إثارة الترغيب والتشويق إلى المساجد الثلاثة والبيت العتيق‏ - ج2

- محمد بن إسحاق الخوارزمي المزيد...
208 /
293

الجزء الثاني‏

القسم الثانى فى ذكر فضيلة المدينة و زيارة قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و ما يضاف إليها

و فيه خمسة و عشرون فصلا:

الفصل الأول: فى ذكر نسب النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و خلفائه رضى اللّه عنهم.

الفصل الثانى: فى ذكر أسامى المدينة و فضل سكانها.

الفصل الثالث: فى ذكر فضيلة المدينة و فضل سكانها.

الفصل الرابع: فى ذكر كيفية فتح المدينة.

الفصل الخامس: فى ذكر وصية النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و ذكر وفاته (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل السادس: فى ذكر فضيلة المقام و المجاورة و فضل الموت فيها.

الفصل السابع: فى ذكر فضيلة مسجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل الثامن: فى ذكر فضيلة الروضة و المنبر الشريفين.

الفصل التاسع: فى ذكر زيارة القبر المقدس.

الفصل العاشر: فى ذكر الأسطوانة المخلقة.

الفصل الحادى عشر: فى ذكر أسطوانة التوبة.

الفصل الثانى عشر: فى ذكر آداب زيارة القبر المقدس.

الفصل الثالث عشر: فى ذكر الكلمات المروية من زوار قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل الرابع عشر: فى ذكر زيارة البقيع.

الفصل الخامس عشر: فى ذكر زيارة مسجد قباء.

الفصل السادس عشر: فى ذكر زيارة شهداء أحد.

294

الفصل السابع عشر: فى ذكر المساجد التى صلى فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل الثامن عشر: فى ذكر الآبار التى كان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يتوضأ و يغتسل و يشرب منها.

الفصل التاسع عشر: فى ذكر بعض خصائص مدينة النبى (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل العشرون: فى ذكر الاختلاف فى نقل تراب المدينة.

الفصل الحادى و العشرون: فى ذكر ما يتعلق بمسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل الثانى و العشرون: فى ذكر حجرة النبى (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل الثالث و العشرون: فى ذكر أن بعد بناء عمر بن عبد العزيز هل دخل أحد فى بيت النبى (صلى اللّه عليه و سلم).

الفصل الرابع و العشرون: فى ذكر المنبر و الشريف و الأسطوانة الحنانة.

الفصل الخامس و العشرون: فى ذكر رجوع الحاج إلى وطنه و بلده و أهله.

***

295

الفصل الأول فى ذكر نسب النبى (صلى اللّه عليه و سلم)

فهو أبو القاسم محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرةّ بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أدّ (1) ابن أدد بن المقوم بن ناجور بن يبرح بن يشجب بن يعرب بن يشجب بن ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم- خليل الرحمن (عليه السلام)- بن تارخ- و هو آذر- بن ناخور ابن شاروح بن راعو بن فالح بن غبير بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح بن لابك بن متوشلح بن أخنوخ- و هو إدريس (عليه السلام)- فيما يزعمون، و هو أول نبى أعطى النبوة و خط بالقلم، و هو- ابن يزد بن مهليل بن قتيز بن يانس بن شيث بن آدم (عليه السلام)(2).

ذكر هذا النسب محمد بن إسحاق بن يسار المدنى فى إحدى الروايات عنه.

و إلى عدنان متفق على صحته من غير شك و اختلاف. و اختلفوا فيما فوقه؛ لأن عائشة رضى اللّه عنها قالت: ما سمع من النسب فوق عدنان إلا من اليهود.

و لما نزل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ‏ (3) قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «كذب النسابون» و البخارى (رحمه اللّه) لم يتعد فى الصحيح فوق عدنان.

و روى عن ابن عباس قال: كان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) إذا انتهى إلى عدنان أمسك ثم يقول:

كذب النسابون.

____________

(1) كل الطرق تقول: «عدنان بن إدد» إلا طائفة واحدة تقول: «عدنان بن أد بن أدد».

(2) السيرة لابن هشام 1/ 2، سبل الهدى و الرشاد 1/ 280.

(3) سورة إبراهيم: آية 9.

296

و قريش هو فهر بن مالك. و قيل: النّضر بن كنانة (1).

و أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن لؤى بن غالب.

مولده (صلى اللّه عليه و سلم): قال بعضهم: ولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة عام الفيل فى شهر ربيع الأول لليلتين خلتا منه، يوم الاثنين‏ (2).

و قال بعضهم: بعد عام الفيل بثلاثين عاما. و قال بعضهم: بأربعين عاما (3).

و الصحيح أنه ولد عام الفيل‏ (4).

و مات أبوه عبد اللّه بن عبد المطلب و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أتى عليه ثمانية و عشرون شهرا (5).

و قال بعضهم: مات أبوه و هو ابن سبعة أشهر (6).

و قال بعضهم: مات أبوه فى دار النابغة و هو حمل‏ (7).

و قيل: مات بالأبواء بين مكة و المدينة (8).

____________

(1) انظر: سبل الهدى و الرشاد 1/ 332، سنن ابن ماجه (2612). و قال ابن شهاب: إن من جاور فهرا فليس من قريش، و به قال الشعبى و هشام بن محمد الكلبى، و صححه الحافظ شرف الدين الدمياطى، و الحافظ العراقى.

أما محمد بن إسحاق و أبو عبيد القاسم بن سلام، و الإمام الشافعى فقالوا: إن قريشا هم بنو النضر بن كنانه، و هو الصحيح كما ورد فى الحديث الذى رواه ابن ماجه فى سننه عند ما قدم عليه الأشعث بن قيس- رضى اللّه عنه- و قال له: ألستم منا يا رسول اللّه؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا.

نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفوا أمنا و لا ننتفى من أبينا». سنن ابن ماجه (2612).

(2) هذا هو الرأى الصحيح مما ورد فى: صحيح مسلم (الصيام: 197)، أحمد 2/ 200، سنن أبى داود 1/ 241، مستدرك الحاكم 2/ 603.

(3) انظر عن ذلك: الروض الأنف 1/ 107، طبقات ابن سعد 1/ 62، سبل الهدى و الرشاد 1/ 405.

(4) انظر: السيرة لابن هشام 1/ 158، سبل الهدى و الرشاد 1/ 403، 404.

(5) السهيلى فى الروض الأنف 1/ 107، سبل الهدى و الرشاد 1/ 398.

(6) سبل الهدى و الرشاد 1/ 398.

(7) هذا هو الرأى الذى عليه الأكثرين، انظر: السيرة لابن هشام 1/ 158، الروض الأنف 1/ 107، طبقات ابن سعد 1/ 61، سبل الهدى و الرشاد 1/ 398.

(8) أكثر العلماء قالوا بأن عبد اللّه مات عند أخواله بنى النجار، و يقال إنه دفن فى دار النابغة فى-

297

و قال عبد اللّه بن الزّبير بن بكّار الزّبيرى: توفى عبد اللّه بن عبد المطلب بالمدينة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ابن شهرين، و ماتت زوجته و هو ابن أربع سنين، و مات جده عبد المطلب و هو ابن ثمانى سنين، و قيل: ماتت أمه و هو ابن ست سنين.

و أرضعته (صلى اللّه عليه و سلم) ثويبة جارية أبى لهب، و أرضعت معه حمزة بن عبد المطلب و أبا سلمة عبد اللّه بن عبد الأسود المخزومى و أرضعتهم بلبن ابنها مسروح. و أرضعته (صلى اللّه عليه و سلم) أيضا حليمة بنت أبى ذوئب السعدية (1).

و نشأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يتيما يكفله جده عبد المطلب و بعده عمه أبو طالب بن عبد المطلب، و طهره اللّه تعالى من دنس الجاهلية و من كل عيب، و منحه كل خلق حسن حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين؛ لما شاهدوا من أمانته و صدق حديثه و طهارته.

فلما بلغ عمره اثنا عشر سنة خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام حتى بلغ إلى بصرى فرآه بحيرا الراهب‏ (2) فعرفه بصفاته، فجاء إليه و أخذ بيده و قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه اللّه رحمة للعالمين. فقيل له: و ما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجر و لا حجر إلا خرّ له ساجدا. و لا يسجد إلا لنبى، و إنّا نجد فى كتبنا كذلك. و سأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود (3).

ثم خرج ثانيا إلى الشام مع ميسرة- غلام خديجة- رضى اللّه عنها- فى تجارة لها قبل أن يتزوجها حتى بلغ إلى سوق بصرى، فباع تجارته، فلما رجع و بلغ خمسا و عشرين سنة تزوج خديجة- رضى اللّه عنها (4).

____________

- الدار الصغرى. و كان عمره عند وفاته خمس و عشرون سنة. (يراجع فى ذلك: طبقات ابن سعد 1/ 62، السيرة لابن هشام 1/ 158، سبل الهدى و الرشاد 1/ 398.

(1) السيرة لابن هشام 1/ 168، 169.

(2) هو: جرجيس، و يقال: سرجس، و جرجس. حبر من أحبار يهود تيماء- كما قيل- كان نصرانيا من بنى عبد القيس. (انظر: السيرة لابن هشام 1/ 180، المواهب اللدنية 1/ 192).

(3) أخرجه: الترمذى (3620)، مشكاة المصابيح (5918).

(4) انظر فى زواج النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بخديجة: السيرة لابن هشام 1/ 187، مسند أحمد 1/ 312.

298

فلما بلغ أربعين سنة اختصه اللّه تعالى بكرامته و بعثه برسالته؛ أتاه جبريل (عليه السلام) و هو بغار حراء- جبل بمكة- و أقام بها بعد البعث ثلاث عشر سنة. و قيل:

خمس عشرة سنة. و قيل: عشرا (1). و الصحيح هو الأول.

و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يصلى إلى بيت المقدس مدة إقامته بمكة و ما كان يستدبر الكعبة بل يجعلها بين يديه، ثم هاجر إلى المدينة و معه أبو بكر الصديق- رضى اللّه عنه- و مولى أبى بكر عامر بن فهيرة، و كان دليلهم عبد اللّه بن أريقط، و هو كافر و لم يعرف له إسلام، فأقام بالمدينة عشر سنين كوامل، و توفى بها (صلى اللّه عليه و سلم)، و سيجى‏ء ذكر وفاته بعد إن شاء اللّه تعالى.

ذكر أنساب الخلفاء الراشدين رضى اللّه عنهم أجمعين‏

أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه: ولد بمنى، و اسمه: عبد اللّه بن أبى قحافة، و اسم أبى قحافة: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب التيمى القرشى‏ (2). و كان اسمه: عبد الكعبة فسماه النبى (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه‏ (3).

قال ابن قتيبة: و لقبه النبى (صلى اللّه عليه و سلم) عتيقا لجمال وجهه، و سماه الصديق. و كان على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- يحلف باللّه أن اللّه أنزل اسم أبى بكر من السماء الصديق‏ (4).

يلتقى مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى مرة بن كعب. و هو أول من أسلم، و لم يفته مشهد مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و قال فى الملخص: اختلف فى أول من أسلم منهم فقيل: أبو بكر. و قيل:

علىّ. و قيل: زيد بن حارثة. و قيل: بلال. و ادّعى الثعلبى المفسر اتفاق العلماء

____________

(1) هذا هو الرأى الصحيح الذى عليه رأى العلماء و هو الموافق لما فى صحيح البخارى (3902)، دلائل النبوة للبيهقى 2/ 131.

(2) السيرة لابن هشام 1/ 249.

(3) أخرجه: المحب الطبرى فى القرى (ص 671) بلفظ: «يفتح الشام» و عزاه لمسلم فى صحيحه.

(4) أخرجه: البخارى 3/ 20 (حرم المدينة)، مسلم 4/ 115، 116 (فضل المدينة).

299

على أن أول من أسلم خديجة بنت خويلد و أن اختلافهم إنما هو فى أول من أسلم بعدها. و الأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، و من الصبيان علىّ، و من النساء خديجة، و من الموالى زيد بن حارثة، و من العبيد بلال رضى اللّه عنهم.

و أسلم على يد أبى بكر- رضى اللّه عنه- عثمان بن عفان، و الزبير، و طلحة، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبى وقاص، رضى اللّه عنهم.

و هو أول من جمع القرآن- يعنى أبا بكر- وقاية و مخرجا من الشبهات، و تنزه عن الخمر فى الجاهلية و الإسلام.

و اسم أمه: أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة و هى بنت عم أبيه‏ (1).

أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى. يلتقى مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى كعب بن لؤى.

و اسم أمه: حنتمة بنت هاشم- و قيل: هشام- بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر ابن مخزوم.

و أسلم بمكة فى سنة ست من النبوة. و قيل: سنة خمس‏ (2).

و قال الليث: أسلم بعد ثلاثة و ثلاثين رجلا. و قال هلال بن يساف: بعد أربعين رجلا و إحدى عشرة امرأة (3). و قيل: إنه أتم الأربعين، فنزل جبريل (عليه السلام) و قال: يا محمد استبشر أهل السماء بإسلام عمر. و ظهر الإسلام يوم أسلم عمر رضى اللّه عنه؛ فلذلك يسمى الفاروق‏ (4)، و لم يفته مشهد مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

____________

(1) السيرة لابن هشام 1/ 250.

(2) راجع قصة إسلام عمر فى: السيرة لابن هشام 1/ 342، سنن الترمذى (3681)، طبقات ابن سعد 5/ 617، دلائل النبوة للبيهقى 2/ 216.

(3) دلائل النبوة للبيهقى 2/ 222.

(4) السيرة لابن هشام 1/ 345.

300

و هو أول خليفة دعى بأمير المؤمنين. و أول من كتب التاريخ للمسلمين. و أول من جمع القرآن فى المصحف. و أول من جمع الناس على قيام رمضان. و أول من عشّر فى عمله، و حمل الدرّة و أدب بها، و وضع الخراج، و مصّر الأمصار، و استقضى القضاة، و دوّن الديوان، و فرض الأعطية، و حج بأزواج النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى آخر حجة حجها (1).

أبو عبد اللّه عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. يلتقى مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى عبد مناف و هو الأب الخامس.

و اسم أمه: أروى بنت كريز بن ربيعة بن خبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، و أمها: أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب.

أسلم قديما. و هاجر إلى الحبشة الهجرتين. و تزوج ابنتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) رقية و أم كلثوم و هما من خديجة رضى اللّه عنها (2).

أبو الحسن علىّ بن أبى طالب بن عبد المطلب ابن عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و اسم أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. و هى أول هاشمية ولدت هاشميا، أسلمت و هاجرت إلى المدينة و ماتت فى حياة النبى (صلى اللّه عليه و سلم). فتزوج علىّ فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فولدت له الحسن و الحسين و محسن؛ و لكن محسن مات صغيرا. و لم يتخلف علىّ رضى اللّه عنه فى مشهد إلا فى تبوك، خلّفه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى أهله. رضى اللّه عنهم أجمعين‏ (3).

***

____________

(1) راجع عن سيرة عمر بن الخطاب: طبقات ابن سعد 3/ 334- 342، تاريخ الطبرى 5/ 33- 38، الكامل 3/ 20، صفوة الصفوة 1/ 87، البداية و النهاية 7/ 137، تاريخ الخلفاء (ص: 131- 134)، تاريخ الخميس 2/ 248، النجوم الزاهرة 1/ 77، الاستيعاب 3/ 1158.

(2) راجع سيرة عثمان بن عفان فى: تاريخ الطبرى 5/ 172، الكامل 3/ 87، البداية و النهاية 7/ 187، تاريخ الخلفاء (ص: 163- 183).

(3) يراجع فى ذلك: تاريخ الخلفاء (ص: 185- 213)، طبقات ابن سعد 2/ 238، تاريخ الطبرى 6/ 92، الكامل 3/ 174.

301

الفصل الثانى فى ذكر أسامى المدينة (1) و فضل سكانها

اعلم أن لهذه البلدة الشريفة التى شرفها اللّه تعالى بالنبى الأمى (صلى اللّه عليه و سلم) أسامى كثيرة و أعلاما منيرة، و أن كثرة الأسامى تدل على شرف المسمى؛ فمنها: المدينة، و طيبة، و طابة، و طيّبة، و المسكينة، و جابرة، و المجبورة، و المرحومة، و المحبة، و المحبوبة، و الحبيبة، و المحبّبة، و القاصمة، و الهزراء. و من أسمائها الدار أيضا.

عن كعب الأحبار قال: نجد فى كتاب اللّه الذى نزل على موسى (عليه السلام) أن اللّه تعالى قال للمدينة: يا طيبة يا طابة يا مسكينة، لا تقبلى الكنوز، ارفعى أجاجيرك على أجاجير القرى‏ (2).

قيل: الإجّار: المسطح بلغة أهل الحجاز و الشام، و الجمع: أجاجير.

و قال عبد العزيز بن محمد: بلغنى أن لها فى التوراة أربعين اسما.

و قد كره بعض العلماء تسميتها يثرب؛ و الدليل على قولهم أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«من سمّى المدينة يثرب فليستغفر اللّه؛ هى طابة هى طابة» (3).

و تسميتها فى القرآن يثرب؛ حكاية عن قول من قالها من المنافقين و الذين فى قلوبهم مرض‏ (4).

و حكى عن عيسى بن دينار: من سماها يثرب كتب عليه خطيئة.

____________

(1) للمدينة النبوية أسماء كثيرة زادت عن مائة. انظر: سبل الهدى و الرشاد 3/ 414، و الرحلة الحجازية للنابلسى (ص: 336) و قد نظمها شعرا. و وفاء الوفاء 1/ 8- 27، و إعلام الساجد (ص: 232)، و أخبار المدينة لابن النجار (ص: 11)، و مئير الغرام (ص: 451).

(2) أخرجه الهيثمى فى مجمع الزوائد 3/ 300، و عزاه للطبرانى فى الكبير.

(3) أخرجه: أحمد فى مسنده 4/ 285، و أبو يعلى 2/ 290، ابن شبه فى أخبار المدينة، و البخارى فى تاريخه، و ابن زبالة، و قال الهيثمى فى مجمع الزوائد 3/ 300، رجاله ثقات.

(4) هداية السالك 1/ 108.

302

و سبب الكراهة: إما لكونه مأخوذا من الثرب و هو الفساد، أو من التثريب و هو المؤاخذة بالذنب، و كان (عليه السلام) يحب الاسم الحسن؛ و لهذا سماها (عليه السلام) طابة و طيبة لما فى اسم طيبة من معنى الطيب- و هو موجود فى المدينة حتى ذكروا أنه توجد أبدا رائحة الجنة فى هوائها أو تربتها لموافقتها لقوله تعالى: بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ (1)، أو لطهارتها من الكفر؛ لقوله تعالى: الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ‏ (2) الطيّب و الطاب لغتان بمعنى واحد.

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أمرت بقرية تأكل القرى يقولون لها يثرب» (3).

قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يثرب اسم أرض، و مدينة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى ناحية منها (4).

و هى اليوم معروفة بهذا الاسم، و فيها نخيل كثيرة ملك لأهل المدينة، و أوقاف للفقراء و غيرهم، و هى غربى مشهد أبى عمارة حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و شرقى الموضع المعروف بالبركة مصرف عين الأزرق الذى ينزلها الركب الشامى فى وروده و صدوره، و يسميها الحجاج عيون حمزة، و كانت يثرب منازل بنى حارثة بن الحارث بطن ضخم من الأوس.

و فى قوله: تأكل القرى وجوه:

أحدها: أنها مركز جيوش الإسلام فى أول الأمر؛ فمنها فتحت القرى و غنمت أموالها و سباياها.

و الثانى: أن أكلها و ميرتها تكون من القرى المفتتحة و إليها يساق غنائمها.

الثالث: أن الإسلام يكون ابتداؤه من المدينة ثم يغلب على سائر القرى و يعلو على سائر الملك؛ فكأنها أتت عليها (5).

____________

(1) سورة يونس: آية 22.

(2) سورة النور: آية 26.

(3) أخرجه: البخارى 3/ 20 (باب فضل المدينة)، مسلم 4/ 120 (باب: المدينة تنفى شرارها).

(4) مثير الغرام (ص: 452).

(5) هذا المعنى الأخير كالأول، و الخبر فى: هداية السالك 1/ 108.

303

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (1).

و معنى تأرز أى: تنضم و تنقبض.

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- أيضا- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قرابته هلمّ إلى الرخاء، هلمّ إلى الرخاء، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. و الذى نفسى بيده ما يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أخلف اللّه فيها خيرا منه» رواه مسلم‏ (2).

و فى صحيحه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يصبر على لأواء المدينة و شدتها أحد من أمتى إلا كنت له شفيعا يوم القيامة» (3).

و فيه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أراد أهلها بسوء أذابه اللّه تعالى كما يذوب الملح فى الماء» (4).

و فى صحيح البخارى من حديث سعد بن أبى وقاص قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا يكيد أهل المدينة أحدا إلا انماع كما ينماع الملح فى الماء» (5).

و عن أبى بكر- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، و لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان» (6).

و عن أنس- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة و المدينة؛ ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين‏

____________

(1) أخرجه: البخارى 3/ 21، مسلم 1/ 90 (الإيمان: باب الإسلام بدأ غريبا).

(2) أخرجه: مسلم 3/ 456، ابن حبان (3734). و قوله: «لا يخرج أحد منهم رغبة عنها»؛ اختلفوا فيه، فقيل: هو مختص بمدة حياته (صلى اللّه عليه و سلم). و قيل: هو عام أبدا.

(3) مسلم 3/ 429، أبو يعلى (1261). و اللأواء: الشدة و ضيق العيش.

(4) أخرجه: مسلم 3/ 431.

(5) أخرجه: البخارى (1877)، مسلم (1387)، أحمد فى مسنده 1/ 180، البيهقى فى السنن 5/ 187. و انماع: ذاب و سال.

(6) أخرجه: البخارى (7126)، أحمد 5/ 43، الحاكم فى المستدرك 4/ 541، ابن حبان (3731، 6805)، ابن أبى شيبة 12/ 180، عبد الرزاق فى مصنفه (20823).

304

يحرسونهما، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج منها كل كافر و منافق» (1).

و عن أنس- رضى اللّه عنه- عن (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة» (2).

و عن أنس- رضى اللّه عنه- أيضا- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «إذا قدم من سفر و نظر إلى جدران المدينة أوضع، و إن كان على دابة حركها من حبها» و معنى أوضع:

أسرع.

و عن ابن عمر- رضى اللّه عنه-: أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) ما أشرف على المدينة قط إلا عرف فى وجهه السرور و الفرح.

و عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من ظلم أهل المدينة أو أخافهم فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل منه صرف و لا عدل» (3) رواه الطبرانى.

و عن عائشة- رضى اللّه عنها- قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف، و المدينة افتتحت بالقرآن‏ (4).

و عن سفيان بن أبى زهير، أنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «يفتح اليمن، فيأتى قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم و من أطاعهم، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. و يفتح الشام، فيأتى قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم و من أطاعهم، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. و يفتح العراق، فيأتى قوم يبسّون فيتحمّلون‏

____________

(1) أخرجه: البخارى (1881)، مسلم (2943)، النسائى (4274)، ابن حبان (6803)، قال العينى فى عمدة القارى 10/ 544: أى يحصل بها زلزلة بعد أخرى، ثم فى الرجفة الثالثة يخرج اللّه منها من ليس مخلصا فى إيمانه؛ و لا تعارض بين هذا الحديث و الحديث السابق؛ لأن المراد بالرعب فى الحديث السابق: ما يحدث من الفزع من ذكره، و الخوف من عتوه، لا الرجفة التى تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلص. و النقب: الطريق بين جبلين.

(2) ذكره ابن جماعة فى هداية السالك 1/ 109.

(3) أخرجه: أحمد فى مسنده 4/ 55، الطبرانى فى الكبير (6631- 6637) النسائى فى الكبرى (4265). و الصرف: الفريضة، و قيل: التوبة. و العدل: النافلة، و قيل: الفدية.

(4) ذكره ابن الجوزى فى مثير الغرام (ص: 457)، و المحب الطبرى فى القرى (ص: 669) و لم يعزه.

305

بأهليهم و من أطاعهم، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (1).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «حرّم ما بين لابتى المدينة على لسانى» (2).

و أتى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بنى حارثة، و قال: «أراكم يا بنى حارثة قد خرجتم من الحرم، ثم التفت، و قال: بل أنتم فيه».

و عن أنس- رضى اللّه عنه- عن يحيى بن سعيد، قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالسا و قبر يحفر بالمدينة، فاطلع رجل من القبر، فقال: بئس مضجع المؤمن، فقال النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «بئس ما قلت»، قال: إنى لم أرد هذا يا رسول اللّه، إنما أردت القتل فى سبيل اللّه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا مثل و لا شبيه للقتل فى سبيل اللّه؛ و ما على وجه الأرض بقعة هى أحب إلىّ أن يكون قبرى بها منها» ثلاث مرات‏ (3).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: كان الناس إذا رأوا أول ثمرة جاءوا بها إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإذا أخذها قال: «اللهم بارك لنا فى ثمرنا، و بارك لنا فى مدينتنا، و بارك لنا فى صاعنا، و بارك لنا فى مدنا. اللهم إن إبراهيم (عليه السلام) عبدك و خليلك و نبيك، و إنه دعاك لمكة، و أنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة» ثم يدعو أصغر وليد و يعطيه الثمرة (4).

و عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «المدينة فيها قبرى، و فيها بيتى و تربتى؛ فحق على كل مسلم زيارتها». رواه الطبرانى‏ (5).

____________

(1) أخرجه: المحب الطبرى فى القرى (ص: 674) و عزاه لمسلم.

(2) أخرجه: البخارى 3/ 21 (فضائل المدينة: باب لابتى المدينة). مسلم 4/ 116 (فضل المدينة).

(3) أخرجه: مالك فى الموطأ 2/ 462، و الحديث مرسل كما صرح ابن عبد البر (انظر: تنوير الحوالك 1/ 307).

(4) أخرجه: مسلم (1373)، الترمذى (3454)، ابن ماجه (3329)، مالك (1920)، ابن حبان (3747) البغوى (2012).

(5) أخرجه: الديلمى فى الفردوس (6953)، و ابن النجار (ص: 33)، و الصالح الشامى فى السيرة 3/ 446، و عزاه إلى أبى عمرو بن السماك، و السمهودى فى الوفا 1/ 48، و عزاه إلى القاضى أبو الحسين الهاشمى فى «فوائده»، و ابن زبالة.

306

و عن عائشة- رضى اللّه عنها- قالت: لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة وعك أبو بكر و بلال- رضى اللّه عنهما- فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل أمرئ مصبّح فى أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏

و كان بلال يقول:

ألا ليت شعرى هل أبتينّ ليلة* * * بواد و حولى إذخر و جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجنّة* * * و هل يبدون لى شامة و طفيل‏

اللهم العن شيبة بن ربيعة و عتبة بن ربيعة و أمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. فلما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا فى صاعنا و فى مدنا، و صحّحها لنا، و أنقل حماها إلى الجحفة» (1).

و روى أنه (عليه السلام) قال: «رأيت فى المنام أن امرأة سوداء أردفت خلفى حتى بلغت الجحفة (2) فنزلت بها فأولتها حمى المدينة».

و فى صحيح مسلم: عن عبد اللّه بن زيد بن عاصم، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«إن إبراهيم- (عليه السلام)- حرم مكة و دعا لأهلها، و إنى حرّمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، و إنى دعوت فى صاعها و مدّها بمثلى ما دعا به إبراهيم لأهل مكة» (3).

و روى ابن النجار، عن محمد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه فى قوله تعالى: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (4).

____________

(1) أخرجه: البخارى 3/ 23، مسلم 4/ 119.

(2) الجحفة: موضع على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، و هى ميقات أهل مصر و الشام إذا لم يمروا على المدينة.

(3) أخرجه: البخارى 3/ 88، مسلم 3/ 425، أحمد فى مسنده 4/ 40، المنتخب من مسند عبد بن حميد (518).

(4) سورة الإسراء: آية 80.

307

قال: جعل اللّه مدخل صدق: المدينة، و مخرج صدق: مكة، و سلطانا نصيرا:

الأنصار.

و نقل البغوى، عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- فى قوله تعالى: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً (1) قال: إنها المدينة.

و عن نافع بن جبير، أن مروان بن الحكم خطب الناس فذكر مكة و أهلها و حرمتها، فناداه رافع بن خديج، فقال: أسمعك ذكرت مكة و أهلها و حرمتها و لم تذكر المدينة و أهلها و حرمتها؛ فقد حرّم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما بين لابتيها و ذلك عندنا فى أديم خولانى، إن شئت أقرأتكه، فسكت مروان، ثم قال: قد سمعت بعض ذلك.

و عن عامر بن سعد بن أبى وقاص، عن أبيه: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ثم ذكر مثل حديث ابن جبير، و زاد فى الحديث «و لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه اللّه تعالى فى النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح فى الماء» (2).

و عن سهل بن حنيف قال: أومأ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيده إلى المدينة و قال: «إنها حرم آمن» (3).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: يأتى المسيح الدجال من قبل المشرق و همّته المدينة حتى يأتى دبر أحد، ثم يصرف الملائكة وجهه قبل الشام، و هنالك يهلك.

و عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إنى أحرّم ما بين لابتى المدينة أن يقطع عضاها أو يقتل صيدها» (4).

____________

(1) سورة النحل: آية 41.

(2) أخرجه: مسلم 4/ 121 (باب من أراد أهل المدينة بسوء).

(3) أخرجه: مسلم 4/ 122 (باب من أراد أهل المدينة بسوء).

(4) أخرجه: البخارى (1873)، مسلم 3/ 440، الترمذى (4178)، أحمد 2/ 236، مالك (934)، البيهقى فى السنن 5/ 196، ابن حبان (3751).

و اللابتان: الحرتان، واحدتهما «لابة» و هى الأرض المليئة حجارة سوداء، و للمدينة لابتان: شرقية و غربية و هى بينهما.

308

و قال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون؛ لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل اللّه فيها من هو خير منه، و لا يثبت أحد على لأوائها و جهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (1).

***

____________

(1) أخرجه: البزار بسند حسن، و عزاه الحافظ الشامى فى السيرة 3/ 447، إلى أبى عمرو بن السماك. و أخرجه: ابن النجار مختصرا (ص: 32).

309

الفصل الثالث فى ذكر فضيلة المدينة و ذكر تفضيل مكة و المدينة

أجمع العلماء بالاتفاق أن موضع قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أفضل بقاع الأرض، و بعده مكة. و المدينة أفضل من جميع بقاع الدنيا.

ثم اختلفوا فى أن مكة شرفها اللّه تعالى أفضل أم المدينة كرمها اللّه تعالى و عظمها؛ فذهب عمر و بعض الصحابة- رضى اللّه عنهم- إلى تفضيل المدينة؛ و هو قول مالك و أكثر المدنيين.

و ذهب أبو حنيفة و أهل الكوفة إلى تفضيل مكة، و به قال ابن وهب و ابن حبيب من أصحاب مالك. و إليه ذهب الشافعى و أحمد رحمهم اللّه‏ (1).

أما حجة المدنيين: هذا الحديث؛ و هو أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) لما أخرج من مكة و توجه إلى المدينة قال: «إلهى إن أهل مكة أخرجونى من أحب البقاع إلىّ، فأنزلنى إلى أحب البقاع إليك»، فأنزله بالمدينة (2).

و لا شك أن محبوب اللّه تعالى أفضل من محبوب النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و لهذا اختار المقام فيها إلى أن مات و دفن بها (صلى اللّه عليه و سلم).

و ذهب ابن عبد البر على ترجيح قول الأئمة الباقين و قال: حسبك بفضل مكة أن فيها بيت اللّه تعالى الذى يحط أوزار العباد بقصده إليه مرة فى العمر، و لم تقبل من أحد صلاة إلا باستقبال جهته إذا قدر على التوجه إليها، و هى قبلة لسائر المسلمين أحياء و أمواتا.

و أيضا: أن اللّه تعالى ذكر المسجد الحرام فى القرآن فى عدة من المواضع على‏

____________

(1) القرى (ص: 677)، هداية السالك 1/ 49.

(2) أخرجه: الحاكم فى المستدرك 3/ 3. لكن لم يصححه، و قال الذهبى: لكنه موضوع؛ فقد ثبت أن أحب البلاد إلى اللّه مكة، و سعد ليس بثقة.

310

سبيل التعظيم صريحا، و لم يذكر مسجد المدينة على تلك الصفة (1).

و حجة الأئمة الباقين قوله (عليه السلام): «صلاة فى مسجد المدينة بعشرة ألاف صلاة، و صلاة فى المسجد الأقصى بألف صلاة، و صلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» (2).

فلولا أن مكة أفضل لما جعلت الصلاة بالمدينة بعشرة آلاف و بمكة بمائة ألف.

و قد تقدم ما يدل عليه من الأحاديث أو نقول الرواية الصحيحة: «فأنزلنى إلى أحبّ البقاع إلىّ، فأنزله بالمدينة».

و أما الجمع فيما خصّ اللّه تعالى به الحرمين الشريفين- عظم اللّه قدرهما- من الشرف فى كتبه المنزلة على رسله و على سيدنا محمد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم): قال اللّه تعالى: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى‏ تَقْوى‏ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ (3) الآية. و قال أبو سعيد: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «مسجدى هذا الذى أسس على التقوى» (4).

و قال اللّه تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ‏ (5).

و قال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها (6). يعنى سائر البلدان؛ فمن مكة كان أصل الإنذار، و من المدينة تم.

و من مكة دحيت الأرض أولا، و من المدينة افتتحت بالإسلام آخرا. و فى مكة مولد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و فى المدينة قبره. و من مكة بعث فى الدنيا رحمة للعالمين،

____________

(1) هداية السالك 1/ 48.

(2) لم أعثر على من أخرجه بهذا النص؛ و إنما ربما يقصد المؤلف أن كل صلاة بعشر حسنات فتكون الصلاة فى مسجده بعشرة آلاف حسنة؛ و ذلك تحقيقا لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، و صلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فى مسجدى» (أخرجه أحمد 4/ 5).

(3) سورة التوبة: آية 109.

(4) أخرجه: مسلم 4/ 126 (باب بيان أن المسجد الذى أسس على التقوى).

(5) سورة آل عمران: آية 96.

(6) سورة الأنعام: آية 92.

311

و من المدينة يبعث يوم القيامة شفيعا لهم يوم الدين فى كبائر المذنبين من أمته.

و قال اللّه تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1).

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حين هجرته: «إنى أمرت بقرية تأكل القرى» (2).

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من حج و لم يزرنى فقد جفانى» (3).

و عن بكر بن عبد اللّه، أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من أتى المدينة زائرا إلىّ وجبت له شفاعتى، و من مات فى أحد الحرمين بعثه اللّه تعالى يوم القيامة آمنّا» (4).

و عن سليمان عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من مات فى أحد الحرمين استوجب شفاعتى و جاء يوم القيامة من الآمنين» (5).

و عن جابر عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «من مات فى أحد الحرمين- مكة و المدينة- بعث آمنا» (6).

و عن أنس- رضى اللّه عنه- يرفعه إلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «من صبر على حر مكة و جوع المدينة صابرا محتسبا كنت له شفيعا يوم القيامة».

يقال: احتسب فلان عمله أى: عمله طلبا لوجه اللّه تعالى و ثوابه.

و عن أنس رضى اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لما تجلى اللّه إلى جبل طور سيناء تشظّى منه ستة أشظاظ، فنزلت بمكة ثلاثة: حراء و ثبير و ثور، و فى المدينة:

____________

(1) سورة آل عمران: آية 97.

(2) أخرجه: البخارى 3/ 20 (باب فضل المدينة)، مسلم 4/ 20 (باب المدينة تنفى شرارها).

(3) ذكره ابن النجار فى «الدرة الثمينة فى تاريخ المدينة» 2/ 397، و الحديث لا يصح، انظر: الفوائد المجموعة (ص: 118)، تنزيه الشريعة 2/ 172، الموضوعات 2/ 217.

(4) أخرجه: الدارقطنى 2/ 278.

(5) أخرجه: الهيثمى فى مجمع الزوائد 2/ 319، و عزاه للطبرانى فى الكبير، و فيه: عبد الغفور بن سعيد، و هو متروك.

(6) ذكره الفاسى: فى شفاء الغرام 1/ 85، و عزاه للجندى فى فضائل مكة، و السيوطى فى الكبير 1/ 836، و عزاه لأبى نعيم فى معرفة الصحابة. و فيه عبد اللّه بن المؤمل، ضعيف الحديث، و محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب المطلبى. يقال: له رؤية، و جزم البغوى بأن حديثه مرسل (الإصابة 3/ 454).

312

أحد، و ورقان و عير؛ و قيل: رضوى» (1).

و عن أنس رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «ليس من بلد إلا سيطأه الدجال إلا مكة و المدينة ليس من أنقابها نقب إلا و عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج منها كل كافر و منافق فيها، و إن إبراهيم خليلك دعاك لمكة و أنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به إبراهيم» (2).

و عن إبراهيم التيمى، عن أبيه، قال: خطبنا علىّ بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- و قال فى آخر خطبته: من زعم أن عندنا شى‏ء يقرأ إلا كتاب اللّه أو ما فى هذه الصحيفة فقد كذب، و فيها: أن المدينة حرم ما بين عير إلى ثور؛ من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين‏ (3).

و قال عبد القاسم: عير و ثور جبلان بالمدينة، و أهل المدينة لا يعرفون بها جبلا يقال له ثور و إنما الثور بمكة، فيرى أن الحديث أصله ما بين عير إلى أحد.

و نقل أهل المدينة عن أسلافهم أن خلف جبل أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا يضرب إلى الحمرة، و له تدوير يسمى ثورا (4)، و اللّه أعلم.

ثم اختلف العلماء فى حرم المدينة: ألها حرم كما لمكة حرم؟

فقال أبو حنيفة و من تابعه رضى اللّه عنهم: ليس للمدينة حرم على مثال حرم مكة فى تحريم الصيد و وجوب الإحرام للدخول فيها و نحو ذلك بل يجوز الاصطياد و لا يحرم ذبحه.

و قال مالك و الشافعى و أحمد رحمهم اللّه: للمدينة حرم يحرم قتل صيدها، و لا يعضد شوكها قولا واحدا؛ اللهم إلا أنهم اختلفوا فى تضمين صيدها؛ إلا أن‏

____________

(1) أخبار مكة للأزرقى 1/ 63، و ورقان: جبل أسود على الطريق من المدينة إلى مكة. و رضوى جبل بالمدينة، و الحديث حول صحته كلام، انظر: الفوائد المجموعة (ص: 445).

(2) أخرجه: البخارى (1881)، مسلم (2943)، النسائى فى الكبير (4274)، ابن حبان (6803)، البغوى (2022).

(3) أخرجه: البخارى 3/ 20 (باب حرم المدينة)، مسلم 4/ 115 (باب فضل المدينة) فى خطبة طويلة للإمام على.

(4) هداية السالك 3/ 1401.

313

عند الحنفية لها حرم بمعنى أن لها حرمة ما هى لغيرها من البلدان؛ لكون النبى (صلى اللّه عليه و سلم) مدفون فيها، و أنها مهاجره على ما قال (عليه السلام): «المدينة مهاجرى و فيها بيتى و حق على أمتى حفظ جيرانى» (1).

و يجوز الدخول فيها بغير إحرام إلا فى القول القديم للشافعى أنه لا يجوز.

و الصحيح أنه يجوز الدخول فيها بغير إحرام كمذهب أبى حنيفة رضى اللّه عنه؛ لما روى أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان يقدم من غزواته و يدخل المدينة من غير إحرام.

***

____________

(1) أخرجه: الديلمى فى الفردوس (6953). و ابن النجار (ص: 33)، و الصالح الشامى فى السيرة 3/ 446، و عزاه إلى أبى عمرو بن السماك و المدارك للقاضى عياض، و السمهودى فى الوفا 1/ 48، و عزاه إلى القاضى أبو الحسن الهاشمى فى فوائده، و ابن زبالة.

و ينظر فى هذا الباب فى: هداية السالك 3/ 1399، الإيضاح (ص: 542)، بدائع الصنائع 2/ 221، الدر المختار 2/ 352، المغنى 3/ 354.

314

الفصل الرابع فى ذكر كيفية فتح المدينة (1)

اعلم أن المدينة لم تفتح بقتال و إنما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يعرض نفسه فى كل موسم على الناس و يقول: ألا رجل يحملنى إلى قومه فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى، فلقى فى بعض السنين رهطا من الخزرج، فدعاهم إلى اللّه تعالى و عرض عليهم الإسلام و تلا عليهم القرآن، و قد كانوا يسمعون من اليهود أن نبيا مبعوثا قد أظل زمانه، فقال بعضهم لبعض: يا قوم و اللّه إن هذا النبى الذى تعدكم به اليهود فلا تسبقكم إليه، فأجابوه، و كانوا ستة: أسعد بن زرارة، و عوف، و رافع ابن مالك، و قطبة بن عامر بن حديدة، و عقبة بن عامر بن نابى، و جابر بن عبد اللّه ابن رباب، فلما انصرفوا ذكروا لقومهم ما جرى لهم، ففشى الإسلام فيهم حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا و لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيها ذكر، حتى إذا كان العام المقبل أتى فى الموسم اثنى عشر رجلا من الأنصار، فلقوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالعقبة- أى: جمرة العقبة- فبايعوه عندها، فلما انصرفوا بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) معهم مصعب بن عمير إلى المدينة يفقه أهلها و يقرئهم القرآن و يدعو الناس إلى الإسلام، فأسلم على يديه خلق كثير. ثم لقيه فى الموسم الآخر سبعون رجلا من الأنصار و معهم امرأتان فبايعوه، و أرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أصحابه إلى المدينة، ثم خرج من الغار بعد ذلك فقدمها يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، و قيل: لليلتين خلتا منه، و قيل: لهلال ربيع الأول، و القول الأول أصح. و لما أرخوا من الهجرة ردوا التاريخ إلى المحرم؛ لأنه أول السنة (2).

و لما دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة مكث بقباء ثلاث ليال، ثم ركب يوم‏

____________

(1) انظر: السيرة الشامية 3/ 377، وفاء الوفا 2/ 220، أخبار المدينة لابن النجار (ص: 20)، عيون الأثر 1/ 262، السيرة لابن هشام 1/ 428.

(2) وفاء الوفا 1/ 246.

315

الجمعة فمر على بنى سالم فجمع بهم، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، ثم ركب من بنى سالم فمرت الناقة حتى بركت فى بنى النجار على باب دار أبى أيوب الأنصارى، فنزل عليه إلى أن بنى مسجده و مساكنه، فأقام (صلى اللّه عليه و سلم) بالمدينة عشر سنين كوامل و توفى بها (صلى اللّه عليه و سلم)(1).

***

____________

(1) انظر: شرح المواهب 1/ 351، مختصر تاريخ دمشق 1/ 32، طبقات ابن سعد 1/ 323، دلائل النبوة للبيهقى 2/ 503.

316

الفصل الخامس فى ذكر وصية النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و ذكر وفاته‏

قال الفقيه أبو الليث السمرقندى فى كتابه المسمى ب «تنبيه الغافلين» مسندا إلى علىّ بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- أنه قال: لما نزلت‏ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ (1) مرض النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، فما لبث أن خرج إلى الناس يوم الخميس و قد شد رأسه بعصابة، فرقى المنبر و جلس عليه مصفارّ الوجه تدمع عيناه، ثم دعا بلالا فأمر أن ينادى الناس: أن اجتمعوا لوصية رسول اللّه، فإنها آخر وصية لكم. فنادى بلال، فاجتمع الناس كبيرهم و صغيرهم و تركوا أبواب بيوتهم مفتوحة و أسواقهم على حالها؛ حتى خرجت العذارى من خدورهن ليسمعن وصية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ حتى غص المسجد بأهله و النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «و سعوا لمن وراءكم». ثم قام النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يبكى و يسترجع، فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على الأنبياء و على نفسه، ثم قال:

«أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم العربى الحرمى المكى الذى لا نبى بعدى، أيها الناس اعلموا أن نفسى قد نعيت إلىّ و جان فراقى من الدنيا، و اشتقت إلى لقاء ربى، فواحسرتاه على فراق أمتى؛ ماذا يلقون بعدى. اللهم سلم سلم.

أيها الناس اسمعوا وصيتى وعوها، و ليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ فإنها آخر وصية لكم، أيها الناس قد بيّن اللّه فى محكم كتابه ما أحل لكم و ما حرم عليكم، و ما تأتون و ما تتقون، فأحلّوا حلاله، و حرّموا حرامه، و آمنوا بمتشابهه، و اعملوا بمحكمه، و اعتبروا بأمثاله».

ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: «ألا هل بلغت، أيها الناس، إياكم و هذه الأهواء الضالة المضلة البعيدة من اللّه البعيدة من الجنة القريبة من النار، و عليكم بالجماعة، و الاستقامة عليها قريبة من اللّه قريبة من الجنة بعيدة من النار. ثم قال:

«اللهم هل بلغت».

____________

(1) سورة النصر: آية 1.

317

أيها الناس، اللّه اللّه فى دينكم و أمانتكم، اللّه اللّه فيما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، و ألبسوهم مما تلبسون، و لا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ فإنهم لحم و دم و خلق أمثالكم، ألا فمن ظلمهم فأنا خصمه يوم القيامة و اللّه حاكمهم.

اللّه اللّه فى النساء أوفوا لهن مهورهن و لا تظلمونهن فتحرمكم حسناتكم يوم القيامة؛ ألا هل بلغت.

أيها الناس، أطيعوا ولاة أموركم و لا تعصوهم و إن كان عبدا حبشيا مجدّعا؛ فإن من أطاعهم فقد أطاعنى و من أطاعنى فقد أطاع اللّه، و من عصاهم فقد عصانى و من عصانى فقد عصى اللّه، ألا لا تخرجوا عليهم و لا تنقضوا عهودهم؛ ألا هل بلغت.

أيها الناس عليكم بحب أهل بيتى، عليكم بحب حملة القرآن، عليكم بحب علمائكم، لا تبغضوهم و لا تحسدوهم و لا تطعنوا فيهم؛ ألا من أحبهم فقد أحبنى و من أحبنى فقد أحب اللّه، و من أبغضهم فقد أبغضنى و من أبغضنى فقد أبغض اللّه؛ ألا هل بلغت.

أيها الناس عليكم بالصلوات الخمس بإسباغ وضوئها و إتمام ركوعها و سجودها، ألا هل بلغت.

أيها الناس، أدوا زكاة أموالكم؛ ألا من لا يزكى فلا صلاة له، ألا من لا صلاة له لا دين له و لا صوم له و لا حج له و لا جهاد له؛ اللهم هل بلغت.

أيها الناس، إن اللّه فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا، و من لم يفعل فليمت على أى دين شاء إن شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، إلا أن يكون به مرض أو منع من سلطان جائر؛ ألا لا نصيب له من شفاعتى و لا يرد حوضى؛ اللهم هل بلغت.

أيها الناس إن اللّه جامعكم يوم القيامة فى صعيد واحد فى مقام عظيم و هول شديد، فى يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم؛ ألا هل بلغت.

أيها الناس، احفظوا ألسنتكم، و أبكوا أعينكم، و أخضعوا قلوبكم، و أتعبوا أبدانكم، و جاهدوا عدوكم، و أعمروا مساجدكم، و أخلصوا إيمانكم، و انصحوا

318

إخوانكم، و قدموا لأنفسكم، و احفظوا فروجكم، و تصدقوا عن أموالكم، و لا تحاسدوا؛ فتذهب حسناتكم، و لا يغتب بعضكم بعضا فتهلكوا، اللهم هل بلغت.

أيها الناس، اسعوا فى رقابكم و اعملوا الخير ليوم فقركم و فاقتكم.

أيها الناس، لا تظلموا؛ فإن اللّه يطالب لمن جاروا؛ عليه حسابكم و إليه إيابكم. إن اللّه لا يرضى منكم بالمعصية.

أيها الناس‏ مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها (1) الآية. وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ‏ (2) الآية.

أيها الناس إنى قادم على ربى و نعيت إلىّ نفسى فاستودع اللّه دينكم و السلام عليكم يا معشر أصحابى و على جميع أمتى و رحمة اللّه و بركاته».

قال فى «الملخص» سئل أبو زرعة عن عدة أصحاب النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: قبض (صلى اللّه عليه و سلم) عن مائة ألف و أربعة عشر ألفا من الصحابة ممن رآه و روى عنه و سمع منه. فقيل له: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا، و أين سمعوا منه؟ قال: أهل مكة، و أهل المدينة، و من بينهما، و الأعراب، و من شهد معه حجة الوداع، كل رآه و سمع منه بعرفة. انتهى كلامه. قال: ثم نزل فدخل المنزل فما خرج بعده إلى يوم القيامة صلوات اللّه و سلامه.

و عن عكرمة قال: لما مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال عمر: و اللّه ما مات رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و إنما وعده اللّه كما وعد موسى (عليه السلام)، و سيجى‏ء و يقطع أيدى قوم و أرجلهم. فكان ذلك قوله حتى جاء أبو بكر- رضى اللّه عنه- فقال: تأخر يا عمر، ثم دخل عليه فقبّل بين عينى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه طبت حيا و ميتا، أما الموتة التى كتبها اللّه عليك فقد متها، ثم قرأ:

وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ (3).

____________

(1) سورة فصلت: آية 46.

(2) سورة البقرة: آية 281.

(3) سورة آل عمران: آية 144، و الحديث أخرجه البخارى (3668).

319

فموت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان فى يوم الاثنين ضحىّ لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، و دفن ليلة الأربعاء، و قيل: ليلة الثلاثاء.

و كانت مدة مرضه اثنى عشر يوما. و قيل: أربعة عشر يوما. و قيل: ثلاثة عشر يوما. و قيل: عشرة أيام، و كان عمره (عليه السلام) ثلاثا و ستين سنة (1).

و غسله علىّ بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- و عمه العباس و الفضل بن العباس و أسامة بن زيد و قثم بن العباس و شقران مولاه، و حضرهم أوس بن خولى من الأنصار، و كفن فى ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول- بلدة من اليمن- لا تكون إلا من القطن ليس فيها قميص و لا عمامة، فلما فرغوا كان أول من صلى عليه الملائكة صلوا عليه أفواجا بلا إمام، ثم صلى عليه أهل بيته، ثم الناس فوجا فوجا، ثم نساءه آخرا (2). و فى كتاب يحيى: ثم الصبيان آخرا.

ثم قالوا: أين تدفنون؟ فقال أبو بكر رضى اللّه عنه: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «ما يهلك نبى قط إلا يدفن حيث يقبض روحه» (3).

و قال علىّ: و أنا أيضا سمعته؛ فحفروا لحد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى موضع فراشه فنزعوا الفراش و حفروا له فى موضعه حيث قبض، و فرش تحته قطيفة نجرانية كان يتغطّى بها؛ و هو بيت عائشة رضى اللّه عنها (4).

و قيل: دخل فى قبره علىّ و العباس و حضر معهم رجل من الأنصار. و قيل:

دخل معهم الفضل و قثم و شقران، و أطبق عليه تسع لبنات. ثم دفن و رشّ قبره بماء، و جعل عليه من حصباء حمراء و بيضاء، و رفع قبره من الأرض قدر شبر و سنم (صلى اللّه عليه و سلم).

و مما قاله أبو بكر رضى اللّه عنه فى مرثية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

____________

(1) تاريخ الطبرى 3/ 200.

(2) تاريخ الطبرى 3/ 211.

(3) تاريخ الطبرى 3/ 213، السيرة لابن هشام 2/ 375.

(4) تاريخ الطبرى 3/ 213.

320

و دعنا البيت إذ ولّيت عنّا* * * فودّعنا من اللّه الكلام‏

سوى ما قد تركت لنا رهينا* * * تضمنه القراطيس الكرام‏

و قال أيضا:

يا عين أبكى و لا تسأمى‏* * * و حقّ البكاء على السيد

على خير خندف عند البلا* * * أمسى يغيّب فى الملحد

فكيف الحياة لفقد الحبيب‏* * * و زين المعاشر فى المشهد

فليت الممات لنا كلنا* * * فإنا جميعا مع المهتدى‏

و روى عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها رأت فى منامها كأن ثلاثة أقمار نزلوا من السماء فدخلوا من باب حجرتها و غاصوا فى الأرض، فقصت الرؤيا على أبيها أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنه- فلم يجبها بشى‏ء، فبعد أيام يسيرة توفى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و دفن فى حجرتها، فقال لها أبو بكر- رضى اللّه عنه-: هذا أحد أقمارك يا بنية و هو خيرها.

و رأى العباس- رضى اللّه عنه- قبل موته (صلى اللّه عليه و سلم) بيسير كأن القمر قد رفع من الأرض إلى السماء بأشطان، فقصّها على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «هو ابن أخيك».

ثم مات أبو بكر- رضى اللّه عنه- بعده بعامين و هو ابن ثلاث و ستين سنة فى الأصح، و كانت وفاته فى ليلة الثلاثاء بين المغرب و العشاء، و دفن قبل الصبح لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، و كانت خلافته سنتين و أربعة أشهر إلا عشر ليال، و قيل: و ثلاثة أشهر و تسع ليال، و صلى عليه عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- فى المسجد عند المنبر، و دفن مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خلف ظهره. كذا قاله يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب.

ثم مات عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- بطعن أبو لؤلؤة يوم الأربعاء عند صلاة الصبح لأربع، و قيل: لثلاث بقين من ذى الحجة- و عاش بعد ذلك ثلاثة أيام- سنة ثلاث و عشرين من الهجرة. و دفن يوم الأحد صبيحة هلال المحرم، و كانت خلافته عشر سنين و ستة أشهر و أربعة أيام. و قيل: و خمس ليال. و كان‏

321

سنه ثلاثا و ستين سنة فى الأصح‏ (1)، و قيل: ستا و ستين سنة، و صلّى عليه صهيب- رضى اللّه عنه- فى المسجد عند المنبر، و كبّر عليه أربع تكبيرات، و دفن معهما فى البيت خلف ظهر أبى بكر رضى اللّه عنهما، و قيل: صلّى عليه ابنه عبد اللّه‏ (2).

ثم توفى عثمان بن عفان- رضى اللّه عنه- فى ذى الحجة، و لا خلاف بينهم فى أنه قتل فى ذى الحجة و إنما الخلاف فى أى يوم منه، و اختلفوا فى قاتله؛ فقيل:

الأسود التجيبى. و قيل: جبلة بن الأيهم. و قيل: سودان بن حمران‏ (3). و قيل:

ابن رومان اليمانى رجل من بنى أسد بن خزيمة (4).

و ذكر الحافظ أبو الربيع بن سلمان بن سالم الكلاعى فى كتابه «الاكتفا» قال:

الذى باشر قتل عثمان بنفسه جبلة بن الأيهم. و قيل غير ذلك.

و كان ذلك فى سنة خمس و ثلاثين من الهجرة و عمره اثنين و ثمانين سنة.

و قيل: تسعين سنة. و كانت خلافته اثنتى عشرة سنة. و قيل: إلا ثنتى عشرة ليلة، و دفن فى البقيع‏ (5).

ثم توفى علىّ- رضى اللّه عنه- فى شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة و هو ابن ثلاث و ستين سنة. و قيل: ابن أربع و ستين سنة. و قيل: ابن خمس و ستين سنة. و كان الذى قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادى أشقى الآخرين؛ و كانت خلافته ست سنين. و قيل: خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. رضى اللّه عنهم أجمعين، و صلّى اللّه على خير الورى محمد المصطفى، و عليه أفضل الصلاة و السلام، و على آله و أصحابه أجمعين، و الحمد للّه رب العالمين.

***

____________

(1) أسد الغابة 4/ 77، طبقات ابن سعد 3/ 375، سيرة عمر 2/ 630، الرياض النضرة 2/ 103.

(2) تاريخ المدينة 3/ 943- 945.

(3) و يقال: أسودان بن رومان المرادى، و أسود بن حمران (البداية و النهاية 7/ 185).

(4) تاريخ الطبرى 5/ 123- 130، البداية و النهاية 7/ 185، العواصم و القواصم (ص: 113).

(5) تاريخ المدينة 4/ 1240، الرياض النضرة 2/ 174، البداية و النهاية 7/ 191، وفاء الوفا 3/ 913، تاريخ الخميس 2/ 265.

322

الفصل السادس فى ذكر فضيلة المقام و المجاورة و فضل الموت فيها

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من استطاع منكم أن يموت فى المدينة فليمت؛ فإنى أشفع لمن يموت فيها» (1).

و فى رواية: «من أستطاع أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإنه لا يموت فيها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (2).

و عن ابن عمر- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها» (3).

و عنه أيضا رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواه». أخرجه الحافظ ابن الجوزى فى «مثير الغرام» (4).

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا يصبر على لأواء المدينة أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (5).

و عن أبى هريرة و سعد بن أبى وقاص- رضى اللّه عنهما- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«المدينة مشتبكة بالملائكة لا يدخلها الدجال و لا الطاعون، من أراد أهلها بسوء

____________

(1) أخرجه: أحمد 4/ 74، الترمذى (4174)، ابن ماجه (3112)، البيهقى فى الشعب (4186)، ابن حبان (3741)، شرح السنة للبغوى (2020)، تاريخ أصفهان 2/ 103.

(2) المراجع السابقة.

(3) أخرجه: البيهقى فى الشعب (4148) و قال: إسناده ضعيف، و قال ابن الجوزى فى العلل (947): لا يصح. و عزاه الحافظ الشامى فى السيرة إلى الطبرانى فى الكبير عن بلال بن الحارث. و ذكره ابن النجار (ص: 35).

و فيه: كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف، قال عنه النسائى: متروك. و ذكره الدارقطنى فى الضعفاء و المتروكين: 446، و قال الشافعى: ركن من أركان الكذب. و قال ابن حبان: منكر الحديث. و قال ابن معين: ليس بشى‏ء (المجروحين 2/ 221).

(4) مثير الغرام (ص: 473)، أخبار أصفهان 2/ 238، ابن النجار (ص: 35)، البيهقى فى الشعب (4148). و قال: إسناده ضعيف.

(5) أخرجه: مسلم 3/ 429، و أبو يعلى (1261).

323

أذابه اللّه كما يذوب الملح بالماء» (1).

و عن معقل بن يسار، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «المدينة مهاجرى و فيها مضجعى و فيها مبعثى، حقيق على أمتى حفظ جيرانى ما اجتنبوا الكبائر؛ من حفظهم كنت له شفيعا يوم القيامة، و من لم يحفظهم سقى من طينة الخبال» (2) قيل لمعقل: و ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار (3).

و عن سالم بن عبد اللّه بن عمر قال: سمعت أبىّ يقول: سمعت عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- يقول: اشتد الجهد بالمدينة و غلا السعر، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «اصبروا يا أهل المدينة و أبشروا؛ فإنى قد باركت على طعامكم و مدّكم، كلوا جميعا و لا تفرقوا؛ فإن طعام الرجل يكفى الاثنين. فمن صبر على لأوائها و شدتها كنت له شفيعا، و كنت له شهيدا يوم القيامة، و من خرج عنها رغبة عما فيها أبدل اللّه- عزّ و جلّ- فيها من هو خير منه، و من بغاها أو كادها بسوء أذابه اللّه تعالى كما يذوب الملح فى الماء» (4).

و أما المجاورة فيها: فعلى ما ذكرنا فى مجاورة مكة المشرفة؛ فإن كان يقدر على حفظ الحرمة و التوقير لروضة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و الوفاء بحرمتها كما يجب من غير إخلال بالحرمة و إفضاء إلى التبرم فذلك فوز عظيم و فضل جسيم، و ذلك الفضل من اللّه يؤتيه من يشاء، على ما تقدم من الأحاديث فى فضائل الإقامة فيها. و من لا يقدر على المحافظة بحقها و الصبر على لأوائها فترك الإقامة له فيها أولى.

و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا يصبر على لأواء المدينة أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» (5).

و فى فضائلها أخبار كثيرة قد تقدم بعضها و سيأتى بعضها فى موضعه، فاكتفينا هنا على هذه الأحاديث؛ فإن فيها كفاية و غنية للمؤمن.

____________

(1) أخرجه: مسلم 4/ 121 (باب من أراد أهل المدينة بسوء).

(2) أخرجه: البزار بسند حسن، و عزاه الحافظ الشامى فى السيرة 3/ 447 إلى أبى عمرو بن السماك، و أخرجه: ابن النجار مختصرا.

(3) النهاية 1/ 280.

(4) أخرجه مسلم 4/ 119 (باب الترغيب فى سكنى المدينة).

(5) أخرجه: مسلم 3/ 429.

324

الفصل السابع فى ذكر فضائل المسجد الشريف النبوى‏

عن أبى هريرة رضى اللّه عنه أنه، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، و المسجد الحرام، و المسجد الأقصى» (1).

و فى صحيح مسلم: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فى غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، و صلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (2).

و فيه أيضا: عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إنى آخر الأنبياء، و إن مسجدى آخر المساجد» (3).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- أيضا- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، و مسجدى، و مسجد إيلياء».

____________

(1) أخرجه: ابن ماجه 1/ 452، أحمد فى مسنده 3/ 45، البخارى 3/ 70، مسلم 9/ 104، الترمذى 2/ 123، ابن حبان فى موارد الظمآن (ص: 256)، الحميدى 2/ 330، ابن أبى شيبة 4/ 66.

(2) أخرجه: مسلم 3/ 476، أحمد فى مسنده 2/ 29، ابن ماجه (1405)، أبو يعلى (5760)، أخبار أصبهان 1/ 353، و ابن حبان فى موارد الظمآن (ص: 254)، و ابن عدى فى الكامل 2/ 817، و الفاسى فى شفاء الغرام 1/ 79، و الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 6، و عزاه للطبرانى فى الكبير، و قال: رجاله رجال الصحيح، و السيوطى فى الجامع الكبير 1/ 563، و عزاه للطيالسى و أحمد، و عبد بن حميد، و ابن زنجويه، و ابن خزيمة، و الطحاوى، و ابن حبان، و الطبرانى، و الضياء المقدسى.

(3) أخرجه: الديلمى فى الفردوس (115)، السمهودى فى وفاء الوفا 2/ 420، و عزاه للبزار، و أخرج شطره الأول، شرح السنة للبغوى (450)، و ابن أبى شيبة 2/ 318، و الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 4، و عزاه للبزار، و الفاسى فى شفاء الغرام 1/ 79، و عزاه للطبرانى فى الأوسط.

و فيه: موسى بن عبيدة. هو: الربذى، و داود بن مدرك مجهول (التقريب 1/ 234).

325

و عن عائشة- رضى اللّه عنها- قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أنا خاتم الأنبياء، و مسجدى خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار، و تركب إليه الرواحل، صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، و صلاة فى المسجد الحرام بقدر مائة ألف صلاة» (1).

و عن أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه- قال: دخلت على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو فى بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول اللّه، أى المساجد الذى أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء فضرب بها الأرض، ثم قال: «هو مسجدكم هذا» لمسجد المدينة (2).

و عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من صلى فى مسجدى أربعين صلاة بالجماعة كتب اللّه له براءة من النفاق، و براءة من النار، و براءة من العذاب» (3).

و بسند ابن النجار أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة فى مسجدى حتى يصلى فيه كان بمنزلة حجة؛ و إن أدرك بها الجمعة فحسن» (4).

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «صلاة جمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواه» (5).

و روى سهل بن سعد أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من دخل مسجدى هذا ليتعلم فيه خيرا أو يعلّمه كان بمنزلة المجاهد فى سبيل اللّه، و من دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذى يرى ما يعجبه و هو لغيره» (6).

____________

(1) أخرجه: الديلمى فى الفردوس (115).

(2) أخرجه: مسلم 4/ 126 (باب بيان أن المسجد الذى أسس على التقوى).

(3) أخرجه: أحمد فى مسنده 4/ 155، ابن ماجه (798)، الترمذى 2/ 7- 9، و الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 8، و عزاه للطبرانى فى الأوسط، و قال: رجاله ثقات.

(4) ذكره ابن جماعة فى هداية السالك 1/ 112، و عزاه للزبير بن بكار.

(5) سبق تخريجه فى الفصل السابق.

(6) أخرجه: ابن ماجه فى المقدمة 1/ 82، ابن أبى شيبة 12/ 209، الحاكم فى المستدرك 1/ 91، و صححه على شرط الشيخين، و قال الذهبى: و هو على شرطهما و لا أعلم له علة. و صححه ابن حبان.

326

و فى رواية: «فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره».

و عن ابن عباس رضى اللّه عنهما: أن امرأة شكت بشكوى فقالت: إن شفانى اللّه تعالى لأخرجن فلأصلين فى بيت المقدس، فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت إلى ميمونة زوج النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرتها بذلك، فقالت ميمونة: اجلسى و كلى ما صنعت و صلى فى مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فإنى سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة».

أخرجه مسلم‏ (1).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدى فرجل تكتب له حسنة و رجل تحط عنه خطيئة حتى يرجع» (2).

و اعلم أن الفضل الثابت لمسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثابت أيضا لما زيد بعده (صلى اللّه عليه و سلم)، و كذلك ما زيد فى المسجد الحرام [له‏] حكم المزيد عليه فى زيادة الفضل.

و عن ابن عمر- رضى اللّه عنه- قال: زاد عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- فى المسجد من جهة الشام، قال: لو زدنا فيه حتى نبلغ الجبانة لكان مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لو بنى هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدى».

و روى غيره مرفوعا أنه قال: «هذا مسجدى، و ما زيد فيه فهو منه، و لو بلغ صنعاء لكان مسجدى». كذا فى «الدرة الثمينة فى أخبار المدينة».

***

____________

(1) أخرجه: مسلم 9/ 167، أحمد 6/ 334، ابن أبى شيبة 2/ 371، عبد الرزاق فى مصنفه 5/ 121. و فيه إبراهيم بن عبد اللّه بن معبد. هو: ابن العباس بن عبد المطلب: صدوق (التقريب 1/ 38).

(2) هذا ثابت من حديث أبى هريرة فى كل مسجد كما فى الحديث الذى أخرجه: البخارى 1/ 127 (الأذان: فضل الجماعة)، مسلم 2/ 128، 129.

327

الفصل الثامن فى ذكر فضائل الروضة و المنبر الشريفين‏

ثبت فى الصحيح أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «ما بين بيتى و منبرى روضة من رياض الجنة، و منبرى على حوضى» (1).

و روى: «ما بين حجرتى و منبرى»، و روى: «ما بين قبرى و منبرى» (2).

و فى تفسيره معنيان:

أحدهما: أنه يحصل روضة من رياض الجنة بالعبادة فيه كما قيل: «الجنة تحت ظلال السيوف».

الثانى: أن تلك البقعة قد ينقلها اللّه تعالى فتكون فى الجنة بعينها.

و قيل: يحتمل أن يراد أن العلم و القرآن يقتبسان من النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى ذلك الموضع فسمى روضة، و جاء فى الحديث: رياض الجنة حلق الذكر أهم من أن تكون قراءة القرآن و الدعاء و التسبيح و التهليل و غير ذلك.

و قوله: و منبرى على حوضى قالوا: معناه من لزم العبادة عند المنبر سقى من الحوض يوم القيامة، و بعض العلماء حمله على الحقيقة.

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «قواعد منبرى رواتب فى الجنة» (3) يعنى: ثوابت فى الجنة.

____________

(1) أخرجه: البخارى (1196، 1188)، مسلم 3/ 469، أحمد 2/ 236، 376، 3/ 454، الترمذى (4172، 4173)، البيهقى فى السنن 5/ 247، عبد الرزاق (5243)، الطبرانى فى الصغير 2/ 122، البيهقى فى الدلائل 2/ 564، و الشعب (4146)، و أبو نعيم فى الحلية 3/ 26، 264، 6/ 341، 347.

(2) أخرجه: البخارى 2/ 61 (التهجد: فضل ما بين القبر و المنبر)، أبو يعلى (113)، أحمد فى مسنده 3/ 64، البيهقى فى السنن 5/ 246، و الشعب (4163).

(3) هداية السالك 1/ 112.

328

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «منبرى على ترعة من ترع الجنة» (1). و الترعة فى اللغة:

الباب، و قيل: الترعة: الروضة على مكان مرتفع. و قيل: الترعة: العتبة.

و نقل ابن الزّبير، عن نعيم بن عبد اللّه، عن أبيه، أنه سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول و هو على منبره: «إن قدمىّ الآن على ترعة من ترع الجنة» (2).

و روى أبو داود من حديث جابر أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يحلف أحد عند منبرى هذا على يمين آثمة و لو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار، و وجبت له النار».

فى ذكر ذرع ما بين الروضة الشريفة و مصلّى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و القبر المقدس المطهر

نقل ابن زبالة أن ذرع ما بين المنبر و مصلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) الذى كان يصلى فيه إلى أن توفى أربعة عشر ذراعا. و يقال: و شبر. و أن ذرع ما بين القبر المقدس و المنبر الشريف ثلاث و خمسون ذراعا، و الآن خمسون ذراعا إلا ثلثى ذراع و لعل نقصه عن النقول بسبب ما دخل فى حائز عمر بن عبد العزيز على الحجرة (3).

و ينبغى اعتقاد كون الروضة الشريفة بما هو معروف الآن بل تتسع إلى جدّ بيوته (صلى اللّه عليه و سلم) من ناحية الشام، و هو كان آخر المسجد فى زمانه؛ فيكون كله روضة.

***

____________

(1) أخرجه: أحمد فى مسنده 2/ 360، البيهقى فى السنن 5/ 247، النسائى فى الكبرى (4288)، البغوى فى شرح السنة (455)، ابن سعد 1/ 10.

(2) أخرجه: أحمد فى مسنده 2/ 412.

(3) هداية السالك 3/ 1419، وفاء الوفا 2/ 391.

329

الفصل التاسع فى ذكر فضائل زيارة القبر المقدس‏

عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» (1). رواه الدارقطنى.

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من جاءنى زائرا لا حاجة له إلا زيارتى كان حقا علىّ أن أكون له شفيعا يوم القيامة» (2) أخرجه الطبرانى و الدارقطنى.

و عن أنس بن مالك- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «لا عذر لمن كان ذا سعة من أمتى و لم يزرنى» (3).

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من صلى علىّ عند قبرى سمعته، و من صلى علىّ نائيا بلغته» (4).

رواه أبو بكر بن أبى شيبة و غيره.

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ما من أحد يسلم علىّ إلا ردّ اللّه علىّ روحى حتى أرد (عليه السلام)» (5). رواه أحمد و أبو داود بإسناد صحيح.

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من حج و زار قبرى بعد موتى كان كمن زارنى فى حياتى» (6).

____________

(1) أخرجه: الدارقطنى فى السنن 2/ 278، و ابن النجار (ص: 143)، و أخرجه: ابن خزيمة و أشار إلى تضعيفه، و عزاه فى الشذرة (960) إلى أبى الشيخ، و ابن أبى الدنيا. و قال الذهبى: طرق هذا الحديث كلها لينة يقوى بعضها بعضا.

(2) ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 2، و عزاه للطبرانى فى الأوسط و الكبير. و فيه: مسلمة بن سالم ضعيف.

(3) ذكره ابن جماعة فى هداية السالك 1/ 113، و عزاه للحافظ ابن عساكر بمعناه.

(4) رواه البيهقى كما فى فتح البارى، و يشهد له حديث أبى هريرة عند أبى داود 2/ 218: «و صلوا علىّ فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم».

(5) أخرجه: أبو داود 2/ 218، أحمد فى مسنده 2/ 527.

(6) أخرجه: الدارقطنى فى السنن 2/ 278، و الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 2، و عزاه للطبرانى فى الكبير و الأوسط و الصغير.

330

و عن على- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من حج و لم يزر قبرى فقد جفانى» (1). ذكره أبو اليمن فى كتابه «تحفة الزائر».

و عن كعب أنه قال: ما من فجر يطلع إلا نزل عليه سبعون ألف ملك من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم و يصلون على النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، حتى إذا أمسوا عرجوا، و هبط سبعون ألفا حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم و يصلون على النبى (صلى اللّه عليه و سلم)؛ سبعون ألفا بالليل و سبعون ألفا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج فى سبعين ألف من الملائكة (2).

و روى عنه (عليه السلام) أنه قال: «من زارنى فى المدينة متعمدا كان فى جوارى يوم القيامة» (3). أخرجه عبد الواحد التميمى فى كتابه المسمى بجواهر الكلام.

و فى رواية أنس بن مالك: «من زارنى فى المدينة محتسبا؛ كان فى جوارى، و كنت شفيعا له يوم القيامة» (4).

و عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من زارنى بعد موتى فكأنما زارنى فى حياتى» (5).

***

____________

(1) ذكره ابن النجار فى «الدرة الثمينة فى تاريخ المدينة» 2/ 397.

(2) ذكره ابن الجوزى فى مثير الغرام الساكن (ص: 487)، و ابن عساكر فى مختصر تاريخ دمشق 2/ 407، و عزاه السيوطى فى الخصائص إلى ابن المبارك، و ابن أبى الدنيا 2/ 376، و ابن النجار (ص: 145) و قد تحرف فيه المتن قليلا. و البيهقى فى الشعب (4170) عن وهب بن منبه.

(3) ذكره الهندى فى كنز العمال 5/ 652، و عزاه للبيهقى فى الشعب، و انظر: الجامع الصغير و فيض القدير 6/ 140.

(4) أخرجه: البيهقى فى الشعب (4157)، و ابن عساكر فى مختصر تاريخ دمشق 2/ 406، المنذرى فى الترغيب و الترهيب 2/ 224، و راجع تنزيه الشريعة 2/ 176، و اللالئ المصنوعة 2/ 72، و تذكرة الموضوعات (75).

و فيه سليمان بن يزيد الكعبى ذكره ابن حبان فى الثقات، و قال: و زعم ابن عبد الهادى أن روايته عن أنس منقطعة، و أنه لم يدركه، فإنه إنما يروى عن التابعين و أتباعهم. قلت: و ضعفه الدارقطنى.

(5) أخرجه: الدارقطنى فى السنن 2/ 278.

331

الفصل العاشر فى ذكر فضائل الأسطوانة المخلقة

و هى التى صلى إليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المكتوبة بعد تحويل القبلة ببضعة عشر يوما، ثم تقدم إلى مصلاه و هى الثالثة من المنبر، و الثالثة من القبلة، و الثالثة من القبر الشريف، و الخامسة من رحبة المسجد اليوم.

و هى متوسطة فى الروضة، و تعرف أيضا بأسطوانة المهاجرين؛ لأن أكابر الصحابة كانوا يصلون إليها و يجلسون حولها. و تسمى أيضا: أسطوانة عائشة- رضى اللّه عنها- للحديث الذى روت فيه: أنها لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسهمان‏ (1).

و هى التى أسرّت بها إلى ابن أختها عبد اللّه بن الزّبير، و كان أكثر نوافل عبد اللّه ابن الزّبير إليها، و يقال: إن الدعاء عندها مستجاب‏ (2).

***

____________

(1) أى: لاقترعوا على الصلاة عندها.

(2) هداية السالك 1/ 117.

332

الفصل الحادى عشر فى ذكر فضائل أسطوانة التوبة

و هى التى ارتبط بها أبو لبابة بشر بن عبد المنذر الأنصارى الأوسى.

و نقل ابن زبالة أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان يصلى نوافله إليها. و فى رواية: كان أكثر نوافله إليها، و كان إذا صلى الصبح انصرف إليها. و قد سبق إليها الضعفاء و المساكين، و أهل الضر و ضيفان النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و المؤلفة قلوبهم، و من لا مبيت له إلا المسجد، فينصرف إليهم من مصلّاه من الصبح فيتلو عليهم ما أنزل اللّه تعالى عليه من ليلته و يحدثهم الحديث‏ (1).

و عن ابن عمر رضى اللّه عنه: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا اعتكف يطرح له فراشه و يوضع له سريره إلى أسطوانة التوبة مما يلى القبلة يستند إليها (2).

و هى الثانية من القبر الشريف، و الثالثة من القبلة، و الرابعة من المنبر، و الخامسة من رحبة المسجد اليوم‏ (3).

و عن عبد اللّه بن أبى بكر قال: ارتبط أبو لبابة إلى هذه الأسطوانة بضعة عشر ليلة، و كانت ابنته تأتيه عند كل صلاة فتحله فيتوضأ و يصلى حتى نزلت آية توبته بينها و بين القبر، فجاءوه ليحلوه، فقال: لا حتى يحلنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و حلّه منها.

و خلفها من جهة الشمال أسطوانة أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- و تعرف بالمحرس؛ لأنه- رضى اللّه عنه- كان يجلس إليها لحراسة النبى‏

____________

(1) أخرجه: البخارى 1/ 102 (الصلاة: باب الصلاة إلى الاسطوانة). مسلم 2/ 59 (الصلاة: دنو المصلى من السترة).

(2) أخرجه: البيهقى فى السنن 5/ 247، ابن ماجه 1/ 564.

(3) تفسير أحكام القرآن لابن العربى 2/ 998، تفسير آية وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ. و الاستيعاب بهامش الإصابة 4/ 168.

333

(صلى اللّه عليه و سلم)، و هى مقابل للخوخة التى كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخرج منها من بيت عائشة- رضى اللّه عنها- إلى الروضة الشريفة للصلاة (1).

و خلفها- أيضا- أسطوانة الوفود؛ يروى: أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، و كانت مما تلى رحبة المسجد قبل أن يزاد فى السقف القبلى الرواقان المستجدان، و كان يعرف أيضا بمجلس القلادة؛ لأنه كان يجلس إليها الرؤساء من الصحابة و أفاضلهم رضى اللّه عنهم أجمعين‏ (2).

***

____________

(1) هداية السالك 1/ 116، 117.

(2) هداية السالك 1/ 118.

334

الفصل الثانى عشر فى ذكر آداب زيارة القبر المقدس‏

و هو قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) العربى القرشى المدنى الهاشمى محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب خاتم الأنبياء و المرسلين صلوات اللّه عليه و على آله و صحبه أجمعين؛ فإن زيارته مستحبة مندوبة قريبة إلى الواجب فى حق من كان له سعة و قدرة على ما قال (صلى اللّه عليه و سلم): «من وجد سعة و لم يفد إلىّ فقد جفانى» (1).

و فى رواية: «ما من أحد من أمتى له سعة و لم يزرنى فليس له عذر عند اللّه تعالى».

و عنه (صلى اللّه عليه و سلم): «من جاءنى زائرا لا يهمه إلا زيارتى كان حقا على اللّه تعالى أن أكون شفيعا له» (2).

و قال (عليه السلام): «من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى فى حياتى» (3).

و فى الباب أحاديث كثيرة قد تقدم بعضها و يكفى هذا القدر للمؤمن الذى يدّعى محبته؛ فينبغى للحاج أن يهتم بزيارة قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بعد الفراغ من حجة، و أن لا يضع أكوار الحزم عن رواحل العزم إلا بعد التوجه إلى حضرته، قال (صلى اللّه عليه و سلم):

«من حج و لم يزرنى فقد جفانى».

و ينبغى للزائر إذا وصل إلى المدينة الشريفة أن يغتسل و يلبس أنظف و أحسن ثيابه‏ (4)، و يمس شيئا من الطيب على بدنه و ثوبه و لو يسيرا، و يستحضر فى قلبه أنس أرض مشى جبريل- (عليه السلام)- فى عرصتها. و اللّه شرّف أرضها و سماها، و يكثر الصلاة و التسليم على النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فى الطرق، فإذا وقع بصره على حيطان‏

____________

(1) ذكره ابن النجار فى تاريخ المدينة 2/ 397، و انظر: المقاصد 1178، كشف الخفاء 2612، الموضوعات 2/ 217، الفوائد المجموعة (ص: 118).

(2) ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 2، و عزاه للطبرانى فى الأوسط و الكبير.

(3) أخرجه: الدارقطنى فى السنن 2/ 278، و الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 2، و عزاه للطبرانى.

(4) انظر فى ذلك: الإيضاح للنووى (ص: 49)، المجموع 8/ 215، شرح اللباب (ص: 336).

335

المدينة و الأشجار فليزد من الصلاة و التسليم عليه و الاستغفار، و يسأل اللّه تعالى أن ينفعه بزيارته و يسعده بها فى الدارين و يقول: اللهم هذا حرم نبيك و رسولك فاجعله لى جنة من سوء الحساب، و وقاية من النار (1).

فإذا قرب إلى درب المدينة يقول: اللهم رب السموات السبع و ما أظللن، و رب الأرضين السبع و ما أقللن، و رب الرياح و ما ذرين، أسألك خير هذه القرية و خير من فيها، و نعوذ بك من شر هذه القرية و شر من فيها (2).

و إذا وقع بصره على المدينة و على الحرم النبوى نزل عن الرواحل، و لا يركب مركبا؛ لأن العلماء لا يرون ذلك أدبا.

و كان مالك بن أنس- (رحمه اللّه)- يقول: أستحيى من اللّه تعالى أن أطأ تربة فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بحافر دابتى.

ثم يدخل على هيئة الخشوع و التواضع و المسكنة و الوقار مشتغلا بالدعاء و الأذكار متفكرا فى نفسه شرفها و جلالة من شرفت به، و متأملا فى قلبه أنها دار الهجرة و مهبط الوحى و أصل الأحكام و منبع الإيمان و مظهر الإسلام، و يقول عند دخوله:

بسم اللّه و على ملة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، رب أدخلنى مدخل صدق و أخرجنى مخرج صدق و اجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا (3).

و يقصد فى دخوله باب الصلاة (4). فإذا وصل إلى باب المسجد صلّى عليه و سلم، و يقدم رجله اليمين و يطرق بصره على الأرض، و يكثر من التواضع و الخشوع و المسكنة و التذلل، و يقول: اللهم صلّ على محمد و على آل محمد،

____________

(1) أورده النووى فى الأذكار (ص: 306).

(2) أخرجه: النسائى فى عمل اليوم و الليلة (ص: 367- 368)، و موارد الظمأن (ص: 590)، و الحاكم فى المستدرك 1/ 446، و قال: صحيح الإسناد، و وافقه الذهبى. و أخرجه: البيهقى فى السنن 5/ 252، و الطبرانى فى الدعاء 2/ 1188.

(3) الإيضاح (ص: 490- 491)، المجموع 8/ 215، شرح اللباب (ص: 336)، هداية السالك 3/ 1374.

(4) انظر: آداب دخول المسجد النبوى و الزيارة فى: الإيضاح (ص: 492- 494)، فتح القدير 3/ 336، هداية السالك 3/ 1372، شرح اللباب (ص: 336).

336

اللهم اغفر لى ذنوبى و افتح علىّ أبواب فضلك و أبواب رحمتك.

ثم يتوجه إلى منبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يصلى عنده ركعتين بحيث يكون عمود المنبر بحذاء منكبه اليمين؛ فإنه موقف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و يقرأ فى الركعة الأولى الفاتحة و قل يا أيها الكافرون، و الثانية الفاتحة و قل هو اللّه أحد، ثم يسجد شكرا للّه تعالى على الوصول إلى تلك البقعة الشريفة و البلوغ إلى تلك الروضة المنيفة؛ على قول من يرى سجدة الشكر معتبرة مشروعة كأبى يوسف و محمد و الشافعى- رضى اللّه عنهم- و يدعو بما أحب.

و إن كان يخاف فوات المكتوبة يبدأ بها؛ فإن تحية المسجد تحصل بها أيضا، و يدعو بعدها.

ثم ينهض و يتوجه إلى قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و يقف عند رأسه و يدنو منه و يكون وقوفه بين القبر و المنبر مستقبلا للقبلة، و لا يضع يده على جدران الحظيرة و لا يقبلها؛ فإن تلك ليست من سنن الصحابة رضى اللّه عنهم؛ بل يدنو على قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع، و يصلى على النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و على الصديق و الفاروق على ما يأتى، ثم يبعد عنها قدر رمح أو أقل؛ فإن ذلك أقرب إلى الحرمة. كذا عن الفقيه أبى الليث و عن أصحابنا أيضا.

و رأيت فى مناسك أصحاب الشافعى- رضى اللّه عنهم- و غيره: أنه يقف على وجه يكون ظهره إلى القبلة و وجهه إلى الحظيرة، و الصحيح ما ذكرنا؛ لأنه جمع بين العبادتين مع استقبال القبلة فى حالة واحدة.

فإذا وقف بحذاء رأسه- (عليه السلام)- على ما ذكرنا يقف بالحرمة ناظرا إلى الأرض غاض البصر مطرق، و يضع يمينه على شماله كما فى الصلاة، و يمثل صورته الكريمة فى عينه أنه موضوع فى اللحد ما زال كالنائم، و أنه عالم بحضوره و قيامه و زيارته، و أنه يسمع كلامه و سلامه و صلاته؛ لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «من صلى علىّ عند قبرى سمعته، و من صلّى نائيا بلغته»؛ و لأنه أوفر تعظيما له فى قلبه و يقول:

السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا نبى اللّه، السلام عليك يا حبيب اللّه، السلام عليك يا أمين وحى اللّه، السلام عليك يا صفوة اللّه، السلام عليك يا

337

خيرة اللّه، السلام عليك يا أشرف خلق اللّه، السلام عليك يا أفضل رسل اللّه، السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا أحمد، السلام عليك يا محمود، السلام عليك يا أبا القاسم، السلام عليك يا بشير، السلام عليك يا نذير، السلام عليك يا شاهد، السلام عليك يا طاهر، السلام عليك يا ماحى، السلام عليك يا سيد المرسلين، السلام عليك يا شفيع المذنبين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا خاتم النبيين، السلام عليك يا إمام المتقين، السلام عليك و على أهل بيتك الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، السلام عليك و على أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك و على أصحابك أجمعين، السلام عليك و على سائر الأنبياء و المرسلين و جميع عباد اللّه الصالحين، جزاك اللّه عنا يا رسول اللّه أفضل ما جزى نبيا عن قومه، و رسولا عن أمته، و أشهد أنك يا سيدى رسول اللّه قد بلغت الرسالة، و أديت الأمانة، و نصحت الأمة، و أوضحت الحجة، و جاهدت فى اللّه حق جهاده، و عبدت ربك حتى أتاك اليقين، صلى اللّه عليك كلما ذكرك الذاكرون و كلما غفل عن ذكرك الغافلون، و صلى اللّه عليك فى الأولين و الآخرين أفضل و أكمل و أطيب ما صلى على أحد من خلقه أجمعين، و صلى اللّه عليك و على روحك فى الأرواح، و على جسدك فى الأجساد، و على قبرك فى القبور. نحن وفدك و زوّارك يا رسول اللّه، و نحن قصّادك و أضيافك يا أكرم الخلق على اللّه، جئناك من بلاد شاسعة و أمكنة بعيدة، قطعنا إليك السهل و الجبل و الحرار، و خضنا المهامة و المفاوز و القفار، و قصدنا به قضاء حقك، و النظر إلى مآثرك، و التيمن بزيارتك، و التبرك بالسلام عليك، و قد حللنا رحيب فناءك و أنخنا بساحة جودك و إنعامك؛ و أنت خير مخلوق وفد إليه الرجال و شدّت إلى فناءه الرحال، و قد ندبتنا إلى إكرام الضيف، و حرضتنا على قرى الوافد، و أنت أولى بذلك منا؛ فقد وصفك اللّه تعالى بالخلق العظيم و سمّاك بالرءوف الرحيم، فاجعل قرانا الشفاعة إلى ربنا و ربك، و اجعل ضيافتنا أن تسأل اللّه تعالى لنا أن يحيينا و يميتنا على ملتك، و أن يحشرنا يوم القيامة فى زمرتك، و يوردنا حوضك، و يسقينا بكأسك غير خزايا و لا نادمين و لا مبدلين و لا مغيرين، و أن يبلغنا آمالنا فى الدنيا و الآخرة،

338

و يصلح أحوالنا الباطنة و الظاهرة، فإن الخطايا قد قصمت ظهورنا، و الأوزار قد أثقلت كواهلنا، و أنت الشافع المشفوع الموعود بالشفاعة الكبرى و المقام المحمود، و قد قال اللّه تعالى فيما أنزل عليك: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (1).

و قد جئناك يا حبيب اللّه ظالمين لأنفسنا مستغفرين لذنوبنا معترفين بإساءتنا فاستغفر لنا إلى ربنا، و استقل لنا من ذنوبنا، و إن لم نكن لذلك أهلا فأنت أهل الصفح الجميل و العفو عن المسيئ المعترف، فافعل بنا ما يليق بكرمك، فقد طرحنا أنفسنا عليك يا رسول اللّه، ليس لنا منقلب عنك و لا ذهاب عن بابك و لا أحد نستشفع به غيرك؛ لأنك نبينا، أرسلك اللّه رحمة للعالمين، و بعثك منقذا للمذنبين فلا تخيب ظننا فيك، و لا تخلف أملنا منك، صلى اللّه عليك و رضى اللّه عن أهل بيتك و أصحابك و أزواجك و أتباعك أجمعين، و عن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

و إن كان أحد من إخوانه و خلّانه من المسلمين أوصاه بتبليغ السلام إلى النبى (عليه السلام) فيقول: السلام عليك يا رسول اللّه من فلان بن فلان يستشفع بك إلى ربك بالرحمة و المغفرة فاشفع له و لجميع المؤمنين؛ فأنت الشافع المشفع الرؤوف الرحيم.

ثم يتحول من ذلك المكان و يدور إلى أن يقف بحذاء وجه النبى (صلى اللّه عليه و سلم) مستديرا للقبلة، و يقف لحظة و يصلى عليه مرة أو ثلاثا (2).

ثم يتحول من ذلك الموضع قدر ذراع إلى أن يحاذى رأس الصديق رضى اللّه عنه؛ فإن رأس الصديق عند منكب النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم يقول: السلام عليك يا خليفة رسول اللّه، السلام عليك يا صاحب رسول اللّه فى الغار، السلام عليك يا رفيق رسول اللّه فى الأسفار، السلام عليك يا أمين رسول اللّه فى الأسرار، السلام عليك يا صديق، جزاك اللّه أفضل ما جزى إماما عن أمة نبيه؛ فقد خلفته بأحسن‏

____________

(1) سورة النساء: آية 64.

(2) هداية السالك 3/ 1376، و هذه الصيغ فى السلام على النبى (صلى اللّه عليه و سلم) إنما هى اختيارات للعلماء، و ليس فيها تحديد، و أى صيغة ألهمك اللّه إياها فهى صيغة مقبولة إن شاء اللّه.

339

الخلف، و سلكت طريقه و مناهجه بأحسن المناهج، و قاتلت أهل الردة و البدعة، و نصرت الإسلام، و كفلت الأيتام، و وصلت الأرحام، و لم تزل قائلا للحق ناصرا لأهله إلى أن أتاك اليقين. رضوان اللّه عليك و سلامه و بركاته. أسأل اللّه تعالى أن يميتنا على محبتك، و أن يحشرنا فى زمرة نبينا و نبيك و زمرتك، و أن ينفعنا بمحبتك كما وفقنا لزيارتك. إنه هو الغفور الرحيم‏ (1).

ثم يتحول قدر ذراع إلى أن يحاذى رأس قبر الفاروق عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه-؛ فإنه رأسه عند منكب أبى بكر الصديق- رضى اللّه عنه- فيقول:

السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مظهر الإسلام، السلام عليك يا كاسر الأصنام، السلام عليك يا من أعز اللّه به الإسلام، و دفع به الكفر و الأصنام. جزاك اللّه عنا يا أمير المؤمنين أفضل ما جزى إماما عن أمة نبيه، و لقد سلكت بأمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) طريقة مرضية، و سرت فيهم سيرة نقية، و أمرتهم بما أمرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و نهيتهم عما نهاهم عنه، و كنت فيهم هاديا مهديا، و إماما مرضيا، فجمعت شملهم، و أغنيت فقرهم، و جبرت كسرهم، و لا تألو فى اللّه تعالى و فى عباده جهدا، سلام اللّه عليك و رضوانه و بركاته، أسأل اللّه تعالى أن يحيينا و يميتنا على محبتك، و أن يحشرنا فى زمرة نبينا و زمرتك، السلام عليك يا أمير المؤمنين إنه هو الغفور الرحيم‏ (2).

ثم يرجع قدر نصف ذراع و يقف بين رأس الصديق و رأس الفاروق- رضى اللّه عنهما- و يقول: السلام عليكما يا صاحبى رسول اللّه، السلام عليكما يا ضجيعى رسول اللّه، السلام عليكما يا رفيقى رسول اللّه، السلام عليكما يا وزيرى رسول اللّه، جزاكما اللّه تعالى خير الجزاء. جئنا يا صاحبى رسول اللّه زائرين لنبينا و صدّيقنا و فاروقنا، و نحن نتوسل بكما إلى رسول اللّه ليشفع لنا، و نحن نسأل اللّه تعالى أن يتقبل سعينا، و أن يحيينا على ملتكم، و يميتنا على ملتكم، و يحشرنا فى زمرتكم. ثم يدعو لنفسه و لوالديه و لجميع المؤمنين و المؤمنات و يسأل اللّه تعالى حاجته و يصلى فى آخره على النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و على آله.

____________

(1) المرجع السابق 3/ 1377.

(2) نفس المرجع 3/ 1378.

340

ثم يرجع و يقف عند رأس النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بين القبر و المنبر على الوجه الذى وقف فى الابتداء (1)، و يستقبل القبلة و يحمد اللّه تعالى، و يكثر من الصلاة على النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، و يسأل اللّه تعالى المغفرة و الرضوان لنفسه و لوالديه و لجميع المؤمنين و لمن أحب من إخوانه و أصدقائه و أستاذيه و معلميه، ثم يقول: اللهم إنك قلت و أنت أصدق القائلين: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (2) سمعنا قولك، و أطعنا أمرك، و قصدنا نبيك مستشفعين به إليك بالمغفرة و الرضوان، ربنا اغفر لنا و لآبائنا و لأمهاتنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

و لو أراد أن يزيد أو ينقص فله ذلك؛ لأنه ليس له دعاء على سبيل التعيين؛ بل يدعو بما تيسر له‏ (3). و اللّه الموفق لذلك.

و لا يصلى عند القبر صلاة، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد؛ اشتد غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (4).

و قال (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تتخذوا قبرى عيدا» (5)، و لكن يجئ إلى أسطوانة التوبة- التى ذكرنا- فيصلى عندها ركعتين و يدعو اللّه تعالى بالرحمة و المغفرة، و يشكره على ما أولاه و يسأله بلوغ ما أمله و رجاه، ثم يقصد الروضة فيصلى فيها ما تيسر، و يكثر من الصلاة على النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و الدعاء لنفسه فيها؛ ففى الحديث المتفق عليه: «ما بين بيتى و منبرى روضة من رياض الجنة» (6).

____________

(1) ما ذكر من العود إلى قبالة الوجه الشريف، و التقدم إلى رأس القبر المقدس للدعاء عقب الزيارة لم ينقل عن فعل الصحابة، أو التابعين (رضوان اللّه عليهم أجمعين).

(2) سورة النساء: آية 64.

(3) انظر فى الاختصار فى الدعاء: المجموع 8/ 217، فتح القدير 2/ 337، شرح اللباب (ص: 341) و نبه على أن لا يغفل الزائر عن الأدب و كمال التوجه سواء اختصر صيغة السلام أم لا؛ فإن ذلك هو الأساس.

(4) أخرجه: أحمد فى مسنده 2/ 246، مالك فى الموطا 1/ 172.

(5) أخرجه: أحمد فى مسنده 2/ 367 بلفظه فى ضمن حديث، و أبو داود 2/ 218، فى آخر المناسك ضمن حديث عن أبى هريرة (زيارة القبور). بلفظ: «لا تجعلوا».

(6) أخرجه: البخارى (1196، 1888) مسلم 3/ 469، الترمذى (4172، 4173)، أحمد فى-

341

ثم يأتى المنبر فيقف عنده و يدعو و يصلى؛ فقد روى أن الدعاء هنالك مستجاب.

ثم يأتى إلى الأسطوانة الحنانة التى احتضنها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيحتضنها؛ لأنه السنة؛ لما روى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يستند إلى جذع و يخطب، ثم اتخذ المنبر و كان يقوم عليه، فحنّت التى كان يستند إليها حنينا سمعه أهل المسجد، فأتاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فمسها فسكنت- و فى رواية أنس رضى اللّه عنه: احتضنها فسكنت- و قال: «لو لم أحتضنه- يعنى الجذع- لحنّ إلى يوم القيامة» (1).

و اعلم أن هذا الجذع ليس له اليوم عين و لا أثر؛ فقد روى: أن أبى بن كعب- رضى اللّه عنه- أخذه لما غير المسجد و هدم فكان عنده فى بيته حتى بلى و أكلته الأرضة و عاد رفاة. و لكن اليوم فى موضعها أخرى تزار تبركا بها، و هذا تمام الزيارة و آخرها فى مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).

و ليجتهد أن يبيت فى مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يحيى ليلته فيه بقراءة القرآن و ذكر اللّه تعالى، و يكثر من الاختلاف إلى القبر المطهر و الحظيرة فى كل ساعة من ساعات الليل، و يدعو تارة سرا و تارة جهرا. و يدعو لمن أحب من إخوانه و أولاده فى دعائه، و ليكن الزائر قوى الرجاء حسن الظن، ملاحظا لما لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند اللّه تعالى من عريض الجاه و عظيم الحرمة. متصورا لما جبل عليه الصلاة و السلام من الرأفة و الرحمة و الشفاعة.

***

____________

- مسنده 2/ 246، 376، البيهقى فى السنن 5/ 247، الطبرانى فى الصغير 2/ 122، البيهقى فى الشعب (4146)، عبد الرزاق فى مصنفه (5243)، أبو نعيم فى الحلية 3/ 26، 264.

(1) أخرجه: أحمد فى مسنده 1/ 249، 263، ابن ماجه (1415)، الدارمى (39)، أبو نعيم فى دلائل النبوة (ص: 142).

و فى هذه الأحاديث دليل على أن الجمادات قد يخلق اللّه لها إدراكا كأشرف الحيوانات.

342

الفصل الثالث عشر فى ذكر الكلمات المروية من زوار قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم)

روى محمد بن عبيد اللّه العتبى قال: بينما أنا جالس عند قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فإذا بأعرابى قد أقبل إلى المسجد على بعير فأناخه، ثم دخل المسجد و أتى القبر الشريف فسلم عليه سلاما حسنا و دعا دعاء جميلا، ثم قال: يا رسول اللّه، إن اللّه تعالى قد أنزل عليك كتابا صادقا فيه قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً.

و قد جئتك مستغفرا من ذنبى مستشفعا بك إلى ربى، ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه‏* * * فطاب من طيبهن القاع و الأكم‏

نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه‏* * * فيه العفاف و فيه الجود و الكرم‏

أنت الشفيع الذى ترجى شفاعته‏* * * عند الصراط إذا ما زلّت القدم‏

ثم استغفر و انصرف.

ثم غلبنى النوم فرقدت، فرأيت النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يقول: يا عتبى الحق الأعرابى و بشره أن اللّه قد غفر له بشفاعتى، فخرجت فطلبته فما لقيته‏ (1).

و قال إبراهيم بن شيبان حججت فى بعض السنين فجئت المدينة و تقدمت إلى قبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسلمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: و عليك السلام‏ (2).

____________

(1) مختصر تاريخ دمشق 2/ 408، البيهقى فى الشعب (4178)، ابن النجار (ص: 147)، ابن الجوزى فى مثير الغرام الساكن (ص: 490).

و هى حكاية مشهورة عن العتبى فى كتب المناسك، و لفظ الاستشفاع بالنبى فيه تفصيل ليس هنا موضعه.

(2) أخرجه: الأصبهانى فى الترغيب (102)، ابن الجوزى فى مثير الغرام (ص: 489)، ابن النجار (ص: 146)، و فى سنده ابن جهضم.