موسوعة عشائر العراق‏ - ج4

- عباس العزاوي المزيد...
320 /
5

الجزء الرابع‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على الرسول الكريم محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و و على آله و صحبه أجمعين.

أما بعد فأقدم للقراء الأفاضل كتابا جديدا من نوعه في عشائر العراق، لم يسبق أن كتب أحد كتابا في موضوعه في اللغة العربية، أو زاول مباحثه بسعة فيها و لما كان أول تجربة فلا شك أنه لا يخلو من نقص مهما بالغت في الإتقان، و ليس الأمر مما يتيسر القيام به لواحد، و لا يكفي فيه التتبع الفردي، و الأمر الاجتماعي يحتاج الى تكاتف لتثبيته و مراعاته.

و المرء لا يستطيع البت في كافة المطالب الاجتماعية، و لا يحيط بها، و انما الالتفات يتأتى بضم الجهود و المراجعات العميقة، و التعاون في العمل و أرجو أن يتم ذلك على يد أفاضل كثيرين، فلم أتردد في نشر ما علمت، و ما لا يدرك كله لا يترك جله. فلا شك ان هذه البضاعة المزجاة لا تعدم فائدة. و آمل أن تنال القبول و تكون فاتحة خير لمباحث أخرى من نوعها.

منذ أمد بعيد جدا أحاول التدوين عن الشعوب العراقية، و ما كان لها من أثر أو تأثير في العراق في مختلف أنحائه، و تاريخ هذه الشعوب واسع الأطراف، طويل الذيل، متشعب جدا، لم يعهد أن عرفنا شعوبه معرفة صحيحة، لما ينتابها من الغموض، و ما يتولاها من عماء و قلة نصوص.

6

و هذه الشعوب لم تلاحظ منفردة، و لا بحث فيها العلماء بصورة منتظمة و مضطردة. و النتف القليلة، أو بعض الأوصاف لا تغني الباحث، و لا تروي غلته .. خصوصا بينها ما يعد نبزا.

و الحالة العشائرية تبصر أكثر في الأسس الاجتماعية من جراء أنها تعد ابتدائية و بسيطة، فلا تدع مجالا للتشعب و الانتشار، فهي أولى في البيان و أحق بالرعاية، و منها يتعين أصل المباحث، و مهماتها .. لتكون الحالة أقرب الى بدء التكوين، ثم ما يتلوه يعين الأوضاع بصورة أكمل و هكذا حتى منتهى الثقافة.

و العراق في الحقيقة يستمد نفوسه من ناحيتين مهمتين إحداهما العرب، و الأخرى الكرد، فمنهما يستقى غالب نفوسه، و بهما قوام حضارته، فيسد الخلل الناجم في النفوس من الأمراض و الأوبئة أو الحوادث الأخرى فالجبل منبع كبير، و كذا جزيرة العرب، فكانا عماد المجتمع و ركنه الركين. فلا نستطيع أن نغفل أمر واحد منهما، و الاكتفاء بالآخر، فكل تناقص أو خلل يعوض بما هنالك، و يزيد في النشاط و يجدد الحياة و الدم. و تاريخ الكرد، و عشائرهم في العراق قديم كقدم العرب فيه، فهما صنوان متكاتفان، الواحد متمم للآخر، أو عونه و مدار عزه و نصرته.

و العشائر الكردية موضوع بحثنا لها مزايا و أوصاف جليلة، تستحق كل إطراء، و لا تخلو أمة من معايب، في نظر غيرها و هذه لا تكون مدار الاقتداء و لا وسيلة المتابعة، و إنما يجب أن نحرص على المزايا الفاضلة عند الكل، و اقتباس ما يصلح، و ما يليق أن يكون قدوة .. و العرب و الأقوام الآخرون بحثوا في سجايا الأقوام، و دونوا عنها، و لم يتركوا حتى الحيوان للانتفاع بخصاله و ما الأمثال المضروبة، و الحكايات المنقولة الا تدابير للاستسقاء من معينها و جعلها واسطة للانتباه.

و هذه الأمة مجاورة للعرب، و مساكنة للعراق و هي من أعظم الشعوب العراقية فالإنصاف يدعونا أن لا نهمل أمرها، و لا نتركها ظهريا بلا علم‏

7

و لا كتاب مبين، فنقف على حياتها و معيشتها في رحلة الشتاء و الصيف، فتكون المعرفة بها في متناول كل أحد بدراسة غير منقطعة، يكمل بعضها الآخر حتى تكون عميقة، و قد قيل قديما «العلم كله في العالم كله» فلا تستقر المعرفة، و لا تقتصر على عدد معدود. بل أقول أكثر ما علمته من أصل القوم، و حالاتهم الاجتماعية، و ما شاهدته فتأثرت به من مشاهد و مطالب، كان أصل المادة، و أما ضم الجهود، و مراعاة الفكرات المختمرة بالرجوع الى التاريخ و نصوصه فهذه بذلت لها المستطاع، لتكون كاملة، أو بالتعبير الأولى أن تكون مقدمة التوسع و التكميل، و الزيادة و التعديل و التصحيح.

جربت هذا الموضوع، و بحثت كثيرا، و حررت المشاهدات، و أوردت النصوص المنقولة، و الأمل أن يجد المرء ما يطمئن بعض رغبته.

عباس العزاوي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الموضوع‏

في هذه المباحث لا يهمنا الا (عشائر العراق)، فلا نتجاوزها الى غيرها الا لعلاقة مشهودة، أو اتصال مكين. لا نهمل العلاقات بالمجاورين، لا سيما عشائر الحدود، و مكانتها من هذه الناحية. و لما كانت القبائل متفاوتة في المكانة، فالضرورة تدعونا أن نفصل بعض النواحي، و نجمل الأخرى .. و في حالات التماثل لا نكرر الوصف و لا نعيده الا لسبب و لا نخرج عن ذلك الا لحاجة اقتضت ..

و في هذا سوف لا نفصل بين البدو، و أهل الأرياف كما في (العشائر العربية) لأن العشائر الكردية في الغالب من أهل الأرياف، و قد استقرت من زمن بعيد جدا، و لم يبق منها على البداوة الا القليل، و هؤلاء في الحقيقة أقرب الى الحضارة، و سكنى القرى و المدن و من هذه الجهة نرى الفروق بارزة، و الأوصاف واضحة بينهم و بين العرب لما سنتناوله في محله سواء عند الكلام على القبيلة، أو أثناء ذكر القبائل بصورة عامة مما يصلح للاشتراك و يعم الجميع ..

و من ثم سوف نعين القبائل العراقية، و بعد ذلك نراعي الحالة العامة، و لا يهمنا سرد المطالب بمفرداتها .. الا أننا نقدم بعضها للدخول في مثل هذا الأمر لنجعله كتمهيد، و لا نتجاوز الحد المألوف في البسط و التوضيح ..

و إنما نراعي الضروري لمعرفة الشعب، فنجعله الوسيلة للغرض الذي توخيناه.

10

و غالب القبائل متفرقة المواطن غير مجموعة فقد رأينا ان القبائل الكردية غير تابعة للواء بعينه أو مقصورة على مواطن بخصوصه، فذكرنا ما وصل إلينا خبره منها دون تقيد، و ان عشائر كل لواء معروفة فلا يهمنا إلا أن نبسط القول في الواحدة تلو الأخرى مرجحين ترتيب الألوية بقدر الإمكان و ان كان الاشتراك مشهودا في بعضها.

و كنا نعتقد أن مجلدا واحدا يكفي لجميع هذه القبائل، فوجدنا فيها كثرة و رجحنا إن نجعل هذا القسم بين أيدي القراء، ثم نقدم ما يتلوه من عشائر الفيلية، كما أننا فصلنا القول في عشائر اليزيدية في كتاب اليزيدية.

و لا أدل على هذه العشائر أكثر من الدخول في مباحثها ..

11

المراجع‏

إن الكتب التاريخية بوجه عام لا تهمل أمر الكرد عند بيان الحوادث أو عروض المطالب، و نرى في هذه توسعا أحيانا، و ضيقا أحيانا أخرى، و لا مجال لذكر كل كتاب تعرض للمطالب التي هي موضوع بحثنا، بل من المهم أن نتناول أكثر المؤلفات فائدة، و أجلها عائدة في مطالبها و أغراضها بحيث يصح أن تعد مرجعا أصليا. و إلا طال البحث و استغرق صفحات كثيرة و موضوعنا لم يكن مقصورا على بيان المراجع و مصادر المطالب ..

و من أصل هذه المراجع:

1- مسالك الأبصار، و هذا الكتاب رأيناه في خزانة كتب أيا صوفيا باستانبول سنة 1934، و 1937 و 1939 م. و كان هذا التاريخ من أجل الآثار عول فيه على عراقيين أكابر، دونوا ما علموا عن الكرد في العراق و زادوا في الإيضاح لأيام المغول. و الكتاب رأيت منه مجلدات كثيرة، و بعضها يختص بموضوع الكرد، و لم ينس أن يتناول مؤلفه مطالب عديدة عن العراق بل إن تدويناته عنه من أجل ما دون في ذلك العهد، و في نظرنا من أعز ما هنالك أخذه عن عراقيين عديدين، ثم إنه قد اعتمده من جاء بعده مثل القلقشندي في صبح الأعشى، و مثل النويري في نهاية الأرب، فهو أصل و مرجع من أعظم مراجع البحث و من أجلها نفعا ..

2- تقرير درويش باشا: و هذا تقرير قدمه رئيس لجنة الحدود عن المنازع فيه بين الدولة العثمانية، و الدولة الإيرانية، و كان تقديمه سنة

12

1269 ه- 1853 م أوضح فيه الوثائق و المشاهدات في الحدود، و ممر خطوطها، و بيان وجهات نظر الدولتين و المواضع المختلف فيها و وجود الخلاف و ما يستند إليه، و كانت قد طالت هذه التحديدات لمدة 14 سنة، فكان هذا التقرير من أجل ما يعين مواطن الخلاف لما بين العراق و إيران و يبين القبائل الساكنة في الحدود، و أوضاعها المعروفة. و من بين القبائل التي تعرض لذكرها (عشائر الكرد) لما بين العراق و إيران. فلا شك أنه من المراجع النافعة جدا في التعرض لعشائر الحدود، و يستند الى وثائق لا يستهان بها بل يعد من أجلها لما قبل مائة سنة تقريبا. و لا يستطيع سياح أن يدون بتحقيق ما دون بالاستناد إلى أناس عارفين و الى وثائق مقطوع بها تاريخية و غيرها. طبع سنة 1283 ه، و سنة 1321 ه في مطبعة احسان باستانبول.

3- سياحتنامه حدود: و هذا من أجل ما كتب في العشائر الكردية جاء متمما لسابقه و لمسالك الأبصار، و مؤلفه خورشيد باشا كان مكتوبيا في نظارة الخارجية (وزارة الخارجية) فأوعز اليه الوزير أن يمضي مع (رئيس البعثة) أو (لجنة الحدود)، و يدون جميع ما يمر به من قرى و بلدان و عشائر، و مواقع، و أن يتوسع في مباحثه، فلا يترك صناعة أو صفة أو أثرا، و أن ذلك مطلوب السلطان و رغبته الأكيدة في ذلك و أن يهتم للأمر و يعنى به عناية زائدة. و بعد أن أتم مهمته و وفاها حقها قدم هذا الكتاب الى السلطان فقام بالمهمة خير قيام، و جاء مكملا، أوسع في المطالب، و أطنب في كثير من الأغراض، و أجل ما فيه مشاهداته الخاصة بالبلدان و بالعشائر.

و وثوقه مما استند اليه من خبراء و وثائق و حالة حاضرة و يعد من خير الآثار في موضوعه، كتبه في الوقت الذي قدم درويش باشا تقريره و في هذا ما يعين حالة العشائر أوضح للمدة السابقة لما قبل مائة سنة، و لا شك أنه جاء بما يستفاد منه كثيرا. و يعد من أعظم المؤلفات في موضوعه لاعتماده على أكابر رجال المعرفة، و أهل الخبرة، فلا يأخذ عن كل أحد و إنما كان يعول على من هو عمدة. و يظهر الخلاف و الاختلاف أثناء المقابلة و الفرق‏

13

بينه و بين تقرير درويش باشا أن هذا رسمي، لا يتوسع فيما لا يهم الحدود و ما لا يتعلق بها، فجاء هذا متمما. عندي نسخة مخطوطة منه مذهبة، معتنى بها بالغة العناية في الاتقان، فهي من المقتنيات النفيسة لما فيها من صحة و دقة في النسخ وجودة في الخط، عدا التزويق، و التذهيب، و كل ما يقال في وصفها قليل. و المهم انها فوق كل سياحة، أو تدوين عابر، فلم يقع فيما وقع فيه كثير من أهل التتبع إلا أن معلوماته التاريخية ضيقة فلم يسعه المجال لأكثر مما كتب ..

4- الشرفنامة: و هذه من الآثار الخاصة بالكرد، و قبائلهم و لا نرى قبيلة في أغلب الأحيان إلا و نشاهد لها أصلا في هذا الكتاب. تصل حوادثه الى سنة 1005 ه، و لم يوصل أحد هذه المباحث الا أن الوثائق بعده ليست بالقليلة، فيصح أن تطرح الى اليوم .. و لكننا لم نر من أكمل حوادثه، أو أتمه إلا ما رأينا في تقرير درويش باشا و في سياحتنامه‏ء حدود، و في ياقوت و ابن فضل الله العمري و المطبوع من الشرفنامة لم يحو الوقائع على السنين. و قد رأيت مخطوطا من الشرفنامة يشتمل على المطبوع و على الحوادث من أيام المغول من سنة 689 ه الى عهده بعد أن يدون مقدمة في آل عثمان و سلسلة نسبهم و الكتاب مطبوع في مصر و لم يعين تاريخ طبعه و له مقدمة مهمة بقلم الأستاذ (محمد علي عوني) تصلح أن تكون من المراجع المعتد بها إلا أنه جاء ناقصا عن النسخة المخطوطة المحتوية على ذكر الوقائع من أيام المغول الى أيام المؤلف و بالتعبير الأولى إلى سنة 1006 ه.

و لا شك أن من يزاول أمر البحث في الكرد يضطر أن يرجع اليه و إن كان لا يصلح أن يعد مصدرا وحيدا.

5- تاريخ سليماني: لمعالي الأستاذ محمد أمين زكي، طبع باللغة الكردية في مطبعة النجاح سنة 1358 ه- 1939 م. و قد استفدت منه بالاستعانة بمن يعرف الكردية، و علاقته بموضوعنا مهمة جدا إلا أنه لم يتعرض للقبائل إلا قليلا، و لم يفصل عنها. و مؤلفه عالم فاضل.

14

6- تاريخ الكرد و كردستان: له أيضا. و هذا قد جاء فيه قائمة بعشائر الكرد، و إن الكتاب نقل الى اللغة العربية و طبع سنة 1939 م و لا شك أنه من الكتب الأصلية المهمة.

7- كرد: كتب باللغة الإيرانية. من مؤلفات الأستاذ رشيد ياسمي من أساتذة جامعة طهران و لم يعين تاريخ طبعه إلا أنه من المطبوعات الجديدة في مجلد ضخم تعرض فيه للكرد قبل الإسلام و بعده، و نقل الآراء العربية، و غيرها فهو من المراجع النافعة المعتبرة الا أنه عام في مباحثه، فلم يتصل بالعشائر، و لا بالمواطن الجغرافية.

8- الأكراد: من فجر التاريخ الى سنة 1920 م محاضرة ظهرت في رسالة طبعت سنة 1353 ه- 1934 م، من تأليف الأستاذ رفيق حلمي. نقل من مؤلفات غربية في أصل الكرد.

9- من عمان الى العمادية أو جولة في كردستان الجنوبية: هذا الكتاب ينم عن دراسة في تاريخ الكرد مزجها بمشاهدة و غالبها تستند الى الشرفنامة، أو بالتعبير الأولى لتقوية المعلومات و التثبت منها بهذه الجولة أو الجمع بين التاريخ و هذه الجولة و كأنه يكتب عن اطلاع واسع، و لا شك أن هذا الأثر غالب معلوماته صحيحة، و لكنه يحاول مؤلفه أن يظهر ككردي متعصب أو معاد للدولة العربية في العراق، و بالتعبير الأولى كتابه لإرضاء طائفة بما تهوى فلم يكن علميا. و معلوماته الحاضرة بسيطة من الإداريين و من الشرفنامة، و كان الأولى به أن لا يعادي بين الشعوب العراقية، و يقرب للألفة، و يدعو للأخوة إلا أنه خاب في ما طلبه و خذل في مسعاه و كانت جولته قد بدأت في 11 تموز سنة 1931 و أنهاها في نحو 4 آب سنة 1931.

10- كردلر: منقول من اللغة الألمانية الى التركية. و هذا الكتاب يعين فيه مؤلفه اتجاهات مهمة و لا يخلو من أغلاط كثيرة لم يتثبت منها المؤلف، و مباحثه مقتضبة، و آراؤه فيها الحق و الباطل، و الصواب و الغلط ..

15

و كان من اللازم أن يحقق الموضوع، و يعين المطلب عند نقله الى التركية، فلم يراع ذلك مما يعد نقصا، و مثل هذا النقل قد يوقع في مجموعة أخطاء، فيضر علميا، طبع سنة 1334 باستانبول في المطبعة الاورخانية نقل الى التركية و أصله للدكتور فريخ كان قد نشره المجمع الشرقي في برلين، و الطبعة التركية من نشريات مديرية العشائر و المهاجرين.

أما تحامله على مؤرخي العرب، فهذا نتيجة فكرة خاصة للمؤلف في تبعيد العناصر و إلقاء بذور العداء بينها و هذه شنشنة متبعة عند كثيرين من الغربيين، فإذا كان قد عد الانفصال الإيراني عن العرب حادثا مهما بدت آثاره في التشيع و اتخاذه طريقا لتقوية الخلاف و الانفصال، فلا ريب أنه لم تركن الى ما يبرر اعتبار القومية الكردية و توسلها في هذا الانفصال في حين أن العرب لم يشأ واحد منهم أن يجعل (أمة) مندمجة في أخرى، أو قريبة منها بأمل هذا الاندغام أو الاندماج، و إنما رعوا أمرا أجل، و هو الأخوة الدينية، و لا تضرها اختلاف القوميات، و استقلال كل أمة بعوائدها، و آدابها و لغاتها. و آية جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا ... مما قربت بين الأقوام و إيجاد العداء باعد بين الشعوب الغربية التي لم يستطع دين أن يقرب بينهم، أو أخلاق عامة تؤلف.!! الأمر الذي اضطرهم الى حروب طاحنة، و نزاع دائم لا يستطيعون أن يتوقوا منه ضررهما ...

و هناك تواريخ تركية و فارسية عامة تتعرض لبعض الحوادث، و هي كثيرة، و ربما نتعرض للنقل منها. و لعل في هذه المراجع ما يعين مكانة البحث، و الاهتمام به من مؤلفين عديدين. و هناك مؤلفات إيرانية عديدة، و مباحث علمية تركية في كتب و رسائل و مجلات لا تنكر الاستفادة منها و لا من المؤلفات العربية العديدة. و أكبر من كل ذلك تعيين الصلة بقدر الامكان بين العشائر الحاضرة، و بين ماضيها. و قد بذلت الوسع للحصول على هذه المعرفة سواء بالرجوع الى هذه الآثار و أمثالها أو الى أصل القبائل و استنطاقها. و قد قضى ما عليه من بلغ الجهد ...

16

الأسرة

هذه أصل القبيلة، أو القرية، أو المدينة. و من اللازم التعرض لها، و الاتصال بمباحثها مباشرة. و تفترق هذه عما عند العرب من وجوه عديدة.

فيصح أن يقال إنها كانت سائرة على خلاف ما عند العرب. فلا يحتفظ بها لأكثر من تكون البيت، و من ثم تزول كل علاقة، و تنقطع كل صلة نوعا.

و توضيح هذا يستدعي تفصيلا زائدا، فالرجل مرتبط بزوجه و ولده حتى يكبر و يتزوج. و من ثم تضعف صلته، و يقل اتصاله. و من الجهة الأخرى ان أصل أسرته لا يرتبط به كثيرا، بل يحاول أن يقوم بنفسه فيجعل حبله على غاربه. و معنى هذا ليس المقصود منه الانقطاع التام من كل وجه، و إنما يتعين في هذا تكاتف القبيلة أو القرية فيكون من أفرادها، فيراعى مقرراتها بصورة عامة، كأنه عاش في أسرته مدة ليكون ابن القرية أو القبيلة.

و كثيرا ما سألت الكرد، و تحققت عن أنسابهم و أسماء أجدادهم فكان استغرابي عظيما جدا لما أن أخفقت فرجعت بصفقة المغبون، فلا يتمكن الأكثر من الإجابة لأزيد من جدّ إلا القليل من الرؤساء، و العبرة للسواد الأعظم، لا يعرفون غير اسم الأب أو الجد، ثم القرية، و اسم القبيلة، و ما سوى ذلك لا يلتفتون اليه، و لا يبالون به مهما كان. و العرب في هذه الحالة يفترقون عنهم.

و كأن الرجل من هؤلاء ابن قريته، أو قبيلته التي عرفها باسمها العام الشامل. و لا نشاهد أسرة تعرف أكثر من أنها أسرة، و لا تعلم اتصالها بغيرها الا أن تكون من أسرة إمارة أو ما ماثل مما يدعو للاحتفاظ ...

و الرجل بعد أن يكبر، و يستطيع أن يعمل لنفسه لا يرون ضرورة للاحتفاظ به، أو الاتصال الأبدي و من ثم ينفصل من أسرته، و لا يعرف غير نفسه و غير قريته أو قبيلته.

لا نرى للأسرة فروعا تمت اليها. و بين أيدينا قبائل عديدة، ليس لها ما يؤيد تفريعها. و أسرة الأمراء مستثناة، تحفظ لنفسها بذلك، و لا تتجاوز

17

الحالة غيرها .. و الأمثلة كثيرة في قبائل عديدة، و يعرف ذلك من تفرعاتها، أو من البحث في القبائل و من مجموعها لا نرى ارتباطا في الأسرة، أو صلة دائمة مستمرة اللهم إلا أن تكون في القرية، أو في المحلة. و الألفة المحلية بل المجتمع مدار التعارف. و هو أصل لا يهمل شأنه في التفسير ...

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

القبيلة أو العشيرة

من أغرب ما نرى في الكرد أنهم ليس لهم قبيلة أو عشيرة بالوجه المعروف عند العرب، إلا أن نريد بها (المجتمع الصغير)، فيصلح أن يقال هنا عن العشيرة أو القبيلة انها المجتمع الصغير. و الملحوظ أنها من جملة أسر متماثلة، و يصح أن يقال عن بعضها إنها من أصل واحد أو من أسرة واحدة. و هذا لا نرى له اطرادا في الكرد، و لا في إيران.

تحققنا كثيرا، فلم نجد ما يعين أن القبيلة تنتسب الى جد واحد، بل في الغالب الى محل أو قرية و كأن هذه القرية هي جد و أصل. مما يدل على الارتباط المكين بين الكرد و مواطنهم على ما نرى في مباحث القبائل و تحقيق أسمائها. و لا مجال لقبول انها من جد واحد، بل كل من يساكنها يعد نفسه منها، و ينسى أصل ما درج منه إلا أن تكون مجموعة عرفت قبل أن تتمكن و ذلك من طريق الهجرة، أو النزوح أو الغوائل. و ربما يكون من أصل أو جد إلا أن هذا غير مقصود، و إنما كان من مقتضيات طبيعتها.

و الأمثلة (بلباس)، و (دزه‏يى)، و (طالباني) فهذه منسوبة الى مواطن على ما سيأتي توضيحه في محله، و الأفخاذ غالبها قرى، أو أسماء رؤساء اشتهروا، فعرفت بهم، أو الذين حلوا بعض المواطن، و بنوا فيها فسميت بأسمائهم. و لا دليل لنا أكبر من الأمثلة المشاهدة و القريبة العهد في التكون.

فإنها بأسماء الأشخاص أو المواطن، أو التلول التي بجانبها، أو الأنهار.

و هكذا مما لا يحصى عده .. و الآثار التاريخية تشير الى هذا. و كل عشيرة أو قبيلة نوضح بقدر الإمكان منشأ تسميتها. فلا نتوسع هنا في أمر تأتي أمثلته‏

20

العديدة، و الغرض إلفات الأنظار الى تكون العشيرة أو القبيلة بصورة عامة.

و على كل حال تتألف القبيلة من أسر مجموعة في موطن، و لا يشترط أن تمتّ كلها الى جد واحد، و قد تتصل بحيث تعد كلها متصلة بجد، و لكن هذا لم نتحققه في عشيرة بكل فروعها .. و لعل معنى العشيرة في العربية يصدق على هذه، فالألفة هي واسطة الاجتماع، و التكاتف للأسر أكبر دليل على أنها قبيلة لا غير ..

و قد سألت بعضهم فبين أنه ساكن في هذه القرية، و لا يدري غير ذلك، و هكذا آخرون مما لا يدع ريبا في أن القوم لا يعرفون سوى قراهم، و سوى رؤسائهم و أكابرهم. فهم الكل في الكل‏ (1). و تارة تسمى القرى باسم رئيسها العام المتسلط عليها، و يستمر اسمه الى أولاده فمن بعدهم إن دام حكمه، و بقي أمره نافذا عليهم. و مثل هذه لا تعين الغرض المطلوب في القبائل العربية، و من ثم نجد الاختلاف في بنية الجماعة و تشكيلاتها و ارتباط بعضها ببعض.

هذا و للأمراء و الرؤساء بحث خاص بهم، فلا نتوسع في سلطتهم و إدارتهم هنا حذر أن يتداخل موضوع في آخر مثله. و كل ما نقوله هنا أن الرؤساء و الأمراء العامين ناظمو وحدتهم و عقد اتصالهم و واسطة توحيد مجتمعهم و كيانهم. و قد بسطنا في عشائر العراق الكلام على تكون الأسرة و القبيلة العربية و منها يعرف الفرق‏ (2).

____________

(1) و من هذا النوع ما ينقل عن بعض العشائر العربية لما سئل اجاب: الله ربنا، و فلان شيخنا ..! و لكنه لا يهمل فخذه و قبيلته.

(2) عشائر العراق المجلد الأول.

21

الرؤساء و الأمراء

كل قرية لها رئيس يقال له (كتخدا)، أو (تشمال)، أو (كوخه) بالنظر للمحال و المواطن و مصطلحاتها، و هؤلاء لهم كل السلطة على القبيلة، و حق إدارتها فلا يخرجون عليهم و لا يتجاوزون رغبتهم، و لا يخالفون أمرهم ...

و هؤلاء أشبه ب (السراكيل) عندنا، و تدخلاتهم محدودة، و يعدون رأس القرية و ناظمها، و في كل حالاتهم يقومون بالتفاهم مع الأمراء و مع الملاكين، فيتعهدون أشغال الزراعة أو الأمور الأخرى. فلا يصح التفاهم مع كل واحد، و لا يتيسر القيام بالأعمال المنفردة مع كل بحياله، و إنما الرؤساء يقومون بالمهمة، و يراعون أحكامها و هم (مختار و القرية).

و طريق استفادتهم من أهمها الحصة من المزروعات يأخذونها رأسا من الملاكين، أو يقومون بالزراعة باستئجار الأراضي منهم، و ينالون حقوق الملاك و السركال .. و مثل ذلك التفاهم مع الأمراء، و مع الحكومة فهم واسطة التفاهم بين أهل القرية و بين الخارج ...

و لا يشترط أن يكونوا من نفس القبيلة أي من سلسلة رؤسائها. بل إن ذلك تابع للمواهب و لا يبالون ما إذا كان الرئيس حديث العهد أو قديما في القبيلة أو كما يقولون في القرية المسماة (دي) (1) أو (ده) الفارسية ..

____________

(1) و في الشمال تسمى القرية (كند) و (آوايي) أيضا.

22

و الكلام على الرؤساء يتعلق بأحكام القرية و علاقاتها بأمرائها و بحكومتها و بالمجاورين، و هي إدارة صغيرة بل أول إدارة بسيطة، و تشكيلاتها ابتدائية ثم تتوسع الإدارة و تتضخم ..

و الإمارة أقل تدخلا، و العلاقة بها أقل، و هي عامة تشمل جملة قرى، و تتناول إدارة أكثر من قرية بإيجاد ناظم للقرى، و مدبر لها أو مدير يتعهد شؤونها و هذه تختلف في توسعها عن الإمارة العربية، فإن الإمارة العربية تنشأ من تضخم القبيلة بحيث يكون كل فرع قد نال شكل قبيلة.

و الرئيس العام لها يتولى إدارتها و هو بمنزلة رئيس القبيلة كما أنه منها، و القبائل التي تحت سلطته تكون بمنزلة الفروع بل هي الفروع. و في القبائل الكردية هذه ليس بشرط (1) و لكن قد يتناول قبائله التي تضخمت بما تكاثر منها بمرور الأزمان، و ما انضم اليها فصار يعد منها .. فالجاف إمارة لنفس القبيلة المتكاثرة مع ما انضم إليها من القبائل بحيث بقيت محافظة على وضعها الأصلي. و أما (إمارة بابان) فإنها تتناول قبائل مختلفة، و قرى متباينة فكانت هذه أشبه بالحكومة أو هي الإمارة بعينها.

و يوضح صلة الأمير أو الرئيس العام ما جاء عن إمارة الجاف في النصوص التاريخية التي نقدمها، و كذا يقال في غيرها، و ذلك أن الدولة تفرض ضريبة على قبائل الجاف، و يتولى أمرها (أمير الجاف)، و له عائدات منها أو من غيرها بعد أن تكون بنجوة من الحكومة بما تدفعه إليها ..

و في كل الأحوال نرى القبائل أو القرى في طاعة تامة لرؤسائها و أمرائها لا تكاد تشبهها طاعة، و لا يوازيها إذعان في أكثر من عرفنا في أنحائنا .. بل لا يعرف هؤلاء إلا خالقهم و إلا رؤساءهم. تلك هي الإذعان التام .. و من ملك إذعانهم و كان حسن التدبير، قويم الإدارة، نافذ النظر ملك بهم ما شاء، و سيرهم السيرة المرضية التي يبلغ بها حدا لائقا، و مبلغا فائقا ...

____________

(1) و نشاهد مثل هذا في بعض القبائل الريفية من العرب.

23

أصل الكرد

لا نمض الى عشائر الكرد دون أن نبدي كلمتنا في أصل الكرد. و قد جرت تحقيقات عديدة في أصلهم قديما و حديثا، و من المؤسف أن نرى معالي الأستاذ محمد أمين زكي يقول:

«الآثار القديمة الخاصة بالشعب الكردي. المكتشفة حتى الآن لا تعطينا فكرة قاطعة عن أصل الكرد و منشئهم. فلم يحن الوقت الذي يمكننا فيه أن نبدي رأيا حاسما في مثل هذا الموضوع التاريخي» اه (1).

و في هذا ما يشجع على البحث، و ان الآراء يحتفظ بها، و لكل الحق في إيراد ما عنده. و المدونات العربية في الكرد و أصلهم بصورة عامة كثيرة جدا، تعرضوا لها أثناء المباحث، أو عرضوها. و العرب لم يدعوا ناحية تتعلق بهؤلاء القوم الذين عاشوا معهم، أو جاوروهم إلا طرقوها، و تكلموا على قبائلها و أصولها فكانت مباحثهم جليلة على أن الكرد كانوا معروفين قبل الإسلام بعصور لا يدرى أولها إلا أننا لا نجد المدونات عنهم وافية و صحيحة. أما القومية الكردية فلا شك أنها كانت موجودة، و أيدها العرب في تواريخهم، سوى أن الأمم لم تكن آنئذ موضوع المتتبعين و المؤرخين فلا يلتفتون الى الأقوام و نشوئها، بل الأمر يتناول الدول و الملوك و أعمالهم لا غير.

____________

(1) خلاصة تاريخ الكرد و كردستان ص (40) و هناك استعراض لبعض الآثار القديمة و الحديثة.

24

و الكرد من العناصر الفعالة في العراق أيام العهد الإسلامي، و لهم الأثر الجميل في كافة أنحاء المعرفة و الإدارة و العمل للحضارة. و هم قوم قائم بحياله على الأرجح و لم يكن من بادية إيران كما توهم البعض بل يصح أن تكون إيران قد تولدت منه، و بنت ثقافتها على أساس البداوة الكردية، و استقت نفوسها- بلا ريب- من الكرد أو من بعض أقسامه القريبة منها. و الأدلة كثيرة على قدم هؤلاء، و رسوخهم في الحضارة، فقد نزحوا الى المدن، و سكناها و مالوا اليها بألفة و قبول تامين، فلم يستنكروا ذلك، و لا عارضوا كما يشاهد في العناصر البدوية فإنهم مالوا خطوة إثر خطوة حتى وصلوا الى الزرع، ثم الى الغرس و تعهد المغروسات ثم تأسيس القرية و هكذا تدرجوا حتى فقهوا الحياة المدنية، و لكنهم لا يزالون حتى في أرقى المدن محافظين على بعض العوائد، و التقاليد القومية الموروثة، فلم يروا وسيلة لاهمالها، أو نسيانها فالكثير من الأمور لا يزال على حالته. و الكرد أقرب الى تمثيل الحضارة، لم يمض أمد قليل حتى أصبحوا من أعضاء الحضارة النافعة.

و التاريخ في مجراه، و في حوادثه العديدة برهن على أن هذا العنصر منذ دخل الإسلام صار من أهم أركانه، و أخلص لعقيدته، و تأثر بمبدئه السامي. و من ثم نال نصيبا وافرا من الحضارة و مكانة مقبولة، مرضية. الأمر الذي دعا أن يكون من أهم أركان نهضته .. و علماؤه، و أدباؤه و مؤرخوه، و رجال سياسته و مدنه و صناعاته. كل هذه أكبر دليل تاريخي، بل شاهد محسوس لما ناله من المنزلة السامية حتى أن زراعه في إنتاجهم، و عماله بأعمالهم لا يقلون عمن ذكر من خدام المدينة.

و هنا أستعرض بعض النصوص التاريخية فأقول:

إن العرب بعد فتح البلاد المجاورة لهم صاروا يقيسون الأقوام و الأمم من حيث النسب بمقياس أنسابهم و حاولوا أن يرجعوا الكرد كغيرهم الى قبائل، بل زادوا أن عدد الكرد من أصل عربي، و أيدوا عوامل المجاورة و الاختلاط بعامل آخر، و هو العامل النسبي مراعاة لما كان يقول به رجال‏

25

الكرد. على أن بعضهم رأى اللغة أقرب للفارسية، فاعتبروهم إيرانيين، أو أنهم أهل البداوة منهم. و لكن هذا كله لم يمنع أن يحتفظوا بقوميتهم و أنهم (كرد) لا (فرس)، و لا (عرب).

و الآراء الواجبة التدقيق مما أشير اليه:

1- أنهم من ولد كرد بن اسفند ياذبن منوشهر (منوجهر) من ولد ايرج بن فريدون المعروف، و هو أول الطبقة الثانية من ملوك الفرس، قاله في التنبيه و الإشراف. و لعل هذا القول مبتن على وجود التشابه في اللغة، و لكن هذا غير قطعي فبعض لغات الكرد بعيدة كل البعد عن اللغة الفارسية.

2- انهم ممن أبقاهم وزير الضحاك في حادثة مرضه المعلومة (1).

و في هذا ما يؤيد أنهم من الفرس عادوا الى البداوة، أو كما عبر عنهم ابن الشحنة بقوله «أعراب العجم» (2).

3- الادعاء بأنهم قوم من الجن كشف عنهم الغطاء لا يستحق الكلام، و دعوى أنهم أولاد العفريت تفصيل لهذه الشائعة المعطوفة الى النبز، فلا تستحق البحث.

4- قال المسعودي في التنبيه و الإشراف أنه «قد ذهب قوم من متأخري الأكراد و ذوي الدراية منهم ممن شاهدناهم الى أنهم من ولد كرد بن مرد ابن صعصعة بن حرب بن هوازن، و في المروج أنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع و دماء كانت بينهم و بين غسان. و منهم من يرى أنهم من ولد سبيع بن هوازن. و قد علق المسعودي في التنبيه و الاشراف على هذه الأقوال بقوله: «و حرب و سبيع عند نساب مضر درجا فلا عقب لهما.» فطعن بهذه الآراء، و لم يشأ أن ينسبهم إلى إحدى قبائل العرب. و قال:

____________

(1) مروج الذهب ج 1 ص 308

(2) روضة المناظر في اخبار الأوائل و الأواخر. لابي الوليد محمد بن الشحنة هامش ابن الأثير ج 7 ص 78

26

و من الأكراد من يذهب الى أنهم من ربيعة بن نزار بن بكر بن وائل، وقعوا في قديم الزمان لحرب كانت بينهم الى أرض الأعاجم، و تفرقوا فيهم، و حالت لغتهم و صاروا شعوبا و قبائل. فكان سبب تبدل لسانهم و هكذا الأقوال من نوعها. و بعد الإسلام اختلط بهم العرب، و لا نزال نسمع من رؤسائهم خاصة أنهم يمتون الى نجار عربي. و كل ما أقوله هنا ان المسعودي و أمثاله كتبوا عنهم، و سجلوا ما سمعوه منهم، و لم تكن آنئذ فكرة قوميات و إنما يعتبرون الأخوة بين الأقوام معتبرة، و إن التعادي أوجده العصر الحاضر أو العصور المتأخرة فقام الناس بالدعوة المتطرفة و بما بثوه من نزعات. و على كل حال لم يقنع المسعودي بأقوالهم .. و لكن هذا لا يمنع أن يكون قد اختلط بالكرد عرب، و تولوا رياستهم قبل الإسلام كما حدث بعده. و لذا قال ابن الشحنة: «الكرد من العرب ثم تنبطوا»

5- إن الكرد قوم قائم بنفسه لا ينتسب الى الأقوام الموجودة، و هو منفرد عن سائر الأمم و قرباها. قال أوليا جلبي، وعدهم ممن دخل السفينة من المؤمنين و خرج منها مع نوح (عليه السّلام) و أولاده، عاشوا منفردين عن غيرهم، و إن لغتهم لا تشبه الأقوام المعروفة، و حكمهم ملك يقال له (كردم) و عمر عمارات مهمة في جودي و سنجار، و من ثم عرفوا به‏ (1).

و مثله ما جاء في مسالك الأبصار قال:

«الأكراد جنس خاص، و هم ما قارب العراق و ديار العرب دون من توغل في بلاد العجم. و منهم طوائف بالشام و اليمن، و منهم فرق متفرقة في الأقطار. و حول العراق و ديار العرب جمهرتهم فمنهم طوائف بجبال همذان و شهرزور و غيرها.» ا ه (2).

____________

(1) اوليا جلبي في سياحته ج 4 ص 75 و فيها تفصيل عن الكرد و موطنهم و تعداد عشائرهم و انها ستة آلاف عشيرة و قبيلة، قال و كلهم شافعية.

(2) مسالك الابصار ج 10 في مكتبة ايا صوفيا رقم 3423.

27

و في التعريف بالمصطلح الشريف:

«و يقال في المسلمين الكرد، و في الكفار الكرج و حينئذ يكون الكرد و الكرج نسبا واحدا.» ا ه (صبح الاعشى ج 1 ص 369)

و في النويري: «كرد بن مرد بن يافث» و في رأي أكثر النسابين ان الأكراد أولاد إيران ابن ارم بن سام، أو من هوازن كما تقدم. و في ذلك خلاف، قاله النويري. (نهاية الأرب ج 2 ص 290) مما يدل على انه ليس هناك رأي مقطوع به أو يصح التعويل عليه، و التوثق من صحته.

و نص المسالك يدل على انهم جنس خاص، فلم يعدّهم من الإيرانيين. و لا من باديتهم. و لا من العرب و نجارهم و هو الأقرب للصواب.

و يهمنا أن لا نقف عند هذا مكتفين بالآراء القديمة المبينة أعلاه، و الأخرى المتداولة في الوقت الحاضر التي لم نر حاجة في النقل منها، وجل ما توصل اليه الباحثون أنهم من العناصر الآرية، و الكتب المدونة في الوقت الحاضر المؤيدة لهذا الرأي الشائع في أوربا كثيرة من أهمها: خلاصة تاريخ الكرد و كردستان لمعالي الأستاذ محمد أمين زكي، و كرد للأستاذ رشيد ياسمي، و كرد لر باللغة التركية منقولا من اللغة الألمانية، و الأكراد من فجر التاريخ الى سنة 1920 م و من عمان الى العمادية فكل هذه تعرضت لأصل الكرد، و بينت أنهم من الآريين، فمن أراد التوسع فليرجع اليها ..

و هنا يسوقنا البحث الى معرفة الأقوال المتأخرة لعلمائنا، و لعل فيها ما يؤيد بعض الأقوال و يناصرها. أو على الأقل يعين اضطراب الآراء و تشتتها. لئلا يرمي العرب المحدثون في التعصب للعروبة بإدخالهم ضمن حضيرتهم من لم يكن منهم و إنما المنقول من الكرد أنفسهم قديما، و لم يكن ذلك ابن اليوم أو أمس القريب.

و في كتاب شرح منظومة عمود النسب في أنساب العرب للأستاذ المرحوم السيد محمود شكري الآلوسي‏ (1).

____________

(1) هذا الكتاب مخطوط و عندي المجلد الثاني منه.

28

() الشيخ محمود الحفيد زعيم ثوار الكرد

29

«الأكراد جيل معروف، و قبائل شتى، و اختلف نسبهم (عدد الأقوال و قال:) و قد ألف في نسب الأكراد فاضل عصره محمد افندي الكردي‏ (1)، و ذكر فيهم أقوالا مختلفة، بعضها صادم البعض. و رجع فيه أنهم أولاد كرد ابن كنعان بن كوش بن حام بن نوح (عليه السّلام) (و سرد النقول عن مؤرخين منهم صاحب كتاب مناهج الفكر و مباهج العبر و ابن الجواني في آخر المقدمة الفاضلة و كتاب الجوهر المكنون في القبائل و البطون، و تاج العروس.)

و في تفسير روح المعاني عند الكلام على قوله تعالى‏ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ. يعني الأكراد كما في الدر المنثور، و رجح أنهم (جيل من الناس)، و نقل عن كتاب القصد و الأمم و غيره اختلاف العلماء في كونهم في الأصل عربا أو غيرهم. و قال: و الذي يغلب على ظني أن هؤلاء الجيل لا يبعد أن يكون فيهم من هو من أولاد عمرو مزيقياء إلا أن الكثير منهم ليسوا من العرب أصلا.

و قد انتظم في سلك هذا الجيل أناس يقال إنهم من ذرية خالد بن الوليد، و آخرون يقال انهم من ذرية معاذ بن جبل، و آخرون يقال انهم من ذرية العباس بن عبد المطلب. و آخرون يقال انهم من بني أمية، قال و لا يصح عندي من ذلك شي‏ء و صحح نسب البرزنجة و أبدى أنهم سادة انتهى ما نقل عن التفسير باختصار.» اه

هذا ما نقله الأستاذ الآلوسي المرحوم في كتابه (شرح المنظومة)، و لم يبد أي مطالعة حول أصلهم و اكتفى بما أورد من النصوص و على كل انجلت ماهية الخلاف، و عرف تشعب الآراء و التعصب لبعضها.

و من المتأخرين إبراهيم فصيح الحيدري قد تعقب ما جاء في تفسير الآلوسي فقال:

____________

(1) لعله اراد به أن المرحوم محمد فيضي الزهاوي الا اننا لا نعرف له هذا الاثر، و لم يوضح عنه.

30

«و الأكراد كلهم على ما في القاموس من أولاد كرد بن عمرو مزيقيا.

و ذكر في مادة مزق ان مزيقيا، لقب عمرو ملك اليمن كان يلبس كل يوم حلتين و يمزقها بالعشي. فلذا لقب بمزيقيا. أقول (القول للحيدري) فعلى هذا تكون الأكراد من أشراف العرب و أكابرهم، و كرمهم و شجاعتهم و غيرتهم أعدل شهود على كونهم من أشراف العرب.

و أما ذكر بعضهم من أنهم ليسوا من العرب فهو من قبيل التعصب، و كفى صاحب القاموس تصحيحا و شهادة، فهم على ما ذكره المجد صاحب القاموس من قحطان من العرب العاربة نسبا. لأن مزيقيا على ما ذكره علماء النسب من بني قحطان. و تبدل لسانهم لقرب منازلهم من العجم، فلسان الكرد ممزق لسان الفرس.» اه (عنوان المجد ص 166) و في هذا رد ضمني لما أورده أو نقله الآلوسي في تفسيره.

و نحن لا نقول أكثر من أنهم شعب مستقل عن الشعوب الأخرى، متأثر بالمجاورين من عرب و إيرانيين. و لا ينكر أنهم اختلط بهم بعض العرب، و عاشوا معهم، و صاروا لا يفترقون عنهم بوجه و أنهم لا يزالون يحفظون أنسابهم فلا طريق للطعن كما أن كثيرين من الكرد عاشوا مع العرب و الآن لا يخرجون عنهم و يهمنا الكلام على (العشائر في التاريخ) بنظرة سريعة للتوصل الى قبائل العصر الحاضر.

31

قبائل الكرد في العراق قديما

لا ندرك التقلبات العديدة في العصور المختلفة. و لكن الكثير من الأمثلة و ما تعرض له المؤرخون في مباحث عديدة عرضا أو قصدا قد يكشف عن صفحة مهمة، تشير الى ما وراءها، و تستدعي النظر، و منها نعلم قيمة العشائر في هذا القطر. و لا يهمنا في هذه العجالة التفصيل، بل نرجح أن يكون ذلك (بيان مجرى)، و يؤدي بنا حتما الى حقيقة ما هنالك على قاعدة «و ليقس ما لم يقل».

أما فروعهم الكبرى فهي:

1- كرمانج‏

2- لر

3- كلهر

4- كوران‏

و هناك فروع أخرى تدخل ضمن هذه الفروع. و الآن لا تزال هذه القسمة القديمة معروفة مصادقا عليها. و نصيب العراق من هذه الأقسام كبير، و إن كان لا يدعي حيازتها بحذافيرها بل لا تزال أقسام كبرى في إيران قد تفوق ما في العراق، و كذا في الجمهورية التركية مقدار مهم كما أن سورية تحوي جزءا لا يستهان به.

و في معجم البلدان‏ (1) ذكر ممن في شهرزور من الطوائف:

____________

(1) معجم البلدان مادة شهرزور

32

1- الجلالية. و هي الكلالية المعروفة.

2- الباسيان. يريد ما نسميه بازيان.

3- الحكمية. لا تعرف اليوم و تنسب الى مروان بن الحكم الأموي.

4- السولية. لا يزال الموطن معروفا.

و كان من أقضية لواء السليمانية و ينطق به (سيول) أيضا و اللفظ العربي صحيح و الآن يحتوي على قرى كثيرة عد منها صاحب سياحتنامه حدود 26 قرية. و جاء ذكر هذه القبيلة المعروفة بمكانها في مسالك الابصار بلفظ (السيولية) كما في السياحتنامه‏ (1). و تردد فيها معالي الأستاذ أمين زكي‏ (2).

و عدد صاحب مسالك الأبصار من قبائلهم:

1- الكورانية.

2- الكلالية.

3- اللورية. و هم اللرية ...

4- بابيرية.

5- الخونسة.

6- السورانية.

7- السيولية.

8- الفرياوية. أو الفرناوية.

9- الحسنانية. و كذلك جاءت في نسخ أخرى من مسالك الأبصار، أو خستانية.

10- اليافية. (غير منقوطة).

11- المازنجانية.

____________

(1) سياحتنامه حدود ص 254.

(2) خلاصة تاريخ الكرد و كردستان ص 382

33

12- الحميدية.

13- الزرارية.

14- الجولمركية.

15- الهكارية.

16- بختية.

17- الداسنية.

18- الدنبلية.

و في المسعودي ما يقاربها نوعا. و غالب نسبة هؤلاء الى المواطن و البقاع لا الى القبيلة، و الأمر شائع جدا في هذه الأنحاء. و هذا يصح أن يعد الأصل في الانتساب. و يؤيد ما قررناه. و بين هذه القبائل ما هو غير معروف اليوم في الأنحاء العراقية، أو أنه يتعلق بمواطن مجاورة أو خارج العراق و البحث عن العشائر لا يقتصر على ما هو مألوف في عشائر العرب ...

و إن صاحب مسالك الأبصار تكلم عليهم بالاستناد الى علماء عراقيين مثل الحكيم الفاضل شمس الدين أبي عبد الله محمد بن ساعد الأنصاري‏ (1) فقد توضح (تاريخ العراق) في تلك الحقبة بأمثال هذا العالم الجليل المبرز في كل علم حتى التاريخ و نظام الدين الحكم و آخرين ... و إن القلقشندي و النويري اعتمدوه و أخذوا منه.

و من ثم نرى صاحب الشرفنامة و هو متأخر من رجال القرن العاشر و أوائل الحادي عشر يتوسع أكثر. فكانت الحقبة الأخيرة بعد الشرفنامة أكثر غموضا لقلة المؤلفات الخاصة التي نستفيد منها في التطور و التحول و الانتقال ... و لا نتعرض لما قبل ذلك من القبائل و العشائر فالعصور القريبة منا هي هذه و نضيف اليها التحولات و ما وقع من انتقال و هجرة أو جلاء،

____________

(1) ترجمته في كتاب (منتخب الذخائر).

34

و للتعبير الأصح ندون ما له علاقة أكيدة بالعشائر الحاضرة، أو كانت له مكانة أكيدة في تاريخ العراق لا يصح التهاون بها بوجه.

و لا ننس أن الداسنية و الدنبلية، و الهكارية يزيدية و البختية اليوم في العراق فانها كانت و لا تزال معروفة فيه و هي يزيدية أيضا و أما الكلالية فإنها لا تزال موجودة في العراق. و مثلها الزرارية. و هكذا. و الآن أبحث عن القبائل الحاضرة، و من ثم أراعي الصلة بين القبائل الموجودة و القبائل القديمة بقدر الامكان و بما تسمح به الوثائق التي تيسر العثور عليها، أو تمكنت من الوقوف عليها ...

35

القبائل الحاضرة

تكلمنا على القبائل القديمة من الكرد بصورة موجزة، و يراد بها المجموعة التي تجمعها أرض واحدة، أو قرية بعينها. و تراعى فيه المصالح المشتركة و المنافع المتبادلة. و يصح أن يقال إنها واسطة عقد تكون القرية و وسيلة تشكيلها. فإذا بحثنا عن القبيلة هنا كان موضوعنا يتعلق بالقرية و علاقة الأشخاص بها، و إدارتها. فلا يفرق البحث عن هذه إلا من ناحية اتصال القبيلة بها، أو تعرف أوضاعها و حالاتها أو قل ان جماعة كردية (القبيلة) حيثما حلت كونت قرية باسمها. و هذه قد تتوسع. أو تنضم إليها غيرها و تصير إمارة ... و لا يختلف هذا بين القبائل الرحالة، و القبائل المتوطنة. إلا أن الرحالة منها أقرب الى العشائر العربية في مجموعاتها، و في القربى بين أفرادها، و لكن لا تخرج عن أنها في الأصل (قرية)، تتجول في مواطن صيفية، و أخرى شتائية تتنقل إليها لضرورة اقتضت أو لازمت حياتها، و سميت بها أثناء تكونها، و يلازمها هذا الاسم.

و قد يطول بنا القول في ذلك، و الأولى أن ندخل في مباحث القبائل الحاضرة مراعين عشائر كل لواء بقدر الامكان، و من ثم نعين أوصافها، و لكننا نبدأ بمن اكتسبت صفة متنقلة (رحالة)، ثم نميل الى المتوطنة في قرى و لا نتحول منها إلا لأسباب اضطرارية، و أحوال قاهرة قاسرة.

و القبائل الكردية كثيرة، و ما وصل إلينا خبره يكون بلا ريب موضوع بحثنا.

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

(1) لواء السليمانية قبائل الجاف بصورة عامة

هذه القبيلة يبالغ في كثرتها، و لا يزال منها قسم على البداوة و التنقل، و قسم آخر أهل قرى يقطن في مكان واحد. و أول ما ورد ذكرها في معاهدة السلطان مراد الرابع المعقودة في 11 المحرم سنة 1049 ه، و لم يعرف عنها قبل ذلك، و كل ما ذكر عن فروعها اربعة، و لعل هذه هي الفروع التي وقع عليها النزاع‏ (1) و لم نجد تدوينات تشير الى ما كانت عليه.

و الآن أكثرها في (لواء السليمانية)، و قسم لا يستهان به في ناحية شيروانة التابعة لقضاء كفري من لواء كركوك، و فريق ثالث كبير جدا في أنحاء إيران في (زهاب) و المواطن الأخرى حتى أردلان و نواحيها من إيران.

و لا نرى انتشارا و كثرة في قبائل العراق الكردية مثل ما نراه في هذه القبيلة و فروعها إلا قليلا فقد زادت نفوسها، و تنقلت في مواطن عديدة بحيث صارت في كل موطن تعد بالألوف و لم يقع إحصاء يوثق به في بيان نفوسها أو يصح الاعتماد عليه لنرجع إليه. و النفوس متحولة في العشائر، غير مستقرة. و هذا لا يمنع أن تكون من العشائر ذات المكانة الكبيرة، و الاهتمام الزائد من الحكومات المجاورة. لكثرتها و بداوتها و قوتها.

____________

(1) تاريخ العراق بين احتلالين ج 6.

38

و لوقوعها في الحدود، و لأنها تتردد بين إيران و العراق ففي رحلة الشتاء تميل الى السليمانية و الأنحاء العراقية الأخرى و في رحلة الصيف تذهب الى إيران. مما دعا أن يشار الى القبائل المنازع فيها في المعاهدة المذكورة.

و أكثر ما جاء عن هذه القبيلة من التدوينات نراه في تقرير (تحديد الحدود الإيرانية) المقدم من الفريق درويش باشا في سنة 1269 ه و المطبوع سنة 1283 ه و سنة 1321 ه، و في كتاب خورشيد باشا مكتوبي وزارة الخارجية المسمى (سياحتنامه حدود) و كان قد رافق درويش باشا فكتب ما علمه بأمر من السلطان و إيعاز من وزير الخارجية بصورة خاصة و كذا جاء عن هذه القبيلة في دوحة الوزراء، و في (عنوان المجد في تاريخ بغداد و البصرة و نجد) للسيد إبراهيم فصيح الحيدري، و راجعت أيضا نفس القبيلة و تحققت منها أشياء كثيرة لها قيمتها سواء من رؤسائها أو من أمرائها.

لم نجد من تعرض لوجه تسمية هذه القبائل ب (الجاف) و قد سألنا الكثيرين منهم فلم نظفر ببغية. كانوا في جوانرود، فجاءوا العراق، و لا يزال قسم منهم في (جوانرود). و لعل (الجاف) منحوت من (جوانرود) نطق به العرب، فعم و شاع و لعل في القراء من يدري سبب التسمية و تاريخه لما قبل المعاهدة الإيرانية- التركية أيام السلطان مراد الرابع فيفيدنا.

و الظاهر ان القبيلة لم يكن لها من الشأن ما يستدعي التدوين عنها، و إنما عظم شأنها أيام النزاع بين إيران و العراق. و من ثم شعروا بوجودهم للعلاقات الحربية بين الدولتين الإيرانية و العثمانية، فكانوا كما يظهر أعانوا الدولة العثمانية، فأدرجوا في المعاهدة تأييدا لولائهم و لما قاموا به من خدمات، و الفرق الأخرى جعلت لإيران من جراء عين السبب ... أو لتوطنها إيران و بعدها عن العلاقات السياسية.

و لما كانت الحكومة في العراق عاجزة عن تعقب أثرهم في استحصال البيتية و تسمى (الكودة) «الرسوم المعلومة» فقد اتفقت مع أمرائهم على مقطوع يستوفى بقسطين يؤدى الى لواء السليمانية في الربيع و في‏

39

الخريف، و كانت الأقسام الأخرى من هذه القبيلة قبل نحو 30 أو 35 سنة تؤدي ضرائب للحكومة الإيرانية إلا أنها امتنعت من إعطائها خلال المدة المذكورة، كما أن العشائر الإيرانية من الجاف حينما كانت ترد الى أنحاء خانقين و مندلي (بندنيجين) تقوم ببعض الأوضاع غير اللائقة، تعتدي على بعض المواطنين فلا تخلو من إثارة زعازع و هكذا أعمال هذه العشائر حينما تذهب الى أنحاء (سنة) من المملكة الإيرانية لا يراعون الحالة الاعتيادية، و إنما يقومون ببعض الأضرار و إثارة الأذى بالرعية.

و كذلك الأمر في عشائر الجاف القاطنين في لواء السليمانية يمضون الى (صغوق بولاق) المعروفة ب (صاوجبلاق) أيضا كانت تأتي الى أنحاء إيران المذكورة و تؤدي رسوم المراعي (شاة مرتع) إلا أنها منذ 35 سنة امتنعت عن التأدية، و أنها عدا ذلك لا تخلو من إيقاع اضطرابات، و إحداث غوائل بما يقومون به من حوادث‏ (1).

هذا. و الملحوظ أن هؤلاء نظرا لمنازعات الحدود صارت الحكومتان تخطبان ودهم و تراعيان جانبهم، الأمر الذي أدى أن تغمض العين عن هؤلاء في أمر المطالبة بالتكاليف الأميرية. فتمكنوا أن يعيشوا بنجوة من الرسوم. أو قلة التدخلات بحيث صاروا لا يتفاهمون إلا مع أمرائهم رأسا.

____________

(1) تقرير الحدود: درويش باشا ص 58 و سياحتنامه حدود ص 242.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

أمراء الجاف‏

و هؤلاء إمارتهم عامة على كافة قبائل الجاف إلا أن الطوائف في إيران يحكمها أمراء آخرون من سلسلتهم و هم الآن منفصلون عنهم إلا أنهم يقطعون بالاشتقاق و يحفظون الصلة النسبية.

1- سلسلة نسبهم:

و هؤلاء سادة عرفوا بهذا النسب أبا عن جد. و لا يزالون يقطعون في أنهم سادة.

راجعت شيوخهم، و العارفين منهم فتحصل لي أن سلسلتهم ترجع الى (بير خضر شاهو) و هو الجد الأعلى المحفوظ اسمه، و (شاهو) جبل في أنحاء إيران في جهات جوانرود ينتسب إليه جميع سادة الأكراد، و منهم الجاف.

و من هذا نعلم أن إمارتهم دينية في الأصل، تمسك بهم القوم لأنهم سادة و من ثم قوى تسلطهم و نفوذهم على القبائل فانقلبت السيادة و المشيخة الدينية الى إمارة عشائرية، فاستقرت إدارتهم، و دامت أمدا طويلا، و الى اليوم، و لا يحكم عليهم أمير بعينه، و إنما نرى في كل ناحية أميرا من أمرائهم مطاعا، يسلمون له بالإمارة. و يغلب على الأمراء اليوم أنهم ملاكون يتعيشون من أموالهم، و لم تكن لهم تلك السلطة المباشرة على القبائل كما كانت قديما و نراهم في هدوء و طمأنينة، لا يبتغون الفتنة و الشر. و لهم الإحسان و الإنعام في إعالة قبائلهم بأملاكهم، و الحب بينهم حقيقي‏

42

و متبادل، و لم يكن نتيجة خوف و قوة إلا أن الإمارة ليس لها ما كان معروفا من جباية، و عائدات و ما أشبه .. بل الطاعة حقيقية.

و هذه سلسلة أمرائهم‏ (1):

1- ظاهر بك بن سيد احمد بن بير حمزة و ظاهر ينطق به (زاير) جاء الى العراق و كان في جوانرود و هو أول من ورد العراق و كان مركز إمارتهم في إيران، و من ظاهر هذا يمضي العمود الى بير خضر شاهو المذكور، و يقفون عند ذلك، و لا يستطيعون تعداد من بعده.

و من هذا يجري التفرع كما يلي:

() 2- إن قادر بك المذكور ترك ولدا اسمه محمد بك، و هذا أعقب ولدا اسمه (بهرام بك)

و إن فرع البهرامية ينتسب الى بهرام بك بن محمد بك ابن قادر بك و تسمى بهرام بيكية. و سلسلتها كما يلي:

____________

(1) تحققتها من إبراهيم بك الجاف و من المرحوم عبد الله بك كيخسرو و من كريم بك الجاف و هؤلاء من أكابر رجالهم من الامراء. و هؤلاء من أكابر رجالهم من الامراء.

43

بهرام بيكية

()

44

الكيخسرو بيكية

رأس هذه الأسرة كيخسرو بك بن سليمان بن قادر بك بن ظاهر بك (زاير بك) المذكور سابقا. و أولاده:

1- قادر بك‏

2- عبد الله بك و هؤلاء لم يعقبوا.

3- سليمان بك‏

4- محمد باشا. و تفرعاته في المشجر رقم (1)

5- عبد الرحمن بك. و تفرعاته في المشجر رقم (2)

45

المشجر رقم (1):

محمد باشا بن كيخسرو () (1)

____________

(1) و له أخوة ماتوا بلا عقب، و توفي هو في 26 تشرين الأول سنة 1944 م.

46

المشجر رقم (2):

عبد الرحمن بن كيخسرو () و الملحوظ أن هؤلاء كل منهم ملقب ب (بك) و يقصد به (الأمير). و هم بيت الإمارة، و اللفظة تركية. و حبا بالاختصار ذكرنا الأسماء مجردة عن الصفة فاقتضى التنبيه الا أن يكون المرء ملقبا بلقب (باشا) فاننا ذكرناه كما في المشجر السابق. و لم نتعرض لذكر من انقرض و لم يعقب.

47

الولد بيكية في الجاف العراقية

() و هؤلاء الأمراء منهم في إيران و منهم في العراق، و لا يتيسر الاطلاع على تفرعاتهم، و قد رأيت بعض رؤسائهم، و كتبت عن بعض ما يتعلق بقبائلهم، و لم يتيسر أن أعرف الباقين. و المعروف أن رئيس ولد بيكي اليوم في إيران هو يعقوب بك و أخوه صالح بك أولاد فتاح بك بن سعيد بك بن صوفي بك بن بهرام بك بن سيد أحمد بك ابن ظاهر بك. كما علمت ذلك من رئيسهم صالح بك نفسه.

و من هذه المشجرات نعلم أنهم يتفرعون الى:

1- بهرام بيكية

48

2- كيخسرو بيكية

3- ولد بيكية

و من هؤلاء يشتق أمراؤهم الموجودون. و جاء في سياحتنامه‏ء حدود سنة 1268 ه و في تقرير درويش باشا أيضا أن الجاف قد توزع سلطتهم محمد بك كيخسرو بك (هو محمد باشا)، و محمد بك بن قادر بك، و محمد بك بن أحمد بك (من الولد بيكية)، و تبين أن محمد بك كيخسرو سلطته أوسع من غيره، و محمد بك قادر بك يتلوه قليلا، و الثالث ليس له حكم إلا على القليل من الطوائف المبعثرة و لا يتصرف بأكثر من 150 بيتا من الجاف الأصليين. و في الحقيقة قد توزعت قبائل الجاف بين آل كيخسرو بك، و آل قادر بك. كما أن هذه العشائر كانت تؤدي للحكومة مقطوعا يؤخذ من العشيرة على عدد بيوتها سوية يصيب كل بيت 87. 5 قرشا، فإنهم يتقاضون عوائد هذه الرسوم من العشيرة سواء من جراء ما يحدث من جرائم، أو من غيرها لأسباب مختلفة.

فإذا عصت طائفة على أميرها استعان هذا الأمير بالقبائل الأخرى و تمكن منها، و حينئذ نهب أموالها، و فعل فيها ما شاء بلا سائل و لا معاتب‏ (1).

و تظهر مكانة الإمارة عند وقوع النزاع بين (إيران و العراق)، أو بين الحكومة العثمانية، و بين إمارة بابان و لكن هذه العلاقات أدركتها الحكومة مؤخرا، أو أنها لم يكن في وسعها الالتفات اليها في أواسط القرن الثالث عشر الهجري أيام قضت على إمارة بابان.

و كل ما نقوله الآن أن الحكومة أدركت أمر الجاف مما دعا الى القضاء على إمارة بابان قبل تحديد الحدود، فتوضح لها عند تدقيق الحدود و أثناء الاتصال بهم أن البابان كانوا ناظم هذه القبائل، و كانت إمارة فوق‏

____________

(1) سياحتنامه حدود ص 244 و تقرير درويش باشا ص 58.

49

تلك الإمارات، فاتصلت بالجاف، و تفاهمت مع الأمراء منهم، و أعطت محمد بك لقب (باشا)، و من بعده منحت ابنه محمود بك‏ (1) لقب باشا و هكذا ...

____________

(1) ولي محمود باشا إمارة القبيلة في سنة وفاة والده (سنة 1308 ه). و كان قد ولد سنة 1262 ه. و نال مكانة كبيرة. توفي في 6 شعبان سنة 1339 ه (مشاهير الكرد ج 2 ص 181) هناك تفصيل ترجمته.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

أمراء الجاف و الأوضاع السياسية

بعد معاهدة السلطان مراد لم يعد للجاف ذكر في حوادث العراق إلا قليلا. لأن أمراء (بابان) كانوا قد سيطروا بإمارة عامة على العشائر في لواء شهرزور و من جملتهم الجاف و ربما استعانوا بهم في القضاء على (إمارة بلباس)، و كانت لا تقل عن الجاف. فاستخدموها أثناء تنازع السلطة بينها و بين بلباس، كما أن البابانيين توسلوا بقوة الحكومة في أحيان عديدة لقهر بلباس بداعي أن هؤلاء البلباس مفسدون في الأرض بالنهب و السلب، و كذا كانوا يصاولونهم بالقبائل المجاورة، فمال البلباس الى إيران و لم يبق منهم في العراق إلا القليل بل تبعثر أمرهم، و تشتتوا.

أما الدولة فإنها في كل أحوالها تريد التدخل، و تحاول التسلط بوسائل مختلفة لتقف على الحالة و تنظر إلى ما وراء ذلك مما عزمت على إجرائه بأمل السيطرة على الامارتين معا و هكذا يختلف الوضع بالنظر لآمال كل، و لكنها أضاعت الرشد في القضاء على البلباس فانفرد البابانيون في السلطة فكانوا في يقظة، فاستخدموا الجاف من جراء أن قسما منهم في إيران و الآخر في العراق للمحاربة بهم و التشويش على الدولتين ليكونوا بنجوة من تسلط إحداهما. فإذا تضايق البابانيون من العراق، و شعروا بقوة الحكومة مالوا الى إيران، و هكذا إذا شعروا بقوة إيران مالوا عنها.

و استخدموا الجاف على البلباس و على غيرها. و هكذا استخدموا قبائل أخرى لعين الغرض و لم يقصروا في تدبير.

مضت إمارة بابان مدة على هذه الوتيرة حتى أخذت الحكومة وضعها

52

قبل أيام درويش باشا الفريق بقليل و استولت على ما كان بيدها، و راقبت الحالة بنظرات صادقة، و اطلعت على إمارة البابان و أنها لا قدرة لها إلا في النفوذ على أكبر القبائل في اللواء و هم الجاف و من على شاكلتهم فاشتغلت لتقريبهم، و منحتهم الألقاب الفخمة، و جلبتهم لجانبها ..

و هناك قد حصل التفاهم بين إيران و تركية على التعاون للقضاء على هذه الإمارة ليكونا بنجوة من الغوائل، فلم يستطع آل بابان أن يعودوا للتجربة السابقة بالميل إلى إيران إذ لم يجدوا مساعدة منها بل عزمت الدولتان على المناصرة في القضاء على الإمارة المذكورة، فكان ذلك قبل تحديد الحدود بمدة قليلة.

و إن الجاف لم يعودوا إلى الالتفات إلى أقوال أمراء البابان، و قد رأوا توجها من الدولة و حصلوا على مكانة مرضية.

شعر الجاف بقوة، و نظرت الدولة أمر إدارتهم بأنفسهم. فتفاهموا مع الدولة العثمانية، و لم يظهر منهم ما ينفر أو يدعو للقيام عليهم، فبقوا موالين للحكومة حتى أيامها الأخيرة.

و من ثم قضت الحكومة على الأسرة البابانية، و نالت هذه مكانتها و زيادة. لأنها كانت في خشية من تلك، و أمن و طمأنينة من هذه، فقامت هذه في حراسة الحدود و مراعاة سياسة الحكومة. و لقبت الحكومة أميرها محمد بك كيخسرو بلقب (باشا) مما يعين هذا الاتصال بالدولة. على أن الدولة لم تأمن غوائل الحدود، و لزوم مراقبتها خشية إحداث أمثال ما وقع في بابان مما فصل (تاريخ العراق)، و لكن الحكومة أمينة منها أكثر، و هي (خير حارس للحدود).

كل هذه مما جعل الدولة تمشي بصورة معقولة. و تنهج سياسة قويمة، و مثلها إيران فإنها ملت الحروب، و صارت تودّ الطمأنينة بكل قواها، فلا إثارة فتن، و لا قيام زعازع أو حروب. و الدولة العثمانية خاصة راعت العدل بين أمرائها و مجاوريهم، فلا تركن الى ما يشعرون بشدة و طأته، و لا الى ما يؤدي الى انتهاك الحرمات و الحقوق لما هو مألوفهم و معتادهم.

53

جروا على ذلك الى أواخر أيامهم، و مضوا على سياسة كأنها ملهمة، أو تابعة لطراز عملي، أو وجهة مبناها الاحتفاظ ب (تقرير ما كان على ما كان)، فلم يعهد لها الاحتفاظ بسياسة رشيدة أكبر من مراعاة هذه القبيلة، و ملاحظة العنعنات القديمة بين رجالها.

و في كل أحوالها كانت لها مخصصات التزام تأخذها منها مقررة لا تتجاوزها و لا تتدخل في أمرها، و إن الأمراء كان ربحهم في هذه المخصصات و الاستفادة من عوائدها بصورة متعينة، فكانت العلاقة محدودة. الأمر الذي جعل قبائل الجاف تسرح و تمرح في هناء و نعيم، و بنجوة من الموظفين و تدخلاتهم بحيث صارت القبائل الأخرى من الجاف تتوارد بين حين و آخر لأدنى ما ترى من إيران من تضييق أو تشاهد من ضغط حتى تكون اليوم منها قبائل كثيرة مالت من هناك و لجأت الى العراق.

و من جهة أخرى أن القبائل لا ترى من أمرائها ما هو مشهود في هذه فلا تجد الأمراء يأخذون (شاة مرتع)، أو تكاليف أخرى تزيد عن المقطوع، فالجاف كانت تؤدي المقطوع للحكومة، و لا تزيد الأمراء فيه مهما زادت قبائلها أو تكاثرت. فالأمر الذي جعل تلك القبائل في اتصال وثيق بالأمراء. يزرعون الأراضي العائدة لهم و يؤدون ما يؤديه سائر الزراع بكلفة أقل، و لا يرهقونهم أكثر مما يتحملون من العوائد. و لم يعرف في أمراء القبائل الأخرى أو رؤسائها ما كان مشهودا منها من جراء الطمع، و مراعاة سلب القبيلة بقدر الامكان و لحد أقصى حتى لا يبقى مجال لما هو أكثر بقدر الطاقة. و لا حاكم في القبائل الأخرى سوى القوة بخلاف هؤلاء الأمراء فهم بمثابة رأس أسرة، و كبير عائلة يرأف و لا يقسر، و يقوي قبيلته و لا يضيق، و إذا أكل أكل بمعروف.

ذلك ما ولد التفادي، و هو قليل من كثير، و هو الذي قوى الألفة، و حافظ على المجموعة، فليس هناك آمر و مأمور، أو قاهر و مقهور، بل طاعة صادقة و خدمة حقيقية.

54

و كل ما أقوله أن القبيلة بسعادة و هناء من رؤسائها و في وئام معهم في أغلب أحوالهم، ذلك ما دعا أن لا يردوا لهم قولا، و لا يعدلوا عن أمر.

و يعجبني أن رضا بك من أمراء الجاف قد أكد لي أن أكثر أوصاف العرب التي عرفها في التاريخ موجودة فيهم و هي تلك السجايا المرضية المرغوب فيها من كل قوم و أمة على وجه البسيطة، و تحلى بها العرب، و تحلت بها هذه القبيلة، بل قبائل أخرى أيضا.

و كل ما عرفناه من سجايا هذه القبيلة و خصالها الحميدة دعانا الى بيانه، و هكذا قل عن خصال الأمراء، و علو أخلاقهم، و حسن سلوكهم ..

فهم أهل لأن يكونوا أمراء هذه القبيلة، و هم أحق بها و أهلها. و اللسان ليعجز من إيراد كل ما يستحقونه من الثناء عليهم في صفوتهم، و صفاء سريرتهم، و حسن عقيدتهم، و ادائهم للفرائض الدينية مما لا نعهده في الأمراء الذين أفسدتهم بهارج المدنية ..

و لا يستغرب المرء مما أقول، و يرى أن هؤلاء ملائكة، و لكنني أؤكد أنني لم أكتب إلا ما شاهدت أو رأيت، أو علمت، و لم أغال في مدح، و هم فوق ما وصفت، و إنما كتبت مما اقتضاه واجب الذمة، و رأيته لازم الصدق فدونت ما علمت.

و إني في هذه الحالة أعد نفسي قد تجاوزت الوصف، و لا ألبث أن أحاسب نفسي مرة أخرى، فلم أر ما يستحق أن يطوى، أو يجب أن يخفف منه، أو يحور و إنما أنا معتقد بصحة كل ما قلته، و لا يهمني من في قلبه زيغ، أو يتصور أن الأخلاق الفاضلة مفقودة، أو أن السلوك المرضي غير مشهود .. فيستاء من كل شي‏ء، و لا يرضى عن أحد، بل أن الدين متأصل في أكثر الأكراد، راسخ فيهم، و طاعتهم للعلماء عظيمة.

و ما ذكرت إلا ما اعتقدت، و ليكتب من شاء ما شاء من ملاحظة عيوب، أو التوسل ببيان الصفحة التي قد يراها في فرد أو أفراد لا يمثلون المجموع فلا نرى قيمة لأمثال هذه التي وجدت من حين وجد البشر