وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى - ج3

- علي بن أحمد السمهودي‏ المزيد...
246 /
3

الجزء الثالث‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الباب الخامس في مصلّى النبي ص في الأعياد، و غير ذلك من المساجد

التي صلّى فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، مما علمت عينه أو جهته، بالمدينة و ما حولها، و ما جاء في مقبرتها و من دفن بها، و المشاهد المعروفة، و فضل أحد و الشّهداء به. و فيه سبعة فصول:

الفصل الأول في المصلّى في الأعياد، و فيه أطراف‏

[الطرف‏] الأول: في الأماكن التي صلّى فيها النبي ص العيد.

أول عيد صلاه النبي بالمصلى‏

قال الواقديّ: أول عيد صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمصلّى سنة اثنتين من مقدمه المدينة من مكة، و حملت له العنزة و هو يومئذ يصلي إليها في الفضاء، و كانت العنزة للزبير بن العوام، أعطاه إياها النّجاشي فوهبها للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فكان يخرج بها بين يديه يوم العيد، و هي اليوم بالمدينة عند المؤذنين، يعني يخرجون بها بين يدي الأئمة في زمانهم.

و روى ابن شبة عن جابر بن عبد الله قال: لما رجعنا من بني قينقاع ضحينا أول أضحى في ذي الحجة صبيحة عشر، فكان أول أضحى رآه المسلمون، و ذبح أهل اليسر من بني سلمة، فعددت في بني سلمة سبع عشرة أضحية.

مكان مصلى العيد

و روى ابن زبالة و ابن شبة عن أبي هريرة قال: أول فطر و أضحى صلى فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) للناس بالمدينة بفناء دار حكيم بن العداء عند أصحاب المحامل.

و روى الثاني عن ابن أبي فروة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى في ذلك المكان.

و روى الأول عنه ما يقتضيه؛ فإنه روى عن إبراهيم بن أبي أمية قال: أدركت مسجدّا في زمان عثمان عند حرف زاوية أبي يسار عند أصحاب المحامل، و ليس ثم مسجد غيره، و ذلك المسجد هو الذي صلّى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أضحى، و ضحّى هناك هو و أصحابه حتى احتملت ضحاياهم من عنده.

قال: و أخبرني من رأى الأنصار يحملون ضحاياهم من هناك، ثم روى عن ابن أبي‏

4

فروة قال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى في ذلك المسجد و هو خلف المجزرة التي بفناء دار العداء بن خالد، و بقال لها: دار أبي يسار.

قلت: فالروايات المذكورة متّفقة على الصلاة بالمحلّ المذكور، و دار حكيم بن العداء هي دار أبيه العداء بن خالد بن هوذة بن بكر بن هوازن؛ فلا مخالفة في ذلك، و لم أعلم محل داره، غير أن الظاهر من قوله «عند أصحاب المحامل» أنه موضع بأعلى السوق مما يلي المصلى، و في أول الروايات المذكورة بيان أن الصلاة فيه كانت في أول الأمر.

تعدد موضع صلاة العيد

و روى ابن زبالة أيضا ما يخالف بالنسبة إلى الأولية عن إبراهيم بن أبي أمية عن شيخ من أهل السنّ و الثقة قال: أول عيد صلّاه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى في حارة الدوس عند بيت ابن أبي الجنوب، ثم صلى العيد الثاني بفناء دار حكيم عند دار حفرة داخلا في البيت الذي بفنائه المسجد، ثم صلى العيد الثالث عند دار عبد الله بن درة المزني داخلا بين الدارين دار معاوية و دار كثير بن الصّلت، ثم صلى العيد الرابع عند أحجار كانت عند الحناطين بالمصلى، ثم صلى داخلا في منزل محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، ثم صلى حيث يصلي الناس اليوم.

و روى ابن شبة من طريق إبراهيم بن أبي أمية مولى بني عامر بن لؤي قال: سمعت ابن باكية يقول: صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) العيد عند دار الشّفاء، ثم صلى في حارة الدوس، ثم صلى في المصلى؛ فثبت يصلّى فيه حتى توفاه الله تعالى.

و روى أيضا عن ابن شهاب قال: صلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) العيد في موضع آل درة، و هم حي من مزينة، ثم صلى دون ذلك في مكان أطم بني زريق عند أذنه اليسرى.

قلت: قوله «ثم صلى في المصلى فثبت يصلي فيه حتى توفاه الله تعالى» هو بمعنى قوله في الرواية التي قبلها «ثم صلى حيث يصلي الناس اليوم» يعني بالمسجد المعروف بمسجد المصلى.

بين مصلى العيد و باب السلام ألف ذراع‏

و قد نقل ابن شبة عن شيخه أبي غسّان و هو الكناني من أصحاب مالك أنه قال: ذرع ما بين مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذي عنده دار مروان بن الحكم و بين المسجد الذي يصلي فيه العيد بالمصلى ألف ذراع.

قلت: و قد اختبرته فكان كذلك، و هذا المسجد هو المراد بقوله في حديث ابن عباس في الصحيح «إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتى في يوم عيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت الحديث» و كأنهم كانوا قبل اتخاذ المسجد بذلك المحل جعلوا الصلاة الشريف شيئا يعرف به، و هو المراد بالعلم بفتحتين.

و قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت قبلة المصلي في العيد، و هي تطل على‏

5

بطحان الوادي في وسط المدينة، انتهى. و ليس المراد أنها متصلة بوادي بطحان، بل بينهما بعد. و دار كثير هذه كانت قبله للوليد بن عقبة، ثم اشتهرت بكثير بن الصلت، و هو من التابعين، ولد في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوقع التعريف بداره ليقرب إلى ذهن السامع فهم ذلك، و ليس كثير بن الصلت هو الذي اختطها، خلافا لما وقع في كلام الحافظ ابن حجر حيث قال: و إنما بنى كثير بن الصلت داره بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمدة، لكنها لما كانت شهيرة في تلك البقعة وصف المصلّى بمجاورتها، انتهى. و مأخذنا فيما قدمناه قول ابن شبة في دور بني عبد شمس و نوفل: و اتخذ الوليد بن عقبة بن أبي معيط الدار التي في مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) التي صلى إليها العيد، و هي يصلي إليها اليوم لآل كثير بن الصلت الكندي، فجلد عثمان الوليد في الشراب، فحلف لا يساكنه إلا و بينهما بطن واد، فعارض كثير بن الصلت بداره هذه إلى دار كثير ببطحان التي يقال لها دار الوليد بن عقبة في شفير الوادي، أي من العدوة الغربية كما بينه في موضع آخر.

تحديد المواضع التي صلى فيها العيد

و أما الموضع المذكور لصلاة العيد أولا عند أصحاب المحامل- و هم الذين يبيعون المحامل و يصنعونها- فيظهر أنه المسجد المعروف اليوم بمسجد علي رضي الله تعالى عنه الآتي ذكره.

و أما الموضع المذكور في الرواية الأخرى عند دار بن أبي الجنوب فلم أعلم محله، غير أن دار ابن أبي الجنوب كانت بالحرّة الغربية التي غربي وادي بطحان كما يؤخذ مما سيأتي في الخندق و مسجد الشجرة و المغرس.

و أما الموضع المذكور في قوله «عند دار عبد الله بن درة المزني إلى آخره» فقد تقدم أن منازل مزينة كانت في غربي المصلى و في قبلتها. و تقدم أن دار كثير بن الصّلت كانت قبلة المصلى، و دار معاوية رضي الله تعالى عنه كانت في مقابلتها، و سيأتي في بيان طريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى قباء أنه كان يمر على المصلى ثم يسلك في موضع الزقاق بين الدارين المذكورتين؛ فيكون ذلك المحل في قبلة المصلى اليوم: إما من المغرب، و إما من المشرق، و الأول هو الأقرب.

و أما بقية المواضع المذكورة فلم أعرف جهاتها، غير أن الذي يظهر أنها حول المصلى، و بعضها بسوق المدينة، لذكر الحناطين فيها، و سيأتي في مشهد مالك بن سنان أنه بطرف الحناطين، و الظاهر أن من هذه المواضع المسجد المعروف اليوم بمسجد أبي بكر رضي الله تعالى عنه بالحديقة المعروفة بالعريضية، كما سيأتي عن المطري.

و أما ما رواه الشيخان و أبو داود و الترمذي و النسائي من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم أضحى إلى البقيع فصلى ركعتين ثم أقبل‏

6

علينا بوجهه و خطب و قال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر- الحديث؛ فظاهره أن المراد بقيع الغرقد، لكني أستبعده؛ لأن المتقدمين من مؤرخي المدينة لم يذكروا ذلك مع اشتهار هذا الحديث، و كذلك المطري و من تبعه. و أغرب الحافظ ابن حجر فقال في الكلام على ترجمة البخاري للرجم بالمصلّى: المراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد و الجنائز، و هو من ناحية بقيع الغرقد، اه.

و مأخذه في ذلك ظاهر هذا الحديث، مع ما ورد من رواية أخرى من الرجم عند موضع الجنائز، و قد تقدم أن موضع الجنائز في شرقي المسجد عند باب جبريل، و ليس هو من البقيع، و أما المصلي حيث أطلقت فإنما يراد بها الموضع المعروف الذي قدمناه في غربي المدينة، و بقيع الغرقد في شرقيها، و قد ذكره الحافظ ابن حجر في موضع آخر على الصواب كما سيأتي عنه في الطرف الثاني، و على تقدير أن يكون المراد من حديث البراء المتقدم بقيع الغرقد فهو من المواضع التي صلى فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بعض السنين، و ليس هو المراد إذا أطلق المصلى جزما.

و الذي يترجح عندي أن المراد بالبقيع في حديث البراء سوق المدينة؛ لما قدمناه فيه من أنه كان يسمى بقيع الجبل، و هو أحد الأماكن المتقدم ذكرها لصلاة العيد، و كذلك هو المراد من حديث ابن عمر «أني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم و آخذ مكانها الدنانير» كما قدمناه.

و قال الجمال المطري عقب نقله لما قدمناه عن ابن زبالة: و لا يعرف من المساجد التي ذكر لصلاة العيد إلا هذا المسجد الذي يصلي فيه اليوم، و مسجد شمالية وسط الحديقة المعروفة بالعريضي المتصلة بقبة عين الأزرق، و يعرف اليوم بمسجد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، و لعله صلى فيه في خلافته، و مسجد كبير شمالي الحديقة متصل بها يسمى مسجد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، و لم يرد أنه رضي الله عنه صلى بالمدينة عيدا في خلافته؛ فتكون هذه المساجد الموجودة اليوم من الأماكن التي صلى فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلاة العيد سنة بعد سنة و عيدا بعد عيد؛ إذ لا يختص أبو بكر و علي رضى الله عنهما بمسجدين لأنفسهما و يتركان المسجد الذي صلى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، انتهى.

قلت: ما ذكره من أنه لم يرد أن عليا رضي الله تعالى عنه صلى بالمدينة عيدا في خلافته، أي فلا تظهر نسبة المسجد المذكور إليه، و كأنه لم يقف على ما رواه ابن شبة عن سعد بن عبيد مولى ابن أزهر قال: صليت العيد مع علي رضي الله عنه و عثمان رضي الله عنه محصور؛ فصلى ثم خطب بعد الصلاة.

و روى أيضا عن الزهري قال: صلى سهل بن حنيف و عثمان محصور الجمعة، و صلى يوم العيد علي بن أبي طالب؛ فالظاهر أنه صلى حينئذ بذلك المكان لكونه أحد المصليات التي صلى فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لا أنه ابتكر الصلاة فيه، و الله أعلم.

7

مصلى العيد بالصحراء

و لم يكن المصلي في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجدّا، بل كانت صحراء لا بناء بها، و نهى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن البناء بها كما سيأتي، و لهذا وقع الرجم بها. و ذهب بعض العلماء إلى أن المصلى يثبت لها حكم المسجد، و إن لم يوقف، و هو مردود؛ فإن من شاهد مصلا (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما ذكر من امتدادها إلى سوق المدينة كما قدمناه فيه و ما بها من الدور و الشوارع علم عدم صحة ذلك، و حمل الرجم المذكور في الحديث على أنه وقع بالقرب منها خلاف مقتضى اللفظ و المسجد المتخذ بها اليوم إنما هو في بعضها، و هو المحل الذي قام به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كذلك المسجدان الآخران، و الظاهر أن بناء الثلاثة كان في زمن عمر بن عبد العزيز.

و قد قدمنا ذكر الأول منها، و هو المعروف اليوم بمسجد المصلى فيما نقله ابن شبة عن أبي غسان من الذّرع؛ لما بينه و بين المسجد النبوي.

و الثاني المنسوب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالحديقة المذكورة عن يساره مخزن لدواب الحديقة المذكورة، و مدخل الدواب من باب المسجد الذي في شاميه، فيمتهنه أهل الحديقة بمرور البهائم منه، و ربما حبسوها فيه، فدخلته مرة فوجدته كالمزبلة، و هو في غاية الامتهان قد امتلأ بروث الدواب و بولها، و لم أجد موضعا للصلاة فيه فتكلمات مع شيخ الخدام الأمير إينال الناظر على الحديقة المذكورة في أن يغير باب المخزن المذكور، و يجعله من خارج المسجد، فأمر فقيهه الفقيه الشهاب أحمد النوسي بالنظر في ذلك، فجعل على الموضع المسقف من المسجد المذكور الذي فيه المحراب جدارا في شاميه يمنع من وصول البهائم إليه، و كان في جدار المسجد الغربي مما يلي القبلة هيئة بابا مشبك، فجعله باب لذلك المحل، و بقيت رحبة المسجد التي في شاميه دهليزا للدواب، فكلمته في ذلك فذكر أنه قيل له: إن المسجد هو ذلك المسقف فقط، و جدران المسجد شاهدة بخلاف ذلك، فليتنبه له.

و المسجد الثالث المنسوب لعلي رضي الله تعالى عنه كان قد تهدّم و دثر حتى صار بعض الحجاج يدفن فيه من يموت في زمن الموسم، فإنه إلى جانب منزلة الحجاج، فجدد بناءه الأمير زين الدين ضغيم المنصوري أمير المدينة الشريفة سنة إحدى و ثمانين و ثمانمائة.

و أما المسجد الأول المعروف اليوم بمسجد المصلى فلم يزل مصونا، و كان بابه لا يزال مفتوحا فربما يقع له انتهاك، فأمر شيخ الخدام بغلقه، و عمارته الموجودة اليوم لا أدري لمن تنسب، إلا أني رأيت على بابه حجرا قد انمحى بعض الكتابة منه، و فيه «أمر بتجديد هذا المسجد المنسوب للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد خرابه و ذهاب عز الدين شيخ الحرم الشريف النبوي، و ذلك في أيام السلطان الملك الناصر حسن بن السلطان محمد بن قلاون الصالحي» و ما بعد ذلك قد

8

انمحى. و ابتداء ولاية السلطان حسن المذكور في سنة ثمان و أربعين، و استمر إلى أثناء سنة اثنتين و ستين و ستين و سبعمائة، و هذا المسجد بابه في حائطه الشامي قريبا من محاذاة محرابه، و من خارج بابه على يمين الداخل منه درج يصعد إلى موضع لطيف على ميمنة الباب المذكور، و قد أصلح ما تشعّث من هذا المسجد الأمير بردبك المعمار سنة إحدى و ستين و ثمانمائة في دولة الأشرف إينال، و أحدث لذلك الموضع المتقدم وصفه في ميمنة الباب المذكور درجة أخرى يتوصل بها إليه من داخل المسجد، و ذلك الموضع هو الذي يقوم عليه الخطيب في يوم العيد، و أحدث الأمير بردبك أيضا أمام ذلك الموضع من خارج المسجد مسقفا ليجلس عليه المبلغون أمام الخطيب، و في يوم العيد يجتمع أهل السنة من أهل المدينة و أعيانهم بالمصلى المذكور، بحيث لا يبقى خارجه من أهل السنة إلا اليسير مع شيخ الخدام و جماعته، لأن العادة جرت بأن يكون صفهم أمام الخطيب في الجمعة و العيد؛ لما ذكره البدر ابن فرحون من أن أول قاض ولي لأهل السنة القاضي الإمام العلامة السراج عمر بن أحمد الخضر سنة اثنتين و ثمانين و ستمائة في دولة المنصور قلاوون الصالحي، و كان القضاة قبل ذلك من الشيعة آل سنان، و كانت الخطابة بأيديهم، فانتزع السلطان المشار إليه ذلك منهم للسراج، فكانوا يؤذونه أذى شديدا.

قال ابن فرحون: أدركت من أذاهم له أنهم كانوا يرجمونه بالحصباء و هو يخطب على المنبر، فلما كثر ذلك منهم تقدم الخدام و جلسوا بين أيديهم أمام المنبر، فذلك هو السبب في إقامة صفّ الخدام قبالة الخطيب، و خلفهم غلمانهم و عبيدهم. اه.

و قد استمر ذلك إلى اليوم، فإذا صلى الإمام بأهل المسجد المذكور صلاة العيد انصرف، و خرج من بابه المذكور مخترقا للصفوف متخطّيا للرقاب إلى أن يصعد في أعلى تلك الدرج، فيستدبر القبلة و يستقبل جهة الشام على عادة الخطباء، ثم يخطب هناك، فيصير جميع من في المسجد خلف ظهره، ثم إن أهل المسجد يستدبرون القبلة و يستقبلون ظهره و غالب من يصلي خارج المسجد لا يشاهده أيضا لحيلولة المسقف المحدث أمام ذلك الموضع، و هذا كله مخالف للسنة، و لما ثبت من فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذا المحل من قيامه في مصلاه مستقبلا للناس و هم على صفوفهم كما سنوضحه، و من زعم أن هذا الوضع في محل قيام النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنه صلى بذلك المحل على هذه الصفة الموجودة اليوم فقد أخطأ خطأ عظيما و أساء الأدب، فكيف يظن به (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه ينصرف عن أصحابه حتى يستدبرهم أو الكثير منهم ثم يخطب لهم؟ و تترك الصحابة رضي الله تعالى عنهم طلعته البهية و يرضون باستدباره (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع قيامه لمخاطبتهم، و هم أعظم الناس أدبا و حرصا على رؤيته الشريفة، و كيف يتفق علماء الإسلام على أن السنة خلاف ذلك كما سيأتي؟ فالمتعين تغيير هذه الهيئة، و الله أعلم.

9

الطرف الثاني: فيما جاء من أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قام بالمصلى على غير منبر مستقبلا للناس.

كيف صلى الرسول العيد؟

قال البخاري في صحيحه، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، ثم روى فيه حديث أبي سعيد الخدري قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخرج يوم الفطر و الأضحى إلى المصلى، فأول شي‏ء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس و الناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم و يوصيهم و يأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشي‏ء أمر به، ثم ينصرف، فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان و هو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، و إذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذته بثوبه، فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم و الله، فقال:

أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم و الله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة، هذا لفظ رواية البخاري.

قال الحافظ ابن حجر: المراد بقوله إلى المصلى المصلى المعروف بالمدينة بينه و بين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة عن أبي غسان صاحب مالك، و في رواية ابن حبان من طريق داود: فينصرف إلى الناس قائما في مصلاه.

قلت: و هذا معنى قوله في رواية البخاري «ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس» يعني أنه يستدبر القبلة و يقف في مصلاه، و قد ترجم البخاري لاستقبال الإمام الناس في خطبة العيد، و أورد فيه طرفا من حديث أبي سعيد المذكور، و قد صرح الأئمة بأن ذلك هو السنة.

قال الزين ابن المنير: و إنما أعاد البخاري هذه الترجمة مع أنه قدم نظيرها في الجمعة لدفع احتمال توهم أن العيد يخالف الجمعة في ذلك، و أن استقبال الإمام في الجمعة يكون ضروريا لكونه يخطب على منبر، بخلاف العيد فإنه يخطب فيه على رجليه لحديث أبي سعيد المذكور، فأراد أن يبين أن الاستقبال سنّة على كل حال.

من أحدث منبر المصلى العيد

قال الحافظ ابن حجر: و هذا يقتضي أنه لم يكن في المصلّى في زمان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) منبر إلى أن اتخذ لمروان، و يدل عليه قول أبي سعيد «فلم يزل الناس إلى آخره». و وقع في المدونة لمالك، و رواه ابن شبة عنه قال: أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان، كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، و هذا معضل، و ما في الصحيحين أصح؛ فقد رواه مسلم بنحو رواية البخاري، و يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان، و لم يطلع على ذلك أبو سعيد، انتهى.

قلت: لكن روى أبو داود و غيره في حديث ذكر أنه غريب و أن سنده جيد عن عائشة

10

رضي الله تعالى عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى. و في رواية للترمذي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرج إلى الاستسقاء حتى أتى المصلى فرقى على المنبر؛ فهذا يقتضي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خطب في الاستسقاء بالمصلى على منبر، و كأن ذلك هو المستند لمن أحدث المنبر في خطبة العيد قياسا على الاستسقاء، و يحتمل أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خصّ الاستسقاء بذلك لتيسر رؤيته لعامة الناس فيها، فيقتدون به في تحويل الرداء عند تحويله، و في كيفية رفع اليدين في الدعاء، و نحو ذلك مما يختص بخطبة الاستسقاء.

قال الحافظ ابن حجر: و قول أبي سعيد «غيرتم و الله» صريح في أنه هو المنكر و وقع في رواية مسلم «فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، قال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه» فيحتمل أن يكون المنكر أبو مسعود الذي وقع في رواية عبد الرزاق أنه كان معهما، و يحتمل أن يكون القصة تعددت، و يدل على ذلك المغايرة بين روايتي عياض و رجاء، ففي رواية عياض أن المنبر بني له بالمصلى، و في رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، و لأن إنكار أبي سعيد كان بينه و بينه، و إنكار الآخر وقع على رءوس الناس.

و قوله: «إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة» يشعر بأن ذلك باجتهاد من مروان.

أول من خطب قبل صلاة العيد

و قد اختلف في أول من خطب قبل الصلاة، فرواية الصحيحين عن أبي سعيد مصرحة بأنه مروان.

و روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم، يعني على العادة، فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك، أي صار يخطب قبل الصلاة. و هذه العلة غير التي اعتلّ بها مروان؛ لأن عثمان رضي الله تعالى عنه راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم للصلاة، و أما مروان فراعى مصلحتهم في استماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سبّ من لا يستحق السب، و الإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه. و يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا، بخلاف مروان فواظب عليه فلذلك نسب إليه.

و قد أوردنا بقية كلام الحافظ ابن حجر و غيره من الفوائد المتعلقة بذلك في كتابنا الموسوم «بالوفا، بما يجب لحضرة المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم)» و بينا فيه أن الدرج الموجودة التي يقوم عليها الخطيب اليوم ليست في الموضع الذي بني لمروان؛ لأن مروان و إن قدّم الخطبة على الصلاة

11

فلما له في ذلك من المقصد. و أما جعله المنبر على خلاف السنة و جعله القوم أو بعضهم خلف ظهره فلا ثمرة له، و أيضا فيبعد إقرار من جاء بعده على ذلك، و أيضا لو كان ذلك من فعله لأنكر عليه كما أنكر عليه ما تقدم، و لو سلم أن تلك الدرج في موضع منبر مروان فالسنة تغيير ذلك و اتباع ما صح من فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، كما خولف في أمر الخطبة و اتبع بها فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حيث جعلت بعد الصلاة، و التشبث باستمرار أفعال الناس إنما يكون في شي‏ء لم يعلم حكمه من جهة الشرع، أما ما علم حكمه فالواجب اتباع الشرع فيه، و اعتقاد حدوث ما عليه الناس، و تقديره بأقرب زمان، و قد ذم الله تعالى قوما تمسكوا في جحد الحق بفعل سلفهم حيث قال حكاية عنهم: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى‏ آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ‏ [الزخرف: 23] فمن الواجب تطهير هذا المحل الشريف المنسوب للمصطفى (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن هذه البدعة الشنعاء، و لذلك بينا بعض الدرج عن يمين القائم في محراب المسجد المذكور كما ذكر العلماء أنه السنة، و تكون مرتفعة بحيث يرى القائم عليها من خارج المسجد، و الذي يظهر أن تلك الدرج إنما جعلت للمبلغ، و أن الخطيب إنما كان يقوم فيه على الأرض؛ لأنه الثابت من فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكأن بعض الخطباء قام عليها بعد ذلك فاستمر الأمر على ذلك، و الله أعلم.

الطرف الثالث:

فيما جاء في فضل المصلى الشريف، و الدعاء به، و نهيه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن تضييقه و البناء به.

أورد ابن شبة في ترجمة المصلى عن جناح النجار قال: خرجت مع عائشة بنت سعد بن أبي وقاص إلى مكة، فقالت لي: أين منزلك؟ فقلت لها: بالبلاط، فقالت لي: تمسك به فإني سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول «ما بين مسجدي هذا المسجد و مصلاي روضة من رياض الجنة».

و قوله في هذه الرواية: «ما بين مسجدي هذا المسجد- إلى آخره» يدفع تأويل من أوّل حديث الأوسط للطبراني بلفظ «ما بين حجرتي و مصلّاي» و الحديث الذي رواه ابن زبالة من طريق عائشة بنت سعد عن أبيها بلفظ «ما بين منبري و المصلى» بأن المراد مصلاه الذي يصلي فيه في المسجد؛ لأنه لا يصح أن يقال: ما بين هذا المسجد و المصلى الذي فيه، و لهذا استدلّت به عائشة بنت سعد على الحث على التمسك بالدور التي بالبلاط، يعني الآخذة من باب السلام إلى المصلى؛ لأنها فيما بين المسجد و مصلى العيد، و إذا كان ما بين المسجدين المذكورين روضة فهما روضة من باب أولى؛ لأن ذلك الفضل إنما حصل لما بينهما بحصوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك و تردده (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيما بينهما، فكيف بمحلّ سجوده و موقفه الشريف؟

و روى ابن شبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا قدم من سفر فمر بالمصلّى استقبل القبلة و وقف يدعو.

12

و عن أبي عطاء عن أبيه قال: قال لي سعيد بن المسيب: يا أبا محمد، أ تعرف موضع دار كثير بن الصلت؟ قلت: نعم، قال: فإن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرج حتى انتهى إلى ذلك الموضع فقام و صفّ أصحابه خلفه فصلى على النجاشي حين مات في أرض الحبشة.

و عن أنس بن مالك أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرج إلى المصلى يستسقي، فبدأ بالخطبة، ثم صلى و كبر واحدة افتتح بها الصلاة و قال: هذا مجمعنا و مستمطرنا و مدعانا لعيدنا و لفطرنا و أضحانا؛ فلا يا بنى فيه لبنة على لبنة و لا جهة، و رواه ابن زبالة إلا أنه قال: ثم قال: هذا مجتمعنا و مستمطرنا و مدعانا لعيدنا لفطرنا و أضحانا، الحديث.

و روى يحيى عن داود بن أبي الفرات قال: خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى المصلى فقال: هذا مستمطرنا و مصلّانا لأضحانا و فطرنا، لا يضيق، و لا ينتقص منه شي‏ء.

و سيأتي في ترجمة أحجار الزيت أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) استسقى عندها قريبا من الزوراء.

[الطرف الرابع:] بيان طريقي ذهاب النبي للمصلى و رجوعه‏

الطرف الرابع: فيما جاء من أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم): كان يذهب إلى هذا المصلى الشريف من طريق و يرجع في أخرى، و بيان كل من الطريقين.

روينا في صحيح البخاري في باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا كان يوم عيد خالف الطريق.

و روى ابن شبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخذ يوم العيد في طريق و رجع في طريق آخر، و في رواية «كان يأخذ يوم العيد في طريق و يرجع في طريق آخر».

و عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا خرج إلى العيد في طريق لم يرجع فيه.

و عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان إذا خرج إلى العيد رجع في غير الطريق الذي أخذ فيه».

و عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: ركن باب داري هذا أحبّ إليّ من زنتها ذهبا، سلك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على داري إلى العيد، فجعلها يسارا، فمر على عضادة داري مرتين في غداة واحدة.

قلت: و لا مخالفة بين هذا و بين الرواية الأولى لأن دار أبي هريرة كانت بالبلاط عند زقاق عبد الرحمن بن الحارث كما قدمناه في الدور المحيطة بالبلاط الأعظم، و بعدها إلى جهة المصلى قريبا منها دار سعد بن أبي وقاص.

و قد روى ابن شبة عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يأتي العيد

13

ماشيا على باب سعد بن أبي وقاص، و يرجع إلى أبي هريرة» و حينئذ فيمر على دار أبي هريرة في ذهابه ثم في رجوعه؛ لأن الشافعي روى في الأم و منها نقلت عن المطلب بن حنطب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يغدو يوم العيد إلى المصلى من الطريق الأعظم، فإذا رجع رجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر».

و رواه ابن زبالة عن محمد بن عمار بلفظ «كان يخرج إلى المصلى من الطريق العظمى على أصحاب الفساطيط، و يرجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر» و قد قدمنا أن دار عمار بن ياسر في زقاق عبد الرحمن بن الحارث الذي يسلك إلى البلاط عند دار أبي هريرة بابها يقابل دار عبد الرحمن بن الحارث، و لها خوخة في كتّاب عروة، فصحّ مروره (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليها مرتين في غداة واحدة مع ذهابه من طريق و رجوعه في أخرى.

و سيأتي في ذكر طريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى قباء ذهابا و إيابا ما يصرح بأنه إذا رجع يمر على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط، يعني من الزقاق المذكور؛ لما قدمناه في وصف البلاط.

و الطريق العظمى:- كما قال المطري- هي طريق الناس اليوم من باب المدينة: أي الدرب المعروف بدرب سويقة إلى مسجد المصلى، و لم يتعرض لبيان الطريق الأخرى، و قد منّ الله سبحانه و تعالى ببيانه فله الحمد على ذلك. و هذه الطريق هي المرادة بما رواه ابن زبالة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المصلى على ناحية الطريق التي كان ينصرف منها» و تلك الطريق أو المكان الذي كان يذبح فيه مقابل المغرب مما يلي طريق بني زريق، أي أنه إذا انصرف من المصلّى أتى موضعا في غربي طريق بني زريق فذبح، ثم سلك في تلك الطريق، و هي سالكة في بني زريق آخذة من قبلة المصلى إلى أن يمر بدار أبي هريرة كما تقدم، و لهذا روى الواقدي عن عائشة و ابن عمر و غيرهما أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يذبح عند طرف الزقاق عند دار معاوية» أي المتقدم ذكرها. و سور المدينة اليوم مانع من سلوك هذه الطريق في الرجوع. و يستفاد من هذا أن المخالفة بين الطريقين لم تكن في جميعهما، إلا أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا وصل إلى محل البلاط الذي عند دار أبي هريرة لم يسلك في بقية الطريق العظمى، و هي الشارعة اليوم إلى باب السلام، بل يأخذ في ميسرة البلاط إلى الشام؛ لأن الظاهر أن غالب تلك الأماكن كانت براحا ثم يعرج إلى جهة داره بعد ذلك. على أن ما ذكرناه في وصف هذه الطريق مقتض لأن طريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذهابه أقصر من طريق رجوعه كما لا يخفى؛ فيعكر على القول بأن المستحب أن يذهب في أطول الطريقين و يرجع في أقصرهما.

و قد روى الشافعي (رحمه اللّه تعالى) في الأم عقب ما قدمناه عنه وصف طريق أخرى‏

14

الرجوع فيها أبعد من الذهاب أيضا بكثير جدّا؛ فإنه روى عقب ذلك عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه عن جده أنه رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) رجع من المصلّى يوم عيد فسلك على التمارين من أسفل السوق، حتى إذا كان عند مسجد الأعرج الذي هو عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم فدعا ثم انصرف.

قال الشافعي عقبه: و أحبّ أن يصنع الإمام مثل هذا، و أن يقف في موضع فيدعو الله مستقبل القبلة، و إن لم يفعل فلا كفارة و لا إعادة عليه، هذا لفظ الأم و منها نقلت.

و يؤيد هذا ما رواه يحيى عن محمد بن طلحة بن طويل قال: رأيت عثمان بن عبد الرحمن و محمد ابن المنكدر ينصرفان من العيد فيقومان عند البركة التي بأسفل السوق، قال:

و سألت عثمان بن عبد الرحمن عن ذلك فقال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقف عند ذلك المكان إذا انصرف من العيد.

و قد قدمنا عن ابن زبالة في سوف المدينة أن محمد بن المنكدر و عثمان بن عبد الرحمن و جماعة كانوا يقومون بفناء بركة السوق مستقبلين، و أن عثمان بن عبد الرحمن قال: قد اختلف علينا في ذلك؛ فقائل يقول: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يدعو هنالك، و قائل يقول: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقوم هنالك فينظر إلى الناس إذا انصرفوا من العيد.

قلت: و قد بينت رواية الشافعي المذكور أنه كان يدعو هنالك إذا انصرف من العيد، و لا مانع من كونه مع ذلك ينظر إلى الناس المنصرفين من العيد أيضا فلا اختلاف. و قد بينا هناك ما يقتضي أنه كان يسلك على سوق التمارين، و هو في شامي المصلى مما يلي المغرب، و بينا أيضا أن منازل أسلم كانت في غربي سوق المدينة إلى الشام بعد التمارين، و ذلك عند حصن أمير المدينة و ما سفل منه إلى جهة الشام مما يلي غربي سوق الشاميين عند منزل الحاج الشامي بالموسم، و بينا بركة بركة السوق هي المنهل المدرج الذي على يسار المتوجه إلى ثنيّة الوداع عند مشهد النفس الزكية، و القائم عندها إذا استقبل فجّ أسلم كان مستقبلا للقبلة، و لعل مسجد الأعرج الذي أشار الشافعي في روايته إلى أنه عندها هو الموضع الذي هو قبلة مشهد النفس الزكية، فإنه مسجد، و هو عند موضع البركة، و ما علمت المرأة بالأعرج الذي نسب إليه المسجد المذكور.

و قد أنشأ قاضي الحرمين السيد الشريف العلامة محيي الدين عبد القادر الحنبلي الفاسي المكي مسجدّا بمنزلة الحاج الشامي بالقرب من المنهل المذكور في جهة قبلته.

إذا علمت ذلك فهذه الطريق تزيد على الطريق العظمى إلى المصلى بنحو ضعفها، و يمكن سلوكها اليوم في الرجوع من المصلى، بخلاف الطريق السابقة؛ لحيلولة السور.

15

و أهل المدينة اليوم يذهبون من الطريق العظمى، و يرجعون في بعض تلك الطريق السابقة؛ لأنهم يأخذون من جهة قبلة المصلّى إلى المشرق خارج سور المدينة، فيدخلون من درب البقيع، و طريقهم هذه في الرجوع أطول من الذهاب أيضا، و لو سلكوا الطريق المذكورة في رواية الشافعي الثانية لكان أولى، و ليحصل الدعاء بذلك المحل الشريف اقتداء بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و من تقدم ذكره من السلف الصالح.

و قد فعلت ذلك في عامنا هذا، فسلكت في الذهاب إلى المصلّى من الطريق العظمى، و رجعت من أسفل السوق إلى أن قمت بفناء بركته المذكورة، ثم انصرفت فدخلت المدينة من الباب الذي يلي حصن أمير المدينة، و الخير كله في الاتباع و مجانبة الابتداع، و أي بركة أعظم من ذهاب الإنسان إلى المصلى في ذلك اليوم السعيد في طريق ذهب منها النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ ثم صلاته بمصلّاه الشريف، ثم رجوعه في طريقه التي رجع منها.

و قد قال المجد: و إذا ثبت بما رويناه- يعني من الأحاديث المتقدمة- أن المصلّى الموجود هو مصلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الأعياد، فالصلاة فيه تزداد فضلا و مزية على كل مصلى أيّ ازدياد، و يخص الفائزون بالصلاة فيه من الله تعالى بأسبغ نعم و أياد، و يمنح الحائزون فضل الحضور إليها فواضل قصرت عنها معالي معد و أيادي إياد.

قلت: و أخبرني جماعة من المشايخ منهم شيخنا الكمال أبو الفضل محمد ابن العلامة نجم الدين المرجاني و أخته المسندة أم كمال كماليه و المسندة أم حبيبة زينب ابنة الشهابي أحمد الشونكي و غيرهم إذنا عن المجد المشار إليه قال عقب ما تقدم عنه: أنشدني أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحموي كتابة عن أبي البركات أيمن بن محمد بن محمد بن محمد الغرناطي لنفسه:

إنّ عيدا بطيبة و صلاة* * * بمصلّى الرسول في يوم عيد

نعم ضاق واسع الشكر عنها* * * فهي بشرى لكل عبد سعيد

كم تمنيتها فنلت التمني‏* * * آخر العمر من مكان بعيد

و إذا كان في البقيع ضريحي‏* * * و توسّدت طيب ذاك الصعيد

فاشهدوا لي بكلّ خير و بشر* * * عند ربي و مبدئي و معيدي‏

و المسئول من فضل الله تعالى أن يكمل لأهل هذا المصلى الشريف عظيم منته بجعل منبره المنيف على طريقته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سنته، بمنه و كرمه، آمين.

16

الفصل الثاني في مسجد قباء، و فضله، و خبر مسجد الضّرار

[مسجد قباء، و فضله‏]

تأسيس مسجد قباء

تقدم تأسيس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لمسجد قباء في الفصل العاشر من الباب الثالث، عند مقدمه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قباء، و بسطنا ذلك هناك، فراجعه و ذكرنا هناك ما جاء من أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمل فيه بنفسه، و أنه أسّسه و جبريل يؤمّ به البيت، و أنه كان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة، و أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أسسه ثانيا بعد تحويل القبلة، و قدمنا أيضا قول عروة في الصحيح في حديث الهجرة الطويل «فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، و أسس المسجد الذي أسس على التقوى».

و في رواية عبد الرزاق عنه قال «الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف» و كذا في حديث ابن عباس عند ابن عابد و لفظه «و مكث في بني عمرو بن عوف ثلاث ليال، و اتخذ مكانه مسجدّا فكان يصلي فيه، ثم بناه بنو عمرو بن عوف، فهو الذي أسس على التقوى» و قدمنا أيضا أنه أول مسجد بناه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و صلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا.

قال الحافظ ابن حجر: اختلف في المراد بقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏ [التوبة: 108] فالجمهور على أن المراد مسجد قباء، و هو ظاهر الآية، و تقدم في فضل المسجد النبوي حديث مسلم المشتمل على أن أبا سعيد سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال «هو مسجدكم هذا» و في رواية لأحمد و الترمذي عنه: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد المدينة، فسألاه عن ذلك، فقال: هو هذا، و في ذلك- يعني مسجد قباء- خير كثير، و قدمنا أيضا الجمع بأن كلا من المسجدين قد أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه، و أنهما المراد من الآية، و أن السر في اقتصاره (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ذكر مسجد المدينة دفع توهم اختصاص ذلك بمسجد قباء، كما هو ظاهر ما فهمه السائل و تنويها بمزية مسجده الشريف.

قال الحافظ ابن حجر: و الحق أن كلا منهما أسس على التقوى، و قوله تعالى في بقية الآية فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: 108] يؤيد كون المراد مسجد قباء.

و عند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: نزلت‏ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا في أهل قباء، قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية.

قال الحافظ ابن حجر: فالسر في جوابه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بما تقدم دفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء.

17

قال الداودي و غيره: ليس هذا اختلافا؛ لأن كلا منهما أسس على التقوى و كذا قال السهيلي و زاد أن قوله تعالى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏ يقتضي مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم حلّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدار الهجرة.

روى أحمد و ابن شبة، و اللفظ لأحمد، عن أبي هريرة قال: انطلقت إلى مسجد التقوى أنا و عبد الله بن عمر و سمرة بن جندب، فأتينا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالوا لنا: انطلق نحو مسجد التقوى، فانطلقنا نحوه، فاستقبلنا يداه على كاهلي أبي بكر و عمر، فثرنا في وجهه فقال: من هؤلاء يا أبا بكر؟ فقال: عبد الله بن عمر، و أبو هريرة، و سمرة.

و روى ابن شبة من طرق ما حاصله أن الآية لما نزلت أتى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أهل قباء، و في رواية أهل ذلك المسجد، و في رواية بني عمرو بن عوف فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما بلغ من طهوركم؟ قالوا: نستنجي بالماء».

و ذكر أبو محمد المرجاني الجمع بأن كلا من المسجدين أسّس على التقوى، ثم قال: فقد روي عن عبد الله بن بريدة في قول الله عز و جل‏ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ‏ قال: إنما هي أربعة مساجد، لم يبنهنّ إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام)، و بيت أريحاء بيت المقدس، بناه داود و سليمان، و مسجد المدينة مسجد قباء اللذين أسّسا على التقوى، بناهما رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قلت: و قال يحيى بن الحسين في أخبار المدينة: حدثنا بكر بن عبد الوهاب أنبأنا عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال «المسجد الذي أسّس على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء، قال الله جل ثناءه‏ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏ [التوبة: 108] و بكر بن عبد الوهاب هو ابن أخت الواقدي صدوق، و عيسى بن عبد الله يظهر لي أنه عيسى بن عبد الله بن مالك و هو مقبول؛ فيكون جده حينئذ عبد الله بن مالك، و هو شيخ مقبول يروى عن علي و ابن عمر؛ فالحديث حسن؛ فتعين الجمع بما تقدم، و الله أعلم.

ما جاء في أن الصلاة فيه تعدل عمرة

روى الترمذي عن أسيد بن حضير الأنصاري عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة» قال الترمذي: و في الباب عن سهل بن حنيف، و حديث أسيد حديث حسن غريب، و لا يعرف لأسيد شي‏ء يصح غير هذا الحديث.

قلت: و أخرجه البيهقي و ابن ماجه من طريق أبي بكر بن شيبة بإسناد الترمذي، و هو جيد، بلفظ «الصلاة في مسجد قباء كعمرة».

و أخرج ابن حبّان في صحيحه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه شهد جنازة

18

بالأوساط في دار سعد بن عبادة، فأقبل ماشيا إلى بني عمرة بن عوف بفناء بني الحارث بن الخزرج، فقيل له: أين تؤم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أهل هذا المسجد في بني عمرو بن عوف؛ فإني سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول «من صلى فيه كان كعدل عمرة».

و رواه ابن زبالة موقوفا، و لفظه أن عبد الله بن عمر شهد جنازة في الأوساط من بني الحارث بن الخزرج، ثم خرج يمشي، فقالوا له: أين تريد يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أريد مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقباء؛ أنه من صلى فيه ركعتين كان كعدل عمرة.

و أخرج ابن ماجه و عمر بن شبة بسند جيد عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة».

و رواه أحمد و الحاكم و قال: صحيح الإسناد.

و رواه يحيى من طريقين فيهما من لم أعرفه بلفظ «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له عدل عمرة».

و رواه الطبراني في الكبير عن سهل من طريق موسى بن عبيدة- و هو ضعيف- بلفظ «من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجد قباء فيركع فيه أربع ركعات كان ذلك عدل رقبة».

و رواه ابن شبة عن سهل من طريق موسى بن عبيدة المذكور بلفظ «من توضأ فأحسن وضوءه ثم جاء مسجد قباء فركع فيه أربع ركعات كان له عدل عمرة».

و رواه أيضا بسند فيه يوسف بن طهمان- و هو ضعيف- عن سهل بن حنيف عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال «ما من مؤمن يخرج على طهر إلى مسجد قباء لا يريد غيره حتى يصلي فيه إلا كان بمنزلة عمرة».

و روى الطبراني في الكبير بسند فيه يزيد بن عبد الملك النوفلي- و هو ضعيف- عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال «من توضّأ فأسبغ الوضوء ثم عمد إلى مسجد قباء لا يريد غيره، و لا يحمله على الغدوّ إلا الصلاة في مسجد قباء، فصلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بأم القرآن كان له كأجر المعتمر إلى بيت الله».

و قال عمر بن شبة: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا أيوب بن صيام عن سعيد بن الرقيش الأسدي قال: جاءنا أنس بن مالك إلى مسجد قباء فصلى ركعتين إلى بعض هذه السواري ثم سلم و جلس و جلسنا حوله، فقال: سبحان الله ما أعظم حقّ هذا المسجد، لو كان على مسيرة شهر كان أهلا أن يؤتى، من خرج من بيته يريده معتمدا إليه لصلّى فيه أربع ركعات أقلبه الله بأجر عمرة».

19

قال ابن شبة: قال أبو غسان: و مما يقوّي هذه الأخبار و يدل على تظاهرها في العامة و الخاصة قول عبد الرحمن بن الحكم في شعر له:

فإن أهلك فقد أقررت عينا* * * من المتعمرات إلى قباء

من اللاتي سوالفهنّ غيد* * * عليهنّ الملاحة بالبهاء

تفضيل الصلاة في مسجد قباء على بيت المقدس‏

ما جاء في تفضيل الصلاة فيه على بيت المقدس، و مغفرة ذنوب من صلى فيه مع المساجد الثلاثة.

روى ابن شبة بسند صحيح من طريق عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي يقول: «لأن أصلّي في مسجد قباء ركعتين أحبّ إليّ من أن آتى بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل».

و رواه الحاكم عن عامر بن سعد و عائشة بنت سعد سمعا أباهما يقول: لأن أصلي في مسجد قباء أحبّ إليّ من أن أصلي في مسجد بيت المقدس، قال الحاكم: و إسناده صحيح على شرطهما. و هذا شاهد لما روي عن محمد بن مسلمة المالكي أنه قال: إن إتيان مسجد قباء يلزم بالنذر، و جمهور العلماء أن ذلك و إن كان قربة لا يلزم بالنذر.

و عن عاصم قال: أخبرنا أن من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه، فقال له أبو أيوب: يا ابن أخي أدلّك على ما هو أيسر من ذلك، إني سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول «من توضأ كما أمر، و صلى كما أمر، غفر له ما تقدم من ذنبه» أخرجه أبو حاتم و قال: المساجد الأربعة: المسجد الحرام، و مسجد المدينة، و مسجد الأقصى، و مسجد قباء.

إتيان الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجد قباء

ما جاء في إتيان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) له راكبا و ماشيا، و صلاته فيه، و تعيين الأيام التي كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتي قباء فيها هو و غيره من الصحابة.

روينا في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يزور قباء، أو يأتي قباء، راكبا و ماشيا.

زاد في رواية لهما: فيصلي فيه ركعتين.

و روى ابن شبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان انطلق مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى مسجد قباء، فصلى فيه، فجعلت الأنصار يأتون و هو يصلي، فيسلّمون عليه، فخرج عليّ صهيب فقلت: يا صهيب كيف كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يردّ على من سلم؟ قال: يشير بيده.

و في رواية للبخاري و النسائي أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا و ماشيا» و كان عبد الله يفعله.

20

و في رواية لابن حبّان في صحيحه «كل يوم سبت». و فيها رد على من قال: إن المراد بالسبت الأسبوع.

و روى ابن شبة عن سعيد بن عمرو بن سليم مرسلا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يطرح له على حمار أنبجانيّ لكل سبت، ثم يركب إلى قباء».

و رواه ابن زبالة بنحوه، و زاد «و يمشي حوله أصحابه».

و روى ابن شبة عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر مرسلا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يأتي قباء يوم الإثنين».

و عن محمد بن المنكدر مرسلا قال «كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان».

و رواه يحيى عن ابن المنكدر عن جابر متصلا. و في كتاب رزين عن ابن المنكدر قال:

أدركت الناس يأتون مسجد قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان.

و روى يحيى عن ابن المنكدر نحوه أيضا.

و عن أبي غزية قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يأتي قباء يوم الإثنين و يوم الخميس، فجاء يوما من تلك الأيام فلم يجد فيه أحدا من أهله، فقال: و الذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبا بكر في أصحابه ننقل حجارته على بطوننا، يؤسّسه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بيده، و جبريل يؤم به البيت، و محلوف عمر بالله لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل، ثم قال: اكسروا لي سعفه و اجتنبوا العواهن، أي ما يلي القلب من السّعف، فقطعوا السعفة، فأتى بها، فأخذ رزمة فربطها فمسحه، قالوا: نحن نكفيك يا أمير المؤمنين، قال: لا تكفونيه.

و في رواية لرزين عقب قوله: «و جبريل يؤم به البيت» ثم أخذ أي عمر رضي الله تعالى عنه جرائد فجعل يمسح جدرانه و سطحه، فقيل له: نكفيك يا أمير المؤمنين، فقال: لا تكفونيه، أنا أريد أن أكفيكم أنتم مثل هذا، و إن شئتم اعملوا مثل ما أعمل.

و قد استشكل الزين المراغي قوله «و جبريل يؤم به البيت» بأن ذلك كان قبل تحويل القبلة، و قد أشرنا فيما تقدم لجوابه.

و أسند ابن زبالة عن شيخ من بني عمرو بن عوف قال: أتانا عمر بن الخطاب بقباء فقال لخياط بسدّة الباب: انطلق فأتني بجريدة و إياك و العواهن، فأتاه بجريدة، فقشرها و ترك لها رأسا فضرب به قبلة المسجد حتى نفض الغبار.

و رواه ابن شبة، إلا أنه قال: عن شيوخ من بني عمرو بن عوف أن عمر رضي الله‏

21

تعالى عنه جاءهم بقباء نصف النهار، فدخل مسجد قباء، فأمر رجلا يأتيه بجريدة رطبة، الخبر بنحوه.

و روى ابن زبالة عن زيد بن أسلم قال: الحمد لله الذي قرّب منا مسجد قباء، و لو كان بأفق من الآفاق لضربنا إليه أكباد الإبل.

و في صحيح البخاري: كان سالم مولى أبي حذيفة رضي الله تعالى عنهما يؤم المهاجرين الأولين من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مسجد قباء، فيهم أبو بكر و عمر.

و رواه ابن شبة عن ابن عمر، و لفظه: و كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين و أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأنصار في مسجد قباء، فيهم أبو بكر و عمر و أبو سلمة و زيد و عامر بن ربيعة (رضوان الله عليهم).

و روى أيضا عن أبي هاشم قال: جاء تميم بن زيد الأنصاري إلى مسجد قباء و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر معاذا أن يصلي بهم، فجاء صلاة الفجر و قد أسفر فقال: ما يمنعكم أن تصلوا؟ ما لكم قد حبستم ملائكة الليل و ملائكة النهار؟ قالوا: يمنعنا أنا ننتظر صاحبنا، قال: فما يمنعكم إذا احتبس أن يصلي أحدكم؟ قالوا: فأنت أحقّ من يصلي بنا، قال:

أ ترضون بذا؟ قالوا: نعم، فصلى بهم، فجاء معاذ فقال: ما حملك يا تميم على أن دخلت عليّ في سربال سربلنيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: يا رسول الله إن هذا تميم دخل في سربال سربلتنيه، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما تقول يا تميم؟ فقال مثل الذي قال لأهل المسجد، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): هكذا فاصنعوا مثل الذي صنع تميم بهم، إذا احتبس الإمام.

و روى ابن زبالة عن عويم بن ساعدة أن سعد بن عويم بن قيس بن النعمان كان يصلي في مسجد قباء في عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في زمان عمر بن الخطاب فأمر عمر مجمع بن حارثة أن يصلي بهم بعد أن ردّه، و قال له: كنت إمام مسجد الضّرار، فقال يا أمير المؤمنين كنت غلاما حدثا، و كنت أرى أن أمرهم على أحسن ذلك، و قدّموني لما معي من القرآن، فأمره فصلّى بهم.

المكان الذي كان الرسول يصلي فيه بمسجد قباء

ما جاء في تعيين مصلّاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منه، و صفته و ذرعه.

روى ابن زبالة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى إلى الأسطوان الثالثة في مسجد قباء التي في الرحبة.

و نقل ابن شبة عن الواقدي أنه قال: عن مجمع بن يعقوب عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش قال: كان المسجد في موضع الأسطوان المخلّقة الخارجة في رحبة المسجد.

و عن ابن رقيش قال: بنى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجد قباء، و قدّم القبلة إلى موضعها اليوم،

22

و قال: جبريل يؤم بي البيت. قال ابن رقيش: فحدثني نافع أن ابن عمر كان بعد إذا جاء مسجد قباء صلى إلى الأسطوان المخلّقة يقصد بذلك مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأول.

قال ابن شبة: قال أبو غسان: و أخبرني من أثق به من الأنصار من أهل قباء أن موضع قبلة مسجد قباء قبل صرف القبلة أن القائم كان يقوم في القبلة الشامية فيكون موضع الأسطوان الشارعة في رحبة مسجد قباء التي في صف الأسطوان المخلقة المقدمة التي يقال لها إن مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى حرفها.

قال: و أخبرني أيضا أن مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مسجد قباء بعد صرف القبلة كان إلى حرف الأسطوان المخلّق كثير منها المقدمة إلى حرفها الشرقي، و هي دون محراب مسجد قباء عن يمين المصلى فيه.

و روى ابن زبالة عن عبد الملك بن بكر بن أبي ليلى عن أبيه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى في مسجد قباء إلى الأسطوان الثالثة في الرحبة إذا دخلت من الباب الذي بفناء دار سعد بن خيثمة.

قلت: و الباب المذكور هو المسدود اليوم يظهر رسمه من خارج المسجد في جهة المغرب، و كان شارعا في الرواق الذي يلي الرحبة من المسقف القبلي؛ فالأسطوان الثالثة في الرحبة هي الأسطوان التي عندها اليوم محراب في رحبة المسجد؛ لانطباق الوصف المذكور عليها؛ فهي المراد بقول الواقدي «كان المسجد في موضع الأسطوان المخلقة الخارجة في رحبة المسجد و هي التي كان ابن عمر يصلي إليها. و مقتضى ما تقدم عن أبي غسان أن هذه الأسطوانة عندها مصلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الأول قبل تحويل القبلة، و أن مصلاه بعد التحويل كان إلى الأسطوانة التي في صفّ هذه الأسطوانة مما يلي القبلة، و هي الثالثة من أسطوان الرحبة المذكورة؛ فإنها الموصوفة بما ذكره من كونها دون المحراب على يمين المصلى فيه، و المصلى إلى حرفها الشرقي يكون محاذيا لمحراب المسجد؛ فالرواق القبلي مزيد في المسجد، و جعلوا المحراب به في محاذاة المصلى الشريف من الأسطوان المذكورة. لكن قوله في الرواية الأخرى «و قدم القبلة إلى موضعها اليوم» يقتضي أنه لم يزد أحد في جهة القبلة بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فينبغي أن ينبرك بالصلاة عند محراب القبلة، و عند المحلين من الأسطوانتين المذكورتين.

و قد اقتصر يحيى في بيان مصلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الأسطوان التي في الرحبة؛ فذكر رواية ابن زبالة، ثم روى عن معاذ بن رفاعة قال: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصلي إلى الأسطوان الخارجة، و هي في صفّ المخلقة، و إنما كان موضعها يومئذ كهيئة العريش. ثم ذكر أن موسى بن سلمة حدثه أنه رأى أبا الحسن علي بن موسى الرضي يصلي إلى هذه الأسطوانة

23

الخارجة. ثم قال يحيى: و رأيت غير واحد من أهل بيتي منهم عبد الله و إسحاق ابنا موسى بن جعفر و حسين بن عبد الله بن عبد الله بن حسين يصلون إلى هذه الأسطوانة الخارجة إذا جاءوا قباء، و يذكرون أنه مصلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). قال: و رأيت من أهل بيتي من يأتي قباء فيصلي إليها ممن يقتدى به ممن لا أبالي أن لا أرى غيره في الفقه و العلم، انتهى.

و عن يمين مستقبل الأسطوانة المذكورة هيئة محاريب في رحبة المسجد لم أعلم أصلها، و بالرواق الذي يلي الرحبة قريبا من محاذاة محراب المسجد دكّة مرتفعة عن أرض المسجد يسيرا أمامها محراب فيه حجر منقوش فيه قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏ [التوبة: 108] الآية، و بعدها ما لفظه: هذا مقام النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، جدّد هذا المسجد في تاريخ سنة إحدى و سبعين و ستمائة، و لم يتبين اسم من جدد المسجد. و ظاهر حال من صنع ذلك في هذا المحل أنه محلّ المصلّى الشريف، و فيما قدمناه ما يرده، و قد اغترّ المجد بذلك فجزم بأن تلك الدكة هي أول موضع صلّى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كأنه حين ألّف كتابه كان غائبا عن المدينة، فوصف تلك الدكة بقوله: و في صحنه مما يلي القبلة شبه محراب على مصطبة هو أول موضع ركع فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كأنه وصفها بأنها في صحن المسجد ليجامع ما تقدم عن المؤرخين في وصف المصلى الشريف. و لا يصح القول بأنها كانت أولا في رحبة المسجد؛ لاحتمال أنه زيد بعده في المسقف القبلي رواق؛ لما سنبينه من أن أروقة المسجد و رحبته كانت على ما هي عليه اليوم، لم يزد فيها شي‏ء بعد ما ذكره المؤرخون.

ثم رأيت ما ذكره المجد بحدوثه في رحلة ابن جبير، و كانت عام ثمان و سبعين و خمسمائة، فتلك الدكة التي يعنيها ابن جبير كانت في صحن المسجد عند الأسطوانة التي إليها اليوم المحراب في رحبة المسجد، فيوافق ما أطبق عليه الناس و كأنها دثرت على طول الزمان، ثم أعيدت في غير محلها فإنه ذكر أنها بصحن المسجد مما يلي القبلة، و وصف أروقة المسجد بما هي عليه اليوم؛ فليست الدكة الموجودة اليوم لحدوثها بعده.

و أما الحظيرة التي بصحن المسجد فلم أر في كلام المتقدمين تعرضا لذكرها، و الشائع على ألسنة أهل المدينة أنها مبرك ناقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و به جزم المجد تبعا لابن جبير في رحلته؛ فقال: و في وسط المسجد مبرك الناقة بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عليه حظيرة قصيرة شبه روضة صغيرة يتبرك بالصلاة فيه، انتهى.

و هو محتمل؛ لأن أصل مسجد قباء كان مربدا لكلثوم بن الهدم، و عليه نزل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ما أسلفناه، فأعطاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأسّسه مسجدّا. و قيل فيه غير هذا مما قدمناه.

و قال ابن زبالة: حدثنا عاصم بن سويد عن أبيه قال: و كان مسجد قباء على سبع أساطين، و كانت له درجة لها قبة يؤذن فيها يقال لها النعامة، حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد ذلك.

24

قلت: و عدد كل صف من أساطينه اليوم بين المشرق و المغرب سبع أيضا.

و قال الزين المراغي عقب نقل ذلك عن ابن زبالة: فيحتمل أن هذه- يعني الصفة المذكورة في كلام ابن زبالة- صفة بناته عليه الصلاة و السلام، و يؤكده قولهم «و لم يزل مسجد قباء على ما بناه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز» أي زمن الوليد.

قلت: و ما أيد به الاحتمال المذكور لم أره في كلام أحد من المؤرخين غير المطري و من تبعه.

و قد روى ابن شبة ما يصرح بخلافه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: إن ما بين الصومعة إلى القبلة زيادة زادها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.

قلت: و الصومعة هي المنارة التي في ركنه الغربي مما يلي الشام، و سيأتي في ترجمة غرة أنه اسم أطم لبني عمرو بن عوف ابتنيت المنارة في موضعه.

و قال ابن النجار: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نزل بقباء في منزل كلثوم بن الهدم، و أخذ مربده فأسسه مسجدّا و صلى فيه، و لم يزل ذلك المسجد يزوره (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يصلي فيه أهل قباء، فلما توفي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم تزل الصحابة تزوره و تعظمه.

تجديد مسجد قباء

و لما بنى عمر بن عبد العزيز مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بنى مسجد قباء و وسّعه، و بناه بالحجارة و الجص، و أقام فيه الأساطين من الحجارة بينها عواميد الحديد و الرصاص، و نقشه بالفسيفساء، و عمل له منارة، و سقفه بالساج، و جعله أروقة، و في وسطه رحبة، و تهدّم على طول الزمان حتى جدّد عمارته جمال الدين الأصفهاني وزير بني زنكي الملوك ببلاد الموصل.

قلت: و كان تجديد الجواد لمسجد قباء في سنة خمس و خمسين و خمسمائة، كما قاله المطري.

و فيما قدمناه من صورة ما كتب في محراب الدكة التي بالرواق الذي يلي الرحبة ما يقتضي أنه جدد بعد ذلك في سنة إحدى و سبعين و ستمائة.

و بالمسجد منقوش أيضا ما يقتضي أن الناصر بن قلاوون جدّد فيه شيئا سنة ثلاث و ثلاثين و سبعمائة، و جدد غالب سقفه الموجود اليوم الأشرف برسباي على يد ابن قاسم المحلى أحد مشايخ الخدّام سنة أربعين و ثمانمائة.

و قد سقطت منارته سنة سبع و سبعين و ثمانمائة، فجدّدها متولي العمارة في زماننا الجناب الخواجكي الشمسي بن الزمن- عامله الله بلطفه- في سنة إحدى و ثمانين و ثمانمائة في أثناء عمارته السابقة بالمسجد النبوي بعد هدمها إلى الأساس، و هدم الأسطوانة التي كانت لاصقة بها، و كانت تلك الأسطوانة محكمة بالرصاص، و أعيدت بغير رصاص،

25

و أبدلوا من أحجارها ما قدمنا أنهم أدخلوه في أسطوان الصندوق التي في جهة الرأس الشريف بالمسجد النبوي.

و هدم متولى العمارة أيضا ما يلي المنارة المذكورة من سور المسجد إلى آخر بابه الذي يليها في المغرب، و أعاد بناء ذلك، و جدد بعض سقفه، و بنى السبيل و البركة المقابلين للمسجد في المغرب بالحديقة المعروفة بالسراج العيني الموقوفة على قرابته، و قد كانت المنارة الأولى ألطف من هذه فزاد في طولها؛ فإن ابن النجار قال: و طول منارته من سطحه إلى رأسها اثنان و عشرون ذراعا، و على رأسها قبة طولها نحو عشرة أذرع، قال: و عرض المنارة من جهة القبلة عشرة أذرع شافّة، و من المغرب ثمانية، و ذكر قبل ذلك أن ارتفاع المسجد في السماء عشرون ذراعا؛ فيكون جملة طول المنارة الأولى اثنين و خمسين ذراعا من أعلاها إلى أسفل الأرض، و هو يقرب لما نقله ابن شبة في وصف المنارة المذكورة، فإنه قال: و طول منارته خمسون ذراعا، و عرضها تسعة أذرع و شبر في تسعة أذرع، انتهى. و ذرع هذه المنارة المجددة اليوم من الأرض الخارجة عن المسجد إلى أعلى قبتها أحد و ستون ذراعا، و عرضها تسعة أذرع في المشرق و القبلة، و هناك بابها.

و نقل ابن شبة عن أبي غسان أن طول مسجد قباء و عرضه سواء، و هو ست و ستون ذراعا. قال: و طول ذرعه في السماء تسعة عشر ذراعا، و طول رحبته التي في جوفه- يعني صحنه- خمسون ذراعا، و عرضها ستة و عشرون ذراعا. و ذكر ابن النجار نحوه، فقال:

طول ثمانية و ستون ذراعا تشف قليلا، و عرضه كذلك.

قلت: و قد اختبرت ذلك فكان ذرع طوله من المشرق إلى المغرب مما يلي الشام ثمانية و ستين ذراعا و نصفا، و كان عرضه من القبلة إلى الشام تسعة و سبعين ذراعا، و ذرع طوله بين المشرق و المغرب مما يلي جدار القبلة أرجح من سبعين ذراعا بيسير، و طول ذرعه في السماء من أرض المسجد إلى سقفه تسعة عشر ذراعا، و طوله من خارجه من البلاط الذي في غربيه إلى أعلى شراريفه أربعة و عشرون ذراعا، و ذرع طول صحنه من المشرق إلى المغرب أحد و خمسون ذراعا، و عرض صحنه من القبلة إلى الشام ستة و عشرون ذراعا و ربع، و هذا الصحن هو الذي عبر عنه أبو غسان بالرحبة في جوفه؛ فصح بذلك أن رحبة المسجد اليوم على ما كانت عليه في زمن أبي غسان و غيره من المؤرخين الذين قدمنا كلامهم، و أن ما قدمناه في بيان مصلّى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكونه عند المحراب الذي بجانب الأسطوانة التي في رحبة المسجد اليوم صحيح، و أن ما قاله المجد من كون تلك الدكة المتقدم و صفها بصحن المسجد غير صحيح.

و قال ابن جبير في رحلته: إن مسجد قباء سبع بلاطات، يعني أروقة كما هو في‏

26

زماننا، و بيانه أن المسقف القبلي ثلاثة أروقة، و الشامي اثنان، و في المغرب رواق واحد يلي باب المسجد اليوم، و في المشرق في مقابلته رواق واحد أيضا.

و ذكر ابن النجار في عدد أساطينه ما يوافق كونه على سبعة أروقة أيضا؛ فقال: و في المسجد تسعة و ثلاثون أسطوانا، بين كل أسطوان و أسطوان سبعة أذرع شافّة.

قلت: و عددها اليوم كذلك؛ لأن جهة القبلة ثلاثة صفوف كل صف سبعة أساطين بين المشرق و المغرب، و جهة الشام صفان كل صف سبعة أيضا، و فيما يلي الرحبة من المغرب أسطوانتان، و فيما يليها من المشرق أسطوانتان، و جملة ذلك ما ذكره.

و وقع فيما نقله ابن شبة عن ابن عساكر في النسخة التي وقعنا عليها تصحيف في عدد الأساطين، و ما قدمناه هو الصواب.

قال ابن النجار: و في جدرانه طاقات نافذة إلى خارج في كل جانب ثمان طاقات، إلا الجانب الذي يلي الشام فإن الثامنة فيها المنارة.

قلت: و لما أعادوا بناء ما هدموه مما حول المنارة المذكورة في زماننا سدّوا من الجهة الشامية طاقة أخرى مما يلي المنارة المذكورة، و سدّوا مما يليها من جهة المغرب ثلاث طاقات أيضا، فإنهم جعلوا الجدار في بنائهم مصمتا كله، و الله أعلم.

بيان ما ينبغي أن يزار بقباء من الآثار تتميما للفائدة دار سعد بن خيثمة

منها: دار سعد بن خيثمة، و قد تقدم أن باب مسجد قباء المسدود في المغرب بفناء دار سعد بن خيثمة، و هي في قبلة مسجد قباء، و الجانب الذي يلي هذا الباب المسدود منها يدخله الناس للزيارة و يسمونه مسجد علي رضي الله تعالى عنه، و كأنه المراد بما سيأتي في الفصل الرابع في مسجد دار سعد بن خيثمة.

و روى ابن شبة عن أبي أمامة عن أبيه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «اضطجع في البيت الذي في دار سعد بن خيثمة بقباء» و عن ابن وقش أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «دخل بيت سعد بن خيثمة بقباء، و جلس فيه» و روى ابن زبالة عنه أنه قال: يزعمون أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) توضأ من المهراس الذي يلي دار سعد بن خيثمة بقباء.

دار كلثوم بن الهدم‏

و منها: دار كلثوم بن الهدم، و هي إحدى الدور التي قبلى المسجد أيضا، يدخلها الناس للزيارة و التبرك. و قد قدمنا نزوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على كلثوم بن الهدم بداره لمّا قدم قباء، و كذلك أهله و أهل أبي بكر حين قدموا.

27

بئر أريس‏

و منها بئر أريس، و سيأتي ما جاء فيها في الآثار، قال ابن جبير في رحلته: و بإزائها دار عمر، و دار فاطمة، و دار أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم. و لعله يريد أماكن نزولهم قبل التحوّل إلى المدينة، و الله أعلم.

ما جاء في بيان طريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى قباء ذاهبا و راجعا طريق النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلي قباء ذاهبا و راجعا

قال أبو غسان فيما نقله ابن شبة: أخبرني الحارث بن إسحاق قال: كان إسحاق بن أبي بكر بن إسحاق يحدث أن مبدأ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مركبه إلى قباء أن يمر على المصلى، ثم يسلك في موضع الزقاق بين دار كثير بن الصّلت و دار معاوية بالمصلى، ثم يرجع راجعا على طريق دار صفوان بن سلمة التي عند سقيفة محرق، ثم يمر على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط، قال: فذكر إسحاق أنه رأى الوليد بن عبد الملك سلك هذه الطريق على هذه الصفة في مبدئه و رجعته من قباء.

قلت: و هو يقتضي أن طريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت من جهة الدّرب المعروف اليوم بدرب سويقة في الذهاب و الرجوع؛ لأن المصلى و مسجد بني زريق في جهته، و قد سبق في المصلى أن دار كثير بن الصّلت كان قبلة المصلى، و سبق ما يؤخذ منه أن دار معاوية رضي الله عنه كانت مقابلها.

و قوله «حتى يخرج إلى البلاط» أي الآخذ من باب السلام إلى جهة درب سويقة؛ لما سبق في الكلام على المصلي من رجوعه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على مسجد بني زريق من كتّاب عروة حتى يخرج إلى البلاط من زقاق دار عبد الرحمن بن الحارث المتقدم بيانه في الدور التي في ميمنة البلاط المذكور، و كثير من الناس اليوم يسلكون إلى قباء من طريق درب البقيع؛ لكونها أقصد يسيرا.

ذرع الطريق‏

و قد ذرعت الطريق من هذه الجهة فكان بين عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب جبريل و عتبة باب مسجد قباء سبعة آلاف ذراع و مائتا ذراع بذراع اليد المتقدم تحريره يشفّ يسيرا، و ذلك ميلان و خمسا سبع ميل. و سيأتي في ترجمة قباء ما وقع للناس من الخبط في بيان هذه المسافة، فإن أسقطت حصة ما بين باب جبريل و باب درب البقيع من ذلك كانت المسافة بين باب سور المدينة المذكور و باب مسجد قباء ميلين إلا مائتي ذراع و ثلاثا و ثلاثين ذراعا، و الله سبحانه و تعالى أعلم.

28

[مسجد الضّرار]

ما جاء في مسجد الضّرار مما ينوّه بقدر مسجد قباء بناة مسجد الضرار

روى البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً [التوبة: 107] هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدّا فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم، و استعدوا بما استطعتم من قوة و من سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فات بجند من الروم، فأخرج محمدا و أصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالوا: إنا فرغنا من بناء مسجدنا فنحبّ أن تصلي فيه و تدعو بالبركة فأنزل الله عز و جل:

لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏ [التوبة: 108] يعني مسجد قباء أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏ إلى قوله: عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ‏ يعني قواعده‏ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ [التوبة: 109].

و روى ابن شبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لية، كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدّا، فقال أهل مسجد الضرار: أ نحن نصلي في مربط حمار لية؟ لا، لعمر الله، لكنّا نبني مسجدّا فنصلي فيه حتى يجئ أبو عامر فيؤمّنا فيه، و كان أبو عامر فرّ من الله و رسوله فلحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها، فأنزل الله تعالى: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً الآيات.

و عن سعيد بن جبير أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدّا، و أرسلوا إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعوه ليصلي فيه، ففعل فأتاهم فصلّى فيه، فحسدهم إخوتهم بنو فلان بن عمرو بن عوف، يشك، فقالوا: لا، نبني نحن مسجدّا و ندعو النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا، و لعل أبا عامر يصلي فيه، و كان بالشام، فابتنوا مسجدّا، و أرسلوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليصلي، فقام ليأتيهم، و أنزل القرآن‏ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى‏ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ 107 لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏ 108 أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ تَقْوى‏ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ 109 لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ‏ [التوبة:

107- 110]، قال: قال عكرمة: إلى أن تقطع قلوبهم‏ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ‏ [التوبة: 110].

حرق مسجد الضرار

و أسند الطبري فيما قاله ابن عطية عن ابن إسحاق عن الزهري و غيره أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أقبل من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه و بين المدينة ساعة من نهار، و كان‏

29

أصحاب مسجد الضّرار قد كانوا أتوه و هو يتجهّز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدّا لذي العلة و الحاجة و الليلة المطيرة، و إنا نحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر و حال شغل، و لو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما قفل و نزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مالك ابن الدخشم و معن بن عدي، أو أخا عاصم بن عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه و احرقاه، فانطلقا مسرعين ففعلا و حرقاه بنار في سعف.

و في رواية ذكرها البغوي أن الذين أمرهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهدمه و إحراقه انطلقوا سريعا حتى أتوا سالم بن عوف، و هم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهالي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخيل، فأشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد و فيه أهله فحرقوه و هدموه، و تفرق عنه أهله و أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يتخذ ذلك كناسة تلقي فيها الجيف و النتن و القمامة.

و قال ابن النجار: هذا المسجد بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء، و كانوا يجتمعون فيه و يعيبون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يستهزءون به.

أسماء بناة مسجد الضرار

قال ابن إسحاق: و كان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خدام بن خالد، و هو من بني عبيد بن زيد بن مالك و من داره أخرجه، و ثعلبة بن حاطب من بني أمية بن زيد أي أحد بني عمرو بن عوف، و معتّب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، و أبو حبيبة بن الأذعر، و عياد بن حنيف من بني عمرو بن عوف، و جار بن عامر، و ابناه مجمع و زيد، و نبتل بن الحارث، و مخرج و مجاد بن عثمان، سبعتهم من بني ضبيعة، و وديعة بن ثابت من بني أمية بن زيد، انتهى.

و قال بعضهم: إن رجالا من بني غنم بن عوف و بني سالم بن عوف كان فيهم نفاق حسدوا قومهم بني عمرو بن عوف، و كان أبو عامر المعروف بالراهب- و سماه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالفاسق- منهم.

قلت: و هو من بني ضبيعة أحد بني عمرو بن عوف من الأوس، و تقدم أن بني غنم ابن عوف و بني سالم بن عوف من الخزرج و ليسوا بقباء، ففي هذا القول نظر.

قال: فكتب أبو عامر و هو بالشام إلى المنافقين من قومه أن يبنوا مسجدّا مقاومة لمسجد قباء و تحقيرا له، فإني سآتي بجيش أخرج به محمدا و أصحابه من المدينة فبنوه و قالوا: سيأتي أبو عامر و يصلي فيه، و نتخذه متعبدا، و ذلك هو المشار إليه بقوله تعالى‏ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ [التوبة: 107].

30

و روى أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما نزلت‏ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً [التوبة: 108] كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، و هذا مما يؤيد ما قدمناه من أن المراد من قوله تعالى‏ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ [التوبة: 108] مسجد قباء.

و قال ابن عطية: روى عن ابن عمر أنه قال: المراد بالمسجد المؤسّس على التقوى هو مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و المراد يعني بقوله تعالى: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ تَقْوى‏ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ‏ [التوبة: 109] هو مسجد قباء، و أما البنيان الذي أسّس على شفا جرف هار فهو مسجد الضّرار بالإجماع.

و قوله «فانهار به في نار جهنم» قال ابن عطية: الظاهر منه و مما صح من خبرهم و هدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسجدهم أنه خارج مخرج المثل لهم: أي حالهم كمن ينهار بنيانه في نار جهنم. و قيل: بل ذلك حقيقة، و أن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة و ابن جريج. و روى عن جابر بن عبد الله و غيره أنه قال: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). و روى أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة، ففزع لذلك رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم). و روى أنهم لم يصلّوا فيه أكثر من ثلاثة أيام، و انهار في الرابع. قال ابن عطية: و هذا كله بإسناد لين، و الأول أصح.

و اسند الطبري عن خلف بن يامين أنه قال: رأيت مسجد المنافقين الذين ذكر في القرآن، و رأيت فيه مكانا يخرج منه الدخان، و ذلك في زمن أبي جعفر المنصور.

و قيل: كان الرجل يدخل فيه سعفة فتخرج سوداء محترقة، و نقل عن ابن مسعود أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ‏ [التوبة: 109].

الخلاف في موضع مسجد الضرار

قال الجمال المطري: و أما مسجد الضّرار فلا أثر له، و لا يعرف له مكان فيما حول مسجد قباء، و لا غير ذلك.

قلت: و هو كذلك، لكن بالنسبة إلى زمنه و زمننا؛ فقد قال ابن جبير في رحلته: و هذا المسجد مما يتقرب الناس إلى الله برجمه و هدمه و كان مكانه بقباء عارض به اليهود مسجد قباء.

و قوله «اليهود» صوابه المنافقون.

و قال ابن النجار: و هذا المسجد قريب من مسجد قباء، و هو كبير، و حيطانه عالية، و تؤخذ منه الحجارة، و قد كان بناؤه مليحا، انتهى.

و هذا يقتضي وجوده في زمن ابن النجار على تلك الحالة، و قد قال المطري: إنه و هم لا أصل له، و تعقبه المجد بأنه لا يلزم من وجوده زمان ابن النجار كذلك استمراره، و قد

31

تبع ابن النجار في ذلك غيره إن لم يكن شاهده، فهذا البشاري يقول: و منها مسجد الضّرار يتطوّع العوام بهدمه، و تبعه ياقوت في معجمه، و ابن جبير في رحلته، انتهى.

و قال ابن النجار أيضا، في ذكر المساجد المعروفة في زمنه ما لفظه: و اعلم أن بالمدينة مساجد خرابا فيها المحاريب و بقايا الأساطين و تنقض و تؤخذ حجارتها: منها مسجد بقباء قريب من مسجد الضّرار فيه أسطوان قائمة.

قلت: و هذا غير معروف اليوم، و هو صريح في اشتهار مسجد الضرار في زمنه بقباء حتى عرف به المسجد المذكور.

و وقع في كلام عياض في المشارق، و تبعه المجد، ما يقتضي أن مسجد الضّرار بذي أوان؛ فإنه قال في ذروان: إن روايته بلفظ ذي أوان و هم. قال: و هو موضع خر على ساعة من المدينة، هو الذي بنى فيه مسجد الضرار، هذا لفظه.

و لعل مراده هو الذي وقع ذكر بنائه به في حديث مسجد الضرار؛ لما قدمناه من أن أصحابه جاءوا للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو بذي أوان، و أخبروه ببنائه، و الله أعلم.

الفصل الثالث في بقية المساجد المعلومة العين في زماننا بالمدينة الشريفة و ما حولها

اعلم أن الاعتناء بهذا الغرض متعين؛ فقد قال البغوي من الشافعية: المساجد التي ثبت أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شي‏ء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة، و اعتناء السلف بتتبع آثار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) معلوم- سيما ما جاء في ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما- و قد استفرغنا الوسع في تتبعها.

فمنها: مسجد الجمعة، و يقال «مسجد الوادي» قد تقدم في الفصل الحادي عشر من الباب الثالث أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما خرج من قباء مقدمه المدينة أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في بطن الوادي، وادي ذي صلب- بضم أوله- و أن ابن إسحاق قال: إن الجمعة أدركته في وادي رانونا، يعني ببني سالم، و كانت أول جمعة صلاها بالمدينة، و في رواية لابن زبالة «فمر على بني سالم فصلى فيهم الجمعة في القبيب ببني سالم، و هو المسجد الذي في بطني الوادي» و في رواية له «صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أول جمعة بالناس في القبيب» ببني سالم فهو المسجد الذي بناه عبد الصمد».

و المراد أن موضع المسجد يسمى بالقبيب، و سيأتي في أودية المدينة أن سيل ذي صلب و سيل رانونا يصلان إلى موضع مسجد الجمعة، فلا مخالفة بين هذه العبارات، و إن غلب اشتهار اسم رانونا على ذلك الموضع دون بقية الأسماء.

و روى ابن شبة عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «جمّع في أول‏

32

جمعة حين قدم المدينة في مسجد بني سالم في مسجد عاتكة» و عن إسماعيل بن أبي فديك عن غير واحد ممن يثق به من أهل البلد أن أول جمعة جمعها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين أقبل من قباء إلى المدينة في مسجد بني سالم الذي يقال له مسجد عاتكة.

و قال المطري: في شمالي هذا المسجد أطم خراب يقال له «المزدلف» أطم عتبان بن مالك، و المسجد في بطن الوادي صغير جدّا، مبني بحجارة قدر نصف القامة، و هو الذي كان يحول السبيل بينه و بين عتبان بن مالك إذا سال؛ لأن منازل بني سالم بن عوف كانت غربيّ هذا الوادي على طرف الحرة، و آثارهم باقية هناك، فسأل عتبان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يصلي له في بيته في مكان يتخذه مصلى، ففعل (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قلت: قصة عتبان المشار إليها مروية في الصحيح بلفظ أن عتبان أتى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول الله، قد أنكرت بصري، و أنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني و بينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، الحديث.

و سيأتي في المساجد التي لا تعلم عينها أن بني سالم لهم مسجد آخر هو مسجدهم الأكبر؛ فالذي يظهر أنه المراد من حديث عتبان، و أما هذا فهو مسجدهم الأصغر و قد تهدم بناؤه الذي أشار إليه المطري، فجرده بعض الأعاجم على هيئته اليوم، مقدّمه رواق مسقف فيه عقدان بينهما أسطوان، و خلفه رحبة، و طوله من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا، و عرضه من الجدار الشرقي إلى الغربي مما يلي محرابه ستة عشر ذراعا و نصف، و كان سقفه قد خرب فجدده المرحوم الخواجا الرئيس الجواد المفضّل شمس الدين قاوان تغمده الله برحمته.

و مصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بيت غسان ليس في الأطم المذكور، بل عند أصله كما سيأتي.

مسجد الفضيخ‏

و منها: مسجد الفضيح- بفتح الفاء و كسر المعجمة بعدها مثناة تحتية و خاء معجمة- قال المطري: و يعرف اليوم بمسجد الشمس و هو شرقي مسجد قباء على شفير الوادي، على نشز من الأرض، مرضوم بحجارة سود، و هو مسجد صغير.

و روى ابن شبة و ابن زبالة و يحيى في عدة أحاديث أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلى بمسجد الفضيخ».

و روى الأولان- و اللفظ لابن شبة- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:

حاصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بني النضير، فضرب قبته قريبا من مسجد الفضيخ، و كان يصلّي في موضع مسجد الفضيخ ستّ ليال، فلما حرمت الخمر خرج الخبر إلى أبي أيوب في نفر من الأنصار، و هم يشربون فيه فضيخا، فحلّوا وكاء السّقاء فهراقوه فيه؛ فبذلك سمي مسجد الفضيخ.

33

قال الزين المراغي: و ذلك قبل اتخاذ الموضع مسجدّا، أو كان الإعلام بنجاسة الخمر بعد ذلك لكن المشهور تحريم الخمر في شوال سنة ثلاث، و يقال أربع، و عليه يتمشى؛ لأن غزوة بني النّضير سنة أربع على الأصح.

قلت: الحديث إنما تضمّن صلاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك المحل في حصار بني النضير، و لا يلزم من ذلك اتخاذه مسجدّا حينئذ؛ فيجوز أن يكون بناؤه مسجدّا تأخر إلى أن حرّمت الخمر، على أن أحمد روى في مسنده من حديث ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعني أتى بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه، فلذلك سمي مسجد الفضيخ.

و رواه أبو يعلى و لفظه: أتى بجر فضيخ ينشّ‏ (1) و هو في مسجد الفضيخ فشربه، فلذلك سمي مسجد الفضيخ، و فيه عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، ضعّفه الجمهور، و قيل فيه: يكتب حديثه، و هو أولى بالاعتماد في سبب تسمية المسجد المذكور بذلك؛ لأن ابن زبالة ضعيف، و أما ابن شبة فرواه من طريق عبد العزيز بن عمران و هو متروك، و لم أر في كلام أحد من المتقدمين تسمية المسجد المذكور بمسجد الشمس.

و قال المجد: لا أدري لم اشتهر بهذا الاسم، و لعله لكونه على مكان عال في شرقي مسجد قباء أول ما تطلع الشمس عليه، قال: و لا يظن ظانّ أنه المكان الذي أعيدت الشمس فيه بعد الغروب لعلي رضي الله تعالى عنه؛ لأن ذلك إنما كان بالصّهباء من خيبر، قال عياض في الشفاء: كان رأس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حجر علي رضي الله تعالى عنه و هو يوحي إليه، فغربت الشمس و لم يكن عليّ صلى العصر، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أ صلّيت يا علي؟ قال: لا، فقال: اللهم إنه كان في طاعتك و طاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت أسماء:

فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، و وقعت على الجبال و الأرض و ذلك بالصهباء في خيبر، قال عياض: خرّجه الطحاوي في مشكل الحديث، و قال: إن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوة.

قال المجد: فهذا المكان أولى بتسميته بمسجد الشمس دون ما سواه، و صرح ابن حزم بأن الحديث موضوع، قال: و قصة ردّ الشمس على عليّ رضي الله تعالى عنه باطلة بإجماع العلماء و سفه قائله.

قلت: و الحديث رواه الطبراني بأسانيد قال الحافظ نور الدين الهيتمي: رجال أحدها رجال الصحيح، غير إبراهيم بن حسن، و هو ثقة، و فاطمة بنت علي بن أبي طالب لم أعرفها، انتهى.

و أخرجه ابن منده و ابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، و ابن مردويه من‏

____________

(1) ينش: يغلي و يفور.

34

حديث أبي هريرة، و إسنادهما حسن، و ممن صححه الطحاوي و غيره، و قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، بعد ذكر رواية البيهقي له: و قد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، انتهى.

و هذا المسجد مربع ذرعه من المشرق إلى المغرب أحد عشر ذراعا، و من القبلة إلى الشام نحوها.

مسجد بني قريظة

و منها: مسجد بني قريظة، و هو شرقي مسجد الشمس، بعيد عنه، بالقرب من الحرّة الشرقية، على باب حديقة تعرف بحاجزة هي وقف للفقراء، قاله المطري و قد قدمنا في منازل يهود أن أطم الزبير بن باطا كان في موضع مسجد بني قريظة و عنده خراب أبيات من دور بني قريظة شمالي باب الحديقة المذكورة، و بقربه ناس نزول من أهل العالية، و قد روى ابن شبة من طريق محمد بن عقبة بن مالك عن علي بن رافع و أشياخ قومه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلّى في بيت امرأة من الخضر، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة» فذلك المكان الذي صلى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) شرقي بني قريظة عند موضع المنارة التي هدمت، هذا لفظ ابن شبة؛ فينبغي الصلاة في مسجد بني قريظة مما يلي محل المنارة في شرقي المسجد.

و قد روى ذلك ابن زبالة عن محمد بن عقبة، إلا أنه لم يعين المحل المذكور، بل قال:

فأدخل الوليد بن عبد الملك حين بنى المسجد ذلك البيت في مسجد بني قريظة، و يحتمل:

أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى في مقدم المسجد أيضا، و إلا لجعلوا ما عند المنارة مقدمة.

قلت: الظاهر أن هذا المسجد هو المذكور في حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) للأنصار «قوموا إلى سيّدكم أو خيركم» ثم قال «إن هؤلاء قد نزلوا على حكمك» فقال: تقتل مقاتلتهم و تسبي ذريتهم، الحديث.

فقوله «قريبا من المسجد» ليس المراد به مسجد المدينة؛ لأن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يكن به حينئذ، و لذا قال الحافظ ابن حجر: و قوله «فلما بلغ قريبا من المسجد» أي الذي أعدّه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أيام محاصرته لبني قريظة للصلاة فيه، و أخطأ من زعم أنه غلط من الراوي لظنه أنه أراد بالمسجد المسجد النبوي بالمدينة فقال: إن الصواب ما وقع عند أبي داود من طريق شعبة بإسناد الصحيح بلفظ «فلما دنا من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)» انتهى. و إذا حمل على ما سبق لم يكن بين اللفظين اتفاق، و الله سبحانه و تعالى أعلم.

قال ابن النجار: و هذا المسجد اليوم باق بالعوالي، كبير، و فيه ست عشرة أسطوانة قد

35

سقط بعضها، و هو بلا سقف، و حيطانه مهدومة، و قد كان مبنيّا على شكل بناء مسجد قباء، و حوله بساتين و مزارع.

و ذكر في ذرعه شيئا الظاهر أنه تحريف فإنه قال: طوله نحو العشرين ذراعا و عرضه كذلك، و هذا لا يطابق ما عليه المسجد اليوم و لا ما قدّمه هو من الوصف و لعله خمن أن ذرعه كذلك في حال غيبته عنه، فقد قال المطري: إن ذرعه نحو من خمسة و أربعين ذراعا، و عرضه كذلك.

قال: و كان فيه أساطين و عقود و منارة في مثل موضع منارة قباء، فتهدّم على طول الزمان، و وقعت منارته، أثرها اليوم باق تعرف به، و أخذت أحجاره جميعا. قال المطري:

و بقي أثره إلى العشر الأول بعد السبعمائة، فجدّد و بنى عليه حظير مقدار نصف قامة، و كان قد نسي فمن ذلك التاريخ عرف مكانه.

قلت: و هو اليوم على الهيئة التي ذكرها المطري، و قد اختبرت ذرعه فكان من القبلة إلى الشام أربعة و أربعين ذراعا و ربعا، و من المشرق إلى المغرب ثلاثة و أربعين ذراعا، و قد جدّد بناء جداره الشجاعيّ شاهين الجمالي شيخ الحرم النبوي و ناظره عام ثلاث و تسعين و ثمانمائة.

مشربة أم إبراهيم‏

و منها: المسجد الذي يقال له «مشربة أم إبراهيم (عليه السلام)».

و روى ابن زبالة و يحيى من طريقه و ابن شبة من طريق أبي غسان عن ابن أبي يحيى عن يحيى بن محمد بن ثابت أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلّى في مشربة أم إبراهيم».

و روى ابن شبة فيما جاء في صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن ابن شهاب أن تلك الصّدقات كانت أموالا لمخيريق، كما سيأتي، و عدّ منها مشربة أم إبراهيم، ثم قال: و أما مشربة أم إبراهيم فإذا خلفت بيت مدراس اليهود فجئت مال أبي عبيدة بن عبيد الله بن زمعة الأسدي فمشربة أم إبراهيم إلى جنبه، و إنما سميت مشربة أم إبراهيم لأن أم إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ولدته فيها، و تعلّقت حين ضربها المخاض بخشبة من خشب تلك المشربة، فتلك الخشبة اليوم معروفة، انتهى ما رواه ابن شبة عن ابن شهاب.

قال ابن النجار: و هذا الموضع بالعوالي من المدينة بين النخيل، و هو أكمة قد حوّط عليها بلبن، و المشربة: البستان، و أظنه قد كان بستانا لمارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).

قلت: قال في الصحاح: المشربة بالكسر- أي: بكسر الميم- إناء يشرب فيه، و المشربة بالفتح: الغرفة، و كذلك المشربة بضم الراء، و المشارب: العلالي، و ليس في كلامه إطلاق ذلك على البستان، و الظاهر أنها كانت عليّة في ذلك البستان، و هو أحد صدقات النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هذا هو الذي يناسب ما تقدم من رواية ابن شبة في سبب تسميتها بذلك.

36

و قال ابن عبد البر في الاستيعاب: ذكر الزبير أن مارية ولدت إبراهيم (عليه السلام) بالعالية في الماء الذي يقال له اليوم مشربة أم إبراهيم بالقف.

و روت عمرة عن عائشة حديثا فيه ذكر غيرتها من مارية، و أنها كنت جميلة، قالت:

و أعجب بها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان، و كانت جارتنا، و كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عامة النهار و الليل عندها، حتى قذعنا لها- و القذع الشتم- فحوّلها إلى العالية، و كان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ، ثم رزقها الله الولد و حرمناه منه.

قال المجد: و المشربة المذكورة مسجد شماليّ بني قريظة قريب من الحرّة الشرقية في موضع يعرف بالدشت، بين نخل تعرف بالأشراف القواسم، من بني قاسم بن إدريس بن جعفر أخي الحسن العسكري، قال: و ذرعته فكان طوله نحو عشرة أذرع و عرضه أقل من ذلك بنحو ذراع، و ليس عليه بناء و لا جدار، و إنما هو عريصة صغيرة على رويبية، و قد حوّط عليها برضم لطيف من الحجارة السود، قال: و على شمالي المشربة دار متهدّمة لم يبق من معالمها سوى بعض الجدران، يظن الناس أنه مكان دار أبي سيف القبر. و الذي يغلب على ظني أن ذلك بقايا أطم بني زعوراء، فإن الزبير بن بكار قال ما نصه: و كان بنو زعوراء عند مشربة أم إبراهيم، و لهم الأطم الذي عندها، و بنو زعوراء من قبائل اليهود.

قلت: دار أبي سيف القبر التي كان إبراهيم ابن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مسترضعا فيها إنما هي في دار بني مازن بن النجار كما سيأتي. و ما ذكره في وصف المسجد المذكور قريب مما هو عليه اليوم لكنّ ذرعه من القبلة إلى الشام أحد عشر ذراعا، و من المشرق إلى المغرب أربعة عشر ذراعا راجحة، و في جهة المشرق منه شقيفة لطيفة، و بالقرب منه في جهة المغرب نخيل تعرف بالزبيريات و سيأتي أنها المال الذي كان للزبير بن العوّام فتصدق به، و فيه مسجده الآني، و الله أعلم.

مسجد بني ظفر

و منها: مسجد بني ظفر من الأوس، و يعرف اليوم بمسجد البغلة، و هو بطرف الحرة الشرقية في شرقي البقيع، طريقه من عند القبة المعروفة بفاطمة بنت أسد أمّ علي رضي الله عنهما بأقصى البقيع، و قد روى يحيى عن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلّى في مسجد بني معاوية» أي الآني «و مسجد بني ظفر».

و قال ابن زبالة: إن إبراهيم بن جعفر حدثه بذلك عن أبيه جعفر المذكور، و روى ابن شبة عن الحارث بن سعيد بن عبيد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلى في مسجد بني حارثة مسجد بني ظفر».

37

و روى يحيى عن إدريس بن محمد بن يونس بن محمد الظفري عن جده أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر» و كان زياد بن عبيد الله أن أمر بقلعه حتى جاءته مشيخة بني ظفر و أعلموه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلس عليه، فرده، قال: فقلّ امرأة نزر ولدها تجلس عليه إلا حملت. قال يحيى عقبه: مسجد بني ظفر دون مسجد بني عبد الأشهل، قال: و أدركت الناس بالمدينة يذهبون بنسائهم حتى ربما ذهبوا بهنّ بالليل فيجلسن على هذا الحجر.

قلت: و لم أزل أتأمل في سر ذلك حتى اتضح لي بما رواه الطبراني برجال ثقات عن محمد بن فضالة الظفري، و كان ممن صحب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أتاهم في مسجد بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في مسجد بني ظفر اليوم و معه عبد الله بن مسعود و معاذ بن جبل و أناس من أصحابه، و أمر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قارئا فقرأ حتى أتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41] فبكى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى اضطرب لحياه. فقال: «أي ربّ شهيد على من أنا بين ظهر أبيه، فكيف بمن لم أر»؟

قلت: و لم يزل الناس يصفون الجلوس على ذلك الحجر للمرأة التي لا تلد، و يقصدون ذلك المسجد لأجله، غير أني لم أر فيه حجرا يصلح للجلوس عليه، إلا أن في أسفل كتف بابه عن يسار الداخل حجرا مثبتا من داخله، فكأنه هو المراد، و الناس اليوم إنما يقصدون حجرا من تلك الصخور التي هي خارجة في غربيه فيجلسون عليه، و هذا بعيد لأن الرواية المتقدمة مصرّحة بأنه في المسجد.

و قال المطري: و عند هذا المسجد آثار في الحرة من جهة القبلة، يقال: إنها أثر حافر بغلة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و في غربيه أي غربي أثر الحافر أثر على حجر كأنه أثر مرفق يذكر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) اتّكأ عليه، و وضع مرفقه الشريف عليه، و على حجر آخر أثر أصابع، و الناي يتبركون بها.

قلت: و لم أقف في ذلك على أصل، إلا أن ابن النجار قال في المسجد التي أدركها خرابا ما لفظه: و مسجدان قريب البقيع، و ذكر ما سيأتي عنه في مسجد الإجابة، ثم قال:

و آخر يعرف بمسجد البغلة فيه أسطوان واحد، و هو خراب، و حوله كثير من الحجارة فيها أثر يقولون: إنه أثر حافري بغلة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، انتهى.

و قد بني ما تهدّم منه بعد ابن النجار، إلا أنه لم يجعل له سقفا، فليس به شي‏ء من الأساطين. و رأيت فيه حجر رخام عن يمين محرابه قد كتب فيه ما صورته: خلّد الله ملك الإمام أبي جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين. عمر سنة ثلاثين و ستمائة، و ذرعته‏

38

فكان مربعا، طوله من القبلة إلى الشام أحد و عشرون ذراعا، و من المشرق إلى المغرب مثل ذلك، و الله أعلم.

مسجد الإجابة

و منها: مسجد الإجابة، و هو مسجد بني معاوية بن مالك بن عوف من الأوس، كما قدمناه في المنازل مع بيان ما وقع للمطري و من تبعه من الوهم في جعلهم من بني مالك بن النجار من الخزرج، و بيان منشأ الوهم، و ما ناقض المطري به كلامه عند ذكره مسجد بني جديلة، و هو مسجد أبيّ الآتي في الفصل بعده.

و قد روينا في صحيح مسلم من حديث عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين، و صلينا معه، و دعا ربّه طويلا، ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، و منعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالسّنة فأعطاني، و سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، فسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها، فهذا سبب تسمية هذا المسجد بمسجد الإجابة.

و روى ابن شبة بسند جيد، و هو في الموطأ، عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك قال: جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية، و هي قريبة من قرى الأنصار، فقال:

تدرون أين صلّى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم، و أشرت له إلى ناحية منه، قال:

فهل تدرون ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ قلت: نعم، قال: فأخبرني، قلت دعا أن لا يظهر عليهم عدو من غيرهم، و أن لا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما، و دعا أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، قال: صدقت، فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة.

و عن سعد بن أبي وقاص أنه كان مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فمرّ بمسجد بني معاوية، فدخل فركع فيه ركعتين، ثم قام فناجى ربّه، ثم انصرف.

و نقل ابن شبة أيضا عن أبي غسان عن محمد بن طلحة أنه قال: بلغني أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى في مسجد بني معاوية على يمين المحراب نحوا من ذراعين.

قلت: فينبغي أن يتحرّى بالصلاة ذلك المحل، و أن يكون الدعاء فيه قائما بعد الصلاة؛ للرواية المتقدمة.

و هذا المسجد هو المراد بقول ابن النجار في المسجدين اللذين أدركهما خرابا قريب البقيع أحدهما يعرف بمسجد الإجابة و فيه أسطوانات قائمة و محراب مليح و باقية خراب.

قلت: ليس به اليوم شي‏ء من الأساطين، و قد رمّم ما تخرب منه، و هو في شمالي البقيع على يسار السالك إلى العريض، وسط تلول هي آثار قرية بني معاوية، و ذرّعته فكان من المشرق إلى المغرب خمسة و عشرين ذراعا ينقص يسيرا، و كان من القبلة إلى الشام عشرين ذراعا ينقص يسيرا.

39

مسجد الفتح‏

و منها: مسجد الفتح، و المساجد التي حوله في قبلته، و تعرف اليوم كلها بمساجد الفتح، و الأول المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب غربيه وادي بطحان، و هو المراد بمسجد الفتح حيث أطلقوه، و يقال له أيضا «مسجد الأحزاب» و «المسجد الأعلى».

و روينا في مسند أحمد برجال ثقات عن جابر بن عبد الله أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه» قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهمّ غليظ إلا توخّيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة، و رواه ابن زبالة و البزار و غيرهما.

و روينا في مسند أحمد أيضا بإسناد فيه رجل لم يسم عن جابر أيضا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أتى مسجد يعني، الأحزاب، فوضع رداءه و قام، و رفع يديه مدا يدعو عليهم، و لم يصل، ثم جاء و دعا عليهم و صلى».

و روى ابن شبة عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «قعد على موضع مسجد الفتح و حمد الله و دعا عليهم و عرض أصحابه و هو عليه».

و عن سعيد مولى المهديين قال: «أقبل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الجرف، فأدركته صلاة العصر فصلاها في المسجد الأعلى».

و روى ابن زبالة و يحيى و ابن النجار من غير طريقهما عن جابر بن عبد الله أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «مرّ بمسجد الفتح الذي على الجبل و قد حضرت صلاة العصر، فرقي فصلى فيه صلاة العصر».

و روى ابن زبالة عن المطلب مرسلا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «دعا في مسجد الفتح يوم الأحزاب حتى ذهبت الظهر و ذهبت العصر و ذهبت المغرب، و لم يصل منهن شيئا، ثم صلاهن جميعا بعد المغرب».

قلت: و فيه بيان الشغل الذي أخر لأجله تلك الصلاة؛ فإن المعروف تأخيرها أو تأخير العصر فقط كما في الصحيح من غير بيان هذا السبب، و ذلك كان قبل مشروعية صلاة الخوف.

و روى أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «دخل مسجد الفتح فخطا خطوة ثم الخطوة الثانية، ثم قام و رفع يديه إلى الله حتى رؤي بياض إبطيه- و كان أعفر الإبطين فدعا حتى سقط رداؤه عن ظهره، فلم يرفعه حتى دعا و دعا كثيرا، ثم انصرف».

و عن جابر قال: «صلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من وراء مسجد الفتح نحو المغرب».

و رواه ابن شبة عنه بلفظ «دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الجبل الذي عليه مسجد الفتح من ناحية المغرب، و صلى من وراء المسجد» أي في الرحبة.

40

قال ابن شبة: قال أبو غسان: و سمعت غير واحد ممن يوثق به يذكر أن الموضع الذي دعا عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الجبل هو اليوم إلى الأسطوان الوسطى الشارعة في رحبة المسجد.

قلت: و يستفاد منه: أن الصلاة و الدعاء هنالك يتحرّى بهما وسط المسجد في الرحبة مما يلي سقفه، و مقتضى الرواية الأولى أن تكون أقرب إلى جهة المغرب، و إذا ضممت إلى ذلك الرواية المتقدمة من أن (صلّى اللّه عليه و سلّم) «خطا خطوة ثم الخطوة الثانية، ثم قام و رفع يديه» ظهر لك أن طريقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كانت من جهة الدرجة الشمالية.

و روى يحيى عن هارون بن كثير عن أبيه عن جده أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «دعا يوم الخندق على الأحزاب في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح» قال يحيى: فدخلت مع الحسين بن عبد الله مسجد الفتح، فلما بلغ الأسطوانة الوسطى من المسجد قال: هذا موضع مصلّى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الذي دعا فيه على الأحزاب، و كان يصلي فيه إذا جاء مسجد الفتح.

و روى ابن شبة عن جابر قال: دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المسجد المرتفع، و رفع يديه مدا.

و عن سالم أبي النصر قال: دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم الخندق «اللّهمّ منزّل الكتاب، و منشئ السحاب، اهزمهم و انصرنا عليهم».

و روى ابن زبالة من طريق عمر بن الحكم بن ثوبان قال: أخبرني من صلى وراء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في مسجد الفتح ثم دعا فقال: «اللهم لك الحمد هديتني من الضلالة، فلا مكرم لمن أهنت، و لا مهين لمن أكرمت، و لا معزّ لمن أذللت: و لا مذلّ لمن أعززت، و لا ناصر لمن خذلت، و لا خاذل لمن نصرت، و لا معطي لما منعت، و لا مانع لما أعطيت، و لا رازق لمن حرمت، و لا حارم لمن رزقت، و لا رافع لمن خفضت، و لا خافض لمن رفعت، و لا خارق لمن سترت، و لا ساتر لمن خرقت، و لا مقرب لما باعدت، و لا مباعد لما قربت».

و ذكر القرطبي دعاء آخر في رواية يتضمن أن الدعاء وقع من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) هناك في الليلة التي أرسل الله فيها الريح على الأحزاب، و لا مانع من أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا في تلك الليلة أيضا هناك، و لفظه: و لما اشتد الأمر على المسلمين و طال المقام في الخندق قام عليه الصلاة و السلام على التلّ الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي و توقّع ما وعده الله من النصر. و قال: من يذهب ليأتينا بخبرهم؟ قال: فانطلق حذيفة بسلاحه، و رفع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) يده يقول: «يا صريخ المكروبين، و يا مجيب المضطرين، و يا كاشف همي و غمي و كربي، فقد ترى حالي و حال أصحابي» فنزل جبريل فقال: إن الله سمع دعوتك و كفاك هول عدوك، فخرّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على ركبتيه، و بسط يديه، و أرخى عينيه، و هو يقول: شكرا

41

كما رحمتني و رحمت أصحابي، و أخبره جبريل بأن الله مرسل عليهم ريحا، فبشر أصحابه بذلك.

قلت: فينبغي أن يدعى بذلك كله هناك، فيقول: اللهم يا صريخ المستصرخين و المكروبين، و يا غياث المستغيثين، و يا مفرج كرب المكروبين، و يا مجيب دعوة المضطرين، صلّ على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم، و اكشف عني كربي و غمي و حزني و همي، كما كشفت عن حبيبك و رسولك (صلّى اللّه عليه و سلّم) كربه و حزنه و غمه و همه في هذا المقام، و أنا أتشفع إليك به (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك، يا حنان يا منان يا ذا الجود و الإحسان.

و يقدم عليه ما في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يدعو عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربّ السموات و رب الأرضين رب العرش الكريم». و كذلك دعاء الشافعي (رحمه اللّه تعالى) الذي دعا به عند دخوله على الرشيد في محنته فقد روى أبو نعيم بإسناد من طريق الشافعي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) دعا به في يوم الأحزاب، و رفعه غير صحيح كما قال البيهقي، لكنه دعاء عظيم، و في ألفاظه اختلاف، و قد جمعت بينها و هو «شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولو العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم» ثم قال «و أنا أشهد بما شهد الله به، و أستودع الله هذه الشهادة، و هي وديعة لي عند الله يؤدّيها إلى يوم القيامة، اللهم إني أعوذ بنور قدسك و عظمة طهارتك و بركة جلالك من كل آفة و عاهة و من طوارق الليل و النهار، و طارق الجن و الإنس، إلا طارقا يطرق بخير، اللهم أنت غياثي فبك أغوث، و أنت ملاذي فبك ألوذ، و أنت عياذي فبك أعوذ، يا من ذلّت له رقاب الجبابرة، و خضعت له أعناق الفراعنة، أعوذ بجمال وجهك و كرم جلالك من خزيك و كشف سترك، و من نسيان ذكرك، و الاضراب عن شكرك، أنا في حرزك و كنفك و كلاءتك في ليلي و نهاري، و نومي و قراري، و ظعني و أسفاري، و حياتي و مماتي، ذكرك شعاري، و ثناؤك دثاري، لا إله إلا أنت سبحانك و بحمدك، تنزيها لاسمك و عظمتك، و تكريما لسبحات وجهك، أجرني من خزيك و من شر عبادك، و اضرب عليّ سرادقات حفظك، و قني سيئات عذابك، و جد علي، وعدني منك بخير يا أرحم الراحمين، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم، و الصلاة على النبي المرتضى محمد و آله و صحبه و سلم».

قلت: و مما يدل على اشتهار الاستجابة بهذا المسجد في يوم الأربعاء و قصد السلف له في ذلك اليوم حتى النساء ما حكاه الأديب شهاب الدين أبو الثناء محمود في كتابه «منازل الأحباب» من رؤية عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموع امرأة ممن يزور هذا المسجد في يوم الأربعاء مع نسوة المرة بعد الأخرى و ذكر قصته في تزوجه بها، و إنشاده:

42

يا للرّجال ليوم الأربعاء أ ما* * * ينفكّ يحدث لي بعد النهي طربا

ما إن يزال غزال فيه يظلمني‏* * * يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا

يخبّر الناس أنّ الأجر همّته‏* * * و ما أتى طالبا للأجر محتسبا

لو كان يبغي ثوابا ما أتى ظهرا* * * مضمخا بفتيت المسك مختضبا

و في كلام الزبير بن بكار ما يقتضي نسبة هذه الأبيات مع زيادة فيها لعبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي، و أنه كان إمام المسجد المذكور فإنه قال: و لما ولي الحسن بن زيد المدينة منع عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي أن يؤمّ الناس في مسجد الأحزاب، فقال له: أصلح الله الأمير لم منعتني مقامي و مقام آبائي و أجدادي قبلي؟ قال: ما منعك منه إلا يوم الأربعاء، يريد قوله:

يا للرّجال ليوم الأربعاء

و ذكر الأبيات الأربعة المتقدمة و زاد عقبها أربعة أخرى، و هي:

فإن فيه لمن يبغي فواضله‏* * * فضلا و للطالب المرتاد مطلبا

كم حرّة درّة قد كنت آلفها* * * تسدّ من دونها الأبواب و الحجبا

قد ساغ فيه لها مشي النهار كما* * * ساغ الشراق لعطشان إذا شربا

اخرجن فيه و لا ترعين ذا كذب‏* * * قد أبطل الله فيه قول من كذبا

قال المجد: و أما تسميته يعني المسجد الأعلى بمسجد الفتح فمحتمل أنه سمّي به لأنه أجيبت فيه دعوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الأحزاب، فكان فتحا على الإسلام أو أنزل الله عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سورة الفتح هناك، انتهى.

قلت: و بالثاني جزم ابن جبير في رحلته، لكن جاء في خبر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان قد تقنّع بثوبه يوم الخندق و اضطجع لما أتاه أصحابه بخبر بني قريظة، ثم إنه رفع رأسه فقال: بشروا بفتح الله و نصره» كما في مغازي ابن عقبة، فلعل ذلك كان في موضع هذا المسجد، فسمي بذلك لوقوع البشارة بالفتح فيه.

و أيضا فقد روى القرطبي ما يقتضي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما أرسل حذيفة ليأتيه بخبر الأحزاب كان بمحل هذا المسجد.

و قد قال ابن عقبة: إن حذيفة لما رجع وجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قائما يصلي، ثم انصرف إليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخبره الخبر، فأصبح رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون قد فتح الله عز و جل لهم و أقر أعينهم، اه.

و روى ابن شبة عن أسيد بن أبي أسيد عن أشياخهم أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح، و صلّى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حين يصعد الجبل». و روى ابن زبالة عن معاوية ابن عبد الله بن زيد، نحوه.

43

و عن معاذ بن سعد أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلّى في مسجد الفتح الذي على الجبل و في المساجد التي حوله».

المساجد التي حول مسجد الفتح‏

قلت: و ظاهره أن المساجد حوله ثلاثة لأنه أقل الجمع، و هو ما صرح به ابن النجار فقال: إن مسجد الفتح على رأس جبل يصعد إليه بدرج، و قد عمر عمارة جديدة، أي عمارة ابن أبي الهيجاء الآتية فإنه أدركها.

قال: و عن يمينه في الوادي نخل كثير، و يعرف ذلك الموضع بالسيحي، أي بالياء آخر الحروف. و مساجد حوله و هي ثلاثة- قبلة الأول منها خراب، و قد هدم و أخذت حجارته، و الآخران معموران بالحجارة و الجص، و هما في الوادي عند النخل، انتهى.

و قال المطري: إن المسجدين اللّذين في قبلة مسجد الفتح تحته يعرف الأول منهما يعني الذي يلي مسجد الفتح بمسجد سلمان الفارسي، و الثاني الذي يلي القبلة- يعني في قبلة مسجد سلمان- يعرف بمسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم ذكر ما تقدم عن ابن النجار من أنه كان معهما مسجد ثالث، ثم قال: و هذا لم يبق له أثر.

قلت: و في قبلة المسجد المعروف بأمير المؤمنين جانحا إلى جهة المشرق يلحق طرف جبل سلع الذي في قبلة المساجد رضم من حجارة رأينا الناس يتبركون بالصلاة بينها. و قد تأملتها فوجدت في طرفها مما يلي المشرق حجرا من المقام الذي يجعل منه الأساطين، و هو مثبت في الأرض بالجص، فترجح عندي أنه أثر أسطوان، و أن ذلك هو المسجد الذي يشير إليه ابن النجار، و ما ذكره المطري من نسبة المسجدين المذكورين لسلمان و علي رضي الله تعالى عنهما شائع على ألسنة الناس، و يزعمون أن الثالث الذي ذكر المطري أنه لم يبق له أثر مسجد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، و بعض العامة يسمى مسجد سلمان بمسجد أبي بكر رضي الله عنه، و لم أقف في ذلك كله على أصل.

قال المطري: و يصعد إلى مسجد الفتح بدرجتين شمالية و شرقية، و كان فيه ثلاث أسطوانات من بناء عمر بن عبد العزيز، فلذلك قال في الحديث «موضع الأسطوانة الوسطى».

قلت: و المراد أنها ثلاث أساطين بين المشرق و المغرب فمسقفه رواق واحد فقط كما هو عليه اليوم، قال المطري: لكنه تهدّم على طول الزمان فجدّده الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء أحد وزراء العبيديّين ملوك مصر في سنة خمس و سبعين و خمسمائة، و كذلك جدد بناء المسجدين اللذين تحته من جهة القبلة في سنة سبع و سبعين و خمسمائة.

قلت: و اسمه اليوم مرسوم على مسن في أعلى قبلة مسجد الفتح، و في أعلى قبلة المسجد الذي يليه. و فيه ذكر العمارة في التاريخ المذكور.

44

و أما المسجد الآخر- و هو الذي في قبلتهما، المنسوب لأمير المؤمنين عليّ- فتهدّم بناؤه، فجدّده الأمير زين الدين ضغيم بن حشرم المنصوري أمير المدينة الشريفة في سنة ست و سبعين و ثمانمائة، و كان سقفه عقدا، و فيه مسن عليه اسم ابن أبي الهيجاء كالمسجدين الآخرين، فجعل سقفه خشبا على أسطوان واحد، و سقف كل من مسجد الفتح و الذي في قبلته رواق واحد مقبوّ قبوا محكما، و في كل منهما ثلاث قناطر آخذة من المشرق إلى المغرب، و الظاهر أن الرحبة التي خف الرواق المذكور لم تغير عن حالها القديم. و ذرع المسجد الأعلى من القبلة إلى الشام عشرون ذراعا ينقص يسيرا، و من المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا. و ذرع المسجد الأسفل المنسوب لسلمان رضي الله تعالى عنه من القبلة إلى الشام أربعة عشر ذراعا شافة، و من المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة سبعة عشر ذراعا. و ذرع المسجد الذي يليه- و هو المنسوب لعلي رضي الله عنه- من القبلة إلى الشام ثلاثة عشر ذراعا شافة، و من المشرق إلى المغرب مما يلي القبلة ستة عشر ذراعا شافة.

مسجد بني حرام الكبير

و ينبغي لقاصد مساجد الفتح أن يزور مسجد بني حرام الكبير، و هو غير مسجدهم الصغير الآتي ذكره، و هذا المسجد هو الذي اتخذوه لشعبهم من سلع لما تحوّلوا إليه على ما قدمناه في ذكر المنازل؛ لما فيه مما يقتضي أنهم تخلوا إليه بإذن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لهم.

و قد روى رزين عن يحيى بن قتادة بن أبي قتادة عن مشيخة من قومه أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم».

و قدمنا هناك أيضا أن عمر بن عبد العزيز زاد فيه على بناء أهله له مدماكين من أعلاه، و طابق سقفه، و كان أولا بخشب و جريد، و جعل فيه زيت مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فهذا يقتضي أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى فيه، لكن تقدم أيضا ما يقتضي أن بنى حرام إنما انتقلوا للشعب المذكور في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.

و روى ابن شبة في ذكر المساجد التي يقال إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى فيها، و يقال إنه لم يصل فيها، عن حرام بن عثمان أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يصلّ في مسجد بني حرام الأكبر، ثم روى ما قدمناه من الاختلاف في وقت تحوّلهم إلى ذلك المحل.

فيتلخص من ذلك أنه مما اختلف في صلاة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه، و لذلك لم يفرده بالذكر، و قد ظهر لي محله في قرية بني حرام بشعبهم غربي جبل سلع على يمين السالك إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية، و على يسار السالك إلى المدينة من مساجد الفتح، فإذا جاوزت البطن الذي فيه مساجد الفتح و أنت قاصد المدينة يلقاك بعد ذلك بطن متسع من سلع فيه آثار قرية هي قرية بني حرام، و ذلك شعبهم، و قد انهدم المسجد بأجمعه، و بقي أساسه و آثار

45

أساطينه من الخزر المكسر، و فيها آثار الرصاص و عمد الحديد و آثار الرمل بأرضه، و لعل الله تعالى يبعث له من يحييه.

كهف بني حرام‏

و ينبغي لقاصد المسجد المذكور أن يزور كهف بني حرام قرب شعبهم المذكور؛ لما سيأتي في ذكر عين النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن عبد الملك بن جابر بن عتيك أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «توضّأ من العيينة التي عند كهف بني حرام» قال: و سمعت بعض مشيختنا يقول: قد دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك الكهف.

و في رواية أنهم كانوا- يعني الصحابة- يخرجون مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يخافون البيات، فيدخلونه كهف بني حرام فيبيت فيه، حتى إذا أصبح هبط، و إنه نقر العيينة التي عند الكهف.

و لما روى ابن شبة عن يحيى بن النصر الأنصاري أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) «جلس في كهف سلع» و المراد به كف بني حرام.

و لما روى الطبراني في الأوسط و الصغير عن أبي قتادة قال: خرج معاذ بن جبل فطلب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلم يجده، فطلبه في بيوته فلم يجده، فاتّبعه في سكة سكة حتى دلّ عليه في جبل ثواب، فخرج حتى رقي جبل ثواب فنظر يمينا و شمالا فبصر به في الكهف الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح، قال معاذ: فإذا هو ساجد، فهبطت من رأس الجبل و هو ساجد فلم يرفع حتى أسأت به الظن، فظننته أنه قد قبضت روحه، فقال: جاءني جبريل بهذا الموضع فقال: إن الله تبارك و تعالى يقرؤك السلام و يقول لك: ما تحبّ أن أصنع بأمتك؟ قلت: الله أعلم، فذهب ثم جاء إلي فقال: إنه يقول: لا أسوأك في أمتك، فسجدت فأفضل ما تقرب به إلى الله عز و جل السجود.

قلت: و جبل ثواب لم أقف له على ذكر، و لكن يؤخذ من قوله في هذا الكهف إنه الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح أنه جبل سلع، و المراد اتخذ الناس إلى الكهف طريقا إلى طريق مسجد الفتح، فهو كهف بني حرام بقرينة ما سبق، و الكهف كما في الصحاح: شبه البيت المنقور في الجبل، و هذا الكهف يظهر أنه الذي على يمين المتوجّه من المدينة إلى مساجد الفتح من الطريق القبلية أيضا إذا قرب من البطن الذي هو شعب بني حرام في مقابلة الحديقة المعروفة اليوم بالنقيبية عن يساره.

و كذلك الحصن المعروف بحصن حمل يكون في جهة يساره فهناك مجرى سائلة تسيل من سلع إلى بطحان، فإذا دخل في تلك السائلة و صعد يسيرا من سلع طالبا جهة المشرق كان الكهف المذكور على يمينه، و عنده أثر نقر ممتد في الجبل هو مجرى السائلة المذكورة، و إذا صعد

46

الإنسان من ذلك المجرى و كان في أعلاه وجد كهفا آخر، لكنه صغير جدّا، و الأول أقرب إلى كونه المراد، و لعل ذلك النقر هو المراد فيما يتعلق بالعيينة، و إذا حصل المطر بسلع سالت تلك السائلة، و يبقى هناك مواضع يتحصل فيها الماء ثم يجري منها؛ فينبغي التبرك بها، و الله أعلم.

مسجد القبلتين‏

و منها: مسجد القبلتين، قال رزين: و هو مسجد بني حرام بالقاع، و تبعه ابن النجار فمن بعده، و زاد المطري و تبعه من بعده أنه الذي رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) النخامة في قبلته فحكّها بعرجون كان في يده، ثم دعا بخلوق فجعله على راس العرجون ثم جعله في موضع النخامة، فكان أوّل مسجد خلّق، و هذا كله مردود؛ لأن ابن زبالة قال كما قدمناه في المنازل: إن بني سواد بن غنم بن كعب نزلوا عند مسجد القبلتين، و لهم مسجد القبلتين و نزل بنو عبي بن عدي بن غنم بن كعب عند مسجد الخربة، و نزل بنو حرام بن كعب بن غنم بن كعب عند مسجد بني حرام الصغير الذي بالقاع، و ابتنوا أطمأ يقال له جاعص كان في السهل بين الأرض التي كانت لجابر بن عتيك و بين العين التي عملها معاوية بن أبي سفيان، و حينئذ فلا يصح كون مسجد بني حرام الصغير هو مسجد القبلتين. و كان هؤلاء الجماعة فهموا من وصف مسجدهم هذا بالصغير أن مسجدهم الكبير هو مسجد القبلتين، و ليس كذلك؛ لما قدمناه من أن مسجدهم الكبير نقل أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يصلّ فيه، و أنه الذي بشعب سلع، و أيضا فقد صرح ابن زبالة بأن مسجد القبلتين لبني سواد، و أيضا فاسم القاع إنما يناسب ما قدمناه في بيان منازل بني حرام في غربي مساجد الفتح، فمسجد بني حرام هذا من المساجد التي لا تعلم اليوم عينها، و لكن تعلم جهتها. و مما يوضح المغايرة بين مسجد بني حرام و بين مسجد القبلتين، و يصرح بخطإ ما ذهب إليه من جعلهما متحدين أن ابن شبة روى عن جابر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى في مسجد الخربة، و في مسجد القبلتين، و في مسجد بني حرام الذي بالقاع. و رواه أيضا ابن زبالة عن جابر بلفظ «صلّى في مسجد القبلتين و في مسجد بني حرام بالقاع» و لم يذكر مسجد الخربة؛ فاتّضح بذلك ما قلناه، و تعين اجتناب ما عداه، و ما ذكره المطري من كون مسجد القبلتين أول مسجد خلّق أخذه من ورود ذلك في مسجد بني حرام لظنه اتحادهما؛ فاجتنبه.

و قال ابن زبالة: و حدثني موسى بن إبراهيم عن غير واحد من مشيخة بني سلمة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلّى في مسجد القبلتين» و قد قدمناه في الفصل الثالث من الباب الرابع الاختلاف في تعيين المسجد الذي وقع فيه تحويل القبلة و سنته و الصلاة التي وقع ذلك فيها، و في بعض تلك الروايات أن ذلك كان بمسجد القبلتين، و أن الواقديّ قال: إن ذلك هو الثابت عنده.

47

و روى يحيى عن عثمان بن محمد بن الأخنس قال: زار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) امرأة- و هي أم بشر من بني سلمة- في بني سلمة، فصنعت له طعاما، قالت أم بشر: فهم يأكلون من ذلك الطعام إلى أن سألوا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الأرواح، فذكر حديثها في أرواح المؤمنين و الكافرين، ثم قال: فجاءت الظهر فصلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر، فلما أن صلى ركعتين أمر أن يوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الكعبة و استقبل الميزاب؛ فهي القبلة التي قال الله تعالى «فلنولينك قبلة ترضاها» فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين.

و في رواية له: فلما صلى ركعتين أمر أن يولي وجهه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الكعبة و المسجد مسجد القبلتين، و كان الظهر يومئذ أربعا منها اثنتان إلى بيت المقدس و ثنتان إلى الكعبة.

قلت: و هذا ما أشار إليه ابن سعد بقوله: و يقال إنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما و حانت الظهر، فصلى بأصحابه ركعتين، ثم أمر أن يوجّه إلى الكعبة، فاستداروا إلى الكعبة، فسمي المسجد مسجد القبلتين.

و تقدم ما قاله الزمخشري من صرف القبلة في هذا المسجد في صلاة الظهر، و إنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الله عليه و سلم تحول في الصلاة و حوّل الرجال مكان النساء و النساء مكان الرجال.

و روى ابن زبالة عن محمد بن جابر قال: صرفت القبلة و نفر من بني سلمة يصلون الظهر في المسجد الذي يقال له مسجد القبلتين، فأتاهم آت فأخبرهم و قد صلوا ركعتين فاستداروا حتى جعلوا وجوههم إلى الكعبة، فبذلك سمّي مسجد القبلتين.

قال المجد: فعلى هذا كان مسجد قباء أولى بهذه التسمية؛ لما ثبت في الصحيحين من وقوع نحو ذلك به.

و قد أطنب المجد هنا فيما جاء في تخليق القبلة لتوهمه أن مسجد القبلتين هو المراد، و ذلك و هم لما أسلفناه، و هذا المسجد- كما قال المطري- بعيد من مساجد الفتح من جهة المغرب على رابية على شفير وادي العقيق، يعني العقيق الصغير.

قلت: و هو مرتفع عن شفير وادي العقيق كثيرا، و كأنه أراد بذلك بيان مناسبة ما ادّعاه من تسمية موضعه بالقاع، و قد جدد سقف هذا المسجد و أصلحه الشجاعي شاهين الجمالي شيخ الخدامين عام ثلاث و تسعين و ثمانمائة، و الله أعلم.

مسجد السقيا

و منها: مسجد السقيا، سقيا سعد الآتي ذكرها في الآبار، في شامي البئر المذكورة

48

قريبا منها جانحا إلى المغرب يسيرا في طريق المار إلى الرقيقين من طريق العقيق، و هذا المسجد ذكره أبو عبد الله الأسدي من المتقدمين في منسكه في المساجد التي تزار بالمدينة.

و روى ابن شبة في ترجمة المواضع التي صلّى فيها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و مساجده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: عرض النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر و صلّى بها.

و قد قدمنا في الفصل الرابع من الباب الثاني ما رواه الترمذي و قال حسن صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حتى إذا كنا بحرّة السقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): ائتوني بوضوء، فتوضأ ثم قام فاستقبل القبلة فقال: اللهم إن إبراهيم كان عبدك و خليلك و دعاك لأهل مكة بالبركة، و أنا عبدك و رسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدّهم و صاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين.

و قدمنا أيضا أن ابن شبة رواه بنحوه إلا أنه قال: حتى إذا كنا بالحرة بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): ائتوني بوضوء، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة ثم كبر ثم قال، الحديث بنحوه.

و تقدم أيضا رواية الطبراني له بسند جيد، و أن أحمد روى برجال الصحيح عن أبي قتادة أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «صلّى بأرض سعد بأصل الحرّة عند بيوت السقيا، ثم قال: إن إبراهيم خليلك و عبدك و نبيك دعاك لأهل مكة، و أنا محمد عبدك و رسولك أدعوك لأهل المدينة مثلي ما دعاك به إبراهيم لمكة، أن تبارك لهم في صاعهم و مدّهم و ثمارهم، اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، و اجعل ما بها من وباء بخم، اللهم إني حرّمت ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم».

و قال الواقدي في غزوة بدر: لما نزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند بيوت السّقيا، فحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى عند بيوت السّقيا و دعا يومئذ لأهل المدينة: اللهم إن إبراهيم عبدك و خليلك و نبيك، الحديث.

و روى أيضا عن سعد بن أبي وقّاص قال: خرجنا إلى بدر مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و معنا سبعون بعيرا، و كانوا يتعاقبون الثلاثة و الأربعة و الاثنان على بعير، و كنت أنا من أعظم أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) غنّى و أرجلهم رجلة و أرماهم بسهم لم أركب خطوة ذاهبا و لا راجعا.

و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين فصل من يثرب للسقيا: اللهم إنهم حفاة فاحملهم، و عراة فاكسهم، و جياع فأشبعهم، و عالة فأغنهم من فضلك، قال: فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا للرجل البعير و البعيران، و اكتسى من كان عاريا، و أصابوا طعاما من أزوادهم، و أصابوا فداء الأسرى فأغنى به كل عائل.

49

و روى ابن زبالة عن عمر بن عبد الله الديا ناري و عمار بن حفص أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عرض جيش بدر بالسقيا، و صلّى في مسجدها، و دعا هنالك لأهل المدينة أن يبارك لهم في صاعهم و مدّهم، و أن يأتيهم بالرزق من ها و هنا. قال: و اسم البئر السقيا، و اسم أرضها الفلجان.

قلت: و لم يكن هذا المسجد معروفا، و لم يذكره المطري، بل تردد في البئر بين البئر التي في المحل المذكور و بين البئر المعروفة بزمزم، و مال إلى ترجيح أنها التي في المحل المذكور، فاتفق أني جئت إلى ذلك المحل و تطلبت المسجد، فرأيت محله رضما، فأرسلت إليه بعض المعلمين و أمرته أن يتتبع الأساس بالحفر من داخله فظهر محراب المسجد و تربيعه و بناؤه بالحجارة المطابقة بالجص، و قد بقي منه في الأرض أزيد من نصف ذراع فيه بياض المسجد بالقصّة بحيث يعلم الناظر أنه من البناء العمري، و خرج الناس أفواجا لرؤيته و التبرك به، ثم بنى و لله الحمد على أساسه الأول، و هو مربع، مساحته نحو سبعة أذرع في مثلها.

مسجد ذباب (الراية)

و منها: مسجد ذباب، و يعرف اليوم بمسجد الراية، و لما لم يعرفه المطري قال: و ليس بالمدينة مسجد يعرف غير ما ذكر إلّا مسجدّا أعلى ثنية الوداع عن يسار الداخل إلى المدينة من طريق الشام، و مسجدّا آخر على طريق السافلة، و لم يرد فيهما نقل يعتمد عليه.

قال الزين المراغي في بيان المسجد الأول: و كأنه يريد به المسجد المعروف بمسجد الراية.

قلت: هو مراده؛ لوجوده في زمنه، و لم يعدّه في المساجد و أطلق على محل ثنية الوداع لقربه منها، و هو مبني بالحجارة المطابقة على صفة المساجد العمرية، و كان قد تهدم فجدده الأمير جانبك النيروزي (رحمه اللّه تعالى) سنة خمس أو ست و أربعين و ثمانمائة، و قد اتضح لنا ما جاء في هذا المسجد بحمد الله تعالى لأن الإمام أبا عبد الله الأسدي في المتقدمين لما عدد في كتابه الأماكن التي تزار في المدينة الشريفة قال: مسجد الفتح على الجبل، و مسجد ذباب على الجبل، انتهى. و ذباب: اسم الجبل الذي عليه المسجد المذكور كما سنوضحه.

و قد روى ابن زبالة و ابن شبة عن عبد الرحمن الأعرج أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى على ذباب.

و روى الثاني عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: ضرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبّته على ذباب.

و عن الحارث بن عبد الرحمن قال: بعثت عائشة رضي الله تعالى عنها إلى مروان بن الحكم حين قتل ذبابا و صلبه على ذباب تقول: موقف صلى عليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و اتخذته مصلبا.

قال أبو غسان: و ذباب رجل من أهل اليمن عدا على رجل من الأنصار، و كان عاملا

50

لمروان على بعض مساعي اليمن، و كان الأنصاري عدا على رجل فأخذ منه بقرة ليست عليه، فتبع ذباب الأنصاريّ حتى قدم المدينة، ثم جلس له في المسجد حتى قتله، فقال له مروان:

ما حملك على قتله؟ قال: ظلمني بقرة لي، و كنت امرأ خبيث النفس فقتلته، فقتله مروان و صلبه على ذباب.

و تقدم من رواية ابن شبة في اتخاذ المقصورة في المسجد ما يقتضي أن الرجل الذي ظلمه ساعي مروان اسمه دب، و أنه إنما همّ بقتل مروان، فأخذه مروان، فذكر له السبب المتقدم و أنه حبسه ثم أمر به فقتل.

و قال ابن شبة: قال أبو غسان: و أخبرني بعض مشايخنا أن السلاطين كانوا يصلبون على ذباب، فقال هشام بن عروة لزياد بن عبيد الله الحارثي: يا عجبا، يصلبون على مضرب قبة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكفّ عن ذلك زياد و كفت الولاة بعده عنه.

قلت: و قد جعل المطري في الكلام على الخندق مضرب قبّة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو محل مسجد الفتح من سلع؛ لظنه أن الخندق لم يكن إلا في غربي سلع، و كأنه لم يطلع على ما هنا. و لم أر لما ذكره أصلا في كلام غيره، و قد غاير أبو عبد الله الأسدي بين مسجد الفتح و مسجد ذباب كما قدمناه، و سيأتي ما يؤخذ منه أن الخندق كان شامي المدينة بين حرّتيها الشرقية و الغربية.

و في اتخاذ المسجد على هذا الجبل رد لما أوّل به الطبراني الصلاة عليه بالدعاء فإنه روى بسند فيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن سهل بن سعد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلى على ذباب، قال الطبراني عقبه: بلغني أن ذبابا جبل بالحجاز و قوله «صلى» أي: بارك عليه.

قلت: صرح ابن الأثير بأنه جبل بالمدينة، و في الاكتفاء في غزوة تبوك ما لفظه: فلما خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضرب عسكره على ثنية الوداع و ضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب.

و قد قال الكمال الدميري: إن في كتب الغريب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلب رجلا على جبل يقال له ذباب، و إن البكري قال: هو جبل بجبّانة المدينة.

و تقدم في منازل بني الديل حول ثنية الوداع ذكر الجبّانة، و كذا في ذكر البلاط.

و قال الواقدي في كتاب الحرة: إنهم لما اصطفّوا لقتال جيش الحرّة على الخندق، و كان يزيد بن هرمز في موضع ذباب إلى مربد النّعم معه الدهم من الموالي، و هو يحمل رايتهم، و هو أميرهم، و قد صف أصحابه كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس الثنية أي: ثنية الوداع.

و هذا كله صريح في أن ذبابا هو الجبل المذكور، و لعل السبب في اشتهار مسجده بمسجد الراية ما ذكره الواقدي من أن يزيد بن هرمز كان في موضعه و معه راية الموالي.

51

و قد تقدم في منازل يهود قول ابن زبالة: و كان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له السرعي، و هو الأطم الذي دون ذباب، و سيأتي في ترجمة الشوط أنه قريب من منازل بني ساعدة، و قد رأيت لذباب ذكرا في أماكن كثيرة جدّا، و كلها متفقة على وصفه بما يدل على أنه الجبل الذي عليه مسجد الراية، بحيث زال الشك عندي في ذلك.

و يؤخذ مما سيأتي في ترجمة الخندق أن الصخرة- التي خرجت- من بطن الخندق و هم يحفرونه، و ضربها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمعول الحديث كانت تحته، لكنه سمي في تلك الرواية ذو باب بزيادة واو، و الله أعلم.

مسجد القبيح‏

و منها: المسجد اللاصق بجبل أحد على يمينك و أنت ذاهب إلى الشعب الذي فيه المهراس، و هو صغير قد تهدم بناؤه.

قال الزين المراغي: و يقال: إنه يسمّى مسجد القبيح.

قلت: و هو مشهور بذلك اليوم، و يزعمون أن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ‏ الآية [المجادلة: 11] نزلت فيه، و لم أقف على أصل لذلك.

و قال المطري: يقال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى فيه الظهر و العصر يوم أحد، بعد انقضاء القتال، و كأنه لم يقف فيه على شي‏ء.

و قد روى ابن شبة بسند جيد عن رافع بن خديج أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الحرار على يمينك لازق بالجبل.

مسجد في ركن جبل عينين‏

و منها: مسجد في ركن جبل عينين الشرقي على قطعة منه، و هذا الجيل كان عليه الرّماة يوم أحد، و هو في قبلة مشهد سيدنا حمزة رضي الله تعالى عنه، و قد تهدم غالب هذا المسجد.

قال المطري: يقال: إنه هو الموضع الذي طعن فيه حمزة رضي الله تعالى عنه.

قلت: و كذا هو مشهور اليوم، و قد ذكر المجد هذا المسجد و الذي بعده و قال: ينبغي اغتنام الصلاة فيهما؛ لأنهما لم يبنيا إلا علما للزائرين، و مشهدا للقاصدين، و قول من قال إن الأول طعن مكانه حمزة و الثاني صرع فيه فوقع لم يثبت فيه أثر، و إنما هو قول مستفيض.

ثم قال: و يذكر بعض الناس أن المسجد الأول- يعني هذا- كسر في مكانه ثنيّة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان ما كان من ابتلاء الله تعالى صفيه و خليله عليه الصلاة و السلام، كل ذلك مقالات يذكرها أهل المدينة لم يرد بها نقل.

قلت: و كلامه و كلام المطري صريح في أنهما لم يقفا على ما جاء فيه.

52

و سيأتي في قبر حمزة رضي الله تعالى عنه ما رواه ابن شبة من أنه لما قتل أقام في موضعه تحت جبل الرّماة و هو الجبل المذكور، ثم أمر به النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فحمل عن بطن الوادي، و هذا هو محل المسجد الثاني.

و أما هذا المسجد فقد روى ابن شبة فيه عن جابر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) صلّى الظهر يوم أحد على عينين الظرب الذي بأحد عند القنطرة، و كأنه يعني بالقنطرة قنطرة العين التي كانت قديما هناك. و أشار إليها المطري بقوله عقب ذكر هذا المسجد: و قد تجدّدت هناك عين ماء، جدّدها الأمير بدر الدين ودي بن جماز صاحب المد، مفيضها بالقرب من هذا المسجد، انتهى.

و العين اليوم دائرة، و قد تقدم في غزوة أحد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذهابه إلى أحد بات بالشيخان‏ (1) و أدلج في السحر فانتهى إلى موضع القنطرة، فحانت الصلاة فصلّى بأصحابه الصبح صفوفا عليهم السلاح؛ فيحتمل: أن المراد بذلك هذا المسجد، و يحتمل- و هو الأظهر-: أن يراد به المسجد الآتي ذكره عقبه؛ لأن في رواية ابن شبة ذكر صلاة الظهر و أن الموضع من نفس الجبل عند القنطرة، و في هذه الرواية صلاة الصبح و أن ذلك في موضع القنطرة، و الله أعلم.

مسجد العسكر

و منها: مسجد في شمالي المسجد المذكور قبله قرب عينين أيضا، على شفير الوادي، قد تهدم أكثره، و كان مبنيا بالحجارة المنقوشة المطابقة على هيئة البناء العمري، و فيه بقايا آثار الأساطين، و لم أقف فيه على شي‏ء سوى ما قدمته من الاحتمال الثاني في الرواية المتقدمة.

و ذكر المطري أنه يقال: إنه مصرع حمزة رضي الله تعالى عنه، و إنه مشى بطعنته من الموضع الأول إلى هناك فصرع رضي الله تعالى عنه.

و قد أشرنا فيما سبق إلى أصل ما جاء في أن الموضع الثاني مكان مقتله، و إنما أثبتّه في المساجد- مع ما قدمته من أني لم أقف فيه على شي‏ء صريح- لأن ابن شبة قال ما لفظه:

قال أبو غسان: و قال لي غير واحد من أهل العلم من أهل البلد: إن كل مسجد من مساجد المدينة و نواحيها مبنيّ بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) سأل و الناس يومئذ متوافرون عن المساجد التي صلّى فيها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة، انتهى.

و قد ذكر هذا المسجد أبو عبد الله الأسدي من المتقدمين، و سماه مسجد العسكر، فقال‏

____________

(1) الشيخان: موضع بالمدينة، و هو معسكر الرسول عليه الصلاة و السلام، يوم أحد.