه المسؤولية لخدمة طيبة الطيبة و أبنائها على ساكنها أفضل الصلاة و السلام.

كما أرجو من الله أن أحقق الطموحات و التي تلبي احتياجات المواطنين لتيسير أمورهم و رعاية شؤونهم و توفير كل ما يحتاجون إليه وفق توجيهات ولاة أمرنا سدد الله خطاهم و اعتبر هذه المهمة تكليفا و تشريفا لي من لدن خادم الحرمين الشريفين لخدمة هذه المدينة المقدسة العزيزة على نفوسنا جميعا.

و إنني أشكر كل مواطن في طيبة الطيبة أبا و أخا و ابنا و كل مواطنة فيها أما و أختا و بنتا و ثقتي في إخواني بالمدينة المنورة جميعا أن نكون يدا واحدة لتحقيق تطلعات ولاة أمرنا حفظهم الله لخدمة الدين ثم المليك و الوطن و المواطن و المقيم على ثرى أرضنا الطيبة.

أمير منطقة المدينة المنورة

عبد العزيز بن ماجد بن عبد العزيز آل سعود

10

[من نظم عبد المحسن بن حلّيت مسلّم‏]

أنا «المدينة» من في الكون يجهلني‏* * * و من تراه درى عنّي و ما شغلا؟!

تتلمذ «المجد» طفلا عند مدرستي‏* * * حتّى تخرّج منها عالما رجلا

فتحت قلبي «لخير الخلق» قاطبة* * * فلم يفارقه يوما منذ أن دخلا

و صرت «سيّدة الدنيا» به شرفا* * * و اسمى لكلّ حدود الأرض قد وصلا

و مسجدي كان .. بل مازال أمنية* * * تحبو إليها قلوب ضلّت السّبلا

فكل مغترب داويت غربته‏* * * مسحت دمعته .. حوّلتها جذلا

و في هواي «ملايين» تنام على‏* * * ذكري .. و تصحو على طيفي إذا ارتحلا

تنافسوا في غرامي .. أرسلوا كتبا* * * و أنفقوا عندها الرّكبان و الرّسلا

أنا المنوّرة «الفيحاء» ذا نسبي‏* * * إذا البدور رأتني أطرقت خجلا!

من نظم الشاعر

عبد المحسن بن حلّيت مسلّم‏

المدينة المنورة

11

إهداء

إلى من كان لهما الفضل في تربيتي و تعليمي و تقدمي و نجاحي.

إلى والديّ اللذين لم أجد من هو أحق منهما بالإهداء.

إلى والدي الفاضل.

إلى والدتي الفاضلة.

إلى التي أحببتها منذ طفولتي فكبرت و كبر حبها معي.

إلى محبوبتي طيبة.

إلى إخواني و أبنائي الأعزاء.

إلى من اخترتها لتكون رفيقة درب حياتي.

إلى أم أولادي الغالية.

إلى أهل طيبة و سكانها و محبيها.

إليكم جميعا أقدم الجزء الثالث من كتابي.

عربون وفائي و صادق إخلاصي و ولائي.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

شكر و تقدير

شكرا لربي الذي علمني و وفقني و أعطاني ...

شكرا لوالدي الذي غمرني بحبه و عطفه و حنانه ...

شكرا إلى كل يد ساعدت فرسمت و كتبت و عبرت ...

شكرا إلى كل من أسهم بعقله و علمه و معرفته ...

شكرا لكل من شجعني و وجهني و أضاء لي الطريق ...

إليهم جميعا خالص الشكر و التقدير و العرفان ...

كما أخص بالشكر و التقدير و العرفان كلا من:

معالي المهندس عبد العزيز بن عبد الرحمن الحصين (أمين المدينة المنورة)

سعادة الأستاذ الدكتور سعد بن عبد العزيز الراشد (وكيل وزارة المعارف للآثار و المتاحف)

سعادة الأستاذ الدكتور محمد أحمد الرويثي ((رحمه الله))

سعادة الدكتور محمد العيد الخطراوي (نائب رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي)

فضيلة الشيخ الاستاذ عبيد الله محمد أمين كردي ((رحمه الله))

فضيلة الأستاذ أحمد محمد محمد شعبان (الباحث بمركز بحوث و دراسات المدينة المنورة)

14

المحتويات‏

إهداء 11

شكر و تقدير 13

تقديم الجزء الثالث 17

المدخل الى الجزء الثالث 18

الكتاب في سطور 20

بين يدي الكتاب 23

مقدمة المؤلف 24

الفصل الأول (تاريخ و عمارة الحصون و الآطام)

تاريخ و عمارة الحصون و الآطام 28

الآطام في اللغة 34

أول من بنى الحصون و الآطام في يثرب 38

عمارة الحصون و الآطام في يثرب 48

أعداد الآطام في يثرب 58

الوظائف العامة للآطام و الحصون 60

خراب الآطام و الحصون 67

آطام القبائل العربية الأولى 70

آطام و حصون بني أنيف 71

أشهر حصون بني أنيف 77

آطام و حصون بني مريد 78

أشهر أطام بني عبد الأشهل 79

أشهر أطام بني الجذماء 82

15

آطام و حصون القبائل غير العربية 83

1- آطام و حصون بني قريظة 85

2- آطام و حصون بني النضير 91

3- آطام و حصون بني قينقاع 102

4- حصون و آطم القبائل الأخرى 103

حصون و آطام الأوس (بطون الأوس الكبرى) 127

1- آطام و حصون بني عمرو بن مالك بن الأوس 131

2- آطام و حصون بني عوف بن مالك بن الأوس 135

3- آطام و حصون بني مرة بن مالك بن الأوس 154

4- آطام و حصون بني امرئ القيس بن مالك بن الأوس 157

5- آطام و حصون بني جشم بن مالك بن الأوس 166

حصون و آطام الخزرج (بطون الخزرج الكبرى) 168

1- آطام و حصون بني عمرو بن الخزرج 172

2- آطام و حصون بني عوف بن الخزرج (القواقل) 184

3- آطام و حصون بني الحارث بن الخزرج 191

4- آطام و حصون بني كعب بن الخزرج 195

5- آطام و حصون بني جشم بن الخزرج 202

آطام و حصون بني حرام من بني سلمة 207

آطام و حصون بني مرى بن كعب من بني سلمة 212

آطام و حصون بني سواد بن غنم من بني سلمة 214

حصن كعب بن الأشرف النبهاني 225

أطم الضحيان لأحيحة بن الجلاح 240

أطم صرار لبني حارثة 259

أطم أبي دجانة الأنصاري الساعدي 282

الفهرس العام للموضوعات 293

فهرس الصور و المخططات و الجداول 299

16

المسجد النبوي الشريف مركز المدينة و قلبها النابض‏ (1)

____________

(1) الصورة من مجلة «جمعية البر بالمدينة المنورة» التقرير السنوي 1421- 1422 ه

17

بقلم سعادة الأستاذ الدكتور

سعد بن عبد العزيز الراشد

وكيل وزارة المعارف للآثار و المتاحف‏

تقديم الجزء الثالث‏

الكتاب الذي نقدمه بين يدي الباحثين و الدارسين ألفه أحد أبناء المدينة المنورة البررة، هو المهندس المعماري/ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم كعكي. و باستعراض مادة الكتاب تبين لي أننا أمام سفر ضخم يضم بين دفتيه معلومات مهمة عن المدينة المنورة تشتمل على تاريخ و عمارة الحصون و الآطام و الأسوار و الأبواب و القلاع و الأبراج. و هذه المعالم المعمارية اشتهرت بها المدينة المنورة من أقدم العصور و حتى الآن، حيث لا يزال آثار بعضها ماثلة للعيان، و لا يعرف عنها إلّا قليل من الناس ممن لديهم دراية بتاريخ المدينة و جغرافيتها و نشأ و عاش فيها مثل المهندس الكعكي. و يختلف هذا الكتاب عمّا سواه من الكتب، فقد وثق فيه المؤلف ما عفى و درس من الآثار نتيجة للتوسع العمراني للمدينة عبر التاريخ بالإضافة إلى توثيق ما هو باق إلى وقتنا الحاضر. الكتاب غزير في معلوماته، موثق بالمصادر التاريخية و الجغرافية و الأدبية، و على وجه الخصوص تلك المصادر التي ركزت بشكل مباشر على المدينة المنورة: تاريخها و حضاراتها و آثارها. و لم يعتمد المؤلف على المصادر المكتوبة فحسب، بل عزز دراسته بالمشاهدة الميدانية التي أخذت منه الجهد و المال و الوقت، و لا أدل على ذلك العدد الكبير من الصور و الرسوم و المخططات و الخرائط التي وصل مجموعها ما يقارب (383 لوحة) سيجدها القارى‏ء موزعة على فصول الكتاب الذي يزيد على 646 صفحة. و قد جاءت المادة العلمية للكتاب سهلة مطواعة بعيدة عن الجفاف، يعرضها المؤلف بتدرج تاريخي و جغرافي، متناولا بالوصف و التحليل المعالم التاريخية و المعمارية الباقية موثقا ذلك بالرسم و الصورة، كما أن المصادر التي اعتمد عليها المؤلف شاملة لموضوع الكتاب. و جاءت المادة مترابطة الحلقات تنم عن الملكة العلمية التي يتميز بها المهندس عبد العزيز كعكي الذي حصل على الشهادة الجامعية في الهندسة من جامعة الملك سعود و درجة الماجستير في التخصص نفسه من جامعة الأزهر. بالإضافة إلى الخبرة العلمية و الميدانية التي اكتسبها في حياته العلمية فكانت النتيجة ظهور هذا الجزء من موسوعة علمية شاملة تحمل مسمى «معالم المدينة المنورة بين العمارة و التاريخ» صدر منها جزءان الأول في مجلدين كبيرين خصصهما المؤلف للمعالم الطبيعية من جبال/ و حرار/ و أودية و الثاني أفرده لدراسة معالم التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة و هو في مجلد واحد، و هو بذلك يقدم للمكتبة العربية مؤلفا نفيسا لا يستغني عنه كل دارس و باحث عن المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى التي شعّ منها نور الإسلام و امتد إلى مختلف بقاع الأرض.

أكرر الشكر للمهندس عبد العزيز كعكي على هذا الجهد في إخراجه هذا العمل الجليل، متمنيا من المولى تعالى أن يعينه على خدمة تاريخ المدينة المنورة و تراثها و حضاراتها.

و الله الموفق و الهادي إلى سواء السبيل.

سعد بن عبد العزيز الراشد

رمضان 1420 ه/ 2000 م‏

18

بقلم سعادة الدكتور

محمد العيد الخطراوي‏

نائب رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي‏

المدخل الى الجزء الثالث‏

حين تسلمت هدية المهندس المعماري الأستاذ عبد العزيز بن عبد الرحمن كعكي، المتمثلة في كتابه (معالم المدينة المنورة بين العمارة و التاريخ). الجزء الأول. المعالم الطبيعية «المجلد الأول: الجبال، و المجلد الثاني: الحرات و الأودية». و علمت أنه يعد بأجزاء أخرى مشابهة يتناول فيها جوانب أخرى من أحوال المدينة و شؤونها أشفقت عليه كثيرا و هو الشاب الغض الإهاب، أن يخوض هذا البحر العباب، و خشيت عليه من غوائل الطريق و عقباته الكأداء، و قلت في نفسي: إنها أحلام شاب لا تلبث أن تتبخر، و حماسة فتوة و يفاعة سوف تنطفئ جذوتها مع أول مواجهة للريح، و لكنني حين تجولت بنظري في سطور ذينك المجلدين السابقين، و قلبت صفحاتهما، أحسست بالإشفاق تتحول إلى إعجاب و إكبار، و بالخشية تتحول إلى ثقة و اطمئنان، و تمنيت لو اتصلت به لأحثه على مواصلة السير فيما وعد به، و أطالبه بالتعجيل في الإنجاز حتى لا تبرد عزائمه أو يتضاءل اندفاعه، و لكن أشغالي الكثيرة و انغماسي في جملة من الأعمال الخاصة و العامة حالا بيني و بين تحقيق الأمنية، و فوجئت ذات يوم بجرس الهاتف يدق فرفعت السماعة و إذا بصوت هذا المؤلف الشاب المضمخ بالرغبة و الطموح يلامس سمعي حبيبا و يبشرني بأنه يسير قدما في تنفيذ أحلامه و أنه بالفعل دفع بالجزء الثاني من الكتاب إلى المطبعة و هو بعنوان: (مراحل التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة) و يعرض عليّ أن أكتب كلمة قصيرة ضمن مقدمات الجزء الثالث:

(الحصون و الآطام و الأسوار و الأبواب و القلاع و الأبراج) فسررت بذلك كثيرا و فرحت له مرتين .. مرة لجدية هذا الشاب و صدقه مع نفسه و قرائه و استمراره فيما نذر نفسه له، و مرة لإتاحته لي مساحة لمشاركته أعراسه و أفراحه. و أنا من عشاق المدينة المعمودين- إذ إن كل جزء من هذا الكتاب يمثل ظهوره عرسا مدنيا بهيجا، نديا بالخيرات و البركات لأنه إسهام معرفي متميز و جهد- بحول الله- طيب و زكي بما يقدمه من خدمة جليلة لبلد خير البرية المدينة المنورة، عاصمة الإسلام الأولى و مهاجر رسوله الكريم و مثواه العاطر (صلوات الله و سلامه عليه).

و لعل أهم ما لفت نظري و شدني إلى عمل الأخ عبد العزيز هذه النظرة الشاملة التي تعامل بها مع موضوعاته، فهي نظرة تضم في ثناياها كل أطراف الموضوع الذي يكتب عنه، و تستغرق في وجهتها كل الأواوين و الدواوين، و هو في هذا الجزء- مثلا- لا يجعل حديثه قاصرا على فترة دون فترة، و لا على جزء من المدينة دون أن يغطي بقية الأجزاء، بل يستوعب وسائل دفاعها عن نفسها و احتمائها منذ العصر الجاهلي إلى أن يصل إلى العصر الحديث، فيتحدث في الفصل الأول عن الآطام و نشأتها و عمارتها و وظائفها منسوبة إلى قبائلها و أماكنها. و في الفصل الثاني تحدث عن الأسوار و ظروف نشأتها و الأبواب‏

19

المدينة المنورة واحة زراعية منذ القدم‏

التي أقيمت في تلك الأسوار و التغيرات التي حدثت فيها وفقا للظروف و الأحوال. و خص الفصل الثالث بالحديث عن القلاع و الأبراج. ثم أضفى على هذا العمل التاريخي مسحة من حيوية معمارية بعثت فيه الروعة و الحياة تلك هي (الخصائص المعمارية و العمرانية لعمارة القلاع و الحصون القديمة و الأبراج في المدينة المنورة) يساعده في ذلك حسه الفني و تخصصه في الهندسة المعمارية حيث قدم ما هو جدير بالقراءة و التأمل. ثم ختم هذا الجزء بمجموعة من الفهارس العملية المفيدة.

و لا يسعني في آخر هذه الكلمة إلا أن أشيد بهذا العمل و أشد على يد صاحبه داعيا المولى العلي القدير أن يبارك له فيما قدم و أن يرزقنا و إياه إخلاص النية. غير أن إعجابي بعمله لا يمنعني من أن أهمس في أذنه بأنني كنت أتمنى أن يشمل هذا الجزء أحواش المدينة المنورة على اعتبار أنها تمثل مظهرا من مظاهر الاحتماء و المدافعة و الانضواء كالآطام و الأسوار و القلاع و ربما كان لمهندسنا عبد العزيز رؤية أخرى لدراسة الأحواش ضمن مخطط آخر محكوم بوجهة نظر هو موافيها إن شاء الله.

بقي أن أقول: إن المهندس عبد العزيز كعكي لم يأت اهتمامه بالمدينة من فراغ و لا من مجرد كونه أحد أبنائها بل لأنه ورث حب المدينة المنورة من أسرته و خاصة والده صديقنا الحبيب الأستاذ عبد الرحمن كعكي، فما هذا الشبل إلا من ذاك الأسد و طاب الغرس و المغرس .. و صلى الله على نبينا محمد و آله و سلم.

د. محمد العيد الخطراوي‏

نائب رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي‏

صفر 1419 ه الموافق يونيو 1998 م‏

20

بقلم سعادة الدكتور

محمد أحمد الرويثي‏

الأستاذ بكلية التربية

جامعة الملك عبد العزيز فرع المدينة المنورة

«(رحمه الله تعالى)»

الكتاب في سطور

معالم المدينة المنورة- بين العمارة و التخطيط- جزئية من موضوع التاريخ الحضاري في المملكة العربية السعودية، و الذي تناولته الأبحاث و الدراسات العلمية المختلفة. و لكن جلّ هذه الدراسات و الأبحاث التي أجريت عن المدينة المنورة، تناولت هذا الموضوع بمناهج و أساليب يطغى عليها الوصف و التكرار و النقل عن بعضها البعض، مما جعل مؤلفات تاريخها متشابهة في العرض و الأسلوب.

لا جديد فيما ينشر من عشرات المؤلفات، أضف إلى ذلك أن أسس و مفاهيم هذه المعالم قد أخذت تتعرض للاندثار و النسيان طوال هذه العقود الزمنية، و أصبح الكثير منها غير معروف على أرض الواقع. و ظلت هذه المعالم مدونة و مبثوثة في صفحات الكتب ذات التخصصات المختلفة، حتى قيّض الله لها الأستاذ عبد العزيز كعكي متصديا لهذا الموضوع رغم و عورته و صعوبته و عقباته، و أخذ يعمل بجد و إخلاص في جمع مادته العلمية منذ سنوات خلت، و من ثمّ أخضعها للبحث العلميّ تحليلا و دراسة كانت حصيلتها كتابه: «معالم المدينة الحضارية» فهي- في واقع الأمر- موسوعة ضخمة تتكوّن من تسعة مجلدات، صدر منها حتى الآن ثلاثة مجلدات، و يؤمّل أن يرى باقيها النور في المستقبل القريب. و بعمله هذا تمكّن من تتبع المعالم (الجبال و الأودية و السدود و الآطام و الأسوار و غيرها) المدونة في كتب تاريخ المدينة المنورة، و التي كاد أن يندثر معظمها، و ينسى على أرض الواقع الحديث للمدينة المنورة، بمنهج علميّ موسوعي موثق اعتمد فيه الباحث على العمل الميدانيّ و الصورة و الخارطة و وسائل الإيضاح الحديثة. كلّ ذلك وضع أمام القارى‏ء الكريم في أسلوب سلس و لغة عربية سهلة.

هذه حقا دراسة تحليلية معمارية تخطيطية تاريخية، لم تقتصر على تحليل النصوص بل قامت على التتبع و التعرف على هذه المعالم بأشكالها المختلفة خلال العصور المتعددة بوساطة العمل الميدانيّ عن طريق المشاهدة و المحاورة و الاستبانة. و هذا ما أفاد باحثنا في التعرف على خصائص تطور هذه المعالم من خلال استقراء و تحليل النصوص التي أشارت إلى هذه المعالم على مر العصور في كتب التاريخ المتعددة، بل تعدت هذه الأنماط إلى دراسة العوامل التي كانت تقف وراء هذا التطور.

من حسن حظي أنني عرفت الأستاذ عبد العزيز كعكي طالبا جادا و منصرفا بكليته نحو الدرس و التحصيل عند ما كان طالبا لمرحلة الثانوية. هذا و في حياته العملية كنت أتابعه و أراقبه عن كثب‏

21

حرة واقم: صورة لبعض أجزء الحرة البركانية و قد امتدت إلى سفوح الجبال و منحدرات الأودية

منذ أكثر من عشرين عاما. تميزت حياته بالجد و المثابرة و الصبر على البحث و الدراسة من أجل الوصول إلى الحقائق العلمية الثابتة. و من خلال ذلك يمكنني القول بأنه باحث بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، لديه الحس العلميّ و البحثيّ الذي فقدناه في كثير من الأعمال التي كتبت عن تاريخ المدينة المنورة. فهذه الدراسة التي بين أيدينا هي المحاولة العلمية الأولى للدراسة المعمارية التخطيطية الحضارية عن المدينة المنورة فهي تمثل اللبنة الأولى التي ينبغي أن تتابع بدراسات أخرى حتى يكتمل بناء الدراسات الحضارية عن المدينة المنورة.

و هذا الجهد العظيم الذي بذله المؤلف، يستحق التقدير و الثناء، فهو إصدار يساهم بحق في سد النقص في المصادر الثقافية المرموقة التي تربطنا بتراث أمتنا العربية المسلمة. فقد وضع المؤلف أقدامه برسوخ و ثبات و منعة في طريق البحث العلميّ الشاق و الدراسة الجادة الهادفة للوصول إلى الحقائق العلمية الثابتة.

و في الختام أتمنى له من كل قلبي السداد و التوفيق و النجاح، و هو يتابع خطواته السديدة في هذا الدرب الطويل الشائك.

و الله الموفق و الهادي إلى سواء السبيل.

د. محمد أحمد الرويثي‏

صفر 1419 ه الموافق يونيو 1998 م‏

22

منطقة العصبة: أحد أهم المواضع التي سكنتها القبائل قبل الإسلام،

و يظهر مسجد التوبة (المعروف بمسجد النور) على طريق الهجرة النبوية الشريفة

23

فضيلة الشيخ‏

عبيد الله محمد أمين كردي‏

«(رحمه الله تعالى)»

بين يدي الكتاب‏

... الجهد متواصل، و العمل دؤوب، و الهمة هطالة، تدفع عجلة المسير، بشوق و إتقان ...، و بكل هذا يظهر الجزء الثالث، و الذي كنت أحسب أنه يتأخر في زمن ميلاده قليلا، و لكن المخاض أدركنا، فانفلقت بيضة هذا الجزء من أصل تسعة أجزاء، و مسبوق بجزأين، الأول في مجلدين، و الثاني يتيم في مجلد واحد، و هذا الثالث يحاكي الأول في مجلدين.

و موضوع الأجزاء كلها شريحة واحدة فقط من موسوعة متعلقات تاريخ هذا البلد الكريم، في عقوده العمرانية، و الطبيعية، و الفنية، و الاجتماعية، و الاقتصادية، و السياسية، و التربوية، و الدينية، و غيرها.

و كيف لا تكون لشريحة واحدة تسعة أجزاء و الحديث فيها إنما هو عن بلد كل ذرة رمل فيه هي تاريخ قائم بذاته.

هذه الشريحة هي السّمة العمرانية للمدينة المنورة، تحكي التطور العمراني منذ ما قبل الهجرة، و العمران دائما لكل مدينة أو دولة أو قوم إنما يشكل ثلث فعاليات أي مجموعة متكتلة من البشر بعد الغذاء و الاقتصاد، لقد خصص المؤلف هذا الجزء لمظاهر العمران الدفاعي و الحربي، و المنحصر في مسميات الآطام و الحصون و الأسوار و القلاع و الأبراج و البوابات الرئيسية.

فجاء على ذكر تفصيلي لأكثر من مائة و خمسين حصنا و أطما فيما قبل الهجرة، أما بعد ذلك فذكر تطور بناء الأسوار، بأسباب إنشائها، و ما خدمت به سكان هذا البلد الطيب، و ما حوته من أبراج هي نقاط حماية و دفاع مركزية على امتداد هذه الأسوار، كما تحدث بإطناب عن البوابات الرئيسية في هذه الأسوار و التي تمثل مخافر حراسة و رقابة للداخل و الخارج من المدينة المنورة، ثم لم يغفل القلاع و الأبراج المتناثرة المنفصلة عن الأسوار.

و لقد جاء في هذا الباب بما أحسبه فريدا في موضوعه، جمع فيه شتات ما تفرّق في عشرات الكتب و المراجع، بما يمكن أن أسميه- المغني لبلدة خير البرية، في تاريخ عمارتها العسكرية-.

أما المخططات و المساقط و الصور الفوتوغرافية و التوضيحية فقد أضفت على هذا الجزء من الإيضاح ما لا يحتاج معه إلى أي استيضاح. و ليس الآن لي ما يمكن أن أعلق عليه سوى أن أقول: دعوا هذا المركب يسير، و نكون مع المؤلف بالمسير دعما و تأييدا و إسهاما و من الله التيسير.

عبيد الله محمد أمين كردي‏

المدينة المنورة

24

مقدمة المؤلف‏

الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، و الصلاة و السلام على خير خلقه أجمعين، سيدنا محمد بن عبد الله و على آله و أصحابه و من والاه إلى يوم الدين.

أحمد الله على توفيقه و امتنانه، و أشكره على عظيم رعايته و إحسانه، فقد تم بعون الله و فضله إنجاز الجزء الثالث من كتاب «معالم المدينة المنورة بين العمارة و التاريخ».

و قد كنت أخرجت الجزء الأول تحت عنوان «المعالم الطبيعية» في مجلدين، و خصص الأول للجبال و الآخر للأودية و الحرات. و أخرجت الجزء الثاني تحت عنوان «معالم التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة» في مجلد واحد. و ها أنا اليوم أقدم الجزء الثالث تحت عنوان «تاريخ و عمارة الحصون و الآطام، الأسوار و الأبواب، و القلاع و الأبراج» في مجلدين اشتمل الأول على تاريخ و عمارة الحصون و الآطام، بينما اشتمل الثاني على تاريخ و عمارة الأسوار و الأبواب، القلاع و الأبراج.

و لو تأملنا صفحات المجلد الأول لوجدنا أن البنية العمرانية للمدينة المنورة «يثرب ما قبل الإسلام» من أهم المراحل التي كشفت النقاب عن مجموعة من التشكيلات العمرانية المحلية المتناثرة، و التي رسمت جملة الخصائص و السمات المعمارية للبنية العمرانية في ذلك الوقت.

و ما أن نقلب في صفحات تاريخ هذه المرحلة حتى تتسطر أمامنا و بكل وضوح «تاريخ و عمارة الآطام و الحصون» كإحدى العناصر المعمارية الهامة آنذاك، و قد كانت تلك الحصون و الآطام من عز أهل المدينة و منعتهم التي يفتخرون بها و يتحصنون فيها من عدوهم، كما لعبت دورا بارزا في عمارة يثرب مع ما أقيم بجوارها من دور و منازل بسيطة ظهرت لتلبي احتياجات و متطلبات السكان.

إن التعرف على جملة الآطام و الحصون التي بنيت في ذلك الوقت و تحديد مواقعها ضمن منازل تلك القبائل، تتطلب ضرورة التعرف على منازل تلك القبائل بدءا من القبائل العربية الأولى القادمة من اليمن و بقايا العماليق إلى من لحق بهم من القبائل غير العربية المهاجرة من بلاد الشام و ما تلاها من هجرة الأوس و الخزرج، و هذا ما قمت بدراسته بشكل مفصل و مرتب يسهل التعرف على منازل تلك القبائل و بطونها و ما ارتبط بها من حصون و آطام، ثم قدمت في نهاية هذا المجلد دراسة تفصيلية لأهم الحصون و الآطام التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم كحصن كعب بن الأشرف و أطم صرار و أطم الضحيان بالعصبة و غيرها.

أما المجلد الثاني فقد تحدثت فيه عن تاريخ و عمارة الأسوار و الأبواب و القلاع و الأبراج التي‏

25

حظيت باهتمام الكثير من المؤرخين و الرحالة، حتى إن بعضهم تناول وصف أدق التفاصيل عن مسيرة بنائها من أول عمارة لها على يد إسحاق بن محمد الجعدي سنة 263 ه/ 786- 877 م و حتى آخرها في عهد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1305 ه/ 1887 م إلى أن بدئت إزالتها في حوالي عام 1370 ه/ 1950 م و قد ساعدني في وصف أدق التفاصيل التي كانت عليها أسوار المدينة و قلاعها كثير ممن أدركت من كبار السن من أهل المدينة الذين عاصروا وجودها، فقمت بتدوين مشاهداتهم، و تسجيل ملاحظاتهم، و وصف ما أدركوه.

و اتبعت في هذا الجزء المنهج الوصفي التاريخي فقد تناولت كل معلم بشكل منفصل، و استقصيت قدر الإمكان ما ورد فيه من معلومات سواء من كتب التاريخ أو ما استنبط أصلا من الحوادث التاريخية أو ما وجد من تسجيل و وصف و مشاهدات لبعض الرحالة الذين قدموا إلى المدينة المنورة في فترات زمنية مختلفة، و رتبت دراسة كل معلم ترتيبا منطقيا فحددت موقعه من المصورات الجوية، و حدوده و ما يحيط به، ثم توجهت دراستي لهذه المعالم بوصف تفصيلي يغطي كافة جوانبها موضحا كل ذلك بالمخططات اللازمة، و وثقت الموجود منها بالصور و المخططات و المساقط الأفقية التي رفعتها للمعالم من واقع الطبيعة.

و قد انتهى هذا المجلد بذكر أهم الخصائص العمرانية و المعمارية لعمارة القلاع و الأبراج في المدينة المنورة آنذاك.

و ها أنا اليوم أضع هذا العمل بين يدي القارئ الكريم، و كل محب لطيبة الطيبة حتى يطلعوا على أهم المعالم الحضارية و الملامح العمرانية التي كانت تتمتع بها هذه المدينة الحبيبة عبر تاريخها الطويل.

و كلي أمل أن يجد القارئ الكريم نهمته في ثنايا هذا الكتاب، رجاء دعوة صالحة أحظى بها من محب صادق، و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم كعكي‏

صفر 1419 ه الموافق يونيو 1998 ه

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

1 الفصل الأول تاريخ و عمارة الحصون و الآطام‏

28

تاريخ و عمارة الحصون و الآطام‏

تمهيد:

إن التطور العمراني و التقدم الحضري للمدينة المنورة قد مرّ بمراحل عديدة يصعب التعرف عليها جملة واحدة إذ لا بد من الرجوع إلى تفاصيل تلك المراحل و التعرف عن قرب على أهم الخصائص و السمات التي ميزت كل مرحلة من مراحلها، و تعتبر مرحلة التطور العمراني للمدينة المنورة (يثرب) ما قبل الإسلام من أهم المراحل التي بدأ من خلالها ظهور بعض العناصر المعمارية الهامة، و التي كانت لها خصائصها و مميزاتها التي انفردت بها، و التي اعتبرت فيما بعد إحدى سمات و خصائص مرحلة التطور العمراني للمدينة المنورة قبل الإسلام.

و عند ما نقلب في صفحات تاريخ هذه المرحلة تتسطر أمامنا و بكل وضوح (تاريخ عمارة الآطام و الحصون) كإحدى العناصر المعمارية الهامة التي ظهرت في هذه المرحلة، و التي اعتبرت إحدى السمات الرئيسية و المميزة لمرحلة ما قبل الإسلام و بداية عصر النبوة على صاحبها أفضل الصلاة و السلام. (و قد كانت تلك الحصون و الآطام من عز أهل المدينة و منعتهم التي يفتخرون بها و يتحصنون فيها من عدوهم‏ (1)).

و قد كان لهذه الآطام و الحصون الدور البارز في عمارة يثرب آنذاك مع ما أقيم بجوارها من دور و منازل بسيطة ظهرت لتلبي احتياجات و متطلبات السكان.

و إذا كانت مكة المكرمة- شرفها الله- قد تمتعت بالاستقرار، و سادها جوّ من الهدوء و الطمأنينة، نتيجة لوحدة سكانها، و عملهم على هدف واحد، و تجمعهم حول غاية واحدة، ألا و هي رعاية الكعبة المشرفة، و خدمة الحجاج الذين يفدون إليها، فإن يثرب لم تحظ بهذا الاستقرار، و لم تعرف الهدوء

____________

(1) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- ص 14.

29

و الطمأنينة، نتيجة لاختلاف سكانها في الجنسية و العقيدة، فمنهم اليهود، و منهم العرب الذين لم يكن لهم هدف أو غاية مشتركة يحرصون عليها، (1) لذلك كان الصراع بين القبائل و البطون المختلفة من سكان يثرب هي السمة الظاهرة بينهم.

و قد كان لليهود دور بارز في إشعال هذه الصراعات، يصرفون جل وقتهم و مالهم في حياكة المؤامرات، و زرع الدسائس، و إيقاظ الفتن بين القبائل العربية، لإيقاعهم في الحروب و المشاكل، مما أدى إلى عدم الاستقرار و الأمان، و بالتالي كان شغل السكان الشاغل هو بناء و عمارة الآطام و الحصون للمحافظة على أنفسهم و أموالهم، و تسخيرها لخدمتهم و تلبية كافة متطلباتهم. و قد سطرت دائرة المعارف الإسلامية المترجمة الدور الكبير الذي لعبته هذه الآطام في حماية أهلها و سكانها فذكرت ما نصه: (و هذه الآطام من الظواهر المميزة لتلك المدينة التي كانت تبعث في نفوس ساكنيها طمأنينة لم تعهدها في غيرها من مدن العرب) (2).

و قد كان سكان يثرب قبل الهجرة النبوية الشريفة منقسمين إلى عدة قبائل و بطون عربية و يهودية (3)، و كل منطقة كانت تابعة لقبيلة أو بطن من البطون و قد انقسمت هذه المناطق بشكل عام إلى قسمين:

القسم الأول: و يشمل الأراضي الزراعية بمنازلها و سكانها.

القسم الثاني: و يشمل الأراضي الزراعية بآطامها و حصونها.

و قد كانت هذه الآطام ملكا للأسر و القبائل البارزة، و يعتبر رئيس الأسرة أو القبيلة هو صاحب السلطان في الأطم، كما كان يعتبر في أغلب الأحيان زعيما من زعماء القبائل‏ (4). و قد كانت بعض تلك البطون أو القبائل تملك أكثر من حصن أو أطم، و ذلك يتوقف على الوضع الاجتماعي لتلك البطون أو القبائل ضمن المجتمع العام للمدينة.

و قد كانت الآطام عظيمة الأهمية في يثرب فمنها ما كان مخصصا للأسر و الأفراد، و هي الآطام الخاصة، مثل أطم «عاصم» و حصن «واقم» و أطم «غزة» و أطم «القرط» و أطم «الضحيان»، و منها ما كان مخصصا لأفراد القبائل بشكل جماعي، و هي الآطام العامة، و التي كان يقيمها رؤساء القبائل مقابل بعض‏

____________

(1) «مكة و المدينة في الجاهلية و عصر الرسول»- أحمد إبراهيم الشريف- ص 341.

(2) «دائرة المعارف الإسلامية المترجمة»- ج 8/ ص 311، 312.

(3) «مكة و المدينة في الجاهلية و عصر الرسول»- أحمد إبراهيم الشريف- ص 317.

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 134.

30

الإتاوات التي يحصلون عليها من أفراد القبيلة غير القادرين على بناء آطام خاصة بهم، و ذلك مقابل توفير الحماية و الأمان لهم داخل آطامهم التي أقاموها على الهضاب و أحاطوا ساحاتها بالنخيل. و من أمثلة هذه الآطام: أطم «فاضجة» و أطم «بنو صرار» «و الريان» و أطم «بنو أنيف» بقباء.

- و قد انتشرت عمارة الآطام و الحصون في يثرب بشكل كبير لدرجة لا تكاد توجد في أي مدينة أخرى، فقد ذكر المؤرخون أنه كان لليهود وحدهم تسعة و خمسون أطما (1). و أن العرب لم يكونوا أقل منهم رغبة في بناء الآطام حتى لقد ذكروا أنه كان لبطن واحدة من بطونهم تسعة عشر أطما (2).

- و قد لعبت الآطام دورا هاما و مميزا في حياة سكان يثرب حتى بدأوا يؤرخون بها أحداثهم، فيقال عام إنشاء الأطم الفلاني، أو عام الواقعة الفلانية التي حدثت عند الأطم الفلاني‏ (3). قال المسعودي «و كان الأوس و الخزرج يؤرخون بناء الآطام لما تحاربوا عليها» (4). فهذا قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو بن سوار بن ظفر الأوسي يذكر الآطام و دورها في قصيدة له يذكر فيها يوم بعاث- و هو أحد الأيام المشهورة بين الأوس و الخزرج- و قد جاء فيها:

(فلو لا زري الآطام قد تعلمونه‏* * * و ترك الفضا ثوركم في الكواعب‏ (5))

- لقد كانت هذه الآطام و الحصون من مصادر الفخر و العز لأصحابها، فاختاروا لها الأسماء الرنانة التي تشعر بالقوة و التفاؤل، كأطم «النفاع» و «عاصم» و «الأبيض» و «فارع» و «الأغلب» و «المجد» و «الأنشف» و «الشبعان» و «النحال» و «مزاحم» و «المستظل» و «الريان» و «المزدلف» ... إلى غير ذلك من الآطام التي سنذكرها فيما بعد إن شاء الله.

- و قد امتدت شهرة بعض الآطام لتسمى المنطقة التي يقع فيها بإسمها، كمنطقة السنح، و واقم، و منطقة راتج، و قد يكون الاسم الواحد علما على أطميين كالمعرض و الريان و واسط و واقم‏ (6) .. إلى غير ذلك من الآطام الكثيرة التي لم تعرف أسماؤها أو أسماء أصحابها و التي كانت منتشرة بشكل كبير بين‏

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 116.

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 116.

(3) «شعر الحرب في الجاهلية عند الأوس و الخزرج»- الدكتور محمد الخطراوي- ص 52.

(4) «التنبيه و الإشراف»- المسعودي- ص 206، 207.

(5) «التنبيه و الإشراف»- المسعودي- ص 206.

(6) «آطام المدينة المنورة»/ بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الرياض- السيد عبيد مدني- ص 224.

31

مزارع و بساتين النخيل، و التي غطت أجزاء كبيرة من يثرب، و خاصة في منطقة العوالي منها.

- و قد كانت هذه الآطام مقصد الشعراء الذين يهتفون بها كلما استدعاهم تسجيل الأحداث و التنغم بصداها، فهذا يزيد بن عبيد بن بكر بن أشجع و المكنى بجبهاء الأشجعي الذي توفي في عهد بني أمية، و هو من الشعراء الذين غلبت ألقابهم على أسمائهم كالنابغة و الأخطل و الفرزدق‏ (1) يصف المدينة و مما قال:

قالت أنيسة دع بلادك و التمس‏* * * دارا بطيبة ربة الآطام‏

تكتب عيالك في العطاء و تفترض‏* * * و كذاك يفعل حازم الأقوام‏

- و لهذا البيت دلالة هامة جدا و هو وصف المدينة بربة الآطام، و هذا أهم ما يعنينا من البيتين، فالآطام خاصة من خصائصها في الجاهلية و بأعداد لا يضاهيها أي بلد آخر.

و قد عرفت الآطام قديما بمسميات مترادفة أخرى كالآجام و الصياصي و عند بعضهم بالحصون. فهذا رجل من بني يثرب يدعى أبو عبيل يرثي قومه عند ما داهمهم السيل فأهلكهم و مما قال:

غرسوا لينها بمجرى معين‏* * * ثم حفوا النخيل بالآجام‏ (2)

و قال ياقوت، قال أوس بن مغراء:

بث الجنود لهم في الأرض تقتلهم‏* * * ما بين بصرى إلى آطام نجران‏ (3)

و أشار السيد السمهودي إلى آطام بني زيد، و قد كانت تعرف بالصياصي فقال:

«و كان في رحبة بني زيد بن مالك بن عوف أربعة عشر أطما يقال لها:

الصياصي» (4).

و قال المرجاني و هو أحد مؤرخي المدينة في القرن الثامن الهجري، قال أبو سليمان في توضيح معنى الأطم: «هو بناء من الحجارة و مثله الآجام و الصياصي» (5).

____________

(1) «شعر الحرب في الجاهلية عند الأوس و الخزرج»- د. محمد الخطراوي- ص 52.

(2) «المدينة المنورة في التاريخ»- السيد عبد السلام حافظ- ص 28.

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 137.

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 137.

(5) «أطوم المدينة المنورة»/ بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الرياض- السيد عبيد مدني ص 213.

32

و يشير الجاحظ إلى أصل و مصدر هذه التسمية فيقول «و به سمي قرن الثور صيصة ثم سموا الآطام التي كانت بالمدينة للامتناع بها من الأعداء صياصي» (1).

و قد وردت كلمة الصياصي في القرآن الكريم عندما قص علينا الحق تبارك و تعالى أخبار غزوة بني النضير و بني قريظة، فقال عز من قائل في بني قريظة في سورة الأحزاب: «وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ» (2).

و قال تعالى في سورة الحشر في أخبار بني النضير: «وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ» (3).

و قد ذكر النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) الآطام في مناسبات شتى، أولها عند قدومه (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى المدينة في يوم الهجرة حينما نهى عن هدم آطام المدينة لأنها من زينة المدينة، فعن ابن عمر رضى اللّه عنهما قال: «نهى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) عن آطام المدينة أن تهدم» (4).

و في رواية قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة» (5).

و يروي لنا أبو إسحق في المناسك خبر زيد الخيل الذي دخل المسجد و النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يخطب فأسلم فسماه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) زيد الخير و بعد أن انصرف من المسجد قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): «أي رجل إن سلم من آطام المدينة» (6). و كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يقصد أنه يخشى على زيد بعد إسلامه من فتنة أهل الآطام الذين لم يسلموا إن علموا إسلامه.

كما أورد الطبري ما رواه ابن حميد «أن عائشة أم المؤمنين رضى اللّه عنها كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، و كان من أحرز حصون المدينة» (7).

كما روى أيضا «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أمر بالذراري و النساء أن ترفع إلى الآطام» (8).

و أورد الإمام أحمد بن حنبل بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: «كانت صفية رضى اللّه عنها في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق، و هو المسمى بفارع». فذكر الحديث في قتلها لليهودي و قولها لحسان انزل فاسلبه‏ (9).

____________

(1) «كتاب الحيوان»- الجاحظ- ج 2/ ص 234.

(2) سورة الأحزاب- آية 25.

(3) سورة الحشر- آية 2.

(4) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- ج 1/ ص 239، 240.

(5) رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 194، و البزار في كشف الأستار 2/ 54.

(6) «المناسك»- أبو اسحق- ص 380.

(7) «تاريخ الطبري»- لأبي جعفر الطبري- ج 2/ ص 95.

(8) «تاريخ الطبري»- لأبي جعفر الطبري- ج 2/ ص 93.

(9) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 3/ ص 302.

33

و قد ذكر الواقدي كلمة الصياصي بدلا من الآطام في مواقع كثيرة من كتابه المغازي، فقال عند حديثه عن غزوة بني النضير و إنذار الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لهم بالجلاء، عند ما أرادوا غدرهم برسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و ما استقر عليه رأي اليهود من حماية أنفسهم داخل حصونهم، و إغلاق أبوابهم، كيلا يستطيع محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يحاصرهم و هم داخل الحصون، و قد اعترض أحد ساداتهم و هو سلام بن مشكم على هذا الرأي و قال: (إنا إنما شرفنا على قومنا بأموالنا و فعالنا فإذا ذهبت أموالنا من أيدينا كنا كغيرنا من اليهود في الذلة و الإعدام، و إن محمدا إن سار إلينا فحاصرنا في هذه الصياصي يوما واحدا، ثم عرضنا عليه ما أرسل به إلينا لم يقبله و أبى علينا) (1).

كما أشار الواقدي إلى هذه الصياصي عند حديثه عن غزوة أحد عند ما أخبر أبو سفيان بخبر عمرو بن سالم و أصحابه بأنهم راحوا أمس ممسين إلى مكة فقال أبو سفيان: (أحلف بالله إنهم جاؤوا محمدا فأخبروه بمسيرنا و حذروه، و أخبروه بعددنا فهم الآن يلزمون صياصيهم) (2).

كما أورد الواقدي الصياصي في غزوة أحد عند ما طلب الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) المشورة فقال أبي: (يا رسول الله كنا نقاتل في الجاهلية فيها، أو نجعل النساء و الذراري في هذه الصياصي) (3).

فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) بعد أن رأى برأي أكابر الصحابة (امكثوا في المدينة و اجعلوا النساء و الذراري في الآطام فإن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقة فنحن أعلم بها منهم و ارموا من فوق الصياصي و الآطام فكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية) (4).

و بعد هذا الاستعراض العام نقول إذا ما هي هذه الآطام و ما هو تاريخها ...؟

____________

(1) «المغازي»- الواقدي- ج 1/ ص 369.

(2) «المغازي»- الواقدي- ج 1/ ص 369.

(3) «المغازي»- الواقدي- ج 1 ص/ 209.

(4) «المغازي»- الواقدي- ج 1/ ص 209، 210.

34

الآطام في اللغة:

الآطام هي: الآجام و الصياصي، و قيل: إنها الحصون التي كانت بالمدينة، و كل بناء مسطح فهو أجم أو أطم.

قال ابن منظور في لسان العرب: (الأطم: حصن مبني بالحجارة، و قيل:

هو كل بيت مربع مسلح، و قيل: الأطم مثل الأجم و يخفف و يثقل، و الجمع آطام و آجام.

قال الأعشى:

فلما أتت آطام جوّ و أهله‏* * * حنت فألقت رحلها بفنائها

و الكثير أطوم و هي حصون لأهل المدينة، قال أوس بن مغراء السعدي:

بث الجنود لهم في الأرض يقتلهم‏* * * ما بين بصرى إلى آطام نجران‏ (1)

و قال أبو منصور الثعالبي في فقه اللغة: (إذا كان البناء مسطحا فهو أطم و أجم) (2).

و بهذا قال ياقوت، قال ابن السكيت: «أجم حصن بناه أهل المدينة من الحجارة، أو قال: كل بيت مربع مسطح فهو أجم، قال امرؤ القيس:

و تيماء لم يترك بها جذع نخلة* * * و لا أطما إلا مشيدا بجندل‏ (3)

و قد ساوى الفيروزأبادي بين الأطم و الأجم و الحصن فقال في القاموس المحيط: (و الحصن بالكسر: كل موضع حصين لا يوصل إلى جوفه و جمعه حصون و أحصان و حصينة) (4). و قال: «الأطم و الأجم بمعنى واحد، و الجمع آطام و آجام و هي الحصون». قال ياقوت عند حديثه عن أطم الأضبط الذي بناه الأضبط بن قويريع بن عوف بن كعب الذي أغار على أهل صفاء، فلما انتصف منهم و ملكهم بنى بها أطما نسب إليه فقال في معنى الأطم و الأجم: «و الأطم و الأجم بمعنى واحد و الجمع آطام و آجام و هي الحصون، و أكثر ما يسمى بهذا الاسم حصون المدينة» (5).

و قال بعض رجالات اللغة: الأطم بضمتين هو القصر، و كل حصن مبني بالحجارة (6). و كل بيت مربع مسطح أطام و أطوم، و آطام مؤطمة كأجناد مجندة

____________

(1) «لسان العرب»- ابن منظور- ج 12/ 19.

(2) «فقه اللغة و سر العربية»- الثعالبي.

(3) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- ص 103.

(4) «القاموس المحيط»- الفيروزأبادي. ص 1389.

(5) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- ص 219.

(6) «القاموس المحيط»- الفيروزأبادي- ص 1390.

35

و الأجم بالفتح: كل بيت مربع مسطح، و بضمتين: الحصن. أجام: حصن بالمدينة (1).

قال الأستاذ عبد السلام هارون محقق و شارح كتاب الحيوان للجاحظ:

(الآطام: جمع أطم بضمة و بضمتين، و هو المقر أو الحصن المبني بالحجارة، أو كل بيت مربع مسطح) (2).

و قد ذهب المسعودي و غيره إلى أن الآطام هي الحصون و القصور، فقال في كتابه التنبيه و الإشراف: (الأوس و الخزرج ابنا حارثة تؤرخ بعام الآطام لما تحاربوا على الآطام، و هي الحصون و القصور، و ذهب الأصمعي في آخرين من أهل اللغة إلى أنها الدور المسطحة المسقوفة) (3).

و قيل: الأطم أو الحصن هو احتباس البطن، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (أطم): الهمزة و الطاء و الميم يدل على الحبس و الإحاطة بالشي‏ء (4).

و قال الأستاذ عبيد مدني: (و نحوها ما قاله ابن فارس صاحب لوامع النجوم و تهذيب شمس العلوم الذي قال: «بالضم و الآطام احتباس البطن، و بالكسر كل شي‏ء أحاط بشي‏ء فهو له إطار كإطار المنخل») (5).

و قيل: الأطم كل ما اتطم و ارتفع و اعتلا. قال الزمخشري: (أطوم، ما هو إلا أطم من آطام المدينة و هي حصونها. و يقال: آطام مؤطمة أي: مرتفعة) (6).

و قال ابن سيده و غيره: (الأطم حصن مبني. قال ابن الأعرابي: الأطوم القصور. و في حديث بلال أنه كان يؤذن على أطم؛ و الأطم بناء مرتفع و جمعه آطام. و في الحديث: حتى توارت بآطام المدينة يعني أبنيتها المرتفعة بالحصون) (7).

و قال د. إسرائيل و لفنسون: (فإن معناها بالعربية غير معناها بالعبرية، قال السهيلي في الروض الأنف: الأطم مأخوذ من ائتطم إذا ارتفع و علا .. إلى أن قال: أما العبرية فلفعل أطم معان شتى ذكر منها الأطم في السور أي الحائط الضخم. و على ذلك يمكننا أن نفترض أن اليهود أطلقوا على الحصن أطم لأنه كان في إمكانهم أن يغلقوا أبوابه و إن كانت له نوافذ تقفل من الخارج و تفتح من‏

____________

(1) «القاموس المحيط»- الفيروزأبادي- ص 1388.

(2) «الحيوان للجاحظ»- تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون- ج 1/ ص 73.

(3) «التنبيه و الإشراف»- المسعودي- ص 206.

(4) «فقه اللغة»- ابن فارس- ص 112.

(5) «بحث عن الأطوم في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود»- الأستاذ عبيد مدني- ص 215.

(6) «الزمخشري»- كتاب الهمزة- ص 7.

(7) «لسان العرب»- ابن منظور- 14/ ص 284.

36

الداخل) (1). و أشار الأستاذ عبيد مدني إلى أن كلمة أطم في السريانية تأتي بمعنى سد.

و يأتي الأستاذ المؤرخ عبد القدوس الأنصاري ليفرق بين الآطام و الحصون و ذلك حسب ما رآه من بقايا هذه الحصون و الآطام فيقول: (و الآطام و إن تكن من نوع الحصون بالمعنى العام إلا أن لها وضعا خاصا في طراز العمارة، فهي تشاد بالحجارة المختلفة الأحجام يوضع فيما بينها حشو الطين، و لها مساطب عالية تشرف على ما حولها و يتنزه من فوقها، أما الحصون فبناؤها بالحجارة الضخمة الهائلة المربعة لا حشو فيها، و قد تكون الآبار بداخلها. و هذا ما استنتجناه من واقع الحصون و الأطم العتيقة الشاخصة أطلالها اليوم) (2).

و يقصد الأستاذ عبد القدوس بالشاخصة أطلالها اليوم هي حصن «كعب ابن الأشرف»، و أطم «الضحيان»، و أطم «أبي دجانة» و «أطم صرار»، لأنه لا يوجد في المدينة غيرها واضحة المعالم في فترة تأليفه للكتاب، أما اليوم فلا يوجد سوى بعض أطلال حصن «كعب بن الأشرف» و أطم «صرار» فقط.

كما فرق السيد عبيد مدني بين الآطام و الحصون و أشار بأن الأطم أشمل و أكبر من الحصن و أن التعريفات اللغوية و الوصفية للآطام و الحصون هو ما يختص بمفهومها فقط .. إلى أن قال: (و يمتاز الأطم عن الحصن باشتماله على بيوت للسكنى و أنه شبيه بالقصر في سعته و ارتفاعه و تنوع مرافقه، و على هذا الأساس يمكن القول بأن للآطام ميزة ربما خاصة فهي تتغاير في تكوينها عن الحصون و عن القصور و عن المنازل، فقد أخذت من كل ذلك نصيبا فكانت مزيجا منها جميعا، و الأطم إذا بناء مبتكر فكل أطم حصن و ليس كل حصن أطما) (3).

و هنا أقول بأن ما جاء به كل من الأستاذ عبد القدوس الأنصاري و الأستاذ عبيد مدني صحيح إلى حد ما، فبدراستي لحصن «كعب بن الأشرف» الموجود في المدينة و الواضح المعالم، و الذي ستأتي دراسته و تفصيله فيما بعد إن شاء الله، و كذلك دراستي لأطم «الضحيان» و أطم «أبي دجانة» الذي أزيل مؤخرا و أطم «صرار» لوجدنا أن هناك فوارق كثيرة بين الأطم و الحصن و هذا لا يتنافى مع ما قاله رجال اللغة من قبل و خاصة من قال بأن الأطم هو الحصن لأن تعريفهم قد كان يختص بمفهومها اللغوي الشمولي فقط، أما نحن هنا فنهدف إلى المفهوم المعماري التفصيلي لكل من الأطم و الحصن.

____________

(1) «تاريخ اليهود في بلاد العرب و صدر الإسلام»- ص 117.

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- ص 64.

(3) «أطوم المدينة»- بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود- ص 219.

37

- و يمكننا هنا أن نقول و بشكل مجمل: إن الآطام بشكل عام تتفاوت في أحجامها و مساحاتها و عدد غرفها، فهناك الآطام الصغيرة التي لا تحتوي إلا على غرفة داخلية أو غرفتين، و هناك الآطام التي تحتوي على أكثر من عشر غرف، كما أن الآطام تبنى في الغالب من الحجار غير المنتظمة في الأجزاء السفلى من الأطم بينما ترتفع مبان من الطين أو الطوب اللبن في الأجزاء العليا. و تحتوي الآطام على بعض النوافذ التي تشرف إلى الخارج و لكنها صغيرة و مرتفعة، كما أن الآطام تأخذ الشكل الدائري في أغلب الأحيان مما يؤدي إلى قوة ترابط حوائط الأطم، و قد استخدم الطين كمادة لاصقة لأحجاره المختلفة الأحجام و التي جمعت من المناطق المجاورة للأطم.

- و تختلف عظمة و متانة و ضخامة هذه الآطام بعضها عن بعض فآطام رؤساء القبائل و الآطام العامة تظهر كبيرة ضخمة عالية تبنى على الهضاب و المرتفعات و تحيط بها بساتين و مزارع النخيل، و يظهر أطم «صرار» الموجود الآن بجوار قصر العريض كمثال على هذا النوع من الآطام. و يستخدم الأطم بشكل عام للحماية و السكنى في الوقت نفسه، و أما الآطام الخاصة و الصغيرة و المنتشرة داخل المدينة فهي التي تشغل النسبة الكبرى و هي آطام متجاورة تشكل تكوينات مختلفة تظهر بينها بعض الأزقة و الدروب الملتوية حول المزارع.

أما الحصن فهو بشكل عام أعظم من الأطم فالحصون كانت في أغلب الأحيان لزعماء القبائل و سادات القوم، يحتمون بها هم و أفراد قبائلهم و أسرهم، و تستخدم هذه الحصون في الغالب للحماية و التحصن من العدو، و لم تكن مخصصة للسكن بالمعنى المفهوم كما هو الحال بالنسبة للآطام، كما تشتمل الحصون في الغالب على آبار بداخلها للاستفادة من مياهها عند حدوث حصار خارجي للحصن و هو ما تم بالفعل عند حصار كعب بن الأشرف في حصنه بقباء، و قلما نجد هذه الظاهرة في الآطام إلا الكبيرة منها كأطم «صرار» و أطم «الضحيان» أما الآطام الصغيرة فكانت تشترك كل مجموعة منها حول بئر واحدة داخل المزارع و البساتين و تكون في الغالب خارج تلك الآطام. و تتميز الحصون بوجود مخارج و هي منافذ للهروب منه للنجاة عند تعرض القصر للخطر بينما لا يوجد هذا الأسلوب في الآطام.

و تمتاز الحصون عن الآطام بأنها بنيت بالحجارة شبه المنتظمة فقد استخدمت قطع الأحجار الكبيرة فبنيت الحوائط كالأبراج و بارتفاعات عالية يصعب الوصول إليها. و قد اعتمد في بناء هذه الحصون على الحجارة بذاتها دون استخدام مواد لاصقة من الطين شأنها في الآطام، و اعتمد على حجم و ثقل و وزن الأحجار في عملية التثبيت و استخدام الطين كمادة لاصقة في الحوائط

38

الداخلية لتوزيع الغرف و المرافق و أعالي الحوائط فقط. و لا تحتوي الحصون في الغالب على أية نوافذ أو شبابيك للخارج فجميع العناصر الداخلية تشرف على الفناء الداخلي للحصن فقط، و يلاحظ أن هذا الاسلوب في البناء قد اختلف في بناء حصون خيبر التي بنيت بالطين و اللبن، لأنها أستمدت حصانتها من أعالي الجبال التي بنيت عليها.

هذا بشكل عام و سيأتي الحديث بالتفصيل إن شاء الله عن إيضاح الفروق بين الحصن و الأطم بعد استعراض ما هو موجود من تلك الحصون و الآطام و تحليلها و تحديد مساقطها و بالتالي استنتاج أهم الأسس و المعايير التخطيطية و التصميمية لعمارة الآطام و الحصون في المدينة المنورة.

أول من بنى الحصون و الآطام في يثرب:

تجمع كثير من المصادر التاريخية على أن أول من نزل المدينة و سكنها هم العمالقة و هم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام) و هم الذين عمروها و اتخذوا بها الآطام و غرسوا بها النخيل و الزرع و اتخذوا بها الضياع، و سكن المدينة منهم بنو هف، و بنو مطويل، و كان ملكهم بالحجاز يسمى الأرقم بن أبي الأرقم‏ (1).

و قال السهيلي: (إن الذي اختط يثرب من العمالقة هو يثرب بن عبيد بن عوض بن عملاق فسميت باسمه، و يعتبر العمالقة هم أول من سكن المدينة و خططها). و قال ابن خلدون عن أميم أخي عملاق: (و يذكر أنه أول من بنى البنيان و اتخذ البيوت و الآطام من الحجارة و سقفوا بالخشب و كانت ديارهم فيما يقال أرض فارس) (2).

و قد انتشر هؤلاء العمالقة في شتى البلاد و الأمصار، قال ياقوت: (و كان أول من زرع بالمدينة و اتخذ بها النخيل و عمر بها الدور و الآطام و اتخذ فيها الضياع العماليق، و هم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح- (عليه السلام)-.

و قيل في نسبهم غير ذلك مما ذكر في هذا الكتاب، و نزلت اليهود بعدهم الحجاز و كانت العماليق ممن انبسط في البلاد فأخذوا ما بين البحرين و عمان و الحجاز كله إلى الشام و مصر فجبابرة الشام و فراعنة مصر منهم، و كان منهم في البحرين‏

____________

(1) «فتوح البلدان»- البلازري- ص 29/ الروض الأنف- السهلي- ج 2 ص 250/ الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ج 19 ص 94/ «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1 ص 156، 157/ أخبار مدينة الرسول- ابن النجار- ص 11/ فتح الباري- ابن حجر- ج 4 ص 81/ تاريخ العرب قبل نورة آل الشيخ- ص 26/ مع الرسول في المدينة المنورة- عبد العزيز تيم- ص 24 ... إلخ.

(2) «العبر»/ ج 1 ص 44 طبعة الحبابي/ 1355- 1936.

39

و عمان أمة يسمون جاسم، و كان ساكنو المدينة منهم بنو هف، و سعد بن هفان، و بنو مطرويل، و كان بنجد منهم بنو بريل بن راحل، و أهل تيماء و نواحيها، و كان ملك الحجاز الأرقم بن أبي الأرقم) (1).

و يشير الأستاذ عبد السلام حافظ إلى أن هؤلاء العمالقة قد انتشروا في جزيرة العرب و سكنوا الحجاز بما فيه مكة المكرمة و المدينة المنورة و ملكهم هو الأرقم و كان يقطن ما بين يثرب و تيماء (2).

و قال الدكتور صالح لمعي عند ذكر يثرب: (و نظرا لأن أقدم ذكر ليثرب ورد في كتابات المعنيين، تعذر على المؤرخين تحديد زمن إنشائها، إلا أن العديد من المؤرخين أفادوا بأن تلك المنطقة كان لها سكان عرب من العمالقة سكنوا بمنطقة إضم و التي تعرف اليوم «بالعيون»، و ذلك قبل هجرة القبائل العربية القادمة من اليمن بعد سيل العرم الأول عام 450 م أو قبل نزوح اليهود إلى هذه المنطقة بعد عام 70 م) (3).

ثم سكن المدينة بعد العمالقة مجموعة من القبائل كأهل الهتمة (و لعلهم التهاميون) و منهم بنو مزيد أو مرثد، و حي من بلي و لعلهم كإخوانهم بني أنيف تلك القبائل التي بقيت من العماليق، و منهم بنو معاوية، و بنو الحارثة، كما كانت هناك بعض القبائل اليمنية التي وفدت إلى المدينة قبل نزول الأوس و الخزرج كبني الجزمار (4)، و بني الشظية (5)، و بني غاضبة (6). و قد أفادنا السيد السمهودي بأنه قد اطلع على كثير من أسمائهم في كتاب ابن زبالة الذي لم يصلنا و لم ير حاجة إلى نقلها في كتابه‏ (7).

و يذكر لنا ابن النجار أن تلك القبائل كان لها ثلاثة عشر أطما، و قد فسر قلة عدد هذه الآطام بقوله: (و الأطم بناء حصين مرتفع يضم عددا من العائلات و لا يعني هذا العدد القليل أن القبائل العربية كانت قليلة ذلك أن معظم تلك القبائل كانت تسكن المنازل) (8).

و قد أشارت معظم المصادر التاريخية (9) إلى أن اليهود قد نزلوا في يثرب،

____________

(1) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- ج 5/ ص 84.

(2) «المدينة المنورة في التاريخ»- عبد السلام حافظ- ص 28.

(3) «المدينة المنورة تطورها العمراني و تراثها المعماري»- د. صالح إبراهيم لمعي- ص 10.

(4) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- ص 14.

(5) «المفصل»- جواد علي- ج 6/ ص 519.

(6) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 163.

(7) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 156.

(8) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- ص 14.

(9) «التاريخ الشامل للمدينة المنورة»- د. عبد الباسط بدر- ج 1/ ص 58.

40

و قد كانت تلك القبائل العربية موجودة و ساكنة في المدينة، و قد تمثل هؤلاء اليهود في قبائلهم الثلاثة الرئيسية و هم بنو قريظة، و بنو النضير، و بنو قينقاع، و هذه القبائل هي أول من نزل المدينة من القبائل اليهودية، ثم تلاهم قبائل أخرى، حيث كان أول منزل لهم في موضع الغابة (قريبا من يثرب) فوجدوها و بيئة، فكرهوا الإقامة فيها، و بعثوا رائدا يلتمس لهم منزلا أفضل، فاختار لهم منطقة العالية حيث الأرض الخصبة يرويها وادي «بطحان» و وادي «مهزور»، فنزلت بنو النضير على بطحان، و نزلت بنو قريظة على مهزور، و اختارت قينقاع موضعها في الوسط (1) ثم تمددوا و انتشروا على شكل قوس يشغل أخصب بقاع المنطقة و هكذا و لأول مرة استوطن اليهود يثرب التي كانت تفيض بالنعم و الخيرات و الأشجار و المزروعات.

و قد ذكر المؤرخون كثيرا من الروايات في سبب نزول اليهود بيثرب و لا أرى داعيا هنا إلى ذكرها. ثم انتشر اليهود في يثرب و بدأوا يسيطرون على المجتمع المدني اقتصاديا و سياسيا و فكريا و يخضعون القبائل العربية الموجودة لطاعتهم و العيش تحت سيطرتهم‏ (2).

ثم يذكر المؤرخون‏ (3) قصة خروج الأوس و الخزرج من ديارهم و نزولهم بالمدينة، و قد اختلفوا في تاريخ خروجهم، فقيل إنهم خرجوا قبل سيل العرم و خراب سد مأرب، و قيل: بعده مباشرة، و يقدر بعضهم أن خروجهم كان في أواخر القرن الرابع الميلادي. و في هذه الأثناء كان المجتمع اليثربي في المدينة مقتصرا على القبائل العربية و ما نزل عليهم من القبائل اليهودية مؤخرا.

و تعتبر هجرة الأوس و الخزرج إلى يثرب من أهم الأحداث و أكبرها في تاريخ يثرب؛ لأنها كانت بداية للقضاء على اليهود في المدينة.

و يوضح لنا د. عبد الباسط بدر قصة وصول هاتين القبيلتين فيقول‏ (4):

(وصلت القبيلتان اليمنيتان إلى موقع يثرب فأعجبها ما رأتاه من أراض خصبة و ينابيع و أشجار و نخل و زرع كريم، و كانت المنطقة شاسعة لا تضيق بالقادمين الجدد، و يبدو أن حاجة اليثربيين «عربا أو يهودا» آنذاك إلى مزيد من الأيدي العاملة لاستثمار الأراضي جعلتهم يقبلون حلول الأوس و الخزرج على أطراف مزارعهم، و جعلت الأوس و الخزرج يقبلون العمل عند اليثربيين بالشروط التي تعرض عليهم، و عاشوا ردحا من الزمن في جهد و ضيق من العيش ليسوا

____________

(1) «المفصل»- جواد علي- ج 6/ ص 519.

(2) «المجتمع المدني في عصر النبوة»- د. العمري- ص 59.

(3) «التاريخ الشامل للمدينة المنورة»- د. عبد الباسط بدر- ص 59.

(4) «التاريخ الشامل للمدينة المنورة»- د. عبد الباسط بدر- ص 59.

41

أصحاب زرع و نخل و ليس للرجل منهم إلا الأجر الذي يأخذه).

ثم بدأ الأوس و الخزرج بعد ذلك في إقامة مزارع محدودة و صغيرة في أول الأمر في الأراضي الجرداء، و ما لبثت أن اتسعت هذه المزارع، و صار فيها شي‏ء من النخل و كانت أعدادهم تتزايد مع الهجرات الخارجية المستمرة من اليمن، و أخذ القدماء يستضيفون الجدد و يستفيدون منهم في توسعة مزارعهم. و مع تزايد أعداد الأوس و الخزرج و اتساع مزارعهم بدأ وضعهم الاقتصادي يتحسن، فيبيعون و يشترون حتى تكاثروا و أثروا و استوطن الأوس و الخزرج و عقدوا مع جيرانهم من اليهود عقود حلف و جوار و عدم اعتداء (1).

ثم اتسعت الرقعة الزراعية التي ملكها الأوس و الخزرج، فبدؤا يتركون العمل مع اليهود و لجأوا للعمل لدى بني جنسهم من العرب، فخاف اليهود غلبتهم و سيطرتهم على المدينة، فنكثوا العهود و بدؤوا في التخطيط لإيقاع الفتن و المشاكل بينهم، لتفريق كلمتهم، و تفتيت شملهم، خشية أن يكوّنوا في يوم من الأيام قوة تنافسهم و تستلم زمام السيادة و الرياسة من أيديهم، فكانوا السبب في إيقاع الحروب بين الأوس و الخزرج، و التي بدأت بحرب «سمير» و انتهت بحرب «بعاث» قبل الهجرة النبوية الشريفة بخمس سنوات، و ما بين هذين الحربين حدثت أكثر من عشرة حروب كان لليهود الدور البارز في إشعالها.

و قد كانت قصة القضاء على اليهود قد بدأت بقيام أبي جديلة من الشام، و لحقه تبع الأصغر ابن حسان من اليمن لمساعدته في القضاء على اليهود في المدينة، و تروي لنا كتب التاريخ الكثير عن هذه القصة و كيف تم القضاء على زعماء و سادات و كبراء اليهود في المدينة، و التي تمثلت في استدراجهم خارج المدينة بحجة دعوتهم للحصول على هدايا الملك و أعد لهم الطعام فأدخلهم داخل الخيام و قضى عليهم. و بهذه الحادثة نعم الأوس و الخزرج بقبائلهم المتعددة في المقام و اتخذ بعضهم السكن في وادي «بطحان» و «الحرة الغربية»، و سكن البعض الآخر في «الحرة الشرقية» و عمروها، و صارت لهم فيها آطام كثيرة و أشهرها «أطم» واقم الذي قال فيه شاعرهم:

نحن بنينا واقما بالحرة* * * بلازب الطين و بالأصرة (2)

و ظلت اليهود بعد تلك الحادثة أقلية يائسة تنتقل من مكان إلى مكان داخل يثرب للبحث عن الأمن و الأمان و حماية أنفسهم من العرب حتى تم جلاؤهم‏

____________

(1) «المدينة المنورة في التاريخ»- السيد عبد السلام حافظ- ص 29.

(2) «المدينة المنورة في التاريخ»- السيد عبد السلام حافظ- ص 30.

42

من المدينة بعد نقضهم العهود و المواثيق التي أقاموها مع الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم).

و مما سبق يتضح لنا أن أول من أقام الآطام في المدينة هم العماليق، ثم تبعهم القبائل المتفرقة و بقايا العماليق، و أن الآطام كانت معروفة و موجودة قبل نزول اليهود إلى المدينة، و قد عزا بعض الإخباريين إنشاء الآطام في يثرب إلى اليهود و أنهم هم أول من جلب فكرتها إلى يثرب من بلاد الشام، مع أن الدلائل الأخرى و ما جاءت به المصادر التاريخية الكبيرة تؤكد بدون أدنى شك بأن العمالقة العرب هم أول من جاء بفكرة الآطام و الحصون، ثم تلاهم في إقامتها القبائل العربية التي جاءت إلى يثرب من اليمن، و منهم من بقي من سلالة العماليق و الذين قاموا بعمارة الآطام و زراعة النخيل، و إقامة البساتين و المزارع.

أما ما أشار إليه بعض المؤرخين من أن اليهود كانوا أهل تجربة و خبرة في مجال الزراعة و بالتالي فهم أصحاب الفضل في تحسين و تطوير الزراعة فيها و لا سيما النخيل فهذا مبالغ فيه، فليس لليهود خبرات زراعية، أو تجارب تفوق تجارب القبائل العربية التي كانت في يثرب. لأن يثرب منذ القدم مدينة الزراعة و النخيل و كانت الزراعة هي المهنة الرئيسية لسكانها لا يضاهيهم فيها أحد، و لا خبرة تعلو خبراتهم.

و فيما يلي سنناقش بعض أقوال المؤرخين الذين يعزون إنشاء الآطام في يثرب إلى اليهود، لنحاول أن نثبت من خلالها أن الآطام ليست فكرة اليهود و ليسوا هم أول من أدخل فكرتها إلى يثرب أو أقام بنيانها.

إن العبارات التي تناقلها المؤرخون في هذا الموضوع و التي أشاروا من خلالها إلى أن فكرة بناء الآطام هي فكرة لليهود هي عبارات محدودة و هي كما يلي:

- (إن اليهود نقلوا من الشام إلى يثرب فكرة بناء الآطام حيث بلغ عددها في يثرب تسعة و خمسين أطما، كما حملوا معهم خبراتهم الزراعية و الصناعية التي كان لها أثر في ازدهار بساتين يثرب حيث النخيل و الأعناب و الرمان و بعض الحبوب) (1).

- (فكانت هذه القبائل من بني إسرائيل و الأحياء الذين ذكروا معهم قد اتخذوا بالمدينة الآطام) (2).

____________

(1) «المجتمع المدني في عصر النبوة»- د. العمري- ص 59/ المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة- د. السامرائي- ص 19/ وفاء الوفاء- السيد السمهودي- ج 1 ص 116.

(2) «انظر الأعلاف النفيسة»- ابن رستة- ص 22.

43

- (فنزلوا (أي اليهود) بالعالية على واديين يقال لهما «مذينب» و «مهزور» و نزلت بنو النضير على «مذينب» و اتخذوا عليه الأموال، و نزل بنو قريظة و هذل على «مهزور» و اتخذوا عليه الأموال، و كانوا أول من احتفر بها الآبار و اغترس، و ابتنوا الآطام و المنازل) (1).

- (و كان أول من احتفر بها الآبار و غرس الأموال) و قال أيضا: (نزلت عليهم بعض قبائل العرب و كانوا معهم و اتخذوا الأموال و ابتنوا الآطام و المنازل) (2).

و من الروايات السابقة يتضح أنها تدور حول نقطتين هامتين أولاهما أن اليهود هم أساس فكرة جلب الآطام إلى يثرب، و ثانيتهما: أن اليهود حملوا خبراتهم الزراعية و أثروا بها بساتين يثرب.

و لتفنيد تلك المزاعم و إظهار ما يؤكد بطلاتها نقول:

سبق و أن أشرنا إلى أن المصادر التاريخية تؤكد على أن اليهود حين وصلوا إلى يثرب لم تكن خالية من السكان بل كانت القبائل العربية موجودة قبلهم على هذه الأرض، و كان لهم آنذاك ثلاثة عشر أطما (3) كما قال المؤرخون، و أن هذا العدد القليل ليس دليلا على قلة القبائل العربية لأن كل أطم من تلك الآطام كانت تحتوي على عدة أسر بالإضافة إلى الكثير من القبائل التي كانت تسكن المنازل‏ (4). لكن اليهود ما أن وصلوا إلى يثرب وجدوا فكرة الآطام قائمة و رأوا أنها تناسب وضعهم كأناس متشردين يطلبون الأمان فأسرعوا في بناء الأطام و بشكل فاق أعداد ما أقامه العرب من تلك الآطام، و ذلك لكونهم غرباء عن المنطقة و ما زالت في نفوسهم آثار الغزوات المريعة التي تعرضوا لها في فلسطين، فكان هذا دافعا لبناء المزيد من تلك الآطام، حتى أشار بعض المؤرخين إلى أنها وصلت إلى تسعة و خمسين أطما مع أنهم كانوا نيفا و عشرين قبيلة فقط (5).

و ما إن أمن اليهود على أنفسهم داخل آطامهم و حصونهم، حتى بدأوا على الفور بالعمل ليل نهار لكسب و تحصيل المال، و بالتالي القبض على زمام الوضع الاقتصادي في يثرب، و هذا من طبيعة اليهود في كل مكان نزلوا فيه. قال الدكتور عفيف طبارة: (ليس في تاريخ البشرية أمة اشتهرت بحب المال و السعي إلى جمعه كما اشتهر به اليهود فقد سلكوا في ذلك كل الطرق المشروعة و غير

____________

(1) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- ص 12، 13، 14.

(2) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- ص 38.

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 160.

(4) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- ص 14.

(5) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 160.

44

المشروعة حتى ما كان بعيدا عن المروءة) (1).

كما أن اليهود من طبيعتهم الجبن و الغدر فهم لا يأمنون إلى بعضهم البعض قال تعالى: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ .. الآية» (2).

و قال تعالى: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى» (3)، و قد نجح اليهود بالفعل، فأصبح زمام يثرب السياسي و الاقتصادي في أيديهم مستغلين بذلك أوضاعهم المادية التي جمعوها و الأراضي التي امتلكوها و الآطام التي أقاموها. و ما إن شعر اليهود بأن قبائل الأوس و الخزرج التي نزلت يثرب قد بدأ يشتد ساعدها و تقوى شوكتها حتى زرعوا الحقد بين القبيلتين و أوغروا صدور بعضهم على بعض، فدبت الحروب بينهم، و أخذ اليهود يتاجرون بالسلاح فيبيعون للطرفين و هم يشعرون بالسعادة حين يرون هلاك الآخرين‏ (4)، و بدأ اليهود يتداخلون مع العرب و يتحالفون معهم، حتى تسموا بأسمائهم و أطلقوا مسمياتهم على أودية و أماكن مختلفة في يثرب. و يشير السيد الشريف‏ (5) إلى أن الأسماء التي يحملها اليهود قبائل أو أفرادا لا يمكن أن يعتد بها أو يعتمد عليها سواء كانت هذه الأسماء عربية أو عبرية فمنهم من تسمّوا بأسماء عربية، و أسماء أبائهم عبرية، مثل عبد الله بن صوريا، و كنانة بن صوريا، و وهب بن يهودا، و زيد بن اللعيت، و الزبير بن أباطا ...، و هناك أسماء عبرية و أسماء آبائهم عربية مثل: شمويل بن زيد، و كروم بن قيس، و يشير السيد الشريف بعد ذلك إلى قول إسرائيل، و لفنسون، إلى أن آثار اللغة العبرية قد سيطر على بعض الأماكن التي نزلها اليهود مثل وادي «بطحان» فإن معناها بالعبرية الاعتماد و وادي «مهزور» و معناها مجرى الماء (6)، و كذلك لفظ «أريس» عين الفلاح و بئر «روما» و معناها البئر العالية (7).

و بعد هذا الاستعراض السريع لوضع اليهود في المدينة و أسلوبهم الذي اتبعوه في السيطرة على المجتمعات التي يعيشون معها؛ فهل يمكن لشعب كهذا و بهذه الخصال أن يكونوا أصحاب ابتكار و خاصة في مثل تلك الظروف التي كانوا يعيشون فيها. كما أن ما أشار إليه ياقوت بقوله: (و كان أول من زرع‏

____________

(1) «اليهود في القرآن»- د. عفيف طبارة- ص 32.

(2) سورة آل عمران- الآية 112.

(3) سورة الحشر- الآية 14.

(4) «التاريخ الإسلامي قبل البعثة و السيرة»- محمود شاكر- ص 156.

(5) «مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول»- الشريف- ص 320، 321.

(6) «مكة و المدينة في الجاهلية و عهد الرسول»- الشريف- ص 320، 321.

(7) «تاريخ اليهود في بلاد العرب»- و لفنسون- ص 17.

45

بالمدينة و اتخذ بها النخيل و عمر بها الدور و الآطام و اتخذ بها الضياع العماليق) (1) دليل واضح على أن فكرة إنشاء الآطام كانت متركزة عند العماليق في المدينة و هم السابقون لإقامة هذا النوع من المباني، و أن تلك الروايات التي طالعتنا و التي عزت إنشاء الآطام في يثرب إلى اليهود تحتاج إلى بعض الإيضاح و التمحيص.

قال أبو علي أحمد بن عمر المعروف بابن رستة- و كان يعيش في سنة 290 ه- في خبر طويل عن قدوم اليهود للمدينة: (فنزلوا العالية على واديين يقال لهما «مذينب»، و «مهزور» نزلت بنو النضير «مذينب»، و نزلت بنو قريظة و هذل على «مهزور»، و اتخذوا عليه الأموال، و كانوا أول من احتفر بها الآبار و اغترس الأموال) (2).

و قد نقل السيد السمهودي الخبر الذي ذكره ابن رستة أعلاه عن رواة آخرين مقيدا في نطاق محدود فهو يقول: (فكانوا أول من احتفر بها أي العالية) (3) فحصر الأولية هنا «بالعالية»، و العالية: هي إحدى جهات المدينة التي كان بنو قريظة نازلين عندها، و من هنا ذهبت الرواية تتشعب و تنحرف لتخرج المفهوم عن مضمونه و ذلك في إعادة ضمير (فيها) إلى «المدينة» مع أنه عائد إلى «العالية» و الضمير في مثل هذه الحالة يعود إلى أقرب مذكور، هو العالية، فظنوا أن اليهود هم أول من زرع و احتفر في المدينة، بينما المراد «العالية» وحدها لا المدينة كلها.

و هنا أيضا لا بدّ من تبيان أن ما تطالعنا به بعض كتب المؤرخين المتأخرين عن ابن رستة بإضافة كلمة الآطام إلى النص السابق هو محضّ تزيّد و افتئات على الحقيقة إذ لا يحتوي عليها النص التاريخي الأول و هو نص ابن رستة الذي يعتبر المرجع الأول لمصدر هذا الخبر.

قال د. محمد الخطراوي: (و لئن كان كثير من الإخباريين يعزون إنشاء الآطام بيثرب إلى اليهود فإن الدلائل الأخرى تشير إلى أنها كانت من إنشاء الأوس و الخزرج نقلوها معهم من اليمن بعد أن طوروا فيها و وسعوا أغراضها فقد كان في اليمن- موطنهم الأول- منشآت مماثلة للآطام.

و هذا يفسر ما يماثلها إلى حد بعيد عند اللخميين في «الحيرة» و هم قوم من اليمن أيضا، و لم توجد في بني عمومتهم الغساسنة في الشام لاتصالهم‏

____________

(1) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- ج 5/ ص 84.

(2) «الأعلاف النفيسة»- ابن رستة- ص 61.

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- ج 1/ ص 113.

46

بالحضارة البيزنطية التي لم تعهد فيها هذه الأنماط من البناء، و لكن أبا جبيلة الثاني كان يعرف قيمة الآطام الحربية حينما خف لنصرة أبناء عمومته من الأوس و الخزرج، فلم يجاهر اليهود بالحرب و إنما داورهم و خادعهم حتى يأمن عدم احتمائهم بتلك الحصون و الآطام، فيطول مكثه و حصاره لهم دون جدوى، و هذا الرأي لمن نسب إنشاء الآطام للأوس و الخزرج يؤيده أن الحصن في العبرية لم يكن يسمى أطما و إنما كان يسمى خيبرا) (1).

و يناقش الأستاذ محمد شراب العبارة التي ذكرتها المصادر المختلفة في كتب التاريخ و التي تشير إلى أنهم أي العرب أخذوا من اليهود فكرة بناء الآطام فيقول:

(أما أنهم أخذوا من اليهود فكرة بناء الآطام فهو باطل أيضا، لأن اليهود ليسوا بأرقى حضارة من أهل اليمن الذين ينتمي الأوس و الخزرج إليهم، و تاريخ اليمن حافل ببناء القصور و الحصون و القلاع، و لا زال بناء سد مأرب ماثلا للعيان بعد مرور عشرات القرون، و كانوا يعرفون الآطام بلفظها قال الشاعر:

بث الجنود لهم في الأرض يقتلهم‏* * * ما بين بصرى إلى آطام نجران‏

كما ذكر المؤرخون حصنا باليمن يعرف بأطم «الأضبط»، كان قد أغار على أهل صنعاء، و بنى بها أطما فقال و (بنيت أطما في بلادهم لأثبت التقهير بالغصب) (2).

و للدكتور صالح لمعي ما يؤكد ما سبق حيث يشير إلى أن اليهود قاموا بفلاحة الأرض، و تجميع المباني المنتشرة هادفين إلى تكوين تجمعات حول الحصون إلا أنه من الثابت وجود هذا النظام الدفاعي في المنطقة من قبل على نمط الحصون اليمنية (3).

كما يشير الأستاذ علي حافظ إلى ما نقله ابن زبالة من أنه كان مع اليهود في يثرب قبل الأنصار «بني هيف» حي من «بلي»، و يقال: بقية من العمالقة أيضا و قالوا: إنه كان لبني هيف في قباء أموال، و آطام منها البلاد القائمة المعروفة بهذا الاسم إلى يومنا هذا (4)، و يتضح من نص ابن زبالة أن بني هيف قد سبقوا اليهود في بناء تلك الآطام في قباء و قبل وصولهم أصلا إلى يثرب. أما قول بعض المؤرخين: (بأن هذه القبائل من بني إسرائيل و الأحياء الذين ذكروا معهم قد اتخذوا بالمدينة الآطام) و إن كان هذا المعنى قد يبدو صريحا باتخاذهم الآطام فليس هذا خاصا باليهود بل تشاركهم في ذلك الأحياء العربية الأخرى و لا يدل‏

____________

(1) «شعر الحرب في الجاهلية عند الأوس و الخزرج»- د. محمد الخطراوي- ص 52.

(2) «أصول تاريخ العرب الإسلامي»- محمد محمد حسن شراب- ص 128، 129، 130.

(3) «المدينة المنورة تطورها العمراني و تراثها المعماري»- صالح إبراهيم لمعي- ص 10.

(4) «فصول من تاريخ المدينة المنورة»- السيد علي حافظ- ص 14.

47

هذا على أنهم هم السابقون إليها.

و يشير الأستاذ عبيد مدني إلى تشعب هذا الوهم فيقول: (و سارت دائرة المعارف الإسلامية المترجمة مع هذا الوهم، و ألقت التبعة فيه على كتاب العرب دون تمحيص و لا تعيين الذين أولوه و لا كيف أكدوه، و علقت عليه بملاحظة مرتبكة الأداء فقالت: «و لو لا توكيد كتاب أخبار العرب أن هذه العمائر من إنشاء اليهود لذهبنا إلى أنها بنيت على غرار المنشآت المماثلة في اليمن و قد أدخلها المهاجرون إلى يثرب») (1).

أما المؤرخ إسرائيل و لفنسون فقد أشار إلى فكرة إقامة الحصون و الآطام في شمال الجزيرة العربية على قمم الجبال، و لم يجزم، و لكنه رجح بأن تكون مما أتى به اليهود لأنهم كانوا يبنون الحصون و الآطام على قمم الجبال‏ (2). و هذا سبب لا يكفي لدعم الترجيح، ثم إن انطباق ما قاله و لفنسون عن مواقع بعض الآطام في أماكن من المنطقة الشمالية من أنها أقيمت على قمم الجبال لا ينطبق ذلك على آطام المدينة التي تقع في السهول و أطراف الحرار و الهضاب.

كما أن تاريخ الجزيرة العربية معروف و مكتوب كتبه العرب و غير العرب و فيه ما يشير إلى أن الآطام كانت موجودة في جهات لم يصلها اليهود، و بعض الجهات وصلها اليهود و الآطام قائمة بها، فالمدينة لم تنفرد بوجود الآطام فيها بل كان في اليمامة و كان في خيبر و تيماء و الطائف و كان في صنعاء و نجران‏ (3) و لكن اشتهرت المدينة بها لكون الآطام فيها موغلة في القدم امتدت إلى عصر العمالقة و أن أعدادها أصبح كبيرا لدرجة لا يضاهيها بلد آخر.

و بعد أن ناقشنا و أثبتنا بأقوال المؤرخين أن العرب العمالقة هم أول من بنى الآطام و لم يكن لليهود في هذا المجال شي‏ء سوى الاقتباس مما هو موجود، فإن الجانب الثاني الذي أحب مناقشته قولهم: إن اليهود قد جلبوا خبراتهم الزراعية و الصناعية. و هذا غير صحيح لأن اليهود عند ما وصلوا إلى المدينة كانوا عالة على سكانها ينشدون الأمن في حصونهم‏ (4) و يطلبون الراحة بين أكنافهم، و العرب الوافدون من اليمن، سواء القبائل السابقة قبل نزول اليهود، أو قبائل الأوس و الخزرج كانت لهم خبرات كبيرة، فهم قادمون من أرض‏

____________

(1) «أطوم المدينة المنورة (بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود)»- الأستاذ عبيد مدني- ص 222.

(2) «تاريخ اليهود في بلاد العرب»- إسرائيل و لفنسون- ص 116، 117.

(3) «أطوم المدينة المنورة (بحث في مجلة كلية الآداب بجامعة الملك سعود)»- الأستاذ عبيد مدني- ص 222، 223.

(4) «الرسول في المدينة»- د. عبد العزيز غنيم- ص 24.

48

الجنتين‏ (1) اللتين أنعم الله عليهم بهما، و هاتان الجنتان في أرض اليمن موطن العرب الأصلي في ديار «سد مأرب»، و قد نقل هؤلاء العرب تلك الخبرات و أضافوا إليها خبرات من سبقهم من العمالقة. و قد كانت اليمن آنذاك أرض خصبة تغطيها الأشجار المثمرة (2) و صدق جل من قائل: «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ» الآية (3).

و بعد هذا الاستعراض نقول: لا يمكن لليهود و هذا حالهم أن يحملوا حضارة تؤثر في الآخرين، و أن ما وجد عند اليهود في المدينة من خبرات زراعية أو صناعية أو عمارة آطام أو مبان إنما اقتبسوه من العرب سكان يثرب آنذاك.

عمارة الحصون و الآطام في يثرب:

يعتبر العمالقة هم أول من أدخل فكرة الآطام و الحصون إلى يثرب، فكانوا أول من بناها و شيدها، و زرعوا النخيل، و حفروا الآبار، ثم تلاهم بعض القبائل العربية التي نقلت من اليمن بعض الأفكار الجديدة فأدخلت على عمارة الآطام و الحصون بعض الإضافات التي أدت إلى تطورها مما جعل لعمارة آطام و حصون يثرب طابعها الخاص الذي انفردت به عن عمارتها في أي مكان آخر.

و قد انتشرت عمارة الآطام و الحصون من يثرب إلى المدن و البلاد المجاورة كمكة المكرمة، و الطائف، و خيبر، و كثير من القرى و الهجر المجاورة، و يشير الدكتور محمد الخطراوي‏ (4) إلى انتشار عمارة الآطام من يثرب إلى مكة المكرمة و الطائف فيقول: (ثم أخذت مكة المكرمة هذا الطابع- إقامة الآطام- من أختها يثرب أيضا و أول من ربع بيتا بمكة هو حميد بن زهير، و قد كانت قريش قبله تبني البيوت المستديرة و تسميها الآجام و مفردها أجم، و ذلك كراهية منها أن تضاهي بناء البيت بالتربيع، و كانوا يخافون العقوبة في ذلك و لا يتجرؤون عليه. و لذلك كانوا كلما مروا بحميد و هو يبني بيته بلغ منهم العجب مبلغه كيف لم يسقط عليه كسفا من السماء، أو يأتيه عذاب أليم. و ارتجز شاعرهم:

اليوم يبني بيته‏* * * إما حياته و إما موته‏

فلما لم تصبه عقوبة و لم يحل به عذاب كما كانوا يتوقعون، ربّعوا بيوتهم‏

____________

(1) «في أصول تاريخ العرب الإسلامي»- محمد شراب- ص 128، 129، 130.

(2) «المدينة المنورة في التاريخ»- عبد السلام حافظ- ص 29.

(3) سورة سبأ: آية 15، 16.

(4) «شعر العرب في الجاهلية عند الأوس و الخزرج»- د. محمد الخطراوي- ص 50، 51، 52.

49

و فصلوا بين هندسة بيوتهم و الأوهام).

و لا غرابة أن تأخذ مكة هذا اللون من البناء من يثرب فقد كانت المدينتان على صلات عظيمة و وثيقة متعددة، فمن يثرب تزوج هاشم بن عبد مناف إحدى نسائها العظيمات المعدودات من نساء العرب و هي سلمى بنت عمرو النجارية المعروفة بالمتدلية فهي إحدى جدات الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم).

و عرفت الطائف أيضا الآطام من يثرب، و لكن في فترة متأخرة نسبيا و كان لذلك سبب يذكره المؤرخون، فقد نشبت الحرب بين فرعي ثقيف بالطائف و هما بنو مالك و الأحلاف و اقتتلوا فيما بينهم قتالا شديدا لم يتحقق فيه النصر لأحد من الفريقين، فعمد كل فريق منهم إلى الاستعانة على الآخر بمن يستطيع من العرب، فسارت بنو مالك تبغي الحلف من «دوس» و «خثعم» و غيرهما، و خرجت الأحلاف إلى «يثرب» تبتغي الحلف من «الأوس» و «الخزرج»، فقدم مسعود بن متعب على سيد الأوس الشاعر أميمة بن الجلاح الجحجبي، فطلب منه الحلف ... (إلى أن قال فانصرف عنه مسعود ثم إن أميمة زوده بسلاح و زاد و أرسل معه غلاما كان يبني الآطام بيثرب‏ (1) خبيرا بتشييدها ليستعمله في إقامة مثلها في الطائف ليفادي بها هجمات الأعداء، فبنى له أطما كبيرا فكان أول أطم بني في الطائف، ثم توالى بناء الآطام فيها عند ما أدرك أهلها مدى أهميتها من حيث أسلوب بنائها و وظيفتها الدفاعية التي لم يكن لهم بها عهد في بني قومهم الأولين).

و يتضح مما سبق أنه كان هناك متخصصون في عمارة الآطام يحسنون بناءها و عمارتها، و لهم الخبرة و الدراية في أساليب تصاميمها و قواعد إنشائها، فاختاروا لعمارتها الأحجار من المحاجر القريبة منها فأرسوا دعائمها و شيدوا حوائطها و سقفوا غرفها و حجراتها بجذوع النخل و الأخشاب التي جلبت لها من المزارع القريبة، فكانت عمارة الآطام في يثرب هي عمارة المكان، استخدمت فيها معطيات المكان و البيئة التي وجدت فيها، فظهرت ملائمة لطبيعة يثرب أولا، و لسكانها ثانيا، و يعتبر هذا الأسلوب في نوعية البناء من أرقى و أفضل أنواع البناء حتى يومنا هذا.

و قد ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة كبيرة من أساتذة العمارة و خبراء التراث المعماري ينادون إلى العمارة المحلية، تلك العمارة التي تنتمي إلى بيئة المكان فتستخدم المواد الطبيعية و المحلية لتشييدها و عمارتها، و قد يكون هذا التوجه اليوم هو توجه عالمي ليس عندنا فحسب، فقد حذت الدول الأوروبية

____________

(1) «الكامل في التاريخ»- ابن الأثير- ج 1 ص 541 طبعة أولى 1407 ه/ 1987 م.

50

في هذا الموضوع، و قطعت مراحل متقدمة في تطوير مواد البناء المحلية و معالجتها، و وضع الضوابط و الخصائص و المعايير المناسبة لاستخدامها كمواد بناء محلية لعمارة المباني و المنشآت، و من أشهر تلك الدول بريطانيا و ألمانيا.

و قد كانت عمارة الحصون و الأطام في يثرب من أهم و أبرز المعالم المعمارية التي ظهرت آنذاك، و قد حظيت هذه العمارة بالفخامة و المتعة، فعلت أسوارها، و عظمت أبراجها حتى ظهرت كقلاع حصينة لا يمكن اقتحامها أو الوصول إلى من بداخلها، و الروايات التاريخية التي تشير إلى ذلك كثيرة فمنها ما ذكره ياقوت الحموي في معجمه تحت مسمى مدينة يثرب و ذلك عند ما ذكر قدوم أبي جبيلة لنجدة مالك بن العجلان و انتقامه من اليهود فقال: (و أقبل سائرا من الشام- يعني من جبيلة- في جمع كثير مظهرا أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة و نزل «بذي حرض» ثم أرسل إلى الأوس و الخزرج أنه على المكر باليهود عازم على قتل رؤسائهم و أنه يخشى متى علموا بذلك أن يتحصنوا في آطامهم) (1).

و يلاحظ من ذلك أن دخول اليهود إلى تلك الآطام سيجعل من المستحيل الوصول إليهم مما يدل على عظمة و حصانة تلك الآطام التي كانت بالنسبة لهم الحصن المنيع و الدرع الحصين.

و قد شكلت عمارة الحصون بمجملها مدينة محصنة يصعب على أي مغير الوصول إليها، فبنت القبائل و البطون آطامها متجاورة بعضها إلى بعض مع احتفاظ كل حي بإدارة شؤونه الخاصة. و من مجموع تلك الأحياء ظهرت الآطام و الدوائر المحصنة التي تكونت منها مدينة يثرب آنذاك.

و قد شهد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بحصانة المدينة لما رآه في منامه إبان غزوة أحد، قال الواقدي: (و رأى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) رؤيا ليلة الجمعة فلما أصبح رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و اجتمع المسلمون خطب بهم، و مما قال: ظهر النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) على المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إني رأيت في منامي رؤيا، رأيت كأني في درع حصينة، و رأيت كأن سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته، و رأيت بقرا تذبح، و رأيت كأني مردف كبشا، فقال الناس: يا رسول الله فما أولتها؟ .. قال: فأما الدرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها، و أما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبة في نفسي، و أما البقر المذبح فقتلى في أصحابي و أما أني مردف كبشا، فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله) (2).

و مما يشير إلى عظمة بناء و عمارة تلك الآطام و الحصون ما جاء في المدة التي‏

____________

(1) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- ج 1 ص 85.

(2) «المغازي- الواقدي»- ج 1 ص 209.

51

قضاها المسلمون في حصار حصون و آطام بني قريظة، فقد ظل المسلمون في حصارهم لها حوالي خمسة و عشرين يوما، و أعتقد أن هذه المدة الطويلة في حصار تلك الحصون و الآطام مع عدد الجيش الكبير للمسلمين و الذي قدره المؤرخون‏ (1) بثلاثة آلاف رجل و معهم ستة و ثلاثون فرسا إن دلت على شي‏ء فإنما تدلّ على مناعة و عظمة عمارة تلك الحصون و الآطام.

و يشير الدكتور أكرم ضياء العمري‏ (2) عند حديثه عن إجلاء بني قريظة إلى قصة هذه الغزوة و أنها وقعت في آخر ذي القعدة و أول ذي الحجة من السنة الخامسة عقب غزوة الخندق التي كانت في شوال سنة خمس للهجرة من قول قتادة، و عروة بن الزبير، و ابن إسحق، و عبد الرزاق‏ (3) و قد انفرد ابن سعد، بذكر عدد جيش المسلمين و عدد خيلهم فذكر أنهم كانوا ثلاثة آلاف رجل، و معهم ستة و ثلاثون فرسا، و تختلف الروايات في مدة حصار المسلمين لبني قريظة فقيل: شهرا (4)، و قيل خمسا و عشرين‏ (5) ليلة، و قيل خمسة عشر يوما، أو بضع عشرة ليلة (6)، و أقوى الأدلة تبين أنه كان خمسا و عشرين ليلة، و تميل معظم كتب المغازي إلى ذكر هذه المدة تبعا لرواية ابن إسحق‏ (7). و مما يؤكد ما أسلفنا القول فيه من أن الآطام و الحصون كانت منعة كبيرة لليهود حصار بني قينقاع، فقد اتفق المؤرخون على أنه وقع بعد غزوة بدر الكبرى، و حدد الزهري‏ (8) تاريخ الحصار في شوال من السنة الثانية للهجرة و يحددها الواقدي بأنها كانت يوم السبت للنصف من شهر شوال‏ (9) و قد استمر حصار المسلمين لبني قينقاع مدة خمس عشرة ليلة، أي إلى هلال ذي القعدة، و اليهود متحصنون داخل حصونهم و آطامهم، حتى شدد المسلمون الحصار، عندها نزل اليهود على حكم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) أن له الأموال و لهم النساء و الذرية.

____________

(1) «طبقات ابن سعد»- ج 3 ص 74/ انظر عيون الأثر- ابن سيد الناس- ج 3 ص 68.

(2) «المجتمع المدني في عهد الرسول»- د. أكرم ضياء العمري- ص 151.

(3) «مصنف عبد الرزاق»- ج 5 ص 367/ سيرة ابن هشام- ج 3 ص 699/ الهيثمي- ج 6 ص 143.

(4) «تاريخ الرسل و الملوك»- ابن حزم- ج 2 ص 583.

(5) «الفتح الرباني لتراتيب مسند الإمام أحمد»- ج 21، ص 81، 83.

(6) «الفتح الرباني لتراتيب مسند الإمام أحمد»- ج 21 ص 81، 83.

(7) «تاريخ الرسل و الملوك»- ابن حزم- ج 2 ص 583/ جوامع السيرة- ابن عبد البر- ص 193/ الدرر- ص 189- عيون الاثر- ابن سيد الناس- ج 2 ص 69.

(8) «المجتمع المدني في عهد الرسول»- د. أكرم ضياء العمري- ص 140.

(9) «المغازي»- «الواقدي»- ج 1 ص 176/- انظر تاريخ الطبري- ج 2 ص 479، 480/ طبقات ابن سعد- ج 2 ص 28، 29.

52

و يظهر لنا مما سبق مدى قوة و منعة هذه الحصون و الآطام التي حاصرها المسلمون لحوالي خمس عشرة ليلة، و إن دلت على شي‏ء فإنما تدل على ضخامة عمارتها و متانة حوائطها و عظيم ارتفاعها.

كما أننا لو اطلعنا على أحداث ما جرى في فتح خيبر، و طرد اليهود منها، و كيف كانت آطام و حصون اليهود هناك مصدرا من مصادر القوة و المنعة لهم من حصار المسلمين، لا تضح بما لا يدع مجالا للشك بأن عمارة الآطام و الحصون قد كانت عمارة عظيمة لا تضاهيها عمارة أخرى شيدت في ذلك التاريخ.

و سنحاول فيما يلي أن نعطي شيئا مختصرا لتلك الصورة التي كانت في فتح خيبر، لقد توجه المسلمون بقيادة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى خيبر، و كانوا يكبرون و يهللون رافعين أصواتهم فطلب منهم الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يرفقوا بأنفسهم قائلا:

«إنكم تدعون سميعا قريبا و هو معكم» (1). و هذه الصورة تمثل الروح العالية و العزيمة الكبيرة للجيش الإسلامي، و ما صاحب ذلك من معنويات قتالية عالية و هو يتوجه نحو آطام و حصون خيبر تلك الحصون التي ملئت رجالا و سلاحا و مؤونة و متاعا.

لقد حصّن اليهود أرض خيبر و قسموها إلى ثلاثة مناطق حصينة تتألف كل منطقة من عدة حصون، أما المناطق الثلاثة فهي: «نطاة» و «الشق» و «الكتيبة» (2). و كان من حصون النطاة: حصن «الصعب بن معاذ»، و حصن «ناعم»، و حصن «قلعة الزبير». و من حصون الشق: حصن «أبي» و حصن «النزار». و من حصون الكتيبة: حصن «القموص»، و «الوطيح»، و «سلالم» (3).

و كانت حصون خيبر منيعة على رؤوس الجبال و كان رجالها مدربين على القتال و النضال و كانوا أصحاب سلاح كثير و استعملوا آلات الهدم في رد عادية المغيرين عن أطامهم‏ (4).

و قد وصل الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بجيشه الذي لا يزيد عن ألف و خمسمائة مقاتل إلى خيبر و فيها أحد عشر ألفا من المقاتلين اليهود الذين تجمعهم حصونهم‏

____________

(1) «صحيح البخاري»- «كتاب المغازي»- «باب غزوة خيبر»/ ج 7 ص 470.

(2) «اليهود في القرآن»- عفيف طبارة- ص 83، 84.

(3) «تاريخ العرب قبل الإسلام»- د. جواد علي- ج 6، ص 155.

(4) «تاريخ الخميس»- الشيخ حسين الدياربكري- ج 2 ص 50.

53

(1) (الحصون و الآطام) «حصن القموص» أحد حصون الكتيبة و هو حصن كنانة بن أبي الحقيق زوج صفية بنت حيي رضى اللّه عنها (*).

(2) (الحصون و الآطام) «حصن الوطيح» يقع في الكتيبة بخيبر و يطل على مزارع تسقى بعين البحير و عين بريداء و عوينة الخضرمي و عين البركة (*).

____________

* «أمانة المدينة المنورة»- وكالة التعمير و المشاريع.

54

(3) (الحصون و الآطام) «حصن البازة» و يسمى حصن «البرئ» أو «النزار» و يقع بالقرب من قرية الروان، و يطل على عيون كثيرة مثل عين الشلالة (*).

____________

* «أمانة المدينة المنورة»- وكالة التعمير و المشاريع.