وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ج2

- علي بن أحمد السمهودي‏ المزيد...
281 /
1

الجزء الثاني‏

تأليف الشّيخ العلّامة نور الدّين علي بن أحمد السّمهودي المتوفى 911 ه اعتنى به و وضع حواشيه خالد عبد الغني محفوظ الجزء الثّاني‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي اختار رسوله محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أطيب الأرومات، و الصلاة و السلام الأتمّان الأكملان على أشرف الكائنات، و على آله و صحبه الذين فدوه بالأنفس و الأموال و بالآباء و الأمهات. و على من اتبعه و اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

[تتمة الباب الرابع: فيما يتعلق بأمور مسجدها الأعظم النبوي‏]

الفصل الرابع: الروايات في حنين الجذع‏

في خبر الجذع الذي كان يخطب إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اتخاذه المنبر، و ما اتفق فيه، و ما جعل بدله بعد الحريق، و اتخاذ الكسوة له.

روينا في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه. و فيه عن جابر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، أ لا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فضمّه إليه و هو يئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.

و فيه أيضا عنه: كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت‏ (1) العشار، الحديث.

و عند النسائي في الكبرى عن جابر: اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج: أي التي انتزع ولدها منها. و عند ابن خزيمة عن أنس: فحنّت الخشبة حنين الواله‏ (2). و في روايته الأخرى عند الدارمي: خار ذلك الجذع كخوار الثور.

و في حديث أبي بن كعب عند أحمد و الدارمي و ابن ماجه: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع و انشق. و في حديثه: فأخذ أبيّ بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد فلم يزل عنده حتى بلى و عاد رفاتا. و في حديث أبي سعيد عند الدارمي: فأمر به أن يحفر له و يدفن، و سيأتي أحاديث بذلك، و لا تنافي بين ذلك؛ لاحتمال أن يكون ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أبيّ بن كعب.

____________

(1) العشار: مفردها: العشراء، من النّوق و نحوها: ما مضى على حملها عشرة أشهر. و في التنزيل العزيز:

وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ‏ [التكوير: 4].

(2) الواله: الذي اشتد حزنه حتى ذهب عقله.

4

و قال أبو اليمن بن عساكر في تحفته: و في رواية فلما جلس عليه أي المنبر حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوضع يده عليها، فلما كان من الغد رأيتها قد حوّلت، فقلنا: ما هذا؟ قال: جاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر و عمر فحولوها، انتهى.

و في مسند الدارمي من حديث بريدة: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا خطب قام فأطال القيام، فكان يشق عليه قيامه، فأتى بجذع نخلة، فحفر له و أقيم إلى جنبه قائما للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فكان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا خطب فطال القيام عليه استند فاتكى عليه، فبصر به رجل كان ورد المدينة فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع، فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمدا يحمدني في شي‏ء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، و إن شاء قام، فبلغ ذلك النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: ائتوني به، فأتوه به، فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع، هي الآن في مسجد المدينة؛ فوجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك راحة، فلما فارق النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الجذع و عمد إلى هذه التي صنع له جزع الجذع فحنّ كما تحن الناقة، حين فارقه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فزعم ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه، و قال: اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، و إن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها و عيونها فتحسن زينتك، و تثمر، فتأكل كل أولياء الله من ثمرتك و تخلد؛ فعلت؛ فزعم أنه سمع من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يقول له: نعم قد فعلت، مرتين، فسئل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: اختار أن أغرسه في الجنة.

و لفظه عند عياض: إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك، و يكمل خلقك، و يجدد لك خوص و ثمرة، و إن شئت أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك، ثم أصغى له النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله و أكون في مكان لا أبلي فيه فسمعه من يليه، قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): قد فعلت، ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى و قال: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) شوقا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه، و هو في كتاب يحيى بنحوه، و في حديث سهل بن سعد عند أبي نعيم: فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أ لا تعجبون من حنين هذه الخشبة، فأقبل الناس عليها فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم.

و في لفظ عند ابن عبد البر: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع و انشق، فرجع إليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، قال: فكان إذا صلّى صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة و عاد رفاتا.

و هذا يبعد ما قدمناه من التأويل؛ إذا ظاهره أنه لم يدفن.

و يحتمل: أن ذلك كان بعد دفنه، و مشى يصلي إليه قريبا منه؛ لأنه كان عند مصلّاه كما سنحققه.

5

و في كتاب يحيى عن أبي سعيد: كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب إلى جذع نخلة، فأتاه رجل رومي، فقال: أصنع لك منبرا تخطب عليه، فصنع له منبره الذي ترون، فلما قام عليه فخطب حنّ الجذع حنين الناقة إلى ولدها، فنزل إليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فضمّه فسكن، و أمر به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يدفن و يحفر له.

و عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب إلى جذع يتساند إليه، فمر رومي فقال: لو دعاني محمد لعملت له ما هو أرفق له من هذا، فذكروا ذلك لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأرسل إليه، فدعاه، فجعل له المنبر، ثم ذكر حنين الجذع و تخيير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له، قال:

فقالت: فسمعنا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يقول: فنعم، فغار الجذع فذهب.

و عن أنس أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يخطب إلى الجذع، فلما اتخذ المنبر و عدل إليه حن الجذع حتى أتاه فاحتضنه فسكن، و قال: لو لم أفعل هذا لحنّ إلى يوم القيامة.

و ذكر الأسفراييني أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعاه إلى نفسه، فجاء يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه.

صانع المنبر

و في كتاب ابن زبالة عن خالد بن سعيد مرسلا أن تميما الداري كان يرى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يشتد عليه وجع كان يجده في فخذيه يقال له الزجر، فقال له تميم: يا رسول الله أ لا أصنع لك منبرا تقوم عليه، فإنه أهون عليك إذا قمت و إذا قعدت؟ قال: و كيف المنبر؟

قال: أنا يا رسول الله أصنعه لك، قال: فخرج إلى الغابة فقطع منها خشبات من أثل، فعمل له درجتين: أي غير المقعد، فتحول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الخشبة التي كان يستند إليها إذا خطب، ثم ذكر حنينها، و قال: بلغنا أنها دفنت تحت المنبر.

و عن المطلب بن حنطب أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر بالجذع فحفر له تحت المنبر فدفن هنالك، قال:

و الذي عمل المنبر غلام نصيبة المخزومي، و كان المنبر من أثلة كانت قريبا من المسجد.

و عن سهل بن سعد الساعدي نحو ما في الصحيح أن رجالا أتوا سهلا و قد امتروا في المنبر مم عوده، فسألوه عن ذلك، فقال: و الله إني لأعرف ممّ هو، و لقد رأيته أول يوم وضع، و أول يوم جلس عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أرسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى فلانة امرأة من الأنصار قد سماها سهل: مري غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادا أجلس عليها إذا كلمات الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى عليها و كبر و هو عليها، ثم ركع و هو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، هذا لفظ الصحيح، و زاد فيه ابن زبالة: و قطعت خشب المنبر بيدي مع الذي بعثه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و حملت إحدى الدرجات.

6

و رواه يحيى بلفظ: عمل من أثل، يعني المنبر، و كنت ممن حمل درجته هذه، ثم ذكر حنين الجذع، و في رواية للبخاري في كتاب الهبة «فجاءوا به- يعني المنبر- فاحتمله النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فوضعه حيث ترون».

و قال الحافظ ابن حجر: صحف بعض الرواة قوله إلى فلانة امرأة من الأنصار فقال إلى علاثة (بالعين المهملة و المثلاثة) و هو خطأ، و المرأة لا يعرف اسمها، و نقل ابن التين عن مالك أن النجار كان مولى لسعد بن عبادة؛ فيحتمل أنه كان في الأصل مولى امرأته، و نسب إليه مجازا، و اسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم، و هي ابنة عمه؛ فيحتمل أن تكون هي المرأة، لكن رواه ابن راهواه عن ابن عيينة و قال: مولى لبني بياضة، و وقع عند الكرماني قيل:

اسمها عائشة، و أظنه صحّف المصحف، ثم وجدت في الأوسط للطبراني من حديث جابر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يصلي إلى سارية في المسجد، و يخطب إليها، و يعتمد عليها، فأمرت عائشة، فصنعت له منبره هذا، فذكر الحديث، و إسناده ضعيف، و لو صح لما دل على أن عائشة هي المرادة في حديث سهل هذا إلا بتعسف، و الله أعلم.

و أسند ابن سعد في الطبقات من حديث أبي هريرة، و رجاله ثقات إلا الواقدي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يخطب و هو مستند إلى جذع، فقال: إن القيام قد شق علي، فقال تميم الداري: أ لا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس، فقال: مره أن يعمل» الحديث.

موضع الجذع‏

و أسند يحيى منقطعا عن ابن أبي الزناد و غيره أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد كان موضعه عند الأسطوانة المخلّقة التي تلي القبر التي عن يسار الأسطوانة المخلّقة التي كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصلي عندها التي هي عند الصندوق، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم):

إن القيام قد شق علي، و شكا (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضعفا في رجليه، قالوا: فقال تميم الداري- و كان رجلا من لخم من أهل فلسطين- يا رسول الله أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، قالوا: فلما أجمع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذو الرأي من أصحابه على اتخاذه قال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): مره يعمل، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عملها درجتين و مجلسا، ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضعه اليوم، ثم راح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حن الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة، حتى ارتاع الناس، و قام بعضهم على رجليه، فأقبل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى مسه بيده، فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المنبر فقام عليه،

7

فلم يزل كذلك في زمان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبي بكر و عمر، فلما هدم عثمان المسجد اختلف في الجذع، فمنهم من قال: أخذه أبي بن كعب، فكان عنده حتى أكلته الأرضة، و منهم من قال: دفن في موضعه.

شهرة حديث حنين الجذع‏

و قال عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، و الخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، و رواه من الصحابة بضعة عشر.

و قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، و رواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف، و فيه دليل على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكا كأشرف الحيوان.

و قد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشافعي قال: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته؛ فهذا أكبر من ذلك.

الموضع الذي دفن فيه الجذع‏

و نقل ابن زبالة اختلافا في دفن خشبته؛ فعن عثمان بن محمد: دفنت دوين المنبر عن يساره، و قال بعضهم: دفنت شرقي المنبر إلى جنبه، و قال بعضهم: دفنت تحت المنبر، و تقدم في رواية أنه دفن في موضعه الذي كان فيه، و محصل الرواية المتقدمة في كلام يحيى أنه كان في جهة المشرق يسار المصلّى الشريف.

و نقل ابن زبالة عن عبد العزيز بن محمد أن الأسطوان الملطّخ بالخلوق ثلثاها أو نحو ذلك محرابها موضع الجذع الذي كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب إليه، بينها و بين القبلة أسطوان، و بينها و بين المنبر أسطوان.

بدعة اصطنعها الناس بسبب الجذع‏

قلت: و هذه الأسطوانة هي التي تقدم أنها علم المصلّى الشريف عن يمينه، و لهذا روى عقبة ما قدمناه من القيام بمقام رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الصلاة لمن عدل عنها قليلا، و هذا مستند المطري في قوله: و كان هذا الجذع عن يمين مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لاصقا بجدار المسجد القبلي في موضع كرسي الشمعة اليمنى التي توضع عن يمين الإمام المصلّي في مقام النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الأسطوانة التي قبلي الكرسي متقدمة عن موضع الجذع؛ فلا يعتمد على قول من جعلها في موضع الجذع، قال: و فيها خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص سدادة لموضع كان في حجر من حجارة الأسطوانة مفتوح قد حوط عليه بالبياض و الخشبة ظاهرة، تقول العامة:

هذا الجذع الذي حن إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ليس كذلك بل هو من جملة البدع التي يجب إزالتها

8

لئلا يفتن بها الناس، كما أزيلت الجزعة التي كانت في المحراب القبلي، و ذكر قصة الجزعة التي قدمناها.

و قال المجد: إن الخشبة المذكورة كان يزدحم على زيارتها و التمسح بها، و يعتقد الناس عامة أنها الجذع، فظن بعض الفقهاء أن هذا من المنكر الذي يتعين إزالته، و صرح بهذا في كتبه، إلى أن وافق على ذلك شيخنا العز بن جماعة فأمر بإزالتها، إلى آخر ما قدمناه عنه.

قال: و كان موضع الخشبة من الأسطوان المذكور على مقدار ذراعين من الأرض ارتفاعا، و قد طلي عليه بالقصة، و لا عين منه و لا أثر.

قلت: الذي يظهر- كما قدمته- أن هذه الخشبة كانت من العود الذي كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يضع يده عليه و يقول: عدلوا صفوفكم، كما تقدم، و الله أعلم.

عود إلى الاختلاف في صانع المنبر

و نقل ابن زبالة الاختلاف في الذي عمل المنبر، فقيل: غلام نصيبة المخزومي، و قيل:

غلام للعباس، و قيل: غلام لسعيد بن العاص يقال له باقول (بموحدة و قاف مضمومة) و قيل: غلام لامرأة من الأنصار من بني ساعدة، أو لامرأة لرجل منهم يقال له مينا، و قوله «يقال له مينا» يحتمل المولى و زوج المرأة، لكن عند يحيى قال إسماعيل بن عبد الله: الذي عمل المنبر غلام الأنصارية و اسمه مينا، و عند ابن بشكوال عن أبي بن أويس: عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة أو بني ساعدة أو امرأة لرجل منهم يقال له مينا، و هذا محتمل كالأول، و قيل: عمله تميم الداري، هذا حاصل ما ذكره ابن زبالة، و في رواية ليحيى: عمل المنبر صباح غلام العباس (بضم المهملة بعدها موحدة خفيفة) و تقدم تسميته كلابا، و نقل المراغي عن بعض شيوخه أن الذي عمله باقوم (بالميم) باني الكعبة لقريش، و في الاستيعاب عن باقوم الرومي قال: صنعت لرسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) منبرا من طرفاء له ثلاث درجات: المقعدة، و درجتيه، قال ابن عبد البر: و إسناده ليس بالقائم.

و في طبقات ابن سعد أن الصحابة قالوا: يا رسول الله إن الناس قد كثروا، فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت، قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما شئتم، قال سهل رضي الله عنه: و لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، فذهبت أنا و ذاك النجار إلى الغابة فقطعنا هذا المنبر من أثلة، و في لفظ: فحمل سهل منهن خشبة، قال المجد: إسنادهما صحيح، و عند قاسم بن أصبغ: و كان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون، فذكر الحديث، و عند الطبراني عن سهل: كنت جالسا مع خال لي من الأنصار، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): اخرج إلى الغابة و أتني من خشبها فاعمل لي‏

9

منبرا، الحديث. و أخرج الطبراني بإسناد فيه متروك أن اسم صانع المنبر إبراهيم، و في أسماء الصحابة لابن شبة مرسلا: اسمه قبيصة أو قصيبة بتقديم الصاد، المخزومي، مولاهم، و عند أبي داود بإسناد جيد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما بدّن قال تميم الداري: يا رسول الله أ لا تتخذ لك منبرا يحمل- أو يجمع- عظامك، قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): بلى، فاتخذ له منبرا مرقاتين: أي غير المقعدة.

قال الحافظ ابن حجر: و ليس في الروايات التي سمي فيها النجار قوي السند إلا هذا، و ليس فيه تصريح بأن الذي اتخذ المنبر تميم، بل قد تبين من رواية ابن سعد المتقدمة أن تميما لم يعمله، و أشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون؛ لكون الإسناد من طريق سهل، و لا اعتداد بالأقوال الأخرى لكونها واهية.

قلت: و لا ينافيه قوله في مقدمة الشرح «باقوم أشهر الأقوال» فقد يشتهر الواهي.

و في التحفة لابن عساكر: روينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): إن أتّخذ منبرا فقد اتخذه أبي إبراهيم، و إن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم، صلى الله عليهما و سلم.

و أسند ابن النجار من حديث أنس: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا، فبنوا له منبرا له عتبتان، و هو يقتضي أن المنبر كان بناء، و يحتمل أنه أطلق على تأليفه من الأخشاب اسم البناء، لكن قال الحافظ ابن حجر: حكى بعض أهل السير أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب» و يعكر عليه ما تقدم في الأحاديث الصحيحة من أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.

قلت: يحتمل أن ذلك المنبر المتخذ من الطين كان إلى جانب الجذع، و كأنه كان بناء مرتفعا فقط، و ليس له درج و مقعدة بحيث يكمل الارتفاق به؛ فلا ينافي ما تقدم في سبب اتخاذ المنبر من خشب، و يؤيد ذلك ما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة قالت: فثار الحيان الأوس و الخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المنبر، الحديث، و هذه القصة متقدمة على اتخاذ المنبر من الخشب؛ فقد جزم ابن النجار بأن عمله كان سنة ثمان، و جزم ابن سعد بأنه كان في السنة السابعة، على أن ذكر تميم و العباس في عمله كما تقدم يقتضي تأخره عن ذلك أيضا؛ فقد كان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، و قدوم تميم سنة تسع، و في بعض طرق الحديث: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يجلس بين أصحابه، فيجي‏ء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه، الحديث. و في بعض طرقه أنه جاء و النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب أي: على ذلك الدكان، و الله أعلم.

10

و روى يحيى عن ابن أبي الزناد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يجلس على المجلس، و يضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر قام على الدرجة الثانية، و وضع رجليه على الدرجة السفلى، فلما ولي عمر قام على الدرجة السفلى، و وضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان فعل ذلك ست سنين من خلافته؛ ثم علا إلى موضع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

ثم قال: قالوا فلما استخلف معاوية زاد في المنبر، فجعل له ست درجات، و كان عثمان أول من كسا المنبر قبطية.

أراد معاوية أن ينقل المنبر إلى الشام‏

قالوا: فلما قدم معاوية عام حج حرك المنبر، و أراد أن يخرجه إلى الشام، فكسفت الشمس يومئذ، حتى بدت النجوم، فاعتذر معاوية إلى الناس، و قال: أردت أنظر إلى ما تحته، و خشيت عليه من الأرضة. قال بعضهم: و كساه يومئذ قبطية أو لينة. ثم أسند عن سعيد ابن عمرو قصة تحريك معاوية للمنبر، و أن الشمس كسفت، و اعتذاره بأن خشي عليه الأرضة، و أنه كساه يومئذ قبطية يكون عليه أو لينة، فكان يقال: هو أول من كساه، قال يحيى: و أثبتهما عندنا أن عثمان هو أول من كساه، و قد نقل ذلك ابن النجار عن الواقدي عن ابن أبي الزناد، قال: فسرقت الكسوة امرأة، فأتى بها عثمان، فقال لها: هل سرقت؟

قولي لا، فاعترفت، فقطعها، و اتفق لامرأة مع ابن الزبير مثل ذلك.

و في تاريخ الواقدي: أراد معاوية رضي الله عنه سنة خمسين تحويل منبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى دمشق، فكسفت الشمس يومئذ، و كلمه أبو هريرة رضي الله عنه فيه، فتركه، فلما كان عبد الملك أراد ذلك فكلمه قبيصة فتركه؛ فلما كان الوليد أراد ذلك فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فكلمه فيه فتركه، فلما كان سليمان قيل له في تحويله قال: لا؛ ها الله، أخذنا الدنيا و نعمد إلى علم من أعلام الإسلام نريد تحويله؟ ذاك شي‏ء لا أفعله؛ و ما كنت أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك و لا عن الوليد! ما لنا و لهذا؟

رفع المنبر ست درجات‏

و أسند ابن زبالة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: بعث معاوية رضي الله عنه إلى مروان يأمره أن يحمل إليه منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأمر به أن يقلع، فأظلمت المدينة، و أصابتهم ريح شديدة، قال: فخرج عليهم مروان فخطبهم، و قال: يا أهل المدينة إنكم تزعمون أن أمير المؤمنين بعث إلى منبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أمير المؤمنين أعلم بالله من أن يغير منبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن ما وضعه عليه، إنما أمرني أن أكرمه و أرفعه، قال: فدعا نجارا فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم، و وضعه موضعه اليوم.

و في رواية له عن ابن قطن: قلع مروان بن الحكم منبر رسول الله، و كان درجتين‏

11

و المجلس، و أراد أن يبعث به إلى معاوية، قال: فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم، قال:

فزاد فيه ست درجات، و خطب الناس فقال: إني إنما رفعته حين كثر الناس.

و عند يحيى في رواية أخرى: كتب معاوية رضي الله عنه إلى مروان و هو على المدينة أن أرسل لي بمنبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فخرج مروان فقلعه، فأصابتنا ريح مظلمة بدت فيها النجوم نهارا، و يلقى الرجل الرجل يصكه فلا يعرفه، و ذكر اعتذار مروان المتقدم، و قال: إنما كتب إلي يأمرني أن أرفعه من الأرض، فدعا له النجاجرة، فعمل هذه الدرجات و رفعوه عليها، و هي- أي الدرجات التي زادها- ست درجات، قال: ثم لم يزد فيه أحد قبله و لا بعده.

و قال ابن زبالة عقب حديث رواه من طريق سفيان عن كثير بن زيد عن المطلب ما لفظه: و الذي زاد في درج المنبر معاوية بن أبي سفيان.

قال سفيان: قال كثير: فأخبرني الوليد بن رباح قال: كسفت الشمس يوم زاد معاوية في المنبر حتى رؤيت النجوم.

و روى ابن النجار زيادة مروان فيه، و أنه صار تسع درجات بالمجلس، عن ابن أبي الزناد، ثم قال: و لما قدم المهدي المدينة سنة إحدى و ستين و مائة، فقال لمالك بن أنس: إني أريد أن أعيد منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على حاله، فقال له مالك: إنما هو من طرفاء، و قد سمّر إلى هذه العيدان و شد، فمتى نزعته خفت أن يتهافت و يهلك، فلا أرى أن تغيره، فانصرف المهدي عن تغييره.

و روى ابن شبة قصة المهدي عن محمد بن يحيى عن محمد بن أبي فديك.

عدد درجات المنبر

قلت: و جميع ما قدمناه من كلام المؤرخين مقتض لاتفاقهم على أن منبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان درجتين غير المجلس و نقله ابن النجار عن الواقدي، لكن سبق في رواية الدارمي «هذه المراقي‏ (1) الثلاث أو الأربع» على الشك، و في صحيح مسلم «هذه الثلاث درجات» من غير شك، و قال الكمال الدميري في شرح المنهاج: و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) منبره ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح، و لعل مأخذه ظاهر ذلك مع حديث أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) رقي المنبر فلما رقي الدرجة الأولى قال: آمين، ثم رقي الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم رقي الدرجة الثالثة فقال:

آمين، فقالوا: يا رسول الله سمعناك قلت آمين ثلاث مرات، قال: لما رقيت الدرجة الأولى جاء جبريل (عليه السلام) فقال: شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ عنه فلم يغفر له، قلت:

____________

(1) المراقي: وسائل الرقي أو آلاته، مفردها: مرقاة.

12

آمين، ثم قال: شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، قلت: آمين، ثم قال: شقي عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين، رواه يحيى بن الحسن عن جابر، و رواه الحاكم عن كعب بن عجرة (1) و قال: صحيح الإسناد، و لفظه: قال قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): احضروا المنبر، فحضرنا، فلما رقي درجة قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال:

آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمين؛ فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت:

آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين، و يمكن حمله على أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ارتقى حينئذ على المجلس و هي الدرجة الثالثة.

مساحة المنبر

قال ابن زبالة: و طول منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خاصة ذراعان في السماء، و عرضه ذراع في ذراع، و تربيعه سواء، و فيه مما كان يلي ظهره إذا قعد ثلاثة أعواد تدور، ذهب إحداهن، و انقلعت إحداهن سنة ثمان و تسعين و مائة، و أمر به داود بن عيسى فأعيد، و فيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن، و طول منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مرتفع في السماء مع الخشب الذي عمله مروان- أي الأعواد المتقدمة- ثلاث أذرع و نصف.

و قال عقب كلامه الآتي في ذرع ما عليه المنبر اليوم، يعني زمنه، ما لفظه: و طول المجلس- أي مجلسه (صلّى اللّه عليه و سلّم)- شبران و أربع أصابع في مثل ذلك. مربع؛ فقوله أولا: «و عرضه ذراع في ذراع» إنما أراد به مقعد المنبر؛ لما قاله هنا في وصف المقعد بدون درجتيه؛ و لأنه قال هنا عقب ما تقدم: و ما بين أسفل قوائم منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأول إلى رمانته خمسة أشبار و شي‏ء؛ و عرض درجه شبران، و طولها شبر، و طوله من ورائه- يعني محل الاستناد- شبران و شي‏ء؛ فيؤخذ من ذلك أن امتداد المنبر النبوي من أوله- و هو ما يلي القبلة- إلى ما يلي آخره في الشام أربعة أشبار و شي‏ء؛ لقوله: إن عرض درجه شبران، و إن المجلس شبران و أربع أصابع، و قوله: «و ما بين أسفل قوائم منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى آخره» معناه أن من طرف المنبر النبوي الذي يلي الأرض إلى طرف رمانته التي يضع عليها يده الكريمة خمسة أشبار و شي‏ء؛ و ذلك نحو ذراعين و نصف، و قد تقدم أن ارتفاع المنبر النبوي خاصة ذراعان؛ فيكون ارتفاع الرمانة نحو نصف ذراع.

و قال ابن النجار: طول منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذراعان و شبر و ثلاث أصابع، و عرضه ذراع‏

____________

(1) أبو محمد، القضاعي، البلوي، المدني، حليف القوافل، مات سنة إحدى و خمسين روى عنه البخاري و مسلم.

13

راجح، و طول صدره- و هو مستند النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ذراع، و طول رمانتي المنبر اللتين كان يمسكهما بيده الكريمتين إذا جلس شبر و أصبعان، و عرضه ذراع في ذراع، يريد و تربيعه سواء، و لا يخفى ما فيه من المخالفة لكلام ابن زبالة.

و قال ابن زبالة في الكلام على فضل ما بين القبر و المنبر، بعد ذكر المرمر الذي حول المنبر، ما لفظه: و في المنبر من أسفله إلى أعلاه سبع كوى‏ (1) مستطيرة من جوانبه الثلاث، و في جنبه الذي عمل مروان من قبل المشرق ثماني عشرة كوة (1) مستديرة شبه المربعة، و من قبل المغرب ثماني عشرة كوة مثل ذلك، و كان فيه خمسة أعواد تدور، فذهب بعضها و بقي اثنان منها، فسقط أحدهما في سلطان داود بن عيسى على المدينة في سنة ثمان و تسعين و مائة، فأمر به فأعيد.

و قال في موضع آخر: و فيما عمل مروان في حائط المنبر الخشب عشرة أعواد لا يتحركن، ثم قال: و في منبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خاصة خمسة أعواد من جوانبه الثلاث، فذهب بعضها.

و قال بعد ما تقدم عنه في ذرع منبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما لفظه: و ذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع، و عرضه ذراع و شي‏ء يسير، و ما بين الرمانة المؤخرة و الرمانة التي كانت في منبر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) القديم ذراع و شي‏ء، و ما بين رمانة منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الرمانة المحدثة في مقدم المنبر ذراعان و عظم الذراع، و ما بين الرمانة و الأرض ثلاث أذرع و شي‏ء، و طول المنبر اليوم من أسفل عتبته إلى مؤخره سبع أذرع- أي بتقديم السين- و شبر، و طوله في الأرض إلى مؤخره ست أذرع، هذه عبارته بحروفها، و يتعين حمل كلامه على أن امتداد المنبر في الأرض من أسفل عتبته الرخام التي أمامه إلى مؤخر المنبر سبعة أذرع و شبر، و طول امتداده و هو في الأرض إلى مؤخره مع إسقاط العتبة ست أذرع، حتى يلتئم كلامه، و قد ذكر فيما قدمناه عنه أن حول المنبر مرمر مرتفع قدر الذراع، و فيه شي‏ء محدث غير مرتفع زاده الحسن بن زيد.

و قال في موضع آخر: و المنبر مبني فوق رخام، و هو في وسط الرخام، فسمي المرمر رخاما، و قال: إن هذا الرخام حده من الأسطوانتين اللتين في قبلة المنبر- أي خلفه- إلى الأسطوانتين اللتين تليانهما مما يلي الشام- أي أمام المنبر- و قد سمى ابن النجار هذا الرخام الذي عليه المنبر دكة، و قال: إن طولها شبر و عقد، يعني في الارتفاع، و سمى ذلك أبو الحسين بن جبير في رحلته حوضا، و كأنه أخذ هذه التسمية مما ورد في أن المنبر على الحوض، و ذكر في طول هذا الرخام و عرضه ما يقرب مما قدمناه في حدود المسجد النبوي، قال: و ارتفاعه شبر و نصف.

____________

(1) الكوى جمع كوّة: الخرق في الحائط.

14

قلت: و لما حفر متولي العمارة في زماننا أرض المسجد الشريف و سواها بأرض المصلى الشريف وجد هذا الرخام المذكور، و ارتفاعه عن أرض المصلى الشريف نحو ما ذكره ابن النجار و ابن جبير؛ ثم لما أرادوا تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا حول الدكة المذكورة فظهر أنها منخفضة عن أرض المصلّى الشريف التي استقر عليها الحال اليوم يسيرا، و خلفها من جهة القبلة إفريز نحو ثلث ذراع، و طولها سبع أذرع، بتقديم السين، و شبر، و هي مجوفة شبيهة بالحوض، فصح ما ذكره ابن جبير في تسميتها حوضا، و صح أيضا ما سيأتي عنه من أن سعة المنبر خمسة أشبار؛ لأن جوف هذا الحوض الذي وجدناه بما دخل من عمودي المنبر في أحجاره خمسة أشبار، و قول ابن زبالة أولا «و ذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع» مراده ارتفاعه في الهواء مع الدرج الست التي زادها مروان؛ فيكون طول الدرج الست ذراعين؛ فتكون كل درجة ثلث ذراع، فيقرب مما قدمه ابن زبالة في طول درج منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو الذي تقتضيه المناسبة.

و نقل الزين المراغي عن ابن زبالة أنه قال: طول منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما زيد فيه أربعة أذرع، و من أسفل عتبته إلى أعلاه تسعة أذرع و شبر.

قلت: كذا رأيته بخط الزين، و ضبط قوله: «تسعة أذرع» بتقديم التاء الفوقية، و هو غلط في النسخة التي وقعت له؛ لأن الذي قدمناه عن ابن زبالة إنما هو من أسفل عتبته إلى مؤخره، و قررناه بما تقدم، و إنما قضينا على ذلك بالغلط لأنه حينئذ لا يلتئم أطراف كلامه، و لأنه يقتضي أن يكون ارتفاع المنبر في الهواء تسعة أذرع، بتقديم التاء، و شبرا، فإذا قام عليه القائم يقرب من سقف المسجد، و يبعد كل البعد كون منبر في ذلك الزمان ارتفاعه هذا القدر، و أيضا فابن زبالة قد صرح بأن الذي زاده مروان ست درج، فيلزم أن يكون كل درجة ذراعا و شيئا، و هو في غاية البعد، و ما نقلناه عن ابن زبالة يقرب مما ذكره ابن النجار؛ فإنه قال عقب ما قدمناه عنه في وصف منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما لفظه: و طول المنبر اليوم ثلاثة أذرع و شبر و ثلاث أصابع، و الدكة التي عليها من رخام طولها شبر و عقد، و من رأسه- أي المنبر- دون دكته إلى عتبته خمسة أذرع و شبر و أربع أصابع، و قد زيد فيه اليوم عتبتان و جعل عليه باب يفتح يوم الجمعة، انتهى؛ فهو قريب مما ذكره ابن زبالة من أن طول المنبر- يعني في الهواء- أربعة أذرع، و امتداده هو خاصة في الأرض من عتبته إلى مؤخره ستة أذرع، و يوافق أيضا ما ذكره الفقيه أبو الحسين محمد بن جبير من حديث القدر، فإنه قال: رأيت منبر المدينة الشريف في عام ثمان و سبعين و خمسمائة، و ارتفاعه من الأرض نحو القامة أو أزيد، و سعته خمسة أشبار، و طوله خمس خطوات، و أدراجه ثمانية، و له باب على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة، و طوله- أي الباب- أربعة أشبار و نصف شبر، و هذا

15

المنبر هو الذي وصفه ابن النجار فيما يظهر؛ لأنه وضع تاريخه سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة، و توفي قبل حريق المسجد سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، و كان احتراق المسجد كما سيأتي سنة أربع و خمسين و ستمائة، و فيه احترق هذا المنبر، و فقد الناس بركته.

و قد زاد ابن جبير على ابن النجار في وصف هذا المنبر فقال: و هو مغشّى بعود الآبنوس، و مقعد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أعلاه ظاهر قد طبق عليه لوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه؛ فيدخل الناس أيديهم إليه و يمسحونه بها تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم، و على رأس رجل المنبر الأيمن حيث يضع الخطيب يده إذا خطب حلقة فضة مجوفة مستطيلة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في أصبعه إلا أنها أكبر منها، و هي لاعبة تستدير في موضعها، انتهى.

و الظاهر: أن هذا المنبر غير الذي وصفه ابن زبالة لأنه لم يصفه بذلك، و يوضح ذلك ما ذكره في الطراز لسند من المالكية حيث قال: إن منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جعل عليه منبر كالغلاف، و جعل في المنبر الأعلى طاق مما يلي الروضة، فيدخل الناس منها أيديهم يمسحون منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يتبركون بذلك، انتهى؛ فهذا شي‏ء حدث بعد ابن زبالة.

و قد قال المطري: حدثني يعقوب بن أبي بكر من أولاد المجاورين، و كان أبوه أبو بكر فراشا من قوام المسجد، و هو الذي كان حريق المسجد على يده، أن المنبر الذي زاده معاوية و رفع منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) تهافت على طول الزمان، و أن بعض خلفاء بني العباس جدده، و اتخذ من بقايا أعواد منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمشاطا للتبرك، و عمل المنبر الذي ذكره ابن النجار فيما تقدم.

قال يعقوب: سمعت ذلك من جماعة بالمدينة ممن يوثق بهم، و أن المنبر المحترق هو الذي جدده الخليفة المذكور، و هو الذي أدركه ابن النجار؛ لأن وفاته قبل الحريق.

قلت: و ظاهر كلام ابن عساكر في تحفته أنه كان قد بقي من المنبر الشريف بقايا فقط إلى احتراق المسجد، و هو من أدرك حريقه، و أورد في كتابه ما ذكره شيخه ابن النجار، و لفظه: و قد احترقت بقايا منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) القديمة، وفات الزائرين لمس رمانة المنبر التي كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يضع يده المقدسة المكرمة عليها عند جلوسه عليه، و لمس موضع جلوسه منه بين الخطبتين و قبلهما، و لمس موضع قدميه الشريفتين بركة عامة و نفع عائد، و فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عوض من كل ذاهب و درك من كل فائت، انتهى. و هو صريح في بقاء ما ذكره إلى حين الحريق، و يؤيده ما تقدم عن رحلة ابن جبير و صاحب الطراز، بل ظفرنا بما يشهد لصحة ذلك؛ فإنه لما أراد متولي العمارة تأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره حفروا على الدكة التي تقدم أن المنبر

16

كان عليها فوجدت مجوفة كالحوض، و به عبر ابن جبير عنها، فوجدوا فيما يلي القبلة منها قطعا كثيرة من أخشاب المنبر المحترق- أعني الذي كان فيه بقايا منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فوضعها الأقدمون في جوف ذلك المحل حرصا على البركة، و بنوا فوقها بالآجر بحيث سدوا جوف ذلك الحوض كله، فصار دكة مستوية، و وضعوا المنبر الآتي ذكره عليها، و شاهدت آثار قائمتي المنبر الشريف اللتين كان بأعلاهما رمانتاه قد نحت لهما في الحجر المحيط بالحوض المذكور على نحو ذراع و ثلث من طرف باطن الحوض المذكور مما يلي القبلة، وسعة الحوض المذكور خمسة أشبار كما ذكره ابن جبير في سعة المنبر، و عرض جدار الحوض المذكور خلف المنبر نحو نصف ذراع، و قد حرصت على وضع ما وجد من تلك الأخشاب في محلها، فوضع ما بقي منها في محله من الحوض المذكور، و بنوا عليه كما سيأتي، و الله أعلم.

و لما احترق المنبر المذكور في جملة الحريق أرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنة ست و خمسين منبرا له رمانتان من الصندل، فنصب في موضع منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كما ذكره المطري فمن بعده، قال: و لم يزل يخطب عليه عشر سنين، فلما كان في سنة ست و ستين و ستمائة أرسل الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري هذا المنبر الموجود اليوم أي: زمن المطري، فقلع منبر صاحب اليمن، و حمل إلى حاصل الحرم، و نصب هذا المنبر مكانه، و طوله أربع أذرع في السماء، و من رأسه إلى عتبته سبع أذرع يزيد قليلا، و عدد درجاته تسع بالمقعد.

قال المجد: و له باب بمصراعين، في كل مصراع رمانة من فضة، و مكتوب على جانبه الأيسر اسم صانعه «أبو بكر بن يوسف النجار» و كان من أكابر الصالحين الأخيار، و هو الذي قدم بالمنبر إلى المدينة، فوضعه في موضعه، فأحسن وضعه، و أتقن نجارته و صنعته، ثم انقطع في المدينة.

قال الزين المراغي: و بقي منبر الظاهر بيبرس يخطب عليه من سنة ست و ستين و ستمائة إلى سنة سبع و تسعين و سبعمائة، فكانت مدة الخطبة عليه مائة سنة و اثنتين و ثلاثين سنة، فبدأ فيه أكل الأرضة؛ فأرسل الظاهر برقوق صاحب مصر هذا المنبر الموجود اليوم: أي زمن المراغي، أرسله في آخر سنة سبع و تسعين و سبعمائة، و قلع منبر الظاهر بيبرس، انتهى.

قلت: و لم يزل هذا المنبر موجودا إلى ما بعد العشرين و ثمان مائة، كما أخبرني به جماعة من مشايخ الحرم منهم الشيخ صالح المعمر الجمال عبد الله بن قاضي القضاة عبد الرحمن بن صالح، قال: فأرسل سلطان مصر الملك «المؤيد شيخ» هذا المنبر الموجود اليوم عام اثنين و عشرين و ثمان مائة.

ثم رأيت في كلام الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر أن المنبر الموجود اليوم أرسله المؤيد

17

سنة عشرين و ثمان مائة؛ فهذا هو المعتمد، لكن لم يطلع ابن حجر على ما ذكره المراغي من منبر الظاهر برقوق، و جعل إتيان منبر المؤيد هذا بدلا عن منبر الظاهر بيبرس، و كلام المراغي أولى بالاعتماد في ذلك؛ فإنه كان بالمدينة حينئذ، و على هذا فمدة الخطبة على منبر الظاهر برقوق ثلاث أو أربع و عشرون سنة، ثم وضع منبر المؤيد.

و أخبرني السراج النفطي أنه صنعه أهل الشام، و جاءوا به المؤيد ليجعله بمدرسته المؤيدية، فوجدوا أهل مصر قد صنعوا لها منبرا، فجهز المؤيد منبر أهل الشام إلى المدينة الشريفة، و قال لي الجمال عبد الله بن صالح: شاهدت وضعه موضع المنبر الذي كان قبله.

قلت: و يدل على صحة ذلك ما قدمناه من اختبار ذرع ما بينه و بين المصلى الشريف؛ إذ المنقول أن بينهما أربعة عشر ذراعا و شبرا، و قد اختبرته من ناحية المصلى الشريف إلى ما حاذاه من المنبر في المغرب فكان كذلك؛ فوضعه من هذه الجهة صحيح لا شك فيه، و أما من جهة القبلة فقد قال المطري: إن المنبر الذي أدركه بينه و بين الدرابزين الذي في قبلة الروضة مقدار أربعة أذرع و ربع ذراع، و قد ذكر الزين المراغي في كتابه ما ذكره المطري من الذرع، و لم يتعقبه؛ فاقتضى أن المنبر الذي تقدم وضعه في زمنه وضع موضع المنبر الذي كان في زمان المطري، و أقر أيضا قول المطري في حدود المسجد أن المنبر لم يغير عن منصبه الأول.

و قد ذكر ابن جماعة أيضا ذرع ما بين المنبر و الدرابزين، و هو يعني المنبر الموجود زمن المطري، فقال: إن بينهما ثلاثة أذرع بذراع العمل، و هو أزيد مما ذكره المطري بربع ذراع راجح؛ لأن ذراع العمل كما تقدم ذراع و نصف، و كأن المطري يعني ذراع المدينة اليوم كما يؤخذ من كلام المراغي فيوافق كلام ابن جماعة، و الذي بين هذا المنبر الموجود اليوم و بين الدرابزين المذكور ذراعان و ثلث بذراع العمل، و ذلك ثلاثة أذرع و نصف من الذراع الذي قدمنا أنه المراد عند الإطلاق؛ فيحتمل أن يكون هذا المنبر مقدم الوضع لجهة القبلة على المنبر الذي كان قبله، و هو مقتضى ما نقله الأثبات، لكني أستبعده للأخبار ممن لقيناه بوضعه موضع ذاك.

ثم تبين عند انكشاف الدكة التي تقدم ذكرها من آثار المنبر المحترق قديما ما علمنا به صواب ما ذكره المطري و غيره أن هذا المنبر مقدم الوضع على الذي قبله من جهة القبلة بما يقرب من ذراع، و كذا ظهر زيادته من جهة الشام أيضا على الدكة الأصلية المتقدم وصفها بقريب من ذراع، و وجد محرفا عنها من طرفه الشامي نحو المغرب قدر شبر لما فيها من التيامن الذي تقدمت الإشارة إليه في التنبيه الثالث من الفصل قبله، و كنت قد أيدت وضعه بكونه أقرب إلى ما ورد فيما كان بين المنبر و الجدار القبلي كما سيأتي فانكشف الحق لذي‏

18

عينين، و الذي لقيناه و أخبر بوضعه موضع المنبر الذي كان قبله هو الجمال بن صالح في آخر عمره، و كان غير تام الضبط حينئذ، و كنت قد أيدت خبره بأنا قد قدمنا إلى الصندوق الذي في قبلة المصلى الشريف في عرض الجدار، و أن المصلى الشريف لم يغير باتفاق، و أن منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان بينه و بين الجدار القبلي ممر الشاة أو ممر الرجل منحرفا، و أقصى ما قيل فيه ذراع و شي‏ء كما قدمناه، فإذا أسقطت قدر ما بين طرف المصلى الشريف و الدرابزين الذي أمامه مما بين المنبر اليوم و الدرابزين المذكور و هو ثلاثة أذرع و نصف بقي ذراع، و هو نحو القدر المنقول فيما بين المنبر القديم و جدار المسجد الشريف، ثم تبين لنا مما سبق في حدود المسجد النبوي و بانكشاف المرمر الذي في قبلة المنبر تقدم الدرابزين المذكور عن ابتداء المسجد النبوي بأزيد من ذراع كما قدمناه في حدود المسجد النبوي؛ فالصواب ما ذكره المطري و من تبعه.

و طول هذا المنبر في السماء سوى قبته و قوائمها، بل من الأرض إلى محل الجلوس، ستة أذرع و ثلث، و ارتفاع الخافقتين اللتين يمين المجلس و شماله ذراع و ثلث، و امتداد المنبر في الأرض من جهة بابه إلى مؤخره ثمانية أذرع و نصف راجحة، و عدد درجه ثمانية، و بعدها مجلس ارتفاعه نحو ذراع و نصف، و قبته مرتفعة، و لها هلال قائم عليها مرتفع أيضا، و ما أظن منبرا وضع قبله في موضعه أرفع منه، و له باب بصرعتين.

و قد احترق هذا المنبر في حريق المسجد الثاني الحادث في رمضان عام ستة و ثمانين و ثمان مائة، فكانت مدة الخطبة عليه نحو سبع و ستين سنة.

و لما نظف أهل المدينة محله جعلوا في موضعه منبرا من آجر مطلي بالنورة، و استمر يخطب عليه إلى أثناء شهر رجب سنة ثمان و ثمانين، فهدم رابع الشهر المذكور، و حفروا لتأسيس المنبر الرخام الموجود اليوم ظاهر الدكة المتقدم ذكرها، فوجدت على النحو المتقدم، و نقضوا من بعضها قريب القامة فلم يبلغوا نهايتها، و وجدوها محكمة التأسيس في الأرض، فأعادوها كما كانت، إلا ما كان فوقها من نحو أزيد من نصف ذراع من الآجر، و سوّوا ما وجد مجوفا منها كالحوض بالبناء بعد وضع ما تقدم ذكره مما وجد بمقدمها من بقايا المنبر القديم المحترق في الحريق الأول بمقدمها أيضا، و كانوا قد سألوني عن ابتداء حد المنبر القديم من جهة القبلة و الروضة فأخبرتهم بذلك، و أن ذلك الحوض و ما به من محل قوائم المنبر الأصلي إمام يقتدى به لموافقته ما ذكره المؤرخون قديما و حديثا، فشرعوا في وضع رخام المنبر عليها على سمت ما ظهر من الفرضة التي وجدوها في الحوض المذكور على الاستقامة من غير انحراف، و بينها و بين طرف الدكة الشرقي خمسة أصابع، لما ظهر من أن المنبر الأصلي كان بالحوض المذكور، و مشاهدة محل قوائمه نقرا في الحجر و بقايا الرصاص‏

19

الذي كانت القوائم مثبتة به، و ما وصفه المؤرخون في أمر المنبر الأصلي شاهد لذلك، و معلوم أن الحوض الموجود في باطن تلك الدكة لا يمكن وضع المنبر فيه إلا على الاستقامة، سيما و قد طابقت سعته ما ذكره ابن جبير في سعة المنبر الأصلي، و إحكام تلك الدكة بحيث إنهم حفروا منها قرب القامة، و لم يدركوا آخرها، و إتقان فرضتي الحوض المذكور بالرصاص، و ترخيم تلك الدكة قديما، كله قاض بجعل السلف لها من أجل وضع المنبر فيها، كما صرح به المؤرخون، و لم يكن السلف مع عظيم إتقانهم يجعلونها لوضع المنبر و يحرفونها عن وضعه؛ لأن وضعها تابع لوضعه إذ جعلت من أجله، و قد كان وضعه مشاهدا لهم؛ لوجود المنبر النبوي بين أظهرهم و إتقانها و ما سبق من المتقدمين في ذكر ترخيمها شاهد بعملها في عمارة عمر بن عبد العزيز للمسجد إن لم يكن من زمن معاوية رضي الله عنه عند تحريكه المنبر كما سبق، و لم أرتب عند مشاهدتها في وضع المنبر بها كذلك، و تيامن حوضها الذي كان المنبر به يسير جدا لا يخرج صدر المستقبل عن القبلة، و قد أشار يحيى فيما قدمناه عنه في التنبيه الثالث إلى تصويب وضعه، و أيضا فقد يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) وضعه متيامنا لما أوضحناه في الرسالة الموسومة بالنصيحة، و المنبر جماد ليس بمصل حتى يحرر أمره في الاستقبال و يترك ما وجد من حدوده الأصلية المجمع عليها في الأعصر الماضية المترتب عليها حدود الروضة الشريفة، فشرعوا في وضع رخام المنبر المذكور على النحو الذي ذكرته، غير أنهم جعلوا جداره من جهة القبلة على الأحجار التي خلف الحوض من جهة القبلة؛ لاقتضاء نظرهم ذلك، و لو كان لي من الأمر شي‏ء ما وافقت عليه.

ثم وقع من بعض ذوي النفوس ما أوضحناه في الرسالة الموسومة (بالنصيحة الواجبة القبول، في بيان وضع منبر الرسول) (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و الحاصل: أنهم نقضوا ما سبق، و زادوا خلف أحجار الحوض المذكور نحو ربع ذراع العمل حتى ساوى ذلك محل المنبر المحترق من جهة القبلة، و حرفوه على تلك الدكة لجهة المغرب أزيد من تحريف المنبر المحترق، و جعلوا هذا المنبر في محل المحترق من جهة القبلة و مساو لطرفها الشرقي مما يلي القبلة أيضا، و زعموا أنه لا يعول على كلام من قدمناه من الأئمة، و يتحرر مما سبق أنه مقدم على محل المنبر الأصلي لجهة القبلة بعشرين قيراطا من ذراع الحديد، و هو نحو ذراع اليد، و أن المنبر النبوي لم يقع في محله نغير إلا من تاريخ وضع المنبر المحترق في زماننا لأنه خفي على واضعه ما في جوف الدكة المذكورة، و لم يدركه أحد من مؤرخي المدينة، و كان مفرط الطول بحيث كان قاطعا للصف الباقي من الروضة، و قد اقتدى به واضع هذا المنبر لكونه من آبائه، و لم يبال ولي الأمر بتفويته المنقبة العظيمة في إعادة وضع منبر الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ما كان عليه، و هذا المنبر- أعني الرخام- أقصر من امتداد المنبر المحترق في الأرض بنحو ثلاثة أرباع ذراع، و عدد درجه مع مجلسه كالمحترق، و محل عود

20

المنبر الأصلي منه مما يلي الروضة و هو الذي كان بأعلاه رمانة المنبر النبوي قبل عمود هذا المنبر بأزيد من قيراط، و ذلك على نحو ذراعين و شي‏ء من طرف المنبر المذكور من القبلة.

و قد اشتهر محله من أحجار الدكة المذكورة بسبب تحريف المنبر المذكور بحيث تغيرت حدود الروضة الشريفة، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كسوة المنبر

و في يوم الجمعة يجعل على باب المنبر ستر من حرير أسود مرقوم بحرير أبيض و قد قدمنا أول من كسا المنبر.

و أسند ابن زبالة عن هشام بن عروة أن ابن الزبير كان يلبس منبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) القباطي فسرقت امرأة قبطية فقطعها، و قال ابن النجار: و لم يزل الخلفاء إلى يومنا هذا يرسلون في كل سنة ثوبا من الحرير الأسود له علم ذهب يكسى به المنبر، قال: و لما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستورا على أبواب الحرم.

ستور الأبواب كسوة الحجارة

قلت: قد استقر الأمر بعد قتل الخليفة المستعصم على حمل الكسوة من مصر كما قاله الزين المراغي قال: و الأبواب مستقلة اليوم بستور، قال: و إنما يظهرونها في أوقات المهمات كقدوم أمير المدينة، و ذكر ما سيأتي في كسوة الحجرة من وقف قرية بمصر على ذلك و على كسوة الكعبة الشريفة؛ فالكعبة تكسي كل عام مرة، و الحجرة و المنبر في كل ست سنين مرة.

و قال المجد: و المنبر يحمل له في كل سبعة أعوام أو نحوها من الديار المصرية كسوة معظمة ملوكية يكساها من الجمعة إلى الجمعة، و رايتان سوداوان ينسجان أبدع نسج يرفعان أمام وجه الخطيب في جانبي المنبر قريبا من الباب.

قلت: في زماننا تمضي السبع سنين و العشر و أكثر من ذلك و لا تصل كسوة، و الذي يجعل اليوم على المنبر إنما هو الستر المتقدم ذكره مع الرايتين اللتين ذكرهما المجد، و الله أعلم.

الفصل الخامس في فضائل المسجد الشريف‏

قال الله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏ [التوبة: 108].

المسجد الذي أسس على التقوى‏

روينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بيت لبعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال:

فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لمسجد المدينة.

21

و لأحمد و الترمذي من وجه آخر عن أبي سعيد: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسألاه عن ذلك، فقال: هو هذا، و في ذلك- يعني مسجد قباء- خير كثير، و أخرجه أحمد من وجه آخر مرفوعا، و في العتبية عن مالك ما لفظه: و قال: المسجد الذي ذكر الله عز و جل أنه أسس على التقوى من أول يوم الآية هو مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هذا، أي مسجد المدينة، ثم قال: أين كان يقوم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ أ ليس في هذا؟ و يأتونه أولئك من هنالك.

و قد قال الله سبحانه و تعالى: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة: 11] فإنما هو مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و قد قال عمر بن الخطاب: لو لا أني رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو سمعته يريد أن يقدم القبلة، و قال عمر بيده هكذا، ما قدمتها، ثم قدمها عمر موضع المقصورة الآن، انتهى.

قال ابن رشد في بيانه: ما ذهب إليه مالك مروى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ذهب قوم إلى أنه مسجد قباء، فاستدلوا بما روي أن الآية لما نزلت قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم خيرا، الحديث، قال: و لا دليل فيه؛ لأن أولئك كانوا في مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ لأنه كان معمورا بالمهاجرين و الأنصار و من سواهم، قال: و استدلال مالك بقول عمر المتقدم ظاهر؛ لأن الله تعالى لما ذكر فيه أنه أسس على التقوى لم يستجز نقض بنائه و تبديل قبلته، إلا بما سمع من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك و رآه قد أراد أن يفعله.

قلت: ما ذكره مالك من كون مسجد المدينة هو المراد هو ظاهر ما قدمناه، لكن قوله تعالى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏ يقضي أنه مسجد قباء؛ لأنه ليس المراد أول أيام الدنيا، بل أول أيام حلوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدار الهجرة، و ذلك هو مسجد قباء إلا أن يدعى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) شرع في تأسيس مسجد المدينة أيضا من أول يوم قدومه لها، أو يقال: المراد من أول يوم تأسيسه، و سيأتي في مسجد قباء أشياء صريحة في أنه المراد؛ فتعين الجمع بأن كلا منهما يصدق عليه أنه أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه كما هو معلوم، و أنهما المراد من الآية، لكن يشكل عليه كون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أجاب عند السؤال عن ذلك بتعيين مسجد المدينة، و جوابه أن السر في ذلك أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أراد به رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء كما هو ظاهر ما فهمه السائل، و تنويها بمزية مسجده الشريف لمزيد فضله، و الله أعلم.

فضل مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

و في الصحيحين حديث أبي هريرة «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي، و المسجد الحرام، و المسجد الأقصى».

و عند مسلم: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: الكعبة، و مسجدي، و مسجد إيلياء».

22

و عند أبي داود بلفظ: «و مسجدي هذا».

و في الكبير و الأوسط للطبراني برجال ثقات عن ابن عمر، و برجال الصحيح عن أبي الجعد الضّمري «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، و ذكر نحو رواية الصحيحين.

و في صحيح ابن حبان و مسند أحمد و الأوسط للطبراني و إسناده حسن من حديث جابر: «خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا و البيت العتيق».

و هو عند البزار بلفظ: «خير ما ركبت إليه الرواحل مسجد إبراهيم و مسجد محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)» و رجاله رجال الصحيح إلا عبد الرحمن بن أبي الزناد و قد وثقه غير واحد.

فضل الصلاة في مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم)‏ في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في ما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» هذا لفظ البخاري، زاد مسلم: «فإني آخر الأنبياء، و إن مسجدي آخر المساجد».

قلت: يريد آخر مساجد الأنبياء كما نقله المحب الطبري عن أبي حاتم، و إلا فهو من أول مساجد هذه الأمة، و إذا كانت الألف و اللام هنا لمعهود- و هو مساجد الأنبياء- فالألف و اللام أيضا في قوله «فيما سواه من المساجد» للعهد، و المراد مساجد الأنبياء؛ فيتحصل من معناه أن الصلاة في مسجده أفضل من الصلاة في سائر مساجد الأنبياء بألف صلاة إلا المسجد الحرام؛ فيقتضي ذلك أن تكون الصلاة بمسجده أفضل من ألف صلاة في بيت المقدس؛ لأنه من جملة مساجد الأنبياء، و لم يستثن، و يدل على ذلك ما رواه البزار عن أبي سعيد قال: ودّع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجل فقال له: أين تريد؟ قال: أريد بيت المقدس، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، و أسنده يحيى بزيادة تسمية الرجل فقال: عن الأرقم أنه تجهز يريد بيت المقدس، فلما فرغ من جهازه جاء إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يودعه، و قال فيه: فجلس الأرقم و لم يخرج، و أسنده ابن النجار عن الأرقم بلفظه: إنني أريد الخروج إلى بيت المقدس، قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): و لم؟ قلت: للصلاة فيه، قال: هاهنا أفضل من الصلاة هناك ألف مرة، و رواه الطبراني برجال ثقات عن الأرقم بلفظ: صلاة هاهنا خير من ألف صلاة ثم.

و قد روى أبو يعلى برجال ثقات عن ميمونة قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، قال: أرض المحشر، و أرض المنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة- أي في غيره من مساجد الأنبياء قبله، و مساجد غير الأنبياء ما عدا المسجدين- لقيام الدليل على ذلك؛ فتكون الصلاة بمسجد المدينة خيرا من ألف ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام و المسجد الأقصى، فأما المسجد الأقصى فإنها أفضل من ألف صلاة فيه‏

23

فقط، و لا يعلم قدر زيادتها في الفضل على ذلك إلا الله تعالى، و لمثل هذا تضرب آباط الإبل، و تستحق الرحلة، و لا يعكر على ذلك ما رواه أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة و عائشة قالا: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الأقصى» لأن المحفوظ إنما هو استثناء المسجد الحرام، و حديث أبي هريرة في الصحيح خلا قوله: «إلا المسجد الأقصى» و هو معارض بما تقدم، و لأن الهيثمي أورده في مجمع الزوائد ثم قال: رواه أحمد، و أعاده بعد هذا بسنده فقال: إلا المسجد الحرام، فاتضح بذلك ما قلناه.

و أما المسجد الحرام فاختلف الناس في معنى استثنائه، فذهب مالك في رواية أشهب عنه- و قاله ابن نافع صاحبه و جماعة من أصحابه- إلى أن معنى الاستثناء أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أفضل من الصلاة فيه بدون الألف، و ذهب بعضهم إلى أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بمائة صلاة، و حمل على ذلك الاستثناء في الحديث المتقدم، و احتجوا برواية سليمان بن عتيق عن ابن الزبير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في ما سواه» فيأتي فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة، و على غيره بألف، و تعقّب بأن المحفوظ بالإسناد المتقدم «صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا مسجد الرسول فإنما فضله عليه بمائة صلاة».

قلت: و روى الطبراني في الأوسط عن عائشة مرفوعا: «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في غيره» لكن فيه سويد بن عبد العزيز، قال البخاري: في حديثه نظر لا يحتمل، و قد صح ما يقتضي رد ما ذهب إليه هؤلاء؛ فقد روى أحمد و البزار و ابن خزيمة برجال الصحيح من طريق حبيب المعلم عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا» زاد ابن خزيمة: «يعني في مسجد المدينة» لكن لفظ البزار: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه بمائة» و هي محتملة لأن يكون الضمير في «فإنه يزيد» لمسجده أو للمسجد الحرام، و قد صحح ابن عبد البر حديث أحمد، و قال: هو الحجة عند التنازع، نص في موضع الخلاف، قاطع له عند من ألهم رشده، و لم تمل به العصبية، قال: و لا مطعن فيه إلا لمتعسف لا يعرج على قوله في حبيب، و قد كان الإمام أحمد يمدحه، و يوثقه، و يثنى عليه، و كان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه، و لم يرو عنه القطان، و روى عنه أئمة ثقات يقتدى بهم، و منهم من أعله باختلاف على عطاء؛ لأن قوما يروونه عنه عن ابن‏

24

الزبير، و آخرين يروونه عنه عن ابن عمر، و آخرين عنه عن جابر، و من العلماء من يجعل مثل هذا علة في الحديث، و ليس كذلك؛ لأنه يمكن أن يكون عن عطاء عنهم، و الواجب أن لا يدفع خبر نقله العدول إلا بحجة.

قال البزار: هذا الحديث قد روى عن عطاء، و اختلف على عطاء فيه، و لا نعلم أحدا قال بأنه يزيد على مسجد المدينة مائة إلا ابن الزبير، و قد تابع حبيبا المعلم الربيع بن صبيح؛ فرواه عن عطاء عن ابن الزبير، و رواه عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر، و رواه ابن جريح عن عطاء بن أبي سلمة عن أبي هريرة أو عائشة، و رواه ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة، انتهى.

و قال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: إسناده صالح، و لم يخرجه أصحاب السنن.

قلت: هذا أمر آخر، و هو أن الحديث المذكور لما اختلف لفظه على وجهين أحدهما ليس نصا في الدلالة كما قدمناه احتمل أن تكون الرواية في الواقع به، و من رواه بالوجه الآخر رواه بالمعنى بحسب فهمه، إلا أن وروده من الطرق الأخرى بذلك اللفظ توهن هذا الاحتمال، و على تقدير ثبوته فهو من ابن الزبير، و هو أعرف بفهم مرويه؛ لأن عبد الرزاق روى عن ابن جريج قال: أخبرني سليمان بن عتيق و عطاء عن ابن الزبير أنهما سمعاه يقول: «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه» و يشير إلى مسجد المدينة، و قد قال ابن عبد البر: إن رجال إسناد حديث ابن عمر علماء أجلاء، و رواه ابن وضاح عن ابن الزبير من كلام عمر بن الخطاب بنفسه، قال ابن حزم: و سنده كالشمس في الصحة، و روى ابن أبي خيثمة عن أبيه حدثنا مسلم عن الحجاج عن عطاء عن عبد الله بن الزبير قال:

الصلاة في المسجد الحرام تفضل على مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمائة ضعف، قال: فنظرنا فإذا هي تفضل على سائر المساجد بمائة ألف صلاة، قال ابن عبد البر و ابن حزم: فهذان صحابيان جليلان يقولان بفضل المسجد الحرام على مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا مخالف لهما من الصحابة؛ فصار كالإجماع منهم على ذلك.

و في ابن ماجه من حديث جابر مرفوعا: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، و صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» و في بعض النسخ: «من مائة صلاة فيما سواه» فعلى الأول معناه فيما سواه إلا مسجد المدينة، و على الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة لما تقدم عن جابر.

قلت: و قد روى يحيى حديث الصحيحين المتقدم عن جبير بن مطعم بلفظ: «إن صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد غير الكعبة» و في رواية النسائي و غيره «إلا مسجد الكعبة» و لهذا ذهب بعضهم إلى أن المراد من المسجد الحرام‏

25

الكعبة، و به قال العمراني من أصحابنا و غيره، و روى البزار عن عائشة حديث: «أنا خاتم الأنبياء، و مسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار و تشد إليه الرواحل المسجد الحرام و مسجدي، و صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام».

و روى ابن ماجه مرفوعا برجال ثقات إلا أبا الخطاب الدمشقي فهو مجهول: «صلاة الرجل في بيته بصلاة، و صلاته في مسجد القبائل بخمس و عشرين صلاة، و صلاته في المسجد الذي تجمع فيه بخمس مائة صلاة، و صلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، و صلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة، و صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» و هو يقتضي أن الصلاة بمسجد المدينة مساوية لمسجد بيت المقدس، و أنهما معا على النصف من الصلاة بالمسجد الحرام، و هو مخالف لما في الصحيح، مع أن مفهوم العدد ليس بحجة؛ فلا ينفي ما ثبت من الزيادة لمسجد المدينة على مسجد بيت المقدس سيما بالطريقة التي قدمناها.

و في الطبراني- و هو حسن، و في بعض رجاله كلام- عن أبي الدرداء مرفوعا: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، و الصلاة في مسجدي بألف صلاة، و الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» و رواه ابن خزيمة في صحيحه بنحوه، و البزار و حسنه، و قال المجد: أخرجه الترمذي و قال: حسن غريب، قال: و لا نعلم حديثا يشتمل على فضيلة الصلاة بالمساجد الثلاثة خصوصا (1) سواه مما يصح عند الاعتبار معناه.

قلت: لم أره في الترمذي، و قد ساقه ابن عبد البر محتجا به، و هو غير مانع مما قدمناه من كون الصلاة بمسجد المدينة أفضل من ألف صلاة بمسجد بيت المقدس؛ لأن العدد لا ينفي الزائد، و كذا حديث الأوسط للطبراني برجال الصحيح عن أبي ذر: تذاكرنا و نحن عند رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أيما أفضل مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو بيت المقدس؟ فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم):

«صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، و لنعم المصلى هو» و قد يقال في ذلك كما قيل في نظائره من احتمال أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبر أولا ببعض ذلك بحسب ما أوحى إليه، ثم أعلم بالزيادة، و يكون حديث الأقل قبل حديث الأكثر، ثم تفضل الله بالأكثر شيئا بعد شي‏ء، و محصله ما قررناه من الأخذ بالزائد، و يحتمل أن ينزل تلك الأعداد على اختلاف الأحوال؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى غير نهاية.

____________

(1) المساجد الثلاثة: هي الأقصى، و مسجد المدينة، و المسجد الحرام.

26

هل فضل الصلاة في المساجد الثلاثة يختص بالفرض؟

و نقل الزركشي في أعلام المساجد عن الكبير للطبراني بسند فيه مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صلاة في مسجدي هذا بعشرة آلاف صلاة، و صلاة في المسجد الحرام بعشرة أمثالها مائة ألف صلاة، و صلاة الرجل في بيت المقدس بألف صلاة، و صلاة الرجل في بيته حيث لا يراه أحد أفضل من ذلك كله».

قلت: و هو ضعيف، و لم يورده الهيثمي في مجمعه في فضل الصلاة في المساجد الثلاث.

و هذه المضاعفة المذكورة في هذه المساجد لا تختص بالفريضة، بل تعم الفرض و النفل، كما قال النووي في شرح مسلم إنه المذهب.

قال الزركشي: و هو لازم تعليل الأصحاب استثناء النفل بمكة في الأوقات المكروهة بمزيد الفضيلة.

و قال الطحاوي من الحنفية: هو مختص بالفرض، و فعل النوافل بالبيت أفضل، و إليه ذهب ابن أبي زيد من المالكية، و هو المرجح عندهم، و فرق بعضهم بين أن يكون المسجد خاليا أم لا.

فإن قيل: كيف تقولون إن المضاعفة تعم الفرض و النفل و قد تطابقت الأصحاب و نص الحديث الصحيح على أن فعل النافلة في بيت الإنسان أفضل؟

قلنا: لا يلزم من المضاعفة في المسجد أن يكون أفضل من البيت كما قاله الزركشي و غيره، و غاية الأمر أن يكون في المفضول مزية ليست في الفاضل، و لا يلزم من ذلك جعله أفضل؛ فإن للأفضل مزايا إن كان للمفضول مزية، و لهذا بحث التاج السبكي مع أبيه في صلاة الظهر بمنى يوم النحر إذا جعلنا منى خارجة عن محل المضاعفة: هل يكون أفضل من صلاتها في المسجد لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فعلها بمعنى يومئذ أو في المسجد للمضاعفة؟ فقال والده: بل في منى و إن لم يحصل بها المضاعفة؛ فإن في الاقتداء بأفعال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما يربو على المضاعفة، على أن الحافظ ابن حجر ذكر ما يقتضي إثبات المضاعفة للتنفل في البيوت بالمدينة و مكة، عملا بعموم قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» فقال: و قد تقدم النقل عن الطحاوي و غيره أن ذلك- يعني التضعيف- مختص بالفرائض؛ لحديث: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» و يمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه؛ فتكون النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، و كذا في المسجدين، و إن كانت في البيوت أفضل مطلقا.

27

مرجع مضاعفة فضل الصلاة

ثم إن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب بتلك الأعداد، لا إلى الإجزاء، باتفاق العلماء كما نقله النووي و غيره؛ فلو كانت صلوات فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة، و قد أوهم كلام أبي بكر النقاش في تفسيره خلاف ذلك؛ فإنه قال: حسبت الصلاة في المسجد الحرام فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمسة و خمسين سنة و ستة أشهر و عشرين ليلة، اه. و هذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة و السواك و نحوه، لكن هل تجمع التضعيفات أولا؟ محل بحث.

هل يختص التضعيف بالصلاة؟

قلت: و ينبغي أن لا يختص هذا التضعيف بالصلاة، بل سائر أنواع الطاعات كذلك قياسا على ما ثبت في الصلاة، كما صرحوا به في مسجد مكة المشرفة، و صرح به فيما يتعلق بالمدينة صاحب الانتصار أبو سليمان داود من المالكية، ثم رأيته في كلام الغزالي في الإحياء كما قدمناه في فضل الخصائص، و يشهد له ما في الكبير للطبراني عن بلال بن الحارث قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، و جمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان» و نقل المجد عن أبي الفرج الأموي أنه أخرجه بسنده عن ابن عمر.

قلت: و رواه ابن الجوزي في شرف المصطفى عن ابن عمر أيضا بلفظ: «صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها، و صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها».

و روى البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، و الجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام، و شهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام» و رواه أيضا عن ابن عمر بنحوه.

و هذه الأحاديث و إن كانت ضعيفة فإذا ضمت إلى ما قدمناه من القياس على الصلاة ثم الاستدلال، و قد قدمنا في حدود مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم) الخلاف المذكور في المراد بقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «صلاة في مسجدي هذا»، و ترجيح أن ذلك يتناول ما زيد فيه.

و روى أحمد و الطبراني في الأوسط و رجاله ثقات عن أنس بن مالك حديث: «من صلى‏

28

في مسجدي أربعين صلاة» زاد الطبراني: «لا تفوته صلاة كتب له براءة من النار، و براءة من العذاب، و برئ من النفاق». تقدم هذا الحديث بدون زيادة الطبراني، و هو عند الترمذي بغير هذا اللفظ.

و روى ابن المنذر و ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «إن من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي فرجل تكتب حسنة و رجل تحط عنه خطيئة».

و قال البيهقي بعد ذكر حديث فضل مسجد قباء ما لفظه: و رواه يوسف بن طهمان عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و زاد: «و من خرج على طهر لا يريد إلا مسجدي هذا- يريد مسجد المدينة- ليصلي فيه كانت بمنزلة حجة» و قد أسند ذلك ابن زبالة و من طريقه ابن النجار عن سهل أيضا، و في إسناده طهمان أيضا، و هو ضعيف عند البخاري و ابن عدي، و ذكره ابن حبان في الثقات، و لفظ ابن زبالة: «من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة» و أسند هو و يحيى عن سهل بن سعد حديث: «من دخل مسجدي هذا يتعلم فيه خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، و من دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه و هو لغيره» و في رواية لهما عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: «من دخل مسجدي هذا لا يدخله إلا ليعمل خيرا أو يتعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، و من دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان بمنزلة من يرى ما يعجبه و هو في يدي غيره».

و روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، و من جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره» و رواه الطبراني من حديث سعد مرفوعا بمعناه، إلا أنه قال: «من دخل مسجدي ليتعلم خيرا أو ليعلمه» و رواه ابن حبان في صحيحه بلفظ الطبراني لكن من حديث أبي هريرة.

و أسند ابن زبالة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «من دخل مسجدى هذا لصلاة أو لذكر الله أو يتعلم خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله» و لم يجعل ذلك لمسجد غيره، و عند يحيى أيضا عن كعب أنه قال: «ما من مؤمن يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو أو لا يروح إلا ليتعلم خيرا أو يعلمه أو يذكر الله أو يذكّر به إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الجهاد في سبيل الله، و ما من رجل يغدو أو يروح إلى المسجد لا يغدو و لا يروح إلا لأخبار الناس و أحاديثهم إلا كان مثله في كتاب الله كمثل الرجل يرى الشي‏ء يعجبه و يرى المصلين و ليس منهم، و يرى الذاكرين و ليس منهم»، و عنده أيضا عن أبي سعيد المقبري عن الثقة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «لا إخال إلا أن لكل رجل منكم‏

29

مسجدا في بيته» قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «فو الله لو صليتم في بيوتكم لتركتم مسجد نبيكم، و لو تركتم مسجد نبيكم لتركتم سننه، و لو تركتم سننه إذا لضللتم».

و في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال في غزوة خيبر: «من أكل من هذه الشجرة- يعني: الثوم- فلا يقربن مسجدنا».

قال الكرماني: قال التيمي: قال بعضهم: النهي إنما هو عن مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) خاصة، من أجل ملائكة الوحي، و الأكثر على أنه عام، انتهى. و قد حكى ابن بطال القول بالاختصاص عن بعض أهل العلم و وهّاه، و الله أعلم.

الفصل السادس في فضل المنبر المنيف، و الروضة الشريفة

روينا في الصحيحين حديث عبد الله بن زيد المازني رضي الله عنه: «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة» زاد البخاري من حديث أبي هريرة: «و منبري على حوضي».

و روى أحمد و أبو يعلى و البزار و فيه علي بن زيد و قد وثق عن جابر بن عبد الله مرفوعا:

«ما بين بيتي إلى منبري روضة من رياض الجنة، و إن منبري على ترعة من ترع الجنة».

و روى أحمد برجال الصحيح عن سهل بن سعد مرفوعا: «منبري على ترعة من ترع الجنة» و فيه تفسير الترعة بالباب، و قيل: الترعة الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، و قيل: الدرجة.

و رواه يحيى عن أبي هريرة و غيره بلفظ: «على رتعة من رتع الجنة» و كذا هو في رواية لرزين، و ظنه بعضهم تصحيفا فكتب في هامشه «صوابه ترعة» و ليس كذلك، بل معناه صحيح؛ إذ الرتع الاتساع في الخصب، و الرّتعة- بسكون التاء و فتحها- الاتساع في الخصب، و كل مخصب مرتع.

و في الحديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، و روى البزار عن معاذ بن الحارث نحوه.

و في الكبير للطبراني من طريق يحيى الحماني و هو ضعيف عن أبي واقد الليثي مرفوعا:

«قوائم منبري رواتب في الجنة» و رواه ابن عساكر و ابن النجار و يحيى عن أم سلمة، و قال المجد: أخرجه عنها النسائي، و في رواية لابن عساكر: «وضعت منبري هذا على ترعة من ترع الجنة».

و أسند يحيى عن أبي المعلى الأنصاري و كانت له صحبة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال و هو على المنبر: «إن قدمي على ترعة من ترع الجنة».

30

و عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول و هو قائم على منبره: «أنا قائم الساعة على عقر حوضي» و في رواية له: «إني على الحوض الآن».

و أسند ابن زبالة عن نافع بن جبير عن أبيه حديث: «أحد شقي المنبر على عقر الحوض، فمن حلف عنده على يمين فاجرة يقتطع بها حق امرئ مسلم فليتبوأ مقعده من النار» قال: و عقر الحوض من حيث يصب الماء في الحوض.

و في سنن أبي داود من حديث جابر مرفوعا: «لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة و لو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار»، و رواه ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و صححوه.

و روى النسائي برجال ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة مرفوعا: «من حلف عند منبري هذا يمينا كاذبة استحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا و لا عدلا».

و في الأوسط للطبراني و فيه ابن لهيعة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «منبري على ترعة من ترع الجنة، و ما بين المنبر و بيت عائشة روضة من رياض الجنة».

و في الصحيحين حديث ابن عمر: «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة».

و روى أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة و أبي سعيد حديث: «ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة، و منبري على حوضي».

و روى البزار برجال ثقات عن سعد بن أبي وقاص حديث: «ما بين بيتي و منبري، أو قبري و منبري، روضة من رياض الجنة» و في الأوسط للطبراني و فيه متروك عن أنس بن مالك حديث: «ما بين حجرتي و مصلاي روضة من رياض الجنة» و في رواية لابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها «ما بين منبري و المصلى» و في رواية «ما بين مسجدي إلى المصلى روضة من رياض الجنة» و رواه أبو طاهر بن المخلص في انتقائه و يحيى في أخبار المدينة بلفظ: «ما بين بيتي و مصلاي روضة من رياض الجنة» قال جماعة: المراد به مصلى العيد، و قال آخرون: مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد، كذا قاله الخطابي.

قلت: و يؤيد الأول أن في النسخة التي رواها طاهر بن يحيى عن أبيه يحيى عقب الحديث المذكور ما لفظه: قال أبي: سمعت غير واحد يقولون: إن سعدا لما سمع هذا الحديث من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنى داره فيما بين المسجد و المصلى، و كذا ما سيأتي في مصلى العيد من رواية ابن شبة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص.

قلت: و هو شاهد لما سيأتي من عموم الروضة لجميع مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لما زيد فيه من جهة المغرب.

31

و روى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند برجال الصحيح إلا أن فيهم فليحا- و قد روى له الجماعة، و قال الحاكم: اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، و قال الساجي: ذكره ابن حبان في الثقات، و قال الدارقطني: فليح يختلفون فيه، و قال بعضهم: إنه كثير الخطأ- عن عبد الله بن زيد المازني قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما بين هذه البيوت- يعني بيوته- إلى منبري روضة من رياض الجنة، و المنبر على ترعة من ترع الجنة».

معنى كون المنبر على الحوض‏

و قد اختلف في معنى ذلك؛ فقال الخطابي: معنى قوله: «و منبري على حوضي» أن قصد منبره و الحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد الحوض و يوجب الشرب منه، و هذا قول الباقي، و الثاني: أن منبره الذي كان يقوم عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعيده الله كما يعيد سائر الخلائق، و يكون على حوضه في ذلك اليوم، و اعتمد ذلك ابن النجار، و حكى ابن عساكر القول بأن المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا، ثم قال: و هو أظهر، و عليه أكثر الناس، فتبع شيخه ابن النجار في ذلك، و الثالث أن المراد منبر يخلقه الله تعالى له في ذلك اليوم، و يجعله على حوضه.

قلت: و يظهر لي معنى رابع، و هو أن البقعة التي عليها المنبر تعاد بعينها في الجنة، و يعاد منبره ذلك على هيئة تناسب ما في الجنة؛ فيجعل المنبر عليها عند عقر الحوض، و هو مؤخره، و عن ذلك عبر بترعة من ترع الجنة، و ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك لأمته للترغيب في العمل في هذا المحل الشريف ليفضي بصاحبه إلى ذلك، و هذا في الحقيقة جمع بين القولين الأولين، و سيأتي في الزيارة ما ذكره ابن عساكر من أن الزائر يأتي المنبر الشريف، و يقف عنده، و يدعو.

معنى أن الروضة من رياض الجنة

و اختلفوا أيضا في معنى ما جاء في الروضة الشريفة، قال الحافظ ابن حجر: محصل ما أول به العلماء ذلك أن تلك البقعة كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة و حصول السعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فيكون مجازا، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازا أيضا، أو هو على ظاهره، و أن المراد أنها روضة حقيقة بأن ينقل ذلك الموضع إلى الجنة؛ ثم قال: و هذه الأقوال على ترتيبها هذا في القوة، و هو محتمل لتقوية الأول أو الأخير، و الأخير أقواها عندي، و هو الذي ذهب إليه ابن النجار، و نقله البرهان ابن فرحون في منسكه عن ابن الجوزي و غيره عن مالك، فقال:

و قوله: «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة» حمله مالك (رحمه اللّه) على ظاهره، فنقل عنه ابن الجوزي و غيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إلى الجنة، و أنها ليست كسائر

32

الأرض تذهب و تفنى، و وافقه على ذلك جماعة من العلماء، انتهى و نقله الحطيب ابن حملة عن الداروردي، و صححه ابن الحاج في مدخله؛ لأن العلماء فهموا من ذلك مزية عظيمة لهذا المحل.

ثم رأيت في كلام الحافظ ابن حجر ترجيحه في موضع آخر، فقال في الكلام على الحوض: و المراد بتسمية ذلك الموضع روضة أن تلك البقعة تنقل إلى الجنة فتكون روضة من رياضها، أو أنها على المجاز لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة، ثم قال:

و هذا فيه نظر؛ إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة، و الخبر مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها، انتهى.

قلت: و أحسن من ذلك ما ذهب إليه ابن أبي جمرة من الجمع بين هذا و ما قبله، و منه استنبطنا ما قدمناه في أمر المنبر، فإنه لم يعول على ذكر المعنى الأول و قال بعد ذكر المعنيين الأخيرين: الأظهر- و الله أعلم- الجمع بين الوجهين؛ لأن لكل منهما دليلا يعضده، أما الدليل على أن العمل فيها يوجب الجنة فلما جاء في فضل مسجدها من المضاعفة، و لهذه البقعة زيادة على باقي بقعه، و أما الدليل على كونها بعينها في الجنة فلإخباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأن المنبر على الحوض، لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره؛ و أنه حق محسوس موجود على حوضه.

قلت: و فيه نظر؛ لما قدمناه.

قال: و قد تقرر في قواعد الشرع أن الشرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا و الإخبار بذلك إلا تعميرها بالطاعات؛ قال: و يحتمل وجها ثالثا؛ و هو أن تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة كما أن الحجر الأسود من الجنة؛ فيكون الموضع المذكور روضة من رياض الجنة الآن؛ و يعود روضة في الجنة كما كان؛ و يكون للعامل بالعمل فيه روضة في الجنة؛ قال:

و هو الأظهر؛ لعلو مكانته (عليه السلام)؛ و ليكون بينه و بين الأبوة الإبراهيمية في هذا شبه، و هو أنه لما خص الخليل بالحجر من الجنة خص الحبيب بالروضة منها.

قلت: و هو من النّفاسة بمكان، و فيه حمل اللفظ على ظاهره، إذ لا مقتضى لصرفه عنه، و لا يقدح في ذلك كونها تشاهد على نسبة رياض الدنيا فإنه ما دام الإنسان في هذا العالم لا ينكشف له حقائق ذلك العالم لوجود الحجب الكثيفة و الله أعلم.

و تخصيص ما أحاطت به البينية المذكورة بذلك إما تعبد و إما لكثرة تردده (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين بيته و منبره و قرب ذلك من قبره الشريف الذي هو الروضة العظمى كما أشار إليه ابن أبي جمرة أيضا.

و قال الجمال محمد الراساني الريمي: اتفقوا على أن هذا اللفظ معقول المعنى، مفهوم‏

33

الحكمة، و إنما اختلفوا في ذلك المعنى ما هو، فقيل: اللفظ على حقيقته، و إن ذلك روضة من رياض الجنة بمعنى أنه بعينه نقل من الجنة، أو أنه سينقل إليها، و قيل: مجاز معناه أن العبادة فيه تؤدّي إلى الجنة، أو لما ينزل فيه من الرحمة و حصول المغفرة، كما سمي مجالس الذكر رياض الجنة في حديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» (1) و في رواية لأبي هريرة:

«قلت: ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: و ما الرتع؟ قال: سبحان الله، و الحمد لله، و لا إله إلا الله و الله أكبر».

و قال ابن عبد البر: لما كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يجلس في ذلك الموضع و يجلس الناس إليه للتعلم شبّهه بالروضة؛ لكريم ما يجتنى فيه، و أضافها إلى الجنة لأنها تؤول إلى الجنة، كقوله: «الجنة تحت ظلال السيوف» أي أنه عمل يدخل الجنة.

و قال الخطابي: روضة من رياض الجنة بالطاعة فيه، كقوله: «عائد المريض في مخرفة الجنة» (2) أي يرجى له بذلك مخرفة الجنة؛ فأطلق اسم المسبب على سببه كقوله: «الجنة تحت أقدام الأمهات».

هذا ما نقله الخطيب ابن حملة من المعاني، ثم تعقب الأخير بأنه لا يبقى حينئذ لهذه الروضة مزية، و قد فهم الناس من ذلك المزية العظيمة التي بسببها فضلها مالك على سائر البقاع.

و قد تعقب الجمال الريمي الخطيب في ذلك، و قال: أظهر المعاني تضعيف أجر الطاعات، و تعليم الناس وجوه الخير؛ لاتفاق الخطابي و ابن عبد البر عليه، و هما عمدة الأمة في فقه الحديث، و لأن النظائر تؤيده، و أما المعنيان الآخران فلم يعزهما الخطيب إلى أحد، فدل على ضعفهما، و لم يذكر عياض القول بأن هذا الموضع بعينه نقل من الجنة، و ذكر ما عداه، فدل على شذوذه؛ لأن مثل هذا طريقه التوقيف كما جاء في الركن و المقام، على أن القول به يؤدي إلى إنكار المحسوسات أو الضروريات، و جواب ما ذكره الخطيب أن المزية ظاهرة، و هو أن العمل في النظائر المتقدمة يؤدي إلى رياض الجنة، و العمل في هذا المحل يؤدي إلى روضة أعلى من تلك الرياض.

قلت: إنما حمله على هذا ذهابه إلى أن اسم الروضة يعم جميع مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أنه إذا

____________

(1) ارتعوا أي انعموا في خصب و سعة.

(2) المخرفة: البستان، و السّكة بين صفين من نخيل، و الطريق الواضح، جمع مخاريف.

34

ثبت لما زيد فيه حكم المضاعفة تعدى ذلك إليه، فاختار كون التسمية بذلك مجازية، و وضع في ذلك كتابا سماه «دلالات المسترشد، على أن الروضة هي المسجد» و قد صنف الشيخ صفي الدين الكازروني المدني مصنفا في الرد عليه، و قد لخصتهما مع سلوك طريق الإنصاف بينهما في كتابي الموسوم: «بدفع التعرض و الإنكار، لبسط روضة المختار» و سنذكر الصواب في ذلك، و استدلاله على ضعف القول بأن ذلك الموضع بعينه نقل من الجنة بأن عياضا لم يذكره عجيب لاحتمال أنه لم يطلع عليه، و قوله: «إن ذلك طريقه التوقيف كما جاء في الركن» فنقول: أي توقيف أعظم من إخبار الصادق المصدوق بذلك؟ و هو المخبر بأمر الركن و المقام، و الأصل في الإطلاق الحقيقة، فكيف سلمه في الركن و المقام و لم يسلمه هنا؟ و الذي فهمه العلماء من الحديث أن هذا الموضع روضة، سواء كان به ذاكرون و مصلون أم لم يكن، بخلاف حلق الذكر مثلا، فإن ذلك يزول عنها بقيامهم، فالروضة ما هم فيه بخلاف هذه، و لهذا فسر الرتع هناك بالذكر، و المراد في حديث: «الجنة تحت أقدام الأمهات» أن لزوم خدمتهن تؤدي إليها، و قوله: «إن القول بذلك يؤدي إلى ما ذكره» عجيب، و قد قدمنا السبب المانع من شهود ذلك على حقيقته، و أي حسن أحسن من القول بأن ذلك روضة من الجنة أكرم الله به نبيه؟ و يؤيده أحاديث المنبر المتقدمة و ما سيأتي في أحد و عير؛ إذ لم يقل أحد إن المراد أن المتعبد عند أحد يفضي به ذلك إلى الجنة، و المتعبد عند عير يفضي به ذلك إلى النار، و أما قوله في بيان المزية: «إن العمل في ذلك المحل يؤدي إلى روضة أعلى» فليس في الحديث وصفه بأنه أعلى الرياض، بل أطلق ذلك، فإذا ثبت ذلك لغيره فلا خصوصية، بل قد يقول الذاهب إلى تفضيل مكة: إن العمل فيها يؤدي إلى روضة أعلى و أفضل، و لظهور مزية تلك البقعة على غيرها بذلك استدل به بعض الأئمة على تفضيل المدينة على مكة بإضافة حديث «لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا و ما فيها» و تعقبه ابن حزم بأن جعلها من الجنة إنما هو على سبيل المجاز، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى‏ [طه: 118] قال: و إنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب: هذا يوم من أيام الجنة.

قلت: لا يلزم من ثبوت عدم الجوع و العري لمن حل في الجنة ثبوته لمن حل في شي‏ء أخرج منها؛ إذ يلزمه أن ينفي بذلك عن حجر المقام كونه من الجنة حقيقة، و لا قائل به، و مسألة عموم الروضة لجميع مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذات خلاف؛ فقد قال الأقشهري: سئل أبو جعفر بن نصر الداودي المالكي عن قوله: «ما بين بيتي و منبري روضة» فقال: هو روضة كله، و نقل الريمي عن الخطيب ابن حملة أنه قال: قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف قد يفيد العموم في بيوته، ثم ذكر بيان مكان بيوته، ثم قال: و لهذا قال السمعاني في أماليه: لما فضّل الله مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و شرفه و بارك في العمل فيه و ضعفه سماه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)

35

روضة من رياض الجنة، فتراه جعل المسجد كله روضة، و المشهور أن المراد بيت خاص، و هو بيت عائشة رضي الله عنها؛ للرواية الأخرى «ما بين قبري و منبري» قال ابن خزيمة:

أراد بقوله ما بين بيتي الذي أقبر فيه؛ إذ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبر في بيته الذي كانت تسكنه عائشة، قال الخطيب: فعلى هذا تسامت- يعني الروضة- حائط الحجرة من القبلة و الشمال من جهة الحجرة، و لا تزال تقصر إلى جهة المنبر، أو توجد المسامتة مستوية فلينظر، هذا كله كلام الخطيب.

قلت: فتلخص من ذلك ثلاثة آراء: الأول: أنها المسجد الموجود في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، الثاني:

أنها ما سامت المنبر و الحجرة فقط، فتتسع من جهة الحجرة و تضيق من جهة المنبر لما تقدم في مقداره، و تكون منحرفة الأضلاع لتقدم المنبر في جهة القبلة و تأخر الحجرة في جهة الشام، فتكون كشكل مثلث ينطبق ضلعاه على قدر المنبر، الثالث: أنها ما سامت كلا من طرفي الحدين، فتشمل ما سامت المنبر من مقدم المسجد في جهة القبلة و إن لم يسامت الحجرة، و يشمل ما سامت الحجرة من جهة الشمال، و إن لم يسامت المنبر، فتكون مربعة، و هي الأروقة الثلاثة: رواق المصلى الشريف، و الرواقان بعده، و ذلك هو مسقف مقدم المسجد في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لأنه قد تحرر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أن صف أسطوان الوفود- و هي التي كانت إلى رحبة المسجد كما سيأتي- واقع خلف الحجرة سواء، حتى إن الأسطوانة التي تلي مربعة القبر في صفها الداخلة في الزور بعضها داخل في جدار الحجرة الشامي كما سيأتي بيانه.

و أما أدلة هذه الأقوال فقد استدل الريمي للأول بأشياء غالبها ضعيف مبناه على أن إطلاق الروضة من قبيل المجاز لما في ذلك من المضاعفة و نحوه، و أحسنها ما أشار إليه الخطيب ابن حملة و أيده الريمي بأشياء، فقال: قوله «بيتي» من قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف، فيفيد العموم في سائر بيوته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد كانت بيوته مطيفة بالمسجد من القبلة و المشرق- و فيه بيت عائشة- و الشام كما سيأتي عن ابن النجار و غيره، و لم يكن منها في جهة المغرب شي‏ء، فعرف الحد من تلك الجهة بالمنبر الشريف، فإنه كان في آخر جهة المغرب بينه و بين الجدار يسير؛ لأن آخره من تلك الجهة الأسطوانة التي تلي المنبر، و المنبر على ترعة من ترع الجنة، فقد حدد الروضة بحدود المسجد كلها.

قلت: و هو مفرع على ما ذكره ابن النجار في تحديد المسجد من جهة المغرب، و قد مشيت عليه في تواليفي قبل أن أقف على ما قدمته في حد المسجد، و قد مشى على ذلك الزين المراغي فقال: ينبغي اعتقاد كون الروضة لا تختص بما هو معروف الآن، بل تتسع إلى حد بيوته (صلّى اللّه عليه و سلّم) من ناحية الشام، و هو آخر المسجد في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فيكون كله روضة، و هذا

36

إذا فرعنا على المفرد المضاف للعموم، و قد رجحه في كتب الأصول جماعة، ثم ذكر ما تقدم.

قلت: وفاتهم الجميع الاستدلال بحديث زوائد مسند أحمد المتقدم بلفظ «ما بين هذه البيوت» يعني بيوته «إلى منبري روضة من رياض الجنة» و العجب أن المعتنين بأمر الروضة لم يذكروه، مع أن فيه غنية عن التمسك بكون المفرد المضاف يفيد العموم، فقد ناقش الصفي الكازروني في ذلك بأشياء: منها أن رواية «ما بين قبري و منبري» بينت المراد من البيت المضاف. قلت: ليته قال رواية: «ما بين المنبر و بيت عائشة» لأنه يلزم عليه أن يكون الروضة بعرض القبر فقط، و التخصيص بذلك بعيد، و من قال: «إن المراد من البيت القبر» ليس مراده و الله أعلم إلا أن رواية القبر لعدم إبهامها تعين البيت، و لعله مراد الصفي، و لهذا قال الطبري: و إذا كان قبره (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بيته اتفقت معاني الروايات، و لم يكن بينها خلاف، انتهى، و لك أن تقول: رواية «قبري» و رواية «حجرة عائشة» من قبيل إفراد فرد من العام، و ذكره بحكم العام، و هو لا يقتضي التخصيص على الأصح، بل يقتضي الاهتمام بشأن ذلك الفرد، على أن القرطبي قال: الرواية الصحيحة «بيتي» و يروى «قبري» و كأنه بالمعنى، و الله أعلم.

و منها: أن القرافي حمل إطلاق عموم اسم الجنس على ما يقع منه على القليل و الكثير كالماء و المال، بخلاف ما لا يصدق إلا على الواحد كالعبد و البيت و الزوجة فلا يعم، و لهذا لو قال عبدي حر أو امرأتي طالق لا يعم سائر عبيده و نسائه، قال: و لم أره منقولا. قلت:

قال التاج السبكي: خالف بعض الأئمة في تعميم اسم الجنس المعرف‏ (1) و المضاف، و الصحيح خلافه، و فصل قوم بين أن يصدق على القليل و الكثير فيعم، أو [لا] (2) فلا، و اختاره ابن دقيق العيد، انتهى.

فقد جعل ما بحثه القرافي وجها ثالثا مفصلا، و ذلك يأبى حمل إطلاق المطلقين عليه، فما بحثه منقول، لكن الصحيح خلافه، و ما استدل به من عدم عموم عبدي حر و امرأتي طالق جوابه من أوجه ذكرناها في دفع التعرض، و أحسنها ما أشار إليه الأسنوي من أن عدم العموم في ذلك لكونه من باب الأيمان، و الأيمان يسلك فيها مسلك العرف، انتهى. و نقل‏

____________

(1) في جميع المطبوعات «المعروف».

(2) ما بين [] زيادة يقتضيها السياق.

37

الأزرقي في نفائسه عن ابن عبد السلام أنه قال: الذي تبين لي طلاق الجميع و عتق الجميع، و في كتب الحنابلة نص أحمد على أنه لو قال من له زوجتان أو عبيد «زوجتي طالق، أو عبدي حر» و لم ينو معيّنا، وقع الطلاق و العتق على الجميع، تمسكا بالقاعدة المذكورة، فقد جرى ابن عبد السلام و الحنابلة على مقتضى ذلك؛ فهذه الطرق من أحسن الأدلة، و لكن على شمول الروضة لما بين المنبر و البيوت الشريفة فهو رأي آخر، و قد قدمنا من الحديث ما يصرح به، و يؤيده ما أشار إليه الريمي من أن المقتضى لكون ذلك روضة كثرة تردده (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه، و كان يصلي قبل تحويل القبلة في طرفه الذي يلي الشام، و متهجّده كما سيأتي في جهة المشرق إلى الشام أيضا، و منبره الشريف في نهاية هذا الموضع المحدود من جهة المغرب، و مصلاه الشريف بمقدمه و به الأساطين الآتية ذوات الفضل.

و أما الرأي الثاني فدليله التمسك بظاهر لفظ البينية الحقيقية، و حمل البيت على حجرة عائشة رضي الله عنها، و يضعفه أن مقدم المصلى الشريف يلزم خروجه عن اسم الروضة حينئذ؛ لخروجه عن موازاة طرفي المنبر و الحجرة، مع أن الظاهر أن معظم السبب في كون ذلك روضة تشرفه بجبهته الشريفة، على أني لم أر هذا القول لأحد، و إنما أخذته من تردد الخطيب ابن حملة المتقدم.

و أما الرأي الثالث فهو ظاهر ما عليه غالب العلماء و عامة الناس، و وجهه حمل البيت على ما في الرواية الأخرى من ذكر حجرة عائشة، و جعل ما تقدم في أمر خروج مقدم المصلى الشريف دليلا على أن المراد من البينية ما حاذى واحدا من الطرفين، و أن المراد مقدم المسجد المنتهي من جهة مؤخر الحجرة الشريفة لصف أسطوان الوفود كما قدمناه، و في كلام الأقشهري إشارة له، و هذا إنما علمناه في العمارة التي سنذكرها، و لم يكن معلوما قبل ذلك، و لهذا قال المجد في الباب الأول في فصل الزيارة من كتابه ما لفظه: ثم يأتي- يعني الزائر- إلى الروضة المقدسة، و هي ما بين القبر و المنبر طولا، و لم أر من تعرض له عرضا، و الذي عليه غلبة الظنون أنه من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه، و أنا لا أوافق على ذلك، و قد بينته في موضعه من هذا الكتاب، و ذكرت أن الظاهر من لفظ الحديث يقتضي أن يكون أكثر من ذلك؛ لأن بيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بجميع مرافق الدار كان أكثر من هذا المقدار، انتهى.

و لم يذكر في الموضع الذي أحال عليه شيئا، و قوله «من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه» كأنه يريد به الأسطوان المخلق و ما حاذاها؛ فتكون الروضة على ذلك التقدير الرواق الأول منها فقط، و هو غلط؛ لأن الحجرة الشريفة متأخرة عن ذلك لجهة الشام؛ وصف‏

38

الأسطوان المذكور محاذ لطرف جدارها القبلي. و قال ابن جماعة: قد تحرر لي طول الروضة، و لم يتحرر لي عرضها، يريد أن طولها من المنبر إلى الحجرة، و هو كما قال ابن زبالة ثلاثة و خمسون ذراعا و شبرا، و قال في موضع آخر: أربعة و خمسون ذراعا و سدس.

قلت: و ما ذكره أولا أقرب إلى الصواب كما اختبرناه، فإني ذرعت بحبل من صفحة المنبر القبلية إلى طرف الحجرة القبلية فكان ثلاثة و خمسين ذراعا.

و ذكر ابن جماعة ذراعا أقل من هذا، و كأنه ذرع على الاستقامة، و لم يعتبر الذرع من الطرفين المذكورين، فقال: و ذرعت ما بين الجدار الذي حول الحجرة الشريفة و بين المنبر فكان أربعا و ثلاثين ذراعا و قيراطا بذراع العمل. قلت: و ذلك نحو اثنين و خمسين ذراعا بذراع اليد الذي قدمنا تحريره، و أما قول من قال: «إن طول الروضة اليوم ينقص عن خمسين ذراعا بثلثي ذراع» فلا وجه له إلا أن يكون اعتبر بذراع اليد المفرط الطول، و الله أعلم.

و أما نهاية الحجرة فلم تكن معلومة لابن جماعة و غيره، و عليها يتوقف بيان العرض، و لهذا قال الريمي: لا ندري الحجرة في وسط البناء المحيط بها أم لا؟ و لا ندري إلى أين ينتهي امتدادها؟ و غالب الناس يعتقدون أن نهايتها في محاذاة أسطوان علي رضي الله عنه، و لهذا جعلوا الدرابزين الذي بين الأساطين ينتهي إلى صفها، و اتخذوا الفرش لذلك فقط، و الصواب ما قدمناه؛ فقد انجلى الأمر و لله الحمد.

الفصل السابع في الأساطين المنيفة الأسطوان المخلق‏

منها الأسطوان الذي هو علم على المصلى الشريف، و يعرف بالمخلق، و قد قدمنا قول ابن زبالة «المخلق نحو من ثلثيها» و قول ابن القاسم «إن المصلى الشريف حيث الأسطوان المخلق» و بينا أن المراد أنها أقرب أسطوان إليه، و أن الجذع الذي كان يخطب إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يتكئ عليه كان هناك، و أن الأسطوان الموجود اليوم متقدم على المحل الأول، و أن المحل الأصلي هو موضع كرسي الشمعة التي عن يمين الإمام الواقف في المصلى الشريف، فمن أراد التبرك بذلك فليصل هناك.

و روى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد أنه كان يأتي مع سلمة بن الأكوع إلى سبحة الضحى، فيعمد إلى الأسطوان دون المصحف فيصلي قريبا منهما، فأقول: أ لا تصلي هاهنا؟

و أشير له إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتحرى هذا المقام، و هذا الحديث في الصحيحين، و لفظ البخاري «كنت آتي مع سلمة بن الأكوع، فيصلي عند الأسطوان التي عند المصحف، فقلت: يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه‏

39

الأسطوانة، قال: فإني رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتحرى الصلاة عندها» و لفظ مسلم عن سلمة أنه كان يتحرى موضع المصحف يسبح‏ (1) فيه، و ذكر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يتحرى ذلك، و قد قدمنا في الكلام على المصلى الشريف ما يبين أن المراد هذه الأسطوانة.

أسطوان القرعة

و منها أسطوان القرعة، و تعرف بأسطوان عائشة رضي الله عنها، و بالأسطوان المخلق أيضا، و بأسطوان المهاجرين.

روينا في كتاب ابن زبالة عن إسماعيل بن عبد الله عن أبيه أن عبد الله بن الزبير و مروان بن الحكم و ثالثا كان معهما دخلوا على عائشة رضي الله عنها فتذاكروا المسجد، فقالت عائشة: إني لأعلم سارية من سواري المسجد لو يعلم الناس ما في الصلاة إليها لاضطربوا عليها بالسهمان‏ (2)، فخرج الرجلان و بقي ابن الزبير عند عائشة، فقال الرجلان: ما تخلف إلا ليسألها عن السارية، و لئن سألها لتخبرنه، و لئن أخبرته لا يعلمنا، و إن أخبرته عمد لها إذا خرج فصلى إليها، فاجلس بنا مكانا نراه و لا يرانا، ففعلا، فلم ينشب أن خرج مسرعا فقام إلى هذه السارية فصلى إليها متيامنا إلى الشق الأيمن منها، فعلم أنها هي، و سميت أسطوانة عائشة بذلك، و بلغنا أن الدعاء عندها مستجاب، هذا لفظ ابن زبالة.

و في الأوسط للطبراني عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: إن في مسجدي لبقعة قبل هذه الأسطوانة لو يعلم الناس ما صلوا فيها إلا أن تطير لهم قرعة، و عند عائشة جماعة من أبناء الصحابة فقالوا: يا أم المؤمنين و أين هي؟ فاستعجمت عليهم، فمكثوا عندها ساعة ثم خرجوا و ثبت عبد الله بن الزبير فقالوا: إنها ستخبره بذلك المكان، فارقبوه في المسجد حتى تنظروا حيث يصلي، فخرج بعد ساعة فصلى عند الأسطوانة التي صلى إليها عامر بن عبد الله بن الزبير، فقيل لها: أسطوانة القرعة.

قال عتيق: و هي الأسطوانة التي هي واسطة بين القبر و المنبر: عن يمينها إلى المنبر أسطوانتان، و بينها و بين القبر أسطوانتان، و بينها و بين الرحبة أسطوانتان، و هي واسطة بين ذلك، و هي تسمى أسطوانة القرعة، هذا لفظ الأوسط.

____________

(1) السّبحة: صلاة التطوع و هي مواضع السجود.

(2) السهم: القدح يقارع به أو يلعب به في الميسر، أي الحظ و النصيب، و ما يفوز به الظافر بالقرعة.

40

و قال ابن زبالة: حدثني غير واحد من أهل العلم منهم الزبير بن حبيب أن الأسطوان التي تدعى أسطوان عائشة هي الثالثة من المنبر، و الثالثة من القبر، و الثالثة من القبلة، و الثالثة من الرحبة، أي قبل زيادة الرواقين الآتي ذكرهما المتوسطة للروضة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى إليها بضع عشرة المكتوبة ثم تقدم إلى مصلاه الذي وجاه المحراب في الصف الأوسط، أي الرواق الأوسط، و أن أبا بكر و عمر و الزبير بن العوام و عامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها، و أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، و كان يقال لذلك المجلس مجلس المهاجرين، انتهى.

و قد ذكر ابن النجار هذه الرواية عن الزبير بن حبيب، و زاد: و قالت عائشة فيها: لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسهمان، فسألوها عنها فأبت أن تسميها، فأصغى إليها ابن الزبير فسارّته بشي‏ء، ثم قام فصلى إلى التي يقال لها أسطوان عائشة، قال:

فظن من معه أن عائشة أخبرته أنها تلك الأسطوانة، فسميت أسطوان عائشة، قال: و أخبرني بعض أصحابنا عن زيد بن أسلم قال: رأيت عند تلك الأسطوانة موضع جبهة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم رأيت دونه موضع جبهة أبي بكر، ثم رأيت دون موضع جبهة أبي بكر موضع جبهة عمر، و يقال: الدعاء عندها مستجاب، هذا لفظ رواية ابن النجار عقب ما قدمناه من رواية ابن زبالة. و زاد فيما ذكره ابن زبالة عقب قوله: «إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى إليها المكتوبة بضع عشرة، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم» ما لفظه: و كان يجعلها خلف ظهره، قلت: و لم أره في كلام غيره، و الظاهر أن مراده أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يستند إليها إذا جلس هناك، لا أنه يجعلها خلف ظهره إذا صلى؛ لما ذكره عن زيد بن أسلم من أنه رأى موضع جبهة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عندها، و وصف هذه الأسطوانة بالمخلقة يؤخذ مما تقدم عن ابن زبالة من قول أبي هريرة «و كان مصلاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده أن تضع موضع الأسطوان المخلقة خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام» إلى آخر ما تقدم قلت: و هذه الأسطوان بصف الأساطين التي خلف الإمام الواقف بالمصلى الشريف، و هي الثالثة من القبلة و كانت الثالثة أيضا من رحبة المسجد كما تقدم، و ذلك قبل أن يزاد في مسقف مقدم المسجد الرواقان الآتي بيانهما في رحبته، و بهما صارت خامسة من الرحبة.

أسطوان التوبة

و منها أسطوان التوبة، و تعرف بأسطوان أبي لبابة بن عبد المنذر أخي بني عمرو بن عوف الأوسي أحد النقباء، و اسمه رفاعة، و قيل غير ذلك، سميت به لأنه ارتبط إليها حتى أنزل الله توبته كما قدمناه في غزوة بني قريظة.

و قال الأقشهري: اختلف أهل السير و التفسير في ذنب أبي لبابة، فقال قوم: كان من‏

41

الذين تخلفوا عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك، و قال ابن هشام تبعا لابن إسحاق: سببه قضية بني قريظة و استشارتهم إياه، و أسند يحيى عن عبد الرحمن بن يزيد قصته معهم، و أنهم قالوا له: أ ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، و أشار بيده إلى حلقه، و هو الذبح. و في رواية أخرى أنه لما جاءهم قام إليه الرجال، و أجهش إليه النساء و الصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، فكان منه ما تقدم، قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله و رسوله. قال يحيى في الرواية المتقدمة: فلم يرجع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مضى إلى المسجد، و ارتبط إلى جذع في موضع أسطوانة التوبة، و أنزل الله عز و جل فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ [الأنفال: 27] و في رواية: فربط نفسه في السارية، و حلف لا يحل نفسه حتى يحله رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أو تنزل توبته، قال: فجاءت فاطمة رضي الله عنها تحله، فقال: لا، حتى يحلني رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): إنما فاطمة بضعة مني، و في رواية لابن النجار أن أبا لبابة عاهد الله تعالى أن لا يطأ بني قريظة أبدا، و قال:

لا يراني الله في بلد خنت الله و رسوله فيه أبدا، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال لما بلغه خبره- و كان قد استبطأه- «أما لو جاءني لاستغفرت الله له، فاما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه» فأنزلت توبته و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بيت أم سلمة، قالت:

فسمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من السحر يضحك، فقلت: مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال:

تيب على أبي لبابة، قلت: أ لا أبشره بذلك يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال: فثار الناس إليه ليطلقوه، قال: لا و الله حتى يكون رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.

و روى البيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب قصة أبي لبابة في بني قريظة، و أنه تخلف في غزوة تبوك، فلما قفل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاءه يسلم عليه، فأعرض عنه، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سبعا بين يوم و ليلة في حر شديد لا يأكل فيهن و لا يشرب قطرة.

و روى مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن أبا لبابة ارتبط إليها بسلسلة ربوض، و الربوض: الثقيلة (1)، بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع، و كاد بصره يذهب، و كانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة و إذا أراد أن يذهب لحاجته حتى يفرغ ثم تأتي به فيرده في الرباط كما كان.

____________

(1) سلسلة ربوض: سلسلة ضخمة ثقيلة، و في الحديث: «أنه ارتبط بسلسلة ربوض إلى أن تاب الله عليه».

42

و أورد الزمخشري قصة أبي لبابة في تفسيره قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ‏ [الأنفال: 27] الآية، و قال فيها: قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله و رسوله، فنزلت أي: الآية المتقدمة، فشد نفسه على سارية من سواري المسجد و قال: و الله لا أذوق طعاما و لا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، و ذكر في القصة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاءه فحله فقال:

إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، و أن أخلع من مالي، فقال (عليه السلام): «يجزئك الثلث أن تتصدق به».

و نقل ابن النجار عن إبراهيم بن جعفر أن السارية التي ربط إليها ثمامة بن أثال الحنفي هي السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة، و نقل ذلك أيضا عن ابن شبة.

و روى البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ‏ [التوبة:

102] الآية، قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، فلما رآهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: من هؤلاء؟ قالوا: هذا أبو لبابة و أصحاب له تخلفوا عنك، الحديث، و فيه توبة الله عليهم و أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرسل إليهم و أطلقهم.

و روى ابن زبالة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر عن محمد بن كعب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يصلي نوافله إلى أسطوانة التوبة.

و في رواية له عن عمر بن عبد الله، لم يذكر ابن كعب، أنه قال في أسطوان التوبة:

كان أكثر نافلة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليها، و كان إذا صلّى الصبح انصرف إليها، و قد سبق إليها الضعفاء و المساكين و أهل الضر و ضيفان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المؤلفة قلوبهم و من لا مبيت له إلا في المسجد، قال: و قد تحلقوا حولها حلقا بعضها دون بعض، فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، و يحدثهم و يحدثونه، حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطّول و الشرف و الغنى فلم يجدوا إليه مجلسا، فتاقت أنفسهم إليه و تاقت نفسه إليهم، فأنزل الله تعالى: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏ [الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله اطردهم عنا، و نكون نحن جلساءك و إخوانك و لا نفارقك، فأنزل الله عز و جل: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏ [الأنعام: 52] إلى منتهى الآيتين.

و في العتبية عن مالك وصف أسطوان التوبة بالمخلقة، و قد قدمنا في الكلام على المصلى الشريف ما ذكره ابن زبالة من خلوقها و خلوق غيرها من الأساطين.

و روى ابن زبالة خبر مالك بن أنس المتقدم عن عبد الله بن أبي بكر بنحو ما تقدم،

43

و قال فيه: و هي الأسطوان المخلق نحو من ثلثيها، تدعى أسطوان التوبة، منها حل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا لبابة حين نزلت توبته، و بينها و بين القبر أسطوان.

و أسند أيضا عن ابن عمر أنه كان يقول في الأسطوان التي ارتبط إليها أبو لبابة: هي الثانية من القبر، و هي الثالثة من الرحبة.

قلت: كانت الثلاثة من الرحبة قبل تجدد الأسطوانتين المشار إليهما في أسطوانة القرعة بسبب تجدد الرواقين الآتي ذكرهما، و هذه الأسطوانة إلى جانب الأسطوانة المتقدم ذكرها من جهة المشرق؛ فهي الرابعة من المنبر، و الثانية من القبر، و الثالثة من القبلة، و الخامسة في زماننا من رحبة المسجد، و فيها اليوم هيئة محراب من الجص تتميز به عن سائر الأساطين، لكنه أزيل في الحريق الثاني.

و فهم البدر بن فرحون من رواية ابن عمر المتقدمة أنها التي تلي هذه الأسطوانة في جهة المشرق، و هي اللاصقة بالشباك اليوم كما سيأتي، فقال: إن أسطوان التوبة هي اللاصقة بالشباك على ما قاله عبد الله بن عمر، و تبعه مالك بن أنس، و ما قيل إنها غيرها فغلط أوجبه أشياء يطول ذكرها، انتهى كلامه.

قلت: بل الصواب ما قدمناه في بيانها، و منشأ ما فهمه عدّه للأسطوانة اللاصقة بجدار القبر، فحمل قول ابن عمر أنها الثانية من القبر، و قول مالك بينها و بين القبر أسطوان على الأسطوانة اللاصقة بالشباك اليوم، و قد علم من كلامهم في أسطوان القرعة أنهم لا يعدون اللاصقة بجدار القبر لما تقدم من قولهم فيها: إنها الثالثة من المنبر و الثالثة من القبر، و لو عدوا اللاصقة بجدار القبر لكانت الرابعة من القبر، و أيضا فاللاصقة بجدار القبر أحدثها عمر بن عبد العزيز، و لم يدرك ذلك ابن عمر، و أوضح من ذلك أن ابن زبالة قال: إن بين أسطوان التوبة و بين جدار القبر الشريف عشرين ذراعا، و قد اعتبرت ذلك من الأسطوانة التي ذكرناها فكان كذلك.

و قال أيضا فيما قدمناه عنه: «إن ذرع ما بين مصلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بينها سبع عشرة ذراعا» و قد قدمنا في المصلى الشريف ما يقتضي صحة ذلك عند اختبارنا لما بينهما مع بيان أن المصلى الشريف في طرف الحفر الذي يلي المغرب، و إن جعل المصلى الشريف على تلك الهيئة حادث، و في نسخة من ابن زبالة «تسع عشرة ذراعا» بتقديم التاء، فإن صحت فقد علمت أنه لم يكن المصلى الشريف في عهد ابن زبالة على هذه الهيئات، بل كانت الأرض مستوية، فكأنه اعتبر الذراع من ابتداء طرف المصلى الشريف الغربي، و منه إلى الأسطوان‏

44

المذكور تسع عشرة ذراعا بتقديم التاء، و أما ذرع ما بين المصلى الشريف و الأسطوانة التي يعنيها البدر فخمس و عشرون ذراعا، فلا يصح إرادتها بوجه.

و أسند ابن زبالة و يحيى في بيان معتكف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان إذا اعتكف طرح له فراشه و وضع له سرير وراء أسطوانة التوبة».

و روى ابن ماجه عن نافع أن ابن عمر أراه المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم روى عن نافع عن ابن عمر أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان إذا اعتكف طرح له فراشه و وضع له سرير وراء أسطوانة التوبة». قال البدر بن فرحون: و نقل الطبراني في معجمه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن ذلك مما يلي القبلة «يستند إليها».

قلت: و رواه البيهقي بسند حسن، و لفظه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان إذا اعتكف يطرح له فراشه أو سريره إلى أسطوانة التوبة مما يلي القبلة يستند إليها» و نقل عياض عن ابن المنذر أن مالك بن أنس كان له موضع في المسجد، قال: و هو مكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، و هو المكان الذي كان يوضع فيه فراش رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا اعتكف، كذا قال الأويسي.

أسطوان السرير

و منها: أسطوان السرير، أسند ابن زبالة و يحيى في بيان معتكف النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عقب ذكر ما تقدم من وضع فراشه و سريره وراء أسطوان التوبة عن محمد بن أيوب أنه «كان للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سرير من جريد فيه سعفه‏ يوضع بين الأسطوان التي تجاه القبر و بين القناديل، كان يضطجع عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)».

قلت: و هذه الأسطوانة هي اللاصقة بالشباك اليوم في شرقي أسطوان التوبة و ابن فرحون يجعلها إليها كما تقدم، و يؤيده ما تقدم في أسطوان التوبة من أن سريره (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يوضع إليها، إلا أن يجاب بأنه كان يوضع مرة عند هذه و مرة عند تلك، بدليل أنه تقدم في أسطوان التوبة أن وضع ذلك كان مما يلي القبلة يستند إليها، و ذكر في هذه أنه «كان يوضع بينها و بين القناديل» و ذلك في جهة شرقيها.

و قال البدر بن فرحون: روينا بالسند الصحيح إلى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان إذا اعتكف يطرح له و سادة، و يوضع له سرير من جريد فيه سعفه، يوضع له فيما بين الأسطوان التي و جاه القبر الشريف و بين القناديل، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يضطجع عليه»

____________

(1) الجريدة: سعفة طويلة تقشّر من خوصها، و السعفة: جريد النخل و ورقه، و ورق النخل اليابس.

45

قال أبو و حرة- بحاء مهملة- السعدي و هو يذكر السرير و يمدح آل الزبير لقرب مجلسهم منه:

و إذا غدا آل الزبير غدا النّدى‏* * *و إذا انتدى فإليهم ما ينتدي‏

و إذا هم راحوا فإنهم هم‏* * *أهل السرير و أهل صدر المسجد

أسطوان المحرس‏

و منها: أسطوان المحرس‏، و يسمى أسطوان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

قال يحيى: حدثنا موسى بن سلمة قال: سألت جعفر بن عبد الله بن الحسين عن أسطوان علي بن أبي طالب، فقال: إن هذه المحرس، كان علي بن أبي طالب يجلس في صفحتها التي تلي القبر مما يلي باب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، يحرس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قال الجمال المطري و تبعه من بعده: و هو مقابل الخوخة التي كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخرج منها إذا كان في بيت عائشة إلى الروضة للصلاة، و هي خلف أسطوان التوبة من جهة الشمال.

قلت: هي الأسطوان الذي يصلي عندها أمير المدينة يجعلها خلف ظهره، و لذا قال الأقشهري: إن أسطوان مصلى علي كرم الله وجهه اليوم أشهر من أن تخفى على أهل الحرم، و يقصد الأمراء الجلوس و الصلاة عندها إلى اليوم، و ذكر أنه كان يقال لها مجلس القلادة لشرف من كان يجلس فيه، و ذلك إنما هو في أسطوان الوفود لما سيأتي.

أسطوان الوفود

و منها: أسطوان الوفود، قال المطري: هي خلف أسطوان المحرس من جهة الشمال، كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، و كانت مما يلي رحبة المسجد قبل أن يزاد في السقف القبلي الرواقان، و كانت تعرف أيضا بمجلس القلادة، يجلس إليها سروات الصحابة و أفاضلهم (رضوان الله عليهم).

و قال الأقشهري، و من خطه نقلت: و أما الأسطوان الذي كان يجلس إليها (صلّى اللّه عليه و سلّم) لوفود العرب إذا جاءته، فقال: إذا عددت الأسطوان التي فيها مقام جبريل (عليه السلام) كانت هي الثالثة، انتهى، و كأنه سقط من خطه فاعدد فقال: و قد أخذه من تحفة ابن عساكر، و قد رأيت في نسخة معتمدة منها موضع بياض بعد «فقال».

و هذا مطابق لما تقدم عن المطري؛ لأن الأسطوان التي فيها مقام جبريل هي مربعة القبر كما سيأتي، و بينها و بين أسطوان الوفود المذكور أسطوان.

____________

(1) المحرس: مكان أقام به حرسا.

46

و قال ابن زبالة: حدثنا غير واحد من أهل العلم منهم عبد العزيز بن محمد أن الأسطوان التي إلى الرحبة التي في صف أسطوان التوبة بينها و بين أسطوان التوبة مصلى علي بن أبي طالب، و أنه المجلس الذي يقال له مجلس القلادة، كان يجلس فيه سراة الناس قديما.

و أورده المجد، و زاد في آخره: و إنما سمي القلادة لشرف من كان يجلس إليها من بني هاشم و غيرهم.

أسطوان مربعة القبر

و منها أسطوان مربعة القبر، و سيأتي أنه يقال له أيضا أسطوان مقام جبريل (عليه السلام)، و قد تقدم فيما نقله الأقشهري في أسطوان الوفود ما يشهد له.

و أسند ابن زبالة و يحيى عن سليمان بن سالم عن مسلم بن أبي مريم و غيره: كان باب بيت فاطمة بنت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المربعة التي في القبر، قال سليمان: قال لي مسلم: لا تنس حظك من الصلاة إليها؛ فإنها باب فاطمة رضي الله عنها الذي كان علي يدخل عليها منه.

قلت: و هي في حائز عمر بن عبد العزيز عند منحرف الصفة الغربية منه إلى جهة الشمال، في صف أسطوان الوفود، بينهما الأسطوانة اللاصقة بالشباك التي شرقي أسطوان الوفود، و سيأتي لها مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

و من فضلها ما أسنده يحيى عن أبي الحمراء قال: شهدت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أربعين صباحا يجي‏ء إلى باب علي و فاطمة و حسن و حسين حتى يأخذ بعضادتي الباب و يقول: السلام عليكم أهل البيت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب:

33] و في رواية له: رابطت بالمدينة سبعة أشهر كيوم واحد، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتي باب علي كل يوم فيقول: الصلاة، الصلاة، ثلاث مرات‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و قد حرم الناس الصلاة إلى هذه الأسطوان لإدارة الشباك الدائر على الحجرة الشريفة و غلق أبوابه.

أسطوان التهجد

و منها: أسطوان التهجد، أسند يحيى عن عيسى بن عبد الله عن أبيه قال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخرج حصيرا كل ليلة إذا انكفت الناس فيطرح وراء بيت علي، ثم يصلي صلاة الليل، فرآه رجل فصلى بصلاته، ثم آخر فصلى بصلاته، حتى كثروا، فالتفت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإذا بهم، تأمر بالحصير فطوي ثم دخل، فلما أصبح جاءوه فقالوا: يا رسول الله، كنت فصلى الليل فنصلي بصلاتك، فقال: إني خشيت أن ينزل عليكم صلاة

47

الليل ثم لا تقوون عليها، قال عيسى بن عبد الله: و ذلك موضع الأسطوان التي على طريق باب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مما يلي الزوراء.

قلت: صحّف بعضهم هذه اللفظة فقال: مما يلي الدور، و رأيت بخط الأقشهري: لعله مما يلي دوره، انتهى. و الظاهر أن الرواية مما يلي الزور- بالزاي- يعني الموضع المزور في بناء عمر بن عبد العزيز خلف الحجرة كما سيأتي و الله أعلم.

قال عيسى: و حدثني سعيد بن عبد الله بن فضيل قال: مر بي محمد بن الحنفية و أنا أصلي إليها، فقال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة، هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال:

فالزمها فإنها كانت مصلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الليل.

قلت: تقدم في حدود المسجد النبوي ما يقتضي أن الموضع المذكور كان خارج المسجد تجاه باب جبريل قبل تحويله إلى محله اليوم، و هو موافق لما سيأتي عن المؤرخين في بيان موضع هذه الأسطوانة، و المعروف من حاله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن قيامه في غير رمضان إنما كان في بيته، و هذا الموضع ليس منه، و فيما سبق مع أحاديث قيام رمضان ما يوهم أن القصة المذكورة كانت فيه، ففي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «اتخذ حجرة، قال:

حسبت أنه قال: من حصير، في رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس- الحديث» و رواه مسلم عنه بلفظ أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها ليلا، حتى اجتمع إليه ناس، فذكره نحوه» و في رواية لأبي عوانة عن زيد «اتخذ حجرة من حصير في المسجد في رمضان- الحديث». و لعلها القبة التي كان يعتكف (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها في رمضان، فقد روى الطبراني في الكبير عن أبي ليلى قال: رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) اعتكف في قبة من خوص، و في الكبير و الأوسط عن معيقيب قال: «اعتكف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في قبة من خوص بابها من حصير و الناس في المسجد» و أسند يحيى عن أبي حازم مولى الأنصار قال: «اعتكف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المسجد في رمضان في قبة على بابها حصير»، و عن ابن عمر قال: بنى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيتا من سعف في المسجد في آخر شهر رمضان يصلي فيه.

و قال المطري في بيان موضع هذه الأسطوانة: هي خلف بيت فاطمة رضي الله عنها، و الواقف إليها يكون باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان على يساره، و حولها الدرابزين: أي لاصقا بها يمينا و يسارا، و هو الشباك الدائر على الحجرة الشريفة و على بيت فاطمة رضي الله عنها، و قد كتب فيها بالرخام: هذا متهجّد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

و قال ابن النجار: هذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة من جهة الشمال، و فيها محراب إذا توجه المصلى إليه كانت يساره إلى باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل.

قلت: و قد جدد محرابها في هذه العمارة التي أدركناها أولا، و زيد في رخامه فوق‏

48

المحراب الأول، و كتبوا في ذلك بالرخام بروز الأمر بتجديد عمارة الحجرة الشريفة من السلطان الأشرف قايتباي- أعز الله أنصاره!- و أن ذلك على يد الخواجا الجناب الشمسي ابن الزمن، و تاريخ العمارة المذكورة، كل ذلك مكتوب بالرخام في أعلى محراب الأسطوانة المذكورة، ثم لما جاء الحريق الحادث بعد تمام هذا التأليف أزال ذلك كله، ثم اقتضى رأيهم عند بناء الدعائم التي اتخذوها للقبة المحاذية لأعلى الحجرة و العقود التي خلفها إبدال هذه الأسطوانة بدعامة اتخذوا فيها محرابا.

و هذه الأسطوانة آخر الأساطين التي ذكر لها أهل التاريخ فضلا خاصا، و إلا فجميع سواري المسجد الشريف لها فضل؛ ففي البخاري من حديث أنس قال: لقد أدركت كبار أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبتدرون السواري عند المغرب، قال ابن النجار: فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يستحب الصلاة عندها؛ لأنه لا يخلو أن كبار الصحابة صلوا إليها، و الله أعلم.

الفصل الثامن في الصّفة و أهلها، و تعليق الأقناء لهم بالمسجد

وصف الصفة و موضعها

قال عياض: الصفة- بضم الصاد و تشديد الفاء- ظلة في مؤخر مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، يأوي إليها المساكين، و إليها ينسب أهل الصّفة على أشهر الأقاويل.

و قال الحافظ الذهبي: إن القبلة قبل أن تحوّل كانت في شمالي المسجد، فلما حوّلت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة.

و قال الحافظ ابن حجر: الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له و لا أهل، و كانوا يكثرون فيه و يقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر.

و قد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا على المائة، و قد أخرج أبو نعيم في الحلية من مرسل الحسن قال: بنيت صفّة في المسجد لضعفاء المسلمين.

و قال المجد نقلا عن الدارقطني: الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها، ثم قال المجد: و ذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال: و في آخر القرية تلّ مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه على دار الصفة حيث كان عمار و سلمان و أصحابهما المعروفون بأهل الصفة، و كأن هذا و هم، و الله أعلم.

قلت: يظهر من قول عياض فيما قدمناه عنه «على أشهر الأقوال» أن في ذلك خلافا؛ فيكون ما ذكره ابن جبير أحد الأقوال، لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد، فاشتهرت بذلك.

49

أهل الصفة

و قد روى ابن سعد في مرسل يزيد بن عبد الله بن قسيط: كان أهل الصفة ناسا فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره.

و روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: لما كثرت المهاجرون بالمدينة و لم يكن لهم دار و لا مأوى أنزلهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المسجد، و سماهم أصحاب الصفة، فكان يجالسهم و يأنس بهم.

و أسند يحيى عن فضالة بن عبيد قال: كنا نصلي مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيخر قوم من قامتهم من الخصاصة، حتى يقول الأعرابي: مجانين، و هم أهل الصفة، فإذا صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاهم فوقف عليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فقرا و حاجة.

و في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، و من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس- الحديث.

و فيه من حديث أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار و إما كساء قد ربطوه، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، و منها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.

و فيه من حديث أبي هريرة أيضا أنه كان يقول: و الله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، و إن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، و لقد قعدت يوما في طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا يستتبعني، فمر و لم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتبسم حين رآني و عرف ما في نفسي و ما في وجهي، ثم قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، فمضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فوجدنا لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟

فقالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، و أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل و لا مال و لا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، و لم يتناول منها شيئا، و إذا أتته هدية أرسل إليهم و أصاب منها و أشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: و ما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها، فلما جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، و ما

____________

(1) الخصاصة: سوء الحال و الفقر و الحاجة.

50

عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ و لم يكن من طاعة الله و طاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هريرة، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فاخذه فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم انتهيت إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم، و قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا و أنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب، فشربت، فما زال يقول اشرب حتى قلت: لا و الذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله و سمى و شرب الفضلة.

و قد وقع لأبي هريرة رضي الله عنه قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل الصفة.

و أخرج ابن حبان من طريق مسلم بن حيان عن أبيه عنه قال: أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة، فجعلت أسقط، فجعل الصبيان يقولون: خر أبو هريرة، حتى انتهيت إلى الصفة، فوافيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى بقصعة من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة و هم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني، حتى قاموا و ليس في القصعة إلا شي‏ء في نواحيها، فجمعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فصارت لقمة، فوضعها على أصابعه فقال لي: كل باسم الله، فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منه حتى شبعت.

و روى أبو نعيم في الحلية من حديث معاوية بن الحكم فقال: بينا أنا مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الصفة، فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار، و الرجلين و الثلاثة، حتى بقيت في أربعة و رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خامسنا، فقال: انطلقوا بنا، فقال: يا عائشة عشّينا- الحديث.

و روى أيضا من طريق نعيم المجمر عن أبي هريرة: كنت من أهل الصفة، و كنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أقل أو أكثر، فيؤتي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعشائه فيتعشى معهم، فإذا فرغنا قال: ناموا في المسجد.

و روى ابن شبة عن طلحة البصري قال: كان من قدم المدينة فكان له بها عريف نزل على عريفه، و من لم يكن له بها عريف نزل الصفة، فكنت فيمن نزل الصفة، فوافقت رجلين كان يجرى علينا في كل يوم مدّين من تمر من رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فانصرف رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فناداه رجل من أهل الصفة: يا رسول الله أحرق التمر بطوننا و تحرفت علينا الحرف، فمال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى منبره فحمد الله و أثنى عليه، و ذكر ما لقي من قومه حتى إن كان ليأتي علي و على صاحبي بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا البرير، فقدمنا على إخواننا من الأنصار و جل‏