موسوعة عشائر العراق‏ - ج1

- عباس العزاوي المزيد...
518 /
9

الجزء الأول‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

المقدمة

كانت الاقوام و لا تزال النفرة بينها قائمة على قدم و ساق من أمد بعيد، و كذا التمايز سائرا على وتيرة، و ان شيوع الحضارة، و التعارف العلمي، و سهولة وسائط النقل المؤدي للاختلاط و الالفة ... كل هذه لم تؤلف بين الشعوب، و لا دعت إلى التقريب بينهم، و لم تزل الفروق باقية، و البغضاء سائدة فلم ترتفع الشحناء مما ولدته العصبية الباطلة، و النعرات المذمومة بحيث صارت لا ترتكز على ارادة خير الانسانية، و العمل لصلاحها، أو تعاونها على هذه الحياة بتذليل صعابها ...

و هذه الفكرة يتخلل صفوفها مجموعات تدعو إلى ألفة أخرى هي الاخوة المبدئية، و القوة الحزبية، و نرى أساسها الاشتراك في الآراء للتعاون، و الوحدة في السلوك، و حب التآخي ... و ان اختلفت القوميات و تناءت الاقطار ... و هذه أيضا في تكاتف شديد، و اتصال مكين و ان كان الموضوع لا يراد به إلا طلب الاصلاح في ناحية معينة و تعديل السلوك فيها خاصة ... و لا تزال الامم في خطر من هذا العداء؛ و المبادئ ضعيفة، و تقوية ناحيتها من الامور المشهودة؛ و ان الفروق و الميزات مما نفّر بين الاقوام بعضها من بعض ...

و العرب لم يخرجوا من نطاق هذا بل كان فيهم ما يزيد، و وسائل العداء فيما بينهم كثيرة، يدعو اليها وضعهم و ما هم فيه ... من غزو و إغارة

10

و قتال مستمر ... ينشب بينهم غالبا لأدنى حادث أو لأقل سبب ... و الذي يتأهب لمثل هذه الامور يختلق، أو يوجد ما يدعو لتنفيذ رغبته و القيام بعمليته ...

هذه الحالة هي في كافة أوضاعهم الجاهلية، و وقائعهم معروفة في ازمانهم الغابرة و امثلتها كثيرة جدا ... بل التاريخ ملي‏ء بها و لما دخلت العقيدة الاسلامية غيرت هذه الحالة و جعلت اساسها احترام الشعوب و القبائل، و جعلتها واسطة التعارف، و أوقفتها عند حدودها، و دعت إلى الاسلام و التآلف، و حثت على الوفاء بالعهود، و لم تبرر نقض العهد بوجه، و منعت المفاجآت الحربية بلا سبب صحيح ... فسيرت هؤلاء نحو الطريق الأمثل، و الاخوة العامة، و ازالة البغضاء فيما بينهم ... و أصلحت الحالة الاجتماعية، و سيرت القوم نحو السيرة اللائقة ...

و لما كان العرب اول من بدأ الدعوة فيهم بسبب تغلب البداوة عليهم لزم تسييرهم بمقتضى تلك الشريعة فقامت اولا باصلاح البيت و أركانه، ثم امرت بالتقريب بين القبائل و مجاوريها، و منعت مما يضر بألفتها كالتنابذ، و ذكر المعايب و المثالب ... و حرمت النفوس و الاموال بل جعلتهما محترمين ... فمشى الكل من بدو و حضر على مرسومها باخلاص في مراعاة سياسة موحدة مبناها المبدأ القويم و الاخوة العقائدية، و رفعت الحواجز الرديئة من نعرة جاهلية، و عصبية باطلة ...

و من ثم كان لتعاليم الاسلام قبول و اذعان بين العرب، لما فيه من الاوصاف الفاضلة، النبيلة فزال العداء و ذهب الخصام، و بقي الوضع القبائلي مدارا للتعارف و التآلف فصاروا اخوانا بعد ان كانوا اعداء مما لم تر البشرية مثله في عصورها السالفة و الحاضرة معا ... الغاية شريفة، و الوحدة صحيحة و الغرض سام لا شائبة فيه للتحكم و الاستعباد، و العقيدة خالصة، و الطريقة مثلى، و الادارة قويمة، ذلك ما مكنهم في الارض، و جعلهم الوارثين ...

11

هذه الروحية مضت على سيرتها تلك مدة، و سيّرت الامم الأخرى بمقتضى نهجها، و لكن لم تستمر على حالتها هذه طويلا ... و انما أصابها ركود، و اعتراها فتور في نشاطها الذي ولدته في حينه و حصل من الأسباب ما دعا للخمول و العودة إلى الأوضاع السابقة، و مراعاة العرف الجاهلي، و النفرة القبلية ... فتأسست البغضاء ثانية، و بشكل آخر، و رجعنا إلى ما كنا عليه في جاهليتنا، من التنابذ، و نسينا التوحيد و الوحدة فحلت الشحناء، و تمكن العداء. و أسباب التخريب على قلتها و تفاهة شأنها- كما يتراءى للناظر- أودت بالأمة، و أثرت في الأمم الأخرى المجاورة، و للأثر السيئ حكمه ...

و على كل تظهر هذه الأوضاع في العشائر أكثر و أوضح، و هي أيضا صفحة من موضوع حياة العرب في إدارتهم، و ثقافتهم، و اجتماعهم و لها أثرها في مقدراتهم، و هم مجموعة كبرى ... فمن الضروري دراسة أوضاع قبائل العرب قبل دخول الاسلام و بعده في حاضرها و ماضيها البعيد و القريب .. و بهذا نقف على احوالها في مختلف الازمان و نحصل على فكرة نأمل ان تكون صحيحة ... و لن نوسع الموضوع بل سوف نقصر البحث على قبائل العراق حبا في التوغل في دقائقه ليكون مستوفى ... و نترك للاقطار الاخرى نصيبها من البحث ...

و هذا من أصعب المواضيع الاجتماعية عندنا، و هو أحق بالاهتمام، و اولى بالبحث، و أن أهميته لا تقتصر على المعرفة، او الوقوف على الحالة الحاضرة، و ان كانت هذه من لوازم البحث و أركانه و لكن تسيير الجماعة، و توجيه استقامتها مما يحتاج إلى دراسات معمقة، و قدرة علمية بل خبرة كاملة للتمكن من معرفة نواحي النقص، و الوقوف على محط الفائدة تحقيقا للغرض الاجتماعي الذي لا يصح اهماله، أو التهاون به، و فوات المدة في التلوّم، او التردد مما يؤخر في التقدم و الاخذ منه بنصيب ...

و ليست الغاية أن نجمع حكاية القصد منها المسامرة و لذة التعرف إلى أخبار الغابرين و ادبياتهم و ان كانت لا تخلو منها ... و انما يهمنا أن نتعرف‏

12

على دور القائمين بأمر القبائل و اصلاح شؤونها و ملاحظة نواحي ادارتها، و تربيتها، و رفاه حالتها، و خصوماتها، و آدابها، و تطوراتها و تقلباتها ... حيث انهم عملوا على تأسيس ثقافة سليمة، و آداب نافعة، و ادارة صالحة ... مما يجب ان يراعيه الباحث الاجتماعي، أو من يعنيه إصلاح هذه المجموعة الكبرى عن خلال التعرف إلى كافة شؤونها، و وسائل اصلاحها، و تنظيم جماعاتها، و الطرق التي أدت إلى رفع مستواها إلى آخر ما يتحتم الالتفات اليه باستطلاع الآراء من كل ناحية و صوب حتى تتكامل المعرفة و من ثم يعرف ما يستقر حسن الادارة عليه، و هناك تتأسس الحضارة ...

و من المؤسف اننا لم يسبق لنا الاشتغال بسعة في هذه المباحث، أو الافتكار بها و عرضها للنقد و التمحيص، و لا استطلعنا الآراء في موضوعاتها، او الالتفات اليه بعناية زائدة إلا من نفر قليل لا تتناسب مباحثهم و أهمية هذا الموضوع ... و مشارب الناس، و مناحي آرائهم في تلقي موضوع العشائر مختلفة:

1) البدوي. يتطلع إلى ان يعرف مكانته من القبائل الاخرى ليعين القربى و درجتها، و العداء و مبلغه ... و يرغب في التقرب إلى من يمتّ اليه بصلة تبعا لمقتضيات الغزو و ما ماثل، أو لمن يصلح أن يكون له كفوا، أو من هو أعلى منه باعتباره أصل نسبه إلى غير ذلك من الاعتبارات، أو ركونه إلى ناحية الثأر و ما يولد الخصام و الانتقام ...

2) الحضري. يحاول الانتساب و القربى المجردة لمعرفة قومه الذين تشعب منهم، و لا يلتفت إلى ما ينظر إليه البدوي من تقوية تلك الأواصر.

3) الأجنبي. و هو بعيد عن هذا كله لا يلتفت إلى ما كان يهم هذا أو ذاك، و إنما يتطلع إلى ما نحو مراكز القوة و القدرة، و العصبية، و البيوت و عددها، و مقدار البنادق، و بيت الرياسة ليتفاهم معه، و يحاول أن يتبصر بالموالي و المعادي.

اختلفت و جهات النظر، و تباعدت نزعة البحث، و زال التقارب،

13

و تضاربت المطالب و الرغبات. و إذا كان هناك ما يدعو للاستفادة فهو قليل جدا و هذا لا يخلو- إذا تناولته اليد الغريبة- من الوقوع في الغلط، و السقوط في هوة لا قرار لها، و قد ينال الوضع الحقيقي لها مسخا و تشويها فيؤدي إلى شيوع الخطأ، أو يتولد من تكراره و الأخذ به أن يعود الصحيح مغلوطا فتنعكس القضية أو تشوه ...

و شتان بين هذه النظرات و بين النظرة الحقيقية المؤسسة على بيان الوضع الصحيح، و لا يتيسر هذا الا بعد مراجعة نصوص كثيرة، و تفكر عميق في الحالة، و تثبيت ما عليه العشائر في الماضي و الحاضر ... لنعدّ المادة للباحث الاجتماعي، أو المربي فنسأل أنفسنا بعد أن يتم العمل و تنتهي المباحث بقولنا: إذا كانت العشائر بهذه الروحية، و تلك النزعة، و على هذا النمط من الحياة الاجتماعية و الأدبية ... فما الذي يجب أن نراعيه في صلاحها و وحدتها، أو تسييرها؟ و ما هي النواقص الطارئة؟ و ما العمل المثمر للوصول إلى الاصلاح.؟

و من ثم تبدأ وظيفة الباحث الاجتماعي أو المربي فتستدعي حلّه، أو تسترعي نظره ...! و في موضوعنا هذا تسهيل لمهمته، و تعيين صحيح للوضع حذرا من أن يغلط المتتبع فيقع في سلسلة نتائج كلها أو أكثرها عثرات ...

و لا أريد بالاجتماعي الفرد و اختباراته الخاصة ...!

و لما كانت هذه تجربة و لأول مرة، فمن الملحوظ أن تعرض لها أخطاء كثيرة من ناحية الغفلة و عدم الالتفات، أو التقصير في الاستقصاء، أو وجود بعض الحالات في جهة، و ما يعارضها في أخرى، و هكذا مما لا يحصى أو لا يحاط به و طبعا نظرتنا فردية و جهودنا قليلة و لكنها بذرة للمتتبعين، و الأمل أن تكون نافعة و قد قيل لا يترك الميسور بالمعسور. و من الله التوفيق.

عباس العزاوي‏

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

المراجع التاريخية

غالب من بحث عن القبائل من كتّاب العرب القدماء، ذكروا تاريخهم القديم و لم يتعرضوا في الأكثر إلى حالاتهم الحاضرة في أيامهم هذه ...

فكأن القدماء هم المقصودون أصلا و أساسا، أو من ناحية العلاقة بالاسلام و رجال الحديث و حملته أو كان اغفال مقصود مبني على أوامر معينة ...

فجاءت المباحث ناقصة، أو مبتورة غير موصولة، و مقصورة على عهد معين هو عهد ما قبل الاسلام ... و كذا معاصرونا فاتتهم أشياء كثيرة، و مواضيعهم تتعلق بأمور لا تخص النواحي المذكورة ...

ذلك كله أدى إلى أن يسلم أكثرنا المقاليد إلى الأجانب في بحوثهم، و يأخذوا عنهم ما كتبوه دون تمحيص و لا ترو فوقعوا في أغلاطهم ...

فكانت جهودنا إلى الآن غير مثمرة لأنها لم تكن ناشئة عن تتبعنا و لا عن ثمرة مباحثنا ... مما جعلنا نحترز و نراعي التروي في النقل، و أن نشير إلى هذه الأغلاط التي شاعت على أيدي مؤلفينا و من طريقهم، ليزول ما علق في الأذهان من صحتها و الجزم بها ...

رأينا الجم الغفير ممن زاولوا البحث و نقلوا أو عربوا حرصوا على السهولة فاستغنوا بهذه المراجع، و بكثرة المباحث و شيوعها فاستهوتهم بسعتها و التفاتها إلى مطالب اجتماعية، فأخذوها عفوا و بلا تعب ... ثم وقعوا بما وقع فيه أولئك، و جاءت كتاباتهم على الرغم من الجهود المبذولة، لا تستحق الاطراء بل يتحتم نبذها. لأنها" زادت في الطين‏

16

بلّة"، و أوقعت في أوهام فاضحة على ما سيوضح عند ذكر القبائل و ما لحق بعضها أو فروعها من أغلاط ...

و النصوص العربية هي معوّلنا في الغالب. و هذه نالها أيضا من أيدي النساخ و الكتاب ما شوه بعض ألفاظها ... فصارت تضارع كتب بعض الأجانب. و ذلك أنهم في عصورهم المنحطة عادوا لا يبالون بالعناية ...

و المقابلات بين النصوص المختلفة أو الرجوع إلى المخطوطات القديمة لمعرفة الفرق، و مراجعة الكتب العديدة في اللغة و في الأنساب خاصة مما يسهل تلافي النقص و إصلاح الغلط بقدر المستطاع ...

و أقل الأخطاء ما نراه في كتاب (العقد الفريد) بين (المنتفق) و (المشفق) (1) مثلا فإنه غلط ناسخ قطعا. و في بعض الكتب الحديثة بين (الضفير) القبيلة المعروفة و بين (الدفير) الواصل من طريق الأجانب، و عنزة القبيلة المشهورة و (عينيزة) (2) و مثل هذه يقال ما قيل في غلط الأفكار .. أو في كتابات يراد بها أن يلتذ السامع ...

راعينا الأخذ عن القبائل مباشرة، و نبهنا إلى ما وقع من غلط، و جل ما في الموضوع أن جعلنا نهجنا الترصد و الاسترابة حتى نستبين طريق الصواب بقدر الاستطاعة، و التوقي حسب الامكان من الاعتماد على كتب الأجانب، و من كتب أصحابنا إلا بعد التمحيص و التدقيق الزائد على ما في ذلك من صعوبة ..

و لا يفوتنا أن نشير إلى أن الغرض ليس هو النقد المجرد، أو التنديد بالمؤلفين السابقين أو المعاصرين، و لا الوقيعة بالأجانب و الاسترابة منهم فيما يكتبونه بلا قيد أو شرط، فلا أعتقد أن غالبهم يتعمد الغلط، أو يكتب الباطل، أو ينقل السخيف. و إنما همهم العلم الصحيح، و قد تكبدوا المشاق في هذا السبيل و أفادوا كثيرا ... إلا أن الغلط وصل اليهم على أيدي‏

____________

(1) العقد الفريد ج 2 ص 63 طبعة سنة 1293 ه ببولاق مصر.

(2) كتاب ابن سعود لابي النصر.

17

جهال، أو أنهم لم يتمكنوا من النطق بوجه الصحة فكتبوا كما لفظوا، أو كما وصل اليهم ... و جل قصدنا مصروف إلى البيان الصحيح، و تعيين وجه الاستفادة من هذه الآثار للوصول إلى ما نحاول بلوغه مع التنبيه إلى ما وقعوا فيه للتجنب منه ...

و غاية ما نقوله هنا أن المراجع التاريخية- و إن كانت كثيرة- قليلة المادة و لا نكتفي بواحد منها إذ لم نجد فيها من قصر موضوعه على البحث عن القبائل خاصة، و تكلّم عليها بسعة و تفصيل. و هذه لا مجال لوصفها و إنما أقصر القول على المهم منها مما يتعلق بالعراق خاصة و لكن قبل الكلام على المراجع أقول إننا لم نجد مؤلفات عديدة عن القبائل في مختلف العصور و بصورة متوالية لنعلم العلاقات المستمرة بين عشائرنا الحاضرة و الماضية، و لنقف على الاشتقاق و التفرع في الأنساب و لنقطع في معرفة التجولات و التفرعات، فالأسماء تغيرت، و ما شاهدناه من القبائل في موطن لمدة قد لا نجد له أثرا في الحاضر، أو أن قسما منه هاجر إلى موطن آخر و لكن لا يعرف تاريخ هجرته و هكذا مما صعب المهمة ... فخفي علينا شي‏ء كثير من أحوال العشائر تاريخيا لعدم الالتفات إلى تدوين وقائع مثل هذه إلا أن هذا يجب ألا يثبط العزم بل يدعو إلى البحث، و التدوين بقدر الإمكان في مواصلة المراجع، و الآثار بلا كلل و لا ملل، فيزيد المتأخر ما فات سابقه ...

أما كتب التاريخ فإنها كتبت لتدوين الحضارة الاسلامية و أثرها في النفوس و الخلافة و ما قامت به، و الملوك و وقائعهم ... و أما الحالة القبائلية فلم تتعرض لها إلا أحيانا، و بصورة ضئيلة جدا لا تكشف عن حقيقة الوضع، و لا هي وافية بالغرض و كل ما بحثت عنه أنها دوّنت أعمال الرجال الرسميين و الوقائع الشاذة و الغرائب فلم تبال بالمالوف المعتاد و لا اهتمت به بل قد نراها عديمة الفائدة فيما يتعلق بالعشائر كأن يقال تحارب فلان مع أمير العرب و لم يسمه‏ (1) أو كما جاء في تاريخ المغول من أن‏

____________

(1) ابن بطوطة في طريق الحج.

18

الخليفة جهز أعراب البوادي‏ (1) ... و لم يذكر أسماء قبائلهم ... و الملاحظ أن كتب الأنساب لم تعرّف الصلة في القبائل المعاصرة إلا قليلا و مع هذا نرى العصور التالية لم تستمر في التبيان، و لم تدوّن التبدلات، و لا عينت الأفخاذ دائما و نجد العناء كل العناء في تعيين وقائع القبائل باستنطاق مؤرخين كثيرين و تقريب النصوص التاريخية مع بعضها ليتيسر الإيضاح، و في الغالب يمتنع ..

و خير معين لمعرفة العشائر كتب الأنساب و كتب الأدب و كتاب الأغاني، و العقد الفريد، و أكثر الدواوين لمشاهير الشعراء، و أما كتب التاريخ فإنها تذكر بعض المباحث عن قبيلة بقصد أو بدون قصد فيستفيد الباحث منها. و من أهم المراجع ابن خلدون فإنه كان ذا علاقة بالقبائل و اتصال بها، يبحث عنها أحيانا فيوفي الموضوع حقه في نظرات صادقة، و إيضاح نافع يصلح للاستفادة. و مثله كتب ابن حجر سواء الدرر الكامنة أو أنباء الغمر في أبناء العمر فإنه كاد يضارع ابن خلدون في طريقته ...

و من هذه المراجع و غيرها ظهر لنا ان التاريخ لم يدوّن كافة هجرات القبائل إلى الانحاء و لا عرّف بتجوالاتها، أو ما أحدثته من حركة أو سير تاريخي لا كل قبيلة و لا بصورة عامة ... ذلك ما دعانا أن نفتش عما فيها من شعلة- و لو ضئيلة- لنسير على نورها .. و لما كان عملنا فرديا فلا يؤمل منه الكمال و إنما يتم بإضافة جهود الآخرين و تأملاتهم و تتبعاتهم في الموضوع و ابداء ملاحظاتهم الوافية فيضاف ما فات، أو أهمل ...

أما الكتب الحديثة عن العشائر فإن فائدتها محدودة و قليلة. و مهما يكن فمراجعنا مؤلفات كثيرة نكتفي بوصف بعضها مما يخص القبائل، و الباقي يتعين بالنقل عنه في محله ...

و هذه أشهر المراجع الخاصة بعشائر العراق أو بالقبائل بصورة عامة:

____________

(1) تاريخ العراق بين احتلالين.

19

1- سبائك الذهب:

كنا نظن- لأول وهلة- أننا عثرنا على ضالتنا المنشودة في كتاب سبائك الذهب و هي معرفة الصلة بين القبائل و درجة الارتباط بين القديمة منها و الحديثة ... و لكن لم يلبث أن خاب الظن، رأينا الكتاب قد مثل عصرا قديما، و راعى أصلا يرجع إلى عهد بعيد، و هو تأليف الشيخ أبي الفوز محمد أمين بن أبي السعود محمد سعيد بن أبي البركات عبد الله الشهير بالسويدي و كان المؤلف قد توفى سنة 1246 ه- 1831 م أثناء رجوعه من مكة المكرمة في القصيم من ديار نجد (1)

و الكتاب مرتب بصورة مشجر على نحو الشجرة و تفرع أغصانها كأن يذكر الأصل و يفرع عنه ما أحدث من فروع أو أغصان كالشجرة .. أوله:

الحمد لله الذي خلق الخلق فاختار منهم العرب الخ. و هو مفيد من جهات عديدة و نافع في موضوعه، و يؤخذ على مؤلفه أنه حوّل كتاب القلقشندي المسمى (نهاية الأرب في أنساب العرب) إلى مشجر فهدم وضعه، و غيّر شكله مما أدى إلى نسبة كل قبيلة إلى مشاركتها باللفظ من القبائل القديمة التي لا تعرف لها هذه الصلة و القرابة و إنما كان لمجرد الموافقة بالاسم، و فاتته عشائر كثيرة قديمة كانت تسكن في العراق، أو حديثة النزوح إليه .. لمجرد أنه لم يتمكن من إيجاد علاقة لها بالقبائل القديمة ... و قد سبقه كثيرون في ترتيبه هذا، و كان الأولى أن يرجع إلى المشجرات من نوعه ... و فيها ما يفي بالغرض ... و لعله لم يعثر على بغيته، أو ما يوافق رغبته .. و هنا نراه راعى أنساب القلقشندي مع أنه مصري بعيد عن عشائر العراق و أصولها لضعف علاقة عشائر العراق بمن هناك. اعتمده و طبقه على العشائر العراقية فذكر ما ذكره، و أهمل ما أهمله ... و بهذا تغير الوضع التاريخي.

____________

(1) راجع الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد رقم 2825 من مكتبة نعمان الآلوسي في دار كتب الأوقاف العامة ففي ظهر الكتاب بيان لوفاته.

20

قال المؤلف: «أحببت أن أجعله- نهاية الأرب- على ترتيب مخالف لترتيبه، و أسلوب مغاير لاسلوبه، و ذلك بأن أوصل آخر القبائل بأوائلها، بخطوط تمتد من الآباء إلى أبناءها ... و زدت عليه كلاما كثيرا ...» ا ه.

و المؤلف لم يستطع القيام بما رسمه، و لم يطق وصل العلاقة بين العشائر في الماضي و الحاضر، و كثير مما بينه غير صحيح، أو مفقود الصلة و مقطوع ببطلانه كما نرى عن طيى‏ء في الصحفة 58 و 59 منه فإنه وصلها بصلة غير صحيحة، و المدونات التاريخية و محفوظات القبائل لأنسابها تخالفه في كثير منها، و لم يبين علاقة خزاعة بالموجودين اليوم، و هكذا في حرب و قبائل أخرى. و لما رأى الحمداني لم يذكر شيئا عن أصلها عدها من المتحيرة.

و من هذا الكتاب نسخة خطية في مكتبة المرحوم نعمان خير الدين الآلوسي في مكتبة الأوقاف العامة برقم 2717 ليس عليها تاريخ و لكنها متقنة. طبع على الحجر في بغداد في أواخر شهر رمضان لسنة 1280 ه- 1864 م.

و المؤلف من آل السويدي في بغداد الأسرة التي لها مكانتها العلمية في الماضي من أيام الشيخ عبد الله السويدي المتوفى سنة 1170 ه- 1757 م و السياسية و الحقوقية في الوقت الحاضر، و رجالها المعروفون اليوم الأساتذة ناجي السويدي، و عارف، و توفيق، و الطبيب شاكر أولاد يوسف السويدي، و ترجمة أسرته في المسك الأذفر للآلوسي ... و للكلام على هذه الأسرة الشهيرة موطن غير هذا.

2- عنوان المجد في بيان أحوال بغداد و البصرة و نجد:

هذا التاريخ لابراهيم فصيح الحيدري المتوفى في 5 صفر سنة 1300 ه- 1883 م فلم يخرج به عمن سبقه، و إنما اعتمد ذات الطريقة تقريبا،

21

و أساسا كان اعتماده على كتابين لا ثالث لهما و هما السبائك و نهاية الأرب للقلقشندي بإضافة بعض الاختبارات الشخصية إلا أنه يلام في أنه عدّ بعض القبائل و بطونها معا باعتبارهما قبائل، أو عشائر لقبيلة واحدة كما أنه راعى اللفظ فنسب الحديث من القبائل لمن له لفظ شبيه به عند القدماء كالسويدي فقد قال عن العبيد أنهم من قضاعة و هم الذين قال فيهم الأعشى حاكيا:

و لست من الكرام بني العبيد

و الغلط ظاهر و منشأه ما جاء عنهم في التواريخ من أن آثارهم باقية في برية سنجار من الجزيرة الفراتية آخرهم الضيزن و هم من أهل الحضر فظن أن المراد من العبيد قبيلة العبيد المعروفة اليوم بعامل المكان و المشابهة بالاسم، و أمثال ذلك كثير. و غاية ما يقال فيه انه لم يعين في الغالب الصلات، أو أنه لم يتمكن من ذلك، و كذا ما بين الافخاذ و فروعها، أو الطوائف و درجة قرابتها ... نعم ان بعض القبائل و إن كانت لا تزال تعتبر من (القبائل المتحيرة) لا تستطيع أن تعد نفسها من أحد الجذمين القحطاني و العدناني بسبب اشتهارها باسمها الحديث و نسيانها علاقتها القديمة، لكنها قليلة جدا فالكتاب كسابقه لم يكن علميا و إن كانت الاستفادة منهما غير محدودة على ما سنبين عند الكلام على القبائل.

أما مواضيعه الأخرى من بغداد و البصرة و نجد من عمارة جسور و أنهار و بيوت قديمة، و مشاهير رجال، فهي مهمة و تتعلق بالقطر العراقي فلا تكاد توجد في غيره و كان ختام تأليفه سنة 1286 ه- 1875 م.

3- نهاية الارب في معرفة انساب العرب:

هذا الكتاب مرجع المؤلفين السابقين أو أصلهما و عليه عوّلا، مرتب على حروف الهجاء و هو بمثابة دائرة معارف لقبائل العرب، و مبناه القبائل القديمة و لم يتعرض للحاضرة إلى زمانه إلا قليلا، و غالبها يعود لمصر و ما

22

والاها. ذلك ما دعا إلى ارتكاب الغلط من جراء الاعتماد عليه في البحث عن قبائل العراق إلا من نقطة الاشتراك، و قد وصفه صاحب كشف الظنون ...

الفه أبو العباس الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله‏ (1) القلقشندي النسابة المصري المتوفى سنة 821 ه- 1419 م و له كتاب (صبح الأعشى) و مختصره (ضوء الصبح المسفر) و في صبح الأعشى مباحث في الأنساب مهمة كشفت عن غوامض كثيرة (2) طبع كتاب النهاية ببغداد قبل الاحتلال، و الظاهر من مراجعة المخطوطة ان الكتاب فيه نقص و طبع على نقصه ...

و جاء في مقدمته: ( (لما كان العلم بقبائل العرب و أنسابهم ... قد درس بترك مدارسة معالمه، و انقرض بانقراض علمائه من العصر الاول ... مع مسيس الحاجة اليه في كثير من المهمات، و دعاء الضرورة إلى معرفته في الجليل من الوقائع و الملمات ... أحببت أن أخدم ... بتأليف كتاب في قبائل العرب و العلم بانسابها يجدد بعد الدرس رسومها ... فشرعت في ذلك ... واصلا كل قبيلة من القبائل بقبيلة، و ملحقا كل فرع من الفروع الحادثة بأصوله، مرتبا له على حروف المعجم. (الى ان قال) ثم ان هذا الكتاب و ان كان جمع فأوعى و طمع في الاستكثار فلم يكن بالقليل قنوعا، فانه لم يأت على قبائل العرب بأسرها، و لم يتكفل على كثرة الجمع بحصرها، فان ذلك يتعذر الاتيان عليه، و يعز على المتطلب الوصول اليه ...)) ا ه ..

و في هذا ما يعين ان المؤلف انصف في مقاله و أؤيد قوله ان العشائر لا تحصى و أقول ان العراقية منها بعيدة عنه فلا يعوّل عليه في البيان، و ان كان يعد كمرجع للاستقاء من معينه ... و ترجمة المؤلف مبسوطة في مقالة

____________

(1) صوابه أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله كما نبه على ذلك صاحب الضوء اللامع في ص 8 ج 2 منه. و في كشف الظنون ورد مرة بلفظ أحمد بن عبد الله و مرة أخرى بلفظ أحمد بن علي ذكرها في مادة (نهاية الارب، و صبح الأعشى).

(2) صبح الأعشى ج 1 ص 307 و ما يليها.

23

مذكورة في أول الجلد الرابع من صبح الأعشى.

4- القبائل العراقية:

للعلامة السيد مهدي القزويني‏ (1) المتوفى سنة 1300 ه- 1883 م.

أوله: الحمد لله الذي أنشأ الانسان من نفس واحدة .. الخ عندي نسخة خطية منه. و هذا لا يعدّ تاريخا للعشائر فانه سمى بعض القبائل و وقف عند ذلك، أو ذكر بعض البطون للعشائر القريبة من سكناه و المتصل بها غالبا و اكتفى بنسبتها إلى قبيلتها، و لم يحلل اسماء القبائل و ارجاعها إلى اصولها الأولى إلا قليلا جدا .. فهو في الحقيقة فهرس للقبائل، و له الفضل في انه حفظ بعض أسماء القبائل الصغرى و فرّع بعض البطون عن الأصل و لكن يصعب الحصول عليها بلا كلفة مراجعة الكل فكان الأولى أن يذكرها عند الكلام على القبيلة ... و ليس فيه مباحث خاصة بعادات القبائل و أوضاعها المختلفة و لا يحتوي بيانات عن نفسياتها. و على كل لا يخلو من فوائد مهمة و مباحث قيمة ..

5- عشائر الآلوسي:

للاستاذ السيد محمود شكري الآلوسي المتوفى في 4 شوال سنة 1342 ه- 1924 م فانه لم يدوّن تاريخا خاصا بالعشائر العراقية و انما ذكر في مسودّة تاريخه بعض القبائل المهمة و نسبها إلى أصولها. و يظهر من كتابته في هذا الموضوع انه كان عازما على وضع مؤلف واسع في موضوعه إلا أن الأيام لم تساعده على ابرازه بصورة كاملة أو لم يتمكن من الاتصال بالعشائر و التجوال بينها و الاختلاط معها. لذا يؤسف لعدم اتمامه و مع هذا لا يخلو من فائدة زيادة عما جاء في الحيدري و السبائك. فان أهم ما يدعو للانتباه نسبة القبائل إلى اصولها بقدر الامكان. و كتابه (تاريخ نجد) تعرض‏

____________

(1) ترجمته في لغة العرب.

24

فيه للقبائل في نجد و هذه ذات صلة قريبة بالقبائل العراقية و بعضها لم تفقد تسميتها و لم يعدم اتصالها كما ان قسما من هذه القبائل قد يكون في نجد و القسم الآخر في العراق و سورية و لكنه مع هذا لم يتجاوز تعداد القبائل فلم يبحث بحوثا خاصة عنها ..

و كتابه (تاريخ بغداد) في حالة مسودّة (1). و قد كتب فيه كثيرا من القبائل و عرّف ببعضها و لكنه لا يقال انه اكمل بحثه أو أتم تعقيبه ما زال لم يخرج عن المسودّة و ما زال قد اكتفى بالتعداد ..

و كان (رحمه الله تعالى) يشكو من قلة الوسائل و نقصان المصادر و هو الذي نشكو منه أيضا. و لكن هذا لا يثبط عزمنا عن البحث و لا يمنع من تدقيق مؤلفه و وضعه موضع المناقشة ... ليظهر المخفي و ينجلي المبهم ...

و أما أثره الخالد (كتاب بلوغ الارب في احوال العرب) فقد تكلم فيه على ما كان معروفا من اخبارهم قبل الاسلام و أيامهم و مشاهيرهم و أديانهم ... و كان كلامه عن العرب عامة و عن اوضاعهم قبل الاسلام بما وصل اليه و لم يتعقب الموضوع إلى اليوم و لم يختص بحثه في عشائر العراق و لكنه مرجع مهم لمن يريد ان يتعقب الأوضاع العربية في كافة مواطنها فهو كتاب جليل في موضوعه ... و هو أحد مراجعنا ...

6- نبذة من تاريخ عرب العراق:

رسالة في عشائر العراق المتفرقين في الجزيرة ما بين اورفة و بغداد و أطراف الشامية كتبها السيد جرجس حمدي إلى نائب القنصل الفرنسي في اللاذقية، كان طلب اليه أن يؤلف رسالة في هذا الموضوع. و بقيت في يد المسيو كويس قنصل فرنسا في دمشق و هذا أعارها إلى (م. هوار كليمان) فترجمها إلى اللغة الفرنسية و طبعها في باريس عام 1879 م و هذا نص كتاب مؤلفها الاصلي السيد جرجس حمدي المؤرخ 21 شوال 1281 ه و 19 مارت سنة 1865 م قال:

____________

(1) عندي نسخة منه منقولة من الأصل.

25

«كنت أمرتني بتحرير نبذة عن تاريخ العرب المتفرقين الآن في الجزيرة ما بين أورفة و بغداد و أطراف الشامية و ان اوجاعي و اسقامي و اشتغال افكاري كانت قد منعتني عن ذلك. و بهذا الحين قد منّ الله عليّ بالشفاء من الأسقام فاخليت فكري مما فيه و طلبت المساعدة على ذلك من بعض الاخوان و حررت هذه النبذة على قدر الامكان باللغة العربية الدارجة ليسهل فهمها على أي من كان. فالمرجو العفو عن التأخير. فالعبد لا زال عند خضم كرمكم غارقا في بحار التقصير ...» ا ه.

إن مترجم هذه الرسالة لم يتصرف بالاعلام و إنما أوردها بلفظها العربي فادى واجب الصحة و التثبت كما أنه أشار إلى مراجع عن الموضوع و أقوال الأوربيين عنه في مظانهم فخدم ابناء قومه خدمة جلّى. و نظرا لاختصار هذه الرسالة فإنها لا تفيد العرب إلا من ناحية ذكر الماضي لبعض رؤساء القبائل ببيان اسمائهم ... و انهم كانوا احياء حين تحرير الرسالة و كانت مواطنهم في المحل الفلاني عند ما نعلم انها تحولت إلى موطن آخر ...

و أساسا ان هذه الرسالة كتبت بناء على الرغبة الاوربية و منهجها في البحث عن العشائر فاقتصر على ذكر الشيوخ و الرؤساء و اسم العشيرة و موطنها، و عدد بيوتها، و حالتها من نقطة المعيشة و السلطة و علاقتها بالحكومة و بالناس بصورة بسيطة جدا لا تسمن و لا تغني من جوع .. فلم ينظر إلى أصل القبيلة، و تاريخ هجرتها، و علاقتها بالعشائر المجاورة ...

فكانت محدودة المطالب، و الفكرة المدونة عن العشائر ضعيفة و قليلة، و هذه الرسالة كالكتب الأخرى «لمس بل» و غيرها من الكتاب الغربيين فإنها كلها تقريبا مضت على هذه السنن في تأليفها و إن كانت أشارت أحيانا إلى بعض الأحوال التأريخية عرضا، أو لم تتمكن منه تماما و إنما اكتفت بالنبذة اليسيرة عن الماضي القريب و مضت. و خير هذه المؤلفات من اوردت اسم القبيلة بالحروف العربية كما فعلت المس بل ...

26

7- كتاب الاشتقاق:

في أنساب العرب للشيخ أبي بكر محمد بن الحسن المعروف (بابن دريد) المتوفى سنة 321 ه- 933 م‏ (1). و فيه تحليل لألفاظ القبائل و تعرض لرجالها إلى أيامه، و الكتاب عظيم الفائدة، و يتكلم في مطالب جليلة عن القبائل لا يستغني عنها أحد ... طبع في مجلد واحد سنة 1854 م في غوتنجن باعتناء المستشرق فرديناند و ستنفلد. أوله: الحمد لمن فتق العقول بمعرفته، و اطلق الالسن بحمده ... الخ. و فيه ردّ على الطاعنين في أسماء القبائل و اشتقاقها و كونها لا أصل لها يرجع اليه فجعل كتابه جوابا لأمثال هؤلاء الذين لا يخلو منهم عصر، و هم أعداء العرب. و ليتنا وصل الينا ما يتمم مباحثه و ما كان من نوعها فننجو من عناء كبير ...

8- الأنساب:

للسمعاني. و هو أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور المروزي المتوفى سنة 562 ه- 1167 م. و فيه مباحث عميمة الفائدة عن العرب و مشاهدات خاصة لا يتيسر العثور عليها في كتاب، و النقول المذكورة عنه خلال هذا الكتاب تعين قيمته العشائرية فقد سبق غيره في الايضاح ممزوجا بما عاينه أو رآه و نقله عن غيره ... فلا يستغنى عنه بوجه، طبع على الحجر سنة 1912 م إلا ان النسخة المطبوع عليها مغلوطة، و خطوطها مختلفة و هي سقيمة جدا مع اني رأيت في استانبول نسخا منه كاملة و صالحة للطبع، و الحاجة اليها متوفرة لا حتوائها على معارف نافعة و مهمة جدا.

و الملحوظ ان المؤلف قلب تاريخ البغدادي إلى الأنساب و زاد عليه من جهة و اختصره من اخرى فابرزه بوضع لائق و مقبول ...

____________

(1) من علماء اللغة المشاهير و هو صاحب الجمهرة في اللغة.

27

9- شمس العلوم و دواء كلام العرب من الكلوم:

في اللغة ثمانية عشر جزءا لنشوان بن سعيد الحميري اليماني المتوفى سنة 573 ه- 1178 م. سلك فيه مسلكا غريبا، يذكر فيه الكلمة من اللغة فان كان لها نفع من جهة ذكره، و ذكر في كل مادة أبواب الكلمة و استعمالاتها. ثم اختصره ابنه في جزأين و سماه (ضياء العلوم في مختصر شمس العلوم) و أول (ضياء العلوم) أما بعد حمد الله مستحق الحمد ... الخ.

كذا في كشف الظنون و الظاهر ان صاحب الكشف رأى المختصر و لم ير الأصل. و قد طبعت بعض منتخبات منه تتعلق باخبار اليمن و هي مفيدة في مباحث العشائر و خاصة القبائل القحطانية النجار، فانه من المراجع القيمة و قد استعنا به في أمور كثيرة لايضاح بعض القبائل ... و المهم فيه انه متأخر عن كثير من كتب الأنساب و القبائل ... فهو من مهمات المراجع ...

10- قبائل العرب في مصر:

ظهر منه الجزء الأول و يخص القبائل التي توطنت مصر، و فيه ما يفيد في معرفة انتشار القبائل العربية، و نرى أقسام القبيلة الواحدة قد مالت من الجزيرة إلى أنحاء مختلفة، و نشاهد قبائل العراق تشترك في تجوالاتها هذه و قبائل مصر حتى في بعض فروعها على ما سيجي‏ء الكلام عليه في محله، و الكتاب مهم من هذه الناحية و إن كنا لا نسلم لمؤلفه في تفريعه القبائل و بيان أصولها فلا يقال إن لخما من طيى‏ء، و أن جذاما منها ... و المؤلف راجع كتبا عديدة، و مصادر وافرة و لم يجد في غير كتب الأجانب ما يبرد غلته و إن كان ليس لهم أصل يؤيده، أو يدعوه للقبول ...

11- القصد و الأمم في التعريف بأصول أنساب العرب و العجم:

للشيخ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة 463 ه- 1071 م و المؤلف من رجال التاريخ و خاصة تاريخ الصحابة و له فيه (الاستيعاب)، و الفقه و الحديث و تاريخها في (جامع أصول العلم‏

28

و فضله)، و الأنساب و هو هذا. و له التمهيد من أجل الآثار في تاريخ الفقه و الحديث .. و مؤلفاته نافعة جدا ...

و كتابه هذا في بيان أصول القبائل و انتشارها، و الآراء الشائعة فيها، و علاقاتها بالأقوام المجاورة للعرب و درجة اختلاطها ... و هو على صغر حجمه قيم و نافع جدا فهو خلاصة الأقوال المعروفة إلى أيامه ... طبع بمطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1350 ه- 1932 م.

12- الانباه على قبائل الرواه:

لابن عبد البر المذكور سابقا. و هذا هو المدخل لكتابه الاستيعاب.

طبع مع القصد و الأمم، و الارتباط شديد بين هذه الرسالة و التي قبلها.

و الملحوظ في هذه أن المؤلف اعتمد على أمهات كتب الأنساب و أيام العرب مما لا يزال أكثرها مجهولا أو غير معروف:

1- كتاب أبي بكر محمد بن اسحاق.

2- كتاب أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي.

3- كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى.

4- كتاب محمد بن عبيدة بن سليمان.

5- كتاب محمد بن حبيب.

6- كتاب أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد العدوي في نسب قريش.

7- كتاب الزبير بن بكار في نسب قريش.

8- كتاب عمه مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش أيضا.

9- كتاب علي بن عبد العزيز الجرجاني.

10- كتاب عبد الملك بن حبيب الأندلسي.

و قد ذكر المؤلف شيئا مهما من الحديث و الآثار و نوادر اقتطفها من‏

29

كتب أهل الأخبار، و اختار من ذلك عيونه، و ما يجب الوقوف عليه مما يجمل بأهل الأدب و الكمال معرفته و الانتساب إليه كما قال المؤلف في مقدمته‏ (1). و الحق انه كتاب جليل ..

13- نسب عدنان و قحطان:

لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد المتوفى سنة 285 ه- 899 م.

و هذه من الرسائل النافعة التي كتبت في الأنساب على صغر حجمها و قلة مادتها فانها عرفت باصول القبائل و ما تفرع منها باوجز عبارة. و من ثم تعينت غالب الصلات به و لا يخلو من بيان الفروع و طريقة تشعبها في غالب أوضاعه و الكتاب جامع و مختصر أو قل هو متن في الأنساب واف و مفيد الفائدة الحسنة، و جامع الغرض و لا نريد أن نحقق الأنساب أو أن نكون نسابين و إنما نريد أن نعين الأوضاع من هذه الناحية لنجعلها تمهيدا لمباحثنا في العشائر و الاتصالات الاجتماعية فيها ... و رابطة النسب يعول عليها البدوي كثيرا و هي أساس أعماله الاجتماعية. فهي تفسر زواجه، و تقرر عرفه، و تعين وضعه الحربي. و هكذا .. طبع حديثا في مطبعة لجنة التأليف و الترجمة نشرته اللجنة بمصر (سنة 1354 ه- 1936 م) فسدّ فراغا و ثلمة كبيرة ..

14- الجوهر المكنون في القبائل و البطون:

للشريف أبي البركات حسن بن محمد الجواني النسابة المتوفى سنة 588 ه- 1192 م و هو من الكتب الجامعة في الأنساب، اتقن صاحبه أصولها، و أورد فيه من الأنساب ما ينتفع به اللبيب، و يستغني بوجوده الكاتب الأديب‏ (2).

____________

(1) ص 46.

(2) كشف الظنون.

30

و هذا رأينا مختصره في كتاب نهاية الارب للنويري، و فيه مباحث جليلة و نافعة و مؤلفه عمدة ... و فيه قال النويري: «أتقن أصولها، و حرر فصولها، و أورد فيها من الأنساب ما ينتفع به اللبيب، و يستغني بوجوده الكاتب الأريب ...» ا ه. و سماه النويري بالسيد الشريف نقيب النقباء أبي البركات ابن أسعد بن علي بن معمر الحسيني الجوّاني النسابة .. (1)

و منه نسخة في دار الكتب المصرية مخطوطة و أخرى فوتو غرافية (مصورة).

15- تاريخ العرب قبل الإسلام:

لجرجي زيدان صاحب مجلة الهلال الكاتب المشهور و هو من أنفس آثاره القيمة في موضوعه، و كان مفردا لم يزاحمه غيره إلى أيام قريبة منا ...

و هذا يقال فيه ما قيل في كتاب المرحوم الاستاذ شكري الآلوسي. فإن موضوعه لم يتعلق بالعشائر وحدها، و لا يخص مكانها في قطر، و تاريخ تقلبها فيه، و تيار هجرتها اليه .. و فوائده عظيمة و عميقة. و مثله كتابه في أنساب العرب القدماء .. و هذا موضوعه أقرب لمباحثنا ... و على كل لا يستغني عنهما باحث أو متتبع ... فقد درس العرب دراسة لا يستهان بها، و بذل جهودا قهارة في احياء ذكر العرب باستنطاق مختلف الآثار (2) فكان الأول في بابه ... و يهمنا من تاريخ العرب قبل الاسلام ما يخص قبائل عرب العراق ... و لعل ضيق المادة أخّر من ظهور المجلد الثاني منه ... و الأول مطبوع في مصر و متداول.

16- كتاب عشائر العرب:

و يسمى (كتاب الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر) للشيخ‏

____________

(1) نهاية الأرب في فنون الأدب ج 2 ص 276 و ما يليها.

(2) تاريخ العرب قبل الاسلام ص 5.

31

محمد بن حمد البسام التميمي المتوفى في مكة بالوباء سنة 1246 ه- 1831 م. و هو والد حمد المتوفى قبل سبع سنوات تقريبا عن نحو مائة سنة، و جدّ محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن ابن المؤلف محمد المذكور.

و الأخير محمد بن عبد الله قد توفي في 10 ذي القعدة سنة 1353 ه- 12 شباط سنة 1935 م.

و الكتاب تكلم فيه مؤلفه عن عشائر العرب جمعاء في مختلف الأنحاء في نجد و الحجاز و اليمن و العراق و الجزيرة، و هو مهم في موضوع عشائر العراق إلا أن مباحثه موجزة، و في بعضها تفصيل قليل، دوّن الرجل ما وصل إليه علمه، و ذكر عشائر عديدة في العراق، و وصفها بما فيها من سجايا، و لم يعد الصواب. أوله: «الحمد لله المتفرد بايجاد الأنواع.

الخ» ا ه. و جاء في مقدمته:

«و بعد فقد هز عواطفي، و أمال هذا سوالفي بعض الأصدقاء من أولي الأدب لضم شمل المتأخرين من قبائل العرب فوصلت له جناح الأمل، و وافقته في اقتراحه مسابق القول بالعمل، و سأذكر ما جدّ اسمه، و أحيي ما درس في الغابرين رسمه، و أوجز في تشخيصهم و تعيينهم، و اصرف بنات فكري لتوضيحهم و تنبيههم، مع اني في تلك الأيام السعيدة الداعية لهذا المرام و تسويده مشغول البديهة من غير بكم، و موكل بجزء من أجزاء الحكم. الخ» ا ه.

و لغة الكتاب قريبة من العامية، و كلامه موجز جدا، خصوصا في القبائل العراقية، إلا أنه لا يخلو من فائدة، و فيه وصف لطيف لبعض العشائر ... و كان مؤلفه كتبه بناء على رغبة المقيم البريطاني المسترريج و اقتراحه، فاهداه له، و فيه بيان واف عن طلب المقيم المومى إليه و منه نسخة في المتحف البريطاني. و هذا كانت سياسة حكومته الاطلاع على خبايا هذا المحيط و معرفة أحواله، فلم يقف عند العشائر و إنما كتب عن العراق الشي‏ء الكثير، و أوعز إلى آخر أن يتجول في كافة الأرجاء العراقية، و يدوّن مشاهداته، فقام بهذه الخدمة فكتب رحلة فارسية مختصرة طبق‏

32

المراد. و هذا الكاتب اسمه عبد الله المنشى‏ء البغدادي، و قد عربت هذه الرحلة إلى العربية، و عندي النسخة الأصلية الفارسية أيضا.

17- كتب أخرى:

و عدا ما ذكر مراجع (تاريخ العراق بين احتلالين) لعهد المغول و ما يليه من العصور إلى احتلال بغداد فإنها جامعة لمطالب مهمة عن العشائر.

و هنا تلخيص و اجمال لتلك المباحث من جهة وسعة من اخرى ... و هناك مراجع أخرى ذكرت في بطون الكتب و الأوراق بصورة مشتتة لا نرى عائدة في بيانها الآن و سوف نعين النقل عنها في محله و نصرّح به في وقته فنسب كل قول لقائله ...

أما كتب الأدب و التواريخ العامة السابقة لعهد المغول فإنها كثيرة جدا و لا طريق لاستقصاء مباحثها هنا و إنما يأتي النقل عنها في حينه. و كذا الكتب العصرية ..

33

العرب و قبائلهم‏

- 1- أصل العرب‏

الفكرة السائدة في العصور الماضية ان العرب من الأقوام السامية كغيرهم من الآراميين و العبرانيين. و المشهور أن اصلهم الأصيل من العراق فكانت لغتهم السريانية و بها كانوا يتفاهمون ثم تبلبلت الألسن و تغيرت الألفاظ و ماج الناس بعضهم في بعض فنطقت كل طائفة منهم بلغة و خرجوا من أرض العراق و انتشروا في الأطراف و منهم العرب. و لم يبق في العراق سوى ولد أرفخشد ... و من هؤلاء تكوّن الكلدانيون و الآثوريون و سائر النبط ... و من ثم توزعت الأرضون بين أولاد نوح (عليه السّلام) و ذريته و سائر من ركب الفلك معه فصارت كل بقعة لواحد.

و هذه الفكرة وصلت من العراق و على يد علماءه و هم السريان و غيرهم و منهم انتقلت إلى علماء العرب و أساسها كتبهم الدينية ممزوجة بمعلوماتهم و آراء رجالهم .. و قد عارضتها آراء أخرى. و المعوّل عليه تاريخيا و واقعيا بالنظر للمجاري التاريخية و الهجرات ان العرب أصل الساميين و الهجرة كانت من أرض العرب إلى العراق و سورية و مصر في بعض الأحيان سواء في أقدم العصور و أقصى التواريخ أو في الأيام الإسلامية ...

و العصور المتأخرة ...

34

و هذا مما ثبت اللغة بأشكالها السامية المعروفة من كلدانية و آثورية و عبرية فأدى إلى أن يعرف كل فريق بلغته ... فالعربية نالت تطوراتها و لم تثبت بشكلها المعروف بان اندثرت منها لغات و تولدت ألفاظ جديدة ... و لم تستقر في اللغة الفصحى إلا بظهور الإسلامية فسجلت هذا الوضع بسبب القرآن الكريم ... و أما العامية المشتقة منها و اللغات الأخرى أو اللهجات المعاصرة لها في سائر الأنحاء فقد عرض لها بعض التبدل مما أبعدها عن الفصحى، أو حافظت على وضعها الأصلي و أثرت تأثيرها من جراء الاختلاط مع أهل الفصحى بالرغم من المباينة أو المخالفة في حينها التي أوجدت المتضادات، و المشتركان، أو المترادفات ... فاللغات الشائعة آنئذ قد نالت شيوعا في الأنحاء فاكتسبت اللغة العامية أو الشائعة أوضاعها المشاهدة في هذه الأيام ... و الظواهر أمثال ذلك من أكبر الأدلة على التحولات التاريخية ...

أما القول بأن أصل العرب من الحبشة فهذا مما لا يعوّل عليه و لم تؤيده البراهين الصحيحة و إنما منشأه الهجرة إلى مصر و تلك الأطراف ثم الاندماج في الأهلين و تغلب اللغة العربية بتبديل ... فحصلوا على شكل مختلط في لغتهم دعا القائلين إلى الاقتناع بهذا الرأي فقيل ان الحبشة أصل العربية و ان اصل العرب من هؤلاء. فالخطأ جاء من هذه المشابهة أو المقاربة ... مما لا يحقق أصل العنصرية و اشتقاقها، فالتمسك باللغة لاثبات العنصرية يؤدي إلى أغلاط كبرى مثل هذه ... و التشكلات البدنية و أوصاف العرب الأساسية تنافي هذه الدعوة ...

و لذا يقال عن الحوادث التاريخية المشاهدة في أقدم العصور المؤكدة ان سكان العراق كانوا أقواما متخالفين، متباعدين عن الأقوام السامية ...

فهم السمريون و الكوشيون و الأكديون فجاء الكلدانيون و الأثوريون فأزاحوهم ... و حينئذ شاعت لغتهم و تدونت في أقدم أزمانها و أصلهم من جزيرة العرب و لا نجد في اللغات المجاورة في أطرافهم من تصلح للمقابلة، و المقاربة سوى العربية .. فهم عرب و يعدّ تثبيت لغتهم أول تدوين‏

35

في اللغة العربية ... فلم يكن هؤلاء أصل سكان العرب ليكون العرب قد تفرعوا عنهم ..

و من المحتمل أن يقال ان أصل العراقيين كانوا من أولاد نوح (عليه السّلام) و أنهم تدافعوا هناك بسبب الهجرات القديمة و تبلبلت لغاتهم بداعي الاختلاط و التغلب على العنصر السامي و تكاثرهم عليه فجلوهم عن العراق و دفعوهم، ثم أعادوا الكرة .. و هذا لم يعرف لحد الآن في النصوص التاريخية الموجودة .. و إن كان نطق به مشاهير المؤرخين متابعة للنصوص الدينية و تفسيراتها ... و عقليات أقوامها في تفسير الخلقة و انتشار الناس في هذه الأرض ...

و مهما يكن من الآراء فإننا نرى الجزيرة منشأ العرب و ان غالب العراقيين منها كما هو مؤيد بالأدلة المارة و بما سيجي‏ء. هذا مع التوقف عن قبول سائر الأفكار ما دامت أدلتها ضعيفة في نظرنا ... و لنعدّد الأقوام العربية القديمة كما جاء في تواريخنا باجمال و سرعة نظرا للعلاقة التي لا تنفك عن موضوع العشائر.

36

- 2- العرب البائدة

هؤلاء لم يعرف عنهم الا أسماؤهم و بعض الأخبار، و فيها ما هو ممزوج بخرافات و اضافات و نظرا لبعد العهد عاد القطع في أخبارهم غير ممكن ...

قال مؤرخونا بعد تبلبل الألسن و التوزع في الأطراف كان نصيب أولاد ارم بن سام بن نوح (عليه السّلام) (اللغة العربية) و هؤلاء هاجروا إلى جزيرة العرب على الرأي الأول المستند إلى التوراة و شراحها، أو أنهم كانوا في الأصل سكان جزيرة العرب ... و مهما كان فيقال انه من أولاد ارم تألفت (العرب البائدة) و تسمى أيضا (العرب العاربة) كما عليه أهل الأنساب و غيرهم. فصار كل واحد من هؤلاء جد قبيلة. و يقال لهؤلاء (العرب الأولى) أيضا و في الحقيقة لا يدرى ما كان يدعى به هؤلاء القوم. و إنما التسمية بعرب- كما يظهر من النصوص التاريخية- حادثة وقعت بعد أن تكوّن أولاد يعرب، أو كما يقول النسابة: العرب ضد العجم، من أعرب عن نفسه أي أوضح عنها، و أعرب في كلامه أي فصح فيه، و من هذا الأيم تعرب عن نفسها. الخ و قالوا عن العرب العاربة عاد و ثمود في الدهر الأول و هم الذين تحولت ألسنتهم إلى العربية حيث تبلبلت الألسن، تبلبل منهم عاد و ثمود و طسم و جديس قبائل درجوا. الخ‏ (1)

____________

(1) اشتقاق الأنساب ص 307 و 317. و الطبري ج 1 ص 103.

37

و هذه قبائلهم المعروفة:

1- عاد. و منهم العمالقة. سكنوا اليمن و أرسل عليهم هود (عليه السّلام).

2- ثمود. أقامت بين الشام و الحجاز. و نبيهم صالح (عليه السّلام).

3- طسم. نزلوا عمان و البحرين. و قال نشوان الحميري: كانوا باليمامة و هم ولد طسم بن لاوذ بن سام. كان لهم ملك جبار يقال له عمليق تصرف بقومه تصرفا غير لائق فقتلته جديس هو وقومه فاستصرخ واحد منهم يقال له رياح حسان بن اسعد تبع فسار اليهم فقتلهم حتى افناهم .. (1)

4- صحار. حلوا بين الطائف و جبلي طيى‏ء.

5- جاسم. توطنت ما بين الحرم إلى سفوان.

6- و بار. اقاموا فيما وراء الرمل في البلاد التي تعرف بهذا الاسم.

قال نشوان الحميري:

و بار اسم أرض كانت لعاد في مشارق اليمن و هي اليوم مفازة لا يسلكها احد لانقطاع الماء، يوجد بها قصور قد كستها الريح بالرمل و يقال انها كانت لأهل الرس و هم امة من ولد قحطان ... (2)

7- جديس. سكنوا اليمامة. و هم ولد جديس بن غاثر (عابر) بن ارم ابن سام و هم اخوة ثمود و اليمامة المرأة المعروفة في قوة نظرها منهم.

و لاخبارها في هذا الحادث قصة ... (3)

ان الطبري و مثله صاحب الأخبار الطوال (الدينوري) قد عينا مواقع هذه القبائل من الجزيرة.

و الملحوظ ان هذه القبائل المنقرضة هي القبائل الكبرى المعروفة و لم‏

____________

(1) شمس العلوم و دواء كلام العرب من الكلوم ص 66.

(2) شمس العلوم و دواء كلام العرب من الكلوم ص 113.

(3) شمس العلوم و دواء كلام العرب الكلوم ص 17.

38

يعلم عن الصغرى، و التي لم تكن لها علاقة أو ذكر على الألسن .. و هذه تاريخها غامض جدا، و التتبعات متضاربة في شأنها ... و سيتبين للقارئ ان بعض القبائل من العرب البائدة لا تزال بقاياها معلومة على ما هو شائع و إن كانت نسيت اسمها الأصلي أو تناسته ...

***

39

- 3- العرب المتعربة (العرب القحطانية)

حلت هذه محل الأولى. و يقال ان قوما من الساميين من ولد ارفخشد أخي ارم جاؤوا من العراق فتعلموا العربية و هم قحطان‏ (1) و أولاده و يقال له (يقطان) أيضا فقحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السّلام).

و قالوا: فالغ أخو قحطان و هو جد إبراهيم (عليه السّلام) و هؤلاء القحطانيون محوا البقية الباقية من العرب الأولى و أهلكوهم حربا و ورثوا لغتهم تعلموها ممن اتصلوا به و كانت امهم عربية فتكلموا جميعا بلسان أمهم. و المنقول عن ابن الشرية ان الذي كان قد خرج إلى اليمن يعرب بن قحطان و كان اكبر اخوانه سنا (2). و هناك صفت لهم الأرض.

و في أصل القحطانية أقوال كثيرة، و نظرا لبعد العهد لا تعرف العرب عنهم إلا الاجمال و هو ان العرب شطر كبير منهم من ولد قحطان و شطر الآخر من عدنان و كفى. و أما نسبة قحطان و اتصاله باسماعيل أو عدم اتصاله، و تعداد اجداده و ما ماثل ما لا يقوم عليه دليل. و من أشهر الأقوال ما ذكر أعلاه و البعض انه ابن ارم بن سام، و منهم من يقول انه منسوب إلى اسماعيل، و منهم من يميل إلى انه ابن هود و قد جاء في شعر المتنبي .. إلى‏

____________

(1) الأخبار الطوال ص 6- 7.

(2) الأخبار الطوال ص 8.

40

آخر ما هناك من الأقوال .. و التفصيل في كتاب الانباه على قبائل الرواه.

و العرب مهما كان من الاختلاف لا تعرف سوى الجذم القحطاني و الجذم العدناني‏ (1). و القبائل المتكونة أخيرا من هؤلاء نشأوا من أولاد قحطان و ابنه يعرب و سميت جميعها (بالعرب القحطانية) أولاد قحطان:

1- يعرب.

2- جرهم.

3- المعتمد.

4- المتلمس.

5- عاصم.

6- منيع.

7- القطامي.

8- عاصي.

9- حمير.

و قد ذكر المؤرخون- غير صاحب الأخبار الطوال- إن حمير هو ابن سبأ بن يشجب بن يعرب المذكور. و هو غيره كما يظهر من عمود النسب ...

ثم ان هؤلاء تكاثروا بأرض اليمن و ملكوا عليهم سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان ثم ولّوا حمير بن سبأ و هذا جعل ابنه كهلان وزيره. و كان اسماعيل (عليه السّلام) في هذا العصر. ثم ملك اليمن‏ (2) ملوك كثيرون من آل قحطان توالوا على الملك و كان يبالغ في سعة ملكهم و عظم سلطانهم. و ما أصدق ما قاله الطبري في هذا الموضوع عن اليمن و كذا سائر الأمم من انه غير ممكن الوصول إلى علم التاريخ بهم إذ لم يكن لهم ملك متصل في قديم الأيام و حديثه ... و قد كان لليمن ملوك لهم ملك غير انه كان غير

____________

(1) الانباه على قبائل الرواه ص 55 و ما يليها.

(2) الطبري ج 1 ص 107.

41

متصل و إنما كان يكون منهم الواحد بعد الآخر و بين الأول و الآخر فترات طويلة لا يقف على مبلغها العلماء لقلة عنايتهم بها و بمبلغ عمر الأول منهم و الآخر إذ لم يكن من الأمر الدائم فإن دام منه شي‏ء فإنما يدوم لمن دام له منهم بأنه عامل لغيره في الموضع الذي هو به لا يملك بنفسه و ذلك كدوامه (لآل نصر) (1) ... فلم يزل ذلك دائما لهم من عهد اردشير بن بابكان إلى ان قتل كسرى أبرويز النعمان فنقل عنهم إلى اياس بن قبيصة الطائي‏ (2).

و على كل و في أيام القحطانية تكاثر العدنانيون من ذرية اسماعيل (عليه السّلام).

و من أشهر حوادث القحطانية قصة بلقيس مع سليمان (عليه السّلام) و سيل العرم. و من ملوكهم التبابعة، توالى ملوكهم إلى ان تملك الحبشة عليهم فانتزعوها من ملكها ذي نواس. ثم استعادوا الملك بنصرة من الفرس، ثم حكم الفرس على اليمن إلى ان ظهر الإسلام. و كان حاكمها أيام العهد الإسلامي باذان‏ (3).

و القبائل القحطانية كثيرة و منها طيى‏ء و لخم و مذحج و همدان و الأزد (الأسد) و قضاعة.

و من هؤلاء و غيرهم انتشرت جماعات في الأطراف استولت على بعض الأقطار العربية كالبحرين و الحجاز و منهم من مال إلى العراق و اريافها فتكونت منهم إمارات من آل نصر اللخميين و غيرهم ... و يعزى أول تفرق اليهم كان بسبب سيل العرم ... و التفصيل في اليعقوبي‏ (4).

و لا زال شطر كبير من العرب متكونا منهم، و أكثر قبائل العراق اليوم منهم، و منهم قبائل كبرى أيضا في غير العراق .. لا تكاد تحصى عدا .. و لا تزال منتشرة في جزيرة العرب و سورية و مصر ...

____________

(1) هم المناذرة و آباءهم ممن ملك العرب في العراق.

(2) الطبري ج 1 ص 162.

(3) الأخبار الطوال ص 65.

(4) تاريخ اليعقوبي ص 239 و ما يليها.

42

- 4- العرب المستعربة (العرب العدنانية)

و هؤلاء من ولد اسماعيل (عليه السّلام)(1) فإنه كان قد ترك أولادا كثيرين و كانت أمور مكة بيد ابنه (نابت) فلما توفي غلبت جرهم على البيت و الحرم فخرج ابنه الآخر (قيذر) بأهله و ماله يتتبع مواقع القطر فيما بين كاظمة و غمر ذي كندة و الشعثمين. و ما إلى تلك الأرضين حتى كثر ولده و انتشروا في جميع أرض تهامة و الحجاز و نجد (2).

و في خلال هذه المدة و اثر حادثة سيل العرم انفصل عن جماعة الأزد (3) فريق منهم، عمرو بن ربيعة المعروف ب (لحي) و من معه فانتشروا بالحجاز و ما والاها فصار قوم إلى عمان و آخرون إلى الشام. و إن عمرو بن لحي أزاح جرهم و ولي أمر مكة و كان أمير خزاعة فبقيت الامارة في أيدي قبيلة خزاعة .. و من هؤلاء تكونت بطون كثيرة. (4)

و على كل قد أزاحوا جرهم باتفاق مع ذرية اسماعيل (عليه السّلام) و لم تمض‏

____________

(1) العرب المستعربة تمت الى إبراهيم (عليه السّلام) والد اسماعيل.

(2) ص 11 من الأخبار الطوال. و ص 161 ج 1 من الطبري.

(3) ورد في اشتقاق الأنساب بلفظ أسد" بفتح الهمزة و سكون السين" و المشهور الأزد كما ذكر ... ص 276.

(4) اشتقاق الأنساب ص 276 و سيرة ابن هشام.

43

مدة حتى جاءت النوبة إلى أولاد معد بن عدنان من سلالة اسماعيل (عليه السّلام) فتكاثروا و تكونت منهم قبائل أسد، و كنانة، و ربيعة و تميم، و عنزة، و إياد، و أنمار، و مضر، و غيرها ..

و من هؤلاء مضر و ربيعة هما الصريحان من ولد اسماعيل بن ابراهيم (عليه السّلام) و تنازع النساب في إياد و أنمار فمنهم من عدّهم من نزار و منهم من اعتبرهم من قحطان و الباقون إما من ربيعة أو من عدنان قطعا .... و من ثم سمّوا (بالعرب العدنانية) كما ان عرب اليمن من قحطان قيل لهم (العرب القحطانية) (1).

وقف العلماء عند عدنان و لم يقطعوا في سلسلة نسب آباءه و أجداده إلى اسماعيل فقد اختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا جدا إلا أنهم أجمعوا على أن عدنان من ذرية اسماعيل (عليه السّلام) و عند التجاوز قالوا: (كذب النسابون) و في الحقيقة لا يقوم دليل على عدّ الأنساب و المعرفة في هذا اجمالية، و هي المعوّل عليها ...

و لا يهمنا إيراد ما قيل في آباء العدنانيين و سرد الاختلافات في انسابها. و التفصيل في كتاب الانباه على قبائل الرواه و غيره و الأكثر ممن يرغب في الإيضاح يركن إلى قصيدة أبي العباس عبد الله بن محمد الناشي في الكتاب المذكور (2).

و التساهل ظاهر في التسمية للقبائل المتفرعة، أو الناجمة من أصل اسماعيل (عليه السّلام) من العدنانية، أو المعدية، أو النزارية، أو المضرية، و كلها تعني القبائل المستعربة أو الاسماعيلية.

____________

(1) المسعودي و الطبري.

(2) ابن عبد البر: الانباه على قبائل الرواه ص 46: 50.

44

- 5- اختلاط العدنانية و القحطانية

ثم ان هذه القبائل تكاثرت و حصلت على اسمائها المعروفة أخيرا من عدنانية و قحطانية و تركت التسمية الأولى و لازمها اسمها الجديد إلى اليوم.

فمن هؤلاء خزاعة تسلطت على العدنانية ثم تقوّت هذه عليها و بعدها كانت العلاقات متوالية و القبائل في توافق و تدافع حتى تغلبت العدنانية و مال قسم من هذه نظرا لضيق ارضها بها كعنزة و ربيعة إلى البحرين. و هناك تحالفوا مع القحطانيين على التنوخ و تعاقدوا على التناصر حتى صاروا يدا واحدة فاختلط العدناني منهم بالقحطاني و ضمهم اسم (تنوخ) و ان كانت كل قبيلة احتفظت باسمها الأصلي ... و من ثم شعروا بالقوة فطمعوا أن يغلبوا الأعاجم على ريف العراق مما يلي بلاد العرب فساروا إلى العراق و نزلت تنوخ من الأنبار إلى الحيرة في الأخبية لا يسكنون بيوت المدر فاستمروا على بداوتهم ...

و هذا الاتفاق من أمد بعيد جدا و يقال انه أيام بختنصر كما سيأتي التفصيل. و بالنظر للقبائل الموجودة كان الأول من نوعه على ما هو معروف و إلا فقد سبقته هجرات كثيرة من العرب معروفة تاريخيا ...

و قد اطنب المؤرخون في التحقيق و التدوين عن العرب في العراق.

45

- 6- انتشار العربان في الاطراف‏

و من هذا يرى ان هذه القبائل كان بدء انتشارها و مجيئها إلى العراق أيام بختنصر و ان أولاد اسماعيل (عليه السّلام) كان أصلهم من العراق أيضا ثم عادوا بالاتفاق مع القحطانية و تملكوا قسما منه ... و التاريخ يبرهن ان صلة العرب بالعراق غير مقطوعة من عهد ابعد مما ذكره مؤرخو العرب و ان الكلدان جاؤوا من جزيرة العرب، و هم في الحقيقة أول عرب قطنوا هذه الديار ثم ملكوها ... و على كل حال استمر اتصالهم و لم ينقطعوا بالرغم من تحكم ملوكهم و استبدادهم حتى جاء الاسلام فقضى على حكومة فارس في العراق و كوّن حكومة عربية واسعة النطاق ... و لا يزال تأثيرها باقيا، و أثرها ثابتا إلى اليوم ...

فالعراق لم يقف عند سكانه الأصليين و لم يبق عليهم بل لم يقطع الباحثون في أصل سكانه، و الأطماع موجهة اليه من كل صوب، و من شعر بقوة مال اليه و حله أو ان من ضاقت به أرضه رمى بنفسه اليه ... و الصحيح لم يعرف بالتحقيق عن أصل سكانه ممن سبق الكلدان و الأثوريين و لا عرف بصورة واضحة عن كيفية تكوّنهم و مجيئهم .. و المظنون ان العرب دفعوا سكانه السابقين لهم ممن كانوا قد زاحموهم أو تغلبوا عليهم و اقاموا فيه من أبعد عصوره فكوّنوا النبط (الكلدان و الاثوريين) و هذه أول هجرة للعرب علمها التاريخ من جزيرة العرب فدوّنت اللغة و كان من هذا التدوين شكلها الأول ... ثم دوّنت ثانية على يد العبرانيين في توراتهم و هكذا ما سجلته‏

46

الآثار الحجرية. و بعدها جاءت اللغة الفصحى على يد العرب المسلمين ...

فثبتها القرآن الكريم اما ما قبل الكلدان فليس بمعلوم ... و ان تيار هذه الهجرات مؤيد بالمشاهدات الحاضرة، و بالتاريخ و بمقطوعية العنصر، و السحنات ... و اللغة ..

هذا ما رأيناه من بين تلك الآراء الشائعة قديما و حديثا و هو الذي ايدته اللغة أيضا و لا يسع المحل التفصيل باكثر من هذا.

47

- 7- ترتيب الانساب‏

مر بعض البيان عن تيار الهجرة و اختلاط العرب. و نظرا لآراء علماء الأنساب و للتوراة و ما تقصه عن ولد نوح (عليه السّلام) و هم البقية الباقية من البشر ان العرب جدهم معروف أي انهم وصلوا قبائلهم بولد من اولاد نوح (عليه السّلام) و من ثم قالوا يتكوّن العرب الأولى و هي العاربة، ثم المتعربة، و العدنانية المستعربة على النحو الذي تقدم القول عنه. فالحقوا القبائل الكبرى من العدنانية باسماعيل، و القحطانية بيعرب أو أحد اخوته ... ثم تدافعوا و لم يبق من اولئك سوى القحطانية و العدنانية و انقرض الآخرون، أو تشتتوا بين القبائل الموجودة و اندغموا بها أو مالوا إليها و اندمجوا إليها ...

ثم استمروا في ترتيب انسابهم فجعلوا القبائل التالية للقبائل الكبرى المذكورة انها في الأصل أبناء لأولئك ... و هكذا سلسلوا الأنساب و أقوى سند يعوّلون عليه في هذه السلسلة الحافظة من جهة و اشتقاق الأفخاذ الحاضرة من جهة أخرى ... أما الحافظة فهذه ليس في طاقتها أن تبقى مستمرة في حفظها و سيرها حتى تصل إلى اليوم .. أو إلى أن شرع التاريخ بتدوين مشاهداته ..

و لهذا السبب وقع الاختلاف بين نسابي القبائل في أصلها و في سلسلة أجدادها، و في الجد الذي تناسلوا منه و في بيان عمود النسب .. و لكن من المقطوع به ان بعض القبائل عدنانية و الأخرى قحطانية و كفى، و إيصال الأشخاص أو أسماء القبائل بالأشخاص التاريخية الأولى من ولد نوح (عليه السّلام)

48

مما لا يعوّل عليه ... و ان كان الانتساب إلى القبيلة مقطوع به في اكثر الاحيان.

و هنا قبائل لا يعرف انتسابها إلى احد هذين الشطرين يقال لها (القبائل المتحيرة) و سيأتي الكلام عليها.

و لما كانت الاقوام و القبائل اختلطت و اشتبكت في وقائع كثيرة فاللغة و تخالف اللهجة عادا لا يصلحان تماما و قطعا و ليس فيهما كفاية للتفريق، و اما النسب، و النخوة: فهما مما يؤيد وجود القربى، او الاتصال ... و لم يكن ذلك معوّلا عليه في سنده من كل وجه. و ما قاله صاحب اشتقاق الانساب من ان الحميرية لا تقف على اشتقاق‏ (1) لبعد العهد بمن كان يعرفها ... دليل آخر على ان الانساب عادت لا تعرف ايضا إلا اجمالا لعين السبب، و لم يصح اتصال الاشخاص و حفظ اسمائهم بالتوالي ... (2) إلا لمقدار معلوم و معين.

____________

(1) المراد بالاشتقاق اصل الكلمة او اللفظة التي سمي بها المرء الذي هو جد القبيلة او القبيلة رأسا و معناها في اللغة و طريق اخذها.

(2) ص 312.

49

- 8- تمحيص و خلاصة

و الحاصل ان انتهاج العرب إلى الجزيرة من ارض العراق أيام الكلدان او قبلهم او في اوائلهم غير مقطوع به، و ان وجودهم في الجزيرة قديم العهد، و ان التاريخ قد دوّن هجرات العرب إلى العراق.

و كذا المشاهد ان العرب استمرت هجرتهم إلى العراق و سائر الارياف حينما كانت تتكاثر نفوسهم و كانت الجزيرة لا تفي بسكانها، او لاحوال اضطرارية فتعود مادتها لا تفي لسد الحاجة و العوز من قحط و غيره، او لتدافع آخر عدائي او اتفاقي مما لا تحصى اسبابه .. فنرى الوقائع التاريخية و نصوصها متضافرة في طريق الهجرة ... لا للعراق وحده و ان الانساب لا يعتمد دائما على ما عينته من تسلسل الأجداد و عمودها ... و إنما يجب أن يكتفي بالاجمال لارتباط القبائل و اتصالها دون أن يعوّل على تعداد الأجداد و ذكرها اعتمادا على الحافظة .. و سيرد من الأمثلة الكثيرة ما يؤيد قولنا من هذه الناحية ...

و يلاحظ هنا ان العرب في انسابهم هذه، و ترتيبها و استقرارها، و اشتقاق قبائلها، و الطريقة التي راعوها فيها صار معوّل جميع الأمم و عليه مشى أكثر المؤرخين للأقوام و الشعوب الأخرى إجمالا أو تفصيلا فجعلوا اسم الأمة جدا أعلى فوصلوه بأولاد نوح (عليه السّلام) ثم الأقوام التالية اعتبرت أولاد ذلك الجد، و ان الفروع الأخرى أولاد أولاده ... و هكذا حتى رتبوا أنسابهم بهذا الوجه .. فالعقلية العربية مشت على هذا النحو في أنسابها لما

50

رأته من اشتقاق فروعها ... و لما تناقلته من أنسابها بواسطة النسابة المعروفين لديها .. و ان هذه يداخلها بعض الارتياب في الصعود و النزول من ناحية التفريعات للأسباب المذكورة، و لاختلاف أعمدة النساب بين هؤلاء .. و كذا القول في من تابعها على هذا النحو .. فهو يصدق من جهة الإجمال و يرتاب فيه من التوغل في التفصيلات و الأحوال الأخرى .. لقصر في الحافظة و بعد مدى في النقل.

و لا نرى صحة للقول بأن العرب اشتقوا من الكلدان و الاثوريين ..

و إنما المعروف أن هؤلاء نزحوا من جزيرة العرب فكانوا أول من حكم العراق منهم أو عرف انه حكم العراق، ثم تلاهم غيرهم و هكذا توالت الهجرات و آخرهم من نراهم اليوم و هم أكثر عرب العراق الحاضرين ... فهم في اتصال به و ارتباط دائم و مستمر ... و لا يفسر القول بأنهم أصل العرب إلا أن يكون العرب ساروا بحذافيرهم من الجزيرة و لم يبق إلا القليل النادر فكان هؤلاء القليلون يحفظون أنسابهم بأنهم من أولئك. و هذا لم يقم عليه سند. في حين إن قدم الموجودين في الجزيرة مقطوع به ...

51

- 9- القبائل و فروعها

1- القبائل:

قبل الكلام على القبائل العراقية و مكانتها في العراق لزم ان نتكلم عن البيت أو الأسرة و كيفية تكوّنهما في البداوة إذ هما اساس الفخذ و العشيرة فالقبيلة فالامارة بالنظر للتشكيلات الحاضرة و انها نتيجة الماضي.

و لما كان للتشكيلات الاجتماعية خواص يمتاز بها بعض الأمم عن البعض الآخر و إن اتفق الكل على الاجتماع، و شعر بالضرورة لوجود أو تعيين نهجه .. فللوصول إلى هذا الغرض سلكت الأمم و الجماعات سبلا مختلفة و متباينة أو متفاوتة كل جماعة فكرت أنها هي صاحبة الطريقة المثلى، و الصالحة المرضية .. و بالرغم من اختلاف الأمم و الأقوام و تعارض المصالح بين بعضها و بعض نراها متحدة من حيث الغاية و الغرض. و لكن البيئة ولدت ما يجب سلوكه ...

و اليوم لما تعرفت بعض الجماعات أو الأقوام ببعضها صارت تسعى إلى مراعاة الأوصاف القويمة، و الاجتماعيات المقبولة لدى الأخرى لتكون مشتركة بين الكل و متفقة عليها شأنها في إدارة الحكومة، و الحقوق الدولية بين الحكومات، و اقتباس خير القوانين، أو الاستقاء من معينها، و الاستفادة من تجارب الأمم و مجرياتها .. مع نبذ الأمور البالية و الرديئة ..

ذلك عدا ما يعترض هذه من موانع قومية، و عنعنات، و اعتيادات‏

52

فالفكرة سائرة إلى اتباع الأحسن و تمثيله، و مراعاته بقدر الحاجة و ما تسمح به الظروف المسهلة للأخذ. فلا تخرج الأوضاع الاجتماعية عن هذا النهج و ما يتعلق به من صلات أو يرتبط من علائق ...

إن درس أوضاع الأمم هذه و ما هي عليه ضروري إلا أن المطلوب هنا تدوين بعض ما اتصفت به الأمة العربية من خصائص واضحة، و أوصاف جلية .. من طريق العشائر و القبائل فإن أكثر ما تظهر هذه الخصائص في العشائر و أساساتها الاجتماعية، و التعرف بأصل بنيتها القومية مما يتعلق بقطرنا خاصة فإنه أقوى في المعرفة و أقرب للتناول في البحث و التنقيب و تدوين ما يظهر ...

و من ثم يتحقق لنا ما يعرض للجماعة من إضافات و زوائد بمقتضى الحاجة المدنية مما دعا إلى هذا التحول و إن كان تدريجيا. فالأصل للبحث عن أمة هو درس البداوة العريقة فيها و المتأصلة أكثر فذلك بمنزلة معرفة الماضي ... إذ ما نشاهده في العرب من الطبائع و الأوصاف إنما هو من بقايا تلك بل من أصولها و أسسها العامة المشتركة الموجودة في باديتهم فلم تنتزع منهم بسهولة، أو تفقد بسرعة فلا تتغير أو تتحول و إنما نالت استقرارا حتى أن الحضارة لم تتمكن من تغييرها أو اجتثاثها فتيسر الجمع بينهما و الألفة و بنيت حضارتهم على أسسها و التبديل لا معنى له إذا كان تسيير الجماعة به ممكنا ... هذا خصوصا بعد أن محا الدين الإسلامي المرذول من عوائدهم ..

و هذه متلازمة في كافة الحالات الاجتماعية. فإذا عرفنا إن الوضع لا نجد مندوحة من النظر إليه من كل ناحية و شعبة و من ثم تتيسر المقارنة.

فالمهم تثبيت الحالة العشائرية و ذلك لأن العربي يؤلف البيت أو الأسرة أو العائلة، و من هذا يتكوّن الفخذ فالعشيرة، فالقبيلة و الإمارة. و الكل سائر على نحو متماثل أو متقارب .. و على هذا الترتيب كانت طبقات العرب الشعب، و القبيلة، و العمارة، و البطن و الفخذ ... (1)

____________

(1) الانباه على قبائل الرواه ص 45.

53

و يلاحظ هنا ان كل واحد من هذه ينال وضعا أكبر و تقل العلائق و يقتصر على بعضها و هي الأصول المعوّل عليها .. و تتنازل في التفريغ إلى أفخاذ تالية. و حينئذ تكتسب الأسرة الأولى اسما أعظم بالنظر لعظم الفخذ الأول المتفرع منه فيدعى عشيرة، و هكذا يتقدم في السعة و الضخامة كلما زادت النفوس و تكاثر التوالد ... حتى ينال اسم قبيلة أو يحصل على لقب الإمارة .. و تقادم العهد كفيل بذلك و ضامن له ...

و كلما حصلت حالات اجتماعية مثل هذه نرى التبدلات ثابتة قد مشت على و تيرة واحدة و لازمت وضعا مستقرا. فتكاد تكون السيرة الاجتماعية متطابقة و متوافقة من كل وجه ثلاث نقاط بل ان السائح الغريب أو المرء الأجنبي إذا شاهد واحدة لا يكاد يفرق بسهولة خصائصها عن رفيقتها فكأنها جرت على نهج تربوي. أو اتفاق اجتماعي .. و التفاوت في العادات قليل أو لا يعتبر كبيرا إلا من حيث المقدار أو الكثرة و القلة أو التقرب من محيط يستدعي وجود عوائد، و امحاء أخرى قديمة ...

و لما كان البيت أس هذه الجماعات و مبدأ تكوّنها و ان التشعبات للأفخاذ و القبائل ناشئة من هذا الأصل الأول اقتضى بسط القول فيه بسعة ...

2- البيت (الأسرة):

البيت أصل القبيلة. و الى الآن يطلق (البيت) في كثير من مواطن العراق على الفخذ و نجد هذا المصطلح في أنحاء العمارة و الكوت و المنتفق و غيرها، فيقال بيت جنديل، و بيت عبد العال ... الخ. و البيت لغة ما يحتوي على هذه الأسرة و يجمعها و يكون من الشعر أو من غيره من سائر الخيام كالصرايف و الأكواخ كما يطلق على البيوت من الآجر و غيرها من مواد البناء و يراد به في الأكثر الغرفة .. و أصله من البيت المعروف في البادية ...

و يتألف البيت من ركنين مهمين الزوج و الزوجة و ما يتولد منهما أو ما يتبعهما بعلاقة الارتباط العائلي للتكاتف على المعيشة و هذا أمر طبيعي. و لا

54

يسع هذا البيت أكثر من هؤلاء فإن تزوج أحد الأولاد كوّن بيتا جديدا.

و هذا البيت الجديد لا يستقل من كل وجه و إنما يحافظ البيت الأول على سلطته و معونته لما تولد منه، و احترام الناجم لمن درج منه و عوّل عليه في نموّه و استقلاله .. و هذه و إن كانت تفقد بعض الاستقلال في الانقياد و الطاعة و التفادي .. كانت لأمر مهم هو الرغبة في ازدياد هذا الولاء و تقويته و التضامن لحفظ الكيان، و مراعاة الحياة في صيانة بقاء النوع و النفس.

ذلك لأن هذا (البيت الجديد) تهدده الأخطار من كل صوب، و تنتابه الآلام من نواح مختلفة، يريد أن يعيش، و يحس بضرورة إلى التكاتف مع الأصل إذ لا يسعه أن يميل إلى من هو أبعد منه و إنما يعتضد بمن هو أقرب إليه و أحق برعايته و موافقته على السراء و الضراء في كافة مطالبه.

و من ثم حصل التفاني في سبيل المنفعة و التكاتف بين هذين البيتين بحيث صار ما يصيب الواحد يتألم منه الآخر و يتضامنون جميعا لدفع الغوائل و يتهالكون في النضال ..

و لم تقف الأمور عند هذا الحد فكلما زاد أفراد البيت و تكاثروا كوّنوا بيوتا جديدة منهم على عين الشروط، و البيوت المتفرعة منها ما يحافظ على اسم البيت الأول و الباقون يستقلون باسمائهم ... إلا أن ما يهم الأول و الثاني أعظم مما يهم الثالث و الرابع بالتوالي في الاشتقاق و القرب و البعد ...

و من هنا راعوا درجة هذا التكاتف و قوته بالنظر لقوة القرابة و درجتها و هذا صار أساسا مهما في الارث الاسلامي. و التضامن في الغالب يكون لحد خمسة. بطون أو أظهر- كما نراه اليوم- فإن تجاوز الخمسة فلا يهم الواحد أمر الآخر و إنما المهم حينئذ ما يخص الكل و يتعلق بالجميع ...

فيقل التكاتف على الأمور الشخصية، و المالية الفردية. إلا أن يكون هناك خطر عام يهدد كيان الجميع، أو قريبا من ذلك كأن يكون من نوع (من حلقت لحية جار له فليسكب الماء على لحيته)، و من البيت الأول نشأت‏

55

الرياسة على عدة بيوت إلى أن شملت الفخذ، أو العشيرة أو القبيلة ..

و هكذا الامارة ...

و على هذا الأساس صاروا يقولون (الحلال بخمسة) و (الدم بخمسة) و يترتب عليها الوسكة (الوسقة) و (الأخذ بالثار) و ما ماثل مما سيأتي البحث عنه. فلا يسألون ماليا أو بدنيا أكثر من خامس بطن، أو ظهر لا في المال و لا في الرجال ... إلا في الأمور العظمى، و الأخطار الكبرى مما يهدد كيان القبيلة في الخارج ... و يحرج موقعها، أو يزلزل مكانتها ...

و قد يبلغ بهم التضامن في نوائب الدهر لحد أن قال قائلهم:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا و الغالب أن هؤلاء منتهى ما يتألف من (البيت) و فروعه القربى المسمى أخيرا (بالفخذ)، أو (الفندة)، أو (الفرع)، أو (البديدة) ... كما أن الحقوق متكافئة بين هؤلاء و يعدون- و إن تفرقت بيوتهم- أسرة واحدة.

و من ثم كوّنوا جماعات (أفخاذا) منها تألفت (العشيرة) ..

3- كيف تكوّنت الأسرة:

يحسب بعض الأجانب ممن لا خبرة له و لا اطلاع أن تكوّن الأسرة العربية كان بصورة همجية و وحشية اقتضاها المحيط فلا تعد من الأسر المنتظمة، و لا الشرعية .. الخ.

و هذا الزعم باطل تكذبه الحالة التي عليها الأسرة العربية مهما بلغت من العراقة في البداوة، فهنا يفرق بين البداوة و الوحشة في أن الأولى تابعة لنظام و الأخرى لا تعرفه.

إن العائلة كان تكوّنها نتيجة تمثلات و تطورات و اتباعا لشرائع و نظم قويمة سواء كانت مكتوبة في الأصل أو متلقاة من أهل الشرائع أو الحالة اقتضت ذلك .. و هذه الحال لا يدرك أولها لقدمها و هي مألوفة إلى أن ظهرت الإسلامية، و ان الشريعة الغراء لم تغير فيها تغييرا كبيرا لأن أساسها من مقتضيات البيئة، و إنما أجرت إصلاحا شذّب فيها و أكمل نقصها و دعا

56

إلى ما هي عليه اليوم .. أي أنها لا تفترق في تركيب عائلتها، و تأليفها سواء في اسلاميتها، أو في جاهليتها إلا قليلا ... و أنكحة العرب‏ (1) التي يذكرها أهل الآداب هي أشكال لا أساس أصليّ، أو كانوا يفعلونها لأحوال خاصة، أو أن المرأة لم تكن مصونة، و لا قاهر عليها تخشى منه ...!!

و اليوم تتمشى على قانون (الدين الاسلامي) و لكن التطبيق فيه متفاوت تفاوتا ليس بالكبير و اصلاحه مهم بالرغم من قلته، أحدث انقلابا في الاسرة و في غيرها محكم، قوي و بسيط ناشى‏ء من روح القوم، سهل الاخذ مما لا نراه في شرائع الأمم السابقة بل و شرائع اليوم ... و قرر حقوق العائلة و افرد أحكاما لكل من الزوجين.

و اساسا ان صلاح كل من الزوجين مطلوب و مرغوب فيه و أساسه‏ وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ‏ و وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ‏ و فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ‏ ... الخ.

و التاريخ يقص علينا الشي‏ء الكثير من نظام الأسرة و مكانتها عند العرب فلا نجدها تابعة للاهواء، متبدلة كل يوم، فتطبق وفق الرغبات، او الاحوال الآنية ... بل ثابتة مستقرة لا تقبل التبديل و التعديل بوجه بخلاف ما نراه اليوم في كثير من الأمم و انظمتها فاننا نجدها تابعة للأهواء، و الآراء الآنية، لا تستقر على حالة ... فالاسلامية اصلحت في نظام العائلة و ساوت في الحقوق بين الزوج و الزوجة و منعت الظلم عنها و أقرت الزواج المشروع و منعت ما هو مستكره و هو اتخاذ (الاخدان)، او (البغايا)، و وافقت على العنعنات المرعية الفاضلة و الاعتيادات التي لا تؤدي إلى الاجحاف، او القسوة ... مما لا يخل بالاساس ... و منعت الوأد، و العضل، و قررت نظام الارث ... و بهذا صانت حقوق المرأة سواء كانت اما، او زوجة، او بنتا، او ما ماثل ...

فالبيت يتكون من الركنين المذكورين. و هذا أس العائلة و دعامتها

____________

(1) راجع أنكحة العرب في كتاب (النفحة الملوكية في أحوال الأمة العربية الجاهلية) للسيد عمر نور الدين القلوصني الأزهري ص 180 و كثير من المؤلفات تتعرض لهذه.

57

المكينة و لا يستطيع احد ان يتزوج بدون عقد، أي ان يغشى امرأة دون ان ينال عقوبته، او ان يكون منفورا ... و العقر عند العرب دية التجاوز على عفاف المرأة ... فلو كانت غير مرتبطة بعقد لما احتيج إلى ذلك، و لا روعيت الولاية عليها ... و مما ابقته اللغة و القرآن الكريم لفظ (الخدن) و هو الصاحب بلا زواج و لا عقد فانه مرذول كما هو المنقول، و منفور منه ...

و ان المرأة التي تسلك هذه الطريق تعد خدنا، او فاحشة، او زانية، او بغيا، و ان لم تكن مبتذلة للكل ... و اذا كان لها اقارب او عشيرة قتلتها و غسلت العار ... لحد ان العربي كان يوجس خيفة من لصوق العار فيقتل ابنته حية بطريق (الوأد) قبل ان يأتي أوان زواجها خشية ان ترتكب ما يجلب العار و هذا التوهم و توقع العار ساقه إلى ارتكاب جناية قتلها ... قبل ان يقع الذنب. و قد منع الاسلام منه و وقف القوم عند حدود الشرع‏ وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.

و كانوا و لا يزالون يبذلون جهودا لانتقاء الزوجة و استيلاد من يكونون مثل آبائها و اسرتها و أمثلة هذا جمة سنأتي بالكثير منها في حينها عن كل قبيلة ... مما هو محفوظ عنها و مرتكز في نفوس القوم ...

و العرب يكرهون بل يمقتون ان يأكلوا فضلات غيرهم او يلغوا في اناء ولغ فيه كلب ما ... او يشربوا سؤره، و الحاصل ان نفوسهم تعاف مأكول الغير، و مشروبه و يمقتون القبيلة التي تبيّت أكلها، فمن الاولى ان لا يتصل بامرأة هي متاع كل واحد او فضالة كل شارب، و هذا عام في كل القبائل ... يأنفون من ذلك كل الأنفة:

اذا وقع الذباب على اناء* * * رفعت يدي و نفسي تشتهيه‏

و تجتنب الاسود ورود ماء* * * اذا كان الكلاب و لغن فيه‏

و قد وصف القرآن الكريم هذا النوع من الاتصال باشنع وصف و اصدقه‏ وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا. و اما الزواج المشروع فقد نوّه بذكره و حبّذه بقوله: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏

58

أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً الآية و الغاية في ذاك ارضاء الشهوة و هي معروفة. و ليس الغرض اتصال الود و الرأفة ...

و المهر ايضا معروف لديهم و متبع عندهم و يتغالون به و نكاح الشغار مما أبطله الاسلام بل اوجب فريق من الفقهاء الزام مهر المثل فيه ... و كذا هو منفور منهم و قول العوام (غصه بغصه و لا كصه بكصه) (1) المثل العامي مما يؤيد معتادهم. و ليس هذا معناه شراء المرأة، او مساواتها بمبلغ معروف معين و استكراه هذه الحالة من بعض المتمدنين، او الذين يحاولون هدم كل قديم ... فالامر لا يفهم منه ذلك و إنما هو ضمان للزوجة ان تعيش بضرورة بل لدفع كفافها، و حراسة وضعها لمدة حتى تتبصر من امرها و تعين و جهتها ... و حكاية ام شهلبة و بنت الفوري تعين ذلك‏ (2). و كذا يقال عن المراسيم للأعراس و الزفاف و مراعاة الكفاءة و النهوة لمن لم تعرف كفاءته و ذلك من أي قريب حفظا للسمعة و النسب. و لكن الاسلامية تحوطت في هذا الامر و جعلت له سياجا معقولا من التصرف. كما ان الغرض مصروف إلى الاهتمام و المغالاة لئلا تكون المرأة بضاعة رخيصة او مبتذلة.

و من ثم نرى العرب قد حافظوا على انسابهم و أعراضهم و صيانة اخلاقهم. و هذا نظام متأصل فيهم من زمن قديم لا يدرك اوله، و مزاعم أهل الطوتمية مردودة، و غير معروفة (3). و نكتفي بهذا لمناسبة البيت و بيان اركانه ...

و لا يسع المرء ان ينكر ما يشاهده في العرب عن خيولهم التي هي‏

____________

(1) يريدون غصة قد تقابلها غصة مثلها و لكن معاوضة قصة أي ناصية «امرأة» بناصية اعظم بكثير ...!!

(2) ستأتي هذه القصة عند الكلام على الزواج عند البدو.

(3) و في كتاب انساب العرب القدماء مطالب مهمة في الرد على هؤلاء و من اراد التفصيل فليرجع اليه ... و الطوتمية يراد بها ان الام اصل البيت و ان المرأة لا تتقيد بزوج و ان اولادها ينتسبون اليها رأسا ...